مطرب كالطنبور (١) والعود، والصنج (٢) وسائر المعازف، والأوتار. يحرم استعماله واستماعه. قال: وفي اليراع وجهان: صحح البغوي التحريم.
ثم ذكر عن الغزالي الجواز، قال: والصحيح تحريم اليراع وهو الشَّبَّابة.
وقد صنف أبو القاسم الدولعي كتابًا في تحريم اليراع.
وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع، الذي جمع الدف والشبابة، والغناء، فقال في «فتاويه»:
وأما إباحة هذا السماع وتحليله، فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام، عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين. ولم يثبت عن أحد - ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف - أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل في الشبابة منفردة، والدف منفردًا، فمن لا يحصِّل، ولا يتأمل، ربما اعتقد خلافًا بين الشافعيين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي، وذلك وهم بيِّن من الصائر إليه تنادي عليه أدلة الشرع والعقل، مع أنه ليس كل خلاف يُستروح إليه، ويعتمد عليه، ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء، وأخذ بالرخص من أقاويلهم، تزندق أو كاد. قال: وقولهم في السماع المذكور: إنه من القربات والطاعات قول مخالف لإجماع المسلمين، ومن خالف إجماعهم فعليه ما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللتين هما بلاء الإسلام منهما، المحللون لما حرم اللَّه، والمتقربون إلى اللَّه بما يباعدهم عنه.
والشافعي وقدماء أصحابه، والعارفون بمذهبه: من أغلظ الناس قولاً في ذلك.
وقد تواتر عن الشافعي أنه قال: خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير - يعني الضرب بالقضيب على المخدة من الجلود حتى يطير الغبار، وكان الصوفية يفعلون ذلك مع إنشادهم الأشعار الملحنة -، يصدون به الناس عن القرآن.
فإذا كان هذا قوله في التغبير وتعليله: أنه يصد عن القرآن، وهو شعر يزهد في الدنيا، يغني به مغن، فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع - يعني بساط من الأديم
стр. 177
أي الجلد - أو مخدة على توقيع غناه، فليت شعري ما يقول في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر، قد اشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرم، فاللَّه بين دينه وبين كل متعلم مفتون، وعابد جاهل.
قال سفيان بن عيينة: كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.
ومن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين.
فصل
٤ - وأما مذهب الإمام أحمد، فقال عبد اللَّه ابنه: سألت أبي عن الغناء؟ فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب ولا يعجبني. ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق.
قال أحمد: وقال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله.
ونص على كسر آلات اللهو كالطنبور وغيره، إذا رآها مكشوفة، وأمكنه كسرها. وعنه في كسرها إذا كانت مغطاة تحت ثيابه وعلم بها روايتان منصوصتان، ونص في أيتام ورثوا جارية مغنية، وأرادوا بيعها، فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة، فقالوا: إذا بيعت مغنية ساوت عشرين ألفًا أو نحوها، وإذا بيعت ساذجة لا تساوي ألفين، فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة.
ولو كانت منفعة الغناء مباحة لما فوت هذا المال على الأيتام.
فصل:
وأما سماعه من المرأة الأجنبية، أو الأمرد: فمن أعظم المحرمات وأشدها فسادًا للدين:
قال الشافعي ﵀: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته، وأغلظ القول فيه، وقال: هو دياثة، فمن فعل ذلك كان دَيُّوثًا.
قال القاضي أبو الطيب: وإنما جعل صاحبها سفيهًا؛ لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهًا فاسقًا.
قال: وكان الشافعي يكره التغبير، وهو الطقطقة بالقضيب، ويقول: وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن.
قال: وأما العود والطنبور وسائر الملاهي فحرام ومستمعه فاسق.
стр. 178
أسماء الغناء في القرآن والسنة:
هذا السماع الشيطاني المضاد للسماع الرحماني. له في الشرع بضعة عشر اسمًا: اللهو، واللغو، والباطل، والزور، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنى، وقرآن الشيطان، ومنبت النفاق، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمور الشيطان، والسمود.
* * *
فصل
فالاسم الأول: اللهو. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ - وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٦، ٧].
قال الواحدي وغيره: أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: هو الرجل يشتري الجارية تغنيه ليلاً ونهارًا.
قال الواحدي: وهذه الآية على هذا التفسير تحرم الغناء، ثم ذكر كلام الشافعي في رد الشهادة بإعلان الغناء.
قال: وأما غناء القينات (يعني: الإماء والمغنيات) فذلك أشد ما في الباب، وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه وهو ما روي أن النبي ﷺ قال: «من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة» (١) الآنك: الرصاص المذاب.
إذا عرفت هذا، فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم، بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإن الآيات ذمت من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل اللَّه بغير علم ويتخذها هزوا، وإذا تتلى عليه آيات القرآن ولى مستكبرًا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرًا وهو الثقل والصمم، وإذا علم من آياتنا شيئًا استهزأ بها، فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفرًا، وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم، فلهم حصة ونصيب من هذا الذم.
يوضحه أنك لا تجد أحدًا عُنِيَ بالغناء وسماع آلاته، إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى، علمًا وعملاً، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء، بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذلك، وثقل عليه سماع القرآن، وربما حمله
стр. 179
الحال على أن يُسكت القارئ ويستطيل قراءته، ويستزيد المغني ويستقصر نوبته، وأقل ما في هذا: أن يناله نصيب وافر من هذا الذم، إن لم يحظ به جميعه.
والكلام في هذا مع من في قلبه بعض حياة يُحس بها، فأما من مات قلبه وعظمت فتنته، فقد سد على نفسه طريق النصيحة ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١].
* * *
فصل
الاسم الثاني والثالث: الزور، اللغو. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
قال محمد ابن الحنفية: الزور هاهنا: الغناء. وقاله ليث عن مجاهد. وقال الكلبي: لا يحضرون مجالس الباطل.
واللغو في اللغة: كل ما يلغى ويطرح، والمعنى: لا يحضرون مجالس الباطل، وإذا مروا بكل ما يُلغى من قول وعمل، أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه، أو يميلوا إليه، ويدخل في هذا: أعياد المشركين، كما فسرها به السلف، والغناء وأنواع الباطل كلها.
قال الزجاج: لا يجالسون أهل المعاصي، ولا يمالئونهم - أي يساعدونهم ويعينونهم - عليها ومروا مر الكرام الذين لا يرضون باللغو، لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه والاختلاط بأهله.
وقد روى أن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مر بلهو فأعرض عنه، فقال رسول اللَّه ﷺ : «إن أصبح ابن مسعود لكريمًا» (١).
وقد أثنى اللَّه سبحانه على من أعرض عن اللغو إذا سمعه بقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥].
وهذه الآية وإن كان سبب نزولها خاصًا، فمعناها عام، متناول لكل من سمع لغوًا فأعرض عنه، وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ وتأمل كيف قال سبحانه: ﴿لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ولم يقل: بالزور، لأن ﴿يَشْهَدُونَ﴾ بمعنى: يحضرون، فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور فكيف بالتكلم به وفعله؟ والغناء من
стр. 180
أعظم الزور، والزور: يقال على الكلام الباطل وعلى العمل الباطل، وعلى العين نفسها.
* * *
فصل
الاسم الرابع: الباطل. والباطل: ضد الحق، يراد به المعدوم الذي لا وجود له، والموجود الذي مضرة وجوده أكثر من منفعته، فمن الأول: قول الموحد: كل إله سوى اللَّه باطل، ومن الثاني قوله: السحر باطل، والكفر باطل، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١].
فالباطل إما معدوم لا وجود له، وإما موجود لا نفع له. فالكفر والفسوق والعصيان، والسحر والغناء واستماع الملاهي، كلها من النوع الثاني.
وقال رجل لابن عباس ﵄: ما تقول في الغناء أحلال هو أم حرام؟ فقال: لا أقول حرامًا إلا ما في كتاب اللَّه، فقال: أفحلال هو؟ فقال: ولا أقول ذلك، ثم قال له: أرأيت الحق والباطل، إذا جاءا يوم القيامة، فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب، فقد أفتيت نفسك.
فهذا جواب ابن عباس ﵄ عن غناء الأعراب الذي ليس فيه مدح الخمر والزنى واللواط والتشبيب - يعني إظهار المفاتن ووصف الجمال - بالأجنبيات، وأصوات المعازف، والآلات المطربات. فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه أعظم قول، فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير وأعظم من فتنته.
* * *
فصل
الخامس: وأما اسم المكاء والتصدية. فقال تعالى عن الكفار: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥].
قال ابن عباس وابن عمر وعطية ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق.
قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويصفرون ويصفقون.
والمقصود: أن المصفقين والمصفرين في يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر. فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم، واللَّه سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال وقت الحاجة إليه في
стр. 181
الصلاة إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح؛ لئلا يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه لا لحاجة، وقرنوا به أنواعًا من المعاصي قولاً وفعلاً؟
* * *
فصل
السادس: وأما تسميته رقية الزنى. فهو موافق لمسماه، ولفظ مطابق لمعناه، فليس في رقية الزنى أنجع منه، وهذه التسمية معروفة عن الفضيل بن عياض.
قال ابن أبي الدنيا: أخبرني محمد بن الفضل الأزدي قال: نزل الحُطيئة برجل من العرب، ومعه ابنته مُليكة، فلما جنه الليل سمع غناء، فقال لصاحب المنزل: كف هذا عني، فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: إن الغناء رائد من رادة الفجور ولا أحب أن تسمعه هذه - يعني ابنته - فإن كففته وإلا خرجت عنك.
ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب ومن طرق أهله إلى سماع رقية الزنى فهو أعلم بالإثم الذي يستحقه.
ومن الأمر المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استصعبت على الرجل، اجتهد أن يسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطي الليان.
وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدًّا، فإذا كان الصوت بالغناء، صار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت، ومن جهة معناه، ولهذا قال النبي ﷺ لأنجشة حاديه (١): «يا أنجشة، رويدك، رفقًا بالقوارير» (٢) يعني: النساء.
فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية، والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء.
* * *
فصل
السابع: وأما تسميته منبت النفاق. فعن ابن مسعود ﵁ قال: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع.
خواص الغناء: اعلم أن للغناء خواصًا لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء.
فمن خواصه: أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره، والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدًا، لما بينهما من التضاد، فإن القرآن ينهى عن
стр. 182
اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة شهوات النفس، وأسباب الغيِّ، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كله، ويحسنه، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، فبينا ترى الرجل وعليه سمة الوقار وبهاء العقل، وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن، فإذا سمع الغناء ومال إليه نقص عقله، وقل حياؤه، وذهبت مروءته، وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره، وفرح به شيطانه، وشكا إلى اللَّه تعالى إيمانه، وثقل عليه قرآنه، وقال: يا رب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد، فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه، وأبدى من سره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب، والزهزهة (١)، والفرقعة بالأصابع.
فيميل برأسه، ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب وثبات الذباب، ويخور خوران الوجد ولا كخوار الثيران، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعقات المجانين.
وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق في قوم، والعناد في قوم، والكذب في قوم، والفجور في قوم، والرعونة في قوم، وأكثر ما يورث عشق الصور، واستحسان الفواحش، وإدمانه يثقل القرآن على القلب، ويكرّه إلى سماعه بالخاصية وإن لم يكن هذا نفاقًا فما للنفاق حقيقة.
وسر المسألة: أنه قرآن الشيطان - كما سيأتي - فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبدًا.
وأيضًا فإن أساس النفاق: أن يخالف الظاهر الباطن، وصاحب الغناء بين أمرين، إما أن يتهتك - أي لم يبال أن يهتك سره حين يرتكب خطأ. فيكون فاجرًا، أو يظهر النسك فيكون منافقًا، فإنه يظهر الرغبة في اللَّه والدار الآخرة وقلبه يغلي بالشهوات، ومحبة ما يكرهه اللَّه ورسوله من أصوات المعازف وآلات اللهو، وما يدعو إليه الغناء ويهيجه، فقلبه بذلك معمور، وهو من محبة اللَّه ورسوله وكراهة ما يكرهه قفر - أي: خال - وهذا محض النفاق.
وأيضًا فإن الإيمان قول وعمل، قول بالحق، وعمل بالطاعة، وهذا ينبت على الذكر، وتلاوة القرآن، والنفاق قول الباطل، وعمل البغي، وهذا ينبت على الغناء.
стр. 183
وأيضًا فمن علامات النفاق: قلة ذكر اللَّه، والكسل عند القيام إلى الصلاة، ونقر الصلاة، وقل أن تجد مفتونًا بالغناء إلا وهذا وصفه.
وأيضًا فإن النفاق مؤسس على الكذب، والغناء من أكذب الشعر، فإنه يحسن القبيح ويزينه، ويأمر به، ويقبح الحسن ويزهد فيه، وذلك عين النفاق.
* * *
فصل
الثامن: وأما تسميته قرآن الشيطان. فمأثور عن التابعين - وقد روي في حديث مرفوع - قال قتادة: «لما أهبط إبليسُ قال: يا رب، لعنتني فما عملي؟ قال: السحر، قال: فما قرآني؟ قال: الشعر، قال: فما كتابي؟ قال: الوشم (١)، قال: فما طعامي؟ قال: كل ميتة، وما لم يذكر اسم اللَّه عليه، قال، فما شرابي؟ قال: كل مسكر، قال: فأين مسكني؟ قال: الأسواق، قال: فما صوتي؟ قال: المزامير، قال: فما مصايدي؟ قال: النساء».
هذا، والمعروف في هذه وقفه.
والمقصود: أن الغناء المحرم قرآن الشيطان.
ولما أراد عدو اللَّه أن يجمع عليه نفوس المبطلين قرنه بما يزينه من الألحان المطربة، وآلات الملاهي والمعازف، وأن يكون من امرأة جميلة أو صبي جميل؛ ليكون ذلك أدعى إلى قبول النفوس لقرآنه، وتعوضها به عن القرآن المجيد.
* * *
فصل
التاسع والعاشر: وأما تسميته بالصوت الأحمق والصوت الفاجر. فهي تسمية الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.
فروى الترمذي من حديث ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر ﵁ قال: خرج رسول اللَّه ﷺ مع عبد الرحمن بن عوف إلى النخل، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه - أي يحتضر - فوضعه في حجره، ففاضت عيناه، فقال عبد الرحمن: أتبكي، وأنت تنهى الناس؟ قال: إني لم أنه عن البكاء، وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوتٌ عند نغمة: لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه - أي: لطم الوجوه
стр. 184
وضربها - وشق جيوب - أي: القمصان - ورنة - أي: صياح - وهذا هو رحمة، ومن لا يرحم لا يُرحم «لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق أولنا، لحزنا عليك حزنًا هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب». قال الترمذي: هذا حديث حسن (١).
فانظر إلى هذا النهي المؤكد، بتسميته صوت الغناء صوتًا أحمق ولم يقتصر على ذلك، حتى وصفه بالفجور، ولم يقتصر على ذلك حتى سماه من مزامير الشيطان، وقد أقر النبي ﷺ أبا بكر الصديق على تسمية الغناء مزمور الشيطان في الحديث الصحيح، كما سيأتي، فإن لم يُستفد التحريم من هذا لم نستفده من نهي أبدًا.
* * *
فصل
الحادي عشر: وأما تسميته صوت الشيطان. فقد قال تعالى للشيطان وحزبه: ﴿اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا - وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣، ٦٤].
قال ابن أبي حاتم في «تفسيره»: عن ابن عباس ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ قال: كل داع إلى معصية.
ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعي إلى المعصية ولهذا فسر صوت الشيطان به.
قال ابن أبي حاتم عن ليث: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ قال: استزل منهم من استطعت. قال: وصوته: الغناء والباطل.
وبهذا الإسناد عن منصور عن مجاهد قال: صوته هو المزمار، ثم روى بإسناده عن الحسن البصري قال: صوته هو الدف.
وهذه الإضافة إضافة تخصيص، كما أن إضافة الخيل والرجل إليه كذلك، فكل متكلم بغير طاعة اللَّه، ومصوت بيراع أو مزمار، أو دف حرام، أو طبل، فذلك صوت الشيطان وكل ساع في معصية اللَّه على قدميه فهو من رجله، وكل راكب في معصية اللَّه فهو من خيالته، كذلك قال السلف، كما ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: رجله
стр. 185
كل رجل مشت في معصية اللَّه.
* * *
فصل
الثاني عشر: وأما تسميته مزمور الشيطان. ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث (١)، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، ودخل أبو بكر ﵁، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي ﷺ ؟ فأقبل عليه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: «دعهما» فلما غفل غمزتهما، فخرجتا. فلم ينكر رسول اللَّه ﷺ على أبي بكر تسمية الغناء مزمار الشيطان، وأقرهما، لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب، وكان اليوم يوم عيد، فتوسع حزب الشيطان في ذلك إلى صوت امرأة جميلة أجنبية أو صبي أمرد صوته فتنة، وصورته فتنة، يغني بما يدعو إلى الزنى والفجور، وشرب الخمور، مع آلات اللهو التي حرمها رسول اللَّه ﷺ في عدة أحاديث - كما سيأتي - مع التصفيق والرقص، وتلك الهيئة المنكرة التي لا يستحلها أحد من أهل الأديان، فضلاً عن أهل العلم والإيمان، ويحتجون بغناء جويريتين غير مكلفتين بنشيد الأعراب ونحوه، في الشجاعة ونحوها، في يوم عيد بغير شبابة ولا دف ولا رقص ولا تصفيق، ويدعون المحكم الصريح لهذا المتشابه، وهذا شأن كل مبطل.
نعم .. نحن لا نحرم ولا نكره مثل ما كان في بيت رسول اللَّه ﷺ على ذلك الوجه، وإنما نحرم نحن وسائر أهل العلم والإيمان السماع المخالف لذلك، وباللَّه التوفيق.
* * *
فصل
الثالث عشر: وأما تسميته بالسمود. فقد قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ - وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ - وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١]. قال عكرمة عن ابن عباس: السمود: الغناء في لغة حمير. يقال: اسمدي لنا أي: غَنِّ لنا، [ثم ذكر ﵀ عدة تفسيرات أخرى للسمود].
стр. 186
فائدة:
قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، كما أن القبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنى، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت.
* * *
فصل
في بيان تحريم رسول اللَّه ﷺ لآلات اللهو والمعازف (الموسيقى)
وسياق الأحاديث في ذلك
عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر - أي: الزنى - والحرير والخمر والمعازف». هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في «صحيحه» محتجًّا به.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ» (١). قيل: يا رسول اللَّه، متى؟ قال: «إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر». وفي «المسند»: عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إن اللَّه حرم الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر حرام» (٢) والكوبة: الطبل. قاله سفيان (٣)، وقيل: البربط (٤) «، والقنين هو الطنبور بالحبشية، والتقنين: الضرب به، قاله ابن الأعرابي.
وقد تظاهرت الأخبار بوقوع المسخ في هذه الأمة، وهو مقيد في أكثر الأحاديث بأصحاب الغناء، وشاربي الخمر، وفي بعضها مطلق، قال سالم بن أبي الجعد: ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل ينتظرون أن يخرج إليهم، فيطلبون إليه حاجة، فيخرج إليهم وقد مسخ قردًا أو خنزيرًا، وليمرن الرجل على الرجل في حانوته يبيع، فيرجع إليه وقد مسخ قردًا أو خنزيرًا».
وقال أبو هريرة ﵁: لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه فيمسخ أحدهما قردًا أو خنزيرًا، فلا يمنع الذي نجا منهما ما فعل بصاحبه أن يمضي إلى شأنه
стр. 187
ذلك حتي يقضي شهوته، وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيخسف بأحدهما، فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشي لشأنه ذلك، حتى يقضي شهوته منه.
فالظاهر مرتبط بالباطن أتم ارتباط، فإذا استحكمت الصفات المذمومة في النفس قويت على قلب الصورة الظاهرة، ولهذا خوف النبي ﷺ من سابق الإمام في الصلاة بأن يجعل اللَّه صورته صورة حمار لمشابهته للحمار في الباطن، فإنه لم يستفد من مسابقة الإمام إلا فساد صلاته، وبطلان أجره، فإنه لا يسلم قبله، فإنه شبيه بالحمار في البلادة، وعدم الفطنة.
إذا عرف هذا فأحق الناس بالمسخ هؤلاء الذين ذكروا في هذه الأحاديث، فهم أسرع الناس مسخًا قردة وخنازير فمشابهتهم لهم في الباطن، وعقوبات الرب تعالى - نعوذ باللَّه منها - جارية على وفق حكمته وعدله. انتهى كلام ابن القيم ﵀ ونفعنا اللَّه بعلمه ... آمين.
خاتمة:
يا رب، لو أدركت القلوب عظمتك، لكان شهيقها القرآن، وزفيرها الذكر، ونبضها الدعاء.
* * *
стр. 188
الباب الثامن: داء العشق ودواؤه
أولاً: جاء في كتاب «الجواب الكافي» (١) لابن القيم ﵀ ما مختصره:
واللَّه إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس (٢)، وهم قوم لوط والنساء، فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودته وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبَّره اللَّه عليه، فإن موافقة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي ها هنا في غاية القوة، ومع هذه الدواعي كلها فقد آثر مرضاة اللَّه وخوفه، وحمله حبه لله على أن يختار السجن على الزنى فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه وأن ر به تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن، صبا إليهن بطبعه وكان من الجاهلين، وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه (٣).
وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة.
* * *
فصل
والطائفة الثانية، الذين حكى اللَّه عنهم العشق، هم اللوطية كما قال تعالى: ﴿وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ - قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ - وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ - قَالُوا أَوَلَمْ
стр. 189
نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ - قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ - لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٦٧ - ٧٢]، فهذا من العشق.
فحكاه سبحانه عن طائفتين: عشق كل منهما ما حرم عليه من الصورة، ولم يبال بما في عشقه من الضرر.
وهذا داء أعيا الأطباء دواءه، وعز عليهم شفاءه، وهو واللَّه الداء العُضال والسم القتال الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى استنقاذه من إساره، ولا اشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره، وهو أقسام:
تارة يكون كفرًا، كمن اتخذ معشوقه ندًّا، يحبه كما يحب اللَّه، فكيف إذا كان محبته أعظم من محبة اللَّه في قلبه؟ فهذا عشق لا يغفره اللَّه لصاحبه، فإنه من أعظم الشرك، واللَّه لا يغفر أن يشرك به، وإنما يغفر بالتوبة الماحية ما دون ذلك، وعلامة هذا العشق الشركي الكفري، أن يقدم العاشق رضاء معشوقه على رضاء ربه، وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحق ربه، وطاعة ربه، وطاعته قدم حق معشوقه على حق ربه وآثر رضاه على رضاه، وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه - إن بذل - أردأ ما عنده، واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه وجعل لربه - إن أطاعه - الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته.
فتأمل حال أكثر عشاق الصور، هل تجدها إلا مطابقة لذلك؟ ثم ضع حالهم في كفة وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، ثم زن وزنًا يرضي اللَّه ورسوله ويطابق العدل، وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه.
ولا ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك، وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه ألبتة، بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله؛ فصار عبدًا مخلصًا من كل وجه لمعشوقه، فقد رضي هذا من عبودية الخالق ﷻ بعبوديته لمخلوق مثله، فإن العبودية هي كمال الحب والخضوع، وهذا قد استغرق قوة حبه وخضوعه وذله لمعشوقه، فقد أعطاه حقيقة العبودية.
ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة، فإن تلك ذنب كبير لفاعله حكم أمثاله، ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك.
وكان بعض الشيوخ من العارفين يقول: لأن أبتلي بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إليَّ من أن أبتلي فيها بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن اللَّه.
* * *
стр. 190
فصل: في علاج العشق
ودواء هذا الداء القتال: أن يعرف أن ما ابتلي به من هذا الداء المضاد للتوحيد إنما هو من جهله وغفلة قلبه عن اللَّه، فعليه أن يعرف توحيد ربه من سننه وآياته أولاً، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكر فيه، ويكثر اللجأ والتضرع إلى اللَّه سبحانه في صرف ذلك عنه، وأن يرجع بقلبه إليه، وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله، وهو الدواء الذي ذكره اللَّه في كتابه حيث قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (١) [يوسف: ٢٤]، فأخبر سبحانه أنه صرف عن يوسف السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه، فإن القلب إذا أخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور، فإنه إنما يتمكن من القلب الفارغ، كما قال:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
انتهى.
فوائد:
قال الإمام أحمد: من دعاك إلى غير التزوج فقد دعاك إلى غير الإسلام.
ولقد تزوج ﵀ في اليوم الثاني من وفاة امرأته وقال: «أكره أن أبيت عزبًا».
وكان ابن مسعود يقول: لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام أحببت أن أتزوج حتى لا ألقي اللَّه عزبًا. ومن أقواله ﵁: التمسوا الغنى في النكاح، يقول اللَّه تعالى: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وقال عمر ﵁: إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج اللَّه نسمة تسبحه وتذكره.
وأعود إلى كلام ابن القيم ﵀:
آفات العشق:
الأولى: الاشتغال بذكر المخلوق وحبه عن حب الرب تعالى وذكره، فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه، ويكون السلطان والغلبة له.
الثانية: عذاب قلبه بمعشوقه، فإن من أحب شيئًا غير اللَّه عُذب به ولا بد كما قيل:
فما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيًا في كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقًا إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند الفراق ... وتسخن عينه عند التلاق
والعشق وإن استلذ به صاحبه، فهو من أعظم عذاب القلب.
الثالثة: أن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه يسومه الهوان، ولكنه لسكرة العشق لا يشعر بمصابه، فقلبه كالعصفور في كف الطفل يورده حياض الردى، والطفل يلهو ويلعب، فيعيش العاشق عيش الأسير الموثق، ويعيش الخلي عيش المسيب المطلق، والعاشق كما قيل:
стр. 191
طليق برأي العين وهو أسير ... عليل على قطب الهلاك يدور
وميت يرى في صورة الحي غاديًا ... وليس له حتى النشور نشور
أخو غمرات ضاع فيهن قلبه ... فليس له حتى الممات حضور
الرابعة: أنه يشتغل عن مصالح دينه ودنياه، فليس شيء أضيع لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور، أما مصالح الدين فإنها منوطة بلم شعث القلب وإقباله على اللَّه، وعشق الصور أعظم شيء تشعيبًا وتشتيتًا له، وأما مصالح الدنيا فهي تابعة في الحقيقة لمصالح الدين، فمن انفرطت عليه مصالح دينه وضاعت عليه، فمصالح دنياه أضيع وأضيع.
الخامسة: أن آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في يابس الحطب، وسبب ذلك، أن القلب كلما قرب من العشق وقوي اتصاله به بعد من اللَّه، فأبعد القلوب من اللَّه قلوب عشاق الصور، وإذا بعد القلب من اللَّه طرقته الآفات من كل ناحية، فإن الشيطان يتولاه، ومن تولاه عدوه واستولى عليه لم يأله وبالاً، ولم يدع أذى يمكنه إيصاله إليه إلا أوصله، فما الظن بقلب تمكن منه عدوه، وأحرص الخلق على غيه وفساده وبعد منه وليه، ومن لا سعادة له ولا فلاح ولا سرور إلا بقلبه وولايته؟
السادسة: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهن وحدث الوساوس، وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها، وأخبار العشاق في ذلك موجودة في مواضعها، بل بعضها يشاهد بالعيان، وأشرف ما في الإنسان عقله، وبه يتميز عن سائر الحيوانات، فإذا عدم عقله التحق بالبهائم، بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله، وهل أذهب عقل مجنون ليلى وأضر به إلا العشق؟ وربما زاد جنونه على جنون غيره، كما قيل:
قالوا جننت بمن تهوى، فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون بالحين
السابعة: أنه ربما أفسد الحواس أو أنقصها، إما إفسادًا معنويًا أو صوريًا، أما الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب، فإن القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان، فيرى القبيح حسنًا منه، ومن معشوقه كما في «المسند» مرفوعًا: «حبك الشيء يعمي ويصم» (١)، فهو يعمي عين القلب عن رؤية مساوئ المحبوب وعيوبه فلا ترى العين ذلك، ويصم أذنه عن الإصغاء إلى العدل فيه، فلا تسمع الأذن ذلك. والرغبات تستر
стр. 192
العيوب، فإن الراغب في شيء لا يرى عيوبه حتى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه، فشدة الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على ما هو عليه. والداخل في الشيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه، ولا يرى عيوبه إلا من دخل فيه ثم خرج منه، ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيرًا من الذين ولدوا في الإسلام، قال عمر بن الخطاب ﵁: «إنما تنقض عُرى الإسلام عروة عروة إذا ولد في الإسلام من لا يعرف الجاهلية».
وأما إفساده للحواس ظاهرًا فإنه يمرض البدن وينهكه، وربما أدى إلى تلفه، كما هو معروف في أخبار من قتله العشق.
وقد رفع إلى ابن عباس وهو بعرفة شاب قد نحل حتى عاد جلدًا على عظم، فقال: ما شأن هذا؟
قالوا: به العشق، فجعل ابن عباس يتعوذ باللَّه من العشق عامة يومه.
الثامنة: أن العشق كما تقدم هو الإفراط في المحبة، بحيث يستولي المعشوق على القلب من العاشق، حتى لا يخلو من تخيله وذكره والتفكر فيه، بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه، فعند ذلك تشتغل النفس بالخواطر النفسانية فتتعطل تلك القوى، فيحدث بتعطيلها من الآفات على البدن والروح ما يعسر دواؤه ويتعذر، فتتغير أفعاله وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك فيعجز البشر عن صلاحه، كما قيل:
الحب أول ما يكون لجاجة ... يأتي بها وتسوقه الأقدار
حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار
والعشق مبادئه سهلة حلوة، وأوسطه هم وشغل قلب وسقم، وآخره عطب وقتل إن لم تتداركه عناية من اللَّه.
والعاشق له ثلاث مقامات: مقام ابتداء، ومقام توسط، ومقام انتهاء.
فأما مقام ابتدائه: فالواجب عليه مدافعته بكل ما يقدر عليه إذا كان الوصول إلى معشوقه متعذرًا قدرًا وشرعًا، فإن عجز من ذلك وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه، وهذا مقام التوسط والانتهاء - فعليه كتمان ذلك وألا يفشيه إلى الخلق، ولا يشمت بمحبوبه ولا يهتكه بين الناس، فيجمع بين الظلم والشرك. فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم. وربما كان أعظم ضررًا على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله، فإنه يعرض المعشوق بهتكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه وانقسامه إلى مصدق ومكذب، وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة.
стр. 193
وإذا قيل: فلان فعل بفلان أو بفلانة، كذبه واحد، وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعون، وخبر العاشق المتهتك عن غير المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع واليقين، بل إذا أخبرهم المفعول به عن نفسه كذبًا وافتراء على غيره جزموا بصدقه جزمًا لا يحتمل النقيض. بل لو جمعهما مكان واحد اتفاقًا، جزموا أن ذلك عن وعد واتفاق بينهما، وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتخييل والشبهة والأوهام والأخبار الكاذبة كجزمهم بالحسيات المشاهدة، وبذلك وقع أهل الإفك في الطيبة المطيبة، حبيبة رسول اللَّه ﷺ ، المبرأة من فوق سماوات، بشبهة مجيء صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكر، حتى هلك من هلك، ولولا أن تولى اللَّه سبحانه براءتها والذب عنها وتكذيب قاذفها لكان أمرًا آخر.
والمقصود: أن في إظهار المبتلى عشق من لا يحل له الاتصال به من ظلمه وأذاه ما هو عدوان عليه وعلى أهله (١)، وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه، فإن استعان عليه بمن يستميله إليه، إما برغبة أو رهبة تعدى الظلم وانتشر، وصار ذلك الواسطة ديوثًا ظالمًا، وإذا كان النبي ﷺ قد لعن الرائش - وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي لإيصال الرشوة - فما الظن بالديوث الواسطة بين العاشق والمعشوق في الوصلة المحرمة؟ فيساعد العاشق على ظلم المعشوق مع غيره ممن يتوقف حصول غرضهما على ظلمه في نفس أو مال أو عرض، فإن كثيرًا ما يتوقف حصول غرضه المطلوب على قتل نفس يكون حياتها مانعة من غرضه، وكم قتيل طل (٢) دمه بهذا السبب من زوج وسيد وقريب، وكم خببت امرأة على بعلها وجارية وعبد على سيدهما، وقد لعن رسول اللَّه ﷺ من فعل ذلك وتبرأ منه، وهو من أكبر الكبائر، وإذا كان النبي ﷺ قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، وأن يسوم على سومه (٣) فكيف بمن يسعى بالتفريق بينه وبين امرأته وأمته حتى يتصل بهما؟ وعشاق الصور ومساعدوهم من الديثة لا يرون ذلك ذنبًا، فإن في طلب العاشق وصل معشوقه مشاركة الزوج والسيد، ففي ذلك من إثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة، إن لم يَرْبُ عليها، ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة، فإن
стр. 194
التوبة وإن أسقطت حق اللَّه فحق العبد باق له المطالبة به يوم القيامة، فإن من ظلم الوالد بإفساد ولده وفلذة كبده ومن هو أعز عليه من نفسه، وظلم الزوج بإفساد حبيبته والجناية على فراشه - أعظم ممن ظلمه بأخذ ماله كله، ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله ولا يعدل ذلك عنده إلا سفك دمه، فيا له من ظلم أعظم إثمًا من فعل الفاحشة، فإن كان ذلك حقًّا لغاز في سبيل اللَّه أوقف له الجاني الفاعل يوم القيامة، وقيل له: «خذ من حسناته ما شئت» كما أخبر بذلك النبي ﷺ ثم قال ﷺ : «فما ظنكم؟» (١) أي: فما تظنون يبقي له من حسناته؟ فإن انضاف إلى ذلك أن يكون المظلوم جارًا، أو ذا رحم محرم، تعدد الظلم وصار ظلمًا مؤكدًا لقطيعة الرحم وأذى الجار، (ولا يدخل الجنة قاطع) (٢) رحم (ولا من لا يأمن جاره بؤائقه) (٣).
فإن استعان العاشق على وصال معشوقه بشياطين الجن، إما بسحر أو استخدام أو نحو ذلك ضم إلى الشرك والظلم كفر السحر، فإن لم يفعله هو ورضي به كان راضيًا بالكفر غير كاره له لحصول مقصوده، وهذا ليس ببعيد من الكفر.
والمقصود: أن التعاون في هذا الباب تعاون على الإثم والعدوان.
وأما ما يقترن بحصول غرض العاشق من الظلم المنتشر المتعدي ضرره، فأمر لا يخفى إذا حصل له مقصوده من المعشوق، فللمعشوق أمور أخرى يريد من العاشق إعانته عليها فلا يجد من إعانته بدًّا، فيبقى كل منهما يعين الآخر على الظلم والعدوان، فالمعشوق يُعين العاشق على ظلم من اتصل به من أهله وأقاربه وسيده وزوجه، والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض المعشوق متوقفًا على ظلمه، فكل منهما يعين الآخر على أغراضه التي يكون فيها ظلم الناس، فيحصل العدوان والظلم للناس بسبب اشتراكهما في القبح لتعاونهما بذلك على الظلم، وكما جرت به العادة بين العاشق والمعشوق؛ من إعانة العاشق لمعشوقه على ما فيه ظلم وعدوان وبغي، حتى ربما يسعى له في منصب لا يليق به
стр. 195
ولا يصلح لمثله، وفي تحصيل مال من غير حله، وفي استطالته على غيره، فإذا اختصم معشوقه وغيره أو تشاكيا لم يكن إلا من جانب المعشوق ظالمًا كان أو مظلومًا، هذا إلى ما ينضم إلى ذلك من ظلم العاشق للناس بالتحايل على أخذ أموالهم، والتوصل إلى معشوقه بسرقة أو غصب أو خيانة أو يمين كاذبة أو قطع طريق ونحو ذلك، وربما أدى ذلك إلى قتل النفس التي حرم اللَّه ليأخذ ماله ليتوصل به إلى معشوقه (١).
فكل هذه الآفات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ عن عشق الصور، وربما حمله، على الكفر الصريح، وقد تنصر جماعة ممن نشئوا في الإسلام بسبب العشق، كما جرى لبعض المؤذنين حين أبصر - وهو على سطح مسجد - امرأة جميلة، ففتن بها ونزل ودخل عليها وسألها نفسها فقالت: هي نصرانية، فإن دخلت في ديني تزوجت بك ففعل فرقي في ذلك اليوم على درجة عندهم، فسقط منها، فمات، ذكر هذا عبد الحق في كتاب «العاقبة» له.
وإذا أراد النصارى أن ينصِّروا الأسير أروه امرأة جميلة وأمروها أن تطمعه في نفسها حتى إذا تمكن حبها من قلبه بذلت له نفسها إن دخل في دينها، فهنالك ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء﴾ [إبراهيم: ٢٧]. انتهى من «الجواب الكافي».
ثانيًا: وجاء في «زاد المعاد» لابن القيم أيضًا ﵀ ما مختصره:
والمقصود (٢):
стр. 196
أن العشق لما كان مرضًا من الأمراض، كان قابلاً للعلاج، وله أنواع من العلاج، فإن كان مما للعاشق سبيل إلى وصل محبوبه شرعًا وقدرًا، فهو علاجه، كما ثبت في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» فدل المحبَّ على علاجين: أصلي، وبدلي. وأمره بالأصلي، وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وجد إليه سبيلاً.
وروى ابن ماجه في «سننه» عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «لم نر للمتحابين مثل النكاح» (١)، وهذا هو المعنى الذي أشار إليه سبحانه عقيب إحلال النساء حرائرهن وإمائهن عند الحاجة بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] فذكرُ تخفيفه في هذا الموضع، وإخباره عن ضعف الإنسان يدل على ضعفه عن احتمال هذه الشهوة، وأنه سبحانه خفف عنه أمرها بما أباحه له من أطايب النساء مثنى وثلاث ورباع، وأباح له ما شاء مما ملكت يمينه، ثم أباح له أن يتزوج بالإماء إن احتاج إلى ذلك علاجًا لهذه الشهوة، وتخفيفًا عن هذا الخلق الضعيف، ورحمة به.
ومن وسائل العلاج التي ذكرها ﵀:
فليتذكر قبائح المحبوب، وما يدعوه إلى النفرة عنه، فإنه إن طلبها وتأملها وجدها أضعاف
стр. 197
محاسنه التي تدعوه إلى حبه.
فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلها لم يبق له إلا صدق اللجأ إلى من يجيب المضطر إذا دعاه، وليطرح نفسه بين يديه على بابه، مستغيثًا به متضرعًا، متذللاً، مستكينًا فمتى وفق لذلك، فقد قرع باب التوفيق. انتهى من «زاد المعاد».
ثالثًا: بعد هذا الكلام النفيس لابن القيم ﵀، يمكنني أن أقول بفضل اللَّه تعالى: تفكير ساعة في المعشوق يُبعد ميلاً عن المعبود.
стр. 198
فائدة:
شرح حديث: «يا معشر الشباب» الوارد في «الصحيحين»، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي.
ورواية الترمذي: عن عبد اللَّه بن مسعود قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ونحن شباب لا نقدر على شيء. فقال: «يا معشر الشباب! عليكم بالباءة، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع منكم الباءة فعليه بالصوم، فإن الصوم له وجاء».
جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ ٤، ص١٤٤، ١٤٥):
قوله: «ونحن شباب» على وزن سحاب جمع شاب، قال الأزهري: لم يجمع فاعل على فعال غيره «لا نقدر على شيء» أي: من المال، وفي رواية البخاري: لا نجد شيئًا «يا معشر الشباب» المعشر جماعة يشملهم وصف وخصهم بالخطاب لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح «وعليكم بالباءة» بالهمزة وتاء التأنيث ممدودًا. قال النووي فيها أربع لغات:
الفصيحة المشهورة البآءة بالمد والهاء.
والثانية: الباءة بلا مد.
والثالثة: الباء بالمد بلا هاء.
والرابعة: الباهة بهائين بلا مد.
وأصلها في اللغة الجماع مشتقة من المباءة وهي المنزل. ومنه مباءة الإبل وهي مواطنها. ثم قيل لعقد النكاح باءة لأن من تزوج امرأة بوأها منزلاً.
قال واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد:
أصحهما أن المراد معناه اللغوي وهو الجماع. فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه، وهي مؤن النكاح فليتزوج. ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه الصوم ليدفع شهوته.
والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها.
والذي حمل القائلين بهذا قوله: ومن لم يستطع فعليه بالصوم. قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن انتهى
стр. 199
كلام النووي ملخصًا. «فإنه» أي: التزوج «أغض للبصر» أي: أخفض وأدفع لعين المتزوج عن الأجنبية من غض طرفه أي خفضه وكفه «وأحصن» أي: أحفظ «للفرج» أي: عن الوقوع في الحرام «فإن الصوم له وجاء» «بكسر الواو وبالمد أي كسر لشهوته، وهو في الأصل رض الخصيتين ودقهما لتضعف الفحولة. فالمعنى أن الصوم يقطع الشهوة ويدفع شر المني كالوجاء». انتهى من «تحفة الأحوذي».
وقال المناوي رحمه اللَّه تعالى: (لا يقطعها من أصلها وإن ديم عليه).
* * *
خاتمة
قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين، فليتق اللَّه في النصف الباقي». حسن. رواه البيهقي في «شعب الإيمان» عن أنس «الصحيحة» (٦٢٥) - كذا في «صحيح الجامع».
قال المناوي ﵀ في «فيض القدير»:
(فليتق اللَّه في النصف الآخر: جعل التقوى نصفين: نصفًا تزوجًا ونصفًا غيره، قال أبو حاتم: المقيم لدين المرء في الأغلب، فرجه وبطنه، وقد كفي بالتزوج أحدهما).
* * *
стр. 200
الباب التاسع: آداب من سورة النور
أولاً: آداب دخول البيوت وغض البصر وحفظ الفرج:
أ- قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ - فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٧ - ٢٩].
يُستفاد من تفسير هذه الآيات، ومن أحاديث النبي ﷺ الواردة في هذا الباب ما يلي:
١ - على المؤمن أن يستأذن عند دخول بيت غيره (١).
٢ - ينبغي للمؤمن أن يستأذن ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا رجع، والرجوع هنا للوجوب.
٣ - هدي النبي ﷺ في الاستئذان أنه كان يقول: «السلام عليكم» ثلاث مرات.
٤ - ينبغي للمؤمن عند الاستئذان ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو عن يساره.
٥ - على المستأذن أن يفصح عن اسمه أو كنيته التي هو مشهور بها ولا يقل: «أنا».
٦ - على المؤمن أن يستأذن على أمه أو أخته لأنه - كما جاء في التفسير - لا يحب أن يراها عريانة.
٧ - لا يجب على الرجل أن يستأذن على امرأته، ولكن يستحب له ذلك، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.
٨ - حرمة الدخول إذا لم يكن في البيت أحد. (كذا في روائع البيان).
٩ - عدم الإذن بالدخول قد يكون صريحًا، وقد يكون ضمنيًا كالسكوت، وينبغي للمؤمن أن لا يغضب من ذلك.
١٠ - البيوت غير المسكونة التي لا حرج من دخولها مثل الفنادق والخانات ومنازل الأسفار.
стр. 201
١١ - آيات سورة النور - واللَّه أعلم - خاصة قوله تعالى: ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ بيان عظيم لقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
ب- قال اللَّه تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠].
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: هذا أمر من اللَّه تعالى لعباده المؤمنين، أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا لما أباح لهم النظر إليه، وأن يغمضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع النظر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعًا، كما روي عن جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁ قال: «سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري» (١). وقال رسول اللَّه ﷺ لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك وليس لك الآخرة» (٢). وفي «الصحيح» عن أبى سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إياكم والجلوس في الطرقات» , قالوا: يا رسول اللَّه، لا بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول اللَّه ﷺ : «إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه». قالوا: وما حق الطريق يا رسول اللَّه؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر»، ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، لذلك أمر اللَّه بحفظ الفروج، كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وحفظ الفرج يكون تارة بمنعه من الزنا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ الآية [المؤمنون: ٥]، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» (٣) ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أي: أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم. كما قيل: من حفظ بصره أورثه اللَّه نورًا في بصيرته. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وفي «الصحيح» عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «كتب
стр. 202
على ابن آدم حظه من الزنا أدركه لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطى، والنفس تمنّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه».
وقد قال كثير من السلف: إنهم كانوا ينهون أن يحدّ الرجل نظره إلى الأمرد، وقد شدّد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أهل العلم، لما فيه من الافتتان، وشدد آخرون في ذلك كثيرًا جدًّا (١).
فائدة:
سُئل الجنيد: بما يستعان على غض البصر؟
قال: بعلمك أن نظر اللَّه إليك أسبق إلى ما تنظره.
جـ- قال تعالى: ﴿وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: هذا أمر من اللَّه تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات، وكان سبب نزول هذه الآية ما ذكره (مقاتل بن حيان) قال: بلغنا أن أسماء بنت مرثد كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متزرات (٢)، فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن (٣)، فقالت أسماء: ما أقبح هذا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية، فقوله تعالى ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ أي: عما حرم اللَّه عليهن من النظر إلى غير أزواجهن (٤)، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة النظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلاً، واحتج كثير منهم بما روي عن
стр. 203
أم سلمة أنها كانت عند رسول اللَّه ﷺ وميمونة، قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول اللَّه ﷺ «احتجبا منه» فقلت: يا رسول اللَّه، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : «أوعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه» (١). وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت في «الصحيح» أن رسول اللَّه ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت، وقوله: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ قال سعيد بن جبير: عن الفواحش، وقال قتادة: عما لا يحل لهن. وقال مقاتل: عن الزنا، وقال أبو العالية: كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا، إلا هذه الآية ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ألا يراها أحد، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي: لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه، وقال ابن عباس: وجهها وكفيها والخاتم، وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبادائها، كما قال عبد اللَّه بن مسعود: الزينة زينتان، فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من الثياب.
وقال مالك: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٢): الخاتم والخلخال، ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود عن عائشة ﵂ أن (أسماء بنت أبي بكر) دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» (٣).
стр. 204
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني: المقانع يعمل لها صفات ضاربات على صدورهن لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها، ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، فأمر اللَّه المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن، كما قال تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والخمر جمع خمار: وهو ما يخمر به أي: يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع، قال سعيد بن جبير: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ وليشددن ﴿بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني: على النحر والصدر فلا يرى منه شيء، وروى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: يرحم اللَّه نساء المهاجرات الأول لما أنزل اللَّه ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أي: أزواجهن ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير تبرج، فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله، فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره، وقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ يعني: تظهر بزينتها أيضًا للنساء المسلمات، دون نساء أهل الذمة، لئلا تصفهن لرجالهن، فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، فأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» (١).
وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك فلا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها، وقال مجاهد في قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال: نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة، وروي عن ابن عباس ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال: هن المسلمات لا تبديه
стр. 205
ليهودية ولا نصرانية، وهو النحر والقرط (١) والوشاح وما لا يحل أن يراه إلا محرم، وروى سعيد عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست من نسائهن، وعن مكحول وعبادة بن نسي: أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة. وقوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ قال ابن جرير: يعني: من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها، وإليها ذهب سعيد بن المسيب، وقال الأكثرون: بل يجوز أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود عن أنس أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: «إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك» (٢).
وقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يعني: كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وله ولا همة لهم إلى النساء ولا يشتهونهن. قال ابن عباس: هو المغفل الذي لا شهوة له. وقال مجاهد: هو الأبله. وقال عكرمة: هو المخنث الذي لا يقوم ذكره، وكذلك قال غير واحد من السلف، وفي «الصحيح» عن عائشة أن مخنثًا كان يدخل على أهل رسول اللَّه ﷺ ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ وهو ينعت امرأة يقول: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال رسول اللَّه ﷺ : «ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم» فأخرجه. وقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾ يعني: لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقًا أو قريبًا منه بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكّن من الدخول على النساء (٣)، وقد ثبت في «الصحيحين» عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «إياكم والدخول على النساء» قيل: يا رسول اللَّه، أفرأيت الحمو. قال: «الحمو الموت» وقوله
стр. 206
تعالى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ الآية، كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوتها ضربت برجلها الأرض، فيسمع الرجال طنينه، فنهى اللَّه المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا فتحركت لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ إلى آخره، ومن ذلك أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها، فيشم الرجال طيبها، فقد قال النبي ﷺ : «كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي
стр. 207
كذا وكذا» يعني: زانية (١). وعن أبي هريرة ﵁ أنه لقي امرأة شم منها ريح الطيب ولذيلها إعصار، فقال: يا أمة الجبار جئت من المسجد؟ قالت: نعم، قال لها: تطيبت؟ قالت نعم، قال: إني سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «لا يقبل اللَّه صلاة امرأة طيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة» (٢)، ومن ذلك أيضًا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج، فقد روي عن حمزة بن أسيد الأنصاري عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول اللَّه ﷺ للنساء: «استأخرن فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق، عليكن بحافات الطريق»، فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: افعلوا ما أمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر اللَّه به رسوله، وترك ما نهى عنه واللَّه تعالى المستعان (٤). انتهى من ابن كثير.
ثانيًا: تساؤلات:
سؤال ١ - هل يجوز للرجل أن يشيع (يوصل) ابنة عمه، أو ابنة عمته، أو ابنة خاله، أو ابنة خالته ... إلى البيت خوفًا عليها من مساوئ الطريق؟!
الجواب: كيف يكون الذئب حارسًا للغنم! «الحمو الموت» وقد تقدم.
سؤال ٢، ٣ - هل جعل اللَّه الزميل محرمًا؟! هل جعل اللَّه المدرس الخصوصي محرمًا؟! حتى يخلو كل منهما بالمرأة دون محرم؟!
стр. 208
الجواب: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] وفي الأثر: «لا تخلون بامرأة ولو كنت تحفظها كتاب اللَّه» (١).
ثالثًا: سؤال هام: هل صوت المرأة عورة؟
جاء في «روائع البيان» ما يلي: «حرم الإسلام كل ما يدعو إلى الفتنة والإغراء، فنهى المرأة أن تضرب برجلها الأرض حتى لا يسمع صوت الخلخال فتتحرك الشهوة في قلوب بعض الرجال ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾.
وقد استدل الأحناف بهذا النهي على أن صوت المرأة عورة فإذا منعت عن صوت الخلخال فإن المنع عن رفع صوتها أبلغ في النهي.
قال الجصاص في «تفسيره»: وفي الآية دلال على أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب إذا كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها، ولذلك كره أصحابنا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت، والمرأة منهية عن ذلك، وهو يدل على حظر النظر إلى وجهها للشهوة إذا كان ذلك أقرب إلى الريبة وأولى بالفتنة (٢). ونقل بعض الأحناف أن نغمة المرأة عورة واستدلوا بحديث «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» (٣)، فلا يحسن أن يسمعها الرجل.
وذهب الشافعية وغيرهم إلى أن صوت المرأة ليس بعورة لأن المرأة لها أن تبيع وتشتري وتدلي بشهادتها أمام الحكام، ولا بد في مثل هذه الأمور من رفع الصوت بالكلام.
قال الألوسي: «والمذكور في معتبرات كتب الشافعية - وإليه أميل - أن صوتهن ليس بعورة فلا يحرم سماعه إلا أن خشي منه فتنة» (٤).
والظاهر أنه إذا أمنت الفتنة لم يكن صوتهن عورة فإن نساء النبي ﷺ كُنَّ يروين الأخبار، ويحدِّثن الرجال، وفيهم الأجانب من غير نكير ولا تأثيم.
وذهب ابن كثير ﵀ أن المرأة منهية عن كل شيء يلفت النظر إليها، أو يحرك شهوة الرجال نحوها، ومن ذلك أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها فيشم الرجال طيبها لقوله ﵇: «كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا» (٥). يعني: زانية ومثل ذلك أن تحرك يديها لإظهار أساورها وحليها.
أقول: ينبغي على الرجال أن يمنعوا النساء من كل ما يؤدي إلى الفتنة والإغراء ... » (٦). انتهى من «روائع البيان».
فائدة:
شرح الحديث المتقدم في التفسير «الحمو الموت»:
ثبت في «الصحيحين» عن عقبة بن عامر، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء». فقال رجل من الأنصار: يا رسول اللَّه، أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت».
جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٤ ص ٢٦٤، ٢٦٥):
قوله: «إياكم والدخول» بالنصب على التحذير وهو تنبيه للمخاطب على محذور ليحترز عنه كما قيل إياك والأسد، وقوله: إياكم مفعول بفعل مضمر تقديره: اتقوا وتقدير الكلام: اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم. وفي رواية عند مسلم: لا تدخلوا على النساء. وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بالطريق الأولى «أفرأيت الحمو». اهـ.
قال النووي رحمه اللَّه تعالى في «شرح مسلم» (جـ ١٤ ص ٢٢٠، ٢٢١): (وقال الليث بن سعد: الحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم ونحوه، اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم، والأختان أقارب زوجة الرجل، والأصهار يقع على النوعين. وأما قوله ﷺ : «الحمو الموت» فمعناه أن الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه، بخلاف الأجنبي. والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه، فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم، ممن ليس بمحرم، وعادة الناس المساهلة فيه. ويخلو بامرأة أخيه فهذا هو الموت، وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه، فهذا الذي ذكرته هو صواب معنى الحديث، وأما ما ذكره المازري وحكاه أن المراد بالحمو أبو الزوج.
وقال: إذا نهى عن أبي الزوج وهو محرم فكيف بالغريب، فهذا كلام فاسد مردود، ولا يجوز حمل الحديث عليه،
стр. 209
فكذا ما نقله القاضي عن أبى عبيد أن معنى الحمو الموت فليمت ولا يفعل هذا هو أيضًا كلام فاسد، بل الصواب ما قدمناه.
وقال ابن الأعرابي: هي كلمة تقولها العرب كما يقال: الأسد الموت أي لقاؤه مثل الموت وقال القاضي: معناه الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين، فجعله كهلاك الموت فورد الكلام مورد التغليظ). اهـ. وفي «تحفة الأحوذي»: «الحمو الموت» قال القرطبي في المفهم: المعنى أن دخول قريب الزوج على امرأة الزوج يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة أي فهو محرم معلوم التحريم. وإنما بالغ في الزجر عنه وشبهه بالموت لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة لإلفهم بذلك حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة. فخرج هذا مخرج قول العرب الأسد الموت، والحرب الموت، أي لقاؤه يفضي إلى الموت، وكذلك دخوله على المرأة قد يفضي إلى موت الدين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج، أو إلى الرجم إن وقعت الفاحشة.
قال أبو عيسى الترمذي: وإنما معنى كراهية الدخول على النساء على نحو [الحديث المتقدم الذي رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني] عن النبي ﷺ قال: «لا يخلون رجل بامرأة، إلا كان ثالثهما الشيطان» (إلا كان ثالثهما الشيطان) برفع الأول ونصب الثاني ويجوز العكس والاستثناء مفرغ. والمعنى يكون الشيطان معهما يهيج شهوة كل منهما حتى يلقيا في الزنا). اهـ.
* * *
стр. 210
آداب الهاتف من آداب دخول البيوت
لا تقل آداب الهاتف عن آداب دخول البيت، بل تزداد أهمية آداب الهاتف، لأن الرؤية العينية لمن تحدثه تكون غالبًا مقرونة بالحياء، بينما يقل ذلك عن طريق الهاتف، من أجل ذلك رأيت بعد بضعة عشر عامًا من إصدار الكتاب أن ألحق به - بعد استخارة اللَّه تعالى - رسالة أدب الهاتف لأخينا في اللَّه الشيخ: بكر بن عبد اللَّه أبي زيد مع اختصار وتصرف يسيرين (١) قال أثابه اللَّه تعالى مشيرًا إلى تلك الآداب:
صحة الرقم أولاً:
تأكد أولاً من صحة الرقم قبل الاتصال حتى لا تقع في غلط، فتوقظ نائمًا، أو تزعج مريضًا، أو تُشغل غيرك عبثًا، فلا تتصل إلا بعد توفر أمرين: رقم مكتوب أمام بصرك، أو متأكدًا منه في ذاكرتك، ولا تضع إصبعك على رقم الهاتف إلا وتُتبعه البصر، فإن حصل خطأ، فتلطف بالاعتذار، وقل: «معذرة».
ويا أيها المتصل عليك لا [تغضب] حينما يحصل شيء من ذلك فتحمله، ولا تعنف، وإن قلت له: «فضلاً: الرقم غلط» فإنه إن كان غالطًا حقيقة، فهو غير آثم، وقد أدخلت عليه السرور ولا سبيل لك عليه شرعًا.
وإن كان متعمدًا الإيذاء، فقد نفذه سهم اللطف، ولك الأجر، وعليه الوزر.
وقت الاتصال:
إذا كان لك حاجة في الاتصال فاذكر أن للناس أشغالاً وحاجات، ولهم أوقات طعام، وأوقات نوم وراحة، فهم والحال ما ذكر، أولى بالعذر منك لضرورة أو حاجة.
ولهذا منحت الشريعة الشخص المُزَار، ومثله المتَّصل عليه: حق الاعتذار، دون اللجوء إلى الكذب: فلان ليس في الدار، وهو فيها. قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨].
وانظر كيف أمرت الشريعة، الأرقاء، والصغار بالاستئذان في ثلاثة أوقات: قبل صلاة الفجر، ووقت الظهيرة، وبعد صلاة العشاء، أما الأحرار البالغون فيجب عليهم الاستئذان في كل الأوقات، كما في سورة النور (٢) [٥٨ - ٥٩].
стр. 211
والخلاصة: وظِّف حسن التعامل، مراعيًا الوقت المناسب، وإذا اعتذر منك إلى وقت آخر فاقبل بانشراح صدر.
وإذا قيل: انتظر، فانتظر، وأنت مُنعم البال، غير متبرم.
وحكم مراعاة وقت الاتصال هذا، هو في غير الأماكن العامة المفتوحة على مدار ساعات الليل والنهار، كالفنادق ودور التأجير للمسافرين، ومن في حكمهم.
دقات الاتصال:
التزم الاعتدال والوسط، بما يغلب على الظن سماع منبه الهاتف، ولا تُحَدُّ دقات الاتصال هنا بثلاث للحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فلينصرف»؛ للحديث الآخر المبين لحكمة الاستئذان، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (١) رواه البخاري ومسلم، وهذه غير واردة في المهاتفة [أي المكالمة عن طريق الهاتف].
لكن احذر الإفراط والمبالغة دفعًا لإيذاء المُهَاتَف ومن حوله، وانظر إلى أدب الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ إذ كانوا يقرعون أبواب النبي ﷺ بالأظافر. رواه البخاري في «الأدب المفرد»، والخطيب في «جامعه»، وعنه القرطبي في «تفسيره» (١٢/ ٢١٧).
ومثله في عصرنا: المنبه الكهربائي على أبواب البيوت، فلتستعمل بلطف لا بعنف وإطالة.
مدة الاتصال:
ومقياسها: لكل مقام مقال، ولكل مقام مقدار، فاحذر الثرثرة والإملال، والإطالة، والإثقال.
السلام من المتصل بداية ونهاية:
المتصل هو القادم، فإذا رفعت سماعة الهاتف فبادر بالتحية الإسلامية «السلام عليكم» فهي شعار الإسلام، ومفتاح الأمان والسلام، وهي شرف لأمة محمد ﷺ .
ويجب الجواب على سامعه.
стр. 212
وبهذا وردت السنة الشريفة، فعن ربعي ﵁ قال: أخبرنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: «اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟» فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ فدخل (١). رواه أبو داود.
فدل على تقديم السلام، فليقدم المهاتف السلام على الكلام، ولا يسقط حتى يكلمه المتصل عليه، ومما ينهى عنه هنا: هجر هذه التحية الإسلامية المباركة والعدول عنها إلى نحو: «صباح الخير، صباح النور».
ومما ينهى عنه هنا: المبادرة من المتهاتفين (٢) بلفظ: «ألو» ولو أفتاك الناس وأفتوك، فهي لفظه مولدة، فرنسية المولد، يأباها اللسان العربي؛ إذ تقلص ظلها.
ومما ينهى عنه هنا: سكوت المتصل إذا رفعت «السماعة» حتى يتكلم المتصل عليه، وهذا فيه إخلال بالأدب من عدة جهات لا تخفى.
منها: مخالفة السنة في بدء المستأذن، والقادم بالسلام.
ومنها: أن المتصل هو الطالب فعليه المبادرة بالسلام، فالكلام طلبًا أو استقبالاً.
ومنها: أن بعض من ضعف أدبهم، وضمر إحساسهم ولطفهم، يقصد الفحص والتعرف، هل أنت موجود، أم لا؟ فإذا رفعت السماعة، وقلت: نعم، عرف المراد فوضعها. وهذا التفحص من التخون المرذول. قبح اللَّه هذه الفعلة، وقبح فاعلها وحسابهم على اللَّه .
(إذا أجابك صاحب الهاتف، وقال: من المتكلم؟ فقل: فلان الفلاني، أو بما يعرف شخصك عنده.
واحذر الجواب بما فيه تعمية، مثل: أنا. أنا صديقه. أنا جاره. وهكذا.
عن جابر ﵁ قال: استأذنت على النبي ﷺ فقال: «من هذا؟» فقلت: أنا، فقال النبي ﷺ : «أنا أنا». رواه مسلم، وأبو داود، وزاد: كأنه كرهه. رواه البخاري ومسلم.
واحذر أن تقع في طبع من يحجم عن الإخبار باسمه، إذا لم يجد الشخص المراد، ففي هذا نقص في الأدب، واستصغار للآخرين، وإشغال لبال أهل الدار.
стр. 213
ختم المهاتفة بالسلام:
كما بدأت المهاتفة بتحية الإسلام، فاختمها كذلك بشعار الإسلام: «السلام» فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم، فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة» (١).
خفض الصوت:
الزم الأدب العام في المحادثة والكلام: «خفض الصوت» فليكن صوتك في الهاتف منخفضًا، مسموعًا، متوسط الأداء، لا مزعجًا ولا مخافتًا.
وفي هذا أدب جم مع والديك، ومن في درجتهما في القدر والمكانة، ومع ذي الشأن، ومع من هو دونك في السن أو القدر، تدخل عليه السرور، وأن له عندك منزلة، فتكسب الأصدقاء والمحبين.
ولذا فاحذر رفع الصوت عن مقدار الحاجة، واحذر المخافتة، فكل منهما إخلال بما أدّبك اللَّه سبحانه به، في قوله تعالى في وصية لقمان لابنه: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، وكم فيه من دلالة على ما ينبغي، ومنه قلة احترامك لمن تتحدث إليه، وكم كانت طريقة بعضهم في المكالمات سببًا للحرمان من المطلوب أو من خير كثير.
واحذر طريقة النفاخين الهزلاء، الذين يثبتون شخصياتهم من خلال الهاتف بنغمات بغيضة هم يعرفونها.
الهاتف والمرأة:
وإن كان أحد المهاتفين امرأة، فلتحذر الخضوع بالقول؛ فإن اللَّه سبحانه نهى نساء نبيه ﷺ أمهات المؤمنين ﵅ اللاتي لا يطمع فيهن طامع، وهن في عهد النبوة، وحياة الصحابة ﵃ نهاهن أن يخضعن بالقول، فقال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. فكيف بمن سواهن، إن نهيهن عن الخضوع في القول من باب أولى. فاتقين اللَّه يا نساء المؤمنين، لا تخضعن بالقول، وقلن قولاً معروفًا في الخير، أي: بلا ترخيم ولا تمطيط، فلا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.
стр. 214
ولتحذر المرأة الاسترسال في الكلام مع الرجال الأجانب (١) عنها، بل ومع محارمها، بما تنكره الشريعة، وتأباه النفوس، ويُحدث في نفس السامع علاقة.
ولتحذر رفع الصوت عن المعتاد، وتمطيط الكلام، وتحسينه وتليينه، وترخيمه، وترقيقه، وتنغيمه، بالنبرة اللينة، واللهجة الخاضعة.
وإذا كان يحرم عليها ذلك فليحرم على الرجل سماع صوتها بتلذذ، ولو كان صوتها بقراءة القرآن، وإذا شعرت المرأة بذلك حرم عليها الاستمرار في الكلام معه؛ لما يدعو إليه من الفتنة.
وهنا يتعين على «الرجل» الراعي لأهل بيته، أن [يربي أهله] على الستر والتصون، وحفظ المحارم، فلا تكون المرأة هي أول من يبادر إلى إجابة الهاتف مع وجود أحد من الرجال، ولا تجيب في حال غيابهم في كل حال من الأحوال، بل حسبما يوجهها به ولي أمرها بما يراه حسب الأحوال، والمقتضيات، وعليها السمع والطاعة في المعروف، ورعاية الأصلح، وترك المشاقة.
إنزال الناس منازلهم:
راع الأدب في المهاتفة حسب مقام المتكلم معك، ومنزلته، في السن، والقدر، والقرابة، وذي الشأن، لا سيما العالم العامل.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». رواه أحمد (٢).
ورأس الأمر: «الإسلام» والناس فيه رتب ومنازل، حسب الطاعة، والمعصية، والبدعة المغلظة، والخفيفة.
أما الكفار فلهم معاملة تخصهم، بالتحية، ومقدار الكلام [وغير ذلك من الأحكام].
وبالجملة، فلتصاحبك عزة المسلم من غير كبرياء أو تنفير أو هضم حق شرعي معتبر.
إذا كلمك صاحبك، فوجدت حفاوته أقل من المعتاد، فلا يؤثر ذلك عليك فتجفوه، والتمس له في نفسك العذر، فلعل لديه اهتمامات أخرى هي أهم، أو ما غير مزاجه،
стр. 215
وكدَّرَ صفو حياته، فعليك بحسن الظن - رعاك اللَّه - وإن تكوَّن لديك بالقرائن لا بالوساوس، أنها جفوة لأجلك، فكن خفيف الظل - رعاك اللَّه - ثانية.
من الأدب أن لا تتصل بشخص وأنت في دارك في وسط من اختلاط الأصوات، وضجيج الأولاد، فعليك بالتصون، وحفظ العورات، وإظهار المكرمات، ولا تحملك الألفة على التبذل.
ولا تحملك الألفة - أيضًا - ومتانة الصحبة، على القهقهة، والإسفاف، والتبذل، فإنه يجرك إلى استمرائه مع الآخرين، فيصير طبعًا لك تعرف به.
شغل الانتظار:
صار الناس في هذا على طرفي نقيض:
فمنهم من يشغله باللهو، من غناء، أو موسيقى ونحوهما، فهذا حرام لا نزاع فيه معتبرًا.
ومنهم من يشغل لحظات الانتظار بقرآن، أو ذكر، ونحو ذلك. وإن نبل الهدف في هذا لا يُسَوِّغه؛ لأن التحكم في الوقوف على رءوس آيات القرآن الكريم، أو على المقطع المناسب من الحديث غير ممكن، فيقع وقوف غير مرضي شرعًا، ولذا فلا هذا ولا ذاك، وليبق المنتظر مع السماعة ساكتًا حتى يستأنف الحديث، وأي ضير من هذا؟! ولا داعي للترف، والإيغال، والتعمق في مراعاة الشعور الذي يعود بما لا يجوز.
من رعاية المصالح وحفظ الأمانة، أن تجعل لكل هاتف وظيفته، فلا تشغل هاتف المكتب - الذي تعمل فيه موظفًا - بشئونك الخاصة، وتدبير أمورك، هذا هو الأصل، وللناس في ذلك أحوال، ضابطها: رعاية الأصلح.
استعمال هاتف غيرك:
اجتهد ما استطعت في ترك الاستعمال لهاتف غيرك، فإن ألجأتك حاجة، فاحذر من استعمال هاتفه إلا بعد التلطف باستئذانه، ولا تطلب الإذن من قليل ذات اليد، ولا من ضيق نفس؛ يأذن وهو متبرم.
الهاتف وأهل الدار:
وإذا تأملت البقاع رأيتها تشقى كما تشقى الرجال وتسعدُ
سعيد، ذلك البيت الذي تحت قوامة راع، عاقل، بصير، غير فظ ولا غليظ، ولا صخاب، موفق بحسن التدبير، وضبط الأهل من زوجة، وولد، ومن تحت رعايته، في