(والصحيح) فى حديث الترجمة أنه من قول بعض السلف، فقد ورد معناه عن غير واحد من التابعين فمن بعدهم.
١ - فروى ابن أبي شيبة (١٣/ ٥٤٩, ٥٥٠) عن حسين الجعفى عن موسى الجهنى عن بعض أصحابه قال: "ما أتت على عبد ليلة قط إلا قالت: ابن آدم. أحدث فِىَّ خيرًا، فإنى لن أعود إليك أبدًا". ورجاله ثقات رجال الصحيح سوى قائله، فإنه لم يُسَمَّ. ولعلة تابعى فإن موسى يروى عن التابعين.
٢ - وروى أبو نعيم (٢/ ٣١٠) من طريق الإِمام أحمد عن عفان عن همام قال: سمعت أبا عمران الجونى يقول: "ما من ليلة تأتى إلا وتنادى: اعملوا فِىَّ ما استطعتم من خير، فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة". وإسناده صحيح، وأبو عمران الجونى تابعى ثقة، واسمه: عبد الملك بن حبيب.
٣ - وروى أبو نعيم أيضًا (٧/ ٣٣٠) من طريق أحمد بن يحيى الصوفى قال: سمعت أبا غسان يقول: سمعت الحسن بن صالح يقول: الليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود ووعيد، ويقول النهار: ابن آدم، اغتنمنى فإنك لا تدرى لعله لا يوم لك بعدى، ويقول له الليل مثل ذلك". وإسناده صحيح.
والحسن ثقة من أتباع التابعين، ولعله تلقاه من موسى الجهنى -فى الطريق الأولى- فإن له رواية عنه كما فى "التهذيب" (١٠/ ٣٥٤).
وهذه الآثار -مع قصور ألفاظها عن لفظ حديث الترجمة المرفوع -إلا أنها لا مجال للرأى فيها إذ تتضمن إخبارًا عن أمر غيبى لا يتلقى إلا بتوقيف، فحكمها حكم المراسيل المرفوعة، إلا أنه يخشى أن تكون مأخوذة من الإسرائيليات، فالله أعلم.
стр. 107
الحديث السادس والثلاثون:
" ما أحدث عَبْدٌ أخا فى الله، إلا أحدث الله له درجة فى الجنة".
ضعيف جدًا. رُوِى من حديث أنس وله طريقان:
الأول: عند ابن أبي الدنيا فى "كتاب الإِخوان" -كما فى "تخريج الإِحياء" (٢/ ١٥٨) و "الجامع الصغير" (٧٧٨٩) وعنه الديلمى فى "مسند الفردوس" (ق: ٢١٧) إذ قال: "أخبرناه الإِمام والدى، أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الميدانى كتابة، أخبرنا أبو طالب الحربى ببغداد، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف العلاف، حدثنا الحسين بن صفوان البرذعى (٦٧)، حدثنا عبد الله بن محمد القرشى فى "كتاب الإِخوان"، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنى بقية، عن الأحوص" كذا أورده محققا "فردوس الأخبار" (٤/ ٣٥٥) فى حاشيته. وكأنه سقط من إسناده: "عن أنس" فإن للأحوص هذا رواية عنه. وهذا إسناد ضعيفٌ جدًا، له ثلاث علل:
الأولى: ضعف سويد بن سعيد، قال الحافظ (٢٦٩٠): "صدوق فى نفسه إلا أنه عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول".
قلت: وفى أمره تفصيل، فانظره فى "البدائل" (١/ ٢٠، ٢١) إن شئت.
الثانية: عنعنة بقية بن الوليد، وهو صدوق حافظ، لكنه كثير التدليس. الثالثة: وهاء الأحوص وهو ابن حكيم بن عمير العَنْسى، فقد قال ابن معين: "ليس بشئ". وقال الإِمام أحمد -فى رواية الميمونى عنه-: "واه". وقال فى رواية إبراهيم بن هانئ-: "لا يسوى حديثه شيئًا" ووثقه ابن المدينى مرة لكنه قال فى أخرى: "لا يكتب حديثه". وقال النسائى -مرة-: "ليس بثقة". وقال أبو حاتم: "ليس بقوى، منكر الحديث". وقال ابن حبان (١/ ١٧٥):
стр. 108
"يروى المناكير عن المشاهير، وكان ينتقص على بن أبي طالب، تركه يحيى القطان وغيره".
قلت: وبلغ من غفلته أن أبا بكر بن عياش قال: "حدَّث الأحوص بن حكيم بحديث. قال: فقلت: عن النبي ﵇! فقال: أو ليس الحديث كله عن النبى ﵇؟ ". رواها العقيلى فى "الضعفاء الكبير" (١/ ١٢٠) -واللفظ له- وابن عدى (١/ ٤٠٥) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن أبي بكر. وإسنادها صحيح جليل.
وهى تذكرنى يقول أبان بن أبي عياش -وهو أسوأ حالًا من الأحوص هذا-: "وهل يروى أنس إلا عن النبى ﵌؟ " والحديث أورده الغزالى فى "الإِحياء" بلفظ: "من آخى أخًا فى الله رفعه الله درجة فى الجنة لا ينالها بشئ من عمله" فذكره العراقى باللفظ المتقدم وقال: "وإسناده ضعيف" وتوهم المناوى أن ابن أبي الدنيا رواه باللفظين -من طريقين مختلفين- فقال (٥/ ٤١٢): "ويعضده خبر ابن أبي الدينا أيضًا ... " فذكر لفظ: "الإِحياء" فلو كان اللفظان عنده لتبين ذلك فى تخريج العراقى إن شاء الله، فإنه لم يعزه إليه إلا بلفظ الترجمة. وقال العلامة الألبانى حفظه الله فى "ضعيف الجامع" (٥/ ٧٨): "ضعيف جدًا".
الثانية: عند أبي الشيخ -كما فى "كنز العمال" (٩/ ١٨) -من طريق محمد ابن حميد الرازى عن الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس الملائى عن أبي سلمة اللوذانى عن أنس ولفظه: "أن النبى ﵌ قال: "من أحدث أخًا فى الله رفعه الله بها درجة فى الجنة، وما تواد رجلان فى الله إلا كان أفضلهما منزلة عند الله أشدهما حبًا لأخيه حتى يحدث أحدهما، وأشرهما الذى يحدث". كما فى "الجرح والتعديل" (٩/ ٣٨٤) - فى ترجمة أبي سلمة هذا.
وهذا إسناد ضعيف جدًا أيضًا فيه ثلاث علل:
الأولى: شدة ضعف محمد بن حميد الرازى فإنه متهم -مع اتصافه بالحفظ.
стр. 109
الثانية: جهالة أبي سلمة اللوذانى هذا، إذ لم أجد له ترجمة إلا في "الجرح" و "الاستغناء" للحافظ ابن عبد البر ﵀ (٢٣٨٦). وقال ابن أبي حاتم: "روى عنه عمرو بن قيس الملائى" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
الثالثة: الانقطاع -على تردد في ذلك- فقد ختم ابن أبي حاتم الترجمة بقوله: "قال أبو عبد الله: لم يسمع أبو سلمة من أنس". وأبو عبد الله هو محمد بن حميد كما قال ابن عبد البر والمعلمى في "حاشية الجرح". ولا أدرى ما حجته في ذلك، فإن عمرو بن قيس من السادسة، مات سنة بضع وأربعين كما في "التقريب" (٥١٠٠)، فإدراك شيخه لأنس محتمل جدًا. على أن ابن حميد متهم كما قدمنا.
أما سائر الحديث (٦٨) فمروى من طريق ثابت عن أنس - وفيه اختلاف على ثابت لا مجال لذكره الآن - ومن طريق أبي الدرداء مرفوعًا عند الطبراني في "الأوسط".
ورواه محمد بن البراء العبدى في "كتاب الروضة" كما في "كتاب المتحابين في الله" (٢٣) لابن قدامة المقدسى ﵀، ورجاله ثقات. ولعلى أتعرض له في موضع آخر إن شاء الله.
وختاما (فالصواب) أن حديث الترجمة من قول الحسن البصرى ﵀ (٦٩) كما رواه وكيع في "الزهد" (٣٣٠) عن المسعودى عن زياد الأصفر قال: أراه عن الحسن قال: "من أفاد أخًا في الله، رفعه الله بها درجة". وإسناده حسن كما قال محقق "الزهد".
وسماع وكيع من السعودى نص الإِمام أحمد على أنه كان قبل اختلاطه كما في "التهذيب" (٦/ ٢١٠) وغيره. والله أعلم.
стр. 110
وهذا الأثر لا مجال للرأى فيه، فحكمه الرفع مع الإِرسال على أن هذا الثواب لا ينكر فقد ثبت عن النبي ﵌ أن المتحابين في الله على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء، وأن محبة الله وجبت لهم، في أحاديث كثيرة قد كفت وشفت. فالله المستعان.
استدراك:
وروى أبو نعيم (٥/ ٧) عن محمد بن سوقة قال: "ما استفاد رجل أخًا في الله إلا رفعه الله بذلك درجة" وإسناده إليه صحيح، لكن حكمه حكم المرفوع المعضل، فإن ابن سوقة ﵀ من أتباع التابعين.
الحديث السابع والثلاثون:
" ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم ولا صلاة، ولكن بشئ وقر في قلبه".
لا يعرف مرفوعًا. رفعه الغزالى (١/ ٢٣) إلى النبى ﵌ فقال العراقي: "أخرجه الترمذى الحكيم في "النوادر" من قول بكر بن عبد الله المزني، ولم أجده مرفوعًا" وحكاه عنه السخاوى (ص ٣٦٩) بنحوه.
قلت: و "نوادر الأصول" المتداول حاليًا قد طبعه بعضهم -محذوف الأسانيد- لا بارك الله فاعله- وذلك مما يزهد طالب العلم الصحيح في اقتنائه، لكن الله رزقنى إسناده من كتاب آخر للحكيم الترمذى، ألا وهو كتاب "الصلاة ومقاصدها" (إذ رواه) فيه (ص ٨٠، ٨١) عن المؤمل بن هشام البصرى وقتيبة بن سعيد عن إسماعيل بن علية عن غالب القطان عنه قال: "لم يفضل أبو بكر رضى الله عنه الناس بكثرة صوم ولا صلاة، وإنما فضلهم بشئ كان في قلبه". وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
فنصيحتى لطلبة علم الحديث والباحثين فيه ألا يزهدوا في مصنفات الحكيم
стр. 111
الترمذى وأشباهه كالحارث بن أسد المحاسبى وابن أبي الدنيا والخرائطى، فإنها - وإن كان فيها واهيات ومناكير- لا تخلو من درر غالية وآثار حسان يندر وجودها في غيرها- وليس أدل على ذلك من هذا الأثر الذى يظنه البعض حديثا نبويًا، بل ويجزمون بنسبته إلى المصطفى ﵌، وهو لا يُعرف له أصل عنه. ولولا أن الله تعالى قيض لنا كتاب "الصلاة ومقاصدها" -هذا العام- لظلت درجة هذا الأثر -من الثبوت- مجهولة، إذ لم يبينها العراقى ولا غيره- فالحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.
ثم إن الحكيم روى عقبه (ص ٨١) عن أبيه عن الحسن بن سوار عن المبارك عن الحسن قال: "إنما غلبهم عمر رضى الله عنه بالصبر واليقين، لا بالصوم والصلاة".
لكن والد الحكيم -واسمه على بن الحسن بن بشر لم أظفر له على ترجمة. والمبارك هو ابن فضالة البصرى، وهو صدوق مدلس، وقد عنعنه.
الحديث الثامن والثلاثون:
" ما من شئ إلا له توبة، إلا صاحب سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه".
موضوع. رواه الطبراني في "الصغير" (٥٥٣) من طريق عمرو بن جميع عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة مرفوعًا وقال: "لم يروه عن يحيى إلا عمرو، ولا يروى عن عائشة إلا بهذا الإِسناد".
قال العلامة الألبانى في "الضعيفة" (١٢٦): "قلت: وهو موضوع، فإن عمرًا هذا قال النقاش: أحاديثه موضوعة، وكذبه يحيى بن معين، وقال ابن عدى: كان يتهم بالوضع. ومنه تعلم أن قول الحافظ العراقي في "تخريج الإِحياء" (٣/ ٤٥) بعد أن عزاه للطبرانى: "وإسناده ضعيف" قصور، إلا أن يلاحظ أن الموضوع
стр. 112
من أنواع الضعيف كما هو مقرر في "المصطلح".
وقال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٥): "رواه الطبراني في "الصغير"، وفيه عمرو بن جميع وهو كذاب".
والحديث أورده السيوطى في "الجامع" (٧٠) برواية أبي الفتح الصابوني في "الأربعين" عن عائشة، ويعترض عليه من وجهين:
الأول: إيراده فيه مع أنه ليس على شرطه (٧١) لتفرد الكذاب به! .
الثانى: اقتصاره في العزو إلى الصابوني فأوهم أنه ليس عند من هو أشهر منه! ... ". ثم وجدت حديث الترجمة عند الخطيب (٨/ ٥٩, ٦٠) من هذا الوجه بنحوه.
(والصحيح) أن هذا قول والد أحمد بن أبي الحوارى الزاهد المشهور، فقد قال ابن حبان في "روضة العقلاء" (ص ١٧٥): "حدثنا القطان بالرقة، حدثنا أحمد بن أبي الحوارى، قال: سمعت أبي يقول: ما من أحد إلا وله توبة، إلا سيئ الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا دخل في شر منه". وإسناده إليه صحيح، وأبو الحوارى اسمه عبد الله بن ميمون بن العباس التغلبى، ومظنة ترجمته: "تاريخ دمشق" للحافظ ابن عساكر ﵀، لكن هذا الاسم من الأسماء التى سقطت من المخطوطة المصورة، ولم تستدرك بعد.
نسأل الله التيسير.
стр. 113
الحديث التاسع والثلاثون:
" ما من غنى ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه أوتى من الدنيا قوتًا".
ضعيف جدًا أو موضوع. رواه الإِمام أحمد (٣/ ١٦١) وابن ماجه (٤١٤٠) وهنَّاد (٥٩٦) وأبو يعلى (٧/ ٣٠٣) وابن حبان في "المجروحين" (٣/ ٥٦) وابن عدى (٧/ ٢٥٢٤) وأبو نعيم (١٠/ ٦٩، ٧٠) وابن الجوزى في "الموضوعات" (٣/ ١٣١) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد عن نفيع عن أنس مرفوعًا به.
ورواه أيضًا ابن منيع وعبد بن حميد في "مسنديهما" كما قال الحافظ البوصيرى ﵀ في "مصباح الزجاجة" (٣/ ٢٨٠، ٢٨١).
ورواه وكيع في "الزهد" (١١٧) عن إسماعيل به، فأوقفه على أنس والراجح عن إسماعيل رفعه كما هى رواية الجماعة.
وقال ابن الجوزى: "نفيع هذا، هو أبو داود الأعمى، كذبه قتادة. قال يحيى: لم يكن ثقة. وقال النسائى والدارقطنى: متروك". فتعقبه السيوطى في "اللآلئ" (٢/ ٣١٣) - بما ليس تحته كبير طائل - فقال: "قلت: أخرجه أحمد في "مسنده" وابن ماجة من هذا الطريق. وله شاهد عن ابن مسعود. وقال الخطيب: أنبأنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله الواعظ أنبأنا عبد الباقى بن قانع حدثنا عمر ابن إبراهيم الحافظ حدثنا أحمد بن إبراهيم القطيعى حدثنا عباد بن العوام حدثنا سفيان ابن حسين عن سيار (٧٢) عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: "ما من أحد إلا وهو يتمنى يوم القيامة أنه كان يأكل في الدنيا قوتا".
وقال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي سهل حدثنا عبد الله بن محمد العبسى حدثنا عباد بن العوام به، فذكره موقوفًا. والله أعلم. اهـ.
стр. 114
وكذلك تعقبه الشيخ محمد صبغة الله المدراسى الهندى في "ذيل القول المسدد" (ص ٨٠) بقوله: "قلت: رماه -يعنى نُفَيْعا- بعضهم بالوضع وبعضهم بأنه متروك وبعضهم بأنه ليس بشئ وبعضهم بأنه ضعيف.
وذكره ابن حبان في "كتاب الثقات". وقال في "كتاب الضعفاء": يروى عن الثقات الموضوعات- انتهى.
فلا يحكم على حديثه بالوضع نظرًا لذلك. وله شاهد من حديث ابن مسعود رضى الله عنه عند الخطيب قال .... " فذكر كلام السيوطى بتمامه.
قلت: تعقب الحافظ السيوطى بتخريج الإِمام أحمد للحديث يمكن الاستدلال به على نفى كونه موضوعًا عن الإِمام أحمد -لا مطلقًا- ولم أرَ للإِمام أحمد في نفيع رأيا صريحًا صحيحًا (٧٣)، فلعله لم يكن عنده كذابًا ولا شديد الضعف. والله أعلم.
أما تخريج ابن ماجه للحديث فلا يصلح تعقبًا فإن ابن ماجه ﵀ لم يكن يتحاشى إيراد أحاديث الهلكى والكذابين، مما أخر مرتبته عن مرتبة سائر الكتب الستة في الأصحية، وقدم بعض الأئمة على كتابه: "سنن الدارمى" لأن الغالب عليها الصحة بخلافه.
نعم، نفيع لا ينزل حديثه عن مرتبة الضعف الشديد بحال، فقد وهاه أكثر الأئمة، وقال ابن حبان: "كان ممن يروى عن الثقات الأشياء الموضوعات توهمًا، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا على جهة الاعتبار".
وقد غمزه أبو يحيى الساجى ﵀ بروايته هذا الحديث بعينه، فقال: "كان
стр. 115
منكر الحديث يكذب، ثنا أحمد ثنا أبو معاوية .... " فذكر الحديث وقال: "وهذا الحديث يصحح قول قتادة فيه أنه كان سائلًا لأن هذا حديث السُؤُّال. ونحوه قول الحاكم: "روى عن بريدة وأنس أحاديث موضوعة" والنصان في "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٤٧١، ٤٧٢).
أما توثيق ابن حبان له، فغفلة منه، قال الحافظ - عقب قول المزى "فكأنه جعله اثنين"-: "قلت: هو وهم منه بلا ريب، وهو هو".
أما استشهاد السيوطى ﵀ بحديث ابن مسعود فيجاب عنه من وجهين: الأول: أن حديث أنس -لشدة ضعفه- لا يقبل الانجبار بوجود شاهد له كما هو مقرر في كتب "مصطلح الحديث".
الثانى: أن حديث ابن مسعود - على ضعف إسناده - مُعَلٌّ بالوقف.
أما الضعف فلأن له علتين:
الأولى: ما في ابن قانع ﵀ من المقال. قال الذهبي في "المغنى" (١/ ٣٦٥): "الحافظ. قال الدارقطني: "كان يحفظ لكنه كان يخطئ ويصر". وقال البرقاني: "هو عندى ضعيف ورأيت البغداديين يوثقونه". وقال أبو الحسن ابن الفرات: "حدث به اختلاط قبل موته بسنتين". لكن قال الخطيب (١١/ ٨٩): "لا أدرى لماذا ضعفه البرقاني، فقد كان ابن قانع من أهل العلم والدراية، ورأيت عامة شيوخنا يوثقونه، وقد تغير في آخر عمره".
قلت: وله ترجمة واضحة في "اللسان" (٣/ ٣٨٣، ٣٨٤) تدل على أنه - مع حفظه ودرايته - صاحب أوهام وتصحيفات، فانظرها إن شئت.
الثانية: جهالة أحمد بن إبراهيم القطيعي، فقد ترجمه الخطيب (٤/ ٧, ٨) برواية أبي الآذان الحافظ - وهو عمر بن إبراهيم - وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
стр. 116
(وأما) الإِعلال بالوقف، فقد خالفه الحافظ الثبت: ابن أبي شيبة (١٣/ ٣٠١) ومحمد بن جعفر المدائنى -وهو صدوق- عند عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ١٥٥, ١٥٦) فروياه عن عباد به موقوفًا، ولفظه - عند عبد الله-: "ما من أحد من الناس يوم القيامة إلا وهو يتمنى أنه كان يأكل في الدنيا قوتا وما يضر أحدكم على أى حال أصبح وأمسى من الدنيا إلا أن تكون في النفس حزازة". وإسناده صحيح وهو في "الحلية" (١/ ١٣٧) من طريق ابن أبي شيبة به.
والجملة الأولى من الأثر -المطابقة لحديث الترجمة- تتضمن إخبارًا عن أمر غيبى لا مجال للرأى فيه، فهى مرفوعة حكمًا، ولا يُسَوِّغ ذلك لمن أراد حكايته هذا الأثر أن يجزم بنسبته إلى النبى ﵌، فيكون متهجمًا على ما ليس له أن يتهجم عليه، فتنَبَّهْ. وبالله التوفيق.
الحديث الأربعون:
" أن رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم "مَرَ بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف؟ قال: أفى الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جارٍ".
ضعيف. رواه ابن ماجه (٤٢٥) من طريق قتيبة ثنا ابن لهيعة عن حُيَىّ بن عبد الله المعافرى، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن عبد الله بن عمرو به.
ورواه أيضًا أبو يعلى في "مسنده" "ثنا أبو خيثمة ثنا أبو رجاء ثنا ابن لهيعة به، كما في "مصباح الزجاجة" (١/ ١٧٤) وقال البوصيرى: "هذا إسناد ضعيف لضعف حيى بن عبد الله وعبد الله بن لهيعة".
قلت: حيى لم يتفق على تضعيفه، بل هو مختلف فيه، ورجح الحافظ في "التقريب" (١٦٠٥) أنه: "صدوق يهم". فهو حسن الحديث ما لم يخالف.
стр. 117
فالعلة ابن لهيعة وحده, لأن قتيبة -وهو ابن سعيد أبو رجاء البلخى- ليس من قدماء أصحابه الذين حدثوا عنه "قبل أن يكثر الوهم في حديثه وقبل احتراق كتبه" (٧٤) ورُوِيت ألفاظ أخرى -تقارب هذا الحديث- ولا يصح منها شئ:
١ - فقد روى ابن ماجة أيضًا (٤٢٤) من طريق بقية عن محمد بن الفضل ابن عطية عن أبيه عن سالم عن ابن عمر قال: رأى رسول الله ﵌ رجلًا يتوضأ، فقال: "لا تسرف، لا تسرف". وقال البوصيرى: "هذا إسناد ضعيف: الفضل بن عطية ضعيف وابنه كذاب، وبقية مدلس".
قلت: الأولى أن يقال: "ضعيف جدًا" لوجود هذا الكذاب، أما أبوه فالأكثرون على توثيقه والبلاء من الابن كما بين ابن حبان وابن عدى، فانظر "التهذيب" (٨/ ٢٨١).
٢ - وروى أبو أحمد الحاكم في "الكنى" وابن عساكر عن الزهرى مرسلًا مرفوعا: "لا تسرف. قيل: يا رسول الله، وفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وفي كل شئ إسراف".
كما في "كنز العمال" (٩/ ٣٢٧). وإسناده ضعيف - بصفة مبدئية - للإِرسال أو الإعضال ومراسيل الزهرى عند الأئمة من شر المراسيل لأنه حافظ، لا يرسل إلا عمن يرغب عن ذكره. ولعل في الطريق إليه علة أخرى هى شر من الإِرسال، فنظرةٌ إلى ميسرة، فإن "تاريخ دمشق" بحر لا قرار له، ولا ندرى في أي التراجم أورده ابن عساكر. أما "الكنى" لأبى أحمد الحاكم، فلم نُرزَقْهُ بعد.
٣ - وروى أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٩٢) من طريق محمد بن جعفر
стр. 118
الوركانى ثنا سعيد بن ميسرة البكرى سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﵌: "لا خير في صب الماء" وقال: "إنه من الشيطان" - يعنى كثرة صب الماء في الوضوء- وسعيد بن ميسرة هذا قال الذهبي في "المغنى" (١/ ٢٦٦): "واهٍ. قال ابن عدي: هو مظلم الأمر".
وبكل حال، فقد ثبتت أحاديث أخرى عن النبى ﵌ في كراهة السرف في الوضوء وسنية الاقتصاد فيه -بغير الألفاظ المتقدمة- تراجع في مثل "مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزى ﵀، و "جامع الأصول" لابن الأثير الجزرى ﵀.
و(الصواب) في حديث الترجمة أنه من قول هلال بن يساف -وهو تابعي ثقة- فقد قال البوصيرى: " ... ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" من حديث هلال بن يساف" (٧٥).
قلت: صنيعه ﵀ يوهم أن الحديث مرفوع وليس كذلك، (فقد) رواه (١/ ٦٦) عن محمد بن فضيل عن حصين عنه قال: "كان يقال: في الوضوء إسراف ولو كنت على شاطئ نهر".
ورواه البيهقى (١/ ١٩٧) من طريق الثورى عن حصين به، بلفظ: "كان يقال: في كل شئ إسراف حتى الطهور، وإن كان على شاطئ النهر" وإسناده صحيح.
وروى ابن أبي شيبة أيضًا (١/ ٦٧) عن يزيد بن هارون قال: أنا العوام عمن أخبره عن أبي الدرداء قال: "اقصد في الوضوء، ولو كنت على شاطئ نهر".
وإسناده ضعيف، شيخ العوام -وهو ابن حوشب- مجهول لم يسم، ثم إن روايته عن أبي الدرداء منقطعة أيضًا، فإن جميع شيوخ العوام بن حوشب لا يدرك أحد منهم أبا الدرداء أصلًا.
стр. 119
وقد أحسن البوصيري صنعًا إذ لم يورده، مع أنه أرفع من قول هلال بن يساف، وإنما أوردناه -وما كان على شاكلته في هذا الكتاب- للتنبيه على عدم ثبوته. والله أعلم.
الحديث الحادى والأربعون:
" من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر".
ضعيف جدًا، منكر. رواه الترمذي (١٨٨) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (النساء-٢٩٣٦) والطبرانى (١١/ ٢١٦) والحاكم (١/ ٢٧٥) والبيهقى في "سننه" (٣/ ١٦٩) وغيرهم من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا به.
ورواه الديلمي بزيادة: "ومن شرب شرابًا حتى يذهب بعقله الذى أعطاه الله، فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر". كما في "فردوس الأخبار" (٤/ ١٢٢).
وقال الترمذى: "وحنش هذا هو أبو على الرحبى، وهو حسين بن قيس. وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه أحمد وغيره ... ".
وقال الحاكم: "حنش بن قيس الرحبى يقال له: أبو على، من أهل اليمن سكن الكوفة، ثقة. وقد احتج البخارى بعكرمة، وهذا الحديث قاعدة في الزجر عن الجمع بلا عُذر، ولم يخرجاه".
فتعقبه الذهبى في "تلخيص المستدرك" بقوله: "قلت: بل ضعفوه". وقال البيهقي: "تفرد به حسين بن قيس أبو على الرحبي المعروف بحنش، وهو ضعيف عند أهل النقل لا يحتج بخبره".
قلت: بل هو متروك كما قال الحافظ (١٣٤٢). وقد وهاه الإِمام أحمد وابن معين والبخارى وأبو حاتم والنسائى والساجي والدارقطني وغيرهم.
стр. 120
وقال العقيلي في ترجمته من "الضعفاء الكبير" (١/ ٢٤٨): "وروى عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﵌ قال ... " فذكره ثم قال: "وله غير حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به".
فأما (الأول) (٧٦) فيروى من كلام عمر بن الخطاب، وأما (الثانى) فلا أصل له، وقد رُوِى عن ابن عباس بإسناد جيد أن النبي ﵌ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء".
قلت: بل الثانى أيضًا مروى عن عمر، ثابت عنه. وحديث الترجمة أورده الذهبي أيضًا في "الميزان" (١/ ٥٤٦) من جملة مناكير حسين هذا.
أما (الرواية) عن عمر رضى الله عنه، فمن طريقين عنه:
الأولى: عند البيهقي (٣/ ١٦٩) من طريق قتادة عن أبي العالية عنه رضى الله عنه قال: "جمع الصلاتين من غير عذر من الكبائر".
وقال: "قال الشافعي في "سنن حرملة": العذر يكون بالسفر والمطر، وليس هذا بثابت عن عمر، هو مرسل".
ثم قال: "هو كما قال الشافعي. والإِسناد المشهور لهذا الأثر ما ذكرنا، وهو مرسل، أبو العالية لم يسمع من عمر رضى الله عنه، وقد رُوِى ذلك بإسناد آخر أشار الشافعي إلى متنه في بعض كتبه". ثم رواه من الطريق الثانية، وستأتى في محلها.
وروى عبد الرزاق (٢/ ٥٥٢) من طريق أيوب عن قتادة عن أبي العالية أن عمر كتب إلى أبي موسى: "واعلم أن جمعًا بين الصلاتين من الكبائر إلا من عذر". ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٩) من طريق هشام بن حسان عن رجل عن أبي العالية به، بلفظ: "الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر".
стр. 121
الثانية: عند البيهقي أيضًا -كما تقدم- من طريق حميد بن هلال عن أبي قتادة -يعنى العدوي- أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب إلى عامل له: "ثلاث من الكبائر: الجمع بين الصلاتين إلا في عذر، والفرار من الزحف، والنهبى".
وقال: "أبو قتادة العدوى أدرك عمر رضى الله عنه، فإن كان شهده كتب فهو موصول، وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قويًا. وقد روى فيه حديث موصول عن النبي ﵌، في إسناده من لا يحتج به". فروى حديث ابن عباس.
قال ابن التركمانى ﵀ في "الجوهر النقى": "قلت: أبو العالية أسلم بعد موت النبي ﵌ بسنتين، ودخل على أبي بكر وصلى خلف عمر. وقد قدمنا غير مرة أن مسلمًا حكى الإِجماع على أنه يكفى لاتصال السند المعنعن ثبوت كون الشخصين في عصر واحد. وكذا الكلام في رواية أبي قتادة العدوى عن عمر، فإنه أدركه كما ذكر البيهقي بعد، فلا يحتاج في اتصاله إلى أن يشهده". اهـ.
قلت: هذان الإِمامان دندنا حول رواية أبي العالية عن عمر، وليس في اتصالها أدنى ارتياب -وأغفلا العلة الحقيقية التى سأذكرها بحول الله وقوته. وسماع أبي العالية من عمر، فثابت قطعًا، فقد روى الإِمام أحمد في "الزهد" (ص ١١٨) وابن أبي شيبة (١٠/ ٣٢٢, ٣٢٣) بسند صحيح عنه قال: "أكثر ما كنت أسمع من عمر بن الخطاب: "اللهم عافنا واغفُ عنا".
والصواب إعلال هذا الإِسناد بعدم سماع قتادة له من أبي العالية، فقد روى ابن أبي حاتم في "المراسيل" (٦٢٨) عن على بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء. قلت ليحيى: عُدَّها قال: قول على رضى الله عنه: "القضاة ثلاثة"؛ وحديث: "لا صلاة بعد العصر"، وحديث: "يونس بن متى". ورواه أيضًا في "التقدمة"
стр. 122
(ص ١٢٧) وعقب على ذلك بقوله: "بلغ من علم شعبة بقتادة أن عرف ما سمع من أبي العالية وما لم يسمع".
وذكره الحافظ ابن رجب الحنبلى ﵀ في "شرح علل الترمذي" (ص ٤٩٦, ٤٩٧) بلفظ: "لم يسمع منه إلا أربعة أحاديث ... " فزاد: "وحديث ابن عباس: شهد عندى رجال مرضيون، وأرضاهم عندى عمر. الحديث.
قال: "وقد خرجا له في "الصحيحين" عن أبي العالية حديثين آخرين. أحدهما: حديث دعاء الكرب. والثانى: حديث رؤية النبي ﵌ ليله أسرى به موسى، وغيره من الأنبياء".
قلت: فيعتضد -إن شاء الله- بالطريق الأخرى عن أبي العالية عند ابن أبي شيبة.
أما رواية أبي قتادة العدوى عن عمر، فلا مجال للتردد في اتصالها ألبتة، فقد ذكر البخارى في "تاريخه" (٢/ ١٥١) وابن أبي حاتم في "الجرح" (٢/ ٤٤١) والمزى في "تهذيب الكمال" (ق ١٦٣٨) روايته عن عمر، ولم يتعرضوا لها بشئ، بل قال الحافظ في "الإِصابة" (١/ ١٨٨): " ... قال البزار: أدرك الجاهلية وسمع من عمر بن الخطاب ... " حتى قال: "وذكره ابن حبان في "الثقات" وابن سعد في الأولى من تابعى البصريين ممن أدرك عمر". قلت: حديثه عن عمر في صحيح مسلم" (٧٧) اهـ.
قلت: وفي سندها علة أخرى لم ينبه عليها البيهقي ولا ابن التركمانى، وهى أن شيخ شيخ البيهقي، واسمه: عبد الله بن محمد بن الحسن الرمجارى -وهو أخو
стр. 123
الحافظ أبي حامد بن الشرقى- مطعون في عدالته، قال الذهبي في "الميزان" (٢/ ٤٩٤): "سماعاته صحيحة من مثل الذهلى وطبقته، ولكن تكلموا فيه لإِدمانه شرب المسكر". وقال في "السير" (١٥/ ٤٠) عن الحاكم: "ولم يدع الشرب إلى أن مات فنقموا عليه ذلك، وكان أخوه لا يرى لهم السماع منه لذلك". وله ترجمة في "اللسان" (٣/ ٣٤٢, ٣٤٣) جاء فيها أنه وصف خمرًا عتيقًا لمريض - وكان رأسا في معرفة الطب - وعلى كلٍ، فقد فرَّج الله عنى الضيق الذى أصابنى من أجل هذه العلة، فبالرجوع إلى فهرس الآثار من "كنز العمال" (٨/ ٢٤٦) وجدته يعزوه أيضًا لابن أبي حاتم، وهو عنده في "تفسيره" (النساء - ٢٩٣٧) من طريق حميد بن هلال أيضًا عن أبي قتادة -يعنى العدوى- قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين، يعنى من غير عذر" وبنفس الإِسناد (٢٩٤٠) عن أبي قتادة قال: قرئ علينا كتاب عمر، من الكبائر الفرار من الزحف والنهبة". وإسناده صحيح، أورده الإِمام ابن كثير في "تفسيره" (١/ ٤٨٤) -مجموعًا- وصححه فالحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.
تنبيه: وروى ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٩) من طريق حنظلة السدوسي عن أبي موسى الأشعرى قال: "الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر" وإسناده ضعيف، له علتان.
الأولى: ضعف حنظلة السدوسى، لاختلاطه وعدم تميز حديثه.
الثانية: الانقطاع، إذ أن حنظلة هذا لا رواية له عن أحد من الصحابة سوى أنس -وقد تأخرت وفاته- وسائرها عن التابعين. وكأن هذا التخليط منشؤه ما جاء في بعض الروايات أن عمر كتب إلى أبي موسى بذلك، فتوهم حنظلة السدوسي أن قائل هذا الكلام هو أبو موسى نفسه. والله تعالى أعلى وأعلم.
ثم وجدت لأثر عمر طريقا ثالثًا عند مسدد في "مسنده" عن بكر بن عبد الله المزنى أن عمر كتب إلى أبي موسى: "إن جمعًا بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر" كما في "المطالب العالية" (١/ ١٧٩) وقال الحافظ: "فيه انقطاع".
стр. 124
الحديث الثاني والأربعون:
" من زوَّجَ كريمته من فاسق، فقد قطع رحمها".
موضوع. رواه ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢٣٨) وابن عدى (٢/ ٧٣٤) قالا: أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة (ولفظ ابن عدى: أخبرنا ابن قتيبة)، ثنا وارث بن الفضل، ثنا الحسن بن محمد البلخي، ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك به مرفوعا. ذكراه في ترجمة البلخى هذا.
وقال ابن حبان: "شيخ، يروى عن حميد الطويل وعوف الأعرابي الأشياء الموضوعة، وعن غيرهما من الثقات الأحاديث المقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه بحال، وهذا شيخ ليس يعرفه إلا الباحث عن هذا الشأن، روى عن حميد الطويل ... " فذكره، ثم ذكر له حديثا آخر وقال: "فهذا الحديث لا أصل له، (والأول) قول الشعبى، ورفعه باطل".
وقال ابن عدى: "ليس بمعروف، منكر الحديث عن الثقات). ثم روى له هذا الحديث وقال: "وهذا الحديث مسنده منكر، وإنما يروى هذا عن الشعبي ﵀، قوله".
وقال الذهبي: في "الميزان" (١/ ٥١٩): "فذكر -يعنى ابن حبان- حديثين موضوعين: أحدهما عن حميد، عن أنس مرفوعًا: "من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها" وزاد الحافظ في "اللسان" (٢/ ٢٤٩): "وقد غفل ابن حبان فذكره في "الثقات" (٧٨) وذكره العقيلى فقال: منكر الحديث ... حتى قال: "وقال أبو نعيم: لا شئ، حدث عن حميد مناكير. وقال أبو سعيد النقاش: حدَّث عن حميد عن أنس أحاديث موضوعة. وقال الحاكم عن أبي علي النيسابورى: يروى عن حميد وغيره أحاديث منكرة.
стр. 125
وقال الحاكم: قد كنت أحسب الذنب فيه للفرياناني حتى وجدت بعضها عند معاذ بن أسد وغيره فظهر أن الحمل فيها على البلخى.
قلت: وأورد ابن عدى في ترجمة الفريانانى حديثا منكرًا جدًا، وقال: ليس الحمل فيه إلا على الحسن بن محمد البلخى. اهـ.
قلت: والراوى عنه -وارث بن الفضل- لم أقف له على ترجمة ولا ذكر ألبتة. إلا روايته بعض الأحاديث عن هذا الوضَّاع والحديث أورده أيضًا ابن الجوزى في "الموضوعات" (٢/ ٢٦٠) وأقره السيوطى في "اللآلئ" (٢/ ١٦٣) وابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٢٠٠). وقال الحافظ العراقي في "تخريج الإِحياء" (٢/ ٤١): "رواه ابن حبان في "الضعفاء" من حديث أنس، ورواه في "الثقات" من قول الشعبي بإسناد صحيح".
قلت: هو في "الثقات" (٨/ ٢٣٠) و "الحلية" (٤/ ٣١٤) من طريق الخليل ابن زرارة عن مطرف عنه به. وذكره البخارى في "التاريخ الكبير" (٣/ ١٩٩) والدورى في "تاريخه" (٢/ ١٥٠, ٤/ ٣٧٠) عن ابن معين في ترجمة الخليل هذا. وقد روى عنه جماعة، وسكت عنه البخاري وابن أبي حاتم (٣/ ٣٨٠) ووثقه ابن حبان، ثم وجدت -قدرًا- في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٠٥) عن ابن الغلابي قال: "قال يحيى بن معين: الرازيون لا بأس بهم: حكام بن سلم، والخليل بن زرارة، ونعيم بن ميسرة، وسلمة بن الفضل الأبرش قاضيهم". فثبت الأثر، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.
وقد اشتبه على أحد الضعفاء المشهورين، فحدث به أيضًا عن مطرف عن الشعبى. قال يحيى بن معين ﵀. "قلت: لعلى بن عاصم -على الجسر- سمعت حديث مطرف عن الشعبي: "من زوّج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها"؟ فقال: نعم والله، لقد سمعته" كما في "تاريخ الدورى" (٢/ ٤٢١, ٤/ ٣٩٩) لكن يحيى ﵀ لم يُصَدِّقه في ذلك - وكان سيئ الرأى فيه - فقد رواه العقيلي (٣/ ٢٤٧) من طريق عباس الدورى به، ثم روى من طريق
стр. 126
معاوية بن صالح الأشعري قال: حدثنا يحيى قال: قال على بن عاصم في حديث مطرف، عن الشعبي: من زوج كريمته فاسقًا، قال: حدثني والله مطرف، ولم يسمعه منه، ليس يرويه إلا الخليل بن زرارة. قال يحيى: وقد سمع على بن عاصم من عمر بن قيس الماصر، وليس هو ثقة" (٧٩).
وروى الخطيب (١١/ ٤٥٥) من طريق ابن أبي خيثمة قال: سمعت يحيى يقول: لقيت على بن عاصم على الجسر، فسألته عن حديث مطرف عن عامر: "من زوج كريمته من فاسق" (٨٠). فحدثنى به، فقلت: اتق الله يا شيخ، اتق الله، مرتين. فحوَّل رأس بغلته، فقال: ترانى أكذب؟ ترانى أكذب" والحق أن عليًا هذا لم يكن كذابًا، بل كان صدوقًا كثير الخطأ والغلط، وكان يصر على ذلك ولا يرجع. فلعل هذا من جملة الأشياء التى شبهت له، وتوهم أنه سمعها وهو لم يسمعها.
وقد قال الحافظ في "التقريب" (٤٧٥٨): "صدوق يخطئ ويصر، ورمى بالتشيع". ثم وقفت بعد ذلك على رواية أخرى للحوار الذى دار بين ابن معين وبينه تطابق تماما ما قررته، وهى ما رواه البرذعى ﵀ في "سؤالاته لأبى زرعة الرازى" (ص ٣٩٥، ٣٩٦) قال: "حدثنا أيوب بن إسحاق بن سافرى، قال يحيى بن معين قال: لقيت على بن عاصم على الجسر، فقلت: كيف حديث مطرف عن الشعبي (من زوّج كريمته) فقال: حدثنا مطرف عن الشعبي، فقلت: لم تسمع (٨١) هذا من مطرف قط وليس هذا من حديثك. قال: فأكذب؟ فاستحييت منه، وقلت: ذو كرت به فوقع في قلبك، فظننت أنك سمعته ولم تسمعه، وليس من حديثك" اهـ.
стр. 127
وابن سافرى هذا قال أبو حاتم ﵀: "كان صدوقًا" كما في "الجرح" (٢/ ٢٤١) ونحو قول الشعبي هذا، ما رواه ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤١٥) من طريق عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل يقول: "من زوج ابنته من مبتدع، فقد قطع رحمها". وإسناده صحيح.
ورواه أيضًا (٨/ ١٦٦) من وجه آخر (٨٢) بنحوه. وهو أخص من قول الشعبى، فإن الابتداع في دين الله ضرب من ضروب الفسق، نسأل الله السلامة.
الحديث الثالث والأربعون:
" من مات فقد قامت قيامته".
ضعيف. قال الحافظ العراقي (٤/ ٦٤): "أخرجه ابن أبي الدنيا في "كتاب الموت" من حديث أنس بسند ضعيف.
ورواه الديلمي (٨٣) وابن لال عنه بلفظ: "إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته، واعبدوا الله كأنكم ترونه، واستغفروه كل ساعة".
ورواه العسكرى في "الأمثال" بلفظ: "أكثروا ذكر الموت، فإنكم إن ذكرتموه في غنى كدره عليكم، وإن ذكرتموه في ضيق وسعه عليكم، الموت القيامة، إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته، يرى ما له من خير وشر". كما في "المقاصد الحسنة" (ص ٧٥).
والحديث أورده العلامة الألباني حفظه الله في "الضعيفة" (١١٦٦) وضعَّفه مستندًا إلى تضعيف الحافظ العراقي، لكنني أخشى أن يكون ضعفه شديدًا لا سيما
стр. 128
أنه قد رواه أمثال هؤلاء المخرجين عن مثل أنس (٨٤). والعراقى قد يطلق الضعف على الواهى والموضوع و (الصحيح) في حديث الترجمة أنه من كلام المغيرة بن شعبة رضى الله عنه، وعلقمة بن قيس النخعى ﵀ بنحوه.
فقد روى الدولابى في "الكنى والأسماء" (٢/ ٨٩) من طريق عبد الرحمن بن ثروان أبي قيس الأودى عن زياد بن علاقة عن المغيرة قال: "يقولون: القيامة، القيامة، وإنما قيامة أحدكم موته". وإسناده حسن، وعزاه السخاوى في "المقاصد" (ص ٤٢٨) للطبراني، ولم أجده في ترجمة المغيرة من "المعجم الكبير"، فلعله في كتاب آخر له.
وروى الدولابى أيضًا بنفس الإِسناد إلى عبد الرحمن بن ثروان قال: "صلى علقمة على جنازة، فقال: أما هذا فقد قامت قيامته". وعزاه السخاوى إلى الطبراني أيضًا من رواية سفيان (٨٥) عن أبي قيس - وهو ابن ثروان - ولفظه: قال: "شهدت جنازة فيها علقمة، فلما دفن قال: أما هذا فقد قامت قيامته".
ثم وجدت في ترجمة زياد النميرى من "الحلية" (٦/ ٢٦٧, ٢٦٨) من طريق داود ابن المحبر ثنا عبد الواحد بن الخطاب قال: "سمعت زياد النميرى -ونحن في جنازة وذكروا القيامة- فقال زياد: من مات فقد قامت قيامته".
وزياد تابعى ضعيف يروى عن أنس، لكن السند إليه لا يصح، فإن داود بن المحبر كذاب، اتهمه الدارقطني بسرقة "كتاب العقل" الذى وضعه ميسرة بن
стр. 129
عبد ربه، وبأنه ركَّب له أسانيد أخرى من عنده! وشيخه عبد الواحد بن الخطاب تعبت عليه فلم أجده، فإن لم يكن اسمه تحرف، فلعله من ابتكار داود أيضًا، نسأل الله السلامة.
استدراك:
وروى أبو نعيم (٥/ ٣٢٥) بسند صحيح من طريق بشر بن عبد الله السلمى قال: خطب عمر (يعنى ابن عبد العزيز) الناس فقال: "أيها الناس، لا يبعدن عليكم ولا يطولن يوم القيامة، فإنه من وافته منيته فقد قامت عليه قيامته، لا يستطيع أن يزيد في حسن، ولا يعتب من سيئ، ألا لا سلامة لامرئ في خلاف السنة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا وإنكم تسمون الهارب من ظلم إمامه العاصي، ألا وإن أولاهما بالمعصية الإِمام الظالم".
الحديث الرابع والأربعون:
" المجالس ثلاثة: سالم وغانم وشاجب".
ضعيف. رُوِى من حديث أبي سعيد وأبى هريرة وأنس، ومن مرسل الحسن.
١ - حديث أبي سعيد: رواه أحمد (٣/ ٧٥) وأبو يعلى (٢/ ٣٢٥, ٥٢٨) وابن حبان (٨٣)(٨٦) وابن على (٣/ ٩٨٠, ١٠١٣) من طريقين عن دراج أبي السمح عنه به.
ورواه الطبراني (١٧/ ٣٠٣) من طريق ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج، فقال: "عن أبي القاسم عن أبي سعيد الخدري" ولكن الإِسناد إلى ابن وهب واهٍ. والصحيح الأول. وقد عزاه في "كنز العمال" (١٦/ ١١٦) إلى الطبراني عن عقبة بن عامر وأبى سعيد، وليس هذا بصحيح.
стр. 130
نعم، خرجه الطبراني في آخر أحاديث "عمرو بن الحارث عن أبي عشانة عن عقبة بن عامر" لكن بالسند المتقدم عن أبي سعيد وهذا إسناد ضعيف، دراج تقدم الكلام عنه مرارًا بما يغنى عن الإِعادة، وقد عده ابن عدى ثم الذهبى (٢/ ٢٥) من جملة مناكيره وقد استنكره ابن عدى أيضًا على رشدين بن سعد، وهذا غير جيد منه لأنه يعلم أن عبد الله بن وهب قد تابعه عن عمرو بن الحارث به.
٢ - حديث أبي هريرة: رواه الديلمي كما في "الفردوس" (٤/ ٤٩١) والعسكرى كما في "كنز العمال" (٩/ ١٤٧). ولم يصنع محققا "الفردوس" شيئًا سوى عزوه لأحمد عن أبي سعيد، ولم أرَ من تكلم على إسناده بشئ، ولفظه: "المجالس ثلاثة: سالم، وغانم، وشاجب. فأما الغانم، فالذى يذكر الله في مجلسه، والسالم الذى يسكت لا له ولا عليه، والشاجب الذى يخوض في أحاديث الباطل".
٣ - حديث أنس:
رواه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١٨١) والشجرى (١/ ٦٢) من طريق عمر ابن يحيى بن نافع الأبلى قال: حدثنا العلاء بن زيد (وعند ابن حبان: ابن زيدل) عنه مرفوعا بلفظ: "المجالس ثلاثة: غانم وسالم وشاجب، فأما الغانم فالذاكر، وأما السالم فالساكت، وأما الشاجب فالذى يشغب بين الناس".
وإسناده واه جدًا، بل موضوع العلاء بن زيد هذا ترجمه ابن حبان (٢/ ١٨٠, ١٨١) وقال: "شيخ من أهل الأبلة، يروى عن أنس بن مالك بنسخة موضوعة، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل التعجب" وذكر هذا الحديث في آخر ما ذكر، وقال "أخبرنا بهذه الأحاديث محمد بن زهير أبو يعلى بالأبلة قال: حدثنا عمر بن يحيى (٨٧) الأبلى قال: حدثنا العلاء بن زيد، عن أنس بن مالك في نسخة كتبناها عنه بهذا الإِسناد كلها موضوعة مقلوبة" وكذلك أورده له الذهبى
стр. 131
في "الميزان" (٣/ ١٠٠).
وعمر بن يحيى بن نافع لم أجد له ترجمة واضحة. وجاء في حاشية "الإِكمال" (١/ ١٣٠) باسم: "عمرو بن يحيى بن نافع الأبلى". وأشار ابن عدى (٢/ ٥٩٧) - في ترجمة "جارية بن هرم" إلى اتهام "عمر بن يحيى الأبلى" (٨٨) بسرقة الحديث، والظاهر أنه هو، فقد روى أبو نعيم (٤/ ٢٣٦) حديثا من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية قال: ثنا عمر بن يحيى بن نافع ... الخ. وابن ناجية أحد الراويين عنه عند ابن عدى. فالله أعلم.
٤ - مرسل الحسن:
رواه هناد في "الزهد" (١٢٣١) من طريق إسماعيل بن مسلم المكى عنه مرفوعًا بلفظ: "المجالس ثلاثة: سالم وغانم وشاجب (٨٩)، فالسالم: الساكت. والغانم: الذى يذكر الله، والشاجب (٩٠) الذى يأخذ فيما لا يعنيه" -وهذا- مع إرساله - ضعيف جدًا، إسماعيل بن مسلم متروك واه.
وكأن أصله عن الحسن موقوفًا عليه، فرفعه إسماعيل هذا، فقد علقه أبو عبيد ﵀ في "غريب الحديث" (٢/ ٤٣٦) عنه بلفظ: "المجالس ثلاثة: فسالم وغانم وشاجب. فالسالم الذى لم يغنم شيئًا ولم يأثم. والغانم: الذى قد غنم من الأجر. والشاجب: الآثم الهالك". ولم أقف عليه موصولًا عن الحسن.
والحديث عزاه الغزالى في "الإِحياء" (٣/ ١١٠) إلى ابن مسعود مرفوعا بلفظ: "الناس ثلاثة: سالم وغانم وشاجب، فالغانم الذى يذكر الله تعالى، والسالم الساكت، والشاجب الذى يخوض في الباطل". قال العراقي "ولم أجده من حديث ابن مسعود".
стр. 132
وبعد، (فالصحيح) في حديث الترجمة أنه من قول أبي رُوَيْحة خالد بن رباح - أخى بلال مؤذن الرسول ﵌ كما رواه الإِمام أحمد في "الزهد" (ص ٢٠٦) وابن أبي شيبة (١٤/ ٢٢) وأبو عبيد في "غريب الحديث" (٢/ ٤٣٧) وعنه ابن عساكر (٥/ ٤٢٢) من طريق شيبان عن آدم بن على قال: سمعت أخا بلال مؤذن النبي ﵌ يقول: "الناس ثلاثة أثلاث: فسالم وغانم وشاجب، فالسالم الساكت، والغانم الذى يأمر بالخير، وينهى عن المنكر، والشاجب الناطق بالخنا والمعين على الظلم" وإسناده صحيح.
والأثر عزاه الحافظ في "الإصابة" (١/ ٤٠٥) إلى أبي عبيد في "المواعظ" وساق إسناده وخالد له صحبة، وقد ترجمه أيضًا الذهبي في "التجريد" (١/ ١٥٠) والعز ابن الأثير في "أسد الغابة" (٢/ ٩٣، ٩٤) وابن عساكر (٥/ ٤٢٠، ٤٢٢) وغيرهم. والله أعلى وأعلم.
الحديث الخامس والأربعون:
" الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا".
لا أصل له. قال العلامة الألباني حفظه الله في "الضعيفة" (١٠٢):
"أورده الغزالى (٤/ ٢٠) (٩١) مرفوعًا إليه ﵌! فقال الحافظ العراقى وتبعه السبكى (٩٢) (٤/ ١٧٠، ١٧١): "لم أجده مرفوعًا، وإنما يعزى إلى على بن أبي طالب". ونحوه في "الكشف" (٢/ ٣١٢) اهـ.
وقال السخاوى في "المقاصد" (ص ٤٤٢): "هو من قول على بن أبي طالب في ... " قال المعلق عليه: "بياض في الأصول".
стр. 133
قلت: أخشى ما أخشاه أن يكون تمام كلامه ﵀ يتضمن عزوه إلى "المجالسة" للدينورى، فقد وجدناه يقول مرارًا: "وفي سادس المجالسة للدينورى ... " أو: "وهو في سابع عشر المجالسة". ونحو هذه العبارات. فإن الدينورى - واسمه أحمد بن مروان المالكى- رماه الدارقطني بالوضع.
نعم، قال مسلمة بن القاسم الأندلسى: "وكان ثقة كثير الحديث" كما في ترجمته من "اللسان" (١/ ٣١٠، ٣٠٩) ولكن مسلمة لا يوثق به، فانظر ترجمته من "السير" (١٦/ ١١٠). ولو كان ثقة لكان قول الدارقطني مقدمًا على قوله، فإن الدارقطني أقعد بهذا الفن منه، وهو إمام كبير في معرفة العلل والرجال، ثم إن جرحه مفسر واضح لا لبس فيه ولا غموض.
والذى دعانى إلى الارتياب في ثبوت هذا الكلام عن أمير المؤمنين ورابع الراشدين على، أننى فتشت كثيرًا في كتب الزهد والرقائق أثناء شروعى في تصنيف كتاب "الدرر المنثورة في آثار واهية مشهورة" -يسر الله خروجه- فما مر عَلَىَّ هذا الأثر حتى في أكثرها جمعًا للغث والثمين كـ "حلية الأولياء" و "تاريخ دمشق" - ترجمة على بن أبي طالب - وما هو في "مصنف ابن أبي شيبة" و "طبقات ابن سعد" ولا "الرسالة القشيرية"، ولا في ترجمة على من "تاريخ الإِسلام" للذهبى و "تاريخ الخلفاء" للسيوطى.
وما هو في "الزهد" لأحمد ولا وكيع ولا هناد ولا ابن المبارك ولا ابن أبي عاصم ولا البيهقي فمن وقف عليه عن على بإسناد، فليتحفنا به، جزاه الله خيرًا وغفر له.
وإنما (وقفت) عليه -مسندًا- عن كل من: سفيان الثورى، وسهل بن عبد الله التسترى الزاهد.
١ - فروى أبو نعيم (٧/ ٥٢) من طريق أحمد بن يونس ثنا المعافى بن عمران قال: سمعت سفيان الثورى يقول: "الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا". وإسناده صحيح.
стр. 134
٢ - وقال السلمى في "طبقات الصوفية" (ص ٢٠٧): "سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا صالح البصرى يقول: سمعت سهل ابن عبد الله يقول: "الناس نيام فإذا انتبهوا (٩٣) ندموا، وإذا ندموا لم تنفعهم ندامتهم". وإسناده واه.
قال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٦٠٦): "محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شاذان أبو بكر الرازى الصوفى صاحب تلك الروايات المنكرة. روى عنه الشيخ أبو عبد الرحمن أوابد وعجائب. وهو متهم طعن فيه الحاكم وروى عنه أبو نعيم وأبو حازم العبدرى.
قال الحاكم: انتسب إلى محمد بن أيوب، ومحمد لم يعقب. قال: فأتيته وزجرته فانزجر" وزاد الحافظ في "اللسان" (٥/ ٢٣٠): "وقال الإِدريسي: ليس هو في الرواية بذاك".
وقال في "المغنى" (٢/ ٦٠٣): "متهم، طعن فيه الحاكم، ولأبى عبد الرحمن السلمى عنه عجائب وبلايا".
قلت: وأبو صالح البصرى ينظر من هو، فإنى لم أكلف نفسى عنتًا في البحث عنه، والسلمى نفسه ضعيف، اتهمه محمد بن يوسف القطان النيسابورى بأنه كان يضع للصوفية الأحاديث وقد اقتصر الحافظ الذهبي على تضعيفه، فانظر "تذكرة الحافظ" (٣/ ١٠٤٦, ١٠٤٧) والله أعلى وأعلم.
الحديث السادس والأربعون:
" وجدت الحسنة نورًا في القلب، وزينًا في الوجه، وقوة في العمل ووجدت الخطيئة سوادًا في القلب، وشينًا في الوجه، ووهنًا في العمل".
стр. 135
منكر. رواه أبو نعيم (٢/ ١٦٠, ١٦١) من طريق عمرو بن أبي قيس عن أبي سفيان عن عمر بن نبهان عن الحسن عن أنس به. وقال: "غريب من حديث الحسن عن أنس لمن نكتبه إلا من هذا الوجه. تفرد به عمرو بن أبي قيس وأبو سفيان اسمه عبد ربه".
وقال ابن أبي حاتم في "علل الحديث" (٢/ ١٣٨, ١٣٩): "سألت أبي عن حديث رواه عمرو بن أبي قيس ... " فذكره بنحوه. قال: "قال أبي: هذا حديث منكر، وأبو سفيان مجهول" اهـ.
وأبو سفيان هذا هو ابن عبد ربه، ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح" (٩/ ٣٨٢) وقال: "سألت أبي عنه، فقال: هو شيخ مجهول".
ونبه العلامة المعلمى ﵀ إلى أنه ترجمه في (٢/ ٢/ ٢٥٦) باسم: "عبد الرحمن ابن عبد الله بن عبد ربه" وفيه: "سألت أبي عنه، فقال: شيخ".
وأورده الذهبى في "كنى الميزان" (٤/ ٥٣٢) وجَهَّله، وأورد له هذا الحديث وقول أبي حاتم: "هذا حديث منكر".
وقد ترجمه الحافظ في "التهذيب" (٦/ ٢٠٨) وقال " .... وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات".
قلت: وأيًا كان حاله، فهو أصلح حالًا من شيخه عمر بن بنهان، فقد قال الفلاس وأبو حاتم: "ضعيف الحديث". ووهاه ابن معين، فقال: "ليس بشئ".
وقال ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٩٠): "يروى المناكير عن المشاهير، فلما أكثر ذلك في حديثه استحق الترك".
قلت: ولا شك أن رفع هذا الكلام عن الحسن عن أنس من جملة هذه المناكير، فإن (الصواب) أنه قول الحسن البصرى نفسه -بنحوه- وجاء أيضًا عن كلٍ
стр. 136
من: سليمان بن طرخان التيمى -من ثقات صغار التابعين- والحسن بن صالح الكوفى.
١ - فروى ابن أبي شيبة (١٣/ ٥٠٠) عن يزيد بن هارون عن هشام عن الحسن قال: "إن الرجل ليعمل الحسنة، فتكون نورًا في قلبه، وقوة في بدنه. وإن الرجل ليعمل السيئة، فتكون ظلمة في قلبه، ووهنًا في بدنه". وإسناده صحيح.
٢ - وروى أبو نعيم (٣/ ٣٠) من طريق الأصمعى قال: ثنا المعتمر عن أبيه - يعنى سليمان التيمى- قال: "الحسنة نور في القلب، وقوة في العمل، والسيئة ظلمة في القلب، وضعف في العمل". ورجاله كلهم ثقات سوى خلف بن عبيد الله أبي حبيب -شيخ الطبراني في السند- فإنى لم أقف له على ترجمة ولا ذكر.
٣ - وروى أبو نعيم أيضًا (٧/ ٣٣٠) من طريق أحمد بن يحيى الصوفى قال: سمعت أبا غسان يقول: سمعت الحسن بن صالح يقول: "العمل بالحسنة قوة في البدن، ونور في القلب، وضوء في البصر، والعمل بالسيئة وهن في البدن، وظلمة في القلب، وعمى في البصر".
وإسناده صحيح، مر به أثر آخر عنه في الحديث الخامس والثلاثين.
الحديث السابع والأربعون:
" لا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقها تسبيح".
ضعيف، رفعه منكر. رواه الطبراني في "الصغير" (٥٢١) و "الأوسط" - كما في "المجمع" (٤/ ٤١) - وابن عدى (٦/ ٢٣٨٤) من طريق المسيب بن واضح، حدثنا حجاج بن محمد، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما مرفوعًا به.
ولفظ الطبراني: "نهى رسول الله ﵌ عن قتل الضفدع، وقال: نقيقها تسبيح".
стр. 137
وعزاه السيوطى في "الجامع الصغير" (٩٨٤٣) إلى النسائى، ولم أجده في "المجتبى"، فلعله في "الكبرى"، على أننى لم أقف عليه أيضًا في "تحفة الأشراف" للحافظ المزى ﵀.
وقال الطبراني: "لم يروه عن شعبة مرفوعًا إلا الحجاج، تفرد به المسيب".
قلت: ورجاله كلهم ثقات سواه، وهو مختلف فيه، والأصوب أنه ضعيف لكثرة خطأه وتماديه فيه. قال أبو حاتم: "صدوق يخطئ كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل".
وساق ابن عدى له عدة مناكير، هذا أحدها، وقال: "وهذا بهذا الإِسناد يرويه المسيب ويرفعه إلى النبي ﵌، والحديث موقوف".
وكذلك أورده له الذهبي في "الميزان" (٤/ ١١٧) وقال: "صوابه موقوف".
قلت: (وكذلك) رواه ابن المقرئ في "معجمه" (ص ١٢٤) من طريق بقية بن الوليد، والخطيب في "الموضح" (٢/ ٢١٩، ٢٢٠) من طريق أنس داود الطيالسى كلاهما عن شعبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى (زاد الخطيب: عن أبي الحكم البجلى (عن عبد الله بن عمرو موقوفًا بنحوه.
ورواه البيهقي (٩/ ٣١٨) من طريق عبد الوهاب أنبأنا هشام الدستوائى عن قتادة عن زرارة بن أوفى عنه قال: "لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطنى على البحر حتى أغرقهم".
قال البيهقي: "فهذان -يعنى هذا وأثر عائشة الذى رواه قبله- موقوفان في الخفاش، وإسنادهما صحيح".
قلت: وهذا الكلام -وإن كان لا مجال للرأى فيه- لكنه لا يأخذ حكم الرفع لأن الظاهر أن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما إنما تلقاه من الزاملتين (٩٤) اللتين
стр. 138
أصابهما يوم اليرموك من صحف أهل الكتاب - وكان يحدث منهما. ثم إن هذا الكلام لا يشبه كلام النبي ﵌ وما عليه حلاوته وإشراقه، يدرك ذلك من رزقه الله حاسة حديثية صادقة، على حد قول بعض الصوفية "من ذاق عرف".
نعم، النهى عن قتل الضفدع -بدون التعليل المتقدم- ثابت عن النبي ﵌ كما رواه أبو داود (٢/ ٣٣٤) والنسائى (٧/ ٢١٠) -واللفظ له- والحاكم (٤/ ٤١٠، ٤١١) والبيهقى وغيرهم من طرق عن أبن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن عثمان التيمى: "أن طبيبًا ذكر ضفدعًا في دواء عند رسول الله ﵌، فنهى رسول الله ﵌ عن قتله". وإسناده صحيح، وهو أقوى ما ورد في الضفدع كما قال الإِمام البيهقي ﵀ عند روايته.
وعبد الرحمن بن عثمان التيمى له صحبة، وكان يسمى "شارب الذهب". والله أعلى وأعلم.
استدراك:
وقال عبد الله بن الإِمام أحمد -في "علل أبيه" (١/ ٣٠٢) - "قال أبي: حديث شعبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي الحكم عن عبد الله بن عمرو: لا تقتلوا الضفادع. قال أبي: أبو الحكم عبد الرحمن بن أبي نعم". قلت: ورواية هشام الدستوائى بإسقاط أبي الحكم- أولى بالصواب، فإن هشامًا أثبت في قتادة من شعبة وعلى مسلك الجمع فيكون من المزيد في متصل الأسانيد، والله أعلى وأعلم.
стр. 139
الحديث الثامن والأربعون:
" لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، وإن أبعد القلوب من الله القلب القاسى".
ضعيف. رواه الترمذى (٢٥٢٣، ٢٥٢٤) وكذلك الواحدى في "الوسيط" (١/ ٢٧/ ٢) وأبو جعفر الطوسى الفقيه الشيعى في "الأمالى" (ص ٢) والبيهقى في "شعب الإِيمان" (٢/ ٦٥/ ١ - ٢) -كما في "الضعيفة" (٩٢٠) - من طريق إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعا به.
وقال الترمذى: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب". وفي نسخة: "هذا حديث حسن غريب ... " الخ كما في "الضعيفة". والأول أليق بحال هذا الإِسناد، فإن إبراهيم هذا قال ابن القطان "لا يعرف حاله". ولا أعلم أحدًا وثقه سوى ابن حبان فإنه ترجمه مرتين في (٦/ ٢٥، ١٤) وهو هو.
أما قول الحافظ ﵀ في "التهذيب" (١/ ١٣٣): "وقال ابن حبان في "الثقات": مستقيم الحديث" فهذا وهم منه ﵀، فإن ابن حبان إنما قال ذلك في آخر متأخر عن هذا -من شيوخ شيوخه- إذ قال (٨/ ٨٢, ٨٣): "إبراهيم بن عبد الله بن الحارث الجمحي، يروى عن يعلى بن عبيد وأهل العراق، حدثنا عنه عبد الكبير بن عمر الطائى، مستقيم الحديث". ولم يتفطن المعلق على "الثقات" لافتراقهما فقال: "له ترجمة في التهذيب ١/ ١٣٣".
فتفرد ابن حبان بتوثيقه لا يعتمد في مثل هذه الحالة لبعده عن طبقته وعدم وصفه بصفة تدل على الخُبر بحاله.
هذا، وقول الشيخ عبد القادر الأرنؤوط حفظه الله في حاشية "جامع الأصول" (١١/ ٧٣٧): "وإسناده حسن" غير حسن، فإن هذا الرجل المجهول الحال لا
стр. 140
يحتمل تفرد مثله بهذا المتن عن حافظ كبير كعبد الله بن دينار المدنى - دون كبار أصحابه الثقات كمالك وشعبة والسفيانين وعبيد الله بن عمر وموسى بن عقبة، بل مَنْ دون هؤلاء كمحمد بن عجلان (٩٤) وسهيل وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. وقال العلامة الألباني حفظه الله: "والحديث رواه الإِمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٨٦/ ٨) أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: فذكره بأتم منه من قول عيسى ﵇، وقد مضى قريبًا (٩٠٨). وهذا هو اللائق بمثل هذا الكلام أن يكون مما يرويه أهل الكتاب عن عيسى ﵊، وليس من حديث نبينا محمد ﵌" اهـ.
قلت: قد عزاه جماعة من السلف، من التابعين فمن بعدهم إلى عيسى ﵇، (ووقفت) في ذلك على خمسة آثار:
الأول: رواه أحمد في "الزهد" (ص ٥٦) وعنه أبو نعيم (٦/ ٥٨) من طريق صالح المرى عن أبي عمران الجونى عن أبي الجلد أن عيسى بن مريم ﵇ أوصى الحواريين لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، وإن القاسى قلبه بعيد من الله ولكن لا يعلم ولا تنظروا إلى ذنوب الناس كأنكم أرباب ولكنكم (كذا) انظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد والناس رجلان: معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء في بليتهم، واحمدوا الله على العافية". وإسناده واه، صالح المرى وابن بشير البصرى القاضى وهو متروك شديد الضعف.
الثانى: رواه ابن أبي عاصم في "الزهد" (٥٣) من طريق أبي سنان عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال عيسى بن مريم ﵇: "أقلوا الكلام إلا بذكر الله، فإن كثرة الكلام تقسى القلب". وإسناده جيد، وإبراهيم أدرك بعض الصحابة فهو تابعى، لكن روايته عن الصحابة منقطعة حاشا ابن مسعود، فإنها صحيحة
стр. 141
جدًا كما تقدم، في الحديث الحادي والثلاثين.
الثالث: رواه ابن أبي شيبة (١١/ ٥٤٨, ١٣/ ١٩٣) وعنه ابن أبي عاصم (٦٠) عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن محمد بن يعقوب قال: قال عيسى بن مريم ... فذكره مطولًا. ومحمد بن يعقوب لعله الزمعى أخو موسى بن يعقوب، وهو مجهول كما قال أبو حاتم الرازى كما في "الجرح" (٨/ ١٢١) ووثقه ابن حبان (٧/ ٤٢٩).
الرابع: رواه هناد في "الزهد" (١١٢٢) عن قبيصة عن الثورى مطولًا. وإسناده إليه صحيح.
الخامس: رواه خيثمة الأطرابلسى: حدثنا أبو على الحسن بن مكرم، حدثنا شاذان، حدثنا الثورى. حدثنا عمرو بن قيس قال: قال عيسى بن مريم ﵌ ... فذكره مطولًا. كما في:
وإسناده صحيح، فكأَنَّ الثورى أسنده مرة إلى من سمعه منه، وأرسله أخرى. والله أعلم.
الحديث التاسع والأربعون:
" لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار".
منكر. رُوِى من حديث ابن عباس وأنس وأبى هريرة وعائشة.
١ - حديث ابن عباس:
رواه القضاعى (٨٥٣) وكذلك أبو الشيخ والديلمى والعسكرى في "الأمثال" - كما في "المقاصد" (ص ٤٦٧) من طريق سعيد بن سليمان سعدويه عن أبي شيبة الخراسانى عن ابن أبي مليكة عنه مرفوعًا به. وأبو شيبة هذا، قال الذهبي في "الميزان" (٤/ ٥٣٧): أتى بخبر منكر رواه عنه سعدويه ... " فذكره.
стр. 142
وقال السخاوى: "وسنده ضعيف لا سيما وهو عند ابن المنذر في "تفسيره" عن ابن عباس من قوله ... " الخ. وسيأتى تمام كلامه في محله.
٢ - حديث أنس:
رواه البغوى ومن جهته الديلمى عن خلف بن هشام عن سفيان بن عيينة عن الزهرى عنه، قال السخاوى: "وينظر سنده" قال محشيه: "نظرت سنده فوجدت فيه راويًا مجهولًا".
قلت: ولم أجده عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فالله أعلم. وهو منكر جدًا بهذا الإِسناد فإن سائرهم ثقات أئمة.
٣ - حديث أبي هريرة:
له طريقان إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن:
الأولى: عند الطبراني في "مسند الشاميين" من رواية مكحول عن أبي سلمة عنه: قال السخاوى: "وزاد في آخره: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا" وفي إسناده مبشر بن عبيد الدارسى، وهو متروك".
قلت: واتهم بالوضع، فالسند واه جدًا. أما شطره الثانى فثابت من وجه آخر.
الثانية: عند الثعلبى وابن شاهين في "الترغيب" من رواية بشر بن إبراهيم عن خليفة بن سليمان عن أبي سلمة عنه. وسكت عنها السخاوى مع أن إسنادها مثل ما قبلها أو أسوأ حالًا منه، فإن بشر بن إبراهيم هذا هو الأنصارى البصرى المفلوج أبو عمرو، وهو وضَّاع مشهور له ترجمة حافلة في "اللسان" (٢/ ١٨: ٢٠). وشيخه لم أقف له على ترجمة فلعله مُتَحَرِّف أو مختلق! .
٤ - حديث عائشة:
رواه إسحاق بن بشر أبو حذيفة في "المبتدأ" عن الثورى عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. قال السخاوى: "وإسحاق حديثه منكر".
قلت: ليس هو كذلك فحسبُ، بل هو كذاب متهم بالوضع، وروايته لهذا
стр. 143
المتن بهذا الإِسناد الذى كالشمس، من الدلائل البينة على اتهامه وقد تعرضنا لبيان حاله في الحديث السابع عشر.
وبعد هذا البيان الموجز لسقوط هذه الطرق، فإن (الصحيح) أن حديث الترجمة هو قول عبد الله بن عباس رضى الله عنهما كما رواه الطبرى في "تفسيره" (٩٢٠٧) وابن أبي حاتم (النساء - ٢٩٤٨) من طريق قيس بن سعد عن سعيد ابن جبير أن رجلًا قال لابن عباس: كم الكبائر؟ أسبع هى؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار" وإسناده صحيح.
وكذلك هو في "تفسير ابن المنذر" -كما تقدم عن السخاوى- وقال: "وكذا رواه البيهقي في "الشعب" من حديث سعيد بن صدقة عن قيس بن سعد عن ابن عباس موقوفًا". كذا في "المقاصد" فلا أدرى أسقط "سعيد بن جبير" بين قيس بن سعد وابن عباس -من قبل الطابع أو الناسخ- أم هكذا جاءت هذه الرواية عند البيهقي؟ فإن هذا الإِسناد منقطع، وأيًا كان الأمر، فإنه لا يُعل الرواية الصحيحة الموصولة، فإنى لم أجد راويًا يسمى: "سعيد بن صدقة" فيما بين يدَىَّ من كتب الرجال يصلح لأن يكون هذا.
نعم، هناك: "سعيد بن صدقة الكوفى أبو مهلهل" وهو يروى عن سفيان الثورى كما في "الثقات" (٨/ ٢٦٢) فهو متأخر عن هذا وهناك أيضًا: "سعيد ابن أبي صدقة البصرى". وهو ثقة من السادسة -وهى طبقة قيس بن سعد- لكن لم أقف على أحد نصَّ على روايته عن قيس. والله أعلم.
تنبيه هام: وبعد تبين صحة (٩٥) هذا الأثر عن ابن عباس تعلم ما في قول العلامة
стр. 144
الشوكاني ﵀ في "إرشاد الفحول" (ص ٤٧) -كما ذكره عنه محقق "مسند الشهاب" وسكت عنه-: "وقد قيل: إن الإِصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة، وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به، وإنما هى مقالة لبعض الصوفية (! )، فإنه قال: لا صغيرة مع إصرار، وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ جعله حديثًا, ولا يصح ذلك، بل الحق أن الإِصرار حكمه حكم ما أصر عليه، فالإِصرار على الصغيرة صغيرة، والإِصرار على الكبيرة كبيرة" اهـ.
والعجب منه كيف خفى عليه هذا الأثر - مع ثبوته في أشهر مصدرين للتفسير بالأسانيد- مع سعة اطلاعه وتصنيفه في التفسير وسائر العلوم -ولا يرد على ذلك احتمال أن يكون قد وقف عليه ولم يعبأ به، إذ لو كان الأمر كذلك لعزاه إلى ترجمان القرآن الذى دعا له النبي ﵌ أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل- ثم ناقش حجيته من عدمها, ولما عزاه إلى صوفى مجهول لا يلتفت إلى كلامه في التشريع والغيبيات المستندة إلى النص والتوقيف أو الفهم الصحيح لكتاب الله . فليعلم الجميع موقفنا من صحابة رسول الله ﵌ ومقدار جلالتهم (٩٦) في قلوبنا، ففى مثل هذا الموطن نقول ونصرخ: "إن لم نتبع أصحاب رسول الله ﵌ فمن نتبع"؟ ! خلافًا لأخ فاضل قالها احتجاجًا على قوله في "البدائل المستحسنة" (هامش ص ٨٧ من القسم الأول): "ومع ذلك، فالطعن في المتن -أعنى حديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"- لا يزال واردًا، لتجويزه الاقتداء بكبار علماء الصحابة مع ثبوت خفاء بعض السنن عليهم، أو رَدِّها بما رأوه أثبت منها".
стр. 145
فوالله الذى لا إله غيره، إنى لم أُرِد مطلق الاقتداء، ولكنى أردت أن يتخير كل مسلم أحد الصحابة رضوان الله عليهم فيتابعه في كل ما يقول ويفعل، معرضًا عمن سواه، بل قد يخالف النبي ﵌ لا محالة في مواطن لم يوفق فيها هذا الصحابى للدليل الصحيح الراجح، والمراد أن إنزال أى مخلوق - أيًا كان- منزلة رسول الله ﵌ المعصوم الذى أُمِرْنَا بطاعته والتحاكم إليه في كل صغيرة وكبيرة، هو الذى تنكره قلوبنا وقلوب جميع المسلمين الصادقين ولا تقره.
فاللهم اعف عنا وعن إخواننا في الله، وأصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. آمين.
الحديث الخمسون:
" يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع أو الجذل في عينه".
ضعيف، معلّ بالوقف. رواه ابن صاعد في "زوائد زهد ابن المبارك" (٢١٢) وابن حبان (١٨٤٨) وأبو نعيم (٤/ ٩٩) والقضاعي (٦١٠) وأبو الشيخ في "الأمثال" (٢١٧) و "التوبيخ" (٩٦) من طرق عن محمد بن حمير عن جعفر ابن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة مرفوعًا به.
وقال أبو نعيم: "غريب من حديث يزيد، تفرد به محمد بن حمير عن جعفر".
قلت: وقد خولف في رفعه كما يأتي. وقد اغتر العلامة الألباني أبو عبد الرحمن حفظه الله بظاهر هذا الإِسناد، فأورده في "صحيحته" (٣٣) وقال: "قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، ولا علة فيه، فهو حديث صحيح، ولا ينافيه قوله "غريب" لأن الغرابة قد تجامع الصحة كما هو مقرر في "مصطلح الحديث".
والحديث عزاه السيوطى في "الجامع الصغير" لأبى نعيم فقط! وقال المناوي: