ومن السليمانيات أيضا قال:
(٢٠آ) إلا استودع الرحمن بدرا مكملا ... بفاس من الدرب الطويل مطالعه
وفي فلك الازرار مطلع سعده ... وفي أفق الأكباد تلفى مواقعه
يصير مرآه منجم مقلتي ... فيصدق في قطع الرجاء قواطعه
تجسم من نور الملاحة خده ... وماء الحيا فيه ترجرج مائعه
تلون كالحرباء في خجلاته ... فيحمر قانيه ويبيض ناصعه
إذا اهتز غنى حليه فوق نحره ... (١) كغصن النقا غنت عليه سواجعه
يؤكد حتف الصب عامل قده ... وتعطف من واو العذار توابعه
اعد الورى سيفا كسيف لحاظه ... فهذا هو الماضي وذاك مضارعه ومن قصيدة في هذا الغرض المذكور:
وصالك هذا أم تحية بارق ... وهجرك ام ليلا لسليم لتائق
أناديك والأشواق تركض حمرها ... بصفحة خدي من دموع سوابق
أبارق ثغر من عذيب رضابه ... قضت مهجتي بين العذيب وبارق ومن شعره يمدح السلطان حين فتح حصن اشكر (٢) :
بحيث البنود الحمر والأسد الورد ... كتائب، سكان السماء لها جند
стр. 72
حدت بهم خوص عراب ضوامر ... وقد ضاقت الأرجاء اذ عظم الوجد
عساكر ملك شرف الله قدره ... فسيان من إقدامها السهل والنجد
إذا رجعوا الذكرى حماما سواجعا ... فأعطافهم في ميلها قضب ملد
وان حل صبر الصبر بين ضلوعهم ... فأفواههم من ذكر ربهم شهد
وتحسب نور الصدق والعزم دائما ... سراجا من التقوى بآزرهم يبدو
هم القوم رهبان إذا لبسوا الدجى ... وان لبسوا حر الهياج فهم أسد
حذوا حذو سلطان على الشرع عاطف ... رفيق بهم حان إذا عظم الجهد
(٢٠ب) وتحت لواء الشرع ملك هو الهدى ... تضيق به الدنيا إذا راح أو يغدو
فلو رام إدراك النجوم لنالها ... ولو هم لانقادت له السند والهند
تأمنت الأرواح في ظل بنده ... كأن جناح الروح من فوقه بند منها في الحض والقتال وآلة النفط:
على إنها ضنت بعذب وردها ... غديّة راح الأسد والضمر الجرد
فكان صباح القوم قوما بوصلها ... وقوما بوصل الحور قد أنجز الوعد
ولولا دفاع الخود عن عذب ريقها ... لما لذت الشكوى ولا عذب الورد
ومن عانق الأخطار حق له العلا ... ومن نبذ الفاني يحق له الخلد
وظنوا بأن (١) الرعد والصعق في السما ... فحاق بهم من دونها الصعق والرعد
стр. 73
عجائب أشكال سما هرمس بها ... مهندسة تأتي الجبال فتنهد
ألا إنها الدنيا تريك عجائبا ... وما في القوى منها فلا بد ان يبدو
بعيني (١) بحر النقع فوق أسنة ... تنمنمه وهنا كما نمنم البرد
سماء عجاج والقوانس (٢) شهبها ... ووقع القنا رعد إذا برق الهند
وقد نثلت (٣) فيها الكنائن فارتمت ... سقيط نثار مثلما قدح الزند
كأن قلوب الروم أهدافها التي ... تطير بمحياها وما شعر الجلد
ومن دمهم زرق الأسنة لفعت ... فتلك إذا ما شبهت أعين رمد
تسيل على الرايات منها مدامع ... كخد محب شفه البين والوجد
ألا شفع الرحمن غزوة أشكر ... بها رضي الإسلام ولأحد الفرد
ومن رغبة الأشياء في نيل فضلها ... (٤) إذا سل سيف كاد يحسده الغمد وتذاكرنا (٥) يوما أساليب الشعراء وأفضلنا في ذكر ابن هاني (٦) فنظم لي في طريقته هذه الابيات مساجلا لمثلها مما ثبت في موضعها من شعره (٢١آ) :
طرقنا ديور القوم وهنا وتغليسا ... وقد شرفوا الناسوت اذ عبدوا عيسى
وقد رفعوا الإنجيل فوق رؤوسهم ... وقد قدسوا (٧) الروح المقدس تقديسا
стр. 74
فما استيقظوا إلا لصكة بابهم ... فأدهش رهبانا وروع قسيسا
وقام بها البطريق يسعى ملبيا ... وقد اصمت الناقوس رفقا وتأنيسا
فقلنا له: أمنا فأنا عصابة ... أتينا لتثليث وان شئت تسديسا
وما قصدنا إلا الكئوس وإنما ... (١) لحنا له في القول خبثا وتدليسا
ففتحت الأبواب بالرحب منهم ... (٢) وعرس طلاب المدامة تعريسا
فلما رأى زقي أمامي ومزهري ... دعاني تأنيسا لحنث وتلبيسا
وقام إلى دن ففض ختامه ... (٣) فكبس أجرام الغياهب تكبيسا
وطاف بها رطب البنان مزنر ... فأبصرت عبدا صير الحر مرءوسا
سلافا حواها القار لبسا فخلتها ... مثال من الياقوت في الحبر ملبوسا
إلى ان سطا بالقوم سلطان نومهم ... ورأس فتيل الشمع نكس تنكيسا
وثبت إليه بالعناق فقال لي: ... بحق الهوى هب لي من الضم تنفيسا
كتبت بدمع العين صفحة خده ... فطلس حبر الشعر كتبي تطليسا
فبئس الذي احتلنا وكدنا عليهم ... وبئس الذي قد اضمروا قبل ذا بيسا
فبتنا يرانا الله (٤) شر عصابة ... تطيع بعصيان الشريعة إبليسا ومن مقطوعاته، رحمه الله تعالى، قوله:
أتمنع أن أقبل منك كفا ... وقد حرمت ثغرك بالعفاف
وهاأنا طائف بك في كل حين ... فعين لي المقبل للطواف
стр. 75
٢٣ - الشيخ الإمام أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان النفزي الغرناطي (١)
الملقب في البلاد المشرقية (أثير الدين) رحمه الله تعالى: (٢١ ب)
سيف النصرة، المدافع عن أهل البصرة، وإمام صناعة النحو، المتقلب في حججها بين الإثبات والمحو، والغيم والصحو، لو مر به أبو الأسود لقال: سلام، ثم أراه كيف ينقسم الكلام، أو مر بأبي بشر (٢) لقال يا بشراي هذا غلام. كان ﵀ برا يغرف من بحر، ونسيم سحر، يهب على تلك البلاد من شحر (٣) ، رحل عن الأندلس والغصن ناضر، وزمن الشبيبة حاضر، وقد برع في علم اللسان، وفي أغراضه الحسان، واستقر بمصر على الطير الميامين، والبر الكفيل الضمين، وصحب الركبان إلى الحرم الأمين، ورفع له لواء الشهرة الذي له يشار، ولظله تحدى العشار، فقصد درسه، وعرف بالإنجاب غرسه، وتغالى فيه الغلاة، واعتنت به الأمراء والولاة، وتأكد بينه وبينهم بسبب أبنائهم الموالاة، وكثرت لديه العوائد والصلات، وانتفعت المغاربة بجاهه مدة حياته، واهتدت سراتهم بنور آياته، وساعده أمله، وكان ممن طال عمره وحسن عمله، واحب الراوين، وزين الاواوين، وكان له شعر
стр. 76
مهاده في الإجادة وثير، ودعابة يثيرها الطبع فتثير (١) ، وأن لم ألق هذا الرجل فهو من بلدي، وتأخرت وفاته عن مولدي، إلى أن أجاز ولدي. ومن شعره، قال رحمه الله تعالى حسبما نقل عن خطه: قدم علينا الشيخ المحدث أبو العلاء محمد بن أبي بكر البخاري الفرضي بالقاهرة في طلب الحديث، وكان رجلا حسنا طيب الأخلاق لطيف المزاج، فكنا نسايره في طلب الحديث، فإذا رأى صورة حسنة قال، هذا حديث على شرط البخاري، فنظمت هذه الأبيات:
بدا كهلال الأفق وقت طلوعه ... ومال كغصن الخيزران المنعم
غزال رخيم الدل وافى مواصلا ... موافقة منه على الرغم لوم
(٢٢آ) مليح غريب الحسن أصبح معلما ... بحمرة خد بالمحاسن معلم
وقالوا: على شرط البخاري قد أتى ... فقلت على شرط البخاري ومسلم قال فقال لي: يا مولانا أنا البخاري فمن مسلم؟ قلت له: أنت البخاري وأنا مسلم، قلت: ولو كنت المخاطب لكان مدى الدعابة أفسح، ومن العصمة أن لا تجد. ومن أبياته في غرض التصوف قوله في جيد كلامه:
تفردت لما أن جمعت بذاتي ... وأسكنت لما أن بدت حركاتي
فلم أر في الأكوان لأنني ... أزحت عن الأغيار روح حياتي
وقدستها عن رتبة لو تعينت ... لها دائما دامت لها حسراتي
فها أنا قد أصعدتها عن حضيضها ... إلى رتبة تقضي لها بثبات
تشاهد معنى روضه أذهب العنا ... وأيقظني للحق بعد سناتي
стр. 77
أقامت زمانا في حجاب فعندما ... تزحزح عنها رامت الخلوات
لنقضي بها ما فات من طيب أنسنا ... بها وننال الجمع بعد شتات ومن شعره في النسيب وما يناسبه قوله:
كتم (١) اللسان ومدمعي قد (٢) باحا ... وثوى الأسى عندي وأنسي (٣) راحا
إني لصب طي ما نشر الهوي ... نشرا وما زال الهوى فضاحا
وبمهجتي من لا أصرح باسمه ... ومن الإشارة ما يكون صراحا
ريم أروم حنوه وجنوحه ... ويروم عني جفوة وجماحا
أبدي لنا من شعره وجبينه ... خدين ذا ليلا وذا إصباحا
عجبا له يأسو الجسوم بطبه ... ولكم بأرواح أثار جراحا
فبلفظه برء الأخيذ ولحظه ... أخذ البريء فما يطيق براحا
نادمته في ليلة لا ثالث ... إلا أخوه البدر غار فلاحا
(٢٢ب) يا حسنها من ليلة لو إنها ... دامت ومدت للوصال جناحا وقال رحمه الله تعالى في الغرض المذكور أيضا:
نور بخدك أم توقد نار ... وضنى بجفنك أم كئوس عقار
وشذا بريقك أم تأرج مسكة ... وسنا بثغرك أم شعاع دراري
جمعت معاني الحسن فيك فأصبحت ... قيد القلوب وفتنة الأبصار
стр. 78
متصاون خفر إذا ناطقته ... (١) أغضى حياء في سكون وقار
في وجهه زهرات روض تجتلى ... من نرجس مع وردة وبهار
خاف اقتطاف الورد من وجناته ... فأدار من آس سياج عذار
وتسللت نمل العذار بخده ... ليردن شهدة ريقه المعطار
وبخده ورد حمتها وردها ... فوقفن بين الورد والإصدار
كم ذا أواري في هواه محبتي ... ولقد وشى بي فيه فرط أواري ومن نظمه في المقطوعات وإن عدت لها إجادة فهي ظنة ذلك، قال رحمه الله تعالى:
أرحت في البيت من الإيناس بالناس ... كما غنيت عن الأكياس بالياس
وصرت في البيت وحدي لا أرى أحدا ... بنات فكري وكتبي هن جلاسي وقال أيضا ﵀:
وزهدني في جمعي المال أنه ... إذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا
فلا روحه يوما أراح من العنا ... ولم يكتسب حمدا ولم يدخر أجرا وقال أيضا ﵀:
أجل شفيع ليس يمكن رده ... دراهم بيض للجروح مراهم
تصير صعب الأمر أسهل ما أرى ... وتقضي لبانات الفتى وهو نائم
стр. 79
(٢٣آ) ومن أبدع ما ينسب إليه من المقطوعات قوله:
عداتي لهم فضل علي ومنة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فسترتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا ومن النسيب:
سال في الخد للحبيب عذار ... وهو لاشك سائل محروم
وسألت التثامه فتجنى ... فأنا اليوم سائل محروم ومن ذلك في فتى يسمى بمظلوم:
وما كنت أدري إن مالك مهجتي ... يسمى بمظلوم وظلم جفاؤه
إلى أن دعاني للهوى فأجبته ... ومن يك مظلوما أجيب دعاؤه وقال أيضا:
جن غيري بعارض فترجى ... أهله أن يفيق عما قريب
وفؤادي بعارضين مصاب ... فهو داء أعيا فؤاد الطبيب وقال أيضا:
وذي شفة لمياء زينت بشامة ... من المسك في ترشافها يذهب النسك
стр. 80
ظمئت إليها ريقة كوثرية ... بمثل لآلي ثغرها ينظم السلك
تعل بمعسول كأن رضابه ... مدام من الفردوس خاتمة مسك وقال أيضا ﵀:
بعيد ود، قريب صد ... كثير عتب، قليل عتبى
(٢٣ب) كالشمس ظرفا، كالمسك عرفا ... كالخشف طرفا، كالصخر قلبا ٢٤ - الشيخ أبو عثمان سعيد (١) بن أحمد بن ليون (٢) ﵀:
شيخ مولع بالتأليف والتدوين، متميز بذلك في بلده تمييز أواخر الأسماء بالتنوين، ويلخص ويوجز، ويظن أنه يعجز، وكان شديد التخلق، متعلقا بأهداب الفنون أشد التعلق، شهير الإيثار، وبعيدا عن الجمع والاستكثار، بضاعته خزانة جمعت الآباء والأمهات، والفرقد والمهاة، والحقائق والترهات، لا يزال عاكفا على دنانها، وجانيا لألفاف جنانها، حسن المجلس، مقصودا من الغني والمفلس، خفيف الروح، آويا إلى الصدر المشروح، وشعره يلم بالإجادة أحيانا، فيبين (٣) المقاصد بيانا، فمن ذلك قوله (٤) :
стр. 81
أرح النفس تنتفع بحياتك ... وأغنم العيش قبل يوم وفاتك
وأطرح عيب من سواك وسالم ... جملة الناس يغفلوا عن أذاتك
وأعتبر بالذين بادوا وبادر ... ما يدانيك من سبيل نجاتك وقال أيضا ﵀ (١) :
كن مع الناس كيف كانوا ووافق ... أن من لا يوافق الناس مائق
من يخالف في شيء الناس يرجع ... هدفا للسهام من كل راشق وقال في المعنى (٢) :
خالف النفس في قصود هواها ... تبق ما عشت سالما من أذاها
فأتباع الهوى هوان ولكن ... هان للنفس كي تنال مناها وقال يحرض على طلب العلم (٣) :
العلم نور وهدى ... فكن بجد طالبه
وأحرص عليه وأعتمد ... فيه الأمور الواجبة
من لازم العلم علا ... على الأنام قاطبه وقال أيضا ﵀:
فلا تكلم بما تخشاه أذاك ولا ... بما يعاب وحاذر ذا وذا أبدا
ولا تقل غير مالو كنت تسمعه ... كل الورى لم تعب ولم تخف أحدا
стр. 82
٢٥ -؟ المقرئ النحوي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد
أبن لب الأمير (١) أبن الصائغ (٢)
فاضل رحيب باع، في ميدان انطباع، ومد وإشباع، ركض في ميدان الراحة طلق عنانه، وتفسح في جنان جنانه، متمتعا بأفنانه، غير مبال بجنانه في طاعة جنانه، ثم رحل للبلاد، مستجدا للميلاد، فاستأنف العمر وجنى الثمر، وسلا في النيل (٣) وشخاتيره، عن شم قتيره، ومكابدة تقتيره، فتمشت حاله يغبطها الولي، ولا يستطيعها ببلاده الملي، ولا من له القدر العلي، إلى ان استاثر به من له البقاء الأزلي، وكان له شعر ينجده الطبع المعين، فتتخايل في جناته الحور العين؛ فمن ذلك قوله (٤) :
بعد المزار ولوعة الأشواق ... حكما بفيض مدامع الآماق
وخفوق نجدي النسيم إذا سرى ... أذكى لهيب فؤادي الخفاق
أمعللي ان التواصل في غد ... من ذا الذي بغد فديتك باق
إن الليالي سبق إن أقبلت ... وإذا تولت لم تنل بلحاق
стр. 83
عج بالمطي على الحمى سقي الحمى ... صوب الغمام الواكف الرقراق
فبه لذي القلب السليم وداده ... لا كان في الأيام يوم فراق
يا ساريا والليل ساج عاكف ... يفري الفلا بنجائب ونياق
عرج على مثوى النبي محمد ... خير البرية ذي المحل الراقي
ورسول رب العالمين ومن له ... حفظ العهود وصحة الميثاق
الظاهر الآيات قام دليلها ... والطاهر الأخلاق والأعراق
بدر الهوى البادي الذي آياته ... وجبينه كالشمس في الإشراق
الشافع المقبول من عم الورى ... بالجود والأرفاد والإرفاق
والصادق المأمون اكرم مرسل ... سارت رسالته إلى الآفاق
أعلى الكرام ندى وأبسطهم يدا ... قبضت عنان المجد باستحقاق
من صير الأديان دينا واحدا ... من بعد إشراك مضى ونفاق
واحلنا من حرمة الإسلام في ... ظل ظليل وارف الأوراق
لو ان للبدر المنير (١) كماله ... ما طاله كسف وكشف محاق
أو ان للآباء رحمة قلبه ... ذابت قلوبهم من الإشفاق
ذو الحلم والعلم الخفي المنجلي ... والجاه والشرف القديم الباقي
آياته شهب وغر بنانه ... سحب النوال تدر بالأرزاق
ذو رأفة بالمؤمنين ورحمة ... وهدى وتأديب بحسن سياق
وخصال مجد أفردت بالخصل في ... مرمى الفخار وغاية السباق ومنها بعد كثير:
يا ذا الذي اتصل الرجاء بحبله ... وانبت من هذا الورى بطلاق
стр. 84
حبي إليك وسيلتي وذخيرتي ... أني من الأعمال ذو إملاق
واليك أعملت الرواحل ضمرا ... تختال بين الوخد والأعناق
نجبا إذا نشرت حلى تلك العلا ... تطوي الفلا ممتدة الأعناق
تحدو لهن من (١) النحيب تردد ... وتقودهن أزمة الأشواق
غرض إليه فوقتها اسهما ... وهي القسي برين كالأفواق
(٢٥آ) فأنختها بفنائك الرحب الذي ... وسع الورى بالنائل الدفاق
وقرى مؤملك الشفاعة في غد ... وكفى بها هبة من الرزاق
وعليك يا خير الأنام تحية ... (٢) تحيي النفوس بنشرها الفتاق
تتأرج الأرجاء من نفحاتها ... أرج الندي بمدحك المصداق ٢٦ - الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن بيش العبدري (٣) رحمة الله عليه:
شيخ قديم الطلب، حمد المأم والمنقلب، معروف انقباضه وصونه، منذ تعين كونه، عانى صناعة النحو، بين الإثبات والمحو، واشتهر بالإلحاح على كتاب الصحاح، واقتصر على التجارة في الكتب، فيا شد ما اتكل
стр. 85
خطره بأم (١) ، وكم خير من عزيز علمه فقده في كم (٢) . صحبني في بعض خطراتي بسبتة رسولا فأعدته إلى بلده يقيم به رسم الإقراء، فجهد زنده (٣) في الايراء، بعد ما نبذه بالعراء، فتمشت به حاله، إلى ان قوضت إلى العالم الحق رحاله، وكان له في الشعر نصيب، وبين الخواطر سهم مصيب، أنشدني بدار صنعة سبتة عام اثنين وخمسين وسبعمائة يجيب عن الأبيات التي أولها: (٤)
" يا ساكنا قلبي المعنى " ...
نحلتني طائعا فؤادا ... فصار اذ حزته مكاني
لاغرو اذ كان لي مضافا ... أني على الكسر فيه بان وانشد في التاريخ المذكور يخاطب أبا العباس عميد سبتة وقد أهدى إليه أقلاما (٥) :
أناملك الغر التي سيب جودها ... يفيض كفيض المزن بالصيب القطر
أتتني منها تحفة مثل حدها ... إذا انتضيت كانت كمرهفة السمر
هي الصفر لكن تعلم البيض إنها ... محكمة فيها على النفع والضر
(٢٥ب) مهذبة الأوصال ممشوقة كما ... تصاغ سهام الرمي أو خالص التبر
فقبلتها عشرا ومثلت أنني ... ظفرت بلثم في أناملك العشر
стр. 86
وأنشدني في التاريخ المذكور في ترتيب حروف الصحاح قوله (١) :
أساجعة بالواديين تبوأي ... ثمارا جنتها حاليات خواضب
دعي ذكر روض زانه سقي شربه ... صباح ضحى طير ظماء عصائب
غرام فؤادي قاذف كل ليلة ... متى ما نأى وهنا هواه يراقب ومن مطولاته، ورفعها إلى السلطان على يدي:
ديار خطها مجد قديم ... وشاد بناءها شرف صميم
وحل جنابها الأعلى علاء ... يقصر عنه رضوى أو شميم
سقى نجدا بها وهضاب نجد ... عهاد ثرة وحيا عميم
ولا عدمت رباه رباب مزن ... يغادي روضهن ويستديم
فيصبح زهرها يحكي شذاه ... فتيت المسك يذكيه النسيم
وتنشره الصبا فتريك درا ... نثيرا خانه عقد نظيم
وظلت في ظلال الأيك تشدو ... مطوقة لها صوت رخيم
ترجع في الغصون فنون سجع ... بالحان لها يصبو الحليم
أهيم بملتقى الوادي بنجد ... وليس سواه في واد أهيم
وكنت صرفت عنه النفس كرها ... وما برحت على نجد تحوم
وما ينفك لي ولها نزاع ... إلى مغنى به ملك كريم
له بيت سما فوق الثريا ... وعز لا يخيم (٢) ولا يريم
تبوأ من بني نصر علاها ... وأنصار النبي له أروم
стр. 87
أفاض على الورى عدلا ونيلا ... سواء فيه مثر أو عديم
ملاذ للملوك إذا ألمت ... صروف الدهر أو خطب جسيم
(٢٦آ) تؤمله فتأمن في ذراه ... وتدنوا من علاه فتستنيم
ويبدو في ندي الملك بدرا ... تحف به الملوك وهم نجوم
بوجه يوسفي الحسن طلق ... يضيء بنوره الليل البهيم
وتلقاه العفاة له ابتسام ... ومنه للعدا أخذ أليم
فيا شرف الملوك لك انقطاعي ... وأني في محلكم خديم
وآمالي أملت إليك حتى ... وردن على نداك وهن هيم
فلا ظمأ ووردك خير ورد ... نمير ماؤه عذب حميم
ولا أضحى وفي مغناك ظل ... ظليل حين تحتدم السموم
ركبت البحر نحوك والمطايا ... تسير لها ذميل أو رسيم
وإن علاك أن عطفت بلحظ ... (١) علي فذلك العز القديم
فوا أسفي على عمر تقضى ... بدار ليس لي فيها حميم
سوى ثمر الفؤاد ذهبت عنها ... وبين جوانحي منها كلوم
دون لقائها عرض الفيافي ... وبحر موجه طود عظيم
لعل الله ينعم باجتماع ... وينظم شملنا البر الرحيم
بقيت بغبطة وقرار عين ... بملك سعده أبدا يدوم
كما دامت حلى الأنصار تتلى ... يشيد بذكرها الذكر الحكيم
عليك تحية عطر شذاها ... كعرف الروض جادته الغيوم
стр. 88
٢٧ - المتكلم أبو الحسن علي بن إبراهيم الرقاص، رحمه الله تعالى:
رجل متهور، وفي اقبح الأطوار متطور، يأوي إلى أبوة خاملة، وحماقة على حملة العلم حاملة، إلا أنه ظهر باجتهاده، وترفع عن وهاده، واستمرت حاله على تكلف، إلى ان مات قتيلا في سبيل تخلف. ومن شعره:
(٢٦ب) أنسيانا فديتك يا حياتي ... لمن لم ينس حبك للممات
ورجما بالظنون أخا حنين ... إليك حليف شوق وانبتات
يمينا بالنهر إذا تجلى ... وبالقمر المنير وبالاياة
لقد أحللت حبك من فؤادي ... محل الروح من بيت الحياة ٢٨ - المقرئ أبو عبد الله محمد بن سعد (١) بن بقي (٢) رحمة الله تعالى عليه:
هذا الرجل فاضل الوقت (٣) ونعتذر عن القيد، ونقول إذا ذكرت المحاسن: (كل الصيد) (٤) ، اما خلقه الجميلة فخميلة، وإما محادثه فجريال
стр. 89
مستميلة، وإما فوائده فجزيلة، وللشكوك مزيلة، ينتهي في العلم والدين إلى المجد، ويشير من سلفه إلى علم نجد، ويدرس العلم حلف سداد، واستظهار بالتحصيل والرأي الأصيل واعتداد. وقام بالرباط الذي بنيناه بالحضرة قياما أرضى الوارد، وأعذب الموارد. وله نظم لا تنكر الإجادة نسبه، ولا تنازع مكسبه. فمن ذلك ما أنشدنيه مما نظمه عند مواراة جنازة (١) :
كم أرى مدمن لهو ودعه ... لست أخلي (٢) ساعة من تبعه
كان لي عذر لدى عهد الصبا ... وأنا آمل في العمر سعة
أو ما يوقظنا من كلنا ... آنفا (٣) لقبره قد شيعه
سيما إذا قد بدا في مفرقي ... ما أخال الموت قد جاء معه
فدعوني ساعة ابكي على ... عمر أمسيت ممن ضيعه
стр. 90
٢٩ - الفقيه أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم بن جزي الكلبي (١) ﵀:
خزانة تنفق الأدب إذا كسد، وتصلح من أدواته ما فسد، ونفس لا تناسب الجسد، هي حركة في جمود، وبحر مجمود، في طي (٢) منزور (٢٧آ) مثمود، وذهول، غطى على ربع مأهول، وروض مفتح نور، إلا أنه محتجب في غور، ان ذكر النحو أزرى بحفاظ بصرته، وسل على كافة الكوفيين صوارم نصرته، أو ذكر البيان، أنسى الخبر العيان، إلى مجادة سندها معنعن، وأصالة ليس فيها مطعن، يعضدها عم وخال، ويزين أعلاها وأسفلها خال وخلخال؛ وهواليوم بمدرسة الحضرة يعرب فيغرب، فيباهي (٣) به على المشرق والمغرب، وشعره وان شغلته عنه شواغل الفنون، مظنة اللؤلؤ المكنون، وشاهد لعناية الله تعالى بالحمأ المسنون، وإيجاد المعدومات بين الكاف والنون، فمن شعره من المقطوعات يوري بألقاب من العروض:
لقد قطعت قلبي يا خليلي ... بهجر طال منك على العليل
ولكن ما عجيب منك هذا ... إذ التقطيع من شأن الخليل
стр. 91
ومن التورية النحوية قوله:
لقد كنت موصولا فأبدل وصلكم ... بهجر وما مثلي على الهجر يصبر
فما بالكم غيرتم حال عبدكم ... وعهدي بالموصول لا يتغير ومن التورية بالعدد وهو مليح:
يا ناصبا علم الحساب حبالة ... لقناص ظبي (١) ساحر الألباب
إن كنت ترزق بالحساب وصاله ... فالله يرزقنا بغير حساب ومن التورية العروضية:
لقد كمل الود ما بيننا ... ودمنا على فرح شامل
فان دخل القطع في وصلنا ... فقد يدخل القطع في الكامل (٢٧ب) وقال في تضمين مثل:
ألا اكتم حب من أحببت واصبر ... فان الهجر يحدثه الكلام
وان أبداه دمع أو نحول ... فمن بعد اجتهادك لا تلام ومن التورية بأسماء كتب جوابا عن معمى:
لك الله من خل حباني برقعة ... حبتني من أنبائها بالنوادر
رسالة رمز في الحجال مهابة ... ذخيرة نظم أتحفت بالجواهر ومن النسيب قوله:
واشنب الثغر له وجنة ... تعدت النحل على وردها
ما ذاك إلا حسدا إذ رأت ... رضابه أعذب من شهدها
стр. 92
وقال في النسيب أيضا:
لئن كان باب القرب قد سد بيننا ... ولم يبق لي في نيل وصلك مطمع
واخفر عهدي دون ذنب جنيته ... واصبح ودي فيك وهو مضيع
ولم ترث لي مما ألاقي من الأسى ... وصرت أنادي منك من ليس يسمع
وضاقت بي الأحوال من كل وجهة ... لما ارتجي من رحمة الله أوسع وقال ﵀ يخاطب رجلا من أصحابه (١) :
أبا حسن ان شئت الدهر شملنا ... فليس لود في الفؤاد شتات
وان حلت عن عهد الإخاء فلم يزل ... لقلبي على حفظ العهود ثبات
وهبني سرت مني إليك إساءة ... ألم تتقدم قبلها حسنات وقال وهو مما نظمه في التضمين وفيما يظهر منه:
لقد صرت في غصب القصائد ماهرا ... (٢) فما اسم جميع الشعر عندك غير لي
ولم تبق شعرا لامرئ متأخر ... ولم تبق شعرا يا ابن فعل لأول
стр. 93
فشعر جرير قد غصبت ورؤبة ... وشعر ابن مرج الكحل وابن المرحل
وان دام هذا الأمر أصبحت تدعي ... " قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل " وقال في التورية:
إلى الله أشكو غدر آل توددي ... إلي فلما لاح سري لهم حالوا
لقد خدعوني إذ اروني مودة ... ولكنه لا غرو ان يخدع الآل وهو الآن فتى بقيد الحياة يتولى ما ذكر.
٣٠ - المقرئ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد العظيم (١) ﵀:
بقية بيت، وكيت وكيت، وحسب ميت، وفتيل سراج قديم عهده بزيت؛ أقام رسم الإقراء ببلده على لوثة تخل بخلاله، وتطرق (٢) حده بكلاله، وكان النحو محط رحاله، ومعول انتحاله. وله شعر مهلهل، لا يجم به منهل، ولا يعلم به مجهل، فمن ذلك قوله يمدح الأمير بسبتة ويصف الأسطول من قصيدة أوله:
أما الوصال فإنه كالعيد ... عذر المتيم واضح في الغيد
стр. 94
منها:
بتنا وليس سوى النجوم نديمنا ... نجني الأزاهر من رياض خدود
حف العناق بنا كأنا في الهوى ... غصنان معتنقان في تأويد
نثني على يحي الذي زان العلا ... بإمارة وإنارة وصعود
ثم انثنينا عامدين لقصره ... في خير أسطول وخير بنود
نسري ونركب كل طرف ما ونى ... عن كل شأو في المياه مديد
قد نازعنه الريح في (١) فعل له ... فجرى مخافة ذلك المقصود
أقدامه عود ولكن طوقت ... ليلا بنار مضرم ووقود
وانظر إلى ماء ونار واعتبر ... يا صاح كيف تجمعا في عود
(٢٨ب) وتر ولا لسواه إلا أربع ... سر السباق يبين في التعديد
إن قلت فيه البرق حقيقة ... لكن ندى يحيى سحاب الجود
إن قلت أن الفلك أفلاك فقل ... وجه الأمير كمثل بدر سعود
стр. 95
- ٣؟
طبقة القضاء أولي الخلال المرتضاة (١)
وهذه الطبقة منحطة في البيان، لاقتصار مداركها على علوم الديان، وما يصدر عنها فعلى جهة الافتنان وسخاء الأفنان، وربما ندر في هذه الطبقة ما يعي يد الحالب، ويحسب الطالب، لكن الحكم للغالب.
٣١ - الشيخ أبو جعفر احمد بن محمد بن محمد بن احمد بن فركون القسري
رحمة الله تعالى عليه (٢) :
قاض ركب الكفاية ظهرا، وجعل الاجتهاد للخطة مهرا، قريع بيت ضيعة نوه به حظه، فسمى إلى الغاية لحظه، إذ كان مولى على الأحكام، فارعاً منها للأكام، ماهراً في علم الفريضة، طبيباً (٣) لمعاناة مقاماتها
стр. 96
المريضة، شديد القحة والصلف، مزريا بالخلف والسلف، يدعو المشيخة بأسمائها، فتشجى بغمائمها، وينبزها بالقابها (١) ، فتنجحر بانقابها، تلوي برقابها، وله نادرة شاردة، وفكاهات صادرة في مجلس القضاء وواردة، يبدي بها في مقصد الحكم (٢) ، وجوه الصم والبكم، فيهضم جبارها، وتنقل أخبارها وكان ينظم شعرا منحطا، ويرتاد من طبعه جنابا يشتكي قحطا، فمن ذلك قوله يخاطب السلطان (٣) :
شفاؤك للملك اعتزاز وتأييد ... وبرؤك مولانا به عندنا عيد
مرضت فلم تأو النفوس لراحة ... ولا كان للدنيا قرارا وتمهيدا
ولم تستطع عيني تراك مؤلما ... ولازمها طول اعتلالك تسهيد
(٢٩آ) فلما شفاك الله وافى سرورنا ... ولم يبق للدنيا على الدهر تعديد
فللبشر بالأبلال في القلب موقع ... وللشكر في الأقوال لله ترديد
هنيئا وبشرى للعباد ببرئكم ... نعم وبه الإعزاز للدين موجود
شهدت بان الفتح يدنو مبادرا ... ويتلوه يوم في عداتك مشهود
وتملك أمصار العدا ورقابهم ... وللنصر تاج في لوائك معقود
لذاتك في الدنيا اعتلاء ورفعة ... وعز وفي الآفاق ذكرك محمود
بقيت على مر الدهور مملكا ... جنابك محروس وبابك مقصود وكتب يهنئ بمولود:
هنيئا للقيادة والمعالي ... وبشرى للمجادة والجلال
стр. 97
بمولود بمولده استقامت ... لوالده السعود على التوالي
به بلغت أمانيه مناها ... به غدت المكارم في احتفال
سيطلع في سماء المجد بدرا ... ومنصبه على الجوزاء عال
ويغدو بالنفاسة في ابتداء ... ويحظى بالرئاسة في المآل
ويحرسه الإله بعين حفظ ... ويمنحه البقاء مدى الليالي
تباكرك المسرة كل يوم ... ويصحبك السرور بلا انفصال وقال في شأن ما كان يقرف (١) به غفر الله له (٢) :
أنا من الحكم تائب ... وعن دواعيه راغب
بعد التفقه دهري ... ونيل أسنى المراتب
أصبحت أرمي بعار ... للحال غير مناسب
أشكو إلى الله بثي ... فهو المثيب المعاقب
الشيخ القاضي أبو عبد الله محمد بن يحيى بن غالب (٢٩ب) :
كان هذا الرجل ممن ينتحل الأدب في جيله، يتبرع بمجاولة مجيله، ويكتب قاضي (٣) الاستحسان، على أغراضه الحسان بتسجيله، فاشتهرت أبياته، وحفظت مبتدهاته ومروياته؛ فمن ذلك قوله يمدح السلطان ويصف الأسطول من قصيدة طويلة:
стр. 98
أضاءت بك الدنيا وأشرق نورها ... ولاح عليها بشرها وسرورها
وقد طلعت بالسعد منك سعودها ... كما صلحت بالأمر منك أمورها
فكل إلى مرآك هزته وحشة ... كما استوحشت غرناطة وقصورها
وبان بأن الحق حقك في العلا ... وبان بكم إفك العداة وزورها
فمن لم يقوم ميله عنك عقله ... تقومه إعجاز القنا وصدورها منها في وصف الأسطول:
بعثت لتأمين البحور جنودها ... بها أمنت كالبر منها بحورها
شواني تحكيها انقضاضا شواهن ... وإن صرصرت يوما حكاها صريرها
وإن قيل غربان فمن أجل أنها ... نواعب أرواح العدا إذ تغيرها
وإن قيل عقبان فغير حقيقة ... وإلا على التحقيق فهي وكورها
تخطف إذ تنقض كالنجم يرتمي ... بغاث العدا عقبانها وصقورها
تجاذبها اجناحها شبها كما ... نواظرها زرق العيون وحورها
لها صفحات الماء مثل صحائف ... وتلك الجواري المنشئات سطورها
ميامين في الأسفار أنى تيممت ... فباليمن والإقبال يأتي سفيرها ومن شعره في غرض النسيب:
آه من لوعتي ومما أعاني ... (١) ضاق صدري بالسر والكتمان
كنت أخفي عن الوشاة إلى أن ... فضحتني بدمعها أجفاني
(٣٠آ) ولئن دام يا خليلي ما بي ... فاحسباني بالحب لا شك فان
стр. 99
ونحولي على غرامي دليل ... شاهد بالذي يجن جناني
مذ زمان قد كنت أخفي ولكن ... من نحولي لم يدر مني مكاني
يا فؤادي صبرا عسى من قضى ... بالبعد يقضي من بعده بالتداني
يا زمان الوصال هل من رجوع ... حفظ الله عهد ذاك الزمان
أين ورد وسوسن كنت أجني ... أين شهد رشفت من أقحوان
بت ليلي والبدر فيه نديمي ... مخجلا بدره ببدر ثان
قائلا للحساد موتوا بغيظ ... نلت ممن أحب كل أمان
ولكم بت أرقب النجم سهدا ... ودموعي كالوابل الهتان
باسطا لليدين أدعو بذل ... ليس لي بالبعاد منك يدان ٣٢؟ الشيخ القاضي المسن أبو جعفر أحم بن عتيق الشاطبي (١)
من الأكاليل؛ رحمه الله تعالى بمنه:
شيخ طالت مصاحبته للأنساء، وملازمته للإصباح والأمساء طالما نظر بين غني ومسكين، وذبح بغير سكين، يقضي عمره في الحقوق، ويهب بين رعود وبروق، واكتسب مالا، وبلغ من الدهر آمالا، إلى أن أوثقته إشراك الحمام، وكل شيء فإلى تمام. وله شعر
стр. 100
خفيف الروح، ودعابة توسى بها الجروح، فمن ذلك قوله يخاطب نفسه:
تراخت بك الدنيا وجد بك السير ... وأشغلت بالفاني وقد زهد الغير
فحتى متى تكبو السوابق في الثرى ... وتصحب رجلاك السلامة يا عير
عدت بك عن نيل المعيشة كبرة ... تراخت لها الأعضاء وأستنزر الخير
وقل انتفاع الأهل منك فأعرضوا ... كأنك فرخ مل من زقه الطير
مراد الغواني منك خير ووزنه ... فها أنت لا خير لديك ولا أير وقال وقد استسلم للقضا، وعجز عن خطة القضا، وتلقى أمر الله ﷻ بالرضى:
قد عجزت عن القضا ... كل شيء إلى انقضا
أغمد الدهر مرهفا ... كان منا قد انتضى
كل ما يفعل الإله ... قبلناه بالرضى
نسأل الله عفوه المرتجى ... في الذي مضى
стр. 101
٣٤ -؟ الشيخ القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن
أبي حبل المعافري رحمة الله عليه:
فذ تثنى عليه الخناصر، وصدر لا يحصر فضائله حاصر، وقاض يريش سهام الأحكام ويبريها، ويزيل بنظره الشبه التي تعتريها، ويطبق مفاصل الفصل، بذهنه الذلق النصل، فيعريها، تولى الأقطار فازدانت، وتقلد الأحكام فلاحت المعدلة وبانت، وظهرت الحقوق الشرعية حيث كانت، وأما الأدب فكان من سباق حلبته، وفراع هضبته، وإن كان بغير فنه معروفا، وإلى سواه من الفنون الشرعية مصروفا؛ فمن شعره:
تكفل بالرزق الذي تستحثه ألهك فلتجمل إذا آنت طالبه ...
وكن ساعيا فيه على وفق أمره ... شكورا له فالشكر لاشك جالبه
وإياك والسعي المذل فإنه ... ينالك منه ما أنالك واهبه
دع الحرص فيه واسأل الله بسطة ... فما الحرص مدنيه ولا البطء سالبه
فيا رب إن ناله كيف ما اشتهى ... ورب حريص أعوزته مكاسبه (٣١آ) وقال وهو من شواهد كماله:
عتوي كل يوم في ازدياد ... وعمري في انحطاط وانتقاض
ولذاتي تقضت واتباعي ... بها باق إلى يوم القصاص
ولي حاجات نفس لا أرى ما ... أشير إليه منها غير قاص
стр. 102
وقد حملت أعباء ثقالا ... جوافي لا تنوء بها قلاصي
ويبطئني المعاش ولا عتاب ... على قدر لرزق ذي اعتياص
ألقي دونه حربا عوانا ... بأعداء على قتلي حراص
ثنوا نحوي أعنتهم طلابا ... وجاسوا بالأداني والأقاصي
فمهما لحت أصمتي سهام ... نوافذ لا تقي منها دلاصي وقال يتفجع لعمره الماضي، وزمانه المتقاضي، ويرتقب غريم التقاضي:
مضى من دن عمري كل صفو ... فما أبغي من الدردي لهفي
وولت طيبات العيش عني ... وأعوز من بقاياها التشفي
ولذات المطاعم شرها ما ... غدا (١) بالسن من خلل وضعف
وذا داعي المنون ضحى وممسى ... يناديني هلم نداء عنف
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فلي هرب المروع يروم منجى ... أمامي وهو لا ينفك خلفي
وقد جعلت لي الستون قيدا ... وثيقا مؤذنا بلحاق حتف
وشيبي منذر لو أن نفسي ... تطاوع بالمتاب بغير خلف
فكم وعد لها من بعد وعد ... ولكن ما لها عزم موفي
وليس سواك يا مولاي أرجو ... على إسرافي الأحرى بصرف
فعامل بالجميل جميل ظني ... وقابل نكر أفعالي بعرف
стр. 103
(٣١ب) ومن شعره مقتطعا من أبيات:
أقول لها من بعد ما كدت للهوى ... أميل وأعصي داعي الرشد والنصح
إليك فهذا الشيب أوضح صبحه ... وقد أوجب الإمساك متضح الصبح
فصدت وأغرت بالخضاب لعلها ... تسوم دليل الحكم يوما من القدح
فقلت كفى بالزور في الوجه شاهدا ... يحط جميلا في الوقار إلى القبح ٣٥؟ القاضي أبو القاسم محمد بن يوسف المعروف بابن الجقالة:
صدر في القضاة، وينبوع للخلال المرتضاة، وطابع لسيوف الكلام المنتضاة، شب في الحكم وشاب، وورد الجمام والأوشاب، وسلك من الأدب على السنن المأثور، وركض جياد المنظوم والمنثور، فكان مخصوصا في أهل زمانه بالإجادة، إلى ما تميز به من الأصالة والمجادة، ومن شعره في غرض النسيب:
أعد التفاتك في الهوى لمتيم ... يشكو النوى من ظلم متظلم
لو كنت تسمح بالتفاتك ساعة ... لرأيت كيف أذاب حبك أعظمي
جسم نحيل لو وقفت برسمه ... لعرفته من بعد طول توهم
أخفى الضنى جسدي فصار كأنه ... معنى خفي في كلام مبهم
ولنار شوقي في الضلوع توقد ... ويزيدها دمعي التهاب تضرم
стр. 104
وعجبت من ضدين كيف تجمعا ... النار تضرم والمدامع تنهمي
رحماك في دنف أرق من الهوا ... رفقا بمن يهواك وارحم ترحم
يا هاجري يا قاتلي بصدوده ... أحللت لا بالشرع قتل المسلم
هذا نجيعي فوق خدك شاهد ... أجنيت حتى حل قتلي أو دمي
إن قلت ما في الخد غير تورد ... فدمي عليه لائح كالعندم
(٣٢آ) سلت على قرب لحاظك مرهفا ... ورمت على بعد كرمي الأسهم
ولقد علمت بأنها سفكت دمي ... لكن جهلت كأنني لم أعلم
وأردت أخذ الثأر منك فراعني ... من غابة الغزلان صولة ضيغم
ما كنت اطلب منك ثارا في دمي ... أن شئت قتلي فهو غير محرم
لا ثار لي غير الوصول وأخذه ... صعب المنال على المشوق المعدم
بهواك إلا ما رحمت صبابتي ... ونظرت من حالي بعين ترحم ومن مقطوعاته قوله:
وصحبت أيامي على علاتها ... وبلوتها في شدة ورخاء
وقطعتها بالشكر في نعائمها ... ولقيتها بالصبر في الضراء وقال يرثي الوزير أبا عبد الله بن الحكيم ﵀، وكان لم يقبر:
قتلوك ظلما واعتدوا ... في فعلهم حد الوجوب
ورموك أشلاء وذا ... أمر قضته لك الغيوب
إن لم يكن لك سيدي ... قبر فقبرك في القلوب
стр. 105
٣٦ -؟ إسماعيل بن محمد بن محمد بن هانئ القاضي
أبو الوليد (١) ، ﵀:
قريع حسب، جامع بين مورث في الفضل ومكتسب، تحلى بالصيانة الضافية الجلباب، ونشا في اللباب، من ذوي العكوف والاكباب، فحفظ موطأ الأمام، كأنما اجترع جرعة من ماء الغمام، ورحل من بعد التحصيل، وطلب الأصيل، وأستقر بالمشرق بادي احتشام، مدرسا بحماة الشام، وله شعر عارضته قوية، وسبله في الإجادة سوية، فمن ذلك قوله:
أتعرف ربعا للتواصل قاويا ... عفت آية إلا الصوى والأواريا
(٣٢ب) تعاور فيها كل عاس مجلجل ... وجرت عليه الرامسات السوافيا
بكت برباه للسحاب مدامع ... فلما وهت (٢) ألقت عليه المآقيا
ولما دعا داعي الفراق وأجهشت ... قلوب تلقت من يد الشوق فاريا
وأصبح داعي الشوق لأيا مسيره ... (٣) وداعي التنائي ناعب السرب ضاويا
ظللت ترجي الوصل منه ولم تكن ... له قبل إلمام التفارق راجيا
إذا شمت برقا هجت بشرا لعله ... أتى موهنا من أرضه لك ساريا
стр. 106
وان سمعت أذناك في سبب صدى ... أصخت رجاء إن أتى لك داعيا
وان كان وافى في الدجنة طارق ... تبادر عساه أن يكون الموافيا
لعلك تلقاه بعاف سبيله ... من الأرض قد أضحى من الأنس خاليا
عفا فغدا لا يستبين لناظر ... وإدراكه يعشي العيون الروانيا
فتلقاه فردا لا يراع بكاشح ... أمينا من آن تلقى سواه ملاقيا
قريب التلافي غير صعب قياده ... كما شئت بسام الثنايا مواليا
يمد رواقا للتواصل سجسجا ... ويورد عذبا من تدانيه صافيا
فتجني الرضى منه على حين غفلة ... من الدهر مهلا ليس ترهب واشيا ومنها بعد كثير:
فهاك معنى القلب جمر غرامه ... له لوعة لا ترتجي الدهر آسيا
يجهز جيشا للغرام مظفرا ... ويورده بحرا من الدمع طاميا
موارد دمع لا يخاف نفادها ... يمد الثكالى بحرها والبواكيا
يغالب أشجانا براه غلابها ... (١) فاصبح للخدين والوجه كابيا
سفاه لعمري ان يغالب قادر ... على الفصل لا يلقى عن الهم ثانيا
ومن رام غمر البحر يزحم (٢) موجه ... فأوشك بان يلقى لدى النسف طاميا
(٣٣آ) فلا تتبع يأسا فتتلف بالأسى ... فؤادا بنار الوجد اصبح صاليا
стр. 107
فقد يدرك الصعب البعيد مرامه ... ويضحي الذي أبدى الجماح مواتيا
ويضحي الذي منه الغرام وداؤه ... إذا شاءه الله الطبيب المداويا وقال في قصيدة:
هوى والهوى يتلوه اثر الهوى هوى ... كذاك هوى حتى ازور المقابرا
فلو جئت قبري بعد سبعين حجة ... تزور وقد صارت عظامي نواخرا
لكان الصدى مهما أتيت مسلما ... ومؤتمرا إن كنت قد جئت أمرا وهو لهذا العهد بالبلاد قد ارتبط واغتبط، وفي غير الفنون النافعة ما خبط، وبلغت عنه وفاة كاذبة اقتسم لها ميراثه، كما قيل:
أكلوه حيا هل سمعت كآكل ... من غير مضطر للحم أخيه
стр. 108
٣٧ - الشيخ القاضي أبو عمرو عثمان بن محمد
بن يحيى بن منظور القيسي (١)
صدر معارف جمة، وصاحب نفس بالكمال مهتمة، كانت أخلاقه كالزلال بل هي أعذب، وشمائله يحسدها الأريحي المهذب، بذ السوابق في منقول ومعقول، وبشر مصقول، وتولى القضاء فحسنت السيرة، وسهلت في الحق المذاهب العسيرة، وكان لا يتصف بنثر ولا نظم، ولا يغتبط من ذلك بلحم ولا بعظم، إلا ما وقفت عليه بخطه في ظهر كتاب ألفه شيخنا الوزير أبو بكر ابن الحكيم، ﵀،وسماه الفوائد المنتخبة والمواد المستعذبة، فاستحق الذكر في هذه الطبقة لذلك، والسير في هذه المسالك، ونصه:
قد جمع الحكم وفصل الخطاب ... ما ضمه مجموع هذا الكتاب
من أدب غض ومن علية ... تسابقوا للخير في كل باب
(٣٣ب) فجاء فذا في العلا والنهى ... ومنتقى صفو لباب اللباب
ألفه الحبر الجليل الذي ... حاز العلا إرثا وكسبا فطاب
стр. 109
٣٨ - القاضي الشيخ أبو بكر بن ولي الله تعالى أبي جعفر ابن الزيات (١)
هضبة توقير لا ترجف ولا تزلزل، وذروة دونها السماك ألا عزل، بنى على أساس الأبوة الشهيرة، وسفر فضله عن محيا شمس الظهيرة، وكان فرعا من دوحة، وصفي غدوه في سبيل الله وروحه، متجر الرواية عاليها، متصل المثابرة متواليها، حسن الخط مجيده، محليا به نحر ما يلفظه وجيده. وكان يلم يشعر لم اقف منه ألا على قوله:
يفاتح بالتسليم مجلس عزلكم ... وبالرحمة العظمى وبالبركات
وحبي فيكم غير خاف عليكم ... وحسبي هذا الحب طول حياتي
أدام لك الله السعود وأبقيت ... علاك بجيد الملك منتظمات وكتب مستدعيا إجازة أهل عصره إياه، فكان من منظوم ذلك قوله:
لما علوتم يا مصابيح الدجى ... رتبا قصرت عليكم مني الرجا
وقرعت باب الفضل منكم سالكا ... سننا من الحرص الرضي ومنهجا
وأبيت إلا ان أكون ابنا لكم ... عملا بما يقضي به حكم الحجى
والله جل اسما يطيل بقاءكم ... ويري ابنكم فيكم جميعا ما رجا
стр. 110
٣٩ - محمد بن محمد بن شعبة الغساني أبو عبد الله، رحمة الله عليه:
فاضل نزع من بيت العمل، إلى ارعاء الهمل، وصحا من بعد الثمل، فظفر من القضاء بالأمل، وجنح على (١) قلم الحساب، إلى الاستماء (٢) للخطط الرفيعة والانتساب، لما شهر بزهده (٣) في الاكتساب، فكان مشكور التحول، (٣٤آ) محمود التعول، وفقا في ترك التكسب المعتاد والتمول، وله ادب نبيل، وسمت وضح منه في التزامه سبيل فمن ذلك قوله:
يبلى على مر الجديدين الهوى ... وهواك يا ليلى جديد باق
قد رق من فرط الهوى جسمي فهل ... لي في الهوى من مشفق أو راق
ما ذاق قيس في الهوى ما ذقته ... كلا ولا أحد من العشاق
أنت المنى فصلي محبك أو ذري ... لابد منك على نوى (٤) وتلاق ومن شعره قوله:
إذا ما الخل خالك دمن ود ... وجارك بالكلام عليك جارا
ففارق كل من يدعى خليلا ... ولا تصحب من الأقوام جارا