الباب الحادي عشر: حكم عمل المرأة خارج البيت
أولاً: قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية: الصلاة في المسجد بشرطه كما قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه وليخرجن وهن تفلات» (١) (غير متطيبات) وفي رواية: «وبيوتهن خير لهن»، وروى الحافظ البزار عن أنس ﵁ قال: جئن النساء إلى رسول اللَّه ﷺ وقلن: يا رسول اللَّه ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل اللَّه تعالى، فما لنا من عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل اللَّه تعالى؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : «من قعدت - أو كلمة نحوها - منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل اللَّه تعالى» (٢)، وعن النبي ﷺ قال: «إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها» أخرجه الحافظ البزار والترمذي. وفي الحديث: «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها» (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾. قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال فذلك تبرج الجاهلية الأولى. وقال قتادة: كانت لهن مشية وتَكَسُّر وتغنج فنهى اللَّه عن ذلك. وقال مقاتل: التبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها وذلك التبرج ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج (٤). انتهى.
اللَّه أكبر، إن جلوس المرأة المؤمنة بين جدران بيتها لا يقل عند اللَّه تعالى عن الجلوس بين جدران بيت اللَّه الحرام، وإن سعيها في مخدعها ومطبخها لا يقل عند اللَّه تعالى عن السعي بين الصفا والمروة. وإن جلوس المرأة المؤمنة في بيتها بمثابة عدّاد يعد الحسنات، فإذا خرجت من بيتها، توقف هذا العداد، اللهم إلا إذا كان خروجها لحاجة يقرها الشرع الحنيف. أما إذا خرجت لغير حاجة فإنه قد يعقب توقف عداد الحسنات دوران عداد
стр. 247
السيئات.
إن المرأة المؤمنة التي تَقَرُّ في بيتها تثاب من ناحيتين: من ناحية امتثالها لأمر اللَّه تعالى بالقرار في البيت، ومن ناحية عدم إيذائها للمسلمين. سبحان اللَّه! وكأن اللَّه تعالى يسأل ملائكته عن إمائه المؤمنات - وهو أعلم بهن - يا ملائكتي، كيف وجدتم إمائي؟ وكأنهم يقولون: يا رب أتيناهن وهن في البيوت وتركناهن وهن في البيوت.
أمان المرأة:
قد تقول امرأة: إنني أريد أن أؤمن مستقبلي ويكون لدي مصروف مستقل؟
سبحان اللَّه! إن أمان المرأة في أن ينفق عليها زوجها، ويزول هذا الأمان بإنفاق المرأة على نفسها، في غير الحالات التي تبيح للمرأة العمل خارج بيتها، والتي يأتي الكلام عنها إن شاء اللَّه تعالى.
فالمرأة المؤمنة تجد العزة في الذلة لزوجها في طاعة اللَّه، وتجد الغنى في إنفاق زوجها عليها، ولو كان لا يملك إلا دقل التمر، وتجد الهواء الطلق في نفس أولادها، ورائحة طبيخها. ولا تعجب من ذلك فإن خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه تعالى من رائحة المسك .. احترسي أيتها الأخت المؤمنة، فإن الشيطان قد يزخرف لك قائلاً: إذا طلقت، فأين لك بالمال؟ وهنا أجيب عليك بسؤال، وهو: هل عندك الآن في البيت صيدلية فيها كل الأدوية التي تصلح لعلاج كل الأمراض، أم أنه عندما يأتيك المرض تحضرين الدواء؟ إذن لماذا تبحثين عن هذا الأمر قبل وقوعه؟ وإذا أثارت المرأة هذا السؤال فإنها بذلك تكون أساءت الظن بربها. وفي «الصحيحين» عن رب العزة جل شأنه: «أنا عند ظن عبدي بي» فمن ظن بربه ظنًّا حسنًا وجد اللَّه تعالى عند حسن ظنه به، ومن ظن غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
القوامة:
قال اللَّه تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. قال ابن كثير (١) رحمه اللَّه تعالى في تفسير هذه الآية: يقول تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ أي: الرجل قيم على المرأة، أي: هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة ولهذا كانت النبوة مختصة
стр. 248
بالرجال، وكذلك الملك الأعظم لقوله ﷺ : «لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري، وكذا منصب القضاء وغير ذلك ﴿وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها اللَّه عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيّمًا عليها كما قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، وقال ابن عباس: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ يعني: أمراء عليهن، أي: تطيعه فيما أمرها اللَّه به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله. انتهى من ابن كثير.
وفي «صفوة التفاسير»: ورد النظم الكريم ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ولو قال: بتفضيلهم عليهن، لكان أخصر وأوجز، ولكن التعبير ورد بتلك الصيغة لحكمة جليلة وهي إفادة أن المرأة من الرجل بمنزلة عضو من جسم الإنسان وكذلك العكس، فالرجل بمنزلة الرأس، والمرأة بمنزلة البدن، ولا ينبغي أن يتكبر عضو على عضو، فالأذن لا تغني عن العين، واليد لا تغني عن القدم، ولا عار على الشخص أن يكون قلبه أفضل من معدته ورأسه أشرف من يده، فالكل يؤدي دوره بانتظام، ولا غنى لواحد عن الآخر، وهذا هو سر التعبير بقوله: ﴿بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فظهر أن الآية في نهاية الإيجاز والإعجاز (١). انتهى من «صفوة التفاسير».
لا تكلف المرأة بشيء من الإنفاق:
وجاء في كتاب «المرأة المسلمة» للشيخ وهبي غاوجي: ولا تكلف المرأة بشيء من الإنفاق، أمًّا كانت أو أختًا، بنتًا كانت أو زوجة، قادرة على العمل أو عاجزة عنه، غنية كانت الزوجة أو فقيرة، كان زوجها قادرًا على العمل أو عاجزًا عنه، غنيًا كان أو فقيرًا، بل ذكر الفقهاء أن الزوج غير القادر على العمل أو غير الواجد له وهو فقير يكلف بالسؤال لينفق على زوجته، ولا يكلف بذلك من أجل أمه، فإن الزوجة زوجته فقط والأم أمٌّ له ولأخوته، أما الأم والأخت إن كانتا غنيتين فتنفقان على أنفسهما من مالهما، وإذا افتقرتا كان على الولد والأخ الإنفاق عليهما ولا تكلفان بالعمل مع قدرتهما عليه (٢). انتهى من كتاب «المرأة المسلمة».
стр. 249
تنبيه:
حتى لا يساء معنى السؤال في حالة عدم القدرة على العمل أو عدم وجوده، فإليك مختصر ما جاء في «مختصر منهاج القاصدين» في هذا الشأن: تحريم السؤال من غير ضرورة: اعلم أنه قد ورد في السؤال أحاديث في النهي عنه، وفي الترخيص فيه. أما الترخيص: فكقوله ﷺ : «للسائل حق وإن جاء على فرس» أخرجه أحمد وجوده الحافظان العراقي والسخاوي وغيرهما (١). ولو كان السؤال حرامًا، لما جاز إعانة المعتدي على عدوانه، والإعطاء إعانة.
وأما أحاديث النهي عن السؤال: فقد قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى اللَّه وليس في وجهه مزعة لحم» أخرجاه في «الصحيحين». وكشف الغطاء في هذا أن نقول: السؤال في الأصل حرام، لأنه لا ينفك عن ثلاثة أمور:
أحدها: الشكوى.
والثاني: إذلال نفسه، وما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.
والثالث: إيذاء المسئول غالبًا، وإنما يباح السؤال في حالة الضرورة والحاجة المهمة القريبة من الضرورة. أما المضطر، فهو كسؤال الجائع عند خوفه على نفسه موتًا أو مرضًا. وأما المحتاج حاجة مهمة فهو كمن وجد الخبز وهو محتاج إلى الأدم، فله أن يسأل مع الكراهة (٢). انتهى من «مختصر منهاج القاصدين».
стр. 250
ونعود مرة أخرى إلى حكم عمل المرأة خارج البيت، فنقول وباللَّه التوفيق:
سبحان اللَّه! إن البيوت بدون الأمهات الصالحات قبور، سبحان اللَّه! بيت بلا زوجة كمسجد لا تقام في صلاة. سبحان اللَّه! لو علمت المرأة ثواب جلوسها في بيتها ما خرجت من بيتها إلا ثلاث مرات: مرة من بيت أبيها إلى بيت زوجها، ومرة من بيتها إلى البيت الحرام لأداء فريضة ربها، ومرة من مكان موتها إلى قبرها.
ثالثًا: جاء في كتاب «المرأة المسلمة» لفضيلة الشيخ وهبي غاوجي ما مختصره:
قال أثابه اللَّه: قد عرفنا طبيعة المرأة ووظيفتها في الحياة الاجتماعية، وعرفنا آداب خروجها من البيت وصفة ثيابها في ذلك، وضرورة بعدها عن مخالطة الرجال ولو كان في الطريق، أو المسجد والطواف حول الكعبة.
وعرفنا حرمة اختلائها بالرجال، وحرمة سفرها وحدها، أو مع غير زوج أو محرم، وعرفنا كذلك أنها تقيم في بيتها لا تخرج إلا لحاجة، وليس حاجتها طلب الرزق فإنها مكفية الرزق من والدها أو زوجها أو أخيها أو ابنها، أو قريبها.
وعرفنا كذلك أن لها أن تعمل في مساعدة زوجها أو أبيها في الخياطة والتطريز وغير ذلك، وأن تتاجر بمالها لأن لها الشخصية المستقلة.
وعرفنا كذلك أنها مشغولة دائمًا بالعناية بأولادها وبيتها وزوجها، وهي - لعمر اللَّه - أعمال تتناسب مع فطرتها، وتقتضيها طبيعة مشاركة الرجل في أمور الحياة.
وهي في هذا كله لا تجد حاجة تدعوها إلى الخروج من البيت لتعمل، فإنما هي ضرورة - والضرورة تقدر بقدرها - فتخرج مراعية الشروط التالية:
١ - إذن وليها من أب أو زوج لها في الخروج للعمل.
٢ - سلامتها من الاختلاط والخلوة بالأجنبي، وقد عرفنا حرمة ذلك شرعًا، وذلك لما قد ينتج عنه من آثار سيئة في النفوس والأخلاق بل من الفساد في الأعراض.
٣ - خروج المرأة من بيتها على الزي الإسلامي من جلباب سابغ وستر للوجه والكفين إلخ (١) [على التفصيل الذي تقدم في حكم تغطية وجه المرأة].
ونتساءل: هل من حاجة عامة لخروج المرأة من بيتها للعمل؟ وهل من فائدة عامة في ذلك؟ ثم هل ثمة خسارة في خروجها من البيت إلى العمل خارجه (٢)؟
стр. 251
أ- يقول بعضهم: إن عمل المرأة خارج البيت - ولا يعدون عملها في البيت عملاً، مع أنهم يجلبون الخادمات للعمل في بيوتهم - يساعد على التقدم الاجتماعي وزيادة الإنتاج.
لكن خروج المرأة من البيت لتعمل خارجه يعني:
١ - إهمال الأطفال من العطف والرعاية ولا شك أن عملية التربية تقوم على الحب والصدق والملاحظة وطول الزمن، وبدون ذلك لا تتحقق التربية، ومحاضن الرضع وأعشاش الأطفال عند الآخرين تظهر - لمن يريد أن يرى ويعلم - أنها لا تحقق للأطفال ما يتحقق لهم في بيوتهم؛ لأن المربية في المحضن مهما كانت على علم وتربية لكنها لا تملك قلب الأم .. فلا تصبر .. ولا تحرص .. ولا تحب كما تفعل الأم.
فهل يوازي ما يخسره الأولاد من عطف الأمهات وعنايتهن ما تعود به الأم آخر النهار من دريهمات؟.
٢ - إن المرأة التي تخرج إلى العمل في مجتمعاتنا تخالط الرجال - عادة - وقد تخلو بهم، وذلك أمر محرم، وإضرار ذلك على سمعتها وأخلاقها معلوم غير مجهول.
فهل يوازي ما تخسره المرأة من سمعتها وربما شرفها ما تعود به آخر النهار من دريهمات؟
٣ - إن المرأة التي تعمل خارج البيت تحتل في كثير من الحالات مكان الرجل - وقد يكون زوجها أو أخاها - وتدع في بيتها مكانًا خاليًا لا يملؤه أحد.
٤ - إن المرأة التي تعمل خارج البيت تفقد أنوثتها ويفقد أطفالها الأنس والحب.
٥ - إذا خرجت المرأة من بيتها للعمل فستعتاد الخروج من البيت، ولو لم يكن لها عمل كما هو ملاحظ، وبالتالي سيستمر انشطار الأسرة وانقطاع الألفة بين أفرادها .. ويقل ويضعف التعاون والتحاب بين أفرادها كما هو ملاحظ في بلاد الآخرين، وقد كادت الأسرة أن تنهار كليًّا.
٦ - المرأة مطبوعة على حب الزينة والتحلي بالثياب وغيرها، قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] فإذا هي خرجت لتعمل خارج البيت فإنها ستنفق الكثير من المال الذي تأخذه على ثيابها وزينتها وتصفيف شعرها، ودول الآخرين تشكو من الملايين التي تذهب في تفاهات الزينة التي تتزين بها النساء.
стр. 252
وانظر إلى غالب الموظفات في طريق ذهابهن إلى أعمالهن أو عودتهن منها، لترى الترف الفارغ والمال الضائع، في مظاهر وبهارج .. لا ترقى بمجتمع ولا تتقدم باقتصاد.
٧ - إن المرأة كما يقول الآخرون والخبراء: أقل عملاً وإنتاجًا من الرجال، وأقل منه رغبة في الطموح، والوصول إلى الجديد. إن لها من العادة الشهرية، وأعباء الحمل، والفكر في الأولاد وفي الأنوثة ومطالبها، ما يشغلها حقًّا أن توازي الرجل في عمله، ويعوقها عن التقدم بالعمل. والنادر من النساء لا ينقض القاعدة.
فإذا وازنا بصدق وصراحة بين ما يقدِّرون من تقدم وإنتاج حين تعمل المرأة خارج البيت - وهم لا يعدون عملها في البيت عملاً (عنادًا ومكابرة) وبين ما ذكرنا وما لم نذكر من أخطار وأضرار، فهل تربو فائدة خروج المرأة من البيت على قرارها فيه؟ ثم إن المسلم لا يغفل عن أن اللَّه تعالى قد خلق الخلق لعبادته وطاعته، وأمرهم أن يسيروا وفق شرعه وهديه، ثم هو المتكفل بعد ذلك لعباده بما شاء من رزق، وهو واسع واسع إذا سلكوا مسالكه الحقة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
ب- قد يقول قائل: إذن لماذا خرجت المرأة لتعمل خارج البيت وما تزال؟
أقول: لهذا أسباب عديدة ليس منها سبب يقصد به إكرام المرأة، وهاك بعضها:
١ - إن الأب هناك لا تكلفه الدولة الإنفاق على ابنته إذا بلغت الثامنة عشرة من عمرها، لذا فهو يجبرها على أن تجد لها عملاً إذا بلغت ذلك السن .. وكثيرًا ما يكلفها دفع حجرة الغرفة التي تسكنها في بيت أبيها فضلاً عن أجرة غسل الثياب وكيها.
٢ - إن الناس هناك يحيون لشهواتهم، فهم يريدون المرأة في كل مكان .. فأخرجوها من بيتها لتكون معهم .. ولهم .. ألا ترى كيف يسخرونها لشهواتهم الدنيئة في الإعلانات ... إلخ.
٣ - إن البخل والأنانية شديد عندهم، فهم لا يقبلون أن ينفقوا - في زعمهم - على من لا يعمل إلا أعمالاً بسيطة، ولا يرون تربية الأولاد أمرًا هامًّا، ومهمة شاقة؛ لأنهم لا يبالون بدين وتربية.
٤ - إن المرأة عندهم هي التي تهيئ بيت الزوجية، فلا بد لها أن تعمل وتجمع المال حتى تقدمه مهرًا (دوطة) لمن يريد الزواج بها. وكلما كان مالها أكثر كانت رغبة الرجال فيها أكثر.
ومع ذلك فما يزال هناك بعض من الآباء ينفقون على بناتهم إذا بلغن، ولا يرضون
стр. 253
لهن بالعمل خارج البيت، ولا بمخالطة الرجال إلا في حدود ضيقة، وقليل ما هم.
٥ - وهي اليوم تجد الحرية لخروجها من البيت، فتخادن من تشاء، وتصادق من تشاء، وتذهب حيث تشاء بل وتنام حيث تشاء.
وقد استمرأت هذه الحياة الفاسدة، واستمرأ الرجال ذلك فيهن، ومعهن، فلن تعود المرأة هناك إلى بيتها وإلى عفافها، إلا إذا عادت إلى الإسلام، فهو وحده الكفيل بإعادة الحياة الإنسانية إلى فطرتها، وتقويم كل اعوجاج وانحراف فيها.
جـ- وقد يقول قائل: فما بال المرأة عندنا خرجت من بيتها لتعمل خارجه، متحملة عصيان اللَّه تعالى ومخالفة الولي من الوالدين أو الزوج، ومعرِّضة نفسها للتهم والفساد، وربما الزنى، ومهددة أسرتها بالانهيار، ومكلفة فطرتها ما لا تحب ولا ترضى؟!
ما بال المرأة عندنا خرجت من بيتها لتعمل خارجه فتخالط الرجال، وهي مكفية النفقة من وليها، من أب أو أخ أو زوج، والرجل لا يطمع فيها قدر ما يطمع الآخرون؛ لما يزال فيه من إسلام وغيرة وعفة، وهي إذا تزوجت تأخذ المهر خالصًا لها طيبًا؟
إنها - أيها الأخ [المسلم]- استمرأت مظاهر الحياة عند الآخرين، وأعجبت بالمرأة هناك، لها مكسب خاص تنفق منه على زينتها وبهرجتها، أعجبت بالمرأة هناك تحيا حرة، لما لها من الاستقلال الاقتصادي من حيث ما تأخذ من راتب، وأسباب يأتي ذكرها.
إنها بكلمة واحدة التبعية، والتقليد، لمن لا يرجو اللَّه واليوم الآخر.
ويا حبذا ... يا حبذا لو قامت في بلاد العرب بلاد المسلمين هيئات تحصي بصدق نتائج خروج المرأة من بيتها لتعمل مع الرجال، وتصادق الرجال، وتخادن الرجال: من إفساد للأسر، وحوادث الزنى، وثمرات الزنى، ومن هوان الجرائم في أعين الناس وقلوبهم، ومن الخيانات الزوجية، وجرائم السرقة، وشرب الخمر، والاعتداء على الأعراض، وحوادث القتل ... إلخ.
لو قامت تلك الهيئات بإحصاء واحد لربما كان نتيجة ذلك الإحصاء مدعاة لنعود إلى صورة المجتمع المسلم، حيث لا اختلاط، ولا عمل مشترك بين الرجل والمرأة، فلا فساد إلى حد كبير. حبذا لو يتم هذا قبل أن نتمادى أكثر مما نفعل، فيصبح العود أصعب - معاذ اللَّه - عسى أن يكون ذلك قريبًا. انتهى من كتاب «المرأة المسلمة».
стр. 254
ثالثًا: كيفية تعليم المرأة:
قال فضيلة الشيخ وهبي غاوجي أثابه اللَّه: من حاجة خروج الأنثى من البيت: خروجها إلى تعلم العلم (١). من خلال ما عرضنا من طبيعة المرأة ووظيفتها في الحياة، نستطيع أن نقرر بسهولة وإيجاز، أن العلم الذي يجب أن توجه إليه جهود الآباء ووزارة التربية والإعلام في حق الأنثى هو العلم الذي يتفق مع طبيعة الأنثى ووظيفتها في الحياة.
١ - فتكثر لها دروس الدين المختلفة من قرآن وسنة وتوحيد وفقه، والأنثى سريعة التأثر ولكنها سريعة التحول كذلك لقوة عاطفتها، فالإكثار عليها من دروس الدين والوعظ كفيل - بإذن اللَّه تعالى - بتنشئتها لتصبح أمًّا تقوم بواجباتها الدينية والدنيوية في الأسرة خير قيام، والإخلال بالتذكير في هذا الجانب يورث قسوة القلب، ولا خير في قلب قاس.
٢ - تكثر لها دروس التربية والأخلاق، وتردد لها بما يتناسب مع دراستها، كي تجد في نفسها حصيلة كريمة في الأخلاق علمًا وعملاً، فتربي على ذلك أولادها في المستقبل.
٣ - تكثر لها دروس العناية بالأسرة: قيامها، وظيفتها، وظائف أعضائها، واجباتها نحو زوجها، وبيته، وأولادها.
٤ - تكثر لها دروس التاريخ المتمثلة في المجاهدين والمصلحين وأثرهم الحسن في أقوامهم؛ كي تربي أولادها في المستقبل على أخلاق العظمة، والخير، والصلاح.
٥ - تكثر لها دروس تتعلم بها أعمالاً تتفق مع وظيفتها من خياطة وتطريز وحرف أخرى.
٦ - توجه بعضهن إلى متابعة الدراسة العالية كي يخرجن قابلات، ممرضات للنساء - دون الرجل - طبيبات - للنساء كذلك - معلمات ومدرسات في المدارس التي تنشأ لهن، ويكون التعليم فيها مؤنثًا قدر الإمكان.
بهذا وأمثاله توجه الأنثى في التعليم الوجهة التي تتفق وفطرتها واختصاصها.
وما أحوج الإنسانية إلى الاختصاصات المختلفة، وما أشد ما تعمل اليوم لتوفيرها، لكنها للأسف تغفل عن هذا الاختصاص العظيم الهام، لما سبق ذكره من الأسباب.
وينبغي ألا تعلم الأنثى كما يعلم الذكر حذو القذة بالقذة كما يفعل الآخرون.
ويجب أن يحذّر من الاختلاط في التعليم لأضراره البالغة الدرجة القصوى من
стр. 255
الخطورة. انتهى من كتاب «المرأة المسلمة».
فائدة:
جاء في كتاب «فقه السنة» للشيخ الجليل سيد سابق تحت عنوان «خروج المرأة لطلب العلم» ما يلي: (إذا كان العلم الذي تطلبه المرأة مفروضًا (١) عليها وجب على الزوج أن يعلمها إياه - إذا كان قادرًا على التعليم - فإذا لم يفعل وجب عليها أن تخرج حيث العلماء ومجالس العلم، لتتعلم أحاكم دينها ولو من غير إذنه .. أما إذا كانت الزوجة عالمة بما فرضه اللَّه عليها من أحكام، أو كان الزوج متفقهًا في دين اللَّه، وقام بتعليمها، فلا حق لها في الخروج إلى طلب العلم إلا بإذنه) انتهى من «فقه السنة» (٢).
شروط خروج المرأة من البيت:
جاء في كتاب «المرأة المسلمة» للشيخ غاوجي ما مختصره:
الأصل في المرأة أن تقر في بيتها حيث مملكتها ووظيفتها قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وهذه الآية وإن كان نزولها في نساء الرسول ﷺ فهي خطاب لبناتهن كذلك من نساء المؤمنين جميعًا لأن الأنوثة واحدة ... وقال رسول اللَّه ﷺ : «أُذن لكن في الخروج لحاجتكن». رواه البخاري، وقال في الإذن للنساء إلى المساجد: «لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه». رواه البخاري.
وخروج المرأة إلى المسجد للصلاة خروج إباحة لا الوجوب كالرجل [وقد تقدم حديث زوجة أبي حميد الساعدي: « .... صلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك .. وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجد الجماعة»]. وذلك لما في ذلك من قلة الخروج، ثم قرب المسافة عند الخروج من البيت. ومن هنا قال الفقهاء: لا تخرج الشواب إلى مسجد الجماعة، وتخرج العجائز إن شئن، حذرًا من الفتنة.
وقد حدد الإسلام خروج المرأة من البيت لحاجة وبشروط أخرى تجمل فيما يلي:
١ - الخروج للحاجة، لا للهو وإضاعة الأوقات قال ﷺ : «أذن لكن .... ».
٢ - الخروج بإذن الزوج أو الولي من الأب أو الأم أو الأخ والعم.
٣ - اتخاذ الستر الحق عند الخروج، وذلك أن تستر جميع بدنها [كما تقدم في الباب السابق عند بيان شروط الحجاب الشرعي] وأن تغض نظرها في سيرها، فلا تنظر هنا وهناك لغير حاجة.
стр. 256
٤ - ترك التعطر أو استعمال أدوات الزينة المعطرة. [كما تقدم في آيات سورة النور].
٥ - ترك التعطر ولو في الخروج إلى الصلاة في مثل يوم الجمعة [كما تقدم أيضًا في آيات سورة النور].
٦ - لا تمشي وسط الطريق وفي زحمة الرجال [كما تقدم أيضًا في آيات سورة النور].
٧ - تمشي متواضعة على أدب وحياء لا تتخذ خلاخل ولا حذاء يضرب على الأرض بقوة، فيسمع الناس قرع حذائها، فيلتفتون، وربما وقعت الفتنة [كما تقدم أيضًا في آيات سورة النور].
٨ - وإذا حادثت أجنبيًا - غير مَحْرم لها - تحادثه بصوت عادي، وتسعى جهدها أن يكون خاليًا من الرقة والتكسر والإغراء. قال اللَّه تعالى: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢].
٩ - ولا ترفع النقاب عن وجهها في الطريق والأسواق ومجامع الرجال، إلا أن تضطرها إلى ذلك حاجة وعلى قدر تلك الحاجة.
جاءت أم خلاد إلى النبي ﷺ وهي منتقبة - تسأل عن ابنها وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب النبي ﷺ : جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة؟ فقالت: أن أرزأ ابني فلن أرزأ حيائي. فقال رسول اللَّه ﷺ : «ابنك له أجر شهيدين» قالت: ولم ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: «لأنه قتله أهل الكتاب» (١).
١٠ - فإذا ذهبت إلى دكان أو دائرة فلا تنفرد برجل وقد أغلق الباب عليهما لأن ذلك خلوة، قال ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» (٢). ولا تصافح غير ذي محرم منها من الرجال، «ما مس رسول اللَّه ﷺ يد امرأة (٣) - أجنبية - قط إلا أن يأخذ عليها فإن أخذ عليها - أي العهد والبيعة، قال: اذهبي فقد بايعتك» (٤).
١١ - وإذا دخلت على صديقة لها تزورها فلا تضع ثمة ثيابها، فقد يكون في البيت رجل يتلصص، أو يكون في المجلس امرأة سوء تصفها لمن يرغب فيها، قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 257
«أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين اللَّه » (١). [وسيأتي التعليق على هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى].
ولا ريب أنه يحرم على المرأة أن تصف امرأة أجنبية لزوجها، فقد يدعو ذلك إلى الإثم، قال ﷺ : «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها». رواه البخاري وأحمد وغيرهما. أي لا تصف لزوجها ما رأت من حسن المرأة.
١٢ - لا تخرج من بلدها إلى مكان آخر يبعد أكثر من ثلاثين كيلو مترًا (٢) إلا ومعها زوج أو محرم، قال رسول اللَّه ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسير مسافة يوم وليلة إلا مع ذي محرم». متفق عليه.
[سؤال: هل يجوز للمرأة أن تسافر دون محرم إلى المدن حيث الجامعة وتعيش هناك من أجل العلم ... ؟!].
١٣ - ولا تخرج حتى لأداء نسك الحج دون زوج أو محرم (٣)، قال ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» فقال رجل: يا رسول اللَّه إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ فقال: «انطلق فحج مع امرأتك» متفق عليه.
١٤، ١٥ - لا تتشبه بالرجل في اللباس ولا غيره مما هو خاص به [كما تقدم في شروط الحجاب] ولا تلبس لبس الفاسقات المستهترات، فتغري الرجال من حيث تريد أو لا تريد (٤). انتهى [كما تقدم أيضًا].
стр. 258
بحث مسألة وضع ثياب المرأة خارج بيتها
١ - عن أبي المليح قال: (دخل نسوة من أهل الشام على عائشة فقالت: ممن أنتن؟ قلن: من أهل الشام. قالت: لعلكن من الكُورة التي تدخل نساؤها الحمامات؟ قلن: نعم. قالت: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين اللَّه»).
صحيح - رواه أبو داود والترمذي - انظر «صحيح الجامع».
وجاء في «عون المعبود» (جـ ١١ ص ٤٦: ٤٨):
(نسوة) بكسر النون اسم جمع للنساء (من أهل الشام) وفي رواية ابن ماجه من أهل حمص وهو بلدة من الشام (من الكورة) بضم الكاف أي البلدة أو الناحية «تخلع» بفتح اللام أي تنزع «ثيابها» أي الساتر لها «في غير بيتها».
وفي رواية الترمذي وابن ماجه في غير بيت زوجها «إلا هتكت» الستر وحجاب الحياء وجلباب الأدب ومعنى الهتك خرق الستر عما وراءه «ما بينها وبين اللَّه تعالى»؛ لأنها مأمورة بالتستر والتحفظ من أن يراها أجنبي، حتى لا ينبغي لهن أن يكشفن عورتهن في الخلوة أيضًا إلا عند أزواجهن، فإذا كشفت أعضاءها في الحمام (١) من غير ضرورة فقد هتكت الستر الذي أمرها اللَّه تعالى به. قال الطيبي: وذلك لأن اللَّه تعالى أنزل لباسًا ليواري به سوآتهن وهو لباس التقوى، فإذا لم يتقين اللَّه تعالى وكشفن سوآتهن هتكن الستر بينهن وبين اللَّه تعالى. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن.
٢ - وأخرج ابن ماجه عن أبي مليح الهذلي أن نسوة من أهل حمص استأذن على عائشة فقالت: لعلكن من اللواتي يدخلن الحمامات، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين اللَّه». اهـ.
صحيح - أحمد وابن ماجه والحاكم - انظر «صحيح الجامع».
جاء في «فيض القدير» للمناوي رحمه اللَّه تعالى:
(قوله: «أيما امرأة» قال في التنقيح أي مبتدأ في معنى الشرط وما زائدة لتوكيد الشرط وقوله: الآتي (فقد ... ) جواب الشرط «وضعت ثيابها في غير بيت زوجها» كناية
стр. 259
عن تكشفها للأجانب وعدم تسترها منهم «فقد هتكت ستر ما بينها وبين اللَّه »). اهـ.
٣ - قال رسول اللَّه ﷺ : «أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق اللَّه عنها ستره».
صحيح - رواه أحمد والطبراني في «الكبير» والحاكم والبيهقي في «شعب الإيمان» - انظر «صحيح الجامع».
قال المناوي رحمه اللَّه تعالى في «فيض القدير»:
(«أيما امرأة نزعت ثيابها» أي: قلعت ما يسترها منها «في غير بيتها» أي: محل سكنها «خرق اللَّه عنها ستره» لأنها لما لم تحافظ على ما أمرت به من التستر عن الأجانب جوزيت بذلك والجزاء من جنس العمل، والظاهر أن نزع الثياب عبارة عن تكشفها للأجنبي لينال منها الجماع أو مقدماته بخلاف ما لو نزعت ثيابها بين نساء مع المحافظة على ستر العورة إذ لا وجه لدخولها في هذا الوعيد). اهـ.
ما المقصود بالحمامات في الحديث؟
وهي حمامات عامة خاصة بالنساء، ومن باب أولى ينطبق هذا الحديث على حمامات السباحة والمصايف. أعاذ اللَّه نساء المسلمين منها.
وعلى هذا فيحل للمرأة المسلمة أن تضع ثيابها عند المرأة المسلمة طالما أنها تحافظ على ستر العورة، وطالما أنها أيضًا في أمن من اطلاع الرجال عليها.
ومن المعلوم أن عورة المرأة مع المرأة من السرة إلى الركبة. ويجوز النظر إلى ما عدا ذلك عدا المرأة المشركة فهي كالرجل الأجنبي لا ينبغي أن تتكشف المرأة المسلمة أمامها إلا لحاجة. وعلى ذلك فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تظهر عورتها أمام امرأة أخرى ولو كانت أمها أو أختها أو ابنتها إلا لضرورة كالولادة أو المعالجة من مرض ونحوه. ولا يدخل الاستحداد (حلق العانة) الخاص بالنساء تحت هذه الضرورة واللَّه أعلم.
(ذكرني بأن هذا الحديث خاص بدخول الحمام أحد العلماء جزاه اللَّه خيرًا، فقمت ببحث المسألة على ما تقدم، وإن كان الحديث يشمل غير الحمام، كما ظهر من شرح الحديث رقم (٣) أي السابق لهذه الفقرة، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا.
* * *
стр. 260
الباب الثاني عشر: علاج الصرع وعلاج السحر وفك الربط وعلاج الحسد
أولاً: هديه ﷺ في علاج الصرع:
جاء في «زاد المعاد» لابن القيم رحمه اللَّه تعالى ما مختصره:
أخرجا في «الصحيحين» من حديث عطاء بن أبي رباح، قال: قال ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع اللَّه لي، فقال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت اللَّه أن يعافيك» فقالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف، فادع اللَّه ألا أتكشف، فدعا لها.
قلت: الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية (١)، وصرعٌ من الأخلاط الرديئة. والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه .. إلى أن قال رحمه اللَّه تعالى: وعلاج هذا النوع - أي الأول - يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوّذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًّا، فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل، فكيف إذا عدم الأمران جميعًا: يكون القلب خرابًا من التوحيد، والتوكل، والتقوى، والتوجه، ولا سلاح له.
والثاني: من جهة المعالج، بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا، حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: «اخرج منه» أو بقول: «بسم اللَّه» أو بقول: «لا حول ولا قوة إلا باللَّه» والنبي ﷺ كان يقول: «اخرج عدو اللَّه أنا رسول اللَّه» (٢).
стр. 261
وشاهدتُ شيخنا يُرسل إلى المصروع من يخاطب الروح (١) التي فيه، ويقول: قال لك الشيخ: اخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيُفيق المصروع، وربما خاطبه بنفسه، وربما كانت الروح ماردة فيُخرجها بالضرب، فيُفيق المصروع ولا يُحس بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا (٢). انتهى.
ثانيًا: علاج الصرع:
جاء في «تحفة الذاكرين» للشوكاني تحت عنوان: «ما يقال للمصاب بلمة من الجن» ما يلي:
الحديث أخرجه أحمد والحاكم في «المستدرك» كما قال المصنف ﵀، وهو من حديث أبيّ بن كعب ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاء أعرابي، فقال: يا نبي اللَّه إن لي أخًا به وجع، قال: «وما وجعه؟» قال: به لمم، قال: «فأتني به» فأتاه به فوضعه بين يديه، فعوذه بفاتحة الكتاب ... الحديث إلخ. وقال في آخره: فقام الرجل كأن لم يشك شيئًا قط. قال الحاكم في «المستدرك»: صحيح، ورواه ابن ماجه من طريق أخرى، وعزاه الهيثمي في «مجمع الزوائد» من حديثه إلى عبد اللَّه بن أحمد في «زوائد المسند» وقال: فيه أبو جناب وهو ضعيف لكثرة تدليسه، وقد وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح، وأخرجه أبو يعلى بنحوه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل عن أبيه وفي إسناده أبو جناب المذكور (٣). انتهى.
الآيات الواردة في الحديث السالف ذكره:
(الفاتحة)، (البقرة: الآيات: ١: ٥، ١٦٣، ١٦٤، ٢٥٥، ٢٨٤، ٢٨٦): (آل عمران: ١٨، ١٩)، (الأعراف: ٥٤: ٥٦)، (المؤمنون: ١١٦، ١١٨)، (الصافات: ١: ١٠)، (الحشر: ٢٢: ٢٤)، (الجن: ٣)، (قل هو اللَّه أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس).
ثالثًا السحر:
ذكر اللَّه تعالى السحر في أكثر من موضع في القرآن: خاصة قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
стр. 262
السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وهو من الموبقات «المهلكات» السبع الذي صح عنه ﷺ الأمر باجتنابها، لما رواه البخاري ومسلم أن رسول اللَّه ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: وما هن يا رسول اللَّه؟ قال: «الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».
فمن أراد معرفة مدى حرمة هذه الموبقة، ومعرفة أنواع السحر، وأقوال العلماء في قتل الساحر، وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته أم لا؟ فليرجع إلى «تفسير ابن كثير» ﵀ (١) لهذه الآية، وأيضًا تفسير (قل أعوذ برب الفلق).
رابعًا علاج السحر:
جاء في «زاد المعاد» لابن القيم ﵀ ما مختصره:
والمقصود ذكر هديه ﷺ في علاج هذا المرض، وقد روي عنه فيه نوعان:
أحدهما: وهو أبلغهما: استخراجه وإبطاله كما ثبت ذلك في الصحيح.
والنوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر [وذكر ﵀ الحجامة كمثل لذلك]. ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية فالقلب إذا كان ممتلئًا من اللَّه مغمورًا بذكره وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات وورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه، كان من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه.
وعند السحرة: أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات، ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء، والصبيان، والجُهال، وأهل البوادي، ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية (٢). انتهى من «زاد المعاد».
стр. 263
تنبيه: علاج (فك) الربط (١):
جاء في تفسير الآية السابقة لابن كثير ما يلي:
وهل يسأل الساحر حلاًّ لسحره؟ فأجازه سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال الشعبي: لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت: يا رسول اللَّه، هلا تنشرت، فقال: «أما اللَّه فقد شفاني وخشيت أن أفتح على الناس شرًّا».
وحكى القرطبي عن وهب أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر، فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء، ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته. (قلت): أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل اللَّه على رسوله في إذهاب ذلك وهما (المعوذتان)، وفي الحديث: «لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما» وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان. انتهى من ابن كثير.
خامسًا: بعض ما ورد في حل السحر:
جاء في تفسير ابن كثير (٢) لسورة يونس عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ﴾ ما يلي:
وقال ابن أبي حاتم، عن ليث وهو ابن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن اللَّه تعالى، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور، الآية التي من سورة يونس:
أ- ﴿فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ - وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [قال ابن كثير: الآية وذكر الآيتين ٨١، ٨٢].
ب - والآية الأخرى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ إلى آخر أربع آيات ..
стр. 264
أي كالآتي:
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ - فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ - وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ - قَالُواْ آمَنَّا بِربِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨: ١٢٢].
جـ- وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. انتهى من ابن كثير.
تنبيه:
وروي - واللَّه أعلم - أن تلك الآيات السابقة تكتب بمداد طاهر كالزعفران، ثم تذاب في كوب به ماء، ثم يشرب منها المسحور، يفعل ذلك ثلاث مرات (الكتابة والإذابة والشرب).
سادسًا: تنبيهات خاصة بفك الربط:
توضيحًا لما أورده ابن كثير رحمه اللَّه تعالى عن الربط والذي سبق الكلام عنه يراعى ما يلي:
أ- ورق السدر هو الورق المعروف بورق النبق.
ب- يراعى أن يكون هذا الورق أخضر، وقد ورد ذلك في كتاب «آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان».
جـ- يراعى ترتيب الخطوات المتبعة، ولا تتقدم خطوة على أخرى، ويمكنك أن تكتب هذه الخطوات بالأرقام فتقول مثلاً:
١ - سبع ورقات من سدر.
٢ - تدق بين حجرين.
٣ - تنضح بالماء ... ثم تكتب باقي الخطوات.
د- يراعى أن تكون كمية الماء كافية للشرب والاغتسال بحيث إنه بعد قراءة آية الكرسي لا يزاد الماء.
هـ- إذا كان المسحور لا يصلي، فعليه أن يصلي، (وأن يعتقد بأن النافع الضار والشافي هو اللَّه .
سابعًا: تنبيهات لا غنى عنها:
أ- على من أراد القيام بالرقية التي سبق الكلام عنها من «تحفة الذاكرين»، أن يراعى ما يلي:
١ - عليه أن يداوم على الأذكار الواردة في الصباح والمساء، خصوصًا (قل هو اللَّه أحد والمعوذتين).
стр. 265
٢ - أن يرقي أولاده الصغار بالمعوذتين، وهذا عام لكل من له أولاد صغار.
٣ - أن يحافظ على أذكار النوم خصوصًا آية الكرسي.
٤ - أن يجتنب الأشياء غير الشرعية عند الرقية، ولا يرقي إلا بالوارد، ويراعى ما يقال على لسان الروح، مثل ما ذكره ابن تيمية ﵀ عندما قالت له الروح: أنا أدعه كرامة لك، فقل لها ﵀: لا، ولكن طاعة لله ورسوله.
٥ - أن يقرأ الكتاب السالف ذكره، وهو «آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان» تأليف الشيخ العلامة المحدث القاضي بدر الدين أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الشبلي الحنفي (تصحيح عبد اللَّه محمد صديق).
ب- ما يدلك على خطورة عدم التسمية، ما جاء في كتاب «آكام المرجان» السالف ذكره، في الباب الثاني بعد المائة عن يحيى بن يعلى الأسلمي عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: إذا جامع الرجل أهله ولم يسم، انطوى الجان على إحليله فجامع معه، فذلك قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ﴾ (١) [الرحمن: ٥٦]. انتهى.
جـ- وجاء في الباب الثامن بعد المائة في نفس الكتاب السالف ذكره تحت عنوان (في بيان نوم الشيطان على الفراش الذي لا ينام عليه أحد)
قال المؤلف ﵀: ليس هذا على إطلاقه، بل إذا فرش ولم يسم عليه، وليس مخصوصًا بالفراش، بل كل ما لم يسم عليه من طعام أو شراب أو لباس أو غير ذلك مما ينتفع به فللشيطان فيه تصرف واستعمال إما بإتلاف عينه كالطعام والشراب وإما مع بقاء العين (٢). انتهى.
فينبغي للمسلم أن يبدأ عمله باسم اللَّه، ويكون ذلك حتى في أقل الأشياء، فإذا دخل غرفة يقول باسم اللَّه، وإذا ضغط على مفتاح الكهرباء يقول باسم اللَّه، وإذا حمل شيئًا يقول باسم اللَّه، وإذا أوقد النار يقول باسم اللَّه، وإذا أتى بالقلم من مكانه يقول باسم اللَّه ...
فائدة:
جاء في باب الغضب في «مختصر منهاج القاصدين» وروينا أن إبليس لعنه اللَّه بدا لموسى ﵇، فقال: يا موسى، إياك والحدة، فإني ألعب بالرجل الحديد كما يلعب الصبيان بالكرة.
стр. 266
تنبيه: حتى تعتصم باللَّه من الجن فعليك بهذه الأحراز:
١ - الاستعاذة: قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦].
٢ - قراءة المعوذتين: فعن أبي سعيد أن رسول اللَّه ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنسان فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما، أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (١). وقد تقدم فضل قراءة (قل هو اللَّه أحد والمعوذتين) ثلاث مرات في الصباح والمساء، في الحديث رقم ٤ من أذكار الصباح والمساء.
٣ - قراءة آية الكرسي عند النوم: وقد تقدم في فضلها الحديث رقم ٣ من أذكار النوم.
٤ - قراءة سورة البقرة: لقوله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» رواه مسلم وأحمد وغيرهما.
٥ - قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة عند النوم: وقد تقدم الحديث رقم ٤ من أذكار النوم.
٦ - قول: (لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) في اليوم مائة مرة: وقد تقدم في الحديث ١٦ من الأذكار أن من قرأها بهذا العدد كانت له حرزًا من الشيطان.
٧ - كثرة ذكر اللَّه : لقوله ﷺ في حديث يحيى بن زكريا ﵉ « .... كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر اللَّه تعالى .... ». رواه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٢). وقد تقدم فضل الذكر وأنه يطرد الشيطان.
٨ - الوضوء: وقد روي في الحديث: «إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» (٣).
٩ - الصلاة: فإن الشيطان يبكي لرؤيته سجود ابن آدم ويقول كما في الحديث:
стр. 267
«يا ويله أمر بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت .... » رواه مسلم.
١٠ - العلم: لقوله ﷺ : «لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» رواه الترمذي. وضعفه الألباني في تمام المنة.
١١ - إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس: وعمومًا سد مداخل الشيطان، والتي من أهمها الحسد والحرص والغضب والشهوة والشبع والطمع في الناس والعجلة والكبر ... وفي النهاية يمكن القول بفضل اللَّه تعالى: كل ما يبعدك عن الرحمن، يقربك من الشيطان. (غالب .... هذه الأحراز مستقاة من «مدارج السالكين»، و «آكام المرجان».
أ- فائدة: جاء في «صحيح سنن» أبي داود عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ عن رسول اللَّه ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد يقول: «أعوذ باللَّه العظيم، وبوجه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ منى سائر اليوم.
ب- لطيفة: قال العلماء في بيان ما يدعو الشيطان إليه ابن آدم ويوسوس له: وينحصر ذلك في ست مراتب: فالأولى مرتبة الكفر والشرك ومعاداة اللَّه تعالى ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه. المرتبة الثانية: مرتبة البدعة، وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في الدين، فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الثالثة، وهي الكبائر على اختلاف أنواعها، فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الرابعة، وهي الصغائر، التي إذا اجتمعت ربما أهلكت صاحبها، فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الخامسة: وهي اشتغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، بل عقابها فوات الثواب الذي فات عليه باشتغاله بها، فإن عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة السادسة: وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه. انتهى بتصرف من كتاب «آكام المرجان» وأصل ذلك في «مدارج السالكين» لابن القيم ﵀.
٥ - خاتمة: قال رسول اللَّه ﷺ : «إن اللَّه تعالى كتب كتابًا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، وهو عند العرش، وإنه أنزل منه آيتين، ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربُها الشيطان».
(صحيح) (١) رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن النعمان بن بشير - كذا في «صحيح
стр. 268
الجامع».
جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٨ ص ١٦٠، ١٦١) ما مختصره:
(قوله: «إن اللَّه كتب كتابًا» أي: أجري القلم على اللوح، وأثبت فيه مقادير الخلائق على وفق ما تعلقت به الإرادة «قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام» كنى به عن طول المدة وتمادي ما بين التقدير والخلق من الزمن فلا ينافي عدم تحقق الأعوام قبل السماء، والمراد مجرد الكثرة وعدم النهاية قاله المناوي.
وقال الطيبي: كتابة مقادير الخلق قبل خلقها بخمسين ألف سنة كما ورد (١)، لا ينافي كتابة الكتاب المذكور بألفي عام، لجواز اختلاف أوقات الكتابة في اللوح ولجواز أن لا يراد به التحديد بل مجرد السبق الدال على الشرف. انتهى.
قال بعضهم: ولجواز مغايرة (٢) الكتابين وهو الأظهر انتهى. «أنزل» أي: اللَّه «منه» أي: من جملة ما في ذلك الكتاب والمذكور «آيتين» هما: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخره «ختم بهما سورة البقرة» أي: جعلهما خاتمتها. «ولا يقرآن في دار» أي: في مكان من بيت وغيره «ثلاث ليال» أي: في كل ليلة منها «فيقربها شيطان» فضلاً عن أن يدخلها، فعبر بنفي القرب ليفيد نفي الدخول بالأولى. قال الطيبي: لا توجد قراءة يعقبها قربان، يعني أن الفاء للتعقيب عطفًا على النفي، والنفي سلط على المجموع، وقيل: يحتمل أن تكون للجمعية، أي لا تجتمع القراءة، وقرب الشيطان. كذا في «المرقاه». اهـ.
وهذا الحديث يختلف عن الحديث المتقدم في «أذكار النوم» برقم (٤): «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» متفق عليه فلك أن تقرأ هاتين الآيتين، وتجمع الفائدتين في نية واحدة واللَّه أعلم، وإتمامًا للفائدة جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ ٨ ص ١٥٩): (قوله: «من قرأ الآيتين (٣) من آخر سورة البقرة» أي: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخره «في ليلة» وقد أخرج على بن سعيد العسكري بلفظ: «من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتا ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السورة» ذكره الحافظ «كفتاه» أي: أجزأتا عنه من قيام الليل، وقيل أجزأتا عنه من قراءة القرآن مطلقًا سواء كان داخل الصلاة أم خارجها. وقيل معناه
стр. 269
أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالاً، وقيل معناه كفتاه كل سوء، وقيل كفتاه شر الشيطان، وقيل دفعتا عنه شر الإنس والجن، وقيل معناه كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، وكأنهما اختصتا بذلك من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى اللَّه تعالى وابتهالهم ورجوعهم إليه وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم قال الحافظ بعد ذكر هذه الوجوه: والوجه الأول ورد صريحًا من طريق عاصم عن علقمة عن أبي مسعود رفعه: «من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة».
قال: ويؤيد الرابع حديث النعمان بن بشير يعني الذي أخرجه الترمذي في هذا الباب وقال الشوكاني بعد ذكر هذه الوجوه: ولا مانع من إرادة هذه الأمور جميعها ويؤيد ذلك ما تقرر في علم المعاني والبيان من أن حذف المتعلق مشعر بالتعميم فكأنه قال كفتاه من كل شر ومن كل ما يخاف، وفضل اللَّه واسع.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة). اهـ.
علاج الحسد:
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
في «أيسر التفاسير» للجزائري أثابه اللَّه تعالى: (أي: أظهر حسده وأعمله: أي وتعوذ برب الفلق - أي الصبح - من شر حاسد، أي من الناس إذا حسد، أي أظهر حسده فابتغاك بضر، أو أرادك بشر، أو طلبك بسوء بحسده لك، لأن الحسد طلب زوال النعمة عن المحسود، وسواءً أرادها له أو لم يردها وهو شر الحسد). اهـ.
قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تحاسدوا» رواه مسلم.
جاء في «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي رحمه اللَّه تعالى ما مختصره: (فقوله ﷺ : «لا تحاسدوا» يعني: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد مركوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل.
ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام، فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل، ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه، ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه، وهو شرهما وأخبثهما، وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه، وهو كان ذنب إبليس حيث حسد آدم ﵇ لما رآه قد فاق على الملائكة بأن خلقه اللَّه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أخرج منها، ويروى عن ابن عمر أن إبليس قال لنوح:
стр. 270
اثنتان أهلك بهما بني آدم: الحسد، وبالحسد لعنت وجعلت شيطانًا رجيمًا، والحرص [وبالحرص] أبيح آدمُ الجنةَ كلَّها، فأصبت حاجتي منه بالحرص. خرجه ابن أبي الدنيا.
وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره، لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغ على المحسود بقولٍ ولا فعلٍ. وقد روي عن الحسن أنه لا يأثم بذلك، وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة، وهذا على نوعين:
أحدهما: أن لا يمكنه إزالة الحسد من نفسه، فيكون مغلوبًا على ذلك، فلا يأثم به.
والثاني: من يحدث نفسه بذلك اختيارًا، ويعيده ويبديه في نفسه مستروحًا إلى تمني زوال نعمة أخيه، فهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية، وفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء، وربما يذكر في موضع آخر إن شاء اللَّه تعالى، لكن هذا يبعد أن يسلم من البغي على المحسود، ولو بالقول، فيأثم بذلك.
وقسم آخر إذا حسد لم يتمن زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنى أن يكون مثله، فإن كانت الفضائل دنيوية، فلا خير في ذلك، كما قال الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: ٧٩]، وإن كانت فضائل دينية، فهو حسن، وقد تمنى النبي ﷺ الشهادة في سبيل اللَّه . وفي «الصحيحين» عنه ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللَّه مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار» (١)، وهذا هو الغبطة، وسماه حسدًا من باب الاستعارة.
وقسم آخر إذا وجد من نفسه الحسد، سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداء الإحسان إليه، والدعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالته ما وجد له في نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبة أن يكون أخوه المسلم خيرًا منه وأفضل، وهذا من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه وهو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٢). اهـ من «جامع العلوم والحكم».
стр. 271
العين حق
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استُغْسلتم فاغسلوا». رواه أحمد ومسلم.
جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٦ ص ١٨١، ١٨٢):
(«العين» أي: أثرها «حق» لا بمعنى أن لها تأثيرًا بل معنى أنها سبب عادي كسائر الأسباب العادية بخلق اللَّه تعالى عند نظر العائن إلى شيء وإعجابه ما شاء من ألم أو هلكة.
قوله: «لو كان شيء سابق القدر» بالتحريك أي لو أمكن أن يسبق شيء القدر في إفناء شيء وزواله قبل أوانه المقدر له «لسبقته» أي: القدر «العين» لكنها لا تسبق القدر، فإنه تعالى قدر المقادير قبل الخلق. قال الحافظ: جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين لا أنه يمكن أن يرد القدرَ شيءٌ إذ القدر عبارة عن سابق علم اللَّه وهو لا راد لأمره (١).
وحاصله لو فرض أن شيئًا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها انتهى. قال النووي: فيه إثبات القدر وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة، ومعناه أن الأشياء كلها بقدر اللَّه تعالى ولا تقع إلا على حسب ما قدرها اللَّه تعالى وسبق بها علمه. فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر اللَّه تعالى وفيه صحة أمر العين وأنها قوية الضرر انتهى). اهـ من «تحفة الأحوذي».
العين: عينان: إنسية وجنية: جاء في «زاد المعاد» لابن القيم ﵀ بتحقيق الأرنؤوط أثابه اللَّه تعالى (جـ٤ ص ١٦٤):
والعين: عينان: عينٌ إنسية، وعينٌ جنِّيّة، فقد صح عن أم سلمة، أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: «استرقوا لها، فإن بها النظرة» (٢).
قال الحسين بن مسعود الفراء: وقوله «سفعة». أي: نظرة، يعني: من الجن. يقول: بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ من أسنة الرماح). اهـ.
стр. 272
علاج العين:
١ - الرقية (التعوذات): سواء كانت العين إنسية أو جنية، وقد تقدم حديث الجارية السابق.
وفي «الصحيحين» عن عائشة قالت: (أمرني النبي ﷺ ، أو أمر أن نسترقي من العين).
قال الحافظ في «الفتح» (جـ١٠ ص ٢١١): (أي يطلب الرقية ممن يعرف الرقى بسبب العين [وهي لا تكون إلا بالقرءان والسنة] وقال ﵀: (وفي الحديث مشروعية الرقية لمن أصابه العين). اهـ من «الفتح».
وجاء في «زاد المعاد» (جـ٤ ص ١٦٨: ١٧٣) ما مختصره:
(والنفس: العين، يقال: أصابت فلانًا نفس، أي: عين. والنافس: العائن.
فمن التعوذات والرقى الإكثار من قراءة المعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي ومنها التعوذات النبوية.
نحو: أعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق.
ونحو: أعوذ بكلمات اللَّه التامة من كل شيطان وهامة (١)، ومن كل عين لامة.
ونحو: أعوذ بكلمات اللَّه التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ (٢)، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في
стр. 273
الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل، والنهار، ومن شر طوارق الليل إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن.
ومنها: «أعوذ بكلمات اللَّه التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن شر همزات الشياطين وأن يحضرون».
ومنها: «اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم، اللهم إنه لا يُهزم جندُك، ولا يُخْلَفُ وعدك، سبحانك وبحمدك».
ومنها: «أعوذ بوجه اللَّه العظيم الذي لا شيء أعظم منه، وبكلمات اللَّه التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وأسماء اللَّه الحسنى، ما علمت منها وما لم أعلم، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره، ومن شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، إن ربي على صراط مستقيم».
ومنها: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا باللَّه، أعلم أن اللَّه على كل شيء قدير، وأن اللَّه قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم».
وإن شاء قال: «تحصنتُ باللَّه الذي لا إله هو، إلهي وإله كل شيء، واعتصمت بربي ورب كل شيء، وتوكلت على الحي الذي لا يموت، واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا باللَّه، حسبي اللَّه ونعم الوكيل، حسبي الرب من العباد، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي الرازق من المرزوق، حسبي الذي هو حسبي حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، حسبي اللَّه وكفى، سمع اللَّه لمن دعا، ليس وراء اللَّه مرمى، حسبي اللَّه لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم».
ومن جرب هذه الدعوات والعُوذ، عرف مقدار منفعتها، وشدة الحاجة إليها، وهي تمنع وصول أثر العائن، وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها، وقوة نفسه، واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه، فإنها سلاح، والسلاح بضاربه.
فصل
٢ - وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين، فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه، كما قال النبي ﷺ لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: «ألا برَّكت» أي: قلت: اللهم بارك عليه. [وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى].
٣ - وما يدفع به إصابة العين قول: ما شاء اللَّه لا قوة إلا باللَّه، روى هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان إذا رأى شيئًا يعجبه، أو دخل حائطًا من حيطانه، قال: ما شاء اللَّه، لا قوة إلا باللَّه.
٤ - ومنها رقية جبريل ﵇ للنبي ﷺ الذي رواها مسلم في «صحيحه»: «باسم
стр. 274
اللَّه أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد اللَّه يشفيك، باسم اللَّه أرقيك».
٥ - ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن، ثم يشربها.
قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن، ويغسله، ويسقيه المريض، ومثله عن أبي قلابة. ويذكر عن ابن عباس: أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادُها أثرٌ من القرآن، ثم يغسل وتسقى.
وقال أيوب: رأيت أبا قلابة كتب كتابًا من القرآن، ثم غسله بماء، وسقاه رجلاً كان به وجع.
٦ - ومنها: أن يؤمر العائن بغسل مغابنه (١) وأطرافه وداخلة إزاره، وفيه قولان:
أحدهما: أنه فرجه.
والثاني: أنه طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن، ثم يُصَبُ على رأس المعين من خلفه بغتة، وهذا مما لا يناله علاج الأطباء، ولا ينتفع به من أنكره، أو سخر منه، أو شك فيه، أو فعله مجربًا لا يعتقد أن ذلك ينفعه).
[وذكر ﵀ في أول الباب]:
قال الزهري: يؤمر الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه، فيتمضمض، ثم يمجه في القدح، ويغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على ركبته اليمنى في القدح، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخله إزاره، ولا يوضع القدح في الأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي تصيبه العين من خلفه صبةً واحدة (٢)). اهـ من «زاد المعاد».
الكلام على اغتسال العائن للمعين - بالتفصيل - من «تحفة الأحوذي»، والذي قد سبقت الإشارة إليه: أي تكملة شرح الحديث المذكور في أول الباب: قال المباركفوري رحمه اللَّه تعالى: («وإذا استغسلتم» بصيغة المجهول أي إذا طلبتم للاغتسال «فاغسلوا» أطرافكم عند طلب المعيون ذلك من العائن، وهذا كان أمرًا معلومًا عندهم، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم، وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك، وظاهر الأمر
стр. 275
الوجوب. وحكى المازري فيه خلافًا وصحح الوجوب وقال: متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين. وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر وهذا أولى، ولم يبين في هذا الحديث صفة الاغتسال وقد وقعت في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي وصححه ابن حبان من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه أن النبي ﷺ خرج وساروا معه نحو ماء حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف وكان أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة فلبط، أي صرع وزنًا ومعنى أي سهل، فأتى رسول اللَّه ﷺ فقال: «هل تتهمون به من أحد؟» قالوا: عامر بن ربيعة فدعا عامرًا فتغيظ عليه، فقال: «علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت»! ثم قال: «اغتسل له»، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزارة في قدح ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره ثم يكفأ القدح، ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس. لفظ أحمد من رواية أبي أويس عن الزهري، ولفظ النسائي من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري بهذا السند أنه يصب صبة على وجهه بيده اليمنى وكذلك سائر أعضائه صبة صبة في القدح، وقال في آخره ثم يكفأ القدح وراءه على الأرض، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق ابن عيينة عن الزهري عن أبي أمامة أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل فذكر الحديث، وفيه فليدع بالبركة، ثم دعا بماء فأمر عامرًا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه. قال سفيان قال معمر عن الزهري: وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه. قال المازري: المراد بداخلة الإزار الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن، وقد ظن بعضهم أن داخلة الإزار كناية عن الفرج انتهى. وزاد عياض أن المراد ما يلي جسده من الإزار، وقيل: أراد موضع الإزار من الجسد وقيل أراد وركه لأنه، معقد الإزار). اهـ
стр. 276
من «تحفة الأحوذي».
وجاء في «زاد المعاد» (جـ٤ ص ١٧٣):
٧ - (ومن علاج ذلك أيضًا والاحتراز منه ستر محاسن من يخاف عليه العين بمن يردها عنه، كما ذكر البغوي في كتاب «شرح السنة»: أن عثمان ﵁ رأى صبيًا مليحًا، فقال: دَسِّمُوا نُونَتَه، لئلا تصيبه العين، ثم قال في تفسيره: ومعنى: دسموا نونته: أي: سودوا نونته، والنونة: النقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير.
وقال الخطابي في «غريب الحديث» له: عن عثمان إنه رأى صبيًا تأخذه العين، فقال: دسموا نونته. فقال أبو عمرو: سألت أحمد بن يحيى عنه، فقال: أراد بالنونة: النقرة في ذقنه. والتدسيم: التسويد. أراد: سودوا ذلك الموضع من ذقنه، ليرد العين). اهـ من «زاد المعاد».
وجاء في «التفسير القيم» لابن القيم رحمه اللَّه تعالى (ص ٥٧٧: ٥٩٤) ما مختصره:
(والعاين والحاسد يشتركان في شيء، ويفترقان في شيء).
فيشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه، وتتوجه نحو من يريد أذاه.
فالعائن: تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته.
والحاسد: يحصل له ذلك عند غيبة المحسود وحضوره أيضًا.
ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده، من جماد أو حيوان، أو زرع، أو مال، وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه. وربما أصابت عينه نفسه، فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق، مع تكييف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين.
والمقصود: أن العائن حاسد خاص. وهو أضر من الحاسد. ولهذا - واللَّه أعلم - إنما جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن لأنه أعم.
فكل عائن حاسد ولا بد. وليس كل حاسد عائنًا. فإذا استعاذ من شر الحاسد دخل فيه العائن. وهذا من شمول القرآن وإعجازه وبلاغته.
والشيطان يقارن الساحر والحاسد، ويحادثهما ويصاحبهما. ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان، لأن الحاسد شبيه بإبليس، وهو في الحقيقة من أتباعه؛ لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس، وزوال نعم اللَّه عنهم، كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله، وأبى أن يسجد له حسدًا. فالحاسد من جند إبليس. وأما الساحر فهو يطلب من الشيطان أن يعينه ويستعينه. وربما يعبده من دون اللَّه، حتى يقضي له حاجته، وربما يسجد له.
стр. 277
وفي كتب السحر والسر المكتوم من هذا عجائب. ولهذا كلما كان الساحر أكفر وأخبث وأشد معاداة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى وأنفذ.
والمقصود: أن الساحر والحاسد كل منهما قصده الشر، لكن الحاسد بطبعه ونفسه وبغضه للمحسود، والشيطان يقترن به ويعينه، ويزين له حسده، ويأمره بموجبه. والساحر بعلمه، وكسبه، وشركه، واستعانته بالشياطين.
فصل
ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب (١):
أحدها: التعوذ باللَّه من شره، والتحصن به واللجأ إليه. وهو المقصود بهذه السورة واللَّه تعالى سميع لاستعاذته، عليمٌ بما يستعيذ منه، والسمع هنا المراد به: سمع الإجابة، لا السمع العام. فهو مثل قوله: «سمع اللَّه لمن حمده» وقول الخليل ﷺ : ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ [إبراهيم: ٣٩] ومرة يقرنه بالعلم، ومرة بالبصر، لاقتضاء حال المستعيذ ذلك، فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن اللَّه يراه، ويعلم كيده وشره. فأخبر اللَّه تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته، أي مجيب، عليم بكيد عدوه، يراه ويبصره، لينبسط أمل المستعيذ، ويقبل بقلبه على الدعاء.
وتأمل حكمة القرآن، كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في الأعراف (٢) وحم السجدة أي: فصلت (٣). وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ: ﴿السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ في سورة حم المؤمن فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] لأن أفعال هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر، وأما نزغ الشيطان فوساوس، وخطرات يلقيها في القلب، يتعلق بها العليم فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها. وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يُرى بالبصر، ويدرك بالرؤية، واللَّه أعلم.
السبب الثاني: تقوى اللَّه، وحفظه عند أمره ونهيه. فمن اتقى اللَّه تولى اللَّه حفظه،
стр. 278
ولم يكله إلى غيره. قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] وقال النبي ﷺ لعبد اللَّه بن عباس: «احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك» (١)، فمن حفظ اللَّه حفظه اللَّه، ووجده أمامه أينما توجه. ومن كان اللَّه حافظه وأمامه فممَّن يخاف؟ وممَّنْ يحذر؟
السبب الثالث: الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً. فما نُصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه، والتوكل على اللَّه ولا يستطل تأخيره وبغيه.
السبب الرابع: التوكل على اللَّه: والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم. وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن اللَّه حسبه، أي كافيه. ومن كان اللَّه كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر والبرد، والجوع والعطش، وإما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدًا.
وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له، وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه.
قال بعض السلف: جعل اللَّه لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه، وواقيه.
السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له فلا يلتفت إليه ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه.
السبب السادس: وهو الإقبال على اللَّه والإخلاص له، وجعل محبته ورضاه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه، وأمانيها تدب فيها دبيب تلك الخواطر شيئًا فشيئًا، حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب، والتقرب إليه وتملقه وترضيه، واستعطافه وذكره، قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس: أنه قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ
стр. 279
عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩، ١٠٠]، وقال في حق الصديق يوسف ﷺ : ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
السبب السابع: تجريد التوبة إلى اللَّه من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه. فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال لخير الخلق، وهم أصحاب نبيه دونه ﷺ : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
فما سلط على العبد ما يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها. وما ينساه مما عمله أضعاف ما يذكره.
وفي الدعاء المشهور: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم» (١).
فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه. فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب.
ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه، فقال له: قف حتى أدخل البيت، ثم أخرج إليك. فدخل فسجد لله وتضرع إليه وتاب، وأناب إلى ربه. ثم خرج إليه فقال له: ما صنعت؟ فقال: تبت إلى اللَّه من الذنب الذي سلطك به عليَّ.
وسنذكر إن شاء اللَّه تعالى أنه ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها. فإذا عوفي العبد من الذنوب عوفي من موجباتها. فليس للعبد إذا بغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنفع له من التوبة النصوح.
وعلامة سعادته: أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه، فيشتغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها. فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به، بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه. واللَّه يتولى نصرته وحفظه، والدفع عنه ولا بد.
فما أسعده من عبد، وما أبركها من نازلة نزلت به، وما أحسن أثرها عليه، ولكن التوفيق والرشد بيد اللَّه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. فما كل أحد يوفق لهذا، لا معرفة به، ولا إرادة له، ولا قدرة عليه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه. فإن لذلك تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء، ودفع العين، وشر الحاسد. ولو لم يكن في هذا إلا بتجارب الأمم قديمًا وحديثًا لكفى به. فما تكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملاً فيه باللطف والمعونة والتأييد. وكانت له فيه العاقبة الحميدة.
السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس، وأشقها عليها، ولا يوفق له إلا من عظم حظه من اللَّه - وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه.
فكلما ازداد أذىً وشرًّا وبغيًا وحسدًا ازددت إليه إحسانًا، وله نصيحة، وعليه شفقة. وما أظنك تصدق بأن هذا يكون، فضلاً عن أن تتعاطاه، فاسمع الآن قوله : ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ - وَإِمَّا
стр. 280
يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤: ٣٦]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤].
واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس، ويطيبه إليها ويُنعمها به.
اعلم أن لك ذنوبًا بينك وبين اللَّه، تخاف عواقبها، وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك. ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة، حتى ينعم عليك ويكرمك، ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله. فإذا كنت ترجو هذا من ربك، وتحب أن يقابل به إساءتك، فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه، وتقابل به إساءتهم؛ ليعاملك اللَّه تلك المعاملة. فإن الجزاء من جنس العمل فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل اللَّه معك في ذنوبك وإساءتك، جزاءً وفاقًا. فانتقم بعد ذلك، أو اعف، وأحسن أو اترك. فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده يفعل معك.
السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها، وفاطرها وبارئها، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه. فهو الذي يحسن إلى عبده بها. وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه. قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]، وقال النبي ﷺ لعبد اللَّه بن عباس ﵄: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك» (١).
فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع اللَّه، بل يفرد اللَّه بالمخافة وقد أمنه منه. وخرج من قلبه اهتمامه به، واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلاً، واشتغالاً به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، واللَّه يتولى حفظه والدفع عنه، فإن اللَّه يدافع عن الذين آمنوا، فإن كان مؤمنًا باللَّه فاللَّه يدافع عنه ولا بد. وبحسب إيمانه يكون دفاع اللَّه عنه. فإن كمل إيمانه كان دفع اللَّه عنه أتم دفع، وإن مزج، مزج له. وإن كان مرة ومرة
стр. 281
فاللَّه له مرة ومرة، كما قال بعض السلف: من أقبل على اللَّه بكليته أقبل اللَّه عليه جملة. ومن أعرض عن اللَّه بكليته أعرض اللَّه عنه جملة. ومن كان مرة ومرة فاللَّه له مرة ومرة.
فالتوحيد حصن اللَّه الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف: من خاف اللَّه خافه كل شيء. ومن لم يخف اللَّه أخافه من كل شيء.
هذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفع من التوجه إلى اللَّه وإقباله عليه، وتوكله عليه، وثقته به، وأن لا يخاف معه غيره، بل يكون خوفه منه وحده، ولا يرجو سواه، بل يرجوه وحده، فلا يعلق قلبه بغيره، ولا يستغيث بسواه، ولا يرجو إلا إياه. ومتى علق قلبه بغيره ورجاه وخافه: وكل إليه وخذل من جهته. فمن خاف شيئًا غير اللَّه سُلِّط عليه. ومن رجا شيئًا سوى اللَّه خذل من جهته وحرم خيره. هذه سنة اللَّه في خلقه. ولن تجد لسنة اللَّه تبديلا). اهـ من «التفسير القيم».
* * *
стр. 282
الباب الثالث عشر: الدين النصيحة
قال رسول اللَّه ﷺ : «الدين النصيحة» رواه مسلم .. لذا أذكِّر نفسي وإياك بهذه النصائح والفوائد:
الأولى: قال اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. الصلاة الوسطى: قال ابن كثير ﵀ بعد أن أورد الخلاف فيها: وقد ثبتت السنة بأنها صلاة العصر (١). انتهى.
وعلى هذا يمكن القول - واللَّه أعلم -: انتظارك صلاة العصر قبل الأذان لا يقل عن استيقاظك قبل الفجر للقيام.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول اللَّه ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال «الجهاد في سبيل اللَّه» متفق عليه. وعلى هذا يمكن القول واللَّه أعلم: إذا أردت الرضوان فحافظ على الصلاة حفاظ المؤذن على الأذان. ولا يفوتك أن تقرأ فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في (مسألة الجماعة للصلاة) هل واجبة أم سنة؟ وإذا قلنا: واجبة، هل تصح الصلاة بدونها مع القدرة عليها؟ (٢).
الثانية: الابتعاد عن اللهو والأغاني لقول اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] فالقلب المشغول بالأغاني، لا يكون عامرًا بالقرآن. وقد سبق الكلام عن حكم الإسلام في الغناء.
الثالثة: ترتيل القرآن وحفظه والعمل به.
أ- قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ٤]. قال رسول اللَّه ﷺ : «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لصاحبه». رواه مسلم. وقال ﷺ : «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران» متفق عليه. جاء في «رياض الصالحين» بتحقيق عبد العزيز رباح والدقاق والأرنؤوط ما يلي: «ماهر به» أي: يجيد لفظه على ما ينبغي بحيث لا يتشابه ولا يقف في قراءته. «مع السفرة»: الملائكة الرسل إلى الرسل صلوات اللَّه عليهم. «البررة» أي: المطيعين أي:
стр. 283
معهم في منازلهم في الآخرة.
فائدة:
قال ابن تيمية: من لم يقرأ القرآن فقد هجره، ومن قرأ القرآن ولم يتدبره فقد هجره، ومن قرأ القرآن وتدبره ولم يعمل به فقد هجره.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من قرأ حرفًا من كتاب اللَّه فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١).
وروي أنه جاء في التوراة: إن اللَّه تعالى يقول: أما تستحي مني، يأتيك كتاب (يعني: خطاب) من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي، فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرأه وتتدبره حرفًا حرفًا، حتى لا يفوتك شيء منه، وهذا كتابي أنزلته إليك، انظر كيف فصلت لك فيه من القول، وكم كررت عليك فيه لتتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه، فكنت أهون عليك من بعض إخوانك، يا عبدي! يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك، وتصغي إلى حديثه بكل قلبك، فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كف، وها أنا مقبل عليك ومحدث وأنت معرض بقلبك عني، أفجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك؟!
ب- أهل القرآن: قال رسول اللَّه ﷺ : «أهل القرآن هم أهل اللَّه وخاصته» (٢)، قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وبحزنه إذ الناس يفرحون. وقال محمد بن كعب: كنا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه، يشير إلى سهره وطول تهجده. وقال وهيب بن الورد: قيل لرجل: ألا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي.
فائدة:
جاء في «زاد المعاد» لابن القيم ﵀، قال بعض السلف: نزل القرآن ليعمل به، فاتَخذوا تلاوته عملاً، ولهذا كان أهل القرآن هم العاملون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم (٣). انتهى.
جـ- واحرص دائمًا على أن تجمع بين علوم القرآن والسنة (على الأقل معرفة ترتيل
стр. 284
القرآن وفهم مفرداته وما يعلم من الدين بالضرورة) وبين علوم الدنيا، وإلا فكما يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
قال ابن كثير: (أي أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشئونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون في أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة)، قال الحسن البصري: واللَّه ليبلغ من أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية: يعني: الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال) (١). انتهى.
ويمكنك إذا كنت لا تجيد قراءة القرآن أن تذهب إلى أقرب مسجد لتتعلم فيه كيفية التلاوة، وهناك طريقة سهلة، وهي أنك تأتي بشرائط القرآن المرتل (٢)، ثم تتابع مع الشريط في المصحف، وإذا لم يكن في إمكانك الحصول على تلك الشرائط، فيمكنك أن تستمع إلى محطة القرآن الكريم وتتابع مع القارئ في المصحف أيضًا. ويمكنك أن تختم القرآن ولو مرة على الأقل في الشهر بأن تقرأ جزءًا في كل يوم حتى لا تكون من الذين قد هجروا تلاوة القرآن.
الرابعة: عليك بصيام التطوع، قال رسول اللَّه ﷺ : «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل اللَّه إلا باعد اللَّه بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» أي: مدة سير سبعين عامًا كما قال العلماء. متفق عليه.
جاء في «الصحيحين»: قال اللَّه تعالى: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» قال ابن رجب الحنبلي في «لطائف المعارف»: (ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة، وقيل: ليس فيه رياء؛ كذا قال الإمام أحمد وغيره).
وصيام التطوع ما يلي:
١ - يوم عرفة لغير الحاج وهو تاسع ذي الحجة. لقوله ﷺ : «صوم يوم عرفة يكفر سنتين، ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية». رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
٢ - يوم عاشوراء ويوم تاسوعاء، وهما العاشر والتاسع من شهر المحرم؛ لقوله ﷺ : «لئن
стр. 285
بقيت إلى قادم لأصومن التاسع» - يعني: مع يوم عاشوراء - كما في «فقه السنة». رواه أحمد ومسلم، وأما عن صيام الحادي عشر من المحرم فقد جاء في رسالة المشروع وغير المشروع في شهر اللَّه المحرم (وما يذكره البعض من استحباب صيام الحادي عشر مع عاشوراء حديثه لم يصح، لا عن النبي ﷺ ، ولا عن ابن عباس ﵄، ولكن لا خلاف في مشروعية صيام يوم الحادي عشر لمطلق حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم والذي يدل على استحباب الإكثار من الصيام في شهر اللَّه المحرم) ..
٣ - صيام ستة أيام من شوال. لقوله ﷺ : «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال فكأنما صام الدهر». رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. هذا لمن صام رمضان كل سنة. قال العلماء: الحسنة بعشر أمثالها ورمضان بعشر شهور، والأيام الستة بشهرين. وعند أحمد: أنها تُؤَدَّى متتابعة وغير متتابعة، ولا فضل لأحدهما على الآخر، وعند الحنفية والشافعية: الأفضل صومها متتابعة عقب العيد كذا في «فقه السنة».
٤ - الإكثار من الصيام في شعبان، وخاصة النصف الأول منه، وذلك لفعله ﷺ ذلك فقد صح عنه ﷺ أنه كان يصوم شعبان إلا قليلاً.
٥ - العشر الأول من شهر ذي الحجة وفيه خلاف (١). قالت عائشة: ما رأيته [أي ﷺ ] صائمًا في العشر قط. ذكره مسلم.
٦ - شهر المحرم لقوله ﷺ عندما سئل عن الصيام: أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: «شهر اللَّه المحرم الذي تدعونه المحرم». رواه مسلم.
٧ - الأيام البيض من كل شهر وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. لقول أبي ذر الغفاري - نقلاً عن «فقه السنة» - أمرنا رسول اللَّه أن نصوم من الشهر الثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وقال: هي كصوم الدهر، رواه النسائي وصححه ابن حبان.
٨ - صيام يوم الإثنين. لقوله ﷺ : «إن الأعمال تعرض كل يوم اثنين وخميس، فيغفر اللَّه لكل مسلم، أو لكل مؤمن إلا المتهاجرين، فيقول: أخِّرْهما». رواه أحمد بسند صحيح - كما في «فقه السنة».
والمقصود بالمتهاجرين: أي لغير اللَّه، فإذا كان أحدهما يهجر الآخر لله - خاصة بعد النصح والإرشاد - فلا إثم عليه، بل يؤجر على ذلك. واللَّه أعلم.