← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10277

ففروا إلى الله - القلموني

أبو ذر القلموني

Полный текст (344 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والخلاصة: وظِّف حسن التعامل، مراعيًا الوقت المناسب، وإذا اعتذر منك إلى وقت آخر فاقبل بانشراح صدر. وإذا قيل: انتظر، فانتظر، وأنت مُنعم البال، غير متبرم. وحكم مراعاة وقت الاتصال هذا، هو في غير الأماكن العامة المفتوحة على مدار ساعات الليل والنهار، كالفنادق ودور التأجير للمسافرين، ومن في حكمهم. دقات الاتصال: التزم الاعتدال والوسط، بما يغلب على الظن سماع منبه الهاتف، ولا تُحَدُّ دقات الاتصال هنا بثلاث للحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فلينصرف»؛ للحديث الآخر المبين لحكمة الاستئذان، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (١) رواه البخاري ومسلم، وهذه غير واردة في المهاتفة [أي المكالمة عن طريق الهاتف]. لكن احذر الإفراط والمبالغة دفعًا لإيذاء المُهَاتَف ومن حوله، وانظر إلى أدب الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ إذ كانوا يقرعون أبواب النبي ﷺ بالأظافر. رواه البخاري في «الأدب المفرد»، والخطيب في «جامعه»، وعنه القرطبي في «تفسيره» (١٢/ ٢١٧). ومثله في عصرنا: المنبه الكهربائي على أبواب البيوت، فلتستعمل بلطف لا بعنف وإطالة. مدة الاتصال: ومقياسها: لكل مقام مقال، ولكل مقام مقدار، فاحذر الثرثرة والإملال، والإطالة، والإثقال. السلام من المتصل بداية ونهاية: المتصل هو القادم، فإذا رفعت سماعة الهاتف فبادر بالتحية الإسلامية «السلام عليكم» فهي شعار الإسلام، ومفتاح الأمان والسلام، وهي شرف لأمة محمد ﷺ . ويجب الجواب على سامعه.

стр. 212

وبهذا وردت السنة الشريفة، فعن ربعي ﵁ قال: أخبرنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: «اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟» فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ فدخل (١). رواه أبو داود. فدل على تقديم السلام، فليقدم المهاتف السلام على الكلام، ولا يسقط حتى يكلمه المتصل عليه، ومما ينهى عنه هنا: هجر هذه التحية الإسلامية المباركة والعدول عنها إلى نحو: «صباح الخير، صباح النور». ومما ينهى عنه هنا: المبادرة من المتهاتفين (٢) بلفظ: «ألو» ولو أفتاك الناس وأفتوك، فهي لفظه مولدة، فرنسية المولد، يأباها اللسان العربي؛ إذ تقلص ظلها. ومما ينهى عنه هنا: سكوت المتصل إذا رفعت «السماعة» حتى يتكلم المتصل عليه، وهذا فيه إخلال بالأدب من عدة جهات لا تخفى. منها: مخالفة السنة في بدء المستأذن، والقادم بالسلام. ومنها: أن المتصل هو الطالب فعليه المبادرة بالسلام، فالكلام طلبًا أو استقبالاً. ومنها: أن بعض من ضعف أدبهم، وضمر إحساسهم ولطفهم، يقصد الفحص والتعرف، هل أنت موجود، أم لا؟ فإذا رفعت السماعة، وقلت: نعم، عرف المراد فوضعها. وهذا التفحص من التخون المرذول. قبح اللَّه هذه الفعلة، وقبح فاعلها وحسابهم على اللَّه . (إذا أجابك صاحب الهاتف، وقال: من المتكلم؟ فقل: فلان الفلاني، أو بما يعرف شخصك عنده. واحذر الجواب بما فيه تعمية، مثل: أنا. أنا صديقه. أنا جاره. وهكذا. عن جابر ﵁ قال: استأذنت على النبي ﷺ فقال: «من هذا؟» فقلت: أنا، فقال النبي ﷺ : «أنا أنا». رواه مسلم، وأبو داود، وزاد: كأنه كرهه. رواه البخاري ومسلم. واحذر أن تقع في طبع من يحجم عن الإخبار باسمه، إذا لم يجد الشخص المراد، ففي هذا نقص في الأدب، واستصغار للآخرين، وإشغال لبال أهل الدار.

стр. 213

ختم المهاتفة بالسلام: كما بدأت المهاتفة بتحية الإسلام، فاختمها كذلك بشعار الإسلام: «السلام» فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم، فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة» (١). خفض الصوت: الزم الأدب العام في المحادثة والكلام: «خفض الصوت» فليكن صوتك في الهاتف منخفضًا، مسموعًا، متوسط الأداء، لا مزعجًا ولا مخافتًا. وفي هذا أدب جم مع والديك، ومن في درجتهما في القدر والمكانة، ومع ذي الشأن، ومع من هو دونك في السن أو القدر، تدخل عليه السرور، وأن له عندك منزلة، فتكسب الأصدقاء والمحبين. ولذا فاحذر رفع الصوت عن مقدار الحاجة، واحذر المخافتة، فكل منهما إخلال بما أدّبك اللَّه سبحانه به، في قوله تعالى في وصية لقمان لابنه: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، وكم فيه من دلالة على ما ينبغي، ومنه قلة احترامك لمن تتحدث إليه، وكم كانت طريقة بعضهم في المكالمات سببًا للحرمان من المطلوب أو من خير كثير. واحذر طريقة النفاخين الهزلاء، الذين يثبتون شخصياتهم من خلال الهاتف بنغمات بغيضة هم يعرفونها. الهاتف والمرأة: وإن كان أحد المهاتفين امرأة، فلتحذر الخضوع بالقول؛ فإن اللَّه سبحانه نهى نساء نبيه ﷺ أمهات المؤمنين ﵅ اللاتي لا يطمع فيهن طامع، وهن في عهد النبوة، وحياة الصحابة ﵃ نهاهن أن يخضعن بالقول، فقال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. فكيف بمن سواهن، إن نهيهن عن الخضوع في القول من باب أولى. فاتقين اللَّه يا نساء المؤمنين، لا تخضعن بالقول، وقلن قولاً معروفًا في الخير، أي: بلا ترخيم ولا تمطيط، فلا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.

стр. 214

ولتحذر المرأة الاسترسال في الكلام مع الرجال الأجانب (١) عنها، بل ومع محارمها، بما تنكره الشريعة، وتأباه النفوس، ويُحدث في نفس السامع علاقة. ولتحذر رفع الصوت عن المعتاد، وتمطيط الكلام، وتحسينه وتليينه، وترخيمه، وترقيقه، وتنغيمه، بالنبرة اللينة، واللهجة الخاضعة. وإذا كان يحرم عليها ذلك فليحرم على الرجل سماع صوتها بتلذذ، ولو كان صوتها بقراءة القرآن، وإذا شعرت المرأة بذلك حرم عليها الاستمرار في الكلام معه؛ لما يدعو إليه من الفتنة. وهنا يتعين على «الرجل» الراعي لأهل بيته، أن [يربي أهله] على الستر والتصون، وحفظ المحارم، فلا تكون المرأة هي أول من يبادر إلى إجابة الهاتف مع وجود أحد من الرجال، ولا تجيب في حال غيابهم في كل حال من الأحوال، بل حسبما يوجهها به ولي أمرها بما يراه حسب الأحوال، والمقتضيات، وعليها السمع والطاعة في المعروف، ورعاية الأصلح، وترك المشاقة. إنزال الناس منازلهم: راع الأدب في المهاتفة حسب مقام المتكلم معك، ومنزلته، في السن، والقدر، والقرابة، وذي الشأن، لا سيما العالم العامل. وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». رواه أحمد (٢). ورأس الأمر: «الإسلام» والناس فيه رتب ومنازل، حسب الطاعة، والمعصية، والبدعة المغلظة، والخفيفة. أما الكفار فلهم معاملة تخصهم، بالتحية، ومقدار الكلام [وغير ذلك من الأحكام]. وبالجملة، فلتصاحبك عزة المسلم من غير كبرياء أو تنفير أو هضم حق شرعي معتبر. إذا كلمك صاحبك، فوجدت حفاوته أقل من المعتاد، فلا يؤثر ذلك عليك فتجفوه، والتمس له في نفسك العذر، فلعل لديه اهتمامات أخرى هي أهم، أو ما غير مزاجه،

стр. 215

وكدَّرَ صفو حياته، فعليك بحسن الظن - رعاك اللَّه - وإن تكوَّن لديك بالقرائن لا بالوساوس، أنها جفوة لأجلك، فكن خفيف الظل - رعاك اللَّه - ثانية. من الأدب أن لا تتصل بشخص وأنت في دارك في وسط من اختلاط الأصوات، وضجيج الأولاد، فعليك بالتصون، وحفظ العورات، وإظهار المكرمات، ولا تحملك الألفة على التبذل. ولا تحملك الألفة - أيضًا - ومتانة الصحبة، على القهقهة، والإسفاف، والتبذل، فإنه يجرك إلى استمرائه مع الآخرين، فيصير طبعًا لك تعرف به. شغل الانتظار: صار الناس في هذا على طرفي نقيض: فمنهم من يشغله باللهو، من غناء، أو موسيقى ونحوهما، فهذا حرام لا نزاع فيه معتبرًا. ومنهم من يشغل لحظات الانتظار بقرآن، أو ذكر، ونحو ذلك. وإن نبل الهدف في هذا لا يُسَوِّغه؛ لأن التحكم في الوقوف على رءوس آيات القرآن الكريم، أو على المقطع المناسب من الحديث غير ممكن، فيقع وقوف غير مرضي شرعًا، ولذا فلا هذا ولا ذاك، وليبق المنتظر مع السماعة ساكتًا حتى يستأنف الحديث، وأي ضير من هذا؟! ولا داعي للترف، والإيغال، والتعمق في مراعاة الشعور الذي يعود بما لا يجوز. من رعاية المصالح وحفظ الأمانة، أن تجعل لكل هاتف وظيفته، فلا تشغل هاتف المكتب - الذي تعمل فيه موظفًا - بشئونك الخاصة، وتدبير أمورك، هذا هو الأصل، وللناس في ذلك أحوال، ضابطها: رعاية الأصلح. استعمال هاتف غيرك: اجتهد ما استطعت في ترك الاستعمال لهاتف غيرك، فإن ألجأتك حاجة، فاحذر من استعمال هاتفه إلا بعد التلطف باستئذانه، ولا تطلب الإذن من قليل ذات اليد، ولا من ضيق نفس؛ يأذن وهو متبرم. الهاتف وأهل الدار: وإذا تأملت البقاع رأيتها تشقى كما تشقى الرجال وتسعدُ سعيد، ذلك البيت الذي تحت قوامة راع، عاقل، بصير، غير فظ ولا غليظ، ولا صخاب، موفق بحسن التدبير، وضبط الأهل من زوجة، وولد، ومن تحت رعايته، في

стр. 216

ظل الشرع المطهر. وكان من تدبيره في الهاتف: أن المرأة لا ترفع يد الهاتف، وفي الدار رجل من أهلها. وأن الأهل محجوبون عن فضول الاتصال. وقد لقنهم آداب الهاتف، ونشَّأ أولاده على ذلك، فأصبح لديهم من الأدب الموروث. ومسكين صاحب البيت «المسبوه» (١) هاتفه في الدار مبثوث، واقع في كف كل لاقط من بنين، وبنات، وكبار، وصغار، إذا دق جرس الهاتف لقطه أكثر من واحد. وإذا كلمت المرأة المهاتف استرسلت معه كأنما تهاتف والدها بعد غيبة طويلة، فياللَّه كم يقع في الدار من شرار فاللهم لطفك وسترك يا كريم يا رحمن يا رحيم. والموفق من إذا ذكر تذكر، وإذا بصر تبصر ... الهاتف والمستفتي: جميلة طريقة ذلك المستفتي الذي يتصل على المفتي قائلاً: «السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، لدي - أحسن اللَّه إليك - سؤال، هو .... » وبعد نهاية المكالمة، يقول: «جزاكم اللَّه خيرًا، وأثابكم، السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته». طريقة، مؤدبة، مختصرة، خالية من تطويل التحايا بلا طائل، وتعطي الفرصة لسائل آخر. لكن ماذا هنا من المحاذير، وماذا هنا مما يقع من الأذايا: الأسئلة المفتعلة لاختبار فقه المفتي، فقد يكون المستفتي، بحث المسألة، وحضَّر الجواب، ثم يأخذ في التعنت، والمحاجة؛ ليظهر عجز المفتي، وهذا يفعله بعض الذين شبعت روحهم بالتنفير من العلماء، والوقوع فيهم (٢). ومن طريقتهم أيضًا: الأسئلة المفتعلة لمعرفة انتماء المفتي، فيُعَمِّدون بعض الشباب المتدين المُغَرَّرِ بهم لسؤال المفتي عن موضوع كذا؛ ليثبتوا له أنه صاحب بدعة، على مشربهم الموغِل في الغلو، وإيجاد الفجوة السحيقة بين العلماء وشباب الأمة.

стр. 217

ومن طريقتهم: إثبات اضطراب المفتي. ومن المهاتفة المؤذية من بعض المستفتين: سؤال أكثر من واحد، طلبًا للترخص. والإزعاج في أوقات غير مناسبة للاتصال، وتطويل السؤال بلا طائل. والاتصال على المفتي، على غير هاتف الفتوى المخصص لها. وتسجيل المهاتفة، ونشرها بدون إذن المفتي فيهما، وهذا التصرف خيانة، يأتي بيانها. تغريب لغة الهاتف: اللغة العربية من شعائر الإسلام، والتكلم بها حفظ لشعار الإسلام، فيجب حفظ هذه الشعيرة، وكف الدخولات عليها، ولذلك فاحذر تلك الألفاظ المولدة، التي يأباها اللسان العربي أشد الإباء، والشريعة ناهية عما يفسد لسان العرب وعن التعلق بلغة الكافرين، والأعجميين، وخلطها بلغة الضاد، لسان المسلمين، وإليك بضعة ألفاظ في حضارة العرب، وفيها غناء عما يقابلها في حضارة الغرب، والعجم. اللفظ العربي ــ اللفظ الأعجمي الهاتف ... التلفون النداء ... البيجر فقس (١) ... فاكس جهاز التنصت ... جهاز التصنت ابدأ بلفظ: السلام عليكم ... لا بلفظ: ألو، هلو الهاتف [الرَّطب]: هو الذي تصل فيه الرحم، لا سيما من قطعك، وتسقي به شجرة الإخاء بينك وبين من شاء اللَّه ممن تعرفه من المسلمين، في التهاني الشرعية، والبشارة بالخير، وقضاء حوائج إخوانك. وفي السلام على المريض، والدعاء له، والسؤال عن حاله بلا إملال، واحذر سؤال المريض مفصلاً عن مرضه.

стр. 218

وفي مواساة مصاب بقريب، أو مال، أو نحوه، فكم في المواساة من تسلية المصاب. ولا تحجبك المهاتفة عن سُنَّةِ نقل الخُطَى إلى هذه الفضائل، ولكن حيث تقصر بك الحال عن الزيارة. وإذا كانت زيارة المريض والمصاب خفيفة، مقدرة بجلسة الخطيب بين الخطبتين، فلتكن المكالمة الهاتفية كذلك. هذا هو الأصل، ومن يأنس بك فله حال لا تخفى. المهاتفة المؤذية: أذية المسلم حرام، وتخوّنه حرام، وهتك حرماته حرام. ومن هذه الأذايا ما يقع في المهاتفة، ومنها: أ- الخيانة المضاعفة: لا يجوز لمسلم يرعى الأمانة ويبغض الخيانة، أن يسجل كلام المتكلم دون إذنه، وعلمه، مهما يكن نوع الكلام: دينيًا، أو دنيويًا، كفتوى، أو مباحثة علمية، أو مالية، وما جرى مجرى ذلك. وقد ثبت من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا حدث الرجل الرجل فالتفت فهي أمانة» (١) رواه أحمد وأبو داود، والترمذي. (ومعنى: «التفت» أي؛ ظهر من حال المتكلم بالقرائن: حذره بالتفاته يمينًا وشمالاً، أن لا يسمع حديثه أحد (٢) فتكون الكلمة التي حدثك صاحبك بها أمانة عند المحدَّث أودعه إياها، فإن حدث بها غيره، فقد خالف أمر اللَّه، حيث أدى الأمانة إلى غير أهلها، فيكون من الظالمين، فيجب عليه كتمها؛ إذ التفاته بمنزلة استكتامه بالنطق، قالوا: وهذا من جوامع الكلم). انتهى. فإذا سجلت مكالمته دون إذنه وعلمه، فهذا مكر وخديعة، وخيانة للأمانة. وإن نشرت هذه المكالمة للآخرين، فهي زيادة في التخون، وهتك الأمانة. وإن فعلت فعلتك الثالثة: التصرف في نص المكالمة بتقطيع، وتقديم وتأخير، ونحو ذلك إدخالاً أو إخراجًا - فالآن ترتدي الخيانة مضاعفة، وتسقط على أم رأسك في: «أم الخبائث» غيرَ مأسوف على خائن. ب - جهاز التنصت:

стр. 219

بلغت التقنية الحديثة ومخترعاتها مبلغًا، وصل في بعضها حد اللعب بكرامة الإنسان أو استغلاله في إهدارها. ومنه: ما يقوم به فرد من الناس باستعمال جهاز التنصت، ونقل المكالمات، لا سيما غير المغطاة، ويقضي ساعات ليله ونهاره في الفرجة على أحاديث الناس، وما يجري بينهم دون علم منهم، وهذا محرم لا يجوز، سواء عرف المتهاتفين، أم أحدهما، أم لم يعرفهما. وقد ثبت من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة». رواه البخاري في «صحيحه»، ونحوه في: «الأدب المفرد». جـ- المعاكسة: ومن [الناس] من يتصل على البيوت مستغلاً غيبة الراعي؛ ليتخذها فرصة عَلَّه يجد من يستدرجه إلى سفالته. وهذا نوع من الخلوة، أو سبيل إليها، وقد قال ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم: «إياكم والدخول على النساء» أي: الأجنبيات عنكم. فهذا وأيم اللَّه، حرام، حرام، وإثم، وجناح، وفاعله حري بالعقوبة، فيخشى عليه أن تنزل به عقوبة تلوث وجه كرامته. ومما ينسب للإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى: إن الزنى دَيْنٌ فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم نعوذ باللَّه من العار، ومن خزي أهل النار. وعلى رب الدار، أن يبذل الأسباب، ويوفر الضمانات لحماية محارمه من العابثين، والسفهاء، ومن هذه الأسباب: أن يكون «الهاتف» في مكان لا تغاب عنه الرقابة البيتية، مع منع تعدد أجهزة الهاتف في الدار، خاصة في غرف البنات، وأن ينظم الراعي مع أهل بيته، من يتولى الرد على الهاتف، وآداب الرد، وعدم الاسترسال مع المتصل، وهكذا مما لا يخفى على محبي العفة والكرامة. د- سعار الاتصال: احذر فضول المهاتفة، حتى لا يصيبك سعار الاتصال، فكم من مصاب به، فمن حين يرفع رأسه من نومته، يدني [مذكرة الهواتف] ولا كالطفل يلتقم ثدي أمه، فيشغل نفسه، وغيره، عبر الهاتف، من دار إلى دار، من مكتب إلى آخر، يروح عن نفسه [في ظنه] ويلقي بالأذى على غيره.

стр. 220

وليس لنا مع هؤلاء حديث إلا الدعاء بالعافية، وننصحهم بمعالجة وضعهم من هذا الفضول. هـ- هاتف [الترويع]: ثبت في السنة الترهيب من ترويع المسلم، وإخافته، وأن ترويعه، وإخافته، من كبائر الذنوب، والظلم العظيم، فعن رجال من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا» (١). رواه أحمد، وأبو داود. ونحوه عند الطبراني من حديث النعمان بن بشير ﵄ ونحوه - أيضًا - لدى البزار، من حديث ابن عمر ﵄. ومنه مسلك الإخافة [والترويع] الهاتفي، فيتصل الفاجر، من هاتف مجهول متقمصًا صوتًا مستنكرًا، فيذكر له من أنواع الترويع، والإخافة، ما عسى أن يقض مضجعه، ويؤثر عليه بأي سالب. ونصيحتي لك أيها المبتلى بهذا الفاجر، أن تكون رابط الجأش، ثابت الجنان، فلا تلقي لهذا الاتصال [الترويعي] المفتعل أي بال، وأنه كالأحلام الرديئة والحلم من الشيطان، يخيف به العبد، وهذا من شياطين الإنس، فاستعذ باللَّه من شره [وادعُ اللَّه له بالهداية]. هذه جملة من آداب استعمال الهاتف، على المسلم التحلي بها. ومجموعة من المناهي، والمحاذير التي يجب اجتنابها، وهي تدل على غيرها مما لم يذكر. والحمد لله رب العالمين. اهـ من رسالة «أدب الهاتف». فائدة: بمناسبة الهاتف الرطب، قال رسول اللَّه ﷺ : «بُلُّو أرحامكمْ ولوْ بالسَّلامِ». (حسن) البزار عن ابن عباس، (طب) عن أبي الطفيل، (هب) عن أنس وسويد بن عمرو [وقيل ابن عامر الأنصاري] (٢).

стр. 221

«الصحيحة» (١٧٧٧)، وكيع في «الزهد»، حب في «الثقات»، القضاعي، ابن عساكر - سويد القطيعي - ابن عباس - انظر «صحيح الجامع». قال المناوي رحمه اللَّه تعالى في «فيض القدير»: «بلو أرحامكم» أي: اندوها بما يجب أن تندى به، وواصلوها بما ينبغي أن توصل به. «ولو بالسلام» يقال الوصل بلل يوجب الالتصاق والاتصال والهجر يفضي إلى التفتت والانفصال. قال الزمخشري: استعار البلل للوصل كما يستعار اليبس للقطيعة، لأن الأشياء تختلط بالنداوة وتتفرق باليبس، وقال الطيبي: شبه الرحم بالأرض الذي إذا وقع الماء عليها وسقاها حق سقيها أزهرت ورُؤيت فيها النضارة فأثمرت المحبة والصفاء، وإذا تركت بغير سقي يبست وبطل نفعها فلا تثمر إلا البغض والجفاء، ومنه قولهم: سنة جماد أي لا مطر فيها، وناقة جماد أي لا لبن فيها. وقال الزين العراقي: بين به أن الصلة والقطيعة درجات، فأدنى الصلة ترك الهجر، وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مندوب). اهـ. وسيأتي الكلام عن صلة الرحم إن شاء اللَّه تعالى في باب الدين النصيحة. * * *

стр. 222

الباب العاشر: حكم تغطية وجه المرأة مقدمة: أسأل اللَّه تعالى أن يجعل أعمالنا كلها صالحة، ولوجهه خالصة، ولا يجعل لأحد فيها شيئًا .... آمين. حرصًا مني أمام اللَّه على أن يكون هذا الكتاب ليس محل خلاف، وإنما هو فقط مجرد عرض لآراء العلماء دون تدخل مني، وفي نفس الوقت يكون هذا العرض لأكثر من مرجع - من أجل ذلك كله - رأيت أن أعرض حكم الإسلام في تغطية الوجه من خلال هذه الكتب التالية: ١ - كتاب «إلى كل فتاة تؤمن باللَّه» لفضيلة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي. ٢ - كتاب «المرأة المسلمة» لفضيلة الشيخ وهبي سليمان غاوجي. ٣ - كتاب «روائع البيان في تفسير آيات الأحكام» لفضيلة الشيخ الصابوني. ولقد أفادنا فضيلة الشيخ البوطي، حينما أتى بالخلاصة، فأردت أن أبدأ بها أولاً، أما فضيلة الشيخ وهبي سليمان غاوجي فقد أسهب في الموضوع فأردت أن آتي برأيه كاملاً وإني إذ آتي برأي فضيلة الشيخ وهبي غاوجي كاملاً، لا أكون بذلك قد تحيزت لرأي معين في طريقة العرض، وإنما أردت بذلك المرأة التي تريد أن تحتاط لدينها أكثر، بتغطية وجهها، حتى إذا قرأت الأدلة، يكون عندها من كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ ما يقوي إيمانها بأمر ربها والامتثال له. تنبيه: قد ترى أن هناك فرقًا بين الشيخين البوطي وغاوجي من ناحية تعميم رأي كل منهما بالنسبة لمذهب المالكية. أولاً الخلاصة: كما يراها فضيلة الشيخ البوطي: محل الإجماع ونتيجة الخلاف: فقد تحصل من هذا الكلام، أن أئمة المسلمين كلهم، قد أجمعوا على ما يلي: ١ - لا يجوز أن تكشف المرأة أمام غير الذين استثناهم اللَّه شيئًا أكثر من وجهها وكفيها. ٢ - لا يجوز لها أن تكشف الوجه والكفين أيضًا إذا علمت أن حولها من قد ينظر إليها

стр. 223

النظر المحرم الذي نهى اللَّه تعالى عنه، بأن يتبع النظرة النظرة، ولا تستطيع أن تزيل هذا المنكر إلا بحجب وجهها عنه. وعلى هذه الحالة يحمل ما نقله الخطيب الشربيني عن إمام الحرمين من اتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجه (١). وقد صرح بهذا القيد القرطبي، فيما نقله عن ابن خويز منداد من أئمة المالكية: أن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك (٢). وقال صاحب «الدر المختار» من الحنفية: وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال، لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة، ولا يجوز النظر إليه بشهوة (٣). وهكذا، فقد ثبت الإجماع عند جميع الأئمة (سواء من يرى منهم أن وجه المرأة عورة كالحنابلة والشافعية، ومن يرى منهم أنه ليس بعورة كالحنفية والمالكية) (٤): أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها عند خوف الفتنة بأن كان من حولها من ينظر إليها بشهوة، ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن الفتنة مأمونة اليوم! وأنه لا يوجد في الشوارع من ينظر إلى وجوه النساء بشهوة؟! واتفقوا على جواز كشف المرأة وجهها، ترخصًا لضرورة (٥) تعلم أو تطبب أو عند أداء شهادة أو تعامل من شأنه أن يستوجب الشهادة. فهذه النقاط الثلاث محل إجماع لدى الأئمة وعامة الفقهاء. ثم إنهم اختلفوا فيما وراء هذه الأحوال، وهو أن تكون المرأة بادية الوجه في مجتمع عام وليس ثمة من يتعمد النظر إليها بريبة - وهذا فرض وهمي اليوم - فقد ذهب البعض كما رأينا إلى أنه لا حرج عليها في ذلك، وذهب آخرون إلى أنه يجب عليها أن تستر وجهها مطلقًا. هذا هو حكم الإسلام في لباس المرأة. اتفقت عليه كلمة علماء المسلمين كلهم، معتمدين في ذلك على نصوص واضحة صريحة في كتاب اللَّه تعالى، وأحاديث ثابتة من سنة رسول اللَّه ﵊، فإذا عثرنا بعد ذلك على وقائع وتصرفات فردية لبعض نساء الصحابة أو التابعين أو غيرهم، تخالف هذا الذي أجمع عليه الأئمة، مما دل عليه صريح

стр. 224

الكتاب والسنة، فإنها وقائع محجوبة بالحكم المبرم الذي دل عليه إجماع الأئمة وصريح الكتاب والسنة، وحاشا أن يكون حكم اللَّه هو المحجوب بها. انتهى من كتاب «إلى كل فتاة تؤمن باللَّه». ثانيًا: حكم تغطية الوجه بقلم فضيلة الشيخ وهبي غاوجي: آيات الحجاب: الآية الأولى: قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. قال عمر رضي اللَّه تعالى عنه: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول اللَّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقلت: يا رسول اللَّه، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو حجبتهن، فأنزل اللَّه آية الحجاب - وهي المكتوبة قبل أسطر - وقلت لأزواج النبي لما تمالأن عليه في الغيرة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فأنزلت كذلك. رواه البخاري ومسلم. وذكر أنس رضي اللَّه تعالى عنه ما كان من وليمة رسول اللَّه ﷺ بزينب، وفيه: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول اللَّه ﷺ ، وزوج الرسول ﷺ التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول اللَّه ﷺ ، وكان أشد الناس حياء (١). وكان زواجه ﷺ بزينب بنت جحش في ذي القعدة في السنة الخامسة من الهجرة، وفي صبيحة عرسه بها نزلت آية الحجاب، فاحتجبت المرأة المسلمة، وما تزال. وقبل ذلك كانت المسلمة تستر رأسها وصدرها، ويبدو ما قد يبدو من شعر رأسها وعنقها وبعض صدرها. وفي الجاهلية كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، وكانت لها مشية تكسر وتغنج، تلقي فيه الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو

стр. 225

ذلك كله منها (١)، فأين خروج المرأة اليوم من خروج أختها في الجاهلية الأولى؟! قال ابن كثير: فقوله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول اللَّه ﷺ بغير إذن كما كانوا قبل يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار اللَّه تعالى لهذه الأمة فأمرهم بذلك، وذلك إكرام من اللَّه لهذه الأمة، ولهذا قال رسول اللَّه ﷺ : «إياكم والدخول على النساء» (٢) الحديث. يشير ابن كثير بكلامه هذا إلى ما صرح به علماء الأصول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أي: لئن كانت الآيات نزلت في نسائه ﷺ وحجابهن، فإنها تعم بأحكامها سائر نساء المسلمين. ومما يؤكد هذا الحكم: أ- قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ فدخول الضيف في البيت بدون إذن،، وكذا مع الإذن قبل نضج الطعام والجلوس بعد الطعام استرسالاً في الحديث، وإن الإيذاء كما لا يحل في جنب رسول اللَّه ﷺ لا يحل في حق أحد المسلمين. ب- يؤكد قوله تعالى في الحجاب: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فطهارة القلوب عن الخواطر الشيطانية مطلوبة في حق أزواجه ﷺ وسائر المسلمين، بل الطهارة من هذه الخواطر المفضية إلى المعاصي المطلوبة في حق كل مؤمن ومؤمنة، بل أمره في غير أمهات المؤمنين آكد وأشد لمظنة الريبة في سائر نساء المسلمين لما أن نساء رسول اللَّه ﷺ أبعد الناس عن ظن السوء، ولأنهن لقبن بأمهات المؤمنين، ولأنهن نساء رسول اللَّه ﷺ . الآية الثانية: قوله تعالى لنساء رسول اللَّه ﷺ : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ (٣) يقصد به تعميم الحكم على نساء المسلمين عامة، فإن قرار النساء في البيوت وعدم خروجهن لغير حاجة أمر مقرر في الإسلام، وكذا النهي عن التبرج بالتكسر في المشي وإظهار بعض الرأس والصدر أمر مقرر في النساء عامة. قال الأستاذ المودودي - رحمه اللَّه تعالى - عند قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾: قد ذهب بعض الناس - يريد بعض المعاصرين - إلى أن هذا الأمر خاص لأزواج النبي ﷺ

стр. 226

لابتداء الآية بخطاب - (يا نساء النبي) - ولكنا نسأل: أي وصية من الوصايا الواردة في هذه الآية مخصوصة بأمهات المؤمنين دون سائر النساء؟ فقد قيل فيها: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا - وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢، ٣٣]. فتأمل هذه الوصايا والأوامر وقل لي: أي أمر منها لا يتصل بعامة النساء المسلمات؟ وهل النساء المسلمات لا يجب عليهن أن يتقين اللَّه تعالى، أو قد أبيح لهن أن يخضعن بالقول ويكلمن الرجال كلامًا يغريهم ويشوقهم؟ أو يجوز لهن أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى؟ ثم هل ينبغي لهن أن يتركن الصلاة والزكاة ويعرضن عن طاعة اللَّه ورسوله؟ وهل يريد اللَّه أن يتركهن في الرجس؟ فإذا كانت هذه الأوامر والإرشادات عامة لجميع المسلمات فما المبرر لتخصيص كلمة ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وحدها بأزواج النبي ﷺ ؟ إن مصدر الفهم الخاطئ في الحقيقة هو مبتدأ الآية: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾، ولكن هذا الأسلوب لا يختلف - مثلاً - عن قولك لولد نجيب: يا بني لست كأحد من عامة الأولاد حتى تطوف في الشوارع وتأتي بما لا يليق من الحركات، فعليك بالأدب واللياقة. فقولك هذا لا يعني أن سائر الأولاد يحمد فيهم طواف الشوارع وإتيان الحركات السيئة، ولا يطلب منهم الأدب واللياقة، بل المراد بمثل قولك هذا تحديد معيار لمحاسن الأخلاق وفضائلها، لكي يصبوا إليها كل ولد يريد أن يعيش كنجباء الأولاد فيسعى في بلوغه. وقد اختار القرآن الكريم هذه الطريقة لتوجيه النساء لأن نساء العرب في الجاهلية كن على مثل الحرية التي توجد في نساء العرب في هذا الزمان، وكان العمل جاريًا على تعويدهن الحضارة الإسلامية بشيء من التدريج، ويعلمهن حدود الأخلاق وقيود الضابط الاجتماعي على يد النبي ﷺ . ففي تلك الأحوال عنى الإسلام بضبط أمهات المؤمنين بضابطة على وجه خاص حتى يكنَّ أسوة لسائر النساء، وتتبع طريقتهن وعاداتهن في بيوت عامة المسلمين. هذا الرأي نفسه - وهو تعميم نساء المسلمين بالخطاب - أبداه العلامة أبو بكر الجصاص في كتابه «أحكام القرآن» فقال: وهذا الحكم وإن نزل خاصًا في النبي ﷺ وأزواجه فالمعنى فيه عام، فيه وفي غيره، إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء به، إلا مما خصه اللَّه به دون أمته. اهـ. «الجزء الثالث ص: ٤٥٥».

стр. 227

الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]. الجلباب: قال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه فيه: هو الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقال سعيد بن جبير: هو المقنعة (الملاءة). وقيل: كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، والثوب الذي تشتمل به المرأة فوق الدرع والخمار. الإدناء: هو التقريب. يقال: أدنى الشيء إذا قربه وضُمِّن معنى الإرخاء والسدل، ولذا عُدي بعلى. قال سعيد بن جبير: يدنين: يسدلن عليهن. والظاهر أن المراد بـ ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ على جميع أجسادهن، وقيل: على رءوسهن أو على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه، قالت أم سلمة ﵂: لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها. اهـ (١). الحجاب الشرعي: الحجاب الشرعي المأمور به ثلاث درجات بعضها فوق بعض في الاحتجاب والاستتار، دل عليها الكتاب والسنة (٢). الدرجة الأولى: حجاب الأشخاص في البيوت بالجدر والخدر وأمثالها، بحيث لا يرى الرجال شيئًا من أشخاصهن ولا لباسهن ولا زينتهن الظاهرة ولا الباطنة، ولا شيئًا من جسدهن من الوجه والكفين وسائر البدن. ١ - وقد أمر اللَّه تعالى بهذه الدرجة من الحجاب فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ إذ إن هذا يدل على أن سؤال أي شيء منهن يكون من خلف ستر يستر الرجال عن النساء والنساء عن الرجال، وما ذكر من سبب نزول الآية يقرر هذا الأمر ويؤكده. ٢ - وأمر بها في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ قال محمد بن سيرين: ثبت أنه قيل لسودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ : مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما تفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني اللَّه تعالى أن أقر في بيتي، فواللَّه لا أخرج من بيتي حتى أموت. قال: فواللَّه ما خرجت من باب حجرتها حتى خرجت جنازتها (٣).

стр. 228

وهذا الحكم العام قد استثني بالخروج للحاجة، قال ﷺ : «أذن لكن في الخروج لحاجتكن». رواه البخاري. ٣ - ويرشح هذه الدرجة أحاديث تحبب إلى المرأة القرار في البيت وعدم الخروج حتى إلى صلاة الجماعة مع رسول اللَّه ﷺ ، فإن قرارها في بيتها أرجى لها في الأجر عند اللَّه تعالى. جاءت أم حميد الساعدي إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، إني أحب الصلاة معك، قال: «قد علمتُ أنك تحبين الصلاة معي؟ وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي». قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت اللَّه . رواه أحمد (١). نعم للنساء الكبار الخروج إلى المساجد بالليل كصلاة المغرب والعشاء والفجر، فإن الليل أستر وأخفى وأبعد عن الفتنة. قال ﷺ : «لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه، ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد». رواه الترمذي. ويشترط لخروجهن إلى الصلاة أمور: ١ - أن يكون ذلك في صلوات الليل لما ذكرنا من حديث الترمذي. ٢ - أن يبادرن بالانصراف من المسجد فور سلام الإمام من صلاته. قالت عائشة ﵂: «كان رسول اللَّه ﷺ ليصلي الصبح فينصرف النساء متلففات بمروطهن ما يعرفن من الغلس». رواه الترمذي (٢). ٣ - ألا تختلط النساء بالرجال في الجماعة، ولا يسبقنهم إلى الصفوف الأمامية، بل عليهن أن يقمن خلف صفوف الرجال. قال ﷺ : «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها». رواه مسلم. ٤ - ألا يكون خروجهن إلى المسجد متزينات. قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: «يا أيها الناس انهوا نساءكم عن الزينة والتبختر في المسجد، فإن بني إسرائيل لم يلعنوا حتى

стр. 229

لبس نساؤهم الزينة وتبخترن في المساجد». رواه ابن ماجه. [والحديث ضعيف - انظر ضعيف الجامع]. ولما رأت السيدة عائشة رضي اللَّه تعالى عنها خروج النساء في زمانها على شيء من الزينة إلى المساجد قالت: لو أدرك رسول اللَّه ﷺ ما أحدثت النساء لمنعهن - المساجد - كما منعت نساء بني إسرائيل. رواه مسلم. ٥ - أن يسكنَّ في الصلاة ولو للاستدراك على الإمام في خطئه. إلا أن يكون التصفيق بباطن اليد اليمنى على ظاهر اليد اليسرى دون كلام. قال ﷺ : «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» (١). الدرجة الثانية من الحجاب: خروجهن من البيوت مستورات: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. سئل ابن عباس ﵄ عن قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ فقال: أن تغطي وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينًا واحدة، ومثله روي عن السُّدي وعبيدة السلماني. ٢ - وقال اللَّه تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ .... وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ تدل هاتان الآيتان على خروج المرأة من بيتها، وإلا لم يكن الأمر موجهًا إلى الرجال والنساء بغض البصر على حد سواء. ٣ - وقال اللَّه تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]. المراد بالثياب هو الجلباب والرداء وغيرها من الثياب الظاهرة التي لا يفضي وصفها إلى كشف العورة. كذا نقل عن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه. ٤ - وقال ﷺ : «ليس للنساء وسط الطريق» (٢)، فقد أذن اللَّه تعالى للنساء بالخروج من بيوتهن خروجًا مقيدًا بالحاجة. ٥ - وقد عقد الإمام البخاري في كتاب «النكاح» من صحيحه بابًا قال فيه: «باب استئذان المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد وغيره» عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ قال:

стр. 230

«إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها» قال الحافظ ابن حجر: قاس - البخاري - غير المسجد على المسجد والجامع بينهما ظاهر، ويشترط في الجميع: الأمن من الفتنة (١). الدرجة الثالثة: أي: خروجهن مستورات الأبدان من الرأس إلى القدم، مع كشف الوجه واليدين عند أمن الفتنة على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي اللَّه تعالى عنه. والعلماء في هذا الأمر على قولين: أباح بعضهم كشف الوجه واليدين عند أمن الفتنة، ولم يبح ذلك آخرون إلا عند الاضطرار. وعلى القول الأول أبو حنيفة، وعلى القول الثاني: مالك والشافعي وأحمد. ١ - مذهب المالكية: أنه لا يجوز النظر إلى شيء من بدن المرأة لا إلى الوجه ولا إلى الكفين ولا إلى غيرهما، ولا يجوز للمرأة إبداء الوجه والكفين للأجانب، وقد صرح ابن المنير المالكي بذلك فقال: إن كل بدن الحرة لا يحل لغير الزوج، والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة (٢). وقال القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه «أحكام القرآن» (٣) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾: وهذا يدل على أن اللَّه تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب: في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها. والمرأة كلها عورة: بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة، أو لحاجة كالشهادة أو داء يكون ببدنها (٤). ٢ - مذهب الشافعية: أنه لا يجوز النظر إلى شيء من بدن المرأة لا الوجه ولا الكفين ولا يجوز للمرأة إبداء شيء من بدنها للأجانب إلا لضرورة. قال الإمام النووي: ويحرم نظر فحل بالغ إلى عورة حرة أجنبية، وكذا إلى وجهها وكفيها عند خوف الفتنة، وكذا عند الأمن على الصحيح (٥). ٣ - مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز النظر إلى شيء من بدن المرأة لا الوجه، ولا الكفين، ولا يجوز للمرأة إبداء شيء من بدنها للأجانب إلا لضرورة. قال الشيخ يوسف مرعي: وحرم في غير ما مر - والذي مر هو نظر الخاطب - ونظر

стр. 231

الزوج إلى زوجته، وغير ذلك: قصد نظر أجنبية حتى شعر متصل لا بائن. قال أحمد: ظفرها عورة، فإذا خرجت فلا تبين شيئًا، ولا خفيها فإنه يصف القدم، وأحب أن تجعل لكمها زرًّا عند يدها (١). ٤ - مذهب الحنفية: أنه يجوز للمرأة كشف وجهها وكفيها عند أمن الفتنة. قال الكاساني: فلا يجوز النظر من الأجنبي إلى الأجنبية الحرة إلى سائر بدنها إلا الوجه والكفين لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ إلا أن النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة وهي - الوجه والكفين - رخص بقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. والمراد من الزينة: مواضعها، ومواضع الزينة الظاهرة: الوجه والكفان، ولأنها تحتاج إلى البيع والشراء والأخذ والعطاء، ولا يمكنها ذلك عادة إلا بكشف الوجه والكفين، فيحل لها الكشف. وهذا قول أبي حنيفة ﵁. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يحل النظر إلى القدمين أيضًا، ثم قال: إنه يحل النظر إلى مواضع الزينة منها من غير شهوة، وأما عن شهوة فلا، لقوله ﷺ : «العينان تزنيان» (٢)، وليس زنى العينين إلا النظر عن شهوة. ثم قال: والأفضل للشاب غض البصر عن وجه الأجنبية وكذا الشابة، لما فيه من خوف حدوث الشهوة والوقوع في الفتنة، ويؤيده المروي عن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنه الرداء والثياب. فكان غض البصر وترك النظر أزكى وأطهر (٣). وجاء في «الدر المختار»: يعزر المولى عبده والزوج زوجته على تركها الزينة، أو كلمة ليسمعها أجنبي، أو كشف وجهها لغير محرم (٤). وجاء فيه كذلك: وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال، لا لأنه عورة بل لخوف الفتنة كمسه، وإن أمن الفتنة لأنه أغلظ ولذا ثبتت به حرمة المصاهرة. قال ابن عابدين في شرحه عليه: المعنى تمنع من الكشف لخوف أن يرى الرجال وجهها فتقع الفتنة، لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة. قوله: كمسه: أي: كما يمنع الرجل من مس وجهها وكفيها وإن أمن الشهوة. وقال أبو بكر الجصاص: - وهو حنفي - عند قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن

стр. 232

جَلاَبِيبِهِنَّ﴾: في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها من الأجنبي وإظهار الستر والعفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الريب فيهن (١). فأصل مذهب الإمام أبي حنيفة جواز كشف المرأة وجهها في الحالات العامة، على وجود [الأمة المسلمة العفيفة في رجالها ونسائها]. أما إذ تغيرت الحالة العامة ولم يؤمن فيها من الفتنة فيجب على المرأة أن تستر جميع بدنها ووجهها وكفيها، سدًّا لذرائع الفساد وعوارض الفتن. فحكم وجه المرأة وكفيها في المذهب الحنفي في مثل أيامنا هذه كحكمه في باقي المذاهب الأربعة وهو: حرمة كشف المرأة وجهها لغير ضرورة، واللَّه أعلم. وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأئمة على أنه: لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب، ويستثنى فيه العجائز (٢) لقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء﴾، والضرورات مستثناة من الجميع بالإجماع. فلم يبق للحجاب المشروع إلا الدرجتان الأوليان: القرار في البيوت وحجاب الأشخاص وهو الأصل. والثانية خروجهن لحوائجهن مستترات بالبراقع والجلابيب وهو الرخصة للحاجة، ولا شك أن كلتا الدرجتين منه مشروعتان، غير أن الغرض من الحجاب لما كان سد الذرائع، وفي خروجهن من البيوت ولو للحوائج والضرورات مظنة فتنة، شرط اللَّه تعالى ورسوله ﷺ شروطًا يجب عليهن التزامها عند الخروج (٣). ما يدل على وجوب ستر الوجه مطلقًا: ١ - قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾: الزينة على قسمين: خِلقية ومكتسبة، فالخلقية: وجهها، فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة، ومعنى الحيوانية لما فيه من المنافع وطرق العلوم، وأما الزينة المكتسبة: فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها كالثياب والحلي والكحل والخضاب، ومنه قوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١]. وقال الشاعر: يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن خير عواطل وقال: ومن الزينة ظاهر وباطن.

стр. 233

فما ظهر فمباح أبدًا لكل الناس من المحارم والأجانب. وقد ذكرنا ما للعلماء فيه، وأما ما بطن فلا يحل إبداؤه إلا لمن سماهم اللَّه تعالى في هذه الآية أو حل محلهم (١). ٢ - وقال القاضي البيضاوي: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾: كالحلي والثياب والأصباغ فضلاً عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدي له ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم، فإن في سترها حرجًا. وقيل: المراد بالزينة مواقعها على حذف المضاف أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزينية، لا في النظر فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة (٢). ٣ - وقال عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه: الزينة زينتان: زينة ظاهرة وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج، فأما الزينة الظاهرة فالثياب وأما الزينة الباطنة السوار والخاتم (٣). ٤ - وقال عبد اللَّه بن عباس: أمر اللَّه نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة. «من رواية علي بن أبي طلحة وهي رواية البخاري لتفسير ابن عباس في الصحيح». ٥ - قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين» (٤). رواه البخاري. وهذا يعني أن غير المحرمة تنتقب، بأن تستر الوجه، وتستر اليدين بأن تلبس القفازين. ومع ذلك فإن المرأة المحرمة إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها. روي ذلك عن عثمان وعائشة وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وغيرهم. قالت عائشة ﵂: كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول اللَّه ﷺ فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزوا كشفنا. رواه أبو داود. قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: يرحم اللَّه نساء المهاجرات الأول، لما أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن (٥) فاختمرن بها. رواه

стр. 234

البخاري (١). انتهى من كتاب «المرأة المسلمة». ثالثًا: ١ - ما جاء في «روائع البيان» تحت عنوان: «طائفة من أقول المفسرين في وجوب ستر الوجه» . أولاً: قال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ أي: يغطين رءوسهن ووجوههن ليعلم أنهن حرائر، والمراد بالجلابيب: الأردية - قاله ابن قتيبة. ثانيًا: وقال أبو حيّان في «البحر المحيط»: وقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ شامل لجميع أجسادهن، أو المراد بقوله: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ أي: على وجوههن، لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه (٢). ثالثًا: وقال أبو السعود: الجلباب: ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء، تلويه المرأة على رأسها وتبقي منه ما ترسله على صدرها، ومعنى الآية: أي: يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن لداعية من الدواعي. وعن السّدي: تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين (٣). رابعًا: وقال أبو بكر الرازي (٤): وفي هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها على الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع فيهن أهل الريب (٥). خامسًا: وفي «تفسير الجلالين»: الجلابيب جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رءوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينًا واحدة ليعلم أنهن حرائر (٦). سادسًا: وفي تفسير الطبري: عن ابن سيرين أنه قال: سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ فرفع ملحفة كانت عليه فتقنّع بها وغطى بها رأسه كله حتى بلغ الحاجبين، وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر، وروي مثل ذلك عن ابن عباس ﵄ (٧). انتهى من «روائع البيان» للصابوني أثابه

стр. 235

اللَّه (١). ب- ما هي شروط الحجاب الشرعي: جاء في «روائع البيان» ما يلي: يشترط في الحجاب الشرعي بعض الشروط الضرورية وهي كالآتي: أولاً: أن يكون الحجاب ساترًا لجميع البدن لقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾. ثانيًا: أن يكون كثيفًا غير رقيق، لأن الغرض من الحجاب الستر، فإذا لم يكن ساترًا لا يسمّى حجابًا، لأنه لا يمنع الرؤية ولا يحجب النظر، وفي حديث عائشة أن (أسماء بنت أبى بكر) دخلت على رسول اللَّه ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول اللَّه ﷺ ... الحديث (٢). ثالثًا: ألاّ يكون زينة في نفسه، أو مبهرجًا ذا ألوان جذابة يلفت الأنظار لقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ الآية، ومعنى: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي: بدون قصد ولا تعمد، فإذا كان في ذاته زينة فلا يجوز ارتداؤه، ولا يسمى (حجابًا) لأن الحجاب هو الذي يمنع ظهور الزينة للأجانب. رابعًا: أن يكون فضفاضًا غير ضيق، لا يشف عن البدن، ولا يجسم العورة، ولا يظهر أماكن الفتنة في الجسم، وفي «صحيح مسلم» عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». وفي رواية أخرى: «وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام» (٣). رواه مسلم.

стр. 236

ومعنى قوله [ ﷺ ]: «كاسيات عاريات» أي كاسيات في الصورة عاريات في الحقيقة، لأنهن يلبسن ملابس لا تستر جسدًا، ولا تخفي عورة. والغرض من اللباس السترُ، فإذا لم يستر اللباس كان صاحبه عاريًا. خامسًا: ألا يكون الثوب معطرًا فيه إثارة للرجال لقوله ﵊ [قد تقدم شرح هذه النقطة]. سادسًا: ألا يكون الثوب فيه تشبه بالرجال، أو مما يلبسه الرجال، لحديث أبي هريرة: «لعن النبي ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل» (١). وفي الحديث: «لعن اللَّه المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء» (٢) أي: المتشبهات بالرجال في أزيائهن وأشكالهن كبعض نساء هذا الزمان. نسأل اللَّه السلامة والحفظ (٣) انتهى من «روائع البيان». جـ - شرطان آخران للحجاب الشرعي: اشترط بعض العلماء فوق ما تقدم: ١ - ألا يشبه لباس الكافرات. ٢ - ألا يكون لبس شهرة، لقول الرسول ﷺ : «من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه اللَّه ثوب مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه نارًا». أخرجه أبو داود وابن ماجه وإسناده حسن كما قال المنذري.

стр. 237

قال الشوكاني: والحديث يدل على تحريم لبس ثوب الشهرة، وليس هذا الحديث مختصًّا بنفس الثياب، بل قد يحصل ذلك لمن يلبس ثوبًا يخالف ملبوس الناس من الفقراء ليراه الناس فيتعجبوا من لباسه ويعتقدوه. قاله ابن رسلان. وإذا كان اللبس لقصد الاشتهار في الناس فلا فرق بين رفيع الثياب ووضيعها، والموافق لملبوس الناس والمخالف، لأن التحريم يدور مع الاشتهار، والمعتبر القصد وإن لم يطابق الواقع. اهـ. فائدة: جاء في «روائع البيان» يطلب من المسلم أن يُعَوِّد بناته منذ سن العاشرة على ارتداء الحجاب الشرعي حتى لا يصعب عليهن بعدُ ارتداؤه، وإن لم يكن الأمر على وجه (التكليف) وإنما هو على وجه (التأديب) قياسًا على أمر الصلاة «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» (١) انتهى من «روائع البيان». وفي كتاب «المرأة المسلمة» السالف ذكره من قبل: ويؤمران - أي الوالدان - بستر ابنتهما إذا بلغت أن تشتهى لما سبق، وقدر حد الشهوة في التاسعة عادة، وقدر حد المراهقة من الثانية عشرة عادة - وقد تقدم - وخاصة في المجتمعات المثيرة للشهوات. انتهى من «المرأة المسلمة». ويا حبذا لو عوَّد المسلم ابنته على الحجاب من صغرها حتى يكون من فطرتها. شبهتان والرد عليهما: ١ - روى البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ (أن أخاه الفضل كان رديفًا للنبي ﷺ في حجة الوداع فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر) قد يقال: إن في هذا دليلاً على كشف الوجه: أجاب ابن عثيمين ﵀ (وعن حديث ابن عباس بأنه لا دليل فيه على جواز النظر إلى الأجنبية، لأن النبي ﷺ لم يُقر الفضل على ذلك، بل حرف وجهه إلى الشق الآخر، ولذلك ذكر النووي في «شرح صحيح مسلم» من فوائد هذا الحديث تحريم نظر الأجنبية. وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» وفيه منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر، قال عياض: وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة قال: وعندي أن فعله ﷺ إذ غطى وجه الفضل كما في الرواية: فإن قيل: فلماذا لم يأمر النبي ﷺ المرأة

стр. 238

بتغطية وجهها؟ فالجواب: أن الظاهر أنها كانت محرمة والمشروع في حقها ألا تغطي وجهها إذا لم يكن أحد ينظر إليها من الأجانب، أو يقال: لعل النبي ﷺ أمرها بعد ذلك، فإن عدم نقل أمره بذلك لا يدل على عدم الأمر، إذ عدم النقل ليس نقلاً للعدم، وروى مسلم وأبو داود عن جرير عبد اللَّه البجلي ﵁ قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن نظر الفجأة فقال: «اصرف بصرك» أو قال: فأمرني أن أصرف بصري اهـ. ٢ - ما أخرجه البخاري وغيره من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ في صلاة النبي ﷺ بالناس صلاة العيد: ثم وعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى إذا أتى النساء فوعظهن وذكرهن وقال: يا معشر النساء تصدقن فإنكن أكثر حطب جهنم، فقامت امرأة سَفْعَاء (١) الخدين ... الحديث. قال ابن عثيمين أثابه اللَّه تعالى ردًّا على من يقول: ولولا أن وجهها مكشوف ما عرف أنها سَفْعَاء الخدين. قال: (وعن حديث جابر بأن لم يذكر متى كان ذلك، فإما أن تكون هذه المرأة من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا فكشف وجهها مباح، ولا يمنع وجوب الحجاب على غيرها، أو أن يكون قبل نزول آية الحجاب فإنها كانت في سورة الأحزاب سنة خمس أو ست من الهجرة. وصلاة العيد شرعت في السنة الثانية من الهجرة) اهـ.

стр. 239

من أقوال الشعراء في الإسلام: ١ - يا أخت سابغة البرا ... قع في الأباطح والوعور قرى فديتك حيث لا ... تؤذيك لافحة الهجير ودعي الجنوح إلى السفور ... وخففي ألم العشير النمر لو لزم الشرى ... من كان يطمع في النمور والطير تأخذها شباك ... الصيد في ترك الوكور ٢ - قالوا ارفعى عنك الحجابا ... أو ما كفاك به احتجابا؟ واستقبلي عهد السفور ... اليوم واطرحي النقابا عهد الحجاب لقد تبا ... عد يومه عنا وغابا فأجبتهم والضحك ملء ... فمي ولم أعدم جوابا مهلاً فما هذا الذي ... قد غركم إلا سرابا أو لا ترون الغرب كيـ ... ـف غدا الرجال به ذئابا أو لا ترون به عرى الـ ... أخلاق تنشعب انشعابا كم نظرة للوجه تو ... رث في الحشا جمرًا مذابا إن ترغبوا لنسائكم ... صونًا وعيشًا مستطابا فدعوا السفور لأهله ... وارخوا عليهن النقابا ٣ - وإذا أراد اللَّه نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار في ما جاورت ... ما كان يعرف طيب عَرف (١) العود استئذان الأقارب بعضهم على بعض: قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاء ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَالْقَوَاعِدُ مِنَ

стр. 240

النِّسَاء اللاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٥٨ - ٦٠]. جاء في «مختصر تفسير ابن كثير» ما مختصره: قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: (هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض، فأمر اللَّه تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أحوال: الأول: من قبل صلاة الغداة لأن الناس إذ ذاك يكونون نيامًا في فرشهم ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ﴾ أي: في وقت القيلولة؛ لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله، ﴿وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاء﴾؛ لأنه وقت النوم فيؤمر الخدم والأطفال أن لا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال، لما يخشى من أن يكون الرجل على أهله أو نحو ذلك من الأعمال؛ ولهذا قال: ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي: إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال، فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم، ولا عليهم إن رأوا شيئًا في غير تلك الأحوال، ولأنهم طوافون عليكم أي في الخدمة وغير ذلك، وما يدل على أنها محكمة لم تنسخ قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث إذا بلغوا الحلم، وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث. قال الأوزاعي: إذا كان الغلام رباعيًا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال، وقال في قوله: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني: كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه، وقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء﴾ هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد ﴿اللآتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لم يبق لهن تشوف إلى التزوج، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي ليس عليهن من الحرج في التستر كما على غيرهن من النساء، قال ابن مسعود في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال: الجلباب أو الرداء، وقال أبو صالح: تضع الجلباب وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار، وقال سعيد بن جبير في الآية: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يقول: لا يتبرجن بوضع الجلباب ليرى ما عليهن من الزينة. عن أم الضياء أنها قالت: دخلت على عائشة ﵂ فقلت: يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب والنفاض والصباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذهب وثياب الرقاق؟ فقالت:

стр. 241

يا معشر النساء قصتكن كلها واحدة، أحل اللَّه لكن الزينة غير متبرجات (١)، أي: لا يحل لكن أن يروا منكن محرمًا. وقوله: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ أي: وترك وضعهن لثيابهن وإن كان جائزًا، خير وأفضل لهن، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾). انتهى من «مختصر ابن كثير». أحكام العورة بين المحارم: جاء في كتاب «المرأة المسلمة» للشيخ وهبي غاوجي أثابه اللَّه تعالى. (قد عرفنا أن المرأة في حق الأجنبي عورة مستورة، لا تبدي له شيئًا من بدنها ولا وجهها وكفيها. فما عورتها في حق زوجها ومحارمها؟ ١ - العورة بين الزوجين: لا عورة بين الرجل وزوجته، فيحل له أن ينظر منها إلى كل شيء، ويحل لها أن تنظر منه إلى كل شيء، وإن كان يستحب أن لا يتجردا تجرد العيرين حين يكونان معًا. قال ﷺ : «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». رواه الخمسة (٢). ٢ - العورة بين الأولاد وأبويهم: ينظر الأولاد إلى أبيهم فيما عدا ما بين السرة والركبة، فلا يحل للرجل أن يظهر فخذيه بقصد بين يدي أولاده ذكورًا كانوا أو إناثًا. وينظر الأولاد إلى أمهم كما ينظرون إلى أبيهم، وينظرون إلى صدرها، دون ظهرها على المختار، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم﴾ أي: يقول أحدهم لزوجته: أنت علي كظهر أمي، يحرمُها بذلك على نفسه). اهـ من كتاب «المرأة المسلمة». وجاء في كتاب «فقه النظر في الإسلام» لمحمد أديب كلكل رحمه اللَّه تعالى (ص٩٥: ٩٩): (كل امرأة تحرم على الرجل حرمة مؤبدة فهي من ذوات محارمه، وكل رجل حرم على المرأة الزواج منه حرمة مؤبدة فهو من ذوي محارمها. ونظر الرجل إلى ذوات محارمه بنسب أو رضاع (كالأم وإن علت، والبنت وإن

стр. 242

سفلت، والأخت من أي جهة، والعمة، والخالة، وبنت الأخت، وبنت الأخ، أو مصاهرة: (كزوجة الأب وإن علا، وزوجة الابن وإن سفل، وأم الزوجة ولو قبل الدخول بهن، وبنت الزوجة إذا دخل بأمها؛ لأن العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم على البنات). فنظره يجوز إلى ما عدا ما بين السرة والركبة، لكن بغير شهوة؛ لأن النظر بشهوة حرام حتى فيما عدا ما بين السرة والركبة كما في شرح النووي لصحيح مسلم. بل هو حرام لكل ما لا يباح الاستمتاع به ولو حيوانًا أو جمادًا. وقيل: إنما يحل نظر ما يبدو منها في المهنة فقط؛ لأن غيره لا ضرورة إلى النظر إليه سواء المحرم بالنسب والمصاهرة والرضاع، وقيل لا ينظر بالمصاهرة والرضاع إلا إلى البادي في المهنة، والصحيح الأول، ولكن الثاني أسلم وأحوط. والمراد بما يبدو في المهنة: الوجه، والرأس، والعنق، واليد إلى المرفق، والرجل إلى الركبة. والمهنة: بفتح الميم وكسرها: الخدمة، وهل الثدي زمن الإرضاع مما يبدو عند المهنة؟ فيه وجهان عند الشافعية وفي حاشية الدسوقي من كتب المالكية: « .... ولا يجوز للرجل أن يرى من المرأة التي من محارمه صدرها ولا ظهرها ولا ثديها ولا ساقها وإن لم يلتذ بخلاف الأطراف من عنق ورأس وظهر قدم إلا أن يخشى لذة فيحرم لا لكونه عورة». اهـ. وفي «المغني» لابن قدامة المقدسي من كتب الحنابلة: «ويجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبًا كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك، وليس له النظر إلى ما يستتر غالبًا كالصدر والظهر ونحوهما». اهـ. وفي «الهدية العلائية» من كتب الحنفية: « .... ومن محرمه إلى الرأس والوجه والصدر والساق والعضد إن أمن شهوته وشهوتها وإلا لا، لا إلى الظهر والبطن والفخذ وما يتبعهما من نحو الفرجين والأليتين والركبتين». اهـ. وأما النظر إلى السرة والركبة فيجوز لأنهما ليس من العورة بالنسبة لنظر المحرم. قال النووي في «شرح صحيح مسلم»: «السرة والركبة فيهما ثلاثة أوجه لأصحابنا، أصحها: ليستا بعورة، والثاني: هما عورة، الثالث: السرة عورة دون الركبة». اهـ. وقال مالك: السرة ليست بعورة، وعند أبي حنيفة: الركبة عورة، وهو قول عطاء. ونظر المرأة إلى محرمها كعكسه - لأن المحرمية معنى يوجب حرمة المناكحة - فكانا كالرجلين والمرأتين فتنظر منه ما عدا ما بين سرته وركبته.

стр. 243

يقول العلامة أبو بكر بن العربي في كتابه «أحكام القرآن»: إن حكم الرجل مع النساء على ثلاثة أقسام: الأول: من يجوز له نكاحها. الثاني: من لا يحل له نكاحها ولا لابنه كالأخ والجد والحفيد. الثالث: من لا يحل له نكاحها، ويجوز لولده كالعم والخال بحسب منزلتهم في الحرمة. فمن كان يجوز له نكاحها لم يحل له رؤية شيء منها، ومن لا يحل له نكاحها ويجوز لولده [كالعم والخال] جاز له رؤية وجهها وكفيها خاصة، ولم يحل له رؤية زينتها، ومن لا يحل له ولا لولده جاز الوضع لجلبابها ورؤية زينتها). اهـ. فيحرم على الرجل إذن أن يرى ابنته، أو أخته، أو أمه، أو خالته، أو عمته، أو إحدى محارمه وقد ارتدت تلك الثياب القصيرة التي ارتفعت إلى ما فوق الركبتين، وكشفت عن الفخذين، وأبدت ما حول السوءتين، والتي ملؤها الإغراء والفتنة. ويحرم عليه تمكينهن من ارتدائها أو ارتداء ثوب يصف أو يشف، ويحرم عليه أيضًا أن يخلو بابنته أو أخته أو إحدى محارمه إذا لم يأمن الشهوة وخاف الفتنة، وبالأخص في مثل هذا العصر حيث الشهوات العارمة، والغرائز المتوثبة. قال القرطبي في «تفسيره»: «لقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه، أو أخته، وزمانه خير من زماننا - هذا كلام القرطبي - وحرم على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمه نظر شهوة يريدها». اهـ. ويحرم على المرأة أن ترى ذلك - بين السرة والركبة - من أحد محارمها، ولو كان ابنها، أو أخاها، أو ابنتها، وإن أمنت الفتنة ولم تخف الشهوة ولو من أجل خلع الثياب والتغسيل والتدليك في الحمام ... ). اهـ من كتاب «فقه النظر». فائدة: بمناسبة النهي عن لبس المرأة الثياب الضيقة جاء في كتاب «فقه النظر» (ص ١٧٠): قال مالك ﵁: بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ نهى النساء عن لبس القباطي، قال: وإن كانت لا تشف فإنها تصف. قال ابن رشد ﵀: القباطي: ثياب ضيقة ملتصقة بالجسد لضيقها فتبدي تخانة جسم لابسها من نحافته، وتصف محاسنه وتبدي ما يستحسن مما لا يستحسن). اهـ من «فقه النظر». قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] فإن إبليس لعنه اللَّه

стр. 244

يزين للمرأة الشابة لبس الثياب الضيقة لإظهار محاسنها، ويأتي إلى المرأة المسنة أو التي دونها ويزين لها لبس الثياب الضيقة أيضًا، لإظهار أنها شابة وهي ليست كذلك، ولا نجاة منه إلا بالإخلاص والالتجاء إلى اللَّه تعالى، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا. ونعود إلى تكملة الكلام عن أحكام العورة بين المحارم من كتاب «المرأة المسلمة»: ٣ - العورة بين المرأة والمرأة: تنظر المرأة المسلمة إلى المرأة المسلمة فيما سوى ما بين السرة والركبة من الساق، والصدر والعنق، وقد اتفق العلماء على أن الأحاديث التي حددت عورة الرجل من الرجل هي نفسها بيان لعورة المرأة من المرأة. قال ﷺ : «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة» (١)، فلا يحل للمرأة المسلمة أن تبدي فخذيها أمام المرأة المسلمة، كما لا يحل ذلك بين الأم وأولادها، ولا بين الأخوات وأخواتهن أو إخوانهن. فلبس المرأة الثوب القصير عن الركبة ولو كان في بيتها وبين أولادها إثم، وتكون بذلك قدوة سوء! بل كشفها شيئًا من ذلك أمام أولادها في الحمام أو عند خلع الثياب إثم لا يسوغ شرعًا إلا لضرورة. أما المرأة الفاجرة: فلا يحل للمسلمة أن تبدي أمامها زينتها وصدرها، لأنها قد تصفها عند الفاجرات والفجار، وقد يلحق ذلك بالمسلمة تهمة. أما الكافرة: فهي كالرجل الأجنبي لا ينبغي أن تتكشف المرأة المسلمة أمامها إلا لحاجة. قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ .... ﴾: يعني تظهر زينتها أيضًا للنساء المسلمات دون أهل الذمة؛ لئلا يصفنهن لرجالهن، وذلك وإن كان محذورًا في جميع النساء - أي الوصف - إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد؛ فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، فأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه. وقد قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» (٢). أما غير المحارم من الأقارب كابن العم وبنت العم، وابن الخال وبنت الخال، فحكمهم حكم الأجانب الغرباء لجواز الزواج بينهم.

стр. 245

والقرابة عن طريق الرضاعة، والقرابة عن طريق المصاهرة كالقرابة النسبية في أحكام العورة. أحكام الصغير الأجنبي: يختلف حكم نظر الطفل الأجنبي إلى النساء ودخوله عليهن قبل المراهقة عما بعد المراهقة إلى البلوغ، ففي سن ما قبل المراهقة يجوز للصغير الدخول على النساء والنظر إلى زينتهن الباطنة كالشعر والعنق والصدر والعضد والساعد والساق والقدم (لا الفخذ والبطن والثدي). أما إذا راهق الحُلُم فقد أصبح من حيث النظر إلى الزينة الباطنة في حكم البالغ، فيمنع من النظر وتمنع المرأة من إبداء شيء من زينتها أمامه، وإن كان لا يمنع من الدخول على النساء بشرط أن لا يرى منهن سوى الوجه والكفين، أما إذا بلغ فقد حرم عليه النظر والدخول معًا، لأنه أصبح رجلاً، قال ﷺ : «إياكم والدخول على النساء» قال رجل من الأنصار: أرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت». ويؤمر الوالدان بستر ولدهما إذا بلغ أن يُشتهى. فيستران فخذي ولدهما ولا يأذنان له بكشف فخذيه بين أحد من أهله فضلاً عن الأجانب حفظًا له، وتعليمًا على رعاية أحكام الإسلام) (١). اهـ من كتاب «المرأة المسلمة». وجاء في كتاب «فقه النظر»: أما الصبي فإن كان: أ- مراهقًا، وهو من قارب البلوغ، فهو كالبالغ على الأصح ومعنى حرمة النظر في المراهق مع أنه غير مكلف أنه يحرم على وليه تمكينه منه، ولا حكم يتعلق بفعل غير المكلف، ويحرم على المرأة أن تتكشف أمامه أو تنظر إليه. ب- غير مراهق ولكنه يقدر على حكاية ما يراه بشهوة ويفرق بين الشوهاء والحسناء فهو كالبالغ أيضًا ومعنى الحرمة فيه كما ذكر. جـ- قادرًا على حكاية ما يراه من غير شهوة فهو كالمحرم. د- غير قادر على حكاية ما يراه من أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن فهو كالعدم فلا بأس بدخوله على النساء). اهـ.

стр. 246

الباب الحادي عشر: حكم عمل المرأة خارج البيت أولاً: قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية: الصلاة في المسجد بشرطه كما قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه وليخرجن وهن تفلات» (١) (غير متطيبات) وفي رواية: «وبيوتهن خير لهن»، وروى الحافظ البزار عن أنس ﵁ قال: جئن النساء إلى رسول اللَّه ﷺ وقلن: يا رسول اللَّه ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل اللَّه تعالى، فما لنا من عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل اللَّه تعالى؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : «من قعدت - أو كلمة نحوها - منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل اللَّه تعالى» (٢)، وعن النبي ﷺ قال: «إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها» أخرجه الحافظ البزار والترمذي. وفي الحديث: «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها» (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾. قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال فذلك تبرج الجاهلية الأولى. وقال قتادة: كانت لهن مشية وتَكَسُّر وتغنج فنهى اللَّه عن ذلك. وقال مقاتل: التبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها وذلك التبرج ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج (٤). انتهى. اللَّه أكبر، إن جلوس المرأة المؤمنة بين جدران بيتها لا يقل عند اللَّه تعالى عن الجلوس بين جدران بيت اللَّه الحرام، وإن سعيها في مخدعها ومطبخها لا يقل عند اللَّه تعالى عن السعي بين الصفا والمروة. وإن جلوس المرأة المؤمنة في بيتها بمثابة عدّاد يعد الحسنات، فإذا خرجت من بيتها، توقف هذا العداد، اللهم إلا إذا كان خروجها لحاجة يقرها الشرع الحنيف. أما إذا خرجت لغير حاجة فإنه قد يعقب توقف عداد الحسنات دوران عداد

стр. 247

السيئات. إن المرأة المؤمنة التي تَقَرُّ في بيتها تثاب من ناحيتين: من ناحية امتثالها لأمر اللَّه تعالى بالقرار في البيت، ومن ناحية عدم إيذائها للمسلمين. سبحان اللَّه! وكأن اللَّه تعالى يسأل ملائكته عن إمائه المؤمنات - وهو أعلم بهن - يا ملائكتي، كيف وجدتم إمائي؟ وكأنهم يقولون: يا رب أتيناهن وهن في البيوت وتركناهن وهن في البيوت. أمان المرأة: قد تقول امرأة: إنني أريد أن أؤمن مستقبلي ويكون لدي مصروف مستقل؟ سبحان اللَّه! إن أمان المرأة في أن ينفق عليها زوجها، ويزول هذا الأمان بإنفاق المرأة على نفسها، في غير الحالات التي تبيح للمرأة العمل خارج بيتها، والتي يأتي الكلام عنها إن شاء اللَّه تعالى. فالمرأة المؤمنة تجد العزة في الذلة لزوجها في طاعة اللَّه، وتجد الغنى في إنفاق زوجها عليها، ولو كان لا يملك إلا دقل التمر، وتجد الهواء الطلق في نفس أولادها، ورائحة طبيخها. ولا تعجب من ذلك فإن خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه تعالى من رائحة المسك .. احترسي أيتها الأخت المؤمنة، فإن الشيطان قد يزخرف لك قائلاً: إذا طلقت، فأين لك بالمال؟ وهنا أجيب عليك بسؤال، وهو: هل عندك الآن في البيت صيدلية فيها كل الأدوية التي تصلح لعلاج كل الأمراض، أم أنه عندما يأتيك المرض تحضرين الدواء؟ إذن لماذا تبحثين عن هذا الأمر قبل وقوعه؟ وإذا أثارت المرأة هذا السؤال فإنها بذلك تكون أساءت الظن بربها. وفي «الصحيحين» عن رب العزة جل شأنه: «أنا عند ظن عبدي بي» فمن ظن بربه ظنًّا حسنًا وجد اللَّه تعالى عند حسن ظنه به، ومن ظن غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. القوامة: قال اللَّه تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. قال ابن كثير (١) رحمه اللَّه تعالى في تفسير هذه الآية: يقول تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ أي: الرجل قيم على المرأة، أي: هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة ولهذا كانت النبوة مختصة

стр. 248

بالرجال، وكذلك الملك الأعظم لقوله ﷺ : «لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري، وكذا منصب القضاء وغير ذلك ﴿وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها اللَّه عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيّمًا عليها كما قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، وقال ابن عباس: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ يعني: أمراء عليهن، أي: تطيعه فيما أمرها اللَّه به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله. انتهى من ابن كثير. وفي «صفوة التفاسير»: ورد النظم الكريم ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ولو قال: بتفضيلهم عليهن، لكان أخصر وأوجز، ولكن التعبير ورد بتلك الصيغة لحكمة جليلة وهي إفادة أن المرأة من الرجل بمنزلة عضو من جسم الإنسان وكذلك العكس، فالرجل بمنزلة الرأس، والمرأة بمنزلة البدن، ولا ينبغي أن يتكبر عضو على عضو، فالأذن لا تغني عن العين، واليد لا تغني عن القدم، ولا عار على الشخص أن يكون قلبه أفضل من معدته ورأسه أشرف من يده، فالكل يؤدي دوره بانتظام، ولا غنى لواحد عن الآخر، وهذا هو سر التعبير بقوله: ﴿بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فظهر أن الآية في نهاية الإيجاز والإعجاز (١). انتهى من «صفوة التفاسير». لا تكلف المرأة بشيء من الإنفاق: وجاء في كتاب «المرأة المسلمة» للشيخ وهبي غاوجي: ولا تكلف المرأة بشيء من الإنفاق، أمًّا كانت أو أختًا، بنتًا كانت أو زوجة، قادرة على العمل أو عاجزة عنه، غنية كانت الزوجة أو فقيرة، كان زوجها قادرًا على العمل أو عاجزًا عنه، غنيًا كان أو فقيرًا، بل ذكر الفقهاء أن الزوج غير القادر على العمل أو غير الواجد له وهو فقير يكلف بالسؤال لينفق على زوجته، ولا يكلف بذلك من أجل أمه، فإن الزوجة زوجته فقط والأم أمٌّ له ولأخوته، أما الأم والأخت إن كانتا غنيتين فتنفقان على أنفسهما من مالهما، وإذا افتقرتا كان على الولد والأخ الإنفاق عليهما ولا تكلفان بالعمل مع قدرتهما عليه (٢). انتهى من كتاب «المرأة المسلمة».

стр. 249

تنبيه: حتى لا يساء معنى السؤال في حالة عدم القدرة على العمل أو عدم وجوده، فإليك مختصر ما جاء في «مختصر منهاج القاصدين» في هذا الشأن: تحريم السؤال من غير ضرورة: اعلم أنه قد ورد في السؤال أحاديث في النهي عنه، وفي الترخيص فيه. أما الترخيص: فكقوله ﷺ : «للسائل حق وإن جاء على فرس» أخرجه أحمد وجوده الحافظان العراقي والسخاوي وغيرهما (١). ولو كان السؤال حرامًا، لما جاز إعانة المعتدي على عدوانه، والإعطاء إعانة. وأما أحاديث النهي عن السؤال: فقد قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى اللَّه وليس في وجهه مزعة لحم» أخرجاه في «الصحيحين». وكشف الغطاء في هذا أن نقول: السؤال في الأصل حرام، لأنه لا ينفك عن ثلاثة أمور: أحدها: الشكوى. والثاني: إذلال نفسه، وما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه. والثالث: إيذاء المسئول غالبًا، وإنما يباح السؤال في حالة الضرورة والحاجة المهمة القريبة من الضرورة. أما المضطر، فهو كسؤال الجائع عند خوفه على نفسه موتًا أو مرضًا. وأما المحتاج حاجة مهمة فهو كمن وجد الخبز وهو محتاج إلى الأدم، فله أن يسأل مع الكراهة (٢). انتهى من «مختصر منهاج القاصدين».

стр. 250

ونعود مرة أخرى إلى حكم عمل المرأة خارج البيت، فنقول وباللَّه التوفيق: سبحان اللَّه! إن البيوت بدون الأمهات الصالحات قبور، سبحان اللَّه! بيت بلا زوجة كمسجد لا تقام في صلاة. سبحان اللَّه! لو علمت المرأة ثواب جلوسها في بيتها ما خرجت من بيتها إلا ثلاث مرات: مرة من بيت أبيها إلى بيت زوجها، ومرة من بيتها إلى البيت الحرام لأداء فريضة ربها، ومرة من مكان موتها إلى قبرها. ثالثًا: جاء في كتاب «المرأة المسلمة» لفضيلة الشيخ وهبي غاوجي ما مختصره: قال أثابه اللَّه: قد عرفنا طبيعة المرأة ووظيفتها في الحياة الاجتماعية، وعرفنا آداب خروجها من البيت وصفة ثيابها في ذلك، وضرورة بعدها عن مخالطة الرجال ولو كان في الطريق، أو المسجد والطواف حول الكعبة. وعرفنا حرمة اختلائها بالرجال، وحرمة سفرها وحدها، أو مع غير زوج أو محرم، وعرفنا كذلك أنها تقيم في بيتها لا تخرج إلا لحاجة، وليس حاجتها طلب الرزق فإنها مكفية الرزق من والدها أو زوجها أو أخيها أو ابنها، أو قريبها. وعرفنا كذلك أن لها أن تعمل في مساعدة زوجها أو أبيها في الخياطة والتطريز وغير ذلك، وأن تتاجر بمالها لأن لها الشخصية المستقلة. وعرفنا كذلك أنها مشغولة دائمًا بالعناية بأولادها وبيتها وزوجها، وهي - لعمر اللَّه - أعمال تتناسب مع فطرتها، وتقتضيها طبيعة مشاركة الرجل في أمور الحياة. وهي في هذا كله لا تجد حاجة تدعوها إلى الخروج من البيت لتعمل، فإنما هي ضرورة - والضرورة تقدر بقدرها - فتخرج مراعية الشروط التالية: ١ - إذن وليها من أب أو زوج لها في الخروج للعمل. ٢ - سلامتها من الاختلاط والخلوة بالأجنبي، وقد عرفنا حرمة ذلك شرعًا، وذلك لما قد ينتج عنه من آثار سيئة في النفوس والأخلاق بل من الفساد في الأعراض. ٣ - خروج المرأة من بيتها على الزي الإسلامي من جلباب سابغ وستر للوجه والكفين إلخ (١) [على التفصيل الذي تقدم في حكم تغطية وجه المرأة]. ونتساءل: هل من حاجة عامة لخروج المرأة من بيتها للعمل؟ وهل من فائدة عامة في ذلك؟ ثم هل ثمة خسارة في خروجها من البيت إلى العمل خارجه (٢)؟
следующие страницы →