وان سمعت أذناك في سبب صدى ... أصخت رجاء إن أتى لك داعيا
وان كان وافى في الدجنة طارق ... تبادر عساه أن يكون الموافيا
لعلك تلقاه بعاف سبيله ... من الأرض قد أضحى من الأنس خاليا
عفا فغدا لا يستبين لناظر ... وإدراكه يعشي العيون الروانيا
فتلقاه فردا لا يراع بكاشح ... أمينا من آن تلقى سواه ملاقيا
قريب التلافي غير صعب قياده ... كما شئت بسام الثنايا مواليا
يمد رواقا للتواصل سجسجا ... ويورد عذبا من تدانيه صافيا
فتجني الرضى منه على حين غفلة ... من الدهر مهلا ليس ترهب واشيا ومنها بعد كثير:
فهاك معنى القلب جمر غرامه ... له لوعة لا ترتجي الدهر آسيا
يجهز جيشا للغرام مظفرا ... ويورده بحرا من الدمع طاميا
موارد دمع لا يخاف نفادها ... يمد الثكالى بحرها والبواكيا
يغالب أشجانا براه غلابها ... (١) فاصبح للخدين والوجه كابيا
سفاه لعمري ان يغالب قادر ... على الفصل لا يلقى عن الهم ثانيا
ومن رام غمر البحر يزحم (٢) موجه ... فأوشك بان يلقى لدى النسف طاميا
(٣٣آ) فلا تتبع يأسا فتتلف بالأسى ... فؤادا بنار الوجد اصبح صاليا
стр. 107
فقد يدرك الصعب البعيد مرامه ... ويضحي الذي أبدى الجماح مواتيا
ويضحي الذي منه الغرام وداؤه ... إذا شاءه الله الطبيب المداويا وقال في قصيدة:
هوى والهوى يتلوه اثر الهوى هوى ... كذاك هوى حتى ازور المقابرا
فلو جئت قبري بعد سبعين حجة ... تزور وقد صارت عظامي نواخرا
لكان الصدى مهما أتيت مسلما ... ومؤتمرا إن كنت قد جئت أمرا وهو لهذا العهد بالبلاد قد ارتبط واغتبط، وفي غير الفنون النافعة ما خبط، وبلغت عنه وفاة كاذبة اقتسم لها ميراثه، كما قيل:
أكلوه حيا هل سمعت كآكل ... من غير مضطر للحم أخيه
стр. 108
٣٧ - الشيخ القاضي أبو عمرو عثمان بن محمد
بن يحيى بن منظور القيسي (١)
صدر معارف جمة، وصاحب نفس بالكمال مهتمة، كانت أخلاقه كالزلال بل هي أعذب، وشمائله يحسدها الأريحي المهذب، بذ السوابق في منقول ومعقول، وبشر مصقول، وتولى القضاء فحسنت السيرة، وسهلت في الحق المذاهب العسيرة، وكان لا يتصف بنثر ولا نظم، ولا يغتبط من ذلك بلحم ولا بعظم، إلا ما وقفت عليه بخطه في ظهر كتاب ألفه شيخنا الوزير أبو بكر ابن الحكيم، ﵀،وسماه الفوائد المنتخبة والمواد المستعذبة، فاستحق الذكر في هذه الطبقة لذلك، والسير في هذه المسالك، ونصه:
قد جمع الحكم وفصل الخطاب ... ما ضمه مجموع هذا الكتاب
من أدب غض ومن علية ... تسابقوا للخير في كل باب
(٣٣ب) فجاء فذا في العلا والنهى ... ومنتقى صفو لباب اللباب
ألفه الحبر الجليل الذي ... حاز العلا إرثا وكسبا فطاب
стр. 109
٣٨ - القاضي الشيخ أبو بكر بن ولي الله تعالى أبي جعفر ابن الزيات (١)
هضبة توقير لا ترجف ولا تزلزل، وذروة دونها السماك ألا عزل، بنى على أساس الأبوة الشهيرة، وسفر فضله عن محيا شمس الظهيرة، وكان فرعا من دوحة، وصفي غدوه في سبيل الله وروحه، متجر الرواية عاليها، متصل المثابرة متواليها، حسن الخط مجيده، محليا به نحر ما يلفظه وجيده. وكان يلم يشعر لم اقف منه ألا على قوله:
يفاتح بالتسليم مجلس عزلكم ... وبالرحمة العظمى وبالبركات
وحبي فيكم غير خاف عليكم ... وحسبي هذا الحب طول حياتي
أدام لك الله السعود وأبقيت ... علاك بجيد الملك منتظمات وكتب مستدعيا إجازة أهل عصره إياه، فكان من منظوم ذلك قوله:
لما علوتم يا مصابيح الدجى ... رتبا قصرت عليكم مني الرجا
وقرعت باب الفضل منكم سالكا ... سننا من الحرص الرضي ومنهجا
وأبيت إلا ان أكون ابنا لكم ... عملا بما يقضي به حكم الحجى
والله جل اسما يطيل بقاءكم ... ويري ابنكم فيكم جميعا ما رجا
стр. 110
٣٩ - محمد بن محمد بن شعبة الغساني أبو عبد الله، رحمة الله عليه:
فاضل نزع من بيت العمل، إلى ارعاء الهمل، وصحا من بعد الثمل، فظفر من القضاء بالأمل، وجنح على (١) قلم الحساب، إلى الاستماء (٢) للخطط الرفيعة والانتساب، لما شهر بزهده (٣) في الاكتساب، فكان مشكور التحول، (٣٤آ) محمود التعول، وفقا في ترك التكسب المعتاد والتمول، وله ادب نبيل، وسمت وضح منه في التزامه سبيل فمن ذلك قوله:
يبلى على مر الجديدين الهوى ... وهواك يا ليلى جديد باق
قد رق من فرط الهوى جسمي فهل ... لي في الهوى من مشفق أو راق
ما ذاق قيس في الهوى ما ذقته ... كلا ولا أحد من العشاق
أنت المنى فصلي محبك أو ذري ... لابد منك على نوى (٤) وتلاق ومن شعره قوله:
إذا ما الخل خالك دمن ود ... وجارك بالكلام عليك جارا
ففارق كل من يدعى خليلا ... ولا تصحب من الأقوام جارا
стр. 111
ومن شعره أيضا:
ما ذوق الدهر الأنام مشقة ... مثل اعتياض شبيبة بمشيب
وبعاد من قربت إليهم داره ... وفراق كل حبيبة وحبيب ٤٠ - محمد بن سعد بن قاسم الأوسي أبو عبد الله بن الفخار، ﵀:
متفنن من المعارف في أزهار على انهار، بين بنفسج وبهار، ونفس سهلة، تريك عين السراوة لأول وهلة، لا تدري من أي أمريه تعجب، ولا أيهما بالاستحسان أوجب أصورته الوضية، أم أخلاقه المرضية، برع في الوثيقة وأحكامها، وتنزيل فصولها على مقتضيات أحكامها، وولي القضاء فشكر له فيه التصرف، وأمكن بالمعارف التعرف؛ وله شعر نبيه، وبستانه (١) في الفضل والظرف شبيه؛ فمن ذلك قوله من كتاب سماه: " خمائل في شمائل الكرام ":
(٣٤ب) جمال ذي الأنفس أن تتضع ... فاعمل على تحصيل ذا تنتفع
فهذه الأثمان في وزنها ... أن يك فيها ناقص يرتفع وقال في الزهد:
اخرج من الدنيا ولا تعتلق ... منها بما لا بد أن ينتسف
стр. 112
ألا ترى البدر على بعده ... مهما يكن في ظلها ينكسف (١) ومن ذلك قوله:
إياك من زهرة الدنيا وزينتها ... ولتنا عن ذا الدنا مهما إليك دنا
وازهد إذا أمكنت من نفسها كرما ... فالزهد فيها يريح النفس والبجنا ومن ذلك في فعل الخير:
دار بهذي الدار سكانها ... تقم على التأسيس أركانها
ولتفعل الخير فما غيرة ... من واجب قاوم إمكانها ومن ذلك في اجتناب الغش
صاف لمن صافاك (٢) وابرزلة ... مستوي الباطن والظاهر
لا تك كالماء يغر الفتى ... صفاؤة وليس بل لطاهر ومنة في السفر
سافر فما استولى على غاية ... من ليست الأسفار من ديدنة
فالغيث غيم وهو في جوة ... والتبر ترب وهو في معدنة
стр. 113
٤١ - الشيخ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن منظور القيسي (١)
رجل أصيل الحسب،كريم النسب، جامع في الفضل بين الموروث والمكتسب، احسن الناس لقاء، وأرواهم في البر سقاء، وأوطأهم (٣٥ آ) كنفا، واقلهم بأواً وأنفا، شيم تنم الأصالة على أثوابها الضافية، وتخبر رواية الرواة عن فضل مواردها الصافية، وان يصدر منه (٢) شعر لم يحضرني منه الآن ما أنشدنيه (٣) :
ما للعطاس ولا للفال من اثر ... فثق فديتك بالرحمن واصطبر
وسلم الأمر فالأحكام ماضية ... تجري على السنن المربوط بالقدر ٤٢ - الشيخ القاضي أبو الحجاج يوسف بن موسى
الجذامي المتشافري (٤)
حسنة من حسنات الدهر، وتحفة من تحف السر والجهر، وجالب أبكار أفكار تجل عن المهر، شيخ دمث الخلائق، متمسك من
стр. 114
الفضل بأقوى العلائق، كلف بالأدب الرائق، وشتى الفنون والطرائق، سبق بقطرة حلبة الرهان، وصان حشمته من الامتهان، وعني بالبيان، فجاء على خبرة بالعيان، وطارت منظومات في الأقطار كل مطار، مزرية بعرف الروضة المطار، وله تواليف حسنة الاغراض، وجواهر تلفى خلل تلك الأعراض، وولي القضاء فحمدت سيرت، وأثنت علية جيرتة. لقيتة في بعض الغزوات فاستظرفته، لما عرفته، وخاطبته بقولي:
حفظت (١) على فرط المشقة رحلة ... أتاحت لعيني إجلاء محياكا
وقد كنت بالتذكار في البعد قانعا ... وبالريح ان هبت بعاطر رياكة
فجاءت لي النعمى بما أنعمت به ... علي فحياها الإله وحياكا واتصل بها نثر ثبت في غير هذا (٢) فأجابني بمنظوم ومنثور، افتتحه بهذه الأبيات:
حباك فؤاد نيل بشرى فأحياكا ... وحيد بآداب نفائس حياكا
بدائع أبداها بديع زمانه ... فطاب بها يا عاطر الروض رياكا
(٣٥ ب) أمهد أودعت قلبي علاقة ... وان لم أزل مغرى قديما بعلياكا
إذا ما أشار العصر نحو فريدة ... فإياك يعني بالإشارة أياكا
لأتحفني لقياك أسنى مؤملي ... وهل تحفه في الدهر الا بلقياكا
وأعقبت إتحافي فرائدك التي ... وجوب ثنائي يا لساني أعياكا
стр. 115
وأنشدني قصيدته المطولة في مدح مولانا رسول الله ﷺ (١) :
لم تناهى الصب في تشويقه ... درر الدموع أعتاضها بعقيقه وقصيدته في الغرض المذكور وأولها (٢) :
إليك تحن النجب والنجباء ... فهم وهي في أشواقهم شركاء وأنشدني من شعره (٣)
هواكم بقلبي ما لنحكمه نسخ ... ومن اجله جفني بمدمعه يسخو
ومن نشأتي ما أن صحت منه نشوتي ... سواء به عصر الشباب أو الشرخ
عليه حياتي قد تمادت وميتتي ... وبعثي إذا بالصور يتفق النفخ
ولي جلد أضحى قنيص غرامه ... ولا شرك يدني إليه ولا فخ
قتلت سلوي حين أحييت لوعتي ... وما احتيج للإقرار في حالتي لطخ
وما صح جسمي إذ زكت بيناته ... يحول عليه من دموع الأسى نضخ
وأرجو بتحقيقي هواكم بان (٤) أفي ... بعهد ولا نقض وعقد ولا فسخ
وما الحب إلا ما استقل ثبوته ... لمبناه زص في الجوانب أو رسخ
إذا مسلك لم تستقم بطريقه ... سلكت اعتدالا مثلما يسلك الرخ
بدا لضميري من سناكم تلمح ... فبخ لعقل لم يطر عندها بخ
على عود ذاك العهد مازلت نادبا ... كما تندب الورقاء فارقها الفرخ
(٣٦أ) يدي بأياديكم وقلبي شاغل ... فمن فكرتي نسج ومن أناملي نسخ
стр. 116
ومن مقطوعاته (١) :
أدب الفتى في أن يرى متيقظا ... لأوامر من ربه ونواهي
وإذا تمسك بالهوى يهوي به ... فالحبل منه لمن يتقن واه ومنها (٢) :
ترى شعروا أني غبطت نسيمة ... ذكت بتلاقي الروض غب الغمائم
كما قابلت زهر الرياض وقبلت ... ثغور أقاحيه بلا لوم لائم ومنها (٣) :
لوعة الحب في فؤادي تعاصت ... أن تداوى ولو أتى ألف راق
كيف برئي من علة وعليها ... زائد علة النوى والفراق
فانسكاب الدموع جار مجار ... والتهاب الضلوع راق فراق ومنها (٤) :
يا من في دنياه ظل في لجج ... حقق بأن النجاة في الشاطئ
تطمع في إرثك الفلاح وقد ... أضعت ما قبله من اشراط
كن حذرا في الذي طمعت به ... من حجب نقص وحجب إسقاط
стр. 117
٤٣ - القاضي أبو جعفر احمد بن عبد الحق الجدلي الأستاذ (١) ، ﵀:
مدلول لفظ الظرف، وروضه (٢) العطر العرف، المستوقف للطرف، فتح الله له الفضل باعا، وملاه (٣) له انقيادا وانطباعا، أمتعه إمتاعا وخوله من حظوظ العاجلة والآجلة متاعا؛ ما شئت من وجه جميل، ووخد في السرو وذميل، واضطلاع بالفنون الجمة، والمعارف [٣٦ب] المخولة المعمة، يجيل في ميادينها الجياد، ويروم صعابها فتعطي القياد، واتصلت برعيي إياه أيام ولايته، وضفت عليه لله أثواب عنايته، إلى أن مات موجع الفقد، وثيق العقد، محاشى صداق صدقه من النقد. وكان له شعر يحسن متى يسرد، ومعان عن حمى الإجادة لا تطرد. فمن ذلك قوله في جدول (٤) :
ومنمنم الشطين منه حمائل ... كالمشرفي قد اكتسى بفرنده
فخمائل الديباج منه خمائل ... متعانق فيها البهار بورده
وقد اختفى طوق له في دوحة ... كالسيف رد ذبابه في غمده وقال في شجر نارنج (٥) :
وثمار نارنج ترى أزهاره ... مع قانئ النارنج في تنضيد
стр. 118
فإذا نظرت إلى تآلفها أتت ... كمباسم أومت للثم خدود وكتب صحبة أقلام أهداها:
يا ناظما أربى على حسان ... يا ناثرا أزرى على سحبان
خذها ذوا بل من وشيج يراعة ... حازت قواما مثل غصن ألبان
أهديتها لبراعة راقت على ... طرس لكم يربي على بستان
آخيت بين يراعة وبراعة ... (١) إذ زنت خطا رائقا ببنان ٤٤ - الشيخ القاضي أبو زكريا يحيى بن السراج
الأستاذ المعروف بابن جلوط
شيخ سكون، له إلى حومة (٢) الخير ركون، منقبض عن الناس، طاهر ثوب العدالة من الأدناس، نشأ خدن الصيانة، وقاضيا دين الديانة، ولقي جلة، وقادة بأعباء الفضل مستقلة، فاستفاد معارف (٣٧آ) تجمل منها بحلي ومطارف، وولي القضاء فلم يأل تسديدا، ولا عدم للنزاهة ظلا مديدا، لقيته بجبل الفتح حليف اغتباط، بجهاد ورباط، وقيدت من شعره ما وسعه زمان لقائه، مكتتبا من ألقاه، فمن ذلك قوله وهو شاهد بزهده، وانقباضه عن الدنيا بجهده، رحمة الله تعالى:
نهاك نذير الشيب لو كنت ترعوي ... وهل بعد انذار المشيب نذير
стр. 119
إلى كم ترى عن نصح نفسك معرضا ... وتصغي إلى الآمال وهي غرور
أرى العمر ولي معرض عنك فاغتنم ... بقيته أن البقاء عسير
وبادر إلى الطاعات غير مقصر ... فأطول أيام الحياة قصير
إلهي أجرني من عذابك انه ... عذابك محذور وأنت مجير
ولا تخزني يوم الحساب ونجني ... بفضلك إن الفضل منك كبير
ندبت إلى الصفح الجميل فجد به ... فأنت به يا ذا الجلال جدير
ومن بجبري من قبيح إساءتي ... فعبدك مما قد جناه كسير
فما ضل من أتيته رشد نفسه ... ولا ذل من والاه منك نصير ٤٥ - القاضي أبو جعفر احمد بن محمد بن علي بن برطال (١) رحمة الله عليه:
رجل تجمل بلباس نبيه، من ميراث ابيه، فلم يأل اقتصادا، ولا اعمل للعنقاء مصادا، ولا أرصد للحظ إرصاداً، فجاءه عفوا، ووروده صفوا؛ وتقدم قاضي الجماعة، شاردا أمله عن الطماعة، وعجب لذلك خطاب
стр. 120
الخطة، والقدر لا يستعدى عليه صاحب الشرطة، وفي ذلك يقول شيخنا أبو البركات (١) :
(٣٧ب) إن تقديم ابن برطال دعا ... طالبي العلم إلى ترك الطلب
حسبوا الأشياء من أسبابها ... فإذا الأشياء من غير سبب إلى انه وان لم يعمل الاستعداد، لم يتخط السداد، وكان الصون أخص صفاته، والهوادة تزل عن صفاته، وكانت ولايته قريبة من وفاته، ولم ينتحل الشعر ليحسب من أربابه، أو يعده منحيا الرزق وأسبابه، إلا أنني وقفت له على بيتين يندران على مثله، ويدخلان وليمة الشعر ويترفعان عن مثاله، وهما ما أنشد من ودعه (٢) :
استودع الرحمن من لوادعهم ... قلبي وصبري آذنا بوداع
بانوا فطرفي والفؤاد ومقولي ... باك ومسلوب العزاء وداع
стр. 121
٤٦ - الشيخ القاضي أبو البركات محمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم
ابن الحاج البلفيقي السلمي (١) شيخنا (٢) رحمه الله تعالى
واحد الفئة، وصدر صدور هذه المائة، ولعمري ان قوادم الاجتهاد لمقصوصة، وقواعد النصفة غير مرصوصة، لتعيين غاية (٣) مخصوصة، بل نقول وهو الوفاء، وفيه للصدر الشفاء، تحفة الدهر التي يقل لها الكفاء، وبقية السلف التي يقال عندها: " على آثار من ذهب العفاء "، اما لفظ السيادة فهو مدلوله، وأما ربع المجادة فلولاه لا قوت طلوله، فما شئت من شرف زاحم الثريا بمناكبه، ومجد خفقت بنوده فوق مواكبه، وحسب ككعوب الرمح كابرا عن كابر، وأصالة تنتقل أسرارها إلى بطون المحارب من ظهور المنابر، تواضع عن علو الهمة، وتنازل مع الاستواء بأعلى القمة، وآثر الخمول (٤) مع (٣٨آ) جلالة القدر ووفور الذمة، واخذ عن الأصاغر مع كونه إمام الأئمة؛ كان ﵀ ابعد خلق الله عن الحسد، وأشدهم إقداما على الاسد، ومتنفسا عن نفس لا نسبة بينها وبين الجسد؛
стр. 122
معروف الوفاء لمن عرفه، لا يساكنه الرياء في بقعه، ولا يساوقه الملق في رقعه، يرسل النادرة، ثم يتبعها الزفرة البادرة، والعبرة الهادرة، فمجالس العدل والأقساط، مشوبة بالانبساط، ودسوت الإثبات والمحو، متعاقبة الغيم والصحو، وسقائف الجعجاع، جامعة بين الاسترسال والاسترجاع، والتفكه بالاسجاع، والتزلف بتسكين الأوجاع؛ وأما الخطابة فهو زيد الخيل إذا منبر (١) اخرج، ولموقف الفضل اسرج، يبتده الشوارد على ظهره، معفيا طبعه من قهره، مقتضيا منه في الساعة من دهره، خبيئة شهره، كلما فجر مذانب البيان من نهره، أتحفها عود المنبر (٢) بزهره.
وبالجملة فكان هذا الشيخ في سلف، واهتمام زكلف، وعدم خلف، بمنزلة أبي دلف، " ولت الدنيا على أثره "، وقل إن ترجع، والبرهان يفضح من يجعجع؛ وله في الأدب عليا الدرجات، والافواح المتأرجات، والبدائع التي سارت مسير الشمس في الأقطار، وتغنى بها راكب الفلك وحادي القطار؛ فمن ذلك قوله في الأغراض الواهيات والأذواق الشهيات (٣) :
يأبى شجون حديثي الإفصاح ... إذ لا تقوم يشرحه الألواح
قالت صفية عندما مرت بها ... ابلي أتنزل ساعة ترتاح
(٣٨ب) فأجبتها لولا الرقيب لكان في ... ما تبتغي بعد الغدو رواح
قالت: وهل في الحي حي غيرنا ... فاسمح فديتك فالسماح رباح
فأجبتها: إن الرقيب هوالك ... بيديه منا هذه الأرواح
стр. 123
وهو الشهيد على موارد عبده ... سيان ما الإخفاء والإيضاح
قالت وأين يكون جود الله إذ ... يخشى ومنه هذه الأفراح
فافرح على اسم الله ﷻ ... واشطح فنشوان الهوى شطاح
وارهج على ذمم الرجال ولا تخف ... فالحلم رحب والنوال مباح
وانزل على حكم السرور ولا تبل ... فالوقت صاف ما عليك جناح
واخلع عذارك في الخلاعة يا أخي ... باسم الذي دارت به الأقداح
وانظر (١) إلى هذا النهار فسنه ... ضحكت ونور جبينه وضاح
أنواره نفحت واترع كأسه ... فقد استوى ريحانه والراح
وانظر إلى الدنيا بنظرة رحمة ... فجفاؤها بوفائها ينزاح
لا تعذل الدنيا على تلوينها ... فلليلها بعد المساء صباح
فأجبتها لو كنت عالمة الذي ... يبدو لتاركها وما يلتاح
من كل معنى غامض من أجله ... قد ساح قوم في الجبال وناحوا
حتى لقد سكروا من الأمر الذي ... هاموا به عند العيان فباحوا
لعذرتني وعلمت أنى طالب ... ما الزهد في الدنيا له مفتاح
فاترك صفيك قارعا باب الرضى ... والله ﷻ فتاح
يا أخت حي على الفلاح وخلني ... فجماعتي حثوا المطيّ وراحوا ومن هذا النمط الغريب النزعة (٢) :
(٣٩آ) خذها على الرغم الفقيه سلافة ... تجلى بها الأقمار في شمس الضحى
стр. 124
أبدى أطباء العقول لأهلها ... منها شرابا للنفوس (١) مفرحا
وإذا المرائي قال في نشوانها ... قل أنت بالإخلاص فيمن قد صحا
يا قهوة دارت على أربابها ... فاهتزت الأقدام منها واللحى
مزجت فغار الشيخ من تركيبها ... فلذاك جردها وصاح وصرحا
وبدت فغار الشيخ من إظهارها ... فاشتد يبتدر الحجاب ملوحا
لا تعترض أبدا على مستهتر ... لم [يدر] (٢) ما الإيضاح لما أوضحا
سكران يعثر في ذيوله لسانه ... كفرا ويحسب انه قد سبحا كتم الهوى حرية بعض وبعض ضاق ذرعا بالغرام فبرحا ...
لا تحسبن على العدالة هاتفا ... نقد ارتياح العاشقين مبرحا
الحب خمر العاشقين وقد قضت ... حتما على من ذاقها أن يشطحا
فاشطح على هذا الوجود وأهله ... عجبا فليس براجح من رجحا
كبر عليهم انهم موتى على ... غير الشهادة ما اعر واقبحا
واهزأ بهم فمتى يقل نصحاؤهم ... افلح فقل حتى ألاقي مفلحا
وإذا رزينهم استخفك قل له ... بالله يا يحيى العامرية بن يحيى دع جحا
ابني سليمى قد محا مجنونكم ... مجنون ليلى العامرية قد محا
هل يستوي من لم يبح بحبيبه ... مع من بذكر حبيب قد صرحا
فافرح وطب وارهج وقل ما شئته ... ما املح الفقراء يا ما أملحا
стр. 125
ومن الأبيات المقطوعات قوله لمن استدبره بحلقة العلم (٣٩ب) بسبتة أيام رحلته أليها في طلب العلم الشريف يعتذر من فعله ذلك (١) :
إن كنت أبصرتك لا أبصرت ... بصيرتي في الحق برهانها
لاغرو أني لم أشاهدكم ... فالعين لا تبصر إنسانها ومن ذلك قوله في غرض التورية وهو بديع (٢) :
يلومونني بعد العذار على الهوى ... ومثلي في حبي له لا يفند
يقولون: امسك عنه قد ذهب الصبا ... وكيف أرى الإمساك والخيط اسود ومن ذلك قوله في المجبنات وهو بديع جدا (٣) :
ومصفرة الخدين مطوية الحشا ... عن الجبن والمصفر يؤذن بالخوف
لها بهجة كالشمس عند طلوعها ... ولكنها في الحين تغرب في الجوف (٤) وقال في معتقل شفع فيه يقال له مرجى:
مرجى يرجي فضل أنعمك التي ... بكفيك مجراها ثناء وموحدا
стр. 126
وقد جدت بالإحسان في حل قيده ... فصيره بالإحسان مقيدا ومن قوله في السر والمحافظة عليه (١) :
إذا ما كتمت السر عمن أوده ... توهم أن الود غير حقيقي
ولم أخف عنه السر من ظنه به ... ولكنني أخشى صديق صديقي ومن قوله في شكوى البعاد (٢) :
قالوا:تغربت عن أهل وعن الوطن ... فقلت: لم يبق لي أهل ولا وطن
مضى الأحبة والأهلون كلهم ... وليس بعدهم سكنى ولا سكن
أفرغت حزني ودمعي بعدهم فأنا ... من بعد ذلك لا دمع ولا حزن ومن قوله في الحكم والأمثال (٣) :
ما رأيت الهموم تدخل إلا ... من ضروب العيون والآذان
(٤٠آ) غض طرفا وسد سمعا وإن ... أحسست هما فلا تثق بضماني وقال في زرقة عينيه وهو من الغريب في معناه (٤) :
حزنت عليك العين يا مغنى الهوى ... فالدمع منها بعد بعدك ما رقا
стр. 127
ولذاك ما صبغت بلون ازرق ... أو ما ترى ثوب المآتم ازرقا ومن نفثاته الغريبة قوله (١) :
تطالبني نفسي بما ليس لي به ... يدان وأعطيها الأماني فتقبل
عجبت لخصم لج في طلباته ... يصالح عنه بالمحال فيفصل وقال في ذم النساء (٢) :
ما رأيت النساء يصلحن إلا ... للذي يصلح الكنيف لأجله
فعلى هذه الشريطة فأصبحن ... لا تعد بامرئ عن محله وقال في المعنى المذكور (٣) :
قد هجوت النساء دهرا فلم ... أبلغ أداني صفاتهن الذميمه
ما عسى أن يقال في هجو من قد ... خصه المصطفى بأقبح شيمه
أو يبقى لناقص العقل والدين ... إذا عدت المثالب قيمه وقال وما أعرقه في الأصالة (٤) :
قد كنت مغرورا بوعظي وما ... أبث من علمي بين البشر
من حيث قد أملت إصلاحهم ... بالوعظ والعلم فخان النظر
стр. 128
فلم أجد أوعظ للناس من ... أصوات وعاظ جلود البقر ومما أنشدني (١) وقد خرجت يوما لتوديعه:
يا من إذا ما رمت توديعه ... ودعت قلبي قبل ذاك الوداع
فأترك التوديع (٢) عمدا لكي ... أعلل النفس ببعض الخداع
(٤٠ب) يا محنة النفس بمألوفها ... من اجلها قد جاء هذا الصراع ولو لم يكن في هذه الطبقة الجليلة إلا هذا الرجل لكان كافيا، رحمه الله تعالى.
٤٧ -؟ القاضي أبو يزيد خالد بن [عيسى بن]
أحمد القتوري البلوي (٣) صاحبنا:
هذا الرجل كان كالجمل المحتمل يريبك مجموعه، ويهولك مرئيه ومسموعه، فإذا زمزم الحادي سالت من الرقة دموعه، فظاهره جسم جسيم، وللزرافة قسيم، وباطنه في اللطافة نسيم، وروض يرتاده مسيم؛ سكن
стр. 129
البادية خيرا عفيفا، ومن المؤن خفيفا، يرتاح إلى عقائل الآداب ارتياح قيس إلى ليلى، ويميل به الغبيط إلى الاغتباط ميلا، وكلما ظفر بها يوما أو ليلا، طفف كيلا، وجمع ثريا وسهيلا، ثم راح المشرق، وعشا إلى نوره المشرق، مع اخضرار العود وسواد المفرق، وغفلة من الزمان المطرق، فحج وزار، وطرح الأوزار، واستسقى السحب الغزار، ودون رحلته فأحسن وأطرف، وحلى وعرف، وقفل مغربا بتشريقه، وكتب عن بعض الملوك الكبار بطريقه، ثم ارتسم في حزب القضاء وفريقه، وأدبه مشتمل على نثر ونظم، ولحم وعظم، ولنثره على نظمه شفوف، والى اللحاق بذي الإجادة خفوف؛ فمن شعره (١) :
الله أكبر حبذا إكباره ... (٢) هذا الشفيع لنا وهذي داره
لاحت معالم يثرب وربوعها ... مثوى الرسول وداره وقراره
هذا النخيل وطيبة ومحمد ... خير الورى طراً وهاأنا جاره
هذا المصلى والبقيع وها هنا ... ربع الحبيب وهذه آثاره
(٤١آ) هذي منازله المعظمة التي ... جبريل ردد بينها تكراره
هذي مواضع مهبط الوحي الذي ... تشفي الصدور من العمى أسطاره
هذي مواطئ خير من وطئ الثرى ... وعلا على السبع العلا استقراره
ملأ الوجود حقيقة إشراقه ... فأضاء منه ليله ونهاره
والروضة الفيحاء هب نسيمها ... والبان بان ونم منه عراره
стр. 130
وتعطرت سلع فسل عن طيبها ... لم لا تطيب وبينها مختاره
بشراك يا قلبي فقد نلت المنى ... وبلغت ما تهوى وما تختاره
وتجل يا طرفي فيالك ناظراً ... أبصرت طيبة فانقضت أوطاره
قد أمكن الوصل الذي أملته ... وكذاك حبي أمكنت أسراره
قد كان عندي لوعة قبل اللقا ... والآن ضاعف لوعتي أبصاره
رفقا قليلا يا دموعي اقصري ... فالدمع يحسن في الهوى اقصاره
قد كانت الدمن الكريمة في غنى ... عن أن يفيض بربعها تياره
أيضيع من زار الحبيب وقد (١) رأى ... أن المزور بباله زواره
أيخيب من قصد الكريم وعنده ... حسن الرجاء شعاره ودثاره
! أيؤم بابك مستقيل عاثر ... فيرد عنك ولا تقال عثاره
حاشا جلالك أن يؤمله امرؤ ... فيعود صفرا خيبت أسفاره
يا سيد الإرسال ظهري مثقل ... فعسى تخف بجاهكم أوقاره
رحماك فيمن أوبقته ذنوبه ... فكأنما إقباله أدباره
لبس الصغار وقد تعاظم وزره ... والعفو تصغر عنده أوزاره
شط المزار ولا قرار وشد ما ... يلقى محب شط عنك مزاره
وافى حماك يفر من زلاته ... واليك يا خير الأنام فراره
(٤١ب) واتاك يلتمس الشفاعة والرجا ... يقتاده وظنونه أنصاره
والعبد معتذر ذليل خاضع ... ومقصر قد طولت أعذاره
متوسل قد أغرقته دموعه ... متوصل قد أحرقته ناره
قذفت به في غربة أوطانه ... ورمت به لعلائكم أوطاره
стр. 131
فامنن وسامح واعف واصفح واغتفر ... فلانت ماح للخطا غفاره
صلى عليك الله ما حيا الحيا ... روض الربى وترنمت أطياره ومما نسب لي إلى نفسه، وأربى يومه في الإجادة لديها على أمسه، قوله:
بعثت خيالا والعواذل هجع ... فسرى ينم به شذا يتضوع
ودنا يعاطيني الحديث على دجى ... كاس الثريا في يديه تشعشع
وكأنما الإكليل جام مذهب ... بيواقت الجوزاء فيه يرصع
نادمت فيه أخا الغزالة جؤذرا ... يغدو بأكناف القلوب ويرتع
في ليلة لا الوصل فيها بيننا ... خجل ولا قلب العفاف مروع
رق الهواء بها ورق لي الهوى ... فمشى موشى بيننا وموشع
يا جيرة جار الزمان ببعدهم ... ومقرهم مني الحشا والأضلع
إن كان موضعكم خلا عن ناظري ... لم يخل منكم في فؤادي موضع
لم تسكنوا وادي الأراك وإنما ... قلبي مصيفكم ودمعي المربع
والله ما ضحك الربيع بربعكم ... إلا وعن عيني مزن يهمع
وإذا شكوت إلى الصديق فانه ... يسليك أو يغنيك أو يتفجع
يا بارقا تنشق عنه سحابة ... عن مثل مدمعي السفوح وتقلع
(٤٢ا) أشبهت من أهوله حسن تبسم ... فأصبت إلا انه هو انع
بالله خذ عني تحية نازح ... لم يبق فيه اليوم فيما يطمع
وأقرا على الجزع السلام وسح من ... قطرات دمعك حيث تلك الأربع
стр. 132
ما كان أطيب الماضي عيشنا الماضي بها ... لو كان ذاك العيش فيها يرجع
أيام نغفر للصبا ذنب الهوى ... ونشفع الوجه الجميل فيشفع
ما سرني تبديد دمعي لؤلؤا ... وعهدته بيد الحسان يجمع ٤٨ - القاضي أبو جعفر بن أبي القاسم محمد بن أبي القاسم محمد بن جزي
ولد الخطيب المذكور (١)
هضبة وقار، تنظر إلى رضوى بعين احتقار، اقتدى بما له من كرم الأبوة، ولبس وقار الشيخ في سن الفتوة، فتقلد مآثر الفتوة وتوشح، وتأهل لرتبتهم لا علية وترشح، فما شئت من هدوء وسكون، وجنوح إلى الخير وركون، ونزاهة وعفاف، وتبلغ بكفاف، واصبح في عصره زينا، وفي جملة (٢) أعيانا عينا، إن ركض في مركزه سبق، اغو اهتز إلى محاضرة تأرج عرفة وعبق، وأدبه أدب ساطع، حسن المقاطع؛ فمن غزر قصائده التي حملتها عنه الرواة، وأعانه على مصنوعه الشريف الأدوات، قوله (٣) :
стр. 133
أقول لعزمي أو لصالح أعمالي ... " ألا عم صباحا أيها الطلل البالي "
إما واعظي شيب سما فوق لمتي ... " سمو حباب الماء حالا على حال "
أنار به ليل الشباب كأنه ... " مصابيح رهبان تشب لقفال "
نهاني عن غيي وقال منبها ... " الست ترى السمار والناس أحوالي "
يقولون غيره لتنعم برهة ... " وهل يعمن من كان في العصر الخالي "
(٤٢ ب) أخالط دهري وهو يعلم إنني ... " كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي "
ومؤنس نار الشيب يقبح لههوه ... " بآنسة كأنها خط تمثال "
أشيخا وتأتي فعل من كان عمره ... " ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال
وتشغفك الدنيا وما إن شغفتها ... " كما شغف المهنوءة الرجل الطالي "
إلا إنما الدنيا إذا ما اعتبرتها ... " ديار لسلمى عافيات بذي خال "
فأين الذين استأثروا قبلنا بها ... " لناموا فما إن من حديث ولا صال "
стр. 134
ذهلت بها عنا فكيف الخلاص من ... " لعوب تنسيني إذا قمت سربالي "
وقد علمت مني مواعد توبتي ... " بأن الفتى يهذي وليس بفعال "
ومذ وثقت نفسي بحب محمد ... " هصرت بغصن ذي شماريخ ميال "
فأصبح شيطان الغواية خاسئا ... " عليه القتام سيئ الظن والبال "
ألا ليت شعري هل تقول عزائمي ... " لخيلي كري كرة بعد إقبال "
فانزل دارا للنبي نزيلها ... " قليل هموم ما يبيت بأوجال "
فطوبى لنفس جاورت خير مرسل ... (١) " بيثرب أدنى داراها نظر عال "
فمن ذكره عند القبول تعطرت ... " صبا وشمال في منازل قفال "
جوار رسول الله مجد مؤثل ... " وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي "
وماذا الذي يثني عنان السرى وقد ... " كفاني ولم اطلب قليل من المال "
стр. 135
ألم تر إن الظبية استشفعت به ... " تميل عليه هونة غير مجفال "
وقال لها: عودي فقالت له: نعم ... " وكان عداء الوحش مني على بال
ويا لبعير قال أزمع مالكي ... " ليقتلني والمرء ليس بقتال "
(٤٣ا) وثور ذبيح بالرسالة شاهد ... " طويل القوى والروق اخنس ذيال "
وحن إليه الجذع حنة عاطش ... " لغيث من الوسمي رائده خال "
وأصيلن من نخل قد التأما له ... " بما احتسبا من لين مس وتسهال "
وقبضة ترب منه ذلت لها الظبا ... " ومسنونة زرق كأنياب اغوال "
وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلاً ... " وليس بذي السيف وليس بنبال "
وحسبك من سوط الطفيل إضاءة ... " كمصباح زيت في قناديل ذبال "
وبزت له العجفاء كل مطهم ... " له حجبات مشرفات على الفال "
стр. 136
ويا خسف ارض تحت باغيه إذ علا ... " على هيكل بل الجزارة جوال "
وقد أخمدت نار لفارس طالما ... " أصابت غضا جزلا وكفت باجذال "
أبان سبيل الرشد إذ سبا الردى ... " يقلن لأهل الحلم ضلاّ بتضلال)
لا حمد خير العالمين أنتقيها ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال "
وان رجائي أن ألاقيه غداً ... " ولست بمقلي الخلال ولا قال "
فأدرك آمالي وما كلُ آملٍ ... " بمدرك أطراف الخطوب ولا آل " ومن غير المطولات ما أجابني به وقد خطبت شيئا من نظمه، صحبة ما طلبت منه (١) :
فديتك يا سيدي مثلما ... فداك الزمان الذي زنته
جمال فعالك أظهرته ... وسر كمالك أخفيته
تشوفت مني إلى بنت فكري ... فشرفت شعري وزينته
وقد وردتك وأنت الذي ... أخذت فؤادي فخذ بنته
стр. 137
ومن المقطوعات قوله (١) :
(٤٣ب) كم بكائي لبعدكم كم أنيني ... من ظهيري على الأسى من معيني
جرح الخد دمع عيني ولكن ... لا عجب ان جرح ابن معين ومن ذلك قوله (٢) :
أرى الناس يولون الغني كرامة ... وان لم يكن أهلا لرفعة مقدار
ويلوون عن وجه الفقير وجوههم ... وان كان أهلا ان يلاقى بإكبار
بنو الدهر جاءتهم أحاديث جمة ... فما صححوا إلا حديث ابن دينار ٤٩ - القاضي عبد الله أبو محمد بن عبد الله بن خديم
اللخمي الغرناطي، رحمة الله عليه:
فاضل تطوى عليه الخناصر، ويقوم بحجة مطريه البرهان الناصر، وتقصر عن (٣) مثل عقائل بيانه المقاصر، يأوي إلى الحسب الأصيل، والطلب المؤسس على التحصيل، والإدراك الجميل الجملة والتفصيل، ورقة الحاشية التي تحسدها رقة الأصيل؛ قرأ ببلده واشتهر، وباهى ببيانه وبهر، ورحل إلى المغرب شان الكواكب، إذا ضرب من أفلاكها آباط المراكب، وتزاحمت بالمناكب في تلك المواكب، إلا انه أشرق
стр. 138
فلم يرغب والحمد لله ثاقبه، واختلف سيره ولم تختلف مناقبه، ولا جهلت مراقبه، ونال خططا شرعية، ورتبا مرضية مرعية، وعلا على صهوات آكام، ما بين مجالي حكم ومجالس أحكام، ثم خطب العزلة كفوا لهمه، وقنع بتافه الحظ استثقالا منه لجمه، وصرف إلى اللحاق بالبلاد المقدسة وجه مأمه. وله شعر تهوى الشعري ان تتقلد منه شنفا، والروضة الأنف إن تملا من عرفه (٤٤ا) آنفا، فمن ذلك قوله يخاطبني وقد اتخذ له بنظري دهن الورد العشاري الأجزاء:
أيا سيدي الأعلى وشمس هدايتي ... ووجهة تعظيمي وروضة إيناسي
لساني نبا عن شكر آلائك التي ... توالت فالت إن تقيد أنفاسي
ومن لي بمدح في معاليك منصف ... وقد جل مد البحر عن قسط قسطاس
لأرسلت نحوي من قولك لحظة ... فلم تبق لي آثار جودك من باس
واسيت أسقامي بتدبير جابر ... وأسست إبلا لي على خير أساس
وناديت أنصار العلاج فأسرعت ... آلتيك من الآفاق سباق أفراس
من الصين أقصى الأرض والهند أقبلت ... تيمم من مرماك اوجه (١) قرطاس
فنخل (٢) منها العشر عرضك جمعها ... لنصرة مستعدي الرجاء على اليأس
فبرز منها الورد سابق حلبة ... (٣) تقاسمن خصل السبق في الشكر للناس
стр. 139
فنفلت (١) نيلي البرء اربح مغنم ... تقاد (٢) لي الآمال فيه بأمراس
وسقيتني للعلم كأسا روية ... تنير دياجي المشكلات بنبراس
ومهدت لي سبل اعتنائك كاسيا ... ملابس بر صدقه دون إلباس
فاثني ثناء الروض سقاه اكؤسا ... غمام على الساقي امتنانا أو الكاس
قياما بحق الفرض في كل محفل ... وسعيا للثم الرجل منك على الراس
وان جحد الناس اصطناعك أو نسوا ... فإني بريء عند ذاك من الناس وأنشدني لما صنفت كتاب " المباخر الطيبية في المفاخر الخطيبية " جملة مقطوعات منها قوله:
جميع المباخر محتاجة ... سواي لتجديد نار وطيب
بجمر الذكاء وطيب الثناء ... غنيت انتسابا إلى ابن الخطيب (٤٤ب) وقال فيها أيضا:
مباخر الطيب لها غاية ... من بعدها تحتاج تجديد طيب
وهذه تعبق طيبا متى ... تعزى إلى منشئها ابن الخطيب ومن شعره في الحكم:
أبت المعارف ان تنال براحة ... إلا براحة ساعد الجد
فإذا ظفرت بها فلست بمدرك ... إربا بغير مساعد الجد وقال أيضا في التورية:
стр. 140
إذا جئت ذا دنيا تؤمل حاجة ... فقدم شفيعاً لا يرد بأعذار
فلست ترى منه أحاديث نافع ... إذا لم تحدثه حديث ابن دينار ومما خاطب به بعض الشرفاء:
وقفت على حب النبي وآله ... رجائي في الأخرى وفي هذه الدار
فجدك في الدنيا الشفيع لحاجتي ... وجدك في الأخرى الشفيع لأوزاري ٥٠ - القاضي علي بن عبد الله بن الحسن النباهي البني الدعو بجعسوس (١)
أطروفة الزمن، التي تجل (٢) غرائبها عن الثمن، وقرد شارد من قرود اليمن، ذنبا وأحداقا وفروة وأشداقا، وإشارة واصطلاحا، وخبثا وسلاحا، لا يفرق بينهما في الشكل، وقرب الغائط من الأكل، تشغل
стр. 141
به الصبيان إذا بكت، وتتملح بذكره الزهاد بعدما نسكت، وعن كل شيء أمسكت، إلا أن خلبه بالنسبة إلى هذا والوجه الطلق حسنة جميلة، وأوصافه بالنسبة إلى معارفه وعلومه (٤٥آ) أوصاف ابن قاضي ميلة، لا يجلب لأدب يرسم، ولا حظ من حسن الذكر يقسم، ولا لعرف يتنسم، ولا لبركة تتوسم، إنما جنب حماره في القياد، لحمل أوقار (١) هذه الجياد، وأطراف بزرافته الخارقة حجاب الاعتياد، في مثل هذه المواسم الأدبية والاعياد؛ ومما يعاب به الزين، كي لا تصيبه العين، ويعلق على البيوت تميمة، وان كانت الأوضاع ذميمة، من حوتة، ورصاصة منحوتة، ومرار ثور، وطرف ذنب سنور، وأحماضا في المرعى الخصيب، وإيثارا للفكاهة بنصيب؛ وان كان لأبيه ببلده درجة الأمير، عند مولدي الحمير، ينظف بيديه أرحامها، بعد ان يحكم بالدهن اقحامها، ويستنطق بوحي بنانه الصفنة (٢) الجاحدة، وينزي العير الحصور فيحبل الأتان بواحدة، وكانت أمه أم جعسوس قابلة ذلك الوضع، ومقدرة الفطام والرضع، تولول عند الخلاص، وتعوذ المولود بسورة الإخلاص، وتقطع سرة اليعفور، بالاظفور، وتلعق عينه باللسان، وتبارك بعد ظهوره بدهن البلسان، ولما ترعرع ترعرع غصن السدر، من تحت القدر، وتجلت محاسن نفسه النفيسة من خلال ذلك الخدر، تحرف ببيع الحروز، وخلق في محافل البروز، وتحدى بإخراج الكنوز، بذبائح العنوز، وادعى انه يعقد اللسان، وغرم الإتاوة التي يغرمها بنو ساسان، ثم تعرف بالسلطان في حكاية، وقدمه قاضيا في سبيل يمين شاردة ونكاية، وجعله للفقهاء ببلده عقابا، وأرذالا اخضع به رقابا، وكشف عن وجه الانتفاع
стр. 142
نقابا، لما آسفوه بحب طلعه، وأفتوا من بعده قلعه، بوجوب خلعه؛ ثم أعاده الله تعالى (٤٥ب) إلى ملكة رقابهم، وحكمه في مجازاة احتقابهم، والدنيا قد أرملت، وما حملت من الضيم حملت، فجاءت سيره في الأحكام سمر الندام،ونقل أولي المدام، وشاهد خسة الدنيا على مملك الإبرام، والموجد بعد الإعدام.
حدث بعض من يوثق به من العدول قال:
جرى الحديث الجاري بمجلس القضاء: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " فقال لي: سبحان الله يا فقيه، كانوا في القديم مثلنا في البادية يتبايعون بالخيار والفواكه ما نتبايع بالحبوب من القمح والشعير، فضحكت وقلت: لا ينكر أن يتصارف الناس بما يغلب عندهم ويكثر وجوده.
وقال آخر منهم: نظر إلينا وقد نزلنا من المئذنة من ارتقاب بعض الأهلة، ونحن أولو عدد وشارة فقال: يا أصحاب، عذرت الليلة فيكم عمر في قوله ﵁؟ لا يسر أحد في الإسلام بغير العدول، فقلنا: بارك الله في سيدنا القاضي، تسر بك ونسر بك إن شاء الله تعالى، قال المخبر: نعني مجرورا برجلك عن مجلس القضاء، إلى حصب الرمضاء، ثم قال بعضنا لبعض: يا ترى ما الذي أراد هذا المحروم؟ فقال فاضل منهم: صحف قول عمر بن الخطاب ﵁ لا يؤسر أحد في الإسلام بغير عدول، يريد الأسر بالشهادة.
وقال بعض فضلائهم: سمعته يقول: تنكرون علي ما يكثر تردده في كلامي من لفظ جعسوس كأنه ليس من كلام العرب بل ولا من ألفاظ القرآن العظيم! فقلنا له: أما في كلام العرب فربما وأما في القرآن الكريم فلا نعرفه، فضحك وقال: سبحان الله، أعيدوا النظر فيه، فقلنا: والله
стр. 143
ما نعرفه، فقال: ألم يقل الله تعالى في القران: ولا تجسسوا ولا يغتب (٤٦آ) بعضكم بعضا؛ فقلنا والله ما قال الله ذلك قط إنما قال: ولا تجسسوا، قال فاسترجع وقال يا فقيه: حفظ الصغر، والف في مثل هذا (١) جزء سمي " بتنبيه الساهي على طرف النباهي (٢) ".
وهذا الشيخ ممن زين له سوء قوله، وحبب إليه شم خرئه واستعذاب بوله، فيكتب ويشعر، ويكلب ويسعر، وهو لا يفطن بالهزء ولا يشعر، فمما ينسب إليه مما كان يهذر به الحروز إذا عقدها، واتبع النفث عقدها (٣) ،يرفع بها الصوت ويجهر، ويؤنب من يتشاغل عنه بالحديث وينهر، وكأن به مخيلا، وعلى الجنس من النوارية بخيلا، إلى أن شورك فيه بحكم الانجرار، وحفظه لكثرة التكرار، قوله وهو اشف من معتاده، واعلى من عتاده، فالله اعلم بصحة إسناده، وجهة استناده (٤) :
أعوذ من يمسي عليه معلقا ... حجابي بطه أو بياسين والخمس
من الجن والعمار أو أم ملدم ... وتلك هي الحمى، ووسوسة النفس
ومن أم صبيان وسحر وبغضة ... ومن ربط ذي عرس تكلف في عرس
ومن ساكن الحمام والفرن والرحى ... ومن ساكني قبر القتيل من الأنس
стр. 144
ومن غولة في القفر أو صوت هاتف ... ومن وجع في الرأس يخرج عن حس
بهرشاهيا هرشا هيا وشرا هيا ... وباسم عظيم جاء في آية الكرسي
فخذه على طهر ولا تدخلن به ... خلاءك، واسم الله نزه عن الرجس
ونحه إن جامعت زوجك يا أخي ... إلى أن تجيد الطهر من ذلك اللمس وجلده واغسله بماء وحل فيه ما شئته من زعفران ومن ورس ...
ونشر به واشرب لكل أذاية ... ترى النفع حقا حين تصبح أو تمسي
(٤٦ب) وقل رحم الله القفيه فذكره ... بخير له من اجرة ذي الطرس
ووالله يا إنسان لولا وصية ... لشيخ نصيح كان من خيرة الجنس
بان لا يرى اجر له غير درهم لبيع ... بألف وهو يشكو من البخس ومما أنشدنيه وحضرت التملح به، رفعه إلى السلطان عند أعذار ولده، من قصيدة أولها:
أبدي لنا من ضروب الحسن أفنانا ... هذا الطهور لمولانا ابن مولانا
فلا تحرك لسانا يا أخا ثقة ... بريم رامة إن وفى وإن خانا
يظل ينشر ميت الوجد عن جدث ... من الجفون أو الأحشاء عريانا
فما النسيب بأولى من حديث علا ... عن الأمام ينيل المرء رضوانا
يممه تحظ بما أملت من نعم ... تجنيك للسول أفنانا فأفنانا
стр. 145
ومنها في المدح والوصف:
وقمت في الولد الميمون طائره ... بسنة الدين إكمالا وإحسانا
بدا لنا قمر تعنوا العيون له ... مقلدا من نطاق المجد شهبانا
فارتاح عطف الثناء وانثنى طربا ... له واطلع وجها منه مزدانا
فيا دما سال عن تقوى فعاد له ... بين الدماء طهورا (١) طيبا زانا
لله در بني نصر لقد ملكوا ... كل المحاسن أشياخا وشبانا
أي والذي خلق الإنسان من علق ... حقا وأعطاك ما أعطى سليمانا وانشد بمحضري قصيدة غريبة أولها:
خليلي مرا بي على أم مارب ... ولا تعذلاني إنني غير آيب فقلت لبعض أصحابنا: ضاقت على الفقيه أبي الحسن ارض الحجاز فذهب (٤٧ا) إلى ارض مارب فقال: ما كما تعرف يحاول العزائم ويستنزل الجنون، وخاطب خليله من الجن ليعيد له حديث تميم الداري ﵁ (٢) .
ومن المقطوعات التي يتبجح بمذهبها، ويتبرع بلزوم مذهبها، قوله يخاطبني:
يا مالكي وهو لي فخر تملكه ... ذاتي، عتابك عندي اعظم المنن
فكل ما ينطق المولى الكريم به ... في شان ممولكه من احسن الحسن