الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] و «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» (١) ونحو ذلك.
٣ - وأما ذكر الرعاية: فمثل قول الذاكر: اللَّه معي، اللَّه ناظر إلي، اللَّه شاهدي ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع اللَّه، وفيه رعاية لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع اللَّه، والتحرز من الغفلة، والاعتصام من الشيطان والنفس.
والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة. فإنها متضمنة للثناء على اللَّه، والتعرض للدعاء والسؤال، والتصريح به، [وهي] متضمنة أيضًا لكمال الرعاية، ومصلحة القلب، والتحرز من الغفلات، والاعتصام من الوساوس والشيطان. واللَّه أعلم) (٢). انتهى من «مدارج السالكين».
ثانيًا: آداب الذكر كما وردت في «تحفة الذاكرين»:
ينبغي للذاكر ما يلي: أن يكون المكان الذي يذكر اللَّه فيه نظيفًا خاليًا، والذاكر على أكمل الصفات الآتية:
أن يكون فمه نظيفًا، وأن يزيل تغيره بالسواك، وأن يستقبل القبلة، وأن يتدبر ما يقول، ويتعقل معناه. وإن جهل شيئًا تبينه ... وأفضل الذكر القرآن إلا فيما شرع بغيره، [وقد تقدم معنى ذلك]، والمواظب على الأذكار المأثورة صباحًا ومساءً، وفي الأحوال المختلفة، هو من الذاكرين اللَّه كثيرًا والذاكرات، ومن كان له ورد معروف ففاته فليتداركه إذا أمكنه ليعتاد الملازمة عليه (٣). انتهى من «تحفة الذاكرين».
ثالثًا: جاء في الأذكار النووية ما مختصره:
١ - أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمُحدث، والجنب، والحائض، والنفساء، وذلك في التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والصلاة على رسول اللَّه ﷺ والدعاء، وغير ذلك (٤). انتهى.
تنبيه:
قراءة القرآن لمثل هؤلاء لا تدخل تحت هذا الإجماع.
٢ - فصل في أحوال تعرض للذاكر يستحب له قطع الذكر بسببها ثم يعود إليه بعد زوالها.
стр. 107
منها: إذا سُلم عليه ردَّ السلام ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا عطس عنده عاطس شمَّته ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا سمع الخطيب، وكذا إذا سمع المؤذن أجابه في كلمات الأذان والإقامة ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا رأى منكرًا أزاله، أو معروفًا أرشد إليه، أو مسترشدا أجابه ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا غلبه النعاس أو نحوه وما أشبه هذا كله.
رابعًا: أذكار الصباح والمساء:
قال ابن القيم ﵀: وهما ما بين الصبح وطلوع الشمس، وما بين العصر والغروب إلى أن قال ﵀: وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥] فالإبكار: أول النهار والعشي: آخره (١). انتهى.
أذكار الصباح والمساء مجموعة من «تحفة الذاكرين» للشوكاني (٢)، و «الأذكار النووية» (٣)، و «الوابل الصيب من الكلم الطيب»:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان اللَّه وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا رجل قال مثل ما قال أو زاد عليه». رواه مسلم.
٢ - وفي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود قال: كان النبي ﷺ إذا أمسى قال: «أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكِبَر، رب أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر» وإذا أصبح قال أيضًا: «أصبحنا وأصبح الملك للَّه».
٣ - عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ كان يعلم أصحابه يقول: «إذا أصبح أحدكم فليقل: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور، وإذا أمسى فليقل: اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا، وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير» قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٤).
٤ - وفي «السنن» عن عبد اللَّه بن حبيب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «قل» قلت: يا
стр. 108
رسول اللَّه ما أقول؟ قال: «قل هو اللَّه أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [وصححه الألباني].
٥ - عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها حين يمسي فمات من ليلته دخل الجنة ومن قالها حين يصبح فمات من يومه دخل الجنة» رواه البخاري.
٦ - وفي الترمذي عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق قال لرسول اللَّه ﷺ : مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت قال: قل: «اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض رب كل شيء ومليكه أشهد ألا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه، وأن نقترف سوءًا على أنفسنا أو نجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك» قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١).
وشركه: قال الخطابي: روي على وجهين: أحدهما بكسر الشين وسكون الراء، ومعناه ما يدعو إليه الشيطان ويوسوس به، من الإشراك باللَّه تعالى، والثاني بفتح الشين والراء، يريد حبائل الشيطان ومصائده - كذا في «تحفة الذاكرين».
٧ - وفي السنن و «صحيح الحاكم» (٢) عن عبد اللَّه بن عمر قال: لم يكن النبي ﷺ يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» قال وكيع: يعني الخسف.
٨ - قال رسول اللَّه ﷺ : «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم اللَّه الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فلا يضره» (٣) وكان أبان بن عثمان قد أصابه طرف فالج (٤)، فجعل الرجل الذي سمع منه
стр. 109
الحديث ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر، أما إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذ ليمضي اللَّه على قدره. الحديث أخرجه أهل السنن الأربعة وقال الترمذي بعد إخراجه: حديث حسن صحيح. [وصححه الألباني].
٩ - الحديث لفظ رواية الإمام أحمد وصححه النووي وقال الأرنؤوط في «زاد المعاد»: إسناد صحيح، قال: كان النبي ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى قال: «أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد ﷺ وعلى ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين» ...
١٠ - وفي الترمذي وأبي داود بسند جوده (١) النووي قال رسول اللَّه ﷺ : «من قال حين يمسي وحين يصبح: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت اللَّه لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدًا عبدك ورسولك؛ أعتق اللَّه ربعه من النار، ومن قالها مرتين أعتق اللَّه نصفه من النار، ومن قالها ثلاثًا أعتق اللَّه ثلاثة أرباعه من النار، ومن قالها أربعًا أعتقه اللَّه من النار».
١١ - قال رسول اللَّه ﷺ لفاطمة: «ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟ تقولين إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِ: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» أخرجه النسائي والحاكم بسند صحيح. [صحيح - انظر «صحيح الترغيب والترهيب»].
١٢ - جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه لقيت عقربًا لدغتني البارحة، وفي رواية: ما لقيت، فقال: «أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات اللَّه (٢) التامات (٣) من شر ما خلق لم تضرك» رواه مسلم. ولفظ الترمذي: «من قال حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات، لم تضره حمة تلك الليلة» وقال: حديث حسن.
١٣ - قال رسول اللَّه ﷺ : «من صلى عليَّ حين يصبح عشرًا وحين يمسي عشرًا أدركته شفاعتي يوم القيامة» أخرجه الطبراني في الكبير. [وحسنه الألباني في «صحيح الجامع»].
стр. 110
١٤ - عن جويرية أم المؤمنين ﵂ أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟» قالت: نعم. فقال النبي ﷺ : «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان اللَّه عدد خلقه، سبحان اللَّه رضا نفسه، سبحان اللَّه زنة عرشه، سبحان اللَّه مداد كلماته» أخرجه مسلم.
١٥ - قال رسول اللَّه ﷺ : «من قال: غدوة لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات كتب اللَّه له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، وكان له قدر عشر رقاب، وأجاره اللَّه من الشيطان، ومن قالها عشية مثل ذلك» أخرجه النسائي وابن ماجه، وأخرجه أحمد والحاكم غير مقيد بوقت. [وصححه الألباني].
١٦ - قال رسول اللَّه ﷺ : «من قال لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك» رواه البخاري.
١٧ - وروينا في سنن أبي داود بإسناد لم يضعفه (١) عن أبي مالك الأشعري ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذا أصبح أحدكم فليقل: أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهُداه، وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده، ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك».
١٨ - عن أم سلمة ﵂، أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا أصبح قال: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملاً متقبلاً». رواه ابن ماجه، وحسنه الأرنؤوط في «الأذكار النووية». انتهى (٢).
فائدة:
قال ذو النون: ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته.
стр. 111
فصل في أذكار النوم واليقظة
جاء في كتاب «الوابل الصيب من الكلم الطيب»، و «الأذكار النووية»، و «تحفة الذاكرين» ما يلي (١):
١ - في «الصحيحين» عن حذيفة قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن ينام قال: «باسمك اللهم أموت وأحيا» وإذا استيقظ من منامه قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور».
٢ - وفي «الصحيحين» عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما يقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
٣ - وفي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة أنه أتاه آت يحثو من الصدقة، وكان قد جعله النبي ﷺ عليها ليلة بعد ليلة، فلما كان في الليلة الثالثة قال: لأرفعنك إلى رسول اللَّه ﷺ ، قال: دعني أعلمك كلمات، ينفعك اللَّه بهن - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى ختمها، فإنه لا يزال عليك من اللَّه حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي ﷺ : «صدقك وهو كذوب».
وقد روى الإمام أحمد نحو هذه القصة في «مسنده» أنها جرت لأبي الدرداء، ورواه الطبراني في «معجمه» أنها جرت لأُبيّ بن كعب.
٤ - وفي «الصحيحين» عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»، الصحيح أن معناه كفتاه من شر ما يؤذيه، وقيل: كفتاه من قيام الليل وليس بشيء، قال عليّ بن أبي طالب: ما كنت أرى أحدًا يعقل ينام قبل أن يقرأ الآيات الأواخر من سورة البقرة، وسيأتي الكلام عنها إن شاء اللَّه تعالى بالتفصيل في نهاية باب الصرع.
٥ - أخرج البخاري ومسلم من حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: إن فاطمة ﵂ أتت النبي ﷺ تسأله خادمًا فقال: «ألا أخبرك بما هو خير لك منه؟ تسبحين اللَّه عند منامك ثلاثًا وثلاثين، وتحمدين اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وتكبرين اللَّه
стр. 112
أربعًا وثلاثين».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه: بلغني أن من حافظ على هذه الكلمات، لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل وغيره.
٦ - وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه بصنفة إزاره (١) ثلاث مرات، فإنه لا يدري ما خلفه عليه بعده، وإذا اضطجع فليقل: باسمك اللهم ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».
٧ - وفي «سنن» أبي داود عن حفصة أم المؤمنين أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمني تحت خده، ثم يقول: «اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك» ثلاث مرات، قال الترمذي: حديث حسن (٢).
٨ - وفي «صحيح مسلم» عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي».
٩ - وفي «صحيحه» أيضًا عن ابن عمر أنه أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه أن يقول: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية» قال ابن عمر: سمعتهن من رسول اللَّه ﷺ .
١٠ - وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: «اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر».
١١ - قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإن مت مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول»، في «الصحيحين» عن البراء بن عازب.
стр. 113
١٢ - قال النووي: وروينا في «سنن» أبي داود، والنسائي، وغيرهما بالإسناد الصحيح (١)، عن علي ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ أنه كان يقول إذا أخذ مضجعه: «اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وبكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم، اللهم لا يُهزم جندك، ولا يُخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك».
١٣ - وقال النووي أيضًا ﵀: وروينا في «سنن» أبي داود والترمذي عن نوفل الأشجعي ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «اقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك». قال الأرنؤوط: وهو حديث حسن، حسنه الحافظ في تخريج الأذكار.
فائدة:
جاء في «هامش تحفة الذاكرين»: أخرج الخرائطي في «مكارم الأخلاق»: عن أبي أمامة قال: إن الشيطان ليأتي إلى فراش الرجل بعد ما يفرشه أهله، فيلقي عليه العود والحجر ليغضبه على أهله فإذا وجد أحدكم ذلك فلا يغضب فإنه عمل الشيطان.
فصل في أذكار الانتباه من النوم
روى البخاري في «صحيحه» عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «من تعار من الليل فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان اللَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته» تعار: استيقظ من النوم مع كلام.
بعض الأذكار الأخرى الواردة عن النبي ﷺ -:
١ - الخروج من المنزل: في السنن (٢) عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من قال - يعني إذا خرج من بيته -: بسم اللَّه توكلت على اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، يقال له: كفيت ووقيت وهديت وتنحى عنك الشيطان فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي».
стр. 114
٢ - دخول المنزل: وفي «سنن» أبي داود عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا ولج الرجل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم اللَّه ولجنا وبسم اللَّه خرجنا وعلى ربنا توكلنا ثم ليسلم على أهله». [قال الأرنؤوط في «زاد المعاد»: سنده صحيح].
٣ - دخول المسجد والخروج منه: وفي «صحيح مسلم» وفي أبي داود والنسائي - واللفظ لهما عدا مسلم -: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك».
٤ - ذكر الأذان: جاء في «زاد المعاد» (١) لابن القيم بتحقيق الأرنؤوط أن هناك خمس سنن تتبع عند سماع الأذان (٢):
أ- أن يقول السامع كما يقول المؤذن إلا في لفظ «حي على الصلاة، حي على الفلاح» فإنه صح عنه ﷺ إبدالهما بـ «لا حول ولا قوة إلا باللَّه»، ولم يجئ عنه الجمع بيهنما وبين «حي على الصلاة، حي على الفلاح» ولا الاقتصار على الحيعلة.
ب- أن يقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت باللَّه ربًّا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دينًا. ونص الحديث في «صحيح مسلم»: قال رسول اللَّه ﷺ : «من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه ... غفر له».
جـ- أن يصلي على النبي ﷺ بعد فراغه من إجابة المؤذن، وأكمل ما يصلي عليه به ويصل إليه: هي الصلاة الإبراهيمية [أي: كما في التشهد].
د- أن يقول بعد صلاته عليه: «اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته» [الزيادة يقول: «إنك لا تخلف الميعاد» بدعة كما ورد ذلك في كتاب «السنن والمبتدعات»، وكما أشار الأرنؤوط أثابه اللَّه تعالى في «هامش زاد المعاد» إلى أنها رواية تفرد بها البيهقي وهي ضعيفة].
стр. 115
هـ- أن يدعو لنفسه بعد ذلك ويسأل اللَّه من فضله فإنه يستجاب له. انتهى.
٥ - وجوب الاستعاذة من أربع في التشهد الأخير: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ باللَّه من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» رواه مسلم.
٦ - ذكر الدين: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عن من سواك». وسيأتي تخريجه - إن شاء اللَّه تعالى - في باب الدعاء.
٧ - ذكر الخوف: في «سنن» أبي داود والنسائي عن أبي موسى أن النبي ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم».
٨ - ما يقال عند المصيبة: قالت أم سلمة: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلفني خيرًا منها، إلا آجره اللَّه تعالى في مصيبته، وأخلفه خيرًا منها». قالت: فلما تُوفي أبو سلمة، قلت كما أمرني رسول اللَّه ﷺ ، فأخلف اللَّه لي خيرًا منه، رسول اللَّه ﷺ . رواه مسلم (١).
فائدة:
قال رسول اللَّه ﷺ : «ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعًا إلا جدَّد اللَّه له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب» قال ابن كثير: رواه أحمد وابن ماجه. وصححه نسيب الرفاعي في «تيسير العلي القدير في اختصار ابن كثير».
٩ - دخول المقابر: وفي «صحيح مسلم» عن بريدة كان رسول اللَّه ﷺ يعظهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون نسأل اللَّه لنا ولكم العافية».
١٠ - ما يقال بعد الوضوء: قال رسول اللَّه ﷺ : «ما منكم أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء». رواه مسلم.
١١ - ذكر النزول بمنزل يريد نزوله: قال رسول اللَّه ﷺ : «من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» رواه مسلم.
١٢ - العطاس: قال ﷺ : «إذا عطس أحدكم: فليقل: الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك اللَّه، فإذا قال له: يرحمك اللَّه فليقل: يهديكم اللَّه ويصلح بالكم».
стр. 116
رواه البخاري.
١٣ - الزواج: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا رفأ الإنسان (١) إذا تزوج قال: «بارك اللَّه لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير» قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في «صحيح الجامع».
١٤ - كفارة المجلس: قال رسول اللَّه ﷺ : «من جلس مجلسًا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا كفر اللَّه له ما كان في مجلسه ذلك» قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢).
١٥ - رؤية أهل البلاء: قال رسول اللَّه ﷺ : «من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء». قال الترمذي: حديث حسن (٣).
١٦ - ذكر السوق: قال رسول اللَّه ﷺ : «من دخل السوق فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير؛ كتب اللَّه له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبني له بيتًا في الجنة». رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم - والحديث حسن - انظر «صحيح سنن الترمذي» و «صحيح الجامع».
١٧ - في الشيء يراه ويخاف عليه العين: قال : ﴿وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩].
١٨ - عند دخول الخلاء: جاء في «الصحيحين»: كان ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (٤)، وإذا خرج قال: «غفرانك». رواه الإمام أحمد وأهل السنن، والحديث حسن - انظر «صحيح الجامع».
١٩ - روى البخاري ومسلم أن رسول اللَّه ﷺ قال: «من حلف منكم فقال في حلفه:
стр. 117
واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا اللَّه، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق»، فكل من حلف بغير اللَّه فقد أشرك (ويقاس على اللات والعزى: الحلف بالنبي والكعبة والذمة وحياتك).
٢٠ - دعاء الضالة: كان ابن عمر يقول للرجل إذا أضل شيئًا (ضاع منه): قل: اللهم رب الضالة، هادي الضالة، تهدي من الضلالة، ردَّ عليَّ ضالتي بقدرتك وسلطانك، فإنها من عطائك وفضلك.
٢١ - ذكر مجامعة الزوجة: وفي «الصحيحين» عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم اللَّه اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا».
٢٢ - عقد التسبيح بالأصابع أفضل من السبحة: جاء في «الوابل الصيب» لابن القيم: روى الأعمش عن عطاء بن السايب عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمر قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يعقد التسبيح بيمينه. رواه أبو داود (١)، وروت يسيرة إحدى المهاجرات ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : «عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات ومستنطقات». رواه الترمذي والحاكم بسند صحيح [وحسنة الألباني].
جاء في «تحفة الأحوذي» (ج ٩ ص ٣٦٦، ٣٦٧) ما يلي:
(قوله: (يعقد التسبيح بيده)، وفي رواية أبي داود قال ابن قدامة «بيمينه»، وابن قدامة هذا هو شيخ أبي داود، واسمه محمد.
وفي الحديث مشروعية عقد التسبيح بالأنامل وعلل ذلك رسول اللَّه ﷺ في حديث يسيرة الذي أشار إليه الترمذي بأن الأنامل مسئولات مستنطقات يعني أنهن يشهدن بذلك، فكان عقدهن بالتسبيح من هذه الحيثية أولى من السُبحة والحصى، ويدل على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى حديث سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول اللَّه ﷺ على امرأته وبين يديها نوى أو حصى تسبح به - الحديث، وحديث صفية قالت: دخل علىَّ رسول اللَّه ﷺ وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بها الحديث. أخرجهما الترمذي فيما بعد. قال الشوكاني في «النيل» (ص ٢١١ ج ٢) هذان الحديثان يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى وكذا بالسبحة لعدم الفارق لتقريره ﷺ للمرأتين على ذلك، وعدم إنكاره إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز، وقد وردت بذلك آثار ففي جزء
стр. 118
هلال الحفار من طريق معتمر بن سليمان عن أبي صفية مولى النبي ﷺ أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار ثم يرفع، فإذا صلى أتي به فيسبح حتى يمسي. وأخرجه الإمام أحمد في «الزهد».
وأخرج ابن سعد عن حكيم الديلمي أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى. وقال ابن سعد في «الطبقات»: أخبرنا عبد اللَّه بن موسى أخبرنا إسماعيل عن جابر عن امرأة خدمته عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيها. وأخرج عبد اللَّه ابن الإمام أحمد في «زوائد الزهد» عن أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألف عقدة فلا ينام حتى يُسبح. وأخرج أحمد في «الزهد» عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان لأبي الدرداء نوى من العجوة في كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجها واحدة يسبح بهن حتى ينفذهن. وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة أنه كان يسبح بالنوى المجموع ...
وقد ساق السيوطي آثارًا في الجزء الذي سماه «المنحة في السبحة» وهو من جملة كتاب المجموع في «الفتاوى» وقال في آخره ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروها انتهى). اهـ. من «تحفة الأحوذي» وقد أوردت هذا الشرح لبيان أقوال العلماء، وإن كنت أستحب لي ولك التسبيح على الأنامل، فخير الهدي هدي محمد ﷺ .
٢٣ - في صياح الديكة والنهيق والنباح: وفي «الصحيحين» قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا باللَّه من الشيطان فإنها رأت شيطانًا، وإذا سمعتم صياح الديكة فسلوا اللَّه من فضله فإنها رأت ملكًا».
٢٤ - ذكر الطعام والشراب: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم اللَّه تعالى في أوله، فإذا نسي أن يذكر اسم اللَّه تعالى في أوله فليقل: بسم اللَّه أوله وآخره» رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (١).
وعن معاذ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من أكل أو شرب فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: حديث حسن (٢).
стр. 119
٢٥ - ذكر الضيف للمضيف: وعن أنس أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل، ثم قال النبي ﷺ : «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة» رواه أبو داود وصححه الألباني في «الكلم الطيب».
فائدة:
قال رسول اللَّه ﷺ : «أحب الكلام إلى اللَّه تعالى أربع لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر» رواه مسلم.
* * *
стр. 120
الباب السادس: الدعاء
قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
الفصل الأول: فضل الدعاء
جاء في «تحفة الذاكرين» ما مختصره:
١ - قال رسول اللَّه ﷺ : «الدعاء هو العبادة» ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ...... ﴾ [غافر: ٦٠] رواه ابن حبان في «صحيحه» (١) [قال الشوكاني ﵀]: فالدعاء هو أعلى أنواع العبادة وأرفعها وأشرفها، والآية الكريمة قد دلت على أن الدعاء من العبادة، فإنه أمر عباده أن يدعوه، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ فأفاد بذلك أن الدعاء عبادة وأن ترك دعاء الرب سبحانه استكبار، ولا أقبح من هذا الاستكبار، وكيف يستكبر العبد عن دعاء مَن هو خالق له ورازقه وموجده من العدم وخالق العالم كله ورازقه ومحييه ومميته ومثيبه ومعاقبه؟! فلا شك أن هذا الاستكبار طرف من الجنون وشعبة من كفران النعم.
٢ - قال رسول اللَّه ﷺ : «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة». رواه الحاكم في «المستدرك» والبزار [وحسنه الألباني].
(قوله: (لا يغني حذر من قدر) فيه دليل على أن الحذر لا يغني عن صاحبه شيئًا من القدر المكتوب، ولكنه ينفع من ذلك الدعاء، ولذلك عقبه ﷺ بقوله: «والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل» وأكد ذلك بقوله: «إن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة»، ومعنى يعتلجان: يتصارعان ويتدافعان.
والحاصل: أن الدعاء من قدر اللَّه فقد يقضي الشيء على عبده قضاء مقيدًا بألا يدعوه فإن دعاه اندفع عنه.
٣ - قال رسول اللَّه ﷺ : «من لم يسأل اللَّه يغضب عليه» رواه الترمذي. [وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي». وسيأتي شرحه إن شاء اللَّه تعالى].
قال رسول اللَّه ﷺ : «من لم يدع اللَّه غضب عليه» مصنف ابن أبي شيبة.
стр. 121
قال رسول اللَّه ﷺ : «من سره أن يستجيب اللَّه له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء». رواه الترمذي [وحسنه الألباني].
(قوله: الكرب) بضم الكاف وفتح الراء جمع كربة، وهي ما يأخذ النفس من الغم. (قوله: فليكثر الدعاء في الرخاء) أي في حال الصحة والرفاهية والأمن من المخاوف. والسلامة من المحن: قال الحلبي: المراد بهذا الدعاء في الرخاء هو دعاء الشفاء والشكر والاعتراف بالمنن، وسؤال التوفيق والمعونة، والتأييد والاستغفار لعوارض التقصير.
٥ - قال رسول اللَّه ﷺ : «ما من مسلم يدعو اللَّه بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يرفع عنه من السوء مثلها». أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى بأسانيد جيدة، وأخرجه أيضًا الحاكم وقال: صحيح الإسناد. اهـ من «تحفة الذاكرين».
أحاديث أخرى في فضل الدعاء:
٦ - وقريبًا من الحديث السابق رقم (٥) ما رواه الترمذي عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «ما على الأرض مسلم يدعو اللَّه تعالى بدعوة إلا آتاه اللَّه إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثم أو قطيعة رحم». فقال رجل من القوم: إذًا نكثر؟ قال: اللَّه أكثر.
(حسن صحيح) انظر «صحيح سنن الترمذي».
جاء في «تحفة الأحوذي» للمباركفوري رحمه اللَّه تعالى (جـ ١٠ ص ٢٠):
قوله: «إلا آتاه اللَّه إياها» أي: تلك الدعوة، وفي حديث جابر: «ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه اللَّه ما سأل» «أو صرف» أي دفع «عنه» أي عن الداعي «من السوء» أي البلاء النازل أو غيره في أمر دينه أو دنياه أو بدنه «مثلها» أي مثل تلك الدعوة كمية وكيفية إن لم يقدَّر له وقوعه في الدنيا «ما لم يدع بمأثم» المأثم الأمر الذي يأثم به الإنسان أو هو الإثم نفسه ووقع في بعض النسخ بإثم «أو قطيعة رحم» تخصيص بعد تعميم والقطيعة أي: الهجران والصد أي: ترك البر إلى الأهل والأقارب (إذًا) أي: إذا كان الدعاء لم يرد منه شيء ولا يخيب الداعي في شيء منه (نكثر) أي: من الدعاء لعظيم فوائده (قال) أي: رسول اللَّه ﷺ : «اللَّه أكثر» قال الطيبي: أي الله أكثر إجابة من دعائكم، وقيل: إن معناه فضل اللَّه أكثر أي: ما يعطيه من فضله وسعة كرمه أكثر ممن يعطيكم في مقابلة دعائكم، وقيل اللَّه أغلب في الكثرة فلا تعجزونه في الاستكثار فإن خزائنه لا تنفد وعطاياه لا تفنى، وقيل اللَّه أكثر ثوابًا وعطاء مما في نفوسكم فأكثروا ما شئتم فإنه تعالى
стр. 122
يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل.
وأخرج أحمد عن أبي سعيد مرفوعًا: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» وصححه الحاكم). اهـ، وقد سبقت الإشارة إليه.
أحاديث انتخبتها من كتاب «ترتيب أحاديث صحيح الجامع على الأبواب الفقهية»:
ونقلت تخرجيها وتحقيقها من «صحيح الجامع»، ونقلت شرحها من المصدر المناسب لها:
٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام».
(صحيح). رواه الطبراني في «الأوسط»، والبيهقي في «شعب الإيمان» «الصحيحة» (٦٠١).
جاء في «فيض القدير» للمناوي رحمه اللَّه تعالى:
(«أعجز الناس» أي: من أضعفهم رأيًا وأعماهم بصيرة «من عجز عن الدعاء» أي: الطلب من اللَّه تعالى لا سيما عند الشدائد لتركه ما أمره اللَّه به، وتعرضه لغضبه بإهماله ما لا مشقة عليه فيه، وفيه قيل:
لا تسألن بُنيَّ آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجبُ
اللَّه يغضب إن تركت سؤاله وبنيُّ آدم حين يُسألُ يغضبُ
وفيه ردّ على من زعم أن الأولى عدم الدعاء، «وأبخل الناس» أي: أمنعهم للفضل وأشحهم بالبذل «من بخل بالسلام» على من لقيه من المؤمنين ممن يعرفهم ومن لا يعرفهم، فإنه خفيف المؤنة عظيم المثوبة فلا يهمله إلا من بخل بالقربات وشح بالمثوبات وتهاون بمراسم الشريعة، أطلق عليه اسم البخل لكونه منع ما أمر به الشارع من بذل السلام، وجعله أبخل لكونه من بخل بالمال معذور في الجملة لأنه محبوب للنفوس عديل للروح بحسب الطبع والغريزة، ففي بذله قهر للنفس؛ وأما السلام فليس فيه بذل مال، فمخالف الأمر في بذله لمن لقيه قد بخل بمجرد النطق فهو أبخل من كل بخيل). اهـ.
٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس شيء أكرم على اللَّه من الدعاء».
(حسن). رواه أحمد والبخاري في «الأدب المفرد»، والترمذي والحاكم - «المشكاة»
стр. 123
(٢٢٣٢) - «الترغيب» (٢/ ٢٧٠).
جاء في «تحفة الأحوذي» (ج٩ ص ٢٥٢).
(قوله: «ليس شيء» أي: من الأذكار والعبادات فلا ينافيه قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
«أكرم» بالنصب خبر ليس أي أفضل «على اللَّه» أي: عند اللَّه «من الدعاء» لأن فيه إظهار الفقر والعجز والتذلل والاعتراف بقوة اللَّه وقدرته). اهـ.
٩ - عن سلمان الفارسي عن النبي ﷺ قال: «إن اللَّه حييٌ كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفرًا خائبتين».
(صحيح) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم - «الترغيب» (٢/ ٢٧٢).
جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٩ ص ٤٣٢):
(قوله: «إن اللَّه حييٌ» فعيل من الحياء أي كثير من الحياء ووصفه تعالى بالحياء يحمل على ما يليق له كسائر صفاته نؤمن بها ولا نكيفها «كريم» هو الذي يعطي من غير سؤال فكيف بعده. «صفرًا» بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء أي خاليتين، قال الطيبي: يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع «خائبتين» من الخيبة وهو الحرمان. وفي الحديث دلالة على استحباب رفع اليدين في الدعاء والأحاديث فيه كثيرة، وأما حديث أنس لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء فالمراد به المبالغة في الرفع). اهـ.
١٠ - عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم! اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة، فإن اللَّه لا يتعاظمه شيء أعطاه».
(صحيح). رواه البخاري في «الأدب المفرد» عن أبي سعيد - ورواه مسلم عن أبي هريرة.
جاء في «شرح مسلم» للنووي رحمه اللَّه تعالى (ج ١٧ ص ١٠، ١١ رقم ٢٦٧٩):
(وليعزم الرغبة، فإن اللَّه لا يتعاظمه شيء أعطاه) قال العلماء: عزم المسألة: الشدة في طلبها، والجزم من غير ضعف في الطلب، ولا تعليق على مشيئة ونحوها، وقيل: هو حسن الظن باللَّه تعالى في الإجابة. ومعنى الحديث استحباب الجزم في الطلب، وكراهة التعليق على المشيئة، قال العلماء: سبب كراهته أنه لا يتحقق استعمال المشيئة إلا في حق من يتوجه عليه الإكراه؛ واللَّه تعالى منزه عن ذلك، وهو معنى قوله ﷺ في آخر الحديث: «فإنه لا مستكره له وقيل سبب الكراهة أن في هذا اللفظ صورة الاستغفار على المطلوب، والمطلوب منه». اهـ.
стр. 124
وجاء في (ب - ف): (وليعزم المسألة: أي يجتهد في الطلب، وليعظم الرغبة: أي يكثر في دعائه من طلب ما يشتهيه).
١١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له».
رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي.
جاء في «فتح الباري» لابن حجر رحمه اللَّه تعالى (جـ ١١ ص ١٤٤، ١٤٥):
قوله: (باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له) المراد بالمسألة الدعاء، والضميران لله تعالى، أو الأول ضمير الشأن والثاني لله تعالى جزمًا. ومكره بضم أوله وكسر ثالثه ..
قوله: (فليعزم المسألة) في رواية أحمد عن إسماعيل المذكور «الدعاء» ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه ولا يعلق ذلك بمشيئة اللَّه تعالى، وإن كان مأمورًا في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة اللَّه تعالى. وقيل: معنى العزم أن يحسن الظن باللَّه في الإجابة.
قوله: (ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني) في حديث أبي هريرة المذكور بعده «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت». وزاد في رواية همام عن أبي هريرة الآتية في التوحيد «اللهم ارزقني إن شئت». وهذه كلها أمثلة، ورواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم تتناول جميع ما يدعى به. ولمسلم من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة: «ليعزم في الدعاء» وله من رواية العلاء «ليعزم وليعظم الرغبة» ومعنى قوله: «ليعظم الرغبة» أي يبالغ في ذلك بتكرار الدعاء والإلحاح فيه، ويحتمل أن يراد به الأمر بطلب الشيء العظيم الكثير، ويؤيده ما في آخر هذه الرواية «فإن اللَّه لا يتعاظمه شيء».
قوله: (فإنه لا مستكره له) في حديث أبي هريرة: «فإنه لا مكره له» وهما بمعنى، والمراد أن الذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ما إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه ويعلم بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما اللَّه سبحانه فهو منزه عن ذلك فليس للتعليق فائدة. وقيل: المعنى أن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه، والأول أولى. وقد وقع في رواية عطاء بن ميناء «فإن اللَّه صانع ما شاء» وفي رواية العلاء «فإن اللَّه لا يتعاظمه شيء أعطاه» قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول اللهم أعطني إن شئت وغير ذلك من أمور الدين والدنيا لأنه كلام مستحيل لا وجه له
стр. 125
لأنه لا يفعل إلا ما شاء، وظاهره أنه حمل النهي على التحريم، وهو الظاهر، وحمل النووي النهي في ذلك على كراهة التنزيه وهو أولى، ويؤيده ما سيأتي في حديث الاستخارة. قال ابن بطال: في الحديث ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريمًا.
وقد قال ابن عيينة: لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعلم في نفسه - يعني من التقصير - فإن اللَّه قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: رب أنظرني إلى يوم يبعثون، وقال الداودي: معنى قوله: «ليعزم المسألة» أن يجتهد ويلح ولا يقل إن شئت كالمسثنى، ولكن دعاء البائس الفقير، قلت: وكأنه أشار بقوله كالمستثنى إلى أنه إذا قالها على سبيل التبرك لا يكره وهو جيد.
١٢ - عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي».
(رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه).
جاء في «فتح الباري» (جـ ١١ ص ١٤٥، ١٤٦):
(قوله: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل» أي: يجاب دعاؤه ...
قوله: «يقول دعوت فلم يستجب لي» في رواية غير أبي ذر «فيقول» بزيادة فاء واللام منصوبة، قال ابن بطال: المعنى أنه يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمان بدعائه، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء ... وقد وقع في رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة عند مسلم والترمذي: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، وما لم يستعجل، قيل وما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء» ومعنى قوله يستحسر - وهو بمهملات - ينقطع.
وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء، وهو أنه يلازم الطلب ولا ييأس من الإجابة لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: لأنا أشد خشية أن أُحرم الدعاء من أن أُحرم الإجابة، وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه: «من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة» الحديث أخرجه الترمذي بسند لين وصححه الحاكم فوهم، قال الداودي: يخشى على من خالف وقال قد دعوت فلم يستجب لي أن يحرم الإجابة وما قام مقامها من الادخار والتكفير. انتهى.
وقد قدمت في أول كتاب الدعاء الأحاديث الدالة على أن دعوة المؤمن لا ترد، وأنها
стр. 126
إما أن تعجل له الإجابة، وإما أن تدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له في الآخرة خير مما سأل. فأشار الداودي إلى ذلك، وإلى ذلك أشار ابن الجوزي بقوله: اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد، غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة أو يعوض بما هو أولى له عاجلاً أو آجلاً فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض ....
وقال الكرماني ما ملخصه: الذي يتصور في الإجابة وعدمها أربع صور: الأولى: عدم العجلة وعدم القول المذكور، الثانية: وجودهما، الثالثة والرابعة: عدم أحدهما ووجود الآخر، فدل الخبر على أن الإجابة تختص بالصورة الأولى دون ثلاث، قال: ودل الحديث على أن مطلق قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ مقيد بما دل عليه الحديث. قلت: وقد أول الحديث المشار إليه قبل على أن المراد بالإجابة ما هو أعم من تحصيل المطلوب بعينه أو ما يقوم مقامه ويزيد عليه، واللَّه أعلم). اهـ بتصرف.
من هدي النبي ﷺ في الدعاء:
(تابع الأحاديث المنتخبة المشار إليها):
١٣ - عن أبي أيوب ﵁ قال: (كان رسول اللَّه ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه) (صحيح) رواه الطبراني [وأولى من الطبراني رواه أبو داود كما أشار المناوي (١)].
جاء في «فيض القدير» للمناوي ﵀:
(«كان إذا دعا بدأ بنفسه». زاد أبو داود في روايته: وقال: رحمة اللَّه علينا وعلى موسى. اهـ. ومن ثم ندبوا للداعي أن يبدأ بالدعاء لنفسه قبل دعائه لغيره فإنه أقرب إلى الإجابة إذ هو أخلص في الاضطرار وأدخل في العبودية وأبلغ في الافتقار وأبعد عن الزهو والإعجاب وذلك سنة الأنبياء والرسل قال نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وقال الخليل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
تنبيه: قال ابن حجر ابتداؤه بنفسه في الدعاء غير مطرد فقد دعا لبعض الأنبياء فلم
стр. 127
يبدأ بنفسه فقال: (رحم اللَّه لوطًا) (١) (رحم اللَّه يوسف) (٢) ودعا لابن عباس بقوله: (اللهم فقهه في الدين) (٣)، ودعا لحسان بقوله: «اللهم أيده بروح القدس» (٤). وعدول المصنف للعزو للطبراني واقتصاره عليه غير جيد لإبهامه أنه لا يوجد مخرجًا لأحد من الستة، وقد عرفت أن أبا داود خرّجه فهو بالعزو إليه أحق. اهـ. من «فيض القدير». ورواية أبي داود كما في «صحيح سنن أبي داود» للألباني أثابه اللَّه تعالى: (عن أبي بن كعب، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه). وقال: «رحمة اللَّه علينا وعلى موسى لو صبر لرأى من صاحبه العجب» صحيح - متفق عليه). اهـ.
وجاء في «تحفة الأحوذي» (جـ ٩ ص ٢٦٦، ٢٦٧) تعليقًا على رواية أبي بن كعب: (أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه).
(صحيح) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم. (قلت: فظهر أن بداءته ﷺ بنفسه عند ذكر أحد والدعاء لم يكن من عادته اللازمة).
١٤ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا تمنى أحدكم فليكثر؛ فإنما يسأل ربه».
(صحيح). رواه الطبراني في «الأوسط» - «الصحيحة» (١٢٦٦).
جاء في «فيض القدير» للمُناوي رحمه اللَّه تعالى:
(«إذا تمنى أحدكم» على ربه خيرًا من خير الدارين «فليكثر» الأماني «فإنما يسأل ربه» الذي رباه وأنعم عليه وأحسن إليه « » فيعظم الرغبة ويوسع المسألة ويسأله الكثير والقليل حتى شسع النعل فإنه إن لم ييسره لا يتيسر؛ فينبغي للسائل إكثار المسألة ولا يختصر ولا يقتصر فإن خزائن الجود سحاء الليل والنهار أي دائمةً لا ينقصها شيء ولا يفنيها عطاء وإن جل وعظم لأن عطاءه بين الكاف والنون ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] قال الزمخشري: وليس ذا بمناقض لقوله : ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، فإن
стр. 128
ذلك نهي عن تمني ما لأخيه بغيًا وحسدًا، وهذا تمني على اللَّه عز اسمه خيرًا في دينه ودنياه وطلب من خزائنه فهو نظير ﴿وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. اهـ.
١٥ - عن سلمان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر».
(حسن). رواه الترمذي والحاكم «الصحيحة» (١٥٤).
جاء في «تحفة الأحوذي» للمباركفوري رحمه اللَّه تعالى (جـ ٦ ص ٢٨٨، ٢٨٩):
(قوله: «لا يرد القضاء إلا الدعاء» القضاء هو الأمر المقدر، وتأويل الحديث أنه إن أراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه به ويتوقاه فإذا وفق للدعاء دفعه اللَّه عنه فتسميته قضاء مجاز على حسب ما يعتقده المتوقى عنه، يوضحه قول الرسول ﷺ في الرقى: «هو من قدر اللَّه». وقد أمر بالتداوي والدعاء مع أن المقدور كائن لخفائه على الناس وجودًا وعدمًا، ولما بلغ عمر الشام وقيل له إن بها طاعونًا رجع، فقال أبو عبيدة: أتفر من القضاء يا أمير المؤمنين؟ فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!! نعم نفر من قضاء اللَّه إلى قضاء اللَّه. أو أراد برد القضاء إن كان المراد حقيقته تهوينه وتيسير الأمر حتى كأنه لم ينزل، يؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر: أن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل. وقيل: الدعاء كالترس والبلاء كالسهم والقضاء أمر مبهم مقدر في الأزل «ولا يزيد في العمر» بضم الميم وتسكن «إلا البر» بكسر الباء وهو الإحسان والطاعة. قيل يزاد حقيقة. قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وذكر في الكشاف أنه لا يطول عمر الإنسان ولا يقصر إلا في كتاب وصورته أن يكتب في اللوح إن لم يحج فلانٌ أو يغز فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة؛ فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمَّر، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون وذكر نحوه في معالم التنزيل. وقيل معناه: إنه إذا بر لا يضيع عمره فكأنه زاد. وقيل: قدر أعمال البر سببًا لطول العمر كما قدر الدعاء سببًا لرد البلاء. فالدعاء للوالدين وبقية الأرحام يزيد في العمر إما بمعنى أنه يبارك له في عمره فييسر له في الزمن القليل من الأعمال الصالحة ما لا يتيسر لغيره من العمل الكثير فالزيادة مجازية لأنه يستحيل في الآجال الزيادة الحقيقية. قال الطيبي: اعلم أن اللَّه تعالى إذا علم أن زيدًا يموت
стр. 129
سنة خمسمائة، استحال أن يموت قبلها أو بعدها، فاستحال أن تكون الآجال التي عليها علم اللَّه تزيد أو تنقص، فتعين تأويل الزيادة أنها بالنسبة إلى ملك الموت أو غيره ممن وكل بقبض الأرواح وأمره بالقبض بعد آجال محدودة، فإنه تعالى بعد أن يأمره بذلك أو يثبت في اللوح المحفوظ ينقص منه أو يزيد على ما سبق علمه في كل شيء، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢] فالإشارة بالأجل الأول إلى ما في اللوح المحفوظ وما عند ملك الموت وأعوانه، وبالأجل الثاني إلى ما في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩]. والحاصل أن القضاء المعلق يتغير، وأما القضاء المبرم فلا يبدل ولا يغيره، انتهى). اهـ من «تحفة الأحوذي».
الدعاء يدفع المكروه:
جاء في «الجواب الكافي» لابن القيم ﵀ ما مختصره:
وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب ولكن قد يتخلف عنه أثره، إما لضعفه في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه اللَّه لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على اللَّه وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا، فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا. وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليه، كما في «مستدرك الحاكم» من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ادعوا اللَّه وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن اللَّه لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه» (١) فهذا (الدعاء) دواء نافع مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن اللَّه تبطل قوته، وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها، كما في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «يا أيها الناس، إن اللَّه طيب، لا يقبل إلا طيبًا، وإن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك؟» وذكر عبد اللَّه
стр. 130
بن أحمد في كتاب «الزهد» لأبيه: «أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجًا، فأوحى اللَّه إلى نبيهم أن أخبرهم: إنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إليَّ أكفًّا قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم، لن تزدادوا مني إلا بعدًا». وقال أبو ذر: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح.
والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل.
وله مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه، وإن كان ضعيفًا.
الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل منهما صاحبه.
والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه، لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًا لا آفة به، والساعد ساعدًا قويًّا، والمانع مفقودًا، حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير، فإن كان في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثَمّ مانع من الإجابة، لم يحصل الأثر.
سؤال هام مشهور:
وهاهنا سؤال مشهور وهو: أن المدعو به إن كان قد قدر، لم يكن بُدّ من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع، وإن لم يكن قد قدر، لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله (١) فظنت طائفة صحة هذا السؤال. فتركت الدعاء وقالت: لا فائدة فيه. وهؤلاء - مع فرط جهلهم وضلالهم - متناقضون، فلو اطرد مذهبهم لوجب تعطيل جميع الأسباب. فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والري قد قدرا لك، فلا بد من وقوعهما، أكلت أو لم تأكل. وإن لم يقدرا لك لم يقعا، أكلت أو لم تأكل، وإن كان الولد قد قدر لك، فلا بد منه، وطئت الزوجة أو الأمة أو لم تطأها، وإن لم يقدر لم يكن، فلا حاجة إلى التزوج والتسري، وهلم جرا، فهل يقول هذا عاقل أو آدمي؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها
стр. 131
قوامه وحياته، فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام، بل هم أضل ...
والصواب: أن هاهنا قسمًا ثالثًا - غير ما ذكره السائل: وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه: الدعاء، فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر بسببه فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه، وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال، ودخول النار بالأعمال، وهذا القسم هو الحق، وهذا الذي حُرِمَه السائل ولم يوفق له، وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء، ولا أبلغ في حصول المطلوب.
ولما كان الصحابة ﵃ أعلم الأمة باللَّه ورسوله، وأفقههم في دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم، وكان عمر ﵁ يستنصر به على عدوه، وكان أعظم جنده، وكان يقول للصحابة: «لستم تنصرون بكثرة، ولكن تنصرون من السماء» وكان يقول: «إني لا أحمل هَمَّ الإجابة، ولكن أحمل هَمَّ الدعاء، فإن ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه».
وأخذ الشاعر هذا المعنى فنظمه، فقال:
لو لم تُرد نيلَ ما أرجو وأطلبه ... من جود كفيك ما علَّمتني الطلبا
بل الفقيه كل الفقه الذي يرد القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر، بل لا يمكّن الإنسان أن يعيش إلا بذلك.
فإن الجوع والعطش والبرد، وأنواع المخاوف والمحاذير هما من القدر، والخلق كلهم ساعون في دفع هذا القدر بالقدر، وهكذا من وفقه اللَّه وألهمه رشده يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة، فهذا هو القدر المخوف في الدنيا وما يضاده، فرب الدارين واحد، وحكمته واحدة، لا تناقض بعضها بعضًا، ولا يبطل بعضها بعضًا، فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها، ورعاها حق رعايتها، واللَّه المستعان (١). انتهى.
стр. 132
فائدة:
قال كعب الأحبار: أعطيت هذه الأمة ثلاثًا لم تعطهن أمة قبلها إلا نبي: كان إذا أرسل اللَّه نبيًّا قال له: أنت شاهد على أمتك، وجعلكم شهداء على الناس ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وكان يقال له: ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وكان يقال له: ادعني استجب لك، وقال لهذه الأمة: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١).
* * *
الفصل الثاني: آداب الدعاء
جاء في «تحفة الذاكرين» ما مختصره (٢):
١ - آكدها تجنب الحرام مأكلاً ومشربًا وملبسًا، [وقد تقدم الكلام عن هذه النقطة لابن القيم ﵀ فأغنى عن أن آتي بها من «تحفة الذاكرين»].
٢ - الإخلاص لله تعالى: لقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤].
٣ - تقديم عمل صالح: يدل على ذلك حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، كما في «الصحيحين» وغيرهما، فإن النبي ﷺ حكى عنهم: أنهم توسل كل واحد منهم بأعظم أعماله التي عملها لله ، فاستجاب اللَّه دعاءهم، وارتفعت عنهم الصخرة، وكان ذلك بحكايته ﷺ لأمته سنة، [معنى ذلك أنك إذا قمت مرة بعمل تظن أنه مقبول عند اللَّه تعالى، فيمكنك أن تقول: اللَّهم إن كنت تعلم أن هذا العمل «كبكاء مرة من خشية اللَّه، أو إعانة محتاج أو تفريج كربة .... » خالصًا لوجهك ففرج عني ما أنا فيه].
٤ - الوضوء: وقد صح أنه ﷺ لما سلم عليه بعض الصحابة تيمم من جدار الحائط ثم رد عليه، وإذا كان هذا في مجرد رد السلام، فكيف بذكر اللَّه سبحانه، فإنه أولى بذلك، وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس عنه ﷺ : «كرهت أن أذكر اللَّه إلا على طهر» وصححه ابن خزيمة، والدعاء ذكر.
٥ - استقبال القبلة: وقد استقبلها ﷺ في دعائه في غير موطن، كما في يوم بدر، أخرجه مسلم وغيره (٣).
стр. 133
٦ - الصلاة: [كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى عند الكلام عن صلاة الحاجة].
٧ - الثناء (١) على اللَّه تعالى.
٨ - الصلاة على نبيه ﷺ (٢): «وليصل على النبي» [وقد تقدم].
٩ - بسط يديه ورفعها حذو منكبيه لقول رسول اللَّه ﷺ : «إن اللَّه حييٌ كريم يستحي إذا رفع الرجل يديه إليه أن يردهما خائبتين». أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. [وصححه الألباني]- وقد تقدم.
١٠ - التأدب والخشوع والمسكنة: فأما ما يدل على التأدب: ما رواه مسلم من حديث علي ﵁ وفيه: «أنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي» وأما ما يدل على الخشوع: ما رواه ابن أبي شيبة من قول مسلم بن يسار قال: «لو كنت بين يدي ملك تطلب حاجة لسرك أن تخشع له» وأما ما يدل على المسكنة: ما ورد عن النبي ﷺ في أحاديث الاستسقاء.
١١ - أن يسأل بأسماء اللَّه تعالى العظام الحسنى: ويدل على ذلك قول اللَّه : ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. [وقد ذكر المؤلف أن العلماء قد اختلفوا في تعيين اسم اللَّه الأعظم على نحو أربعين قولاً، ولكن أرجح ما ورد في تعيين الاسم الأعظم، ثلاثة أحاديث ذكر منها مؤلف المتن اثنين وذكر الشارح (أي: الشوكاني) الاسم الثالث]:
١ - «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اللَّه لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد». أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان وصححه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما من حديث عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه: أن رسول اللَّه ﷺ سمع رجلاً يقول: «اللهم إني أسألك .... » فقال: «لقد سألت اللَّه تعالى باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى وإذا دُعي به أجاب» (٣).
стр. 134
٢ - «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم» الحديث أخرجه أهل السنن الأربعة وابن حبان وصححه ولفظ ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ... فقال رسول اللَّه ﷺ : «لقد دعا اللَّه باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى». [حسن صحيح - انظر «صحيح سنن ابن ماجه»].
٣ - «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين». الحديث أخرجه الترمذي (١)، والحاكم في «المستدرك»، وأحمد في «المسند»، ولفظ الترمذي: قال رسول اللَّه ﷺ : «دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب اللَّه له». وزاد الحاكم في طريق عنده: فقال رجل: يا رسول اللَّه، هل كانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : «ألا تسمع قول اللَّه : ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ [أي: يونس] ﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]» (٢).
١٢ - الأدعية المأثورة [مثال ذلك: من كان عليه دين، فلو أنه قال: اللهم اقضِ ديني، فهذا خير، ولكن الدعاء المأثور عن النبي ﷺ هنا: ما رواه الترمذي عن علي ﵁ أن مكاتبًا له جاءه فقال: إني عجزت عن كتابتي، فأعني، فقال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول اللَّه ﷺ لو كان عليك مثل جبل أحد دينًا إلا أداه اللَّه عنك، قل: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك» (٣)].
١٣ - ويخفض صوته: لحديث «أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا». وهو في الصحيحين.
١٤ - ويعترف بذنبه: لقوله ﷺ في حديث علي ﵁ عند مسلم: «ظلمت
стр. 135
نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا».
١٥ - ويبدأ بنفسه: لقول ابن عمر ﵄: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه». أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب (١).
[قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١].
١٦ - ولا يخص نفسه إن كان إمامًا: لحديث «لا يؤم رجل قومًا فيخص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم». أخرجه الترمذي وحسنه (٢) [جاء في الهامش]: قال المصنف في «مفتاح الحصن»: وذلك فيما يؤمن المأمومون عليه من دعاء كالقنوت فهو خيانة لهم، أما إذا دعا لنفسه في السجود مثلاً، وهو إمام فليس بخيانة. اهـ.
١٧ - ويسأل بعزم ورغبة وجد واجتهاد: لقوله ﷺ : «إذا دعا أحدكم فلا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت وارحمني إن شئت وليعزم مسألته إنه يفعل ما يشاء ولا مكره له» رواه البخاري. [وقد تقدم].
١٨ - ويحضر قلبه ويحسن رجاءه (٣).
١٩ - ويكرر الدعاء، أخرج مسلم في «صحيحه»: أنه ﷺ «كان إذا دعا كرر ثلاثًا».
٢٠ - ولا يدعو بإثم ولا قطيعة رحم: لقوله ﷺ : «يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم» أخرجه مسلم. [وقد تقدم].
٢١ - ولا بأمر قد فرغ منه: وقد روى مسلم والنسائي ما يدل على ذلك من حديث أم حبيبة ﵂ لما سمعها النبي ﷺ تدعو له ﷺ ولأبيها ولأخيها أن يمتعها اللَّه بهم فقال ﷺ : «لن يعجل اللَّه شيئًا قد أجله».
٢٢ - ولا بمستحيل: ووجه ذلك أن الدعاء بالمستحيل من الاعتداء في الدعاء، وقد ثبت النهي القرآني عنه فقال اللَّه تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. انتهى من «تحفة الذاكرين».
стр. 136
وعن أبي نعامة أن عبد اللَّه بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. قال: يا بني سل اللَّه الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء». (صحيح) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم - انظر «صحيح الجامع».
جاء في «عون المعبود شرح سنن أبي داود» لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي رحمه اللَّه تعالى (جـ١ ص ١٦٩، ١٧٠) ما مختصره:
(باب الإسراف في الوضوء) الزيادة على الثلاث في غسل أعضاء الوضوء، أو إسراف في الماء للوضوء على قدر الحاجة.
(القصر الأبيض) القصر: هو الدار الكبيرة المشيدة؛ لأنه يقصر فيه الحرم. كذا في التوسط (إذا دخلتها) أي الجنة (قال) عبد اللَّه لابنه حين سمعه يدعو بهذه الكلمات. قال بعض الشراح: إنما أنكر عبد اللَّه على ابنه في هذا الدعاء لأن ابنه طمع ما لا يبلغه عملاً حيث سأل منازل الأنبياء، وجعله من الاعتداء في الدعاء لما فيها من التجاوز عن حد الأدب، وقيل: لأنه سأل شيئًا معينًا واللَّه أعلم (إنه) الضمير للشأن (يعتدون) يتجاوزون عن الحد (في الطهور) بضم الطاء وفتحها، فالاعتداء في الطهور بالزيادة على الثلاث، وإسراف الماء، وبالمبالغة في الغسل إلى حد الوسواس ... وحديث ابن مغفل هذا يتناول الغسل والوضوء وإزالة النجاسة (الدعاء) عطف على الطهور، والمراد بالاعتداء فيه المجاوزة للحدّ، وقيل الدعاء بما لا يجوز ورفع الصوت به والصياح، وقيل سؤال منازل الأنبياء ﵈. حكاها النووي في شرحه. وذكر الغزالي في الإحياء أن المراد به أن يتكلف السجع في الدعاء. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه مقتصرًا منه على الدعاء). انتهى من «عون المعبود»، ونكمل الكلام من «تحفة الذاكرين».
٢٣ - ولا يتحجر: ووجه ذلك أن النبي ﷺ لما سمع الأعرابي يقول: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، قال له: «لقد تحجرت واسعًا». وهو ثابت في «الصحيح».
٢٤ - ويسأل حاجته كلها (١).
٢٥ - ويؤمن الداعي والمستمع: أقول: وجهه أن التأمين بمعنى طلب الإجابة من الرب
стр. 137
سبحانه، واستنجازها، فهو تأكيد لما تقدم من الدعاء وتكرير له، وقد ورد في «الصحيح» ما يرشد إلى ذلك.
٢٦ - ولا يستعجل أو يقول: دعوت فلم يستجب لي؛ لقوله ﷺ في «الصحيحين»: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي». [وقد تقدم].
٢٧ - ويتوسل إليه تعالى بأنبيائه والصالحين: أما التوسل بالصالحين: فمنه ما ثبت عن الصحابة في «الصحيح» أنهم استسقوا بالعباس ﵁ عم رسول اللَّه ﷺ ، وقال عمر ﵁: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، فالآن نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا، ثم طلب من العباس أن يدعو اللَّه، فقام العباس فدعا اللَّه تعالى، فسقاهم اللَّه.
تنبيه:
سيأتي الكلام إن شاء اللَّه تعالى عن حكم التوسل بالأنبياء بعد موتهم، وما أنقله من كلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى في هذه المسألة كرد على كلام الشوكاني].
* * *
الفصل الثالث: ما هي أوقات الإجابة ؟
جاء في «تحفة الذاكرين» ما مختصره:
١ - ليلة القدر: لقوله ﷺ : «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». رواه الشيخان.
٢ - يوم عرفة: لقوله ﷺ : «خير الدعاء يوم عرفة». رواه الترمذي وحسنه. [وهو كما قال - انظر «صحيح الجامع»].
٣ - شهر رمضان (١).
٤ - يوم الجمعة وساعة الجمعة: لقوله ﷺ : «وفيه - أي يوم الجمعة - ساعة لا يسأل العبد فيها شيئًا إلا آتاه اللَّه تعالى إياه ما لم يسأل حرامًا». [رواه أحمد وابن ماجه، قال العراقي:
стр. 138
إسناده حسن].
٥ - جوف الليل: لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قيل: يا رسول اللَّه، أي الدعاء يسمع؟ قال: «جوف الليل ودبر الصلاة». أخرجه الترمذي وحسنه. [وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي»].
٦ - ونصفه الثاني «أي الليل» وثلثه الأول وثلثه الأخير: أخرج مسلم عن جابر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللَّه خيرًا من أمور الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك في كل ليلة». وفي «الصحيحين»: قال رسول اللَّه ﷺ : «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له».
٧ - وقت السحر: وهذا جزء من أجزاء ثلث الليل الآخر، وقد تقدم في «الصحيحين» ما يدل على قبول الدعاء فيه.
٨ - عند النداء بالصلاة: لقوله ﷺ : «ثنتان لا يردان: الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا». أخرجه مالك وأبو داود، وزاد أبو داود: «وتحت المطر». وأخرجه ابن حبان والحاكم وصححاه [وهو كما قالا، انظر «صحيح الجامع»].
٩ - بين الأذان والإقامة: لقوله ﷺ : «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة». قيل: ماذا نقول يا رسول اللَّه؟ قال: «سلوا اللَّه العافية في الدنيا والآخرة». أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وأخرجه غيرهما (١).
١٠ - عند الإقامة: ولعل الوجه في ذلك أن الإقامة هي نداء إلى الصلاة كالأذان، وقد تقدم مشروعية الدعاء مطلقًا عند النداء.
١١ - عند التحام الحرب: للحديث المتقدم: «وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا».
١٢ - دبر الصلوات المكتوبات [وقد تقدم حديث الترمذي عن أبي أمامة].
١٣ - وفي السجود: لقوله ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء». أخرجه مسلم وغيره.
١٤ - عند تلاوة القرآن، لا سيما الختم: لقوله ﷺ : «من قرأ القرآن فليسأل اللَّه فإنه
стр. 139
سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس» (١). أخرجه الترمذي وحسنه، وأخرجه ابن أبي شيبة عن مجاهد: «إذا ختم القرآن نزلت الرحمة».
١٥ - عند قول الإمام: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾: لقوله ﷺ : «إذا أمَّن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه» في «الصحيحين».
١٦ - عند شرب ماء زمزم: لقوله ﷺ : «ماء زمزم لما شرب له» (٢) [ينطبق هذا الحديث - واللَّه أعلم - على ما يحمل من ماء زمزم إلى البلاد].
١٧ - عند صياح الديِّكَة: لقوله ﷺ : «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا اللَّه من فضله، فإنها رأت ملكًا». في «الصحيحين» وغيرهما.
١٨ - واجتماع المسلمين وفي مجلس الذكر: المراد باجتماع المسلمين في مجالس الذكر: لما رواه مسلم: قال رسول اللَّه ﷺ : «لا يقعد قوم يذكرون اللَّه تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم اللَّه فيمن عنده». ولقوله ﷺ في خروج النساء يوم العيد: «وليشهدن الخير ودعوة المسلمين» كما في «الصحيحين».
١٩ - عند تغميض الميت: لحديث أم سلمة قالت: دخل رسول اللَّه ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، فقال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون». ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه (٣) في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه». أخرجه مسلم وأهل السنن.
٢٠ - الحضور عند الميت: ولعل وجهه ما أخرجه النسائي قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا حضر المؤمن أتت ملائكة الرحمة» (٤) فيكون الدعاء عند حضور هؤلاء الملائكة مقبولاً.
٢١ - عند نزول الغيث: [وقد تقدم].
* * *
стр. 140
الفصل الرابع: الذين يستجيب اللَّه تعالى دعاءهم
جاء في «تحفة الذاكرين» ما مختصره:
١ - المضطر: قال اللَّه تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢].
٢ - المظلوم مطلقًا ولو كان فاجرًا أو كافرًا: لقوله ﷺ : «ثلاث دعوات لا شك في إجابتها: دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد على ولده». أخرجه الترمذي وحسنه (١)، وفي «الصحيحين» يقول رسول اللَّه ﷺ : «اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب».
٣ - الوالد على ولده والإمام العادل: [وقد تقدم].
٤، ٥ - الرجل الصالح، والمسلم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحمه [وقد تقدم في فصل فضل الدعاء: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم ... »]. لفظ المسلم يتناول لفظ الصالح تناولاً أوليًّا.
٦ - الولد البار بوالديه: ويدل على ذلك حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فدعوا اللَّه بصالح أعمالهم، وكان أحدهم بارًّا بوالديه فتوسل إلى اللَّه تعالى بذلك فأجاب دعاءه، وهذا الحديث في «الصحيحين» مطولاً.
٧، ٨ - المسافر والصائم: [وقد تقدم].
٩ - المسلم لأخيه بظهر الغيب: لقوله ﷺ : «ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك مثل ذلك». أخرجه مسلم وغيره.
١٠ - التائب: [لم يذكر المؤلف الحديث لضعفه].
* * *
стр. 141
الفصل الخامس: بم يستجاب الدعاء ؟
جاء في «تحفة الذاكرين» ما مختصره:
أولاً: قال رسول اللَّه ﷺ «من تعار من الليل» أي: استيقظ من النوم «فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان اللَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته» رواه البخاري في «صحيحه».
ثانيًا: أخرج الطبراني من حديث معاوية في «الكبير» قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «من دعا بهؤلاء الخمس لم يسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاه: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه».
قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» بإسناد حسن، وهذه الكلمات الخمس:
الأولى منهن قوله: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له»، والثانية: «له الملك وله الحمد»، والثالثة: «وهو على كل شيء قدير»، والرابعة: «لا إله إلا اللَّه»، والخامسة: «ولا حول ولا قوة إلا باللَّه» انتهى من تحفة الذاكرين.
ثالثًا: قال رسول اللَّه ﷺ : «ألِظُّوا بياذا الجلال والإكرام».
(صحيح) (ت) عن أنس، (حم، ن، ك) عن ربيعة بن عامر، «الصحيحة» (١٥٣٦): ابن أبي شيبة - أنس. تخ، ابن منده، ابن عساكر - ربيعة. ك - أبي هريرة، انظر «صحيح الجامع».
وجاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٩ ص ٤٠٤): («ألظوا بياذا الجلال والإكرام»: أي الزموه واثبتوا عليه وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم، يقال: ألظ بالشيء يلظ إلظاظًا إذا لزمه وثابر عليه. كذا في «النهاية»). اهـ.
رابعًا: جاء في «جامع العلوم والحكم» (١): قال يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا: ما من عبد يقول: يا رب، يا رب، يا رب، إلا قال له ربه: لبيك لبيك. وعن عطاء قال: ما قال عبد: يا رب ثلاث مرات إلا نظر اللَّه إليه، فذكر ذلك للحسن فقال: أما تقرءون القرآن، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ - رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ - رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩١: ١٩٤].
انتهى من «جامع العلوم والحكم».
стр. 142
خامسًا: أدعية الكرب: وهي مختصرة من «زاد المعاد» لابن القيم رحمه اللَّه تعالى (جـ٤ ص ١٩٦: ٢٠٩) مع تقديم وتأخير في الشرح:
١، ٢ - أخرجا في «الصحيحين» من حديث ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللَّه رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم» (١).
خلق اللَّه سبحانه ابن آدم وأعضاءه، وجعل لكل عضو منها كمالاً إذا فقده أحس بالألم، وجعل لملكها وهو القلب كمالاً، إذا فقده، حضرته أسقامه وآلامه من الهموم والغموم والأحزان.
فإذا فقدت العين ما خلقت له من قوة الإبصار، وفقدت الأذن ما خلقت له من قوة السمع، واللسان ما خلق له من قوة الكلام، فقدت كمالها.
والقلب: خلق لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده والسرور به، والابتهاج بحبه، والرضى عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحب إليه من كل ما سواه، ولا نعيم له ولا سرور ولا لذة، بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقد غذاءه وصحته وحياته، فالهموم والغموم والأحزان مسارعة من كل صوب إليه، ورهنٌ مقيم عليه.
ومن أعظم أدوائه: الشرك والذنوب والغفلة والاستهانة بمحابه ومراضيه، وترك التفويض إليه، وقلة الاعتماد عليه، والركون إلى ما سواه، والسخط بمقدوره، والشك في وعده ووعيده.
وإذا تأملت أمراض القلب، وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها لا سبب لها سواها، فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنته هذه العلاجات النبوية من الأمور المضادة لهذه الأدواء، فإن المرض يزال بالضد، والصحة تحفظ بالمثل، فصحته تحفظ بهذه الأمور النبوية، وأمراضه بأضدادها.
فالتوحيد: يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج، والتوبة استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة التي هي سبب أسقامه، وحمية له من التخليط، فهي تغلق عنه باب الشرور، فيفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد، ويغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار.
قال بعض المتقدمين من أئمة الطب: من أراد عافية الجسم، فليقلل من الطعام والشراب، ومن أراد عافية القلب، فليترك الآثام. وقال ثابت بن قرة: راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة الروح في قلة الآثام، وراحة اللسان في قلة الكلام.
والذنوب للقلب بمنزلة السموم، إن لم تهلكه أضعفته، ولا بد وإذا ضعفت قوته لم يقدر على مقاومة الأمراض. قال طبيب القلوب عبد اللَّه بن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذلَّ إدمانُها
وترك الذنوبِ حياةُ القلوبِ وخير لنفسك عصيانُها
فالهوى أكبر أدوائها، ومخالفته أعظم أدويتها، والنفس في الأصل خلقت جاهلة ظالمة، فهي لجهلها تظن شفاءها في اتباع هواها، وإنما فيه تلفها وعطبها، ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح، بل تضع الداء موضع الدواء فتعتمده، وتضع الدواء موضع الداء فتجتنبه، فيتولد من بين إيثارها للداء واجتنابها للدواء أنواع من الأسقام والعلل التي تعيي الأطباء، ويتعذر معها الشفاء، والمصيبة العظمى، أنها تركب ذلك على القدر، فتبرئ نفسها، وتلوم ربها بلسان الحال دائمًا، ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان.
وإذا وصل العليل إلى هذه الحال، فلا يطمع في برئه إلا أن تتداركه رحمة من ربه، فيحييه حياة جديدة، ويرزقه طريقة حميدة، فلهذا كان حديث ابن عباس في دعاء الكرب مشتملاً على توحيد الإلهية والربوبية، ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة، والإحسان والتجاوز، ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسفلي، والعرش الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها. والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له. وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه. وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه.
فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه، ويقوى نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى.
ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها دعاء الكرب، وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور، وهذه الأمور إنما يصدق بها من أشرقت فيه أنوارها، وباشر قلبه حقائقها). اهـ من «زاد المعاد».
قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى في «الفتح» (ج١١ ص ١٥١، ١٥٢).
قال الطبري: معنى قول ابن عباس «يدعو» وإنما هو تهليل وتعظيم يحتمل أمرين:
أحدهما: أن المراد تقديم ذلك قبيل الدعاء كما ورد في طريق يوسف بن عبد اللَّه بن
стр. 143
الحارث المذكورة وفي آخره «ثم يدعو». قلت: وكذا هو عند أبي عوانة في مستخرجه من هذا الوجه، وعند عبد بن حميد من هذا الوجه «كان إذا حزبه أمر قال». فذكر الذكر المأثور وزاد «ثم دعا»، وفي «الأدب المفرد» من طريق عبد اللَّه بن الحارث «سمعت ابن عباس» فذكره وزاد في آخره: «اللهم اصرف عني شره». قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء.
ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة فيما حدثنا حسين بن حسن المروزي قال: «سألت ابن عيينة عن الحديث الذي فيه أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ بعرفة لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له» الحديث فقال سفيان: هو ذكر، وليس فيه دعاء، ولكن قال النبي ﷺ عن ربه : «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» (١) قال وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد اللَّه بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضك الثناء
قال سفيان: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف بالخالق؟ قلت: ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي وقاص رفعه: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (٢)، فإنه لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب اللَّه تعالى له» أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم، وفي لفظ للحاكم: فقال رجل: أكانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : «ألا تسمع إلى قول اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾».
وقال ابن بطال: حدثني أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم أكتب الحديث، وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن عليّ عليه مدار الفتيا فَسُعِي به عند السلطان فسجن، فرأيت النبي ﷺ في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي النبي ﷺ : قل لأبي بكر بن عليّ يدعو بدعاء الكرب الذي في «صحيح البخاري» حتى يفرج اللَّه عنه. قال فأصبحت فأخبرته فدعا به فلم يكن إلا قليل حتى أخرج. انتهى.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب «الفرج بعد الشدة» له من طريق عبد الملك بن عمير قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان انظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة
стр. 144
جلدة وأوقفه للناس، قال فبعث إليه فجيء به فقام إليه علي بن الحسين فقال: يا ابن عم تكلم بكلمات الفرج يفرج اللَّه عنك، فذكر حديث عليّ باللفظ الثاني، فقالها فرفع إليه عثمان رأسه فقال: أرى وجه رجل كذب عليه، خلوا سبيله، فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره فأطلق. وأخرج النسائي والطبري من طريق الحسن بن الحسن بن علي قال: لما زوج عبد اللَّه بن جعفر ابنته قال لها: إن نزل بك أمر فاستقبليه بأن تقولي: لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، سبحان اللَّه رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين. قال الحسن: فأرسل إليّ الحجاج فقلتهن فقال: واللَّه لقد أرسلت إليك وأنا أريد أن أقتلك، فلأنت اليوم أحب إليَّ من كذا وكذا. وزاد في لفظ: فسل حاجتك). اهـ من «الفتح».
تكملة أدعية الكرب من «زاد المعاد»:
٣ - وفي «جامع الترمذي» عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا حزبه أمر، قال: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» (١).
وفي تأثير قوله: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث» في دفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة القيُّومِيَّة متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم اللَّه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى: هو اسم الحي القيوم، والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات. ونقصان الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومية، فكمال القيومية لكمال الحياة، فالحيُّ المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، والقيُّوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة، ويضر بالأفعال.
ونظير هذا توسل النبي ﷺ إلى ربه بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإن حياة القلب بالهداية، وقد وكَّل اللَّه سبحانه هؤلاء الأملاك الثلاثة بالحياة، فجبريل موكَّل بالوحي الذي هو حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو حياة الأبدان والحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها، فالتوسل إليه سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير في حصول المطلوب.
والمقصود: أن لاسم الحي القيوم تأثيرًا خاصًا في إجابة الدعوات، وكشف الكربات، وفي «السنن» و «صحيح أبي حاتم» مرفوعًا: «اسم اللَّه الأعظم في هاتين الآيتين» ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتحة آل عمران: ﴿الم - اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قال الترمذي: حديث صحيح (٢).
٤ - وفي «سنن أبي داود» عن أبي بكرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا
стр. 145
إله إلا أنت» (١).
وفي قوله: «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت» من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيديه والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه، أن يتولى إصلاح شأنه، ولا يكله إلى نفسه، والتوسل إليه بتوحيده مما له تأثير قوي في دفع هذا الداء، وكذلك قوله: «اللَّه ربي لا أشرك به شيئًا».
٥ - وعن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول اللَّه ﷺ : «ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب، أو في الكرب: اللَّه ربي لا أشرك به شيئًا» (٢).
وفي «مسند الإمام أحمد» عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي، إلا أذهب اللَّه حزنه وهمه، وأبدله مكانه فرحًا» (٣).
وأما حديث ابن مسعود: «اللهم إني عبدك ابن عبدك» ففيه من المعارف الإلهية، وأسرار العبودية ما لا يتسع له كتاب، فإنه يتضمن الاعتراف بعبوديته وعبودية آبائه وأمهاته، وأن ناصيته بيده يصرفها كيف يشاء، فلا يملك العبد دونه لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، لأن من ناصيته بيد غيره، فليس إليه شيء من أمره، بل هو عانٍ في قبضته (٤)، ذليل تحت سلطان قهره.
وقوله: «ماضٍ فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك»: