الفصل الخامس: بم يستجاب الدعاء ؟
جاء في «تحفة الذاكرين» ما مختصره:
أولاً: قال رسول اللَّه ﷺ «من تعار من الليل» أي: استيقظ من النوم «فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان اللَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته» رواه البخاري في «صحيحه».
ثانيًا: أخرج الطبراني من حديث معاوية في «الكبير» قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «من دعا بهؤلاء الخمس لم يسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاه: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه».
قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» بإسناد حسن، وهذه الكلمات الخمس:
الأولى منهن قوله: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له»، والثانية: «له الملك وله الحمد»، والثالثة: «وهو على كل شيء قدير»، والرابعة: «لا إله إلا اللَّه»، والخامسة: «ولا حول ولا قوة إلا باللَّه» انتهى من تحفة الذاكرين.
ثالثًا: قال رسول اللَّه ﷺ : «ألِظُّوا بياذا الجلال والإكرام».
(صحيح) (ت) عن أنس، (حم، ن، ك) عن ربيعة بن عامر، «الصحيحة» (١٥٣٦): ابن أبي شيبة - أنس. تخ، ابن منده، ابن عساكر - ربيعة. ك - أبي هريرة، انظر «صحيح الجامع».
وجاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٩ ص ٤٠٤): («ألظوا بياذا الجلال والإكرام»: أي الزموه واثبتوا عليه وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم، يقال: ألظ بالشيء يلظ إلظاظًا إذا لزمه وثابر عليه. كذا في «النهاية»). اهـ.
رابعًا: جاء في «جامع العلوم والحكم» (١): قال يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا: ما من عبد يقول: يا رب، يا رب، يا رب، إلا قال له ربه: لبيك لبيك. وعن عطاء قال: ما قال عبد: يا رب ثلاث مرات إلا نظر اللَّه إليه، فذكر ذلك للحسن فقال: أما تقرءون القرآن، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ - رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ - رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩١: ١٩٤].
انتهى من «جامع العلوم والحكم».
стр. 142
خامسًا: أدعية الكرب: وهي مختصرة من «زاد المعاد» لابن القيم رحمه اللَّه تعالى (جـ٤ ص ١٩٦: ٢٠٩) مع تقديم وتأخير في الشرح:
١، ٢ - أخرجا في «الصحيحين» من حديث ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللَّه رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم» (١).
خلق اللَّه سبحانه ابن آدم وأعضاءه، وجعل لكل عضو منها كمالاً إذا فقده أحس بالألم، وجعل لملكها وهو القلب كمالاً، إذا فقده، حضرته أسقامه وآلامه من الهموم والغموم والأحزان.
فإذا فقدت العين ما خلقت له من قوة الإبصار، وفقدت الأذن ما خلقت له من قوة السمع، واللسان ما خلق له من قوة الكلام، فقدت كمالها.
والقلب: خلق لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده والسرور به، والابتهاج بحبه، والرضى عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحب إليه من كل ما سواه، ولا نعيم له ولا سرور ولا لذة، بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقد غذاءه وصحته وحياته، فالهموم والغموم والأحزان مسارعة من كل صوب إليه، ورهنٌ مقيم عليه.
ومن أعظم أدوائه: الشرك والذنوب والغفلة والاستهانة بمحابه ومراضيه، وترك التفويض إليه، وقلة الاعتماد عليه، والركون إلى ما سواه، والسخط بمقدوره، والشك في وعده ووعيده.
وإذا تأملت أمراض القلب، وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها لا سبب لها سواها، فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنته هذه العلاجات النبوية من الأمور المضادة لهذه الأدواء، فإن المرض يزال بالضد، والصحة تحفظ بالمثل، فصحته تحفظ بهذه الأمور النبوية، وأمراضه بأضدادها.
فالتوحيد: يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج، والتوبة استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة التي هي سبب أسقامه، وحمية له من التخليط، فهي تغلق عنه باب الشرور، فيفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد، ويغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار.
قال بعض المتقدمين من أئمة الطب: من أراد عافية الجسم، فليقلل من الطعام والشراب، ومن أراد عافية القلب، فليترك الآثام. وقال ثابت بن قرة: راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة الروح في قلة الآثام، وراحة اللسان في قلة الكلام.
والذنوب للقلب بمنزلة السموم، إن لم تهلكه أضعفته، ولا بد وإذا ضعفت قوته لم يقدر على مقاومة الأمراض. قال طبيب القلوب عبد اللَّه بن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذلَّ إدمانُها
وترك الذنوبِ حياةُ القلوبِ وخير لنفسك عصيانُها
فالهوى أكبر أدوائها، ومخالفته أعظم أدويتها، والنفس في الأصل خلقت جاهلة ظالمة، فهي لجهلها تظن شفاءها في اتباع هواها، وإنما فيه تلفها وعطبها، ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح، بل تضع الداء موضع الدواء فتعتمده، وتضع الدواء موضع الداء فتجتنبه، فيتولد من بين إيثارها للداء واجتنابها للدواء أنواع من الأسقام والعلل التي تعيي الأطباء، ويتعذر معها الشفاء، والمصيبة العظمى، أنها تركب ذلك على القدر، فتبرئ نفسها، وتلوم ربها بلسان الحال دائمًا، ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان.
وإذا وصل العليل إلى هذه الحال، فلا يطمع في برئه إلا أن تتداركه رحمة من ربه، فيحييه حياة جديدة، ويرزقه طريقة حميدة، فلهذا كان حديث ابن عباس في دعاء الكرب مشتملاً على توحيد الإلهية والربوبية، ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة، والإحسان والتجاوز، ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسفلي، والعرش الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها. والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له. وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه. وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه.
فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه، ويقوى نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى.
ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها دعاء الكرب، وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور، وهذه الأمور إنما يصدق بها من أشرقت فيه أنوارها، وباشر قلبه حقائقها). اهـ من «زاد المعاد».
قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى في «الفتح» (ج١١ ص ١٥١، ١٥٢).
قال الطبري: معنى قول ابن عباس «يدعو» وإنما هو تهليل وتعظيم يحتمل أمرين:
أحدهما: أن المراد تقديم ذلك قبيل الدعاء كما ورد في طريق يوسف بن عبد اللَّه بن
стр. 143
الحارث المذكورة وفي آخره «ثم يدعو». قلت: وكذا هو عند أبي عوانة في مستخرجه من هذا الوجه، وعند عبد بن حميد من هذا الوجه «كان إذا حزبه أمر قال». فذكر الذكر المأثور وزاد «ثم دعا»، وفي «الأدب المفرد» من طريق عبد اللَّه بن الحارث «سمعت ابن عباس» فذكره وزاد في آخره: «اللهم اصرف عني شره». قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء.
ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة فيما حدثنا حسين بن حسن المروزي قال: «سألت ابن عيينة عن الحديث الذي فيه أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ بعرفة لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له» الحديث فقال سفيان: هو ذكر، وليس فيه دعاء، ولكن قال النبي ﷺ عن ربه : «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» (١) قال وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد اللَّه بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضك الثناء
قال سفيان: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف بالخالق؟ قلت: ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي وقاص رفعه: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (٢)، فإنه لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب اللَّه تعالى له» أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم، وفي لفظ للحاكم: فقال رجل: أكانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : «ألا تسمع إلى قول اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾».
وقال ابن بطال: حدثني أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم أكتب الحديث، وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن عليّ عليه مدار الفتيا فَسُعِي به عند السلطان فسجن، فرأيت النبي ﷺ في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي النبي ﷺ : قل لأبي بكر بن عليّ يدعو بدعاء الكرب الذي في «صحيح البخاري» حتى يفرج اللَّه عنه. قال فأصبحت فأخبرته فدعا به فلم يكن إلا قليل حتى أخرج. انتهى.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب «الفرج بعد الشدة» له من طريق عبد الملك بن عمير قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان انظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة
стр. 144
جلدة وأوقفه للناس، قال فبعث إليه فجيء به فقام إليه علي بن الحسين فقال: يا ابن عم تكلم بكلمات الفرج يفرج اللَّه عنك، فذكر حديث عليّ باللفظ الثاني، فقالها فرفع إليه عثمان رأسه فقال: أرى وجه رجل كذب عليه، خلوا سبيله، فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره فأطلق. وأخرج النسائي والطبري من طريق الحسن بن الحسن بن علي قال: لما زوج عبد اللَّه بن جعفر ابنته قال لها: إن نزل بك أمر فاستقبليه بأن تقولي: لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، سبحان اللَّه رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين. قال الحسن: فأرسل إليّ الحجاج فقلتهن فقال: واللَّه لقد أرسلت إليك وأنا أريد أن أقتلك، فلأنت اليوم أحب إليَّ من كذا وكذا. وزاد في لفظ: فسل حاجتك). اهـ من «الفتح».
تكملة أدعية الكرب من «زاد المعاد»:
٣ - وفي «جامع الترمذي» عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا حزبه أمر، قال: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» (١).
وفي تأثير قوله: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث» في دفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة القيُّومِيَّة متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم اللَّه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى: هو اسم الحي القيوم، والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات. ونقصان الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومية، فكمال القيومية لكمال الحياة، فالحيُّ المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، والقيُّوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة، ويضر بالأفعال.
ونظير هذا توسل النبي ﷺ إلى ربه بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإن حياة القلب بالهداية، وقد وكَّل اللَّه سبحانه هؤلاء الأملاك الثلاثة بالحياة، فجبريل موكَّل بالوحي الذي هو حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو حياة الأبدان والحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها، فالتوسل إليه سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير في حصول المطلوب.
والمقصود: أن لاسم الحي القيوم تأثيرًا خاصًا في إجابة الدعوات، وكشف الكربات، وفي «السنن» و «صحيح أبي حاتم» مرفوعًا: «اسم اللَّه الأعظم في هاتين الآيتين» ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتحة آل عمران: ﴿الم - اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قال الترمذي: حديث صحيح (٢).
٤ - وفي «سنن أبي داود» عن أبي بكرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا
стр. 145
إله إلا أنت» (١).
وفي قوله: «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت» من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيديه والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه، أن يتولى إصلاح شأنه، ولا يكله إلى نفسه، والتوسل إليه بتوحيده مما له تأثير قوي في دفع هذا الداء، وكذلك قوله: «اللَّه ربي لا أشرك به شيئًا».
٥ - وعن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول اللَّه ﷺ : «ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب، أو في الكرب: اللَّه ربي لا أشرك به شيئًا» (٢).
وفي «مسند الإمام أحمد» عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي، إلا أذهب اللَّه حزنه وهمه، وأبدله مكانه فرحًا» (٣).
وأما حديث ابن مسعود: «اللهم إني عبدك ابن عبدك» ففيه من المعارف الإلهية، وأسرار العبودية ما لا يتسع له كتاب، فإنه يتضمن الاعتراف بعبوديته وعبودية آبائه وأمهاته، وأن ناصيته بيده يصرفها كيف يشاء، فلا يملك العبد دونه لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، لأن من ناصيته بيد غيره، فليس إليه شيء من أمره، بل هو عانٍ في قبضته (٤)، ذليل تحت سلطان قهره.
وقوله: «ماضٍ فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك»:
стр. 146
متضمن لأصلين عظيمين عليهما مدار التوحيد:
أحدهما: إثبات القدر، وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها.
والثاني: أنه سبحانه عدل في هذه الأحكام، غير ظالم لعبده، بل لا يخرج فيها عن موجب العدل والإحسان، فإن الظلم سببه حاجة الظالم، أو جهله، أو سفهه، فيستحيل صدوره ممن هو بكل شيء عليم، ومن هو غني عن كل شيء، وكل شيء فقير إليه، ومن هو أحكم الحاكمين، فلا تخرج ذرة من مقدوراته عن حكمته وحمده، كما لم تخرج عن قدرته ومشيئته، فحكمته نافذة حيث نفذت مشيئته وقدرته، ولهذا قال نبي اللَّه هود صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم، وقد خوفه قومه بآلهتهم: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ - مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ - إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].
أي: مع كونه سبحانه آخذًا بنواصي خلقه وتصريفهم كما يشاء، فهو على صراطٍ مستقيم لا يتصرف فيهم إلا بالعدل والحكمة، والإحسان والرحمة. فقوله: «ماض في حكمك» مطابق لقوله: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، وقوله: «عدل فيَّ قضاؤك» مطابق لقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، ثم توسل إلى ربه بأسمائه التي سَمَّى بها نفسه ما علم العباد منها وما لم يعلموا، ومنها: ما استأثره في علم الغيب عنده، فلم يُطلِع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلاً، وهذه الوسيلةُ أعظم الوسائل، وأحبها إلى اللَّه، وأقربها تحصيلاً للمطلوب.
ثم سأله أن يجعل القرآن لقلبه كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، وأن يجعله شفاء همِّه وغمِّه، فيكون له بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطُبوع والأصدية وغيرها، فأحرى بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله أن يزيل عنه داءه، ويعقبه شفاء تامًّا، وصحة وعافية، واللَّه الموفق). اهـ من «زاد المعاد».
* * *
стр. 147
الفصل السادس: علامة استجابة الدعاء
جاء في «تحفة الذاكرين» (١) ما مختصره:
علامة استجابة الدعاء: (الخشية، والبكاء، والقشعريرة، وربما تحصل الرعدة، والغشى، والغيبة، ويكون عقيبه سكون القلب، وبرد الجأش، وظهور النشاط باطنًا، والحق ظاهرًا، حتى يظن الداعي أنه كان على كتفه حملة ثقيلة فوضعها عنه، حينئذ لا يغفل عن التوجه والإقبال والصدقة والإفضال والحمد والابتهال وأن يقول: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات). انتهى من «تحفة الذاكرين».
جاء في «صحيح الجامع» برقم (٤٦٤٠): «كان إذا أتاه الأمر يسرّه قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال».
(صحيح) ابن السني في «عمل يوم وليلة» ك) عن عائشة، «الكلم الطيب» (١٣٩)، «الصحيحة» (٢٦٥) ك، حل - أبي هريرة. خط - ابن عباس.
* * *
الفصل السابع: التوسل بالأنبياء والصالحين
من آداب الدعاء كما سبق: [ويتوسل إلى اللَّه سبحانه بأنبيائه والصالحين] قال الشوكاني في «تحفة الذاكرين»: «أقول: ومن التوسل بالأنبياء ما أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في «صحيحه» والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم من حديث عثمان بن حنيف ﵁ أن أعمى أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه ادعو اللَّه أن يكشف لي عن بصري. قال: أو أدَعُك. فقال: يا رسول اللَّه، إني قد شق عليَّ ذهاب بصري، قال: «فانطلق فتوضأ فصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في» (٢). انتهى من «تحفة الذاكرين».
стр. 148
ابن تيمية: لا يجوز التوسل بالنبي ﷺ في مغيبه ولا بعد موته ...
جاء في كتاب «الزيارة» لابن تيمية تحت عنوان السؤال بالجاه ونحوه من البدع ما مختصره: وقالت طائفة: ليس في هذا (١) جواز التوسل به بعد مماته، وفي مغيبه، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره، كما في «صحيح البخاري» أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا، فيسقون. وقد بين عمر بن الخطاب ﵁ أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون.
وذلك التوسل به أنهم كانوا يسألونه أنه يدعوا اللَّه لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، ويتوسلون بشفاعته ودعائه.
كما في «الصحيح» (عن أنس بن مالك أن رجلاً دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو باب دار القضاء - ورسول اللَّه ﷺ قائمٌ يخطب - فاستقبل رسول اللَّه ﷺ قائمًا ثم قال: يا رسول اللَّه هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع اللَّه يغيثنا. فرفع رسول اللَّه ﷺ يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا».
قال أنس: ولا واللَّه ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سَلع من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء، انتشرت، ثم أمطرت، فلا واللَّه ما رأينا الشمس سِتًّا. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة - ورسول اللَّه ﷺ قائم يخطب - فاستقبله قائمًا فقال: يا رسول اللَّه هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع اللَّه يمسكها عنا. قال: فرفع رسول اللَّه ﷺ يديه، ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر». فال فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس) (٢). في هذا أنه قال: ادع اللَّه لنا أن
стр. 149
يمسكها عنا.
فهذا كان توسلهم في الاستسقاء ونحوه، ولما مات توسلوا بالعباس ﵁، كما كانوا يتوسلون به ويستسقون، وما كانوا يستسقون به في موته، ولا في مغيبه، ولا عند قبره، ولا عند قبر غيره (١). انتهى كلام ابن تيمية. فلو كان التوسل بالنبي ﷺ بعد موته جائزًا، فلِمَ ترك الصحابة رضوان اللَّه عليهم التوسل به ﷺ ثم توسلوا بالعباس (٢)، فقالوا: وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؟!. سبحان اللَّه! لو كان خيرًا لسبقونا إليه.
تنبيه:
قال بعض العلماء: والصواب في هذه النقطة أن يقول المتوسل: اللهم إني أدعوك وأتوسل إليك بإيماني بنبيك ﷺ ومحبتي واتباعي لسنته ﵊، لأن الإيمان بالنبي ﵊ ومحبته واتباع سنته من أعظم الأعمال وأجلها وأنفعها عند اللَّه، ومن توسل إلى اللَّه ودعا بهذه الأعمال فقد توسل إليه بأحب الأعمال وأعظمها عند اللَّه تعالى. انتهى.
* * *
الفصل الثامن: فوائد
إليك هذه الفوائد، واللَّه تعالى أعلم:
الأولى: قال العلماء: إن من بين آداب الدعاء: أن يتخير الداعي الاسم الذي يوافق مسألته، فإذا كنت أدعو اللَّه تعالى بالمغفرة أقول: يا غفور اغفر لي، وإذا كنت أدعوه سبحانه بالرزق أقول: يا رزاق ارزقني: وإذا كنت أدعوه بالستر أقول: يا ستير استرني.
الثانية: لو تأملت في بيان اسم اللَّه الأعظم لوجدت أن هناك روايتين أو ثلاثًا في بيان اسم اللَّه الأعظم، فلو أنك جمعت هذه الروايات الثلاث أثناء الدعاء لضمنت أنك
стр. 150
دعوت اللَّه تعالى باسمه الأعظم، ومثال ذلك: هب إنسانًا قال لك: إن هناك ثلاثة بيوت في أحدها كنز، فلو أنك دخلت البيت الأول فلم تجده فيه، ففي هذه الحالة أَمَا يكون لك أن تدخل البيتين الآخرين، حتى تعثر على الكنز، وكذلك الدعاء باسم اللَّه الأعظم يضم الروايات الثلاث ولله المثل الأعلى.
الثالثة: بيان كيفية الدعاء بعد الفوائد السابقة:
١ - الحمد لله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
٢ - اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اللَّه لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
٣ - يا ذا الجلال والإكرام.
٤ - لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
٥ - تخير ما شئت من أدعية الكرب المتقدمة، حبذا كلها. ٦ - يا رب يا رب يا رب.
٧ - موضوع الدعاء: فتتخير له من أسماء اللَّه الحسنى ما يوافقه، مثل: يا غفور اغفر لي ..
٨ - ثم بعد ذلك تقول: اللهم إني أسألك أن تجيب ...
٩ - آمين وصل اللَّهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
الرابعة: يمكنك عند الاستعجال: حيث لا يكون عندك وقت تدعو فيه بكل ما تقدم، أن تدعو بما شئت مما تيسر لك، ويمكنك أن تقول بصيغة مختصرة. واللَّه أعلم:
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، يا رب: اللهم إني أسألك بأسمائك وصفاتك وباسمك اللَّه الأعظم أن تفعل لي كذا .. وصل اللَّه على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
الخامسة: من أعظم القربات إلى اللَّه تعالى الدعاء بظهر الغيب، فإن كانت عندك مسألة تشغلك، فادع لكل المسلمين بهذه المسألة، فترد عليك الملائكة وتقول لك: ولك مثل ما قلت.
стр. 151
السادسة: يستحب أن تدعو بهذا الدعاء (١) الجامع المأثور عن النبي ﷺ : «اللهم إني أسألك الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك به عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليه من قول أوعمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا، لي ولكل المسلمين». فتكون بهذا الدعاء العظيم قد دعوت لكل المسلمين، بكل خير دعا به النبي ﷺ ، وتكون أيضًا قد استعذت باللَّه من كل شر استعاذ منه النبي ﷺ ، وتكون أيضًا قد ضمنت لنفسك أن الملائكة تقول لك في الحالتين: ولك مثل ما قلت وأي عدد من الملائكة؟! بعدد المسلمين الذين دعوت لهم.
السابعة: صلاة الحاجة. روى أحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه اللَّه ما سأل معجلاً أو مؤخرًا» ومن أقوى الأدلة - واللَّه أعلم - على صلاة الحاجة ما رواه أبو داود وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (كان رسول اللَّه ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة) أي: حزبته حاجة ومن المعلوم أنه لم يصح فيها دعاء معين، وانظر الهامش الأول المتقدم تحت التوسل بالأنبياء والصالحين.
ويستحب أن تطبق آداب الدعاء السالف ذكرها دبر هذه الصلاة، وأهمها تحري الحلال في المأكل والمشرب والملبس (٢)، والإخلاص واجتناب المعاصي، قال أبو عبد اللَّه الباجي الزاهد ﵀: خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة اللَّه ، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم
стр. 152
يرتفع العمل، وذلك إذا عرفت اللَّه ولم تعرف الحق لم تنتفع، وإذا عرفت الحق ولم تعرف اللَّه لم تنتفع، وإن عرفت اللَّه وعرفت الحق ولم تخلص العمل لم تنتفع، وإن عرفت اللَّه وعرفت الحق وأخلصت العمل ولم يكن على السنة لم تنتفع، وإن تمت الأربع ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع.
وقال الشاعر:
نحن ندعو الإله في كل كرب ثم ننساه عند كشف الكروب
كيف نرجو إجابة لدعاء قد سددنا طريقها بالذنوب
صلاة الحاجة والتوكل: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من نزل به حاجة فأنزلها الناس كان قمنًا ألا تسهل حاجته، ومن أنزلها باللَّه تعالى آتاه اللَّه برزق عاجل أو بموت آجل» (١). وقال المروزي: قيل لأبي عبد اللَّه: أي شيء صدق التوكل على اللَّه؟ قال: أن يتوكل على اللَّه ولا يكون في قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيبه بشيء، فإذا كان كذلك، كان اللَّه يرزقه، وكان متوكلاً على اللَّه. انتهى. ومعنى هذا القول هنا - واللَّه أعلم - خاصة أثناء الدعاء، ألا يكون في قلبك أنه بعد انتهاء الدعاء (كصلاة الحاجة) الذهاب إلى فلان كي يقضي لك حاجتك، وإنما تدعو دعاء عبد لا يعرف إلا مولاه سبحانه، وأن ما في خزائن مولاه تعالى أقرب إليه مما في جيبه، وكأنه يقول بقلبه قبل لسانه: يا رب انقطعت كل السبل إلا سبيلك.
الثامنة: جاء في كتاب «زاد المعاد» لابن القيم ﵀ عند الكلام عن السجود ما يلي: وأمر ﷺ بالاجتهاد في الدعاء في السجود وقال: «إنه قمنٌ أن يستجاب لكم» (٢) وهل هذا أمر بأن يكثر الدعاء في السجود، أو أن الداعي إذا دعا في محل، فليكن في السجود؟ وفرق بين الأمرين، وأحسن ما يحمل عليه الحديث أن الدعاء نوعان: دعاء ثناء، ودعاء مسألة، والنبي ﷺ كان يكثر في سجوده من النوعين، والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين، والاستجابة أيضًا نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، واستجابة دعاء المثني بالثواب، وبكل واحد من النوعين فسر قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والصحيح أنه يَعُمُّ النوعين (٣). انتهى من «زاد المعاد».
стр. 153
مثال ذلك: الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من أن رسول اللَّه ﷺ كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» فالقسم الأول من هذا الدعاء، دعاء ثناء، والقسم الثاني فيه دعاء مسألة.
التاسعة: جاء في كتاب «الجواب الكافي» لابن القيم وفي كتاب «الزهد» للإمام أحمد عن قتادة قال مورق: ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا رجلاً في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب، يا رب، لعل اللَّه أن ينجيه.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك .. آمين
стр. 154
الفصل التاسع: صلاة الاستخارة
لا تدبِرْ لك أمرا فأولوا التدبير هلكى
سلِّم الأمرَ إلينا تجدْنا أولى بك منك
من «مدارج السالكين»
في «صحيح البخاري» عن جابر ﵁ قال: كان رسول ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ويسمى حاجته مثل: سفري إلى كذا، أو ذهابي إلى فلان، أو زواجي من فلانة .... ] خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: «عاجل أمري وآجله» - فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر [ويسمي حاجته أيضًا] شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: «عاجل أمري وآجله» - فاصرفه عني، واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به». قال: ويسمى حاجته.
أولاً: جاء في «تحفة الأحوذي» للمباركفوري رحمه اللَّه تعالى (جـ٢ ص ٥٠٦: ٥٠٨) ما مختصره:
قوله: «يعلمنا الاستخارة» أي: صلاة الاستخارة ودعاءها في «في الأمور» زاد في رواية البخاري كلها: «كما يعلمنا السورة من القرآن» فيه دليل على الاهتمام بأمر الاستخارة وأنه متأكد مرغب فيه «إذا هم» أي قصد «بالأمر» أي: من نكاح أو سفر أو غيرهما مما يريد فعله أو تركه «فليركع ركعتين» أي: فليصل ركعتين «من غير الفريضة» فيه دليل على أنه لا تحصل سنة صلاة الاستخارة بوقوع الدعاء بعد صلاة الفريضة «ثم ليقل» أي: بعد الصلاة (١) «اللهم إن أستخيرك» أي: أطلب منك الخير أو الخيرة. قال صاحب «المحكم» استخار اللَّه طلب منه الخير، وقال صاحب «النهاية»: خار اللَّه لك، أي أعطاك اللَّه ما هو خير لك. قال: والخيرة بسكون الياء الاسم منه. قال: فأما
стр. 155
بالفتح فهي الاسم من قوله اختاره اللَّه كذا في النيل «بعلمك» الباء فيه وفي قوله بقدرتك للتعليل أي بأنك أعلم وأقدر، قاله زين الدين العراقي.
وقال الكرماني: يحتمل أن تكون للاستعانة وأن تكون للاستعطاف كما في قوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧] أي: بحق علمك وقدرتك الشاملين، كذا في «عمدة القاري».
وقال القاري في «المرقاة»: أي: بسبب علمك، والمعنى أطلب منك أن تشرح صدري (١) لخير الأمرين بسبب علمك بكيفيات الأمور وجزئياتها وكلياتها، إذ لا يحيط بخير الأمرين على الحقيقة إلا من هو كذلك كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
قال الطيبي: الباء فيهما إما للاستعانة أي أطلب خيرك مستعينًا بعلمك، فإني لا أعلم فيهم خيرك وأطلب منك القدرة، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك، وإما للاستعطاف. انتهى مختصرًا.
«وأستقدرك» أي: أطلب منك أن تجعل لي قدرة عليه «وأسألك من فضلك العظيم» أي: تعيين الخير وتبيينه وتقديره وتيسيره وإعطاء القدرة لي عليه «اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر» (٢) أي: الذي يريده.
قال الطيبي: معناه اللهم إنك تعلم، فأوقع الكلام موقع الشك على معنى التفويض إليه والرضا بعلمه فيه، وهذا النوع يسميه أهل البلاغة تجاهل العارف ومزج الشك باليقين، يحتمل أن الشك في أن العلم متعلق بالخير أو الشر لا في أصل العلم انتهى.
قال القاري: والقول الآخر هو الظاهر وتوقف في جواز الأول بالنسبة إلى اللَّه تعالى «في ديني» أي: فيما يتعلق بديني «ومعيشتي» وقع في رواية البخاري ومعاشي.
قال العيني: المعاش والمعيشة واحد يستعملان مصدرًا واسمًا، وفي المحكم العيش الحياة عاش عيشًا وعيشة ومعيشًا ومعاشًا ثم قال: المعيش والمعاش والمعيشة ما يعاش به. انتهى.
قال الحافظ: زاد أبو داود ومعادي وهو يؤيد أن المراد بالمعاش الحياة، ويحتمل أن يريد بالمعاش ما يعاش فيه، ولذلك وقع في حديث ابن مسعود عن الطبراني في «الأوسط»
стр. 156
في ديني ودنياي، وفي حديث أبي أيوب عند الطبراني في دنياي وآخرتي. انتهى.
«وعاقبة أمري أو قال: في عاجل أمري وآجله» هو شك من الراوي، واقتصر في حديث أبي سعيد على عاقبة أمري، وكذا في حديث ابن مسعود وهو يؤيد أحد الاحتمالين: وأن العاجل والآجل مذكوران بدل الألفاظ الثلاثة أو بدل الأخيرين فقط. انتهى.
«فيسره لي» وفي رواية البزار عن ابن مسعود فوفقه وسهله «واقدر لي الخير» بضم الدال وكسرها أي يسره عليّ واجعله مقدورًا لفعلي «حيث كان» أي: الخير «ثم أرضني به» بهمزة قطع. وفي رواية: رضني به، كما تقدم. أي اجعلني راضيًا به «يسمى حاجته» «أي: أثناء الدعاء عند ذكرها بالكناية عنها في قوله إن كان هذا الأمر ... ». انتهى من «تحفة الأحوذي».
وجاء في «عون المعبود شرح سنن أبي داود» لأبي الطيب شمس الحق العظيم أبادي رحمه اللَّه تعالى (جـ٤ ص ٣٩٨، ٣٩٩) ما يلي: «قوله: فاقدره لي» أي: اجعله مقدورًا لي أو هيئه ونجزه لي.
قال في «النهاية»: القدر عبارة عما قضاه اللَّه وحكم به من الأمر وهو مصدر يقدُر قدرًا، وقد تسكن داله ومنه ليلة القدر التي تقدر فيها الأرزاق وتقضى، ومنه حديث الاستخارة: فاقدره لي.
قال ميرك: روي بضم الدال وكسرها ومعناه أدخله تحت قدرتي ويكون قوله: «ويسره لي» طلب التيسير بعد التقدير. وقيل: المراد من التقدير التيسير فيكون ويسره عطفًا تفسيريًا «وبارك لي فيه» أي: أكثر الخير والبركة فيما أقدرتني عليه ويسرته لي «مثل الأول» أي: يقول ما قال في الأول من قوله في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري «فاصرفني عنه» أي: اصرف خاطري عنه حتى لا يكون سبب اشتغال البال. «واصرفه عني» أي: لا تقدر بي عليه «واقدر لي الخير» أي: يسره عليَّ واجعله مقدورًا لفعلي «حيث كان» أي: الخير من زمان أو مكان. وفي رواية النسائي «حيث كنت» وفي رواية البزار: «وإن كان غير ذلك خيرًا فوفقني للخير حيث كان» وفي رواية ابن حبان: «وإن كان غير ذلك خيرًا لي فاقدر لي الخير حيثما كان» وفي رواية له: «أينما كان لا حول ولا قوة إلا باللَّه» «ثم رضني» من الترضية وهو جعل الشخص راضيًا وأرضيت ورضيت بالتشديد بمعنى «به» أي: بالخير، وفي رواية النسائي: «بقضائك»؛ قال ابن الملك: أي اجعلني راضيًا بخيرك المقدور لأنه ربما قدر له ما هو خير له فرآه شرًّا «أو قال في عاجل أمري وآجله».
стр. 157
قال في «المرقاة»: الظاهر أنه بدل من قوله في ديني إلخ. وقال الجزري في «مفتاح الحصن» أو في الموضعين للتخيير أي أنت مخير إن شئت قلت: «عاجل أمري وآجله» أو قلت: «معاشي وعاقبة أمري».
قال الطيبي: الظاهر أنه شك في أن النبي ﷺ قال في عاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله، وإليه ذهب القوم حيث قالوا: هي على أربعة أقسام خير في دينه دون دنياه، وخير في دنياه فقط، وخير في العاجل دون الآجل وبالعكس وهو أولى والجمع أفضل ويحتمل أن يكون الشك في أنه ﷺ قال في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال بدل الألفاظ الثلاثة في عاجل أمري وآجله، ولفظ «في» المعادة في قوله: «في عاجل أمري» ربما يؤكد هذا وعاجل الأمر يشمل الديني والدنيوي والآجل يشملهما والعاقبة. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه. اهـ من «عون المعبود».
ثانيًا: جاء في كتاب «فقه السنة» للشيخ سيد سابق ما يلي:
١ - يُسَنُّ لمن أراد أمرًا من الأمور المباحة، والتبس عليه وجه الخير فيه، أن يصلي ركعتين من غير الفريضة، ولو كانتا من السنن الراتبة أو تحية المسجد، في أي وقت من الليل أو النهار، يقرأ فيهما بما شاء بعد الفاتحة، ثم يحمد اللَّه ويصلي على نبيه ﷺ ثم يدعو بالدعاء [السابق ذكره: اللهم إني أستخيرك بعلمك].
٢ - ولم يصح في القراءة فيها شيء مخصوص، كما لم يصح شيء في استحباب تكرارها.
٣ - قال النووي: ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح (١) له صدره، فلا ينبغي أن يعتمد على انشراح كان فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسًا، وإلا فلا يكون مستخيرًا لله، بل يكون غير صادق في طلب الخيرة، وفي التبري من العلم والقدرة وإثباتهما لله تعالى، فإذا صدق في ذلك تَبرَّأ من الحول والقوة ومن اختياره لنفسه.
٤ - الواجب والمندوب مطلوب الفعل، والمحرم والمكروه مطلوب الترك، ولهذا لا تجري الاستخارة إلا في أمر مباح (٢). انتهى من «فقه السنة».
وجاء في «عون المعبود»: («يعلمنا الاستخارة» أي: طلب تيسر الخير في الأمرين، من الفعل أو الترك، من
стр. 158
الخير وهو ضد الشر، في الأمور التي نريد الإقدام عليها مباحة كانت أو عبادة، لكن بالنسبة إلى إيقاع العبادة في وقتها وكيفيتها لا بالنسبة إلى أصل فعلها). اهـ. كالحج مثلاً، فإن العبد لا يصلي صلاة الاستخارة في كونه يحج أو لا، لكنه يصلي صلاة الاستخارة في كونه يحج هذا العام أو غيره - عند من يرى وجوب الحج على التراخي لا على الفور - أو أنه يحج عن طريق البر أو البحر أو الجو.
ثالثًا: حديث: «إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك فإن الخير فيه». رواه ابن السني، وهو حديث ضعيف، قال النووي: إسناده غريب فيه من لا أعرفهم، وضعفه كل من الألباني في «الكلم الطيب» والأرنؤوط في «الأذكار النووية» وقال الأرنؤوط في «هامش الأذكار النووية» (ص: ١٠٢) نقلاً عن ابن حجر عن شيخه: وما ذكره قبل، أنه يمضي لما ينشرح له صدره، كأنه اعتمد فيه على هذا الحديث [أي: حديث السبع مرات السابق] (١).
وليس بعمدة قد أفتى ابن عبد السلام بخلافه، فلا تتقيد ببعد الاستخارة، بل مهما فعله فالخير فيه. اهـ.
رابعًا: لو تعقل المسلمون ما في صلاة الاستخارة لوسعتهم، إذ إ ن الاستخارة هي رأس التوكل على اللَّه ، لذا - واللَّه أعلم - كلما استخار العبد ربه في دقائق الأمور (المباحة) كان العبد أكثر إيمانًا، إذ إن الاستخارة لا ترتبط بالأمور المباحة الكبرى فقط، كالزواج والسفر ونحوه - كما يفعل البعض - بل هي أيضًا تكون في أقل الأمور.
جاء في «نيل الأوطار» للشوكاني: قوله ﷺ : «في الأمور كلها». دليل على العموم وأن المرء لا يحتقر أمرًا لصغره وعدم الاهتمام به فيترك الاستخارة فيه، فرب أمر يستخف بأمره فيكون في الإقدام عليه ضرر عظيم أو في تركه ... (٢). انتهى.
خامسًا: لم يرد عن النبي ﷺ شيء في كون المستخير يصلي صلاة الاستخارة ثم ينام حتى يرى رؤيا تكون نتيجة لصلاة الاستخارة، وهناك أمر آخر وهو أن بعض الناس قد يقعون في البدع وهم لا يدرون، فنجد أحدهم إذا أراد أن يعرف الخير، في أمر ما يمسك بالمصحف ويقول: افتح سورة كذا آية كذا أو افتح الصفحة رقم كذا ويختار لنفسه آية، ثم يقول: إن كانت تتكلم عن الجنة أو الخير، فهذا الأمر خير، وإن كانت تتكلم عن النار أو الشر،
стр. 159
فهذا الأمر شر، وكل هذا من البدع التي لم ترد في الشرع الحنيف.
سادسًا: جاء في الأذكار النووية (١): وروينا في كتاب الترمذي بإسناد ضعيف ضعفه الترمذي وغيره عن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أراد الأمر قال: «اللهم خر لي واختر لي». انتهى من الأذكار النووية.
وهذا - واللَّه أعلم - يمكن الاعتداد به كقول في الأشياء التي يضيق وقتها عن صلاة الاستخارة، كأن تخير بين قبول هديتين في الحال، أو أن تكون أمام دارين لمسلمين، وكل منهما يدعوك للطعام، أو أن تمر من هذا الطريق أو ذاك.
سابعًا: ذكر النووي في الأذكار: أنه (يستحب الثناء على اللَّه تعالى والصلاة على نبيه ﷺ في أول دعاء الاستخارة وفي آخره) وقد ذكرت ذلك إتمامًا للفائدة.
ثامنًا: سئل الإمام ابن تيمية ﵀ عن دعاء الاستخارة، هل يدعو به في الصلاة، أم بعد الصلاة؟
فأجاب: يجوز الدعاء في صلاة الاستخارة وغيرها: قبل السلام، وبعده، والدعاء قبل السلام أفضل، فإن النبي ﷺ كان أكثر دعائه قبل السلام قبل أن ينصرف، وهذا أحسن، واللَّه أعلم (٢). انتهى. والمقصود بقبل السلام أي بعد التشهد.
تنبيه:
قال علي بن أبي طالب ﵁: إنما العطية بقدر النية. وعلى هذا فبقدر تجردك لله وتوكلك عليه في صلاة الاستخارة، بقدر ما يكفيك ، ولا يظلم ربك أحدًا.
تاسعًا: جاء في «زاد المعاد» لابن القيم تعليقًا على صلاة (دعاء) الاستخارة ما يلي:
فتضمن هذا الدعاء الإقرار بوجوده ، والإقرار بصفات كماله من كمال العلم والقدرة والإرادة، والإقرار بربوبيته، وتفويض الأمر إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه والخروج من عُهدة نفسه، والتَّبرِّي من الحول والقوة إلا به، واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه وقدرته عليها وإرادته لها، وأن ذلك كله بيد وليه وفاطره وإلهه الحق.
وفي «مسند» أحمد يقول ﷺ : «من سعادة ابن آدم استخارة اللَّه ورضاه بما قضى اللَّه، ومن
стр. 160
شقاوة ابن آدم ترك استخارة اللَّه وسخطه بما قضى اللَّه» (١).
فتأمل كيف وقع المقدور مكتنفًا بأمرين: التوكل الذي هو مضمون الاستخارة قبله، والرضا بما يقضي اللَّه له بعده، وهما عنوان السعادة وعنوان الشقاء، فإذا أبرم القضاء وتم انتقلت العبودية إلى الرضا بعده،
كما في «المسند» عنه ﷺ : «وأسألك الرضا بعد القضاء» (٢) هذا أبلغ من الرضا بالقضاء، فإنه قد يكون عزمًا فإذا وقع القضاء، تنحل العزيمة، فإذا حصل الرضا بعد القضاء، كان حالاً أو مقامًا.
والمقصود: أن الاستخارة توكل على اللَّه وتفويض إليه، واستقسام بقدرته وعلمه، وحسن اختياره لعبده، وهي من لوازم الرضا به ربًّا، الذي لا يذوق طعم الإيمان من لم يكن كذلك، وإن رضي بالمقدور بعدها، فذلك علامة سعادته (٣). انتهى.
فائدة:
ذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي رحمه اللَّه تعالى قال: قال موسى ﵇: يا رب أي خلقك أكرم عليك؟ قال: الذي لا يزال لسانه رطبًا بذكري، قال: يا رب، فأي خلقك أعلم؟ قال: الذي يلتمس إلى علمه علم غيره، قال: يا رب، أي: خلقك أعدل؟ قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس، قال: يا رب: أي: خلقك أعظم ذنبًا؟ قال: الذي يتهمني. قال: يا رب، وهل يتهمك أحد؟ قال: الذي يستخيرني ولا يرضى بقضائي.
* * *
стр. 161
الفصل العاشر: بحث خاص برفع اليدين في الدعاء
عن أنس بن مالك قال: «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه» رواه البخاري.
جاء في «فتح الباري» (جـ٢ ص ٦٠٢):
(قوله: «إلا في الاستسقاء» ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء وقد تقدم أنها كثيرة، وقد أفردها المصنف بترجمة قي كتاب «الدعوات» وساق فيها عدة أحاديث، فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره. وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة أمَّا الرفع البليغ فيدل عليه قوله: «حتى يرى بياض إبطيه» ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مد اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهة حتى حاذتاه وبه حينئذ يرى بياض إبطيه، وأما صفة اليدين في ذلك فلما رواه مسلم من رواية ثابت عن أنس «أن رسول اللَّه ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء» ولأبي داود من حديث أنس أيضًا: «كان يستسقى هكذا ومد يديه - وجعل بطونهما مما يلي الأرض - حتى رأيت بياض إبطيه».
قال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلاً ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء. انتهى. وقال غيره: الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهرًا لبطن كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسئول وهو نزول السحاب إلى الأرض). اهـ.
وجاء في «الفتح» (جـ ١١ ص ١٤٦، ١٤٧): باب رفع الأيدي في الدعاء:
وقال أبو موسى الأشعري: دعا النبي ﷺ ، ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه.
وقال ابن عمر: رفع النبي ﷺ يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد».
قال أبو عبد اللَّه: وقال الأُويسي حدثني محمد بن جعفر عن يحيي بن سعيد وشريك سمعا أنسًا «عن النبي ﷺ رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه».
стр. 162
قوله: (باب رفع الأيدي في الدعاء) أي: على صفة خاصة.
وفي الحديث الأول رد من قال لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه وفي الذي بعده رد على من قال لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلاً، وتمسك بحديث أنس: «لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء» وهو صحيح، لكن جمع بينه وبين أحاديث الباب وما في معناها بأن المنفي صفة خاصة لا أصل الرفع وقد أشرت إلى ذلك في أبواب الاستسقاء (١)، وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلاً وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت في كل منهما «حتى يرى بياض إبطيه» بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء. قال المنذري: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح. قلت: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء سرد منها النووي في «الأذكار» وفي «شرح المهذب» جملة. وعقد لها البخاري أيضًا في «الأدب المفرد» بابًا ذكر فيه حديث أبي هريرة: «قدم الطفيل بن عمرو على النبي ﷺ فقال: إن دوسًا عصت فادع اللَّه عليها، فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم اهد دوسًا» وهو في «الصحيحين» دون قوله «ورفع يديه»، وحديث جابر: «أن الطفيل بن عمرو هاجر»، فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: «فقال النبي ﷺ : اللهم وليديه فاغفر ورفع يديه». وسنده صحيح، وأخرجه مسلم. وحديث عائشة أنها: «رأت النبي ﷺ يدعو رافعًا يديه يقول: اللهم إنما أنا بشر» الحديث، وهو صحيح الإسناد.
ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه المصنف في «جزء رفع اليدين»: «رأيت النبي ﷺ رافعًا يديه يدعو لعثمان»، ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة الكسوف «فانتهيت إلى النبي ﷺ وهو رافع يديه يدعو»، وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضًا «ثم رفع يديه يدعو»، وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع «فرفع يديه ثلاث مرات» الحديث، ومن حديث أبي هريرة الطويل في فتح مكة «فرفع يديه وجعل يدعو»، وفي «الصحيحين» من حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية: «ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه يقول: اللهم هل بلغت»، ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو «أن النبي ﷺ ذكر قول إبراهيم وعيسى فرفع يديه وقال: اللهم أمتي»، وفي حديث عمر «كان رسول اللَّه
стр. 163
- ﷺ إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فأنزل اللَّه عليه يومًا، ثم سرى عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه ودعا». الحديث أخرجه الترمذي، واللفظ له، والنسائي والحاكم، وفي حديث أسامة «كنت ردف النبي ﷺ بعرفات فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها، فتناوله بيده وهو رافع اليد الأخرى». أخرجه النسائي بسند جيد، وفي حديث قيس بن سعد عند أبي داود «ثم رفع رسول اللَّه ﷺ يديه وهو يقول: اللهم صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة» الحديث وسنده جيد. والأحاديث في ذلك كثيرة: وأما ما أخرجه مسلم من حديث عمارة بن رو يبة - براء وموحدة مصغر - أنه «رأى بشر بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك وقال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ وما يزيد على هذا يشير بالسبابة» فقد حكى الطبري عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره وقال: السنة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، ورده بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيتها، وقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه وغيرهما من حديث سلمان رفعه «إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفْرًا» بكسر المهملة وسكون الفاء أي خالية، وسنده جيد.
قال الطبري: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر وجبير بن مطعم. وأما ما نقله الطبري عن ابن عمر فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبري عنه أيضًا. وعن ابن عباس أن هذا صفة الدعاء.
وأخرج أبو داود والحاكم عنه من وجه آخر قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعًا. وأخرج الطبري من وجه آخر عنه قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وقد صح عن ابن عمر خلاف ما تقدم أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» من طريق القاسم بن محمد «رأيت ابن عمر يدعو عند القاص يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه باطنهما مما يليه وظاهرهما مما يلي وجهه»). انتهى من «الفتح».
стр. 164
قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا سألتم اللَّه تعالى فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها». صحيح (د) عن مالك بن يسار السكوني. (هـ، طب، ك) عن ابن عباس وزاد: «وامسحوا بها وجوهكم». «الصحيحة» (٥٩٥)، «صحيح أبي داود» (١٣٣٥).
قال الألباني - أثابه اللَّه تعالى - بعد ذكر الحديث، كما في «صحيح الجامع» تعليقًا على الزيادة الضعيفة: «وامسحوا بها وجوهكم»: قلت: هذه الزيادة واهية جدًّا، ولذلك قال العز بن عبد السلام: (لا يمسح وجهه إلا جاهل). وبيان ذلك في «الصحيحة». اهـ.
وجاء في «فيض القدير» للمناوي رحمه اللَّه تعالى: («إذا سألتم اللَّه تعالى» جلب نعمة «فاسألوه ببطون» قال الطيبي: الباء للآلة ويجوز كونها للمصاحبة كما مر «أكفكم» لا بظهورها فإنه غير لائق بالأدب ولذلك زاد الأمر تأكيدًا بتصريحه بالنهي عن ضده، فقال: «ولا تسألوه بظهورها» وذلك لأن من عادة من طلب شيئًا من غيره أن يمد بطن كفيه إليه ليضع النائل فيها كما مر ولأن أصل شرعية الدعاء إظهار الانكسار بين يدي الجبار والثناء عليه بمحامده والاعتراف بغاية الذلة والمسكنة وذلك ابتهال قولي ولا بد في كمال إظهار الانكسار والافتقار من ضم الابتهال الفعلي إليه، وذلك بمد بطن الكف على سبيل الضراعة إليه ليصير كالسائل المتكفف لأن يملأ كفه بما يسد به حاجته ولا ينافيه خبر أن الرسول ﷺ استسقي وأشار بظهر كفه إلى السماء لأن معناه رفعها رفعًا تامًّا حتى ظهر بياض إبطيه وصارت كفاه محاذيتين لرأسه ملتمسًا إلى أن يغمره برحمته وذلك لمساس الحاجة إلى الغيث عن الجدب ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] أما لو دعى بدفع نقمة فبظهورها كما في أخبار كثيرة). اهـ.
عن ابن عباس ﵄ قال: «المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك والاستغفار أن تشير بأصبع واحد، والابتهال أن تمد يديك جميعًا».
صحيح رواه أبو داود - «صحيح أبي داود» (١٣٣٨ - ١٣٤٠)، الضياء كذا في «صحيح الجامع».
جاء في «عون المعبود» (جـ٤ ص ٣٦٠، ٣٦١): («قال المسألة» مصدر بمعنى السؤال والمضاف مقدر ليصح الحمل أي آدابها «أن
стр. 165
ترفع يديك حذو منكبيك» أي: قريبًا منهما لكن إلى ما فوق «والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة».
قال الطيبي: أدب الاستغفار الإشارة بالسبابة سبًا للنفس الأمَّارة والشيطان والتعوذ منهما، وقيده بواحدة لأنه يكره الإشارة بإصبعين لما روي أنه ﵊ رأى رجلاً يشير بهما فقال له: أحِّد أحد (١) «والابتهال» أي: التضرع والمبالغة في الدعاء في دفع المكروه عن النفس أدبه «أن تمد يديك جميعًا» أي: حتى يرى بياض إبطيك.
قال الطيبي: ولعله أراد بالابتهال دفع ما يتصوره من مقابلة العذاب ليجعل يديه الترس ليستره عن المكروه). اهـ من «عون المعبود».
وجاء في (ب - ف): «حذو منكبيك: أي: أمامه وإزاءه. والابتهال: أي: التضرع والمبالغة في السؤال».
فائدة: في الدعاء رضا رب الأرض والسماء:
قال المناوي رحمه اللَّه تعالى تعليقًا على الحديث المتقدم: «من لم يسأل اللَّه تعالى يغضب عليه»: (قوله: «من لم يسأل اللَّه تعالى» أي: يطلب من فضله «يغضب عليه» لأنه إما قانط، وإما متكبر، وكل واحد من الأمرين موجب الغضب، قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] أي: عن دعائي فهو سبحانه يحب أن يسأل وأن يلح عليه، ومن لم يسأله يبغضه والمبغوض مغضوب عليه، قال ابن القيم: هذا يدل على أن رضاه في مسألته وطاعته (٢)، وإذا رضي الرب تعالى فكل خير في رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه، والدعاء عبادة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، فهو تعالى يغضب على من لم يسأله كما أن الآدمي يغضب على من يسأله.
فشتان ما بين هذين، وسحقًا لمن علق بالأثر وأبعد عن العين، قال الحليمي: وإذا كان هكذا فما ينبغي لأحد أن يخلي يومًا وليلة من الدعاء، لأن الزمن يوم وليلة وما وراءهما تكرار، فإذا كان ترك الدعاء أصلاً يوجب الغضب فأدنى ما في تركه يوم وليلة أن يكون مكروهًا). اهـ.
* * *
стр. 166
الفصل الحادي عشر: ختامه مسك
عن أُبي بن كعب قال: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا ذهب ربع الليل؛ قام فقال: يا أيها الناس! اذكروا اللَّه (اذكروا اللَّه)، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه - قال أُبي بن كعب - قلت: يا رسول اللَّه، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير، قلت النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير، قلت: الثلثين؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذًا تُكْفَى همَّك، ويغفر لك ذنبُك».
[أخرجه الترمذي (٢٤٥٧)، وأحمد في «المسند»، وإسناده حسن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي - كذا قال الأرنؤوط].
جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٧ ص ١٧٠، ١٧١):
(قوله: «يا أيها الناس» أراد به النائمين من أصحابه الغافلين عن ذكر اللَّه ينبههم عن النوم ليشتغلوا بذكر اللَّه تعالى والتهجد «جاءت الراجفة تتبعها الردافة» قال في «النهاية»: الراجفة النفخة الأولى التي يموت لها الخلائق، والرادفة النفخة الثانية التي يحيون لها يوم القيامة، وأصل الرجف الحركة والاضطراب انتهى. وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦]، وعبر بصيغة الماضي لتحقق وقوعها فكأنها جاءت، والمراد أنه قارب وقوعها فاستعدوا لتهويل أمرها «جاء الموت بما فيه» أي: ما فيه من الشدائد الكائنة في حالة النزع والقبر وما بعده «جاء الموت بما فيه» التكرار للتأكيد، «إني أكثر الصلاة عليك» أي: بدل دعائي الذي أدعو به لنفسي قاله القاري. وقال المنذري في «الترغيب»: معناه أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك «قال ما شئت» أي: أجعل مقدار مشيئتك «قلت: الربع» بضم الباء وتسكن أي: أجعل ربع أوقات دعائي لنفسي مصروفًا للصلاة عليك، «فقلت: ثلثي» هكذا في بعض النسخ بحذف النون، وفي بعضها فالثلثين وهو الظاهر، «قلت: أجعل لك صلاتي كلها» أي: أصرف بصلاتي عليك جميع الزمن الذي كنت أدعو فيه لنفسي «قال: إذًا» بالتنوين «تكفى» مخاطب
стр. 167
مبني للمفعول «همك» مصدر بمعنى المفعول وهو منصوب على أنه مفعول ثان تكفى؛ فإنه يتعدى إلى مفعولين، والمفعول الأول المرفوع بما لم يسم فاعله وهو أنت، والهم ما يقصده الإنسان من أمر الدنيا والآخرة، يعني إذا صرفت جميع أزمان دعائك في الصلاة عليَّ أُعْطِيْتَ مرام الدنيا والآخرة.
قال القاري: وللحديث روايات كثيرة. وفي رواية قال: إني أصلي من الليل بدل أكثر الصلاة عليك فعلى هذا قوله فكم أجعل لك من صلاتي أي بدل صلاتي من الليل انتهى). انتهى من «تحفة الأحوذي».
قلت: فإذا صلى المصلي عليه ﷺ في الليل فقد جمع بين الروايتين [مع مراعاة أن صلاة الليل تبدأ بعد صلاة العشاء] حبذا بعد النوم.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]: (فإذن التهجد ما كان بعد نوم، وهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ أنه كان يتهجد بعد نومه.
وقال الحسن البصري: هو ما كان بعد العشاء، ويحمل على ما كان بعد نوم) (١). اهـ.
وبصفة عامة فالصلاة على النبي ﷺ مستحبة في كل وقت، في الليل والنهار، فإن كانت داخل الصلاة عوضًا عن الدعاء ولا يكون هذا إلا في السجود، وبعد التشهد الأخير خاصة عند من يرى أن دبر الصلاة قبل التسليم، فهذان من مواطن الدعاء بصفة عامة في الصلاة - فإن ذلك ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾ [النور: ٣٥] مع مراعاة أن الأدعية المخصوصة في الصلاة - المخصوصة كدعاء الاستخارة في صلاة الاستخارة - لا تكون في السجود، وإنما تكون في نهاية الصلاة سواء كان ذلك قبل التسليم أو بعد التسليم، أما صلاة الحاجة فليس لها دعاء مخصوص، لكن موطن الدعاء فيها قبل التسليم أو بعده أيضًا.
قال ابن القيم رحمه اللَّه تعالى: وسئل شيخنا أبو العباس ابن تيمية ﵁ عن تفسير هذا الحديث، فقال: كان لأُبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه، فسأل النبي ﷺ : «هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه ﷺ ؟» فقال: إن زدت فهو خير لك، فقال له: النصف؟ فقال: إن زدت فهو خير لك، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي، أي أجعل
стр. 168
دعائي كله صلاة عليك، قال: إذًا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك؛ لأن من صلى على النبي ﷺ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشرًا، ومن صلى الله عليه كفاه همه، وغفر له ذنبه، هذا معنى كلامه ﵁ ... ). اهـ.
стр. 169
فوائد:
قلتُ - واللَّه أعلم:
١ - فرق بين الصلاة على النبي ﵌ تسليمًا عند ذكر اسمه، والصلاة عليه ﵌ تسليمًا عوضًا عن الدعاء، ربعه أو نصفه، أدنى من ذلك أو أكثر، حتى يكون عوضًا عن الدعاء كله.
٢ - الدعاء قسمان: داخل الصلاة وخارج الصلاة، والصلاة على النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم تسليمًا أيضًا قسمان: داخل الصلاة وخارج الصلاة، ففي صلاة التوبة وصلاة الحاجة مثلاً تقوم الصلاة على النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم تسليمًا مقام الدعاء، ولا تقوم نفس المقام في صلاة الاستخارة، أعني دعاء الاستخارة؛ لأنه دعاء مأثور مخصوص، لكن تستحب الصلاة على النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم تسليمًا في
стр. 170
أول الدعاء وآخره، فمن صلى على النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم تسليمًا خارج الصلاة كأنه دعا اللَّه تعالى خارج الصلاة، ومن صلى على النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم تسليمًا داخل الصلاة كأنه دعا اللَّه تعالى داخل الصلاة.
٣ - مراتب الدعاء والصلاة والسلام على خير الأنبياء صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم تسليمًا:
الترتيب من الأدنى للأعلى:
أ- دعاء بغير وضوء. ب- دعاء بوضوء. جـ- دعاء في الصلاة.
أ- صلاة عليه ﵌ تسليمًا [بغير وضوء].
ب- صلاة عليه ﵌ تسليمًا [بوضوء]
جـ- صلاة عليه ﵌ تسليمًا [في صلاة].
٤ - الصلاة على النبي ﵌ تسليمًا لا تقوم مقام الأدعية المأثورة المخصوصة، كدعاء الاستفتاح، والتسبيح في الركوع والسجود، والدعاء بين السجدتين، ودعاء التعوذ من أربع في التشهد الأخير، ودعاء القنوت، لكنها تستحب بعد أذكار السجود عوضًا عن الدعاء، وآخر القنوت في نهاية الدعاء على نحو ما مر في آداب الدعاء.
٥ - خير القصص القصص المأثورة، لكني أضرب بعض الأمثلة الحاضرة دفعًا للهمم وتثبيتًا للقلوب:
الأولى: أعطى رجل مركبته (سيارته) - وهي من أغلى المركبات في هذا العصر - لصاحبه فسرقت، فلما علم بذلك حمد اللَّه تعالى واسترجع، وأعطى مالاً كثيرًا في كثير من الجهات من أجل العثور عليها فلم ينجح، فسألني (١): ماذا يفعل؟ فدللته على حديث أبيّ، خاصة آخر مرحلة فيه «أجعل لك صلاتي كلها» أي: كما تقدم: أصرف بصلاتي عليك جميع الزمن الذي كنت أدعو فيه لنفسي، وبمعنى آخر أجعل دعائي كله صلاة عليك كما قال شيخ الإسلام، فأخبرني الرجل بعد أسبوع قائلاً: مكثت ليلة كاملة أصلي على النبي ﵌ تسليمًا، وفي صبيحة تلك الليلة في الساعة السادسة صباحًا أرسل اللَّه إليّ المركبة بحوله وقوته سبحانه، ثم قال: إن السارقين قاموا بفك أجزاء تسع وتسعين مركبة سرقوها، إلا هذه المركبة، فإنهم لم يقتربوا منها، بل تركوها بعد أيام في الطريق وأخذوا واحدة غيرها كما صرحوا بذلك هم أنفسهم بعد أن فضح اللَّه أمرهم.
وهنا أنبه إلى أنه لا تشترط ليلة كاملة أو ساعات كثيرة من ليل أو نهار حتى تؤتي
стр. 171
الصلاةُ عليه ﵌ تسليمًا أكُلَها، وإنما المعوّل عليه: صدق الالتجاء إلى اللَّه تعالى، وحسن الظن به، والثقة التامة في قوله ﵌ تسليمًا: «إذًا تكفى همك، ويغفر لك ذنبُك» مع كثرةٍ لا تشغلك عن العلم إن كنت من العلماء، وكأن لسان حالك يقول في نهاية الصلاة عليه ﵌ تسليمًا: اللهم إني أجتزئُ بذلك - أي أرى ذلك كافيًا - غير مستبدل بالصلاة على نبيك ﵌ تسليمًا ولا راغب عنها، وليكن هذا المعنى راسخًا عندك دائمًا في نهاية كل عبادة تقوم بها.
الثانية: أخبرني نفس الرجل السابق - بعد أن ذاق حلاوة تلك العبادة، وبالتالي وجد حلاوتها في المرة الثانية - أنه أراد القيام بتجارة مع صاحبين له، ولم يكن معه ما يكفي لإتمام حصته من هذه التجارة فقال: (كنت مع صاحب لي منذ أربع سنوات في بلد أجنبي دللته - كصاحب لي - على شركة يبيع لها بعض السلع لوجه اللَّه تعالى، حيث أتمنى لصاحبي ما أتمناه لنفسي، فلما ضاقت بي السبل من أجل إتمام هذه التجارة، مكثت أصلي على النبي ﵌ تسليمًا حيث أراني اللَّه تعالى حلاوة هذه العبادة، وكان صاحبي هذا معي دائمًا قلما يمر أسبوع لا أراه فيه، فلما انتهيت من تلك العبادة المباركة التي كنت قد رأيت أثرها في المرة الأولي؛ بإعادة اللَّه تعالى المركبة إليّ - اتصل بي صاحبي هذا وقال لي: تذكر يوم كذا وكذا، يوم أن دللتني على شركة أبيع لها بعض السلع؟ إن لك عندي مكافأة على ذلك لا تنقص من محبتي لك، وأرسل لي خمسين ألفًا من الجنيهات.
وقد بدأت بهاتين القصتين لأنهما كانتا أولاً، وكان لهما أثر في القصص التي تأتي بعدهما، مع مراعاة أنه ينبغي لمن يدعو إلى اللَّه تعالى ألا يفرق بين الغني والفقير، كما قيل: (من تواضع لغني من أجل غناه فقد ذهب ثلثا دينه)، فلا تلبي دعوة الغني وتترك دعوة الفقير، ولا تحسن الإصغاء لكلام الغني، وتهمل كلام الفقير، ولا ترقِ طفل الغني بإقبال وخشوع، وتعرض بقلبك عن طفل الفقير، فكلنا من آدم ﵇، وآدم من تراب.
الثالثة: رجل عامي استمع لتلكما القصتين السابقتين، أتاه رجل في حانوته الذي يبيع فيه يشكو إليه، بعد حمد اللَّه تعالى - غياب ولده الصغير عن البيت منذ عشرين يومًا، وقد أعيته الحيلة، حتى إنه أعلن عن غياب ولده في الجهاز الذي - يا حسرةً على العباد - قد غزا كثيرًا من البيوت، قال صاحب الحانوت: فقلت له - أي بالعامية - أتعرف آخر جزء في التشهد - أي الصلاة الإبراهيمية - اللهم صلِّ على محمد .... ؟ عليك بها، وعاد الرجل في آخر اليوم ضاحكًا مستبشرًا وهو يقول لي: بعد أن تركتك، مكثت ساعة
стр. 172
كاملة أصلي على النبي ﵌ تسليمًا، فأرسل اللَّه لي ولدي بعد ثلاث ساعات.
رابعًا: كنت أخطب الجمعة، وكان موضوع الخطبة (أدعية الكرب في الكتاب والسنة)، وذكرت أدعية الهم والكرب الواردة في الجزء الرابع من «زاد المعاد» بشيء من التفصيل (١)، مع ما فتح اللَّه عليّ به، وفي نهايتها تكلمت عن فضل الصلاة على النبي ﵌ تسليمًا، وأنها تدخل في هذا الباب، وذكرت القصص الثلاثة السابقة بعد بيان كيفية الصلاة عليه ﵌ تسليمًا، مرت خطبة أخرى، ثم بعد صلاة الجمعة من الخطبة التي تليها قال لي رجل: (إنه وأخته منذ عشر سنوات، لا يتم لهما زواج، بل كلما هبت رياح زواج كل واحد منهما توقفت؛ قال: فلما استمعت إلى خطبة الجمعة، ظللت أصلي على النبي ﵌ تسليمًا من المسجد إلى البيت، وأخبرت أختي، ومكثت أنا وأختي ثلاثة أيام نصلي على النبي ﵌ تسليمًا - أي: يكثران من ذلك، كلٌّ في الوقت الذي يريده، ولا عبرة بتحديد العدد هنا، فتحديد العدد في أية عبادة لا يكون إلا بنص - ثم قال لي: إن أخته تزوجت منذ ثلاثة أيام، وهو قد يسر له أمر الزواج، ورأى امرأة صالحة من بيت صالح، وسيتم الزواج قريبًا إن شاء اللَّه تعالى.
الخامسة: إني لأعرف من يقول: وقعت لي أمور، لا أستطيع أن أفصح عنها، جزء منها خاص بجلب نفع، والآخر خاص بدفع ضر، فكنت أجمع بين تلاوة القرآن، والصلاة على خير الأنام ﵌ تسليمًا، فأصلي صلاة التوبة مع طول القيام، وفي دبرها - قبل التسليم أو بعده - أكثر من الصلاة والسلام على خير الأنام ﵌ تسليمًا، ثم أصلي صلاة الحاجة - مراعيًا قوله ﵌ تسليمًا: «أفضل الصلاة طول القنوت» أي: القيام (رواه مسلم) وفي دبرها، أكثر من الصلاة والسلام على خير الأنام ﵌ تسليمًا، فببركة القرآن، والصلاة والسلام على خير الأنام ﵌ تسليمًا، وجعلهما في صلاة، رأيت التيسير من اللَّه تعالى، وما لم يتحقق منها أرى نفسي بين يدي رب الأرض والسماء، كالميت بين يدي الغسال يقلبه كيف يشاء، وكأن قلبي يردد دعاء عمر بن عبد العزيز: أحبُه إليه - أي سبحانه - أحبه إليّ
стр. 173
وما أعظم قول القائل:
إذا كنت في ضيق وهم وفاقةٍ ... وأمسيت مكروبًا وأصبحت في حرج
فصل على المختار من آل هاشم ... كثيرًا فإن اللَّه يأتيك بالفرج
اللهم صلِّ عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
خاتمة:
وهنا نقطة أنبه عليها:
وهي أن القرآن عون على أمور الآخرة والأولى، فإنك ترى بركة القرآن في حفظ الوقت والتسديد، أما من ناحية حفظ الوقت، فقد غفل كثير من الناس عن معرفة أن الوقت رزق، يسوقه اللَّه تعالى كالغيث حيث شاء، ولا يعطيه إلا لمن يشاء، وكما في الأثر: «ما من مسلم يضن - أي يبخل - بنفقة في سبيل اللَّه، إلا جعله اللَّه تعالى ينفق أضعاف أضعافها فيما يسخط اللَّه» ولقد جربنا نحن وغيرنا أن الإنسان إذا ضن بوقت القرآن شُغل من حيث لا يدري بزائر صحبته كوجع الضرس، أو بغيره من الأمور الصارفة، وأما من ناحية التسديد، فالعلوم الشرعية كسائر العلوم تحتاج إلى بحث وتنقيب، فقد تجد ما تبحث عنه - بفضل اللَّه تعالى - في دقائق، وقد لا تصل إلى ذلك إلا في ساعات طوال، كمسألة الحساب عند مفكري الحساب، قد تصل إلى حلها في خمس دقائق، وقد تمكث ليلة دون أن تصل إلى شيء ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
وهنا تظهر نعمتا حفظ القرآن، واغتنام الأوقات، فقد يحفظ الإنسان القرآن، ولكنه لا يغتنم الأوقات، فيمكنك أن تقرأ وردك في الطريق إلى المسجد وغيره، وعند صعود السلم والنزول منه، وأثناء ركوب الدابة - خاصة من يقودها - وعند قيامك بعمل يدوي لا يحتاج إلى تدبر، وعندما ينطفئ المصباح، فهذه الأوقات قد تكون ميتة لغير حافظ القرآن، خاصة عند المشتغلين بدراسة العلوم الشرعية، نَعم قد تشغل هذا الوقت بالذكر كالتسبيح وغيره، أو بالاستماع لشريطٍ نافعٍ أثناء ركوب الدابة، لكن وردك من القرآن ظل باقيًا كما هو لم يتزحزح.
* * *
стр. 174
الباب السابع: حكم الإسلام في الغناء
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ - وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٦، ٧].
جاء في كتاب «إغاثة اللهفان» (١) لابن القيم ﵀ ما مختصره:
قال ابن القيم ﵀: ومن مكايد عدو اللَّه (إبليس) ومصايده ، التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء والتصدية (٢) والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصدُّ القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنى، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسنه لها مكرًا منه وغرورًا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورًا.
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في خطبة كتابه، في تحريم السماع: الحمد لله رب العالمين ...
١ - أما مالك: فإنه نهى عن الغناء، عن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية! كان لها أن يردها بالعيب.
وسئل مالك ﵀ عمَّا يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق.
٢ - قال: وأما أبو حنيفة: فإنه يكره الغناء، ويجعله من الذنوب.
وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وإبراهيم، والشعبي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك، ولا نعلم خلافًا أيضًا بين أهل البصرة في المنع منه.
قلت: مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمزمار، والدف، حتى الضرب بالقضيب وصرحوا بأنه معصية، يوجب الفسق، وترد به الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن
стр. 175
السماع فسق، والتلذذ به كفر، هذا لفظهم ورووا حديثًا لا يصح رفعه.
قالوا: ويجب عليه أن يجتهد في ألا يسمعه إذا مر به، أو كان في جواره.
وقال أبو يوسف: في دار يسمع منها صوت المعازف والملاهي: أدخل عليهم بغير إذنهم، لأن النهي عن المنكر فرض، فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض.
قالوا: ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره، فإن أصرَّ حبسه أو ضربه سياطًا، وإن شاء أزعجه عن داره (١).
٣ - وأما الشافعي: فقال في كتاب «أدب القضاء»: إن الغناء لهو مكروه، يشبه الباطل والمحال، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته.
وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نسب إليه حله، كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق والصباغ.
قال الشيخ أبو إسحاق في «التنبيه»: ولا تصح - يعني الإجارة (٢) - على منفعة محرمة، كالغناء والزَّمر، وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافًا.
وقال في «المهذب»: ولا يجوز على المنافع المحرمة، لأنه محرم، فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميتة والدم.
فقد تضمن كلام الشيخ أمورًا:
أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده محرمة.
الثاني: أن الاستئجار عليها باطل.
الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل، بمنزلة أكله عوضًا عن الميتة والدم.
الرابع: ألا يجوز للرجل بذل ماله للمغني، ويحرم عليه ذلك، فإنه بذل مال في مقابلة محرم، وإن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة.
الخامس: أن الزَّمر حرام، وإذا كان الزمر - الذي هو أخف آلات اللهو - حرامًا فكيف بما هو أشد منه؟ كالعود، والطنبور، واليراع. ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه: أنه شعار الفساق وشاربي الخمور.
وكذلك قال أبو زكريا النووي في روضته:
القسم الثاني: أن يغني ببعض آلات الغناء، بما هو من شعار شاربي الخمر، وهو
стр. 176
مطرب كالطنبور (١) والعود، والصنج (٢) وسائر المعازف، والأوتار. يحرم استعماله واستماعه. قال: وفي اليراع وجهان: صحح البغوي التحريم.
ثم ذكر عن الغزالي الجواز، قال: والصحيح تحريم اليراع وهو الشَّبَّابة.
وقد صنف أبو القاسم الدولعي كتابًا في تحريم اليراع.
وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع، الذي جمع الدف والشبابة، والغناء، فقال في «فتاويه»:
وأما إباحة هذا السماع وتحليله، فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام، عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين. ولم يثبت عن أحد - ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف - أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل في الشبابة منفردة، والدف منفردًا، فمن لا يحصِّل، ولا يتأمل، ربما اعتقد خلافًا بين الشافعيين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي، وذلك وهم بيِّن من الصائر إليه تنادي عليه أدلة الشرع والعقل، مع أنه ليس كل خلاف يُستروح إليه، ويعتمد عليه، ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء، وأخذ بالرخص من أقاويلهم، تزندق أو كاد. قال: وقولهم في السماع المذكور: إنه من القربات والطاعات قول مخالف لإجماع المسلمين، ومن خالف إجماعهم فعليه ما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللتين هما بلاء الإسلام منهما، المحللون لما حرم اللَّه، والمتقربون إلى اللَّه بما يباعدهم عنه.
والشافعي وقدماء أصحابه، والعارفون بمذهبه: من أغلظ الناس قولاً في ذلك.
وقد تواتر عن الشافعي أنه قال: خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير - يعني الضرب بالقضيب على المخدة من الجلود حتى يطير الغبار، وكان الصوفية يفعلون ذلك مع إنشادهم الأشعار الملحنة -، يصدون به الناس عن القرآن.
فإذا كان هذا قوله في التغبير وتعليله: أنه يصد عن القرآن، وهو شعر يزهد في الدنيا، يغني به مغن، فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع - يعني بساط من الأديم
стр. 177
أي الجلد - أو مخدة على توقيع غناه، فليت شعري ما يقول في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر، قد اشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرم، فاللَّه بين دينه وبين كل متعلم مفتون، وعابد جاهل.
قال سفيان بن عيينة: كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.
ومن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين.
فصل
٤ - وأما مذهب الإمام أحمد، فقال عبد اللَّه ابنه: سألت أبي عن الغناء؟ فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب ولا يعجبني. ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق.
قال أحمد: وقال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله.
ونص على كسر آلات اللهو كالطنبور وغيره، إذا رآها مكشوفة، وأمكنه كسرها. وعنه في كسرها إذا كانت مغطاة تحت ثيابه وعلم بها روايتان منصوصتان، ونص في أيتام ورثوا جارية مغنية، وأرادوا بيعها، فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة، فقالوا: إذا بيعت مغنية ساوت عشرين ألفًا أو نحوها، وإذا بيعت ساذجة لا تساوي ألفين، فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة.
ولو كانت منفعة الغناء مباحة لما فوت هذا المال على الأيتام.
فصل:
وأما سماعه من المرأة الأجنبية، أو الأمرد: فمن أعظم المحرمات وأشدها فسادًا للدين:
قال الشافعي ﵀: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته، وأغلظ القول فيه، وقال: هو دياثة، فمن فعل ذلك كان دَيُّوثًا.
قال القاضي أبو الطيب: وإنما جعل صاحبها سفيهًا؛ لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهًا فاسقًا.
قال: وكان الشافعي يكره التغبير، وهو الطقطقة بالقضيب، ويقول: وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن.
قال: وأما العود والطنبور وسائر الملاهي فحرام ومستمعه فاسق.
стр. 178
أسماء الغناء في القرآن والسنة:
هذا السماع الشيطاني المضاد للسماع الرحماني. له في الشرع بضعة عشر اسمًا: اللهو، واللغو، والباطل، والزور، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنى، وقرآن الشيطان، ومنبت النفاق، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمور الشيطان، والسمود.
* * *
فصل
فالاسم الأول: اللهو. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ - وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٦، ٧].
قال الواحدي وغيره: أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: هو الرجل يشتري الجارية تغنيه ليلاً ونهارًا.
قال الواحدي: وهذه الآية على هذا التفسير تحرم الغناء، ثم ذكر كلام الشافعي في رد الشهادة بإعلان الغناء.
قال: وأما غناء القينات (يعني: الإماء والمغنيات) فذلك أشد ما في الباب، وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه وهو ما روي أن النبي ﷺ قال: «من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة» (١) الآنك: الرصاص المذاب.
إذا عرفت هذا، فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم، بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإن الآيات ذمت من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل اللَّه بغير علم ويتخذها هزوا، وإذا تتلى عليه آيات القرآن ولى مستكبرًا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرًا وهو الثقل والصمم، وإذا علم من آياتنا شيئًا استهزأ بها، فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفرًا، وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم، فلهم حصة ونصيب من هذا الذم.
يوضحه أنك لا تجد أحدًا عُنِيَ بالغناء وسماع آلاته، إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى، علمًا وعملاً، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء، بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذلك، وثقل عليه سماع القرآن، وربما حمله
стр. 179
الحال على أن يُسكت القارئ ويستطيل قراءته، ويستزيد المغني ويستقصر نوبته، وأقل ما في هذا: أن يناله نصيب وافر من هذا الذم، إن لم يحظ به جميعه.
والكلام في هذا مع من في قلبه بعض حياة يُحس بها، فأما من مات قلبه وعظمت فتنته، فقد سد على نفسه طريق النصيحة ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١].
* * *
فصل
الاسم الثاني والثالث: الزور، اللغو. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
قال محمد ابن الحنفية: الزور هاهنا: الغناء. وقاله ليث عن مجاهد. وقال الكلبي: لا يحضرون مجالس الباطل.
واللغو في اللغة: كل ما يلغى ويطرح، والمعنى: لا يحضرون مجالس الباطل، وإذا مروا بكل ما يُلغى من قول وعمل، أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه، أو يميلوا إليه، ويدخل في هذا: أعياد المشركين، كما فسرها به السلف، والغناء وأنواع الباطل كلها.
قال الزجاج: لا يجالسون أهل المعاصي، ولا يمالئونهم - أي يساعدونهم ويعينونهم - عليها ومروا مر الكرام الذين لا يرضون باللغو، لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه والاختلاط بأهله.
وقد روى أن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مر بلهو فأعرض عنه، فقال رسول اللَّه ﷺ : «إن أصبح ابن مسعود لكريمًا» (١).
وقد أثنى اللَّه سبحانه على من أعرض عن اللغو إذا سمعه بقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥].
وهذه الآية وإن كان سبب نزولها خاصًا، فمعناها عام، متناول لكل من سمع لغوًا فأعرض عنه، وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ وتأمل كيف قال سبحانه: ﴿لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ولم يقل: بالزور، لأن ﴿يَشْهَدُونَ﴾ بمعنى: يحضرون، فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور فكيف بالتكلم به وفعله؟ والغناء من
стр. 180
أعظم الزور، والزور: يقال على الكلام الباطل وعلى العمل الباطل، وعلى العين نفسها.
* * *
فصل
الاسم الرابع: الباطل. والباطل: ضد الحق، يراد به المعدوم الذي لا وجود له، والموجود الذي مضرة وجوده أكثر من منفعته، فمن الأول: قول الموحد: كل إله سوى اللَّه باطل، ومن الثاني قوله: السحر باطل، والكفر باطل، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١].
فالباطل إما معدوم لا وجود له، وإما موجود لا نفع له. فالكفر والفسوق والعصيان، والسحر والغناء واستماع الملاهي، كلها من النوع الثاني.
وقال رجل لابن عباس ﵄: ما تقول في الغناء أحلال هو أم حرام؟ فقال: لا أقول حرامًا إلا ما في كتاب اللَّه، فقال: أفحلال هو؟ فقال: ولا أقول ذلك، ثم قال له: أرأيت الحق والباطل، إذا جاءا يوم القيامة، فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب، فقد أفتيت نفسك.
فهذا جواب ابن عباس ﵄ عن غناء الأعراب الذي ليس فيه مدح الخمر والزنى واللواط والتشبيب - يعني إظهار المفاتن ووصف الجمال - بالأجنبيات، وأصوات المعازف، والآلات المطربات. فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه أعظم قول، فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير وأعظم من فتنته.
* * *
فصل
الخامس: وأما اسم المكاء والتصدية. فقال تعالى عن الكفار: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥].
قال ابن عباس وابن عمر وعطية ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق.
قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويصفرون ويصفقون.
والمقصود: أن المصفقين والمصفرين في يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر. فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم، واللَّه سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال وقت الحاجة إليه في