← Фикх общий

Фикх общий · id 10276

النقد والبيان في دفع أوهام خزيران

محمد كامل القصاب

Полный текст (246 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفي «الموطأ» (١)

стр. 72

من طريق يزيد بن خَصِيفة، عن السائب بن ... يزيد (١) أنها عشرون ركعة. وروى محمد بن نصر (٢) من طريق عطاء، قال: أدركتهم في رمضان يصلُّون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر. قال الحافظ (٣) : «والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أنّ ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث تطول القراءة تقلل (٤) الركعات، وبالعكس، وبه (٥) جزم الداودي وغيره» ، وقد روى محمد بن نصر (٦) من طريق داود بن قيس، قال: أدركتُ الناسَ في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز -يعني: بالمدينة- يقومون بستٍّ وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث، وقال مالك: الأمر [القديم عندنا (٧) .

стр. 73

وعن الزعفراني عن الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة] (١) بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق (٢) . قال الترمذي: «أكثر ما قيل أنه يصلي إحدى وأربعين ركعة ... بركعة الوتر» (٣) [كذا قال] (٤) ، ونقل ابن عبد البر (٥) عن الأسود بن ... يزيد: أربعين يوتر بسبع، وقيل: ثمان وثلاثين. ذكره محمد بن نصر (٦) عن ابن أيمن (٧) عن مالك. قال الحافظ (٨) : «وهذا يمكن ردُّه إلى الأول، بانضمام ثلاث الوتر، لكن صرَّح في روايته بأنه يوتر بواحدة، فتكون أربعين إلا واحدة.

стр. 74

قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومئة سنة (١) . وروي عن مالك: ست وأربعون، وثلاث الوتر، قال في «الفتح» (٢) : «هذا هو المشهور عنه (٣) ، وقد رواه ابن وهب عن العمري عن نافع، قال: لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعاً وثلاثين، ويوترون منها بثلاث (٤) . وعن زرارة بن أبي أوفى: أنه كان يصلِّي بهم بالبصرة أربعاً وثلاثين ويوتر (٥) . وعن سعيد بن جبير: أربعاً وعشرين (٦) ، وقيل: ست عشرة غير الوتر» (٧) . هذا حاصل ما ذكره في «الفتح» (٨) من الاختلاف في ذلك، وأما العدد الثابت عنه S في صلاته في رمضان، فأخرج البخاري (٩) وغيره (١٠)

стр. 75

عن عائشة، أنها قالت: «ما كان النبيُّ ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. وأما مقدار القراءة (١) في كل ركعة فلم يرد به دليل. انتهى كلام الإمام الشوكاني (٢) . وقال العلامة القسطلاني في «شرحه على البخاري» (٣) : «وروى البيهقي في «المعرفة» (٤) عن الشافعي: «وليس في شيء من هذا -أي: من الاختلاف في عدد صلاة التراويح- ضيقٌ، ولا حد ينتهي إليه؛ لأنه نافلة، فإن أطالوا القيام، وأقلّوا السجود فَحَسَنٌ، وهذا (٥) أحبُّ إليّ، وإنْ أكثروا الركوعَ والسجود فحسن» ... وعن الشافعي -أيضاً- فيما رواه عنه الزعفراني: «رأيتُ الناسَ يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق» (٦) انتهى. وقال الحنابلة: والتراويح عشرون ركعة، ولا بأس بالزِّيادة نصّاً [أي:] (٧) عن الإمام أحمد» (٨) .

стр. 76

انتهى كلام القسطلاني (١) . وقال شيخ الإسلام ابنُ القيم (٢) ﵀ في بعض «فتاويه» : «أنَّ نفس قيام رمضان لم يوقت النبي ﷺ فيه عدداً معيّناً، بل [هو] (٣) كان ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على ثلاث عشرة ركعة (٤) ، كان يطيل الركعات، فلما جمعهم عمر على أُبَيّ بن كعب كان يصلِّي بهم عشرين ركعة، ثم يوتر بثلاث (٥) ،

стр. 77

وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات، ولأنَّ ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين، ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث، وهذا شائع، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن» ... إلى أن قال: «ومن ظنَّ أنَّ قيام رمضان فيه عدد مؤقتٌ عن النبي ﷺ لا يزاد عليه ولا ينقص منه، فقد أخطأ» . انتهى من «عون الباري لشرح أدلة البخاري» (١) . فهل بعد هذه النُّقول والاختلافات الكثيرة يلتفت إلى دعوى الرَّجُلِ: أنَّ الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين اتفقوا على أنَّ صلاة التراويح عشرون ركعة بالجماعة أول الليل، وفي المسجد؟ وأنه لم يسمع عن أحد منهم مخالفة في ذلك. وأيّ ضير علينا إذا جمعنا بالناس بالتراويح في البيت بالعدد الذي صلى به الرسول الأعظم ﷺ ، وكما كان يصلِّي، بالخشوع والترتيل، وتعديل الأركان، وتخلُّصاً من أدائها على الوجه المعلوم الذي تؤدَّى به اليوم في أكثر المساجد من العجلة، وتضييع الأركان والواجبات، فضلاً عن السُّنن والمستحبات، وفراراً من كثرة البدع؛ (كالتوحيش (٢)

стр. 78

-أي: الوداع وغيره-) ، التي لا نَقْدر على إزالتها، ولا يسعنا (١) السُّكوت عليها، ولا نجد -أيضاً- من يساعدنا ممن يعدّون أنفسهم من أهل العلم، على منع مرتكبيها. نقل العلامة الزَّبيدي الشَّهير بمرتضى في «شرح الإحياء» (٢) ، قال: «قال الشيخ الأكبر (٣) -قدس الله سره- في كتاب «الشريعة والحقيقة» (٤) : الصفة التي يقوم بها المصلِّي في صلاته في رمضان أشرف الصِّفات؛ لشرف الاسم بشرف الزَّمان، فأقام الحق قيامه بالليل مقام صيامه بالنَّهار، إلا في الفريضة؛ رحمةً بعبيده وتخفيفاً. ولهذا امتنع رسولُ الله ﷺ أن يقومه بأصحابه؛ لئلا يفترض عليهم فلا يطوقونه، ولو فرض عليهم لم يثابروا عليه هذه المثابرة، ولا استعدوا له هذا الاستعداد، ثم الذين ثابروا عليه في العامة أشأم أداءً، لا يتمُّون ركوعَه ولا سجودَه، ولا يذكرون اللهَ فيه إلا قليلاً، وما سنَّهُ مَن سنَّه على ما هم عليه إلا (٥) المتميزون من الخطباء والفقهاء، وأئمة المساجد، وفي مثل صلاتهم فيه قال النبي ﷺ للرَّجل: «ارجع فصلِّ، فإنَّك لم تصل» (٦) ، فمن عزم على قيام رمضان المسنون المرغَّب فيه، فليتمَّ كما شرع الشَّارعُ الصلاةَ، من الطمأنينة، والوقار، والتَّدبُّر، والتسبيح، وإلا فتركُه أولى» انتهى كلام الزَّبيدي.

стр. 79

ومن تأمَّل في قول خزيران: «ما عدا مَن أزاغ اللهُ قلوبَهم من الاقتصار على أصل المنقول عن النبي ﷺ من الإحدى عشرة ركعة» ، يعلم أنَّ ذلك الدَّعي في العلم يعدُّ العملَ بسنُّة الرسول ﷺ زيغاً -والعياذ بالله تعالى- ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] .

стр. 80

ونجيب على قوله: ألم يطرق سمعه قوله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي ... (١) إلخ» بأننا -ولله الحمد- طرق سمْعَنا، ووصل إلينا خطابُ نبيِّنا ﵊ هذا الذي رواه، ونحن من أشد الناس تمسّكاً به، فصلاتُنا في البيت لا تخالف سنَّة عمرَ، إذ سنّته جمع الناس على قارئ واحد، سواء كان في الجامع أو في غيره، وكان من يجتمع عندنا في البيت يفوق عددهم في بعض الأحيان عدد من يجتمعون في المسجد، أما عدد الركعات؛ فالاختلاف فيه كثير كما تقدَّم. ولم يرد بتحديده سُنَّة، وأكبر دليل على تمسّكنا بسنَّة نبيِّنا، وسنة الشَّيخين من بعده: نهينا الناس عن مخالفة سنَّة الخلفاء الراشدين في تشييع الجنازة برفع الصَّوت (٢) ، وفتوى أحدنا بأنَّ ذلك بدعة لم يفعله النبي ﷺ والخلفاء الراشدون، ولكن نقول لخزيران -مادام يذكِّرنا بأهمية طلب الرسول الأكرم بخصوص التَّمسّك بسنَّة الخلفاء الراشدين-: ما باله شمَّر عن ساعديه، وأخذ يحرِّف الكلم عن مواضعه، لأجل إماتة سنَّة الخلفاء الراشدين التي دعونا الناس إليها، وإحياء البدعة التي تخالفها على خط مستقيم، فهّمنا اللهُ حقيقة دينه. ولا يسعنا هنا إلا أن نلفت نظر مَن شمَّ رائحةَ العلم -دع الراسخين فيه- إلى قول ذلك الرجل: «تصرفات سيِّدنا عمر في صلاة التراويح» ، وقوله: «وكلتاهما (أي: سنة النبي S وسنة عمر ﵁) مطلوب منا فعلُهما شرعاً، مع إثبات الفرق فيما بينهما بنسبة ما بين درجتي مُشَرِّعيّهما، ليعلم الناس مبلغ جهل ذلك الرجل.

стр. 81

ثم قال في الدفاع عن أستاذه الجزَّار: ولو أمعنَ العلامة الزَّنكلوني الفكر بجواب فضيلة أستاذنا المومأ إليه؛ لظهر له أنه لم يختلق كلمةً واحدةً من عنده، بل كل ما نقله فيه معزوٌ إلى محالِّه، ولو راجع الكتبَ المعزوَّ إليها، لوجد تمامَ الموافقة بينها وبين المنقول فيه، اللهم إلا أن يكون هناك تصرّف بسيط (١) في العبارة، فإنه -حفظه الله تعالى- بعد أن نقل حُكم المسألة على مذهبه، مع التَّحرير الدَّقيق، ذكر ما نقله العارف الشَّعراني عن شيخه الخواص (٢) في كتابه «العهود المحمدية» (٣) من جواز تشييع الجنازة بكلمة التَّوحيد، لورود الإذن العام عن الشَّارع بقولها في جميع الأحوال والأزمان، وأيَّده بما نقله عن بعض أئمة الشافعية (٤) ، ثم قال: لا بأس من العمل بقول هذا العارف، للعلَّة التي ذكرها، ومن هنا: يُعلم أنَّ جميعَ ما أورده الفاضل الزَّنكلوني عليه في غير محلّه، وما نقل عن العارف الخواص لجدير بالقبول عند أهل الاختصاص، الذين قد أنار الله بصائرهم، وأماط حجابَ الغَفْلة عن قلوبهم، وخصوصاً في هذا الزَّمان الذي قد استحكمتْ فيه الغفلةُ على الجميع، وعمَّت البلوى فيه للرَّفيع والوضيع.

стр. 82

نقول: إنَّ من يتأمل في جواب العلامة الزنكلوني (١) يَرَ أنه -حفظه الله تعالى- لم يتعرَّض للجزَّار بشيء، ولم يُرِد أن يبَيّن خطأه، أدباً منه، بل بيَّنَ حكمَ الشَّريعة الإسلامية في المسألة، بياناً لا يترك قولاً لقائل، ولمح تلميحاً بضعف استدلال الجزَّار، وهذا لا بدَّ منه لمن أراد أن يبَيّن أحكام الله، أما وقد قام تلميذُ الجزَّار الخاصّ يؤيد الباطل على الحقّ. ويستعمل المغالطةَ في استنتاجه، فقد وجب علينا أن نظهرَ خطأه وخطأ أستاذه صراحةً في فهم قول الخواص، الذي نقله العارفُ الشعراني، وهو: «إذا علم من الماشين مع الجنازة أنهم لا يتركون اللغوَ [في الجنازة] ويشتغلون بأحوال الدنيا، [فـ] ينبغي أن نأمرهم بقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله» (٢) ، وهذا القول لا يفهم منه أن نأمر الناسَ بالذّكر، إذا علم أنهم لا يتركون اللغو، ويراد بالذّكر طبعاً الذكر الخفيّ، كما ذكر ذلك أئمة المذاهب الأربعة، بقولهم: وإذا ذكر الله فلْيذكره سرّاً في نفسه، وبدليل كلام الشعراني نفسه قبل كلام الخواص بأسطر، وهذا نصه: «وينبغي لعالم الحارة، أو شيخ الفقراء في الحارة، أن يعلِّم من يريد المشيَ مع الجنازة آداب المشي معها من عدم اللغو فيها» ... إلى أن قال: «وأخطأ من لغا في طريق الجنازة في حق نفسه، وفي حق الميت، وقد كان السَّلف الصَّالح لا يتكلّمون في الجنازة (٣) ، وكان الغريب لا يعرف من هو قريب الميت حتى يعزِّيه (٤) ؛ لغلبة الحزن على الحاضرين كلِّهم، وكان سيِّدي علي الخواص ... » (٥) إلى آخر ما نقله الجزَّار في فتواه.

стр. 83

هذا ما يفهم من قول الخواص، ولو كان الشَّعرانيُّ حيّاً لما رضي بتفسير الجزار، وباستنتاجه (١) ، وهل يعقل من الإمام الشّعراني بعد أمره بالتَّمسُّك بالآداب المشروعة مع الجنازة، أن يبيح البدعةَ القبيحةَ التي هي خلاف تلك الآداب؟ معاذ الله! ومَنْ حَمل كلام الشَّعراني على الجهر بالذكر وراء الجنازة، فقد أوقعه في الخطأ الصّريح، وتكذيب نفسه لنفسه، ومعارضته نصوص أئمة الدين وإجماعهم، ومخالفة أقوال وأفعال رسول الله ﷺ وأصحابه، وهذا ما نُجلّه عنه. ومما تقدَّم يُعلم: خبطُ الفاضل الجزَّار، وخلطُه في هذه المسألة، ونرجو اللهَ -تعالى- أن لا تكون جميع فتاويه وأحكامه كذلك، مبنيَّة على مجرد انتقال ذهنه لأمر يتوهمه من النصوص التي يطلع عليها من غير تدقيق، ولو كان تلميذُه خزيران يفهم ما يقرأه، لما وقع فيما وقع فيه من تأييد أستاذه فيما ظهر بطلانُه.

стр. 84

وأما استدلال الجزار بقول الخواص: «فإن مع المسلمين الإذن العامّ من الشارع بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ) كلّ وقت شاؤوا» فإن مراد الخوَّاص الإذن في جميع الأحوال والأزمان، هو عموم الأحوال والأزمان التي لم يثبت النهي عن ذكر الله -تعالى- فيها، سراً وجهراً، وإلا لأجزنا لمن يسمع الخطبة يوم الجمعة ولمن يسمع تلاوة القرآن، أن يذكر الله -تعالى- عند الخطبة والتلاوة، مع أنه لم يقل بجواز ذلك أحد، كما أنه لم يقل بجواز رفع الصوت مع الجنازة أحد، ولو انتبه خزيران إلى قول أستاذه: «ولا بأس من العمل بقول هذا العارف للعلّة التي ذكرها» -أي: أن لا يترك اللغو والاشتغال بأحوال الدنيا من يمشي مع الجنازة- لتحقّق أنَّ أستاذه يثبت بقوله: «لا بأس» أن قول لا إله إلا الله مع الجنازة خلاف الأولى، ولو وجد ما يقتضيه من خوف وقوع الناس باللغو، فكيف والحالة أن اللغو إنما يقع عند الصِّياح، ورفع الأصوات التي يتستّر اللاغي بجلبتها؟ ويفعل عما يراد من ذلك، والناس عنه مشغولون بصياحهم المعلوم الذي لا ينكره إلا كلُّ مكابر، فما لاحظه العارفُ الخواَّصُ من الأسباب التي سوَّغت له جواز الأمر بقول لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ أي: سرّاً، مفقودة في زماننا، مع السكوت خلف الجنازة محققة عند رفع الأصوات بذكر أو غيره، فيكون الخواص بتلك الأسباب مانعاً عن قولها في زماننا؛ لفقدان العلة كما أفتى أحدُنا. وقد توقفنا -ولله الحمد- للسَّير بالمسلمين على سنَّة السُّكوت مع الجنازة، بدون أن يقع منهم لغوٌ أو غيبة، إلى أن قام من أخذتهم حميةُ الجاهلية، فأحيوا بدعةً أمتناها، وأماتوا سنةً أحييناها، وحسبهم قوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (١) .

стр. 85

وقول خزيران: «وما نقل عن العارف الخواص لجدير بالقبول عند أهل الاختصاص، الذين قد أنار اللهُ بصائرَهم ... » إلخ، غريب؛ لأنّ الخواص لم يرد الجهر بالذِّكر قطعاً، على أننا لو سايرنا خزيران في فهمه، وقلنا: إنَّ الخواص أراد بالذِّكر الذكر جهراً، فهل يرضى أهلُ الاختصاص أن يتركوا سنّة الرسول ﷺ ، ويتركوا ما كان عليه الصحابة والأئمة المجتهدون، وما كان عليه السلفُ الصالح، ثم يتبعوا بدعةً قال بها الخواص -على ما فهمه خزيران- لأمرٍ جرى في زمنه واقتضى ذلك؟ اللهم، إلا إذا أراد بأهل الاختصاص: نفسه وأستاذه والمنشدين أمام الجنازة ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] . قال: ودعوى الأستاذ الزنكلوني من أنَّ العمل به -أي: بما نقل عن الشَّعراني- خاصٌّ في حالة لا يتعدّاها، لا برهان له عليها، كما وإنَّ حُجَّتَه التي ردّدها في جوابه لا تفيدنا، كذلك دعواه كراهة الذِّكر بها، استناداً على ما كان عليه الصَّدرُ الأول غير صحيحة، لما أنَّ الكراهةَ حكم من أحكام الدِّين، فلا بدَّ لها من دليل ينتجها، ولا تثبت إلا بإيراد نصٍّ صريح صحيح، يفيد النَّهيَ عن الذِّكر بها جهراً في هذا الموطن، حتى يتخصص عمومُ الإذن المذكور، وأنّى له ذلك؟!

стр. 86

نقول: إنَّ البرهان على دعوى الأستاذ العلامة الزنكلوني، بتخصيص العمل بقول الشعراني، بجواز الذِّكر بكلمة التوحيد مع الجنازة في حالة لا يتعدّاها، وعلى قوله بكراهة الذِّكر بها في ذلك الموطن، هو ما اعترف به خزيران نفسه، من عمل الصَّدر الأول، الذي هو المشروع في تلك الحالة، وهو الصَّمتُ، والمعمول به في كل مذهب من المذاهب المعتبرة (١) ، فهو أصل الحكم بكراهة الذّكر بها حينئذ، والسُّنَّة العملية التي درج عليها الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون، أكبر دليل على ذلك؛ لأنَّ الفعل في باب التأسي والامتثال، أبلغ من القول المجرد، كما ذكره الأصوليون (٢) ، وكل ذلك منطوٍ في جواب العلامة الزنكلوني، يفهمه من ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] . قال: وبعد التأمل الصحيح؛ يتبيَّن أنه لا منافاة بين ما كان عليه الصّدر الأول، وبين قول العارف المومأ إليه، بل هناك موافقة كلّية بينهما، وكلاهما طريق موصل للغرض الذي يرمي إليه الدِّين الإسلامي عند تشييع الجنازة من العظة، والتفّكر بالموت، إذ أن ذكر كلمة التوحيد مع ملاحظة معناها كما هو المطلوب شرعاً، أقوى باعث، وأكبر مساعد، لتناول تلك الحكمة لما هو محسوس من حصول الخشوع، وحضور القلب، ومراقبة الحقّ، للذّاكر، ولا أخال مسلماً ينكر ذلك، بل لكل مؤمن حاسةٌ ذوقية، يُدرك بها ذلك عند التلاوة، ولذا كان الإذن بها عن الشارع عاماً بكل حالٍ وآنٍ.

стр. 87

نقول: إنَّ احتجاجه على صحة فتوى أستاذه بوجود الموافقة بين ما كان عليه الصدر الأول وبين قول الشعراني، موافقة تامة من حضرته على صحة حكم العلامة الزّنكلوني بخطأ أستاذه الجزَّار في جوابه بضد ما كان عليه الصدر الأول، ورجوعه على نفسه بالنقض في جميع ما أتعب نفسه فيه، من المحاولات الفارغة لإثبات صحة ما أجاب به أستاذه، وكان الأجدر والأليق به: أن يسكت على ما حصل في القضيّة، وعلى جواب أستاذه في الجملة؛ تخلصاً من هذه المغالطات الزَّائدة، التي فضحته، وبيّنت درجتَه ودرجةَ أستاذه العلميَّة، لدى الخاصِّ والعام، إذ لا أمير في العلم إلا العلم (١) . وأما قوله: «إنّ ذكر كلمة التّوحيد مع ملاحظة معناها كما هو المطلوب ... » إلى آخر ما جاء في كلامه.

стр. 88

فالجواب عنه: إن كلمة التوحيد بالشرط الذي ذكره، من ملاحظة معناها، لا ريب أنه أقوى باعث، وأكبر مساعد على حصول الخشوع وحضور القلب للذَّاكر بها، ولا شكَّ أنَّ كلَّ مسلم يدركُ ذلك عند التلاوة، ولكن من أين يجيء ملاحظة المعنى، والذَّاكرون قد شغلهم الصِّياحُ والضَّجيجُ، واكتناف الناس أهل الميت لتخفيف آلامهم، والنساء من خلفهم ينادين بالويل والثُّبور، والمؤذِّنون المأجورون أمامهم يصيحون، وإلى ذوي الجنازة ينظرون، كي يجزلوا لهم العطاءَ، ويقدِّروا لهم التَّعَبَ والشَّقاء! فلكلٍّ من المشيعين شاغلٌ يشغله، عن ملاحظة معنى الذِّكر بالاتفاق بيننا وبين المعترض، اللهم إلا إذا كان من أهل الاختصاص، الذي لهم حاسة ذوقيّة لا يشغلهم شاغلٌ عن ذكر الله، وهم من عناهم بقوله فيما سبق: بل إنه يوافق معنا على أنَّ أكثر الناس لا يخرجون لتشييع الجنائز، إلا مراعاة لخاطر قربى الميت، ولذلك تجد خروجهم مع جنازة الفقير قليلاً، وتزاحمهم للخروج مع جنازة الغنيِّ كثيراً، فمن قصد في خروجه مع الجنازة مرضاة العباد، كيف يتيسَّر له ملاحظة معنى الذكر الذي يقوله تبعاً لا قصداً، بل إذا ذكر في مثل تلك الحال؛ فإنما يكون موافقةً للناس في اللَّفظ دون القصد.

стр. 89

ثم قال: ولا يبعد أن يقال في هذا الموضوع: إنَّ العرف العام وتعامل المسلمين في البلاد المصريَّةِ والشَّاميةِ وغيرِهما من بلاد المسلمين قديماً وحديثاً، واتفاقهم على تشييع جنائزهم بالجهر بالتَّهليل والتكبير من غير خروج عن الحدّ الشّرعي، حتى صار ذلك شعاراً لميِّتهم، يتميَّز به عن ميت غيرهم، يصلح مخصصاً لسنَّة الصّمت، لما تقرر في الأصول أنَّ العرفَ العام يصلح مخصصاً للنص الشرعي، لا ناسخاً (١) .

стр. 90

واختلف في الخاصّ (١) ، فقيل.. وقيل..، والصحيح: لا، وذلك بأن تكون سنة الصمت في وقت عدم غفلة المشيعين عن الحكمة، كما هو شأن الصَّدرِ الأول، والسلف الصالح المنقول ذلك عنهم، والجهر بالذكر حال استيطان الغفلة في القلوب، أو خوف الوقوع في محرَّم، كما هو حال أهل هذا الزّمان، كما خصص العلماء عمومَ حديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان (٢) الشامل للاستصناع، بتعامل المسلمين عليه بينهم (٣) .

стр. 91

نقول: إنَّ العرف العام لا يكون حُجَّةً إلا إذا كان من المسلمين كافة في البلدان كلها، وذلك ما لا يمكن إثباته؛ لأنَّ المسلمين في معظم البلاد الإسلامية؛ كمكة، والمدينة، والأناضول، والرومللي (١) ، والهند، وأفغانستان، وبخارى، وجاوا، وغيرها سائرون على العمل بما كان عليه رسول الله ﷺ ، وخلفاؤه الراشدون، أئمة الدِّين، من تشييع الجنازة بالصَّمت (٢) . يَعلمُ ذلك كلُّ مَن زار تلك البلاد، ووقف بالمشاهدة على أحوال أهلها، لا كما ادّعاه حضرة خُزيران رجماً بالغيب؛ لأنّ أحدنا شاهد ذلك في معظم البلدان التي ذكرناها شهادة عين، وبهذا نكتفي عن إطالة البحث مع حضرة الرجل في خطبه بنهاية كلامه هنا في مسائل كان فيها كحاطب ليل، ولا علاقة لها بالموضوع، وإنّما فعل ذلك حُبّاً للظُّهور (٣) ، واتِّباعاً للهوى، ومخالفةً للحقِّ المشهور، وإيهام الناس بنقل ألفاظ الخاص والعام، والاستصناع بأنه من أهل الاطِّلاع، ومن ذلك الخبطِ: تصرُّفه في حكم الشَّريعةِ المصونةِ بتخصيصه سُنَّةَ الصَّمت في وقت عدم غفلة المشيعين عن الحكمة، وإباحة الجهر بالذِّكر حال استيطان الغفلة في القلوب، أو خوف الوقوع في محرَّم، على أنَّ التَّعرض لذلك اعتراف منه بأن السُّنَّة هي الصَّمت، فما كان أهنأ له! لو أراح نفسَه من تلك الجهود التي كانت نتيجتُها الاعتراف بما قاله العلامة الزّنكلوني في المسألة، موافقة لفتوى أحدنا. وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهمِ السقيمِ (٤)

стр. 92

وهنا نختم المقال مع خزيران بخصوص تمسّكه في جواز التّهليل والتَّكبير مع الجنازة بورود الإذن العام (١) بها في جميع الأحوال والأزمان من النقل الذي استدل به أستاذُه الجزَّار من كلام الشَّعراني، ونثبت له خطأه وخطأ أستاذِه في وجهة الاستدلال، وذلك بنقل ما ذكره الحافظ الإمام الأصولي أبو إسحاق الشَّهير بالشاطبي في بحث البدع من كتابه «الاعتصام» (٢) ، قال: «إنَّ الدَّليلَ الشَّرعيَّ إذا اقْتَضَى أمراً في الجملة مما يتعلَّق بالعبادات مثلاً، فأتى به المكلَّف في الجملة -أيضاً-؛ كذكر الله، والدُّعاءِ، والنَّوافلِ، والمستحبَّاتِ، وما أشبَهَها مما يُعلَم من الشَّارع فيها (٣) التوسعة، كان الدّليل عاضداً لعمله (٤) من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة عمل السلف الصالح به. فإنْ أتى المكلَّفُ في ذلك الأمر بكيفيةٍ مخصوصةٍ أو زمانٍ مخصوصٍ، أو مكان مخصوص، أو مقارناً لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلاً (٥) أن الكيفية أو الزَّمان أو المكان مقصودُه شرعاً، من غير أن يَدُلَّ الدَّليلُ عليه، كان الدليلُ بمعزل عن ذلك المعنى المُستَدَلّ عليه.

стр. 93

فإذا نَدَبَ الشَّرعُ -مثلاً- إلى ذكر الله، فالتزم قومٌ الاجتماع عليه على لسان واحد، وبصوت (١) واحد، أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات، لم يكن في ندب الشَّرع ما يدلُّ على هذا التخصيص المُلتزَم، بل فيه ما يدلُّ على خلافه؛ لأنَّ التزام الأمور غير اللازمة شَرعاً شأنها أنْ تُفْهِمَ التَّشريع، وخصوصاً مع من يقتدى به في (٢) مجامع الناس كالمساجد، فإنّها إذا أُظْهِرَت هذا الإظهارَ، ووُضِعت في المساجد كسائر الشَّعائر التي وضعها رسولُ الله S في المساجد وما أشبَهَها -كالأذان، وصلاة العيدين، والاستسقاء، والكسوف- فُهِمَ مِنها بلا شك أنَّها سُنَنٌ إنْ (٣) لم يُفهم منها الفريضة (٤) ، فأحرى أنْ لا يتناولها الدَّليل المُستَدَلُّ به، فصارت من هذه الجهة بِدَعاً مُحْدثة.

стр. 94

يَدُلُّكَ (١) على ذلك تركُ التزامِ السَّلفِ الصالحِ لتلك الأشياء، أو عَدَمُ العمل بها، وهم كانوا أحقَّ بها وأهلَها لو كانت مشروعةً على مقتضى القواعد؛ لأنَّ الذِّكر قد نَدَب إليه الشَّرعُ ندباً في مواضعَ كثيرةٍ، حتى إنّه يُطْلب فيه تكثيرٌ من عبادة (٢) من العبادات ما طُلِب من التكثير مِنَ الذِّكر؛ كقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ... ﴾ الآية [الأحزاب: ٤١] ، وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] ، [وقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ ] (٣) [الأنفال: ٤٥] ، بخلاف سائر العبادات.

стр. 95

ومثل هذا الدُّعاء؛ فإنه ذِكر الله، ومع ذلك؛ فلم يلتزموا فيه كيفيّات، ولا قيَّدوه بأوقات مخصوصةٍ -بحيث يُشعر باختصاص التَّعَبُّد بتلك الأوقات- إلا ما عيَّنه الدّليل؛ كالغَداة والعَشيِّ، ولا أظهروا منه إلا ما نص (١) الشَّارعُ على إظهاره؛ كالذِّكر في العيدين وشبهه، وما سِوى ذلك، فكانوا مثابرين على إخفائه وسَتْره (٢) ؛ ولذلك قال لهم حين رَفَعوا أصواتهم: «أرْبِعُوا على أنفسكم؛ إنكم لا تدْ عون أصمَّ ولا غائباً» (٣) وأشباهه، ولم (٤) يُظهروه في الجماعات.

стр. 96

فكلُّ مَن خالف هذا الأصل، فقد خالف إطلاقَ الدَّليل أَوَّلاً؛ لأنَّه قُيّد فيه بالرَّأي، وخالف مَنْ كان أعرفَ منه بالشَّريعة -وهم السَّلفُ الصَّالحُ ﵃، بل [قد] (١) كان رسول الله ﷺ يترك العمل وهو [﵇] يحبُّ أنْ يعمل به؛ [خشية] (٢) أن يعمل به الناسُ فيفرض عليهم» (٣) انتهى كلام الإمام الشاطبي (٤) . ومما نقلناه ههنا عن ذلك الإمام العظيم، يتبيَّن حكم المسائل التي حاول خزيران إثبات جوازها ومشروعيتها بأدلة لا تثبت، بينها وبين المدلول بعد السماء عن الأرض، وهي التزام الناس قراءة سورة الكهف يوم الجمعة على وجه المواظبة في المساجد، بقصد التَّعبد، وطلبِ الثَّواب، واجتماعهم مساء ليلة النصف من شهر شعبان كل سنة بقصد التقرب إلى الله -تعالى- بقراءة سورة (يس) ووردها الخاص، وما شاكل ذلك. وكل ذلك في وقت مخصوص، وحال مخصوص، انتحله الناسُ من عند أنفسهم، واعتقدوا أنه من الدِّين، مع أنه لم يرد في الشَّرع شيء يفيد طلب هذه التخصيصات والالتزامات، بصور وأحوال تلك الأعمال، مما يساعد عليه دليل أصل مشروعية قراءة القرآن، والذِّكر، والدعاء، ولذلك التزم السَّلفُ الصَّالحُ تَركَ تلك الأعمال، وعدم العمل بها، مع أنهم كانوا أحقَّ بها وأهلها.

стр. 97

وقد ذكر الإمام الشاطبي في الكتاب نفسه من (الباب الرابع) في مأخذ أهل البدع بالاستدلال ما نصه: «أنَّ العملَ المتكلَّم فيه -يعني: العملَ المستدلَّ على ثبوته بالأحاديث الضعيفة للتَّرغيب- إمَّا أنْ يكون منصوصاً على أصله جُملة وتفصيلاً، أو لايكون منصوصاً عليه لا جُملة ولا تفصيلاً، أو يكون منصوصاً عليه جُملة لا تفصيلاً» (١) . إلى أن قال: «والثالث -أي: المنصوص عليه جملة لا تفصيلاً-: رُبَّما يُتَوهَّم أنَّه كالأوَّل من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في الجملة فيُسْتَسْهَل (٢) في التَّفصيل نقله من طريق غير مُشترط الصِّحَّة، فمُطلق التَّنَفُّل بالصلاة مشروعٌ، فإذا جاء ترغيبٌ في صلاة -كليلة النِّصفِ من شعبان- فقد عضدَه أصلُ التَّرغيب في صلاة النافلة، وكذلك إذا ثبت أصل صيام [النافلة] (٣) ثبت صيام السابع والعشرين من رجب ... وما أشبه ذلك. وليس كما توهموا؛ لأنَّ الأصل إذا ثبتَ في الجُملة لا يلزم إثباته في التَّفصيل، فإذا ثبت مطلقُ الصلاة لا يلزم منه إثباتُ الظهر، أو العصر (٤) ، أو الوتر، أو غيرها، حتى يُنَصَّ عليها على الخصوص، وكذلك إذا ثبت مطلق الصِّيام؛ لا يلزمُ منه إثباتُ صوم (٥) رمضان، أو عاشوراء، أو شعبان، أو غير ذلك، حتَّى يَثْبُت التَّفصيل بدليلٍ صحيحٍ، ثم يُنظر بعد في أحاديث التَّرغيب والتَّرهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثَّابت بالدليل الصحيح» (٦) انتهى.

стр. 98

وبهذا يتأكَّد صدق ما أشرنا إليه: من عدم مشروعية تخصيص قراءة سورة الكهف يوم الجمعة في المساجد، وتخصيص قراءة الدُّعاء الخاص مساء ليلة النصف من شعبان، وعدم مشروعية التَّعبُّد بذلك على الوجه المخصوص المعروف عند الناس، وأنّ ما دخل به خزيرانُ من وجوه الاستدلال بالنُّصوص الإجمالية؛ لإثبات تلك الأعمال التَّفصيلية غلطٌ فاحشٌ. والأغرب: اعتقادُه ذهولنا عن الدَّلائل الإجمالية التي ذكرها؛ بقصد إثبات تلك الأحكام التَّفصيليَّة، وسنأتي على بيان مفردات أدلته التي ذكرها بهذا الشَّأن، بعد تفنيد ما أسنده إلينا، فمن ذلك: قوله بتصرف: «تواتر النقل عن القصَّاب ورفيقه الفاضل الشيخ عز الدين القسام نزيلي مدينة حيفا، إطلاق منعه جواز قراءة القرآن في المساجد جهراً، خصوصاً قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، واشتدَّ نكيرُهما على من يفعل ذلك» . ومن ذلك -أيضاً- قوله: «ومن جملة ما نقل عنهما: تواتر الإنكار على ما اعتاده عامة المسلمين وخاصتهم في مشارق الأرض ومغاربها، واستحسنوه من الاجتماع في الليلة الثانية عشرة من ربيع الأول الموافقة -على قول (١)

стр. 99

- لليلة ولادته ﷺ في المساجد، ومن قراءة لأحدهم قصة مولده ﷺ » . ومن ذلك -أيضاً-: «أننا أنكرنا -عَلَناً- على منابر المساجد يوم الجمعة إحياءَ ليلة النِّصف من شعبان بالعبادة، وصوم يومها واجتماع المسلمين مساء ليلتها على تلاوة سورة (يس) ، وَوِرْدِها المخصوص، وإننا قلنا: إنَّ جميع ما ورد في ذلك ضعيف، لا يجوز العملُ به» . نقول: إنّ نسبة هذه الأقوال إلينا لا ظل لها من الحقيقة، ودعواه التَّواتر في نقل تلك الأقوال عنّا لا صحة لها، إلا أن يكون إخبار قوم يصدِّق العقل تواطؤهم على الكذب، ولو جاوز عددُهم التَّواتر؛ لأنَّ العقل يكذب أن يقول مسلم -فضلاً عن طالب علم- بمنع قراءة القرآن في المساجد على الإطلاق، بعد أن يسمع قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] . وبعد أن يسمع قوله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (١) .

стр. 100

أو يقول بالإنكار على قراءة قصة المولد النَّبوي الشَّريف، المشتملة على بيان شمائل الرسول وفضائله، التي يكون للمسلمين بها أسوةٌ حسنة، أو يقول بالنَّهي عن إحياء ليلة النصف من شعبان وصوم يومها، ولو تنبَّه خزيرانُ إلى خطر وعظم ما وقع فيه من الإثم بنسبته هذه الأمور إلينا؛ لما خطَّ قلمُه حرفاً واحداً في ذلك؛ لأنه لا يخلو: إمَّا أنْ يكون غيرَ صادق في دعوى النَّقل عنا، فيدخل تحت قوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] ، وإما أن يكون صادقاً، فيكون مخالفاً لقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيببُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] ، ويدخل -أيضاً- تحت قوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي أخرجه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة ﵁: «كفى بالمرء إثماً أن يحدِّث بكل ما يسمع» (١) .

стр. 101

ويحسن بنا هنا أن نبيِّن ما نعتقده في المسائل التي نسبها إلينا: أما قراءة القرآن في المساجد، فإنا لم نمنعها مطلقاً، بل كنّا نرغِّبُ المسلمين فيها أشدَّ التَّرغيب، ونذكر لهم أنه يجب عليهم قراءةُ القرآن، وسماعُه بالسَّكينة، والتَّدبُّر، والإنصات، لتصلَ معانيه لأعماق قلوبهم، وطالما نبَّهناهم -أيضاً- إلى أنَّ الصلاة إنما كانت تنهى عن الفحشاء والمنكر، بسبب ما فرض فيها من قراءة القرآن، التي تذكِّر المصلي بما له، وما عليه، وترشِدُهُ إلى ما خلق لأجله، ولكن الذي منعناه ونمنعه -أيضاً-: تلاوةُ القرآن المقرونة بالتَّشويش على المصلِّين (١) ،

стр. 102

مع إخراج القراءة عن حدِّها المشروع؛ كالتَّمطيط، والتَّلحين، والخطأالفاحش في أحكام التجويد، على أنَّ القارئ يقرأ وأكثر الناس لا يستمعون ولا ينصتون؛ لأنَّ منهم من يكون حينئذ مشغولاً بالصَّلاة، ومنهم من يكون متأهباً للوضوء، ومنهم من يتلو القرآن، ومنهم من يشتغل بإخراج الدَّراهم من كيسه للقارئ، الذي اتَّخذ تلاوةَ القرآن للاسترزاق، ومنهم من يكون منهمكاً بجمع النقود له، فمثل هذه التِّلاوة التي ضيَّعتْ شرفالقرآن والدِّين، وكانت سبباً في قسوة قلوبِ المسلمين، هي التي نمنعهاكما منعها خزيران نفسه، ويؤيِّدنا في ذلك: ما ذكره الإمام النووي في «كتابه التبيان» (١) نقلاً عن أقضى القضاة (٢) الماوردي (٣)

стр. 103

في كتابه «الحاوي» (١) إذ قال: «القراءة بالألحان الموضوعة، إن أخرجت لفظَ القرآن عن صيغته، بإدخال حركات فيه، أو إخراج حركات منه، أو قَصْرِ ممدود، أو مدِّ مقصور، أو تمطيط يخفي به بعضَ اللفظ ويلتبس، فهو حرام يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع؛ لأنه عَدَل به عن نهجه القويم إلى الاعوجاج، والله -تعالى- يقول: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] » انتهى كلام الماوردي. ثم قال الإمامُ النَّوويُّ: «وهذا القسم الأول من القراءة بالألحان المحرمة مصيبة (٢) ، ابتلي بها بعضُ الجهلة الطِّغام الغَشمة، الذين يقرؤون على الجنائز، وفي بعض المحافل، وهذه بدعةٌ محرَّمة ظاهرةٌ، يأثم كلُّ مستمع لها، كما قاله أقضى القضاة الماوردي. ويأثم كلُّ قادرٍ على إزالتها، أو على النهي عنها، إذا لم يفعل ذلك. وقد بذلتُ فيها بعضَ قُدرتي، وأرجو من فضل الله الكريم، أن يوفِّق لإزالتها من هو أهل لذلك، وأن يجعله في عافية» انتهى كلام النووي. وأما قراءة سورة الكهف، فإنما نمنعها؛ لما يقع في قراءتها مما ذكر سابقاً، وزِد على ذلك: وجهَ الالتزام والتخصيص (٣) ،

стр. 104

وقد بيّنا ذلك فيما سبق نقلاً عن الإمام الشاطبي. أمّا دعواه أنَّ الناس اليوم يجتمعون على قراءة القرآن؛ مثل اجتماع النبي ﷺ مع عصابة من ضعفاء المهاجرين، وكون الناس اليوم داخلين فيما يصدق عليه قوله ﷺ : «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله -تعالى-، يتلون كتابَ الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلتْ عليهم السَّكينة، وغشيتهم الرَّحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١) ، فالمشاهدة تدلُّ على خلافه، كما يشهد بذلك كلُّ مُنصفٍ، كما أنَّ دعواه أنَّ المستمعين ينصتون بخشوع، متفكّرين في معاني ما يتلى على مسامعهم، مترنِّمين بمبشراتها، متَّعظين خائفين من منذراتها، بذرف الدُّموع، وخشية القلب، وقشعريرة الجسم ... إلى آخر ما جاء في عبارته، فهي غير صحيحة -أيضاً-؛ لأنَّ المستمعين لو وصلوا إلى هذه الدَّرجة من التَّفكّر في معاني ما يتلى على مسامعهم ... إلى آخر ما ذكره؛ لكانوا في مقدِّمة الأمم، ولسادوا العالم أجمع، ولأعدّوا لأرباب البدع ومؤازريهم الذين شوَّهوا هذا الدين الحنيف، وأوصلوا أهلَه إلى الحضيض، ما يتألم منه حضرة خزيران، وأستاذه الجزَّار، ويشهد -أيضاً- على عدم وصول العوامّ إلى هذه الدرجة قول خزيران نفسه في رسالته «فصل الخطاب» (ص ١٠) : «خصوصاً في هذا الزَّمان، الذي قد استحكمتْ فيه الغفلةُ للجميع، وعمَّت البلوى فيه للرَّفيع والوضيع» . ومن هذا يعلم: أنَّ جميع الأدلة التي أوردها من الأحاديث، وأقوال العلماء فيما يتعلَّق بتلاوة القرآن هي حُجّةٌ لنا لا علينا، إذ قد يثبت بها التلاوة المشروعة التي دعونا الناس إليها، أما تطبيق الأدلة على حالة المسلمين اليوم؛ فهو خلاف الواقع، وقلب للحقائق.

стр. 105

وأما قراءة قصة المولد النبوي الشريف المشتملة على بيان شمائل الرسول ﷺ وفضائله، التي لا يمكن للأُمة الإسلامية أن تصل إلى ما كان عليه أسلافُها من المجد والسؤدد، إلا بالتَّحلي بها، فنحن من أشدِّ الناس دعوةً إليها، وأما الذي أنكرناه -وننكره أيضاً- فهو ما عمَّت به البلوى من قراءة المولد بالغناء والتمطيط البشع، والمبالغة بتوقيعه على أنحاء الموسيقى، والاكتفاء بسيرة الولادة فقط، مع ما أدخل فيها من الأمور التي لم تثبت، وترك المهم المفيد من أحواله وشمائله ﷺ ، وكثيراً ما سمعناهم يقولون: حبيبي يا ... يا مو. حا. حا. مد، وأمثال ذلك، مما يشمئزُّ منه كلُّ مسلم، ويعترفُ بقبحه كلُّ ذي ذوق سليم، فهل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يزعمَ مع ثبوت هذه الحقائق، أنَّ أكثر هذه المجتمعات في أيامنا خارجة عن حد البدع المنكرة؟ وأما دعواه أنَّ الاجتماعَ لتلاوة المولد الشريف في بلادنا، هو خالٍ من كل شرٍّ، مشتملٌ على الخير المحض، من أوله إلى آخره، فهي مكابرة محضة (١) .

стр. 106

فإنا نرى أنَّ أكثر الموالد التي تقرأ في زماننا، تشتمل على الصُّراخ والغناء، وما شاكل ذلك، هذا ونرى المدعوين يشتغلون بشرب الدُّخان (١) حتى يتمَّ الجمعُ، ويحضر القارئ فتكون عند ذلك الغرفة التي يراد أن يقرأ فيها العشر من القرآن الكريم والمولد مملوءة دخاناً، ذا رائحة كريهة، وفي أثناء القراءة ترى الجمعَ في الغُرف الأخرى، يشربون الدخان -التوتون، والتنباك- ويخوضون في الغيبة والنَّميمة، بل وجدناهم يرتكبون أكبر من ذلك في بعض الأحيان؛ كشرب الخمر.

стр. 107

ومما ذكرنا: يُعلم أنَّ فتوى العلامة ابن حَجَر عن حكم قراءة الموالد التي نقلها رداً علينا، هي موافقة لما كنّا ننبِّه الناسَ وندعوهم إليه، فهي حُجة لنا، وردٌّ عليه، وإلى المتأمِّل نصُّ الفتوى: سئل العلامة ابن حجر: عن حكم الموالد، هي سُنَّة، أم فضيلة، أم بدعة؟ مع بيان دليل كلٍّ، وهل الاجتماع للبدعة المباحة! جائز أم لا؟ فأجاب بقوله: الموالد [والأذكار] (١) التي تفعل عندنا، أكثرها مشتمل على خير؛ كصدقة، وذكر، وصلاة وسلام على رسول الله ﷺ [ومدحه] (٢) ، وعلى [شر، بل] (٢) شرور، [لو لم يكن منها إلا رؤية] (٢) النساء للرِّجال الأجانب، وبعضها ليس فيها (٣) شر، لكنه قليل نادر، ولا شك أنَّ القسم الأول -أي: المشتمل على خير؛ كصدقة، وذكر، وصلاة وسلام على رسول الله ﷺ ، وعلى شرور؛ كرؤية النساء للرجال الأجانب- ممنوع؛ للقاعدة المشهورة [المقررة] (٤) :

стр. 108

إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، [فمن علم وقوع شيء من الشر فيما يفعله من ذلك، فهو عاص آثم، وبفرض أنه عمل في ذلك خيراً، فربما خيره لا يساوي شره] (١) ، ألا ترى أنَّ الشارع (١) ا ﷺ كتفى من الخير بما تيسّر، وفطم عن جميع أنواع الشَّر، حيث قال: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه» (٢) ... والقسم الثاني سنة تشمله الأحاديث الواردة في الأذكار، المخصوصة والعامة؛ كقوله ﵊: «لا يقعد قوم يذكرون الله -تعالى-، إلا حفَّتهم الملائكةُ، وغشيتهم الرَّحمةُ، ونزلت عليهم السَّكينةُ، وذكرهم اللهُ فيمن عنده» (٣) رواه مسلم ... إلى آخر ما قال (٤) .

стр. 109

فمن تأمل هذه الفتوى المصرِّحة باشتمال أكثر الموالد في زمن ابن حجر منذ (٤٠٠) سنة على الشرور، وأنها ممنوعة ما دامت لا تخلو من الشرور، عملاً بقاعدة (درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح) (١) يعلم عدم صحة دعوى خزيران؛ بأنَّ الموالد في بلادنا هي من القسم الخالي من الشّرور، ليُثبتَ إباحتها على كل حال، وهل يخلو مولد من رؤية النساء للرجال الأجانب في زماننا؟ وذلك زيادة عن الخروج في قراءة الموالد عن الأدب المشروع، مِمّا أشرنا إليه مِن تصرُّفات القُرَّاء والمنشدين، وزِدْ على هذا: ما تشتملُ عليه من البِدَع، التي شوّهت حقيقة الدين الإسلامي، وفسحت مجالاً للذين يكيدون له سوءاً، فالأمر لله العلي الكبير، ويؤيِّدُ ما قلناه -أيضاً- بخصوص المنشدين: نصُّ الفتوى الثانية التي نقلها -أيضاً- عن ابن حجر جواباً عن سؤال رفع إليه، وهو:

стр. 110

«ما تفعله طوائف باليمن وغيرهم من الاجتماع على إنشاد الأشعار (١) والمدائح [مع ذكر مسجع، هل] (٢) هو ذكر أم لا؟ وهل يفرق بينه وبين الأشعار الغَزليّة (٣) ... ، بما مآله: «إنَّ إنشاد الشعر وسماعَه، إن كان فيه حثٌّ على خير، أو نهي عن شر، أو تشويق إلى التأسي بأحوال الصالحين، والخروج عن النَّفس ورعونتها، وحظوظها، [والدأب] (٣) والجد في التحلِّي بمراقبة الحقِّ في كل نَفَس، ثم الانتقال في شهوده في كل ذرة من ذرات الوجود، كما أشار إليه الصَّادقُ المصدوقُ ﷺ بقوله: «الإحسانُ: أنْ تعبدَ اللهَ كأنّك تراه، فإنْ لم تكن تراه؛ فإنه يراك» (٤) ، فكل من الإنشاد والاستماع سنة ... ، والمنشدون والسامعون مأجورون مثابون، إن صلحت نياتهم (٥) ، وصَفَتْ سرائرُهم، وأما إن كان بخلاف ذلك ... مما يناسب (٦) أغراضهم الفاسدة، وشهواتهم المحرَّمة، فهم عاصون آثمون» (٧) . وأما ادّعاؤه بأنَّ مواضيع القصائد وحال المنشدين والمستمعين في هذه الأيام من قبيل ما ذكر في صدر هذه الفتوى، فإننا نترك الحكمَ فيه لأهل الإنصاف.
следующие страницы →