"يعمر بن بشر ثقة ثقة".
وقال الهيثمى في "المجمع" (٥/ ١٢٢) - في حديث لسمرة بن فاتك الأسدى - "رواه أحمد عن شيخه يعمر بن بشر ويقال: مشايخ أحمد كلهم ثقات، وبقية رجاله ثقات" اهـ.
فهذا منه ﵀ أعجب، فإن توثيق ابن حبان معتمد عنده - في الغالب - ووجه العبرة من ذلك ألا يعتمد الباحث أو طالب العلم على كتب الأئمة المتأخرين الجامعة - كـ "تعجيل المنفعة" و "ميزان الاعتدال" و "التهذيب" ونحوها - فضلًا عن "الكاشف" و "ذيله" و "الخلاصة" و "التقريب" ونحوها - وحدها، بل عليه أن يرجع إلى الأصول من كتب الأئمة المتقنين كـ "تواريخ يحيى بن معين" و "علل الإمام أحمد" و "المعرفة والتاريخ" للفسوى يعقوب بن سفيان و "الضعفاء" للعقيلي و "الكامل" لابن عدى و "تاريخ بغداد" و "سؤالات الحاكم والسهمى والبرقاني للدارقطني" و "تاريخ دمشق" لابن عساكر، ليتحقق من سلامة النص - من جهة - وليحيط علمًا بكل ما قيل في الراوى من مدح أو قدح، وبما استنكروه عليه من جهة أخرى، لا سيما إذا افتقر الراوى إلى توثيق لغير ابن حبان ﵀ كما في هذه الحالة.
ورحم الله أئمتنا جميعهم، إذ جاهدوا في سبيل دينه وسنة نبيه حق الجهاد، وبلغوا الغاية في الفضل والعلم والعمل، وكل من أتى بعدهم فهو عالة عليهم، وما يساوى أحد منهم تراب نعالهم، وإن استدرك عليهم ما استدرك! .
هذا - وفى معنى الأثر - (ما رواه) أبو يعلى بسند رجاله ثقات - كما قال السخاوى - وعنه ابن عساكر (١٧/ ٩٦٢) من طريق إسماعيل بن عبد الكريم عن عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال: "إن لكل شئ طرفين ووسطًا، فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان، فعليكم بالأوسط من الأشياء".
وجاء من طريقين منقطعين عن على - عند ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٨٢) وأبى عبيد
стр. 72
في "الغريب" (٢/ ١٥٦) قال: "خير الناس هذا النمط الأوسط، يلحق بهم التالى، ويرجع إليهم الغالي". وتعمدت إثباته في هذا الموضع عسى أن تظهر له طرق أخرى تقويه بفضل الله ومنه.
استدراك:
أثر مطرف بن عبد الله رواه أبو نعيم (٢/ ٢٠٩) من طريق ابن علية أيضًا عن إسحاق بن سويد قال: تعبد عبد الله بن مطرف، فقال له أبوه: "أي عبد الله العلم أفضل من العمل، والسيئة بين الحسنتين، وشر السير (في الأصل الشيئين، وهو تصحيف) الحقحقة" ورجاله ثقات لكنه مقلوب، والصواب "والحسنة بين السيئتين" كما هى رواية أبي عبيد.
وأثر وهب بن منبه: "إن لكل شئ طرفين ووسطًا .. " في "الحلية" أيضًا (٤/ ٤٥).
الحديث الثالث والعشرون:
" الدعاء سلاح المؤمن".
ضعيف جدًا. رُوِى من حديث على، وجابر.
١ - حديث على:
رواه أبو يعلى (١/ ٣٤٤) وابن عدى (٦/ ٢١٨١) والحاكم (١/ ٤٩٢) والقضاعي (١٤٣) من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي به مرفوعًا بزيادة: "وعماد الدين، ونور السموات والأرض". وإسناده ضعيف جدًا، الهمداني واه وكذبه ابن معين، ووهم الحاكم فقال: "هذا حديث صحيح، فإن محمد بن الحسن هذا هو التل، وهو صدوق في الكوفيين".
стр. 73
وقال الذهبي: "صحيح"، مع أنه أورد هذا الحديث بعينه في جملة مناكير الهمداني، في ترجمته من "الميزان" (٣/ ٥١٤) وسبقه إلى ذلك ابن عدى ووهم الذهبي أيضًا، فأورده في جملة مناكير التل (٣/ ٥١٣).
وقال الهيثمى (١٠/ ١٤٧): "رواه أبو يعلي، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو متروك" وفى الإسناد أيضًا انقطاع بين على بن الحسين وجده على رضى الله عنه وانظر تفصيل ما تقدم - بأطول منه - في "الضعيفة" (١٧٩).
٢ - حديث جابر:
رواه أبو يعلى أيضًا (٣/ ٣٤٦) من طريق محمد بن أبي حميد المدني عن محمد بن المنكدر عنه به مرفوعًا، ولفظه: "ألا أدلكم على ما ينجيكم من عدوكم، ويدر لكم أرزاقكم؟ تدعون الله ليلكم ونهاركم، فإن الدعاء سلاح المؤمن".
وقال الهيثمى (١٠/ ١٤٧): "وفيه محمد بن أبي حميد، وهو ضعيف".
قلت: ووهاه كثير من الأئمة كابن معين والبخارى وأبو حاتم الرازى والجوزجاني والنسائى وغيرهم، وهو كما قال هؤلاء ﵏ فإن عامة أحاديثه مناكير لا يتابع عليها.
والحديث من هذا الوجه في "الضعيفة" أيضًا (١٨٠). واقتصر الشيخ الألبانى حفظه الله على تضعيفه. وقال - في آخر الكلام عن حديث على -: "والجملة الأولى من الحديث وردت من كلام الفضيل بن عياض، رواه السلفى في "الطيوريات" (٦٤/ ١)، ورويت في حديث آخر ضعيف وهو ... " فذكر حديث جابر.
قلت: (الأثر) عن الفضيل ﵀ رواه أيضًا الشجرى في (٤٨) "أماليه" (١/ ٤٤)
стр. 74
من طريق الحافظ أبي يعلي ﵀ قال: حدثنا عبد الصمد بن يزيد مردويه قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: "الدعاء سلاح المؤمن، والصبر سلاح المؤمن، ولو كان مع علمائنا صبر، لما تمندلوا بهم هؤلاء" - يعنى الملوك - اهـ. وإسناده حسن.
الحديث الرابع والعشرون:
" الدنانير والدراهم خواتيم الله في أرضه، من جاء بخاتم مولاه، قضيت حاجته".
ضعيف جدًا. رواه الطبراني في "الأوسط". قال السخاوى (ص ٢١٥, ٢١٦): "من حديث ابن عيينة وابن أبي فديك كلاهما عن محمد بن عمرو عن ابن أبي لبيبة عن أبي هريرة به مرفوعًا، وقال: "لا يروى عن النبي ﵌ إلا بهذا الإسناد".
وقال المناوى (٣/ ٥٤٤): "قال الهيثمى: وفيه أحمد بن محمد بن مالك بن أنس، وهو ضعيف وقال الذهبي: حديث ضعيف".
قلت: وأورد أحمد هذا في "المغنى" (١/ ٥٧) وقال: "ضعفوه" وهو إلى الضعف الشديد أقرب، فقد أورده الدارقطني في "الضعفاء" (٤١) وسكت عنه، فهو متروك عنده وعند البرقاني وأبي منصور بن حمكان كما هو منصوص عليه في مقدمة الكتاب المذكور.
وقال ابن حبان في "المجروحين" (١/ ١٤٠): "منكر الحديث، يأتى بالأشياء المقلوبة التي لا يجوز الاحتجاج بها". وذكر له حديث الغار من طريق يونس عن الزهري عن أنس، وقال: "ما حدث الزهري بشئ من هذا قط، ولا يونس. إنما هو حديث ثابت عن أنس فقط، ولم يروه عن ثابت إلا همام وجعفر بن سليمان الضبعي" وقد أورد السخاوي لدى الكلام على حديث الترجمة حديثين آخرين:
стр. 75
الأول: رواه الطبراني أيضًا في "الأوسط" و "الصغير" عن المقدام بن معديكرب مرفوعًا: "يأتي على الناس زمان من لم يكن معه أصفر ولا أبيض لم يتهن بالعيش". قال: "ورواه أحمد بلفظ: "يأتي على الناس زمان لا ينفع فيه إلا الدرهم والدينار".
قلت: لفظه في "المسند" (٤/ ١٣٣) "ليأتين على الناس زمان لا ينفع فيه إلا الدينار والدرهم" وهو أيضًا في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٢٧٨، ٢٧٩). وقال الهيثمي (٤/ ٦٥): "ومدار طرقه كلها على أبي بكر بن أبي مريم، وقد اختلط".
الثاني: رواه الديلمي عن جابر رفعه: "الموت تحفة المؤمن، والدرهم والدينار مع المنافق، وهما زاده إلى النار".
قلت: وهو في "فردوس الأخبار" (٤/ ٥١٢) بلفظ: "الموت تحفة المؤمن، والدرهم والدينار ربيع المنافق، وهما زاداه إلى النار".
ورواه ابن الجوزى في "العلل المتناهية" (١٤٨٠) من طريق الدارقطني قال. نا الحسين بن جعفر الكوكبى قال: نا أحمد بن عمر بن بشر البزاز قال: نا جدى إبراهيم بن فرقد قال: نا القاسم بن بهرام عن عطاء عن جابر به بلفظ: " ... وهما زادان أهليهما إلى النار".
وقال: "تفرد به القاسم بن بهرام. قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال".
قلت: لفظه في "المجروحين" (٢/ ٢١٤): "يروى عن أبي الزبير العجائب، لا يجوز الاحتجاج به بحال". وكذَّبه ابن عدى في "الكامل" (٧/ ٢٧٤٩) والراويان دونه لم أقف لهما على ترجمة.
وأخيرًا (فالصواب) في حديث الترحمة أنه من قول وهب بن منبه ﵀ كما رواه ابن عساكر (١٧/ ٩٦٢) من طريق إسماعيل بن عبد الكريم عن عبد الصمد بن معقل عنه قال: "الدراهم والدنانير خواتيم الله في الأرض، فمن ذهب بخاتم
стр. 76
الله، قضيت حاجته" ثم وجدته في "تاريخ بغداد" (٥/ ٤٤٩، ٤٥٠) من هذا الوجه.
ورواه أبو نعيم (٤/ ٥٣ - بمعناه - من وجه آخر فهو حسن. والله أعلم.
الحديث الخامس والعشرون:
" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس".
ضعيف - بغير هذا اللفظ - ولكن هكذا اشتهر على الألسنة في الآونة الأخيرة - ولم أقف عليه به مرفوعًا أو موقوفًا. وإنما رواه الخطيب (١٣/ ٥٢٣, ٥٢٤) وعنه ابن الجوزى في "ذم الهوى" (ص ٣٩) من طريق يحيى ابن العلاء قال: حدثنا ليث عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: "قدم النبى ﵌ من غزاة له، فقال لهم رسول الله ﵌: "قدمتم خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: "مجاهدة العبد هواه". وإسناده واهٍ جدًا.
ورواه البيهقى في "الزهد الكبير" (٣٧٤) من طريق يحيى بن يعلى عن ليث به، ولفظه: "قدم على رسول الله ﵌ قوم غزاة، فقال ﵌: "قدمتم خير مقدم، من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". قالوا وما الجهاد الأكبر؟ قال: "مجاهدة العبد هواه".
وقال البيهقى: "هذا إسناد ضعيف".
قلت: لضعف ليث بن أبي سليم - كما تقدم في الحديث الثامن عشر - وبقية رجاله كلهم ثقات.
وحكى العجلوني في (كشف الخفاء) (١٣٦٢) عن الحافظ ﵀ أنه قال في "تسديد القوس": "هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن أبي عبلة".
стр. 77
(قلت): رواه ابن عساكر (٢/ ٤٤٤) من طريق الإمام النسائي ﵀ أخبرنا صفوان بن عمرو نا محمد بن زياد أبو مسعود من أهل بيت المقدس قال: سمعت إبراهيم بن أبي عبلة وهو يقول لمن جاء من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: يا أبا إسماعيل، وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب".
وإسناده حسن ومحمد بن زياد ترجمه ابن أبي حاتم (٧/ ٢٥٨) وكناه أبا إسحاق وقال: "سألت أبي عنه فقال: أدركته ولم يقدر لي أن أكتب عنه، قلت: ما حاله؟ قال: صالح" (٤٩) وهذا الأثر - وإن كان يوهم أن جهاد النفس أعظم من جهاد العدو - إلا أنه يشهد لفضيلته قول النبى ﵌: " ... وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله ". وقوله: "المجاهد من جاهد نفسه لله" أو قال: "في الله " وهما مخرجان مع حديث "قدمتم خير مقدم ... " في "البدائل" (٢٣). والله أعلى وأعلم.
الحديت السادس والعشرون:
" الشتاء ربيع المؤمن. قصر نهاره فصامه، وطال ليله فقامه".
منكر. رُوِى من حديث أبي سعيد الخدرى، - وبلفظ آخر- من حديث ابن مسعود.
١ - حديث أبي سعيد:
رواه أحمد (٣/ ٧٥) وابن عدى (٣/ ٩٨١) وأبو نعيم (٨/ ٣٢٥) والقضاعي (١٤٢، ١٤١) وابن الجوزى في "العلل" (٥٠١) - مختصرًا - من طريق عمرو
стр. 78
ابن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد به.
وقال ابن الجوزى: "قال الدارقطني: تفرد به عمرو عن دراج، قال أحمد: أحاديث دراج مناكير". وكذلك استنكره عليه ابن عدى والذهبي في "الميزان" (٢/ ٢٥).
وعزاه السخاوى (ص ٢٥٠) - بتمامه - إلى أبي يعلى والعسكرى وما وجدته في "مسند أبي يعلى" (٢/ ٣٢٤, ٣٢٥) إلا مختصرًا، فلعله بتمامه في "مسنده الكبير". والله أعلم.
ورواه البيهقي في "سننه" (٤/ ٢٩٧) من طريق أبي الأسود عن ابن لهيعة عن دراج به تاما بلفظ: "قصر نهاره فصام، وطال ليله فقام".
٢ - حديث ابن مسعود:
رواه ابن عدى (٣/ ١٢٩٦, ١٢٩٧, ٧/ ٢٤٨١) والديلمى في "مسند الفردوس" (٥٠) (ق: ٢٤٢) من طريق محمد بن موسى الحرشى عن نعيم بن عبد الحميد الواسطى عن السرى بن إسماعيل عن الشعبى عن مسروق عنه به بلفظ "مرحبا بالشتاء، فيه تنزل الرحمة، أما ليله فطويل للقائم، وأما نهاره فقصير للصائم"، وهو حديث منكر كما قال الساجى وابن عدى والذهبي في "الميزان" (٤/ ٢٧٠).
وإسناده ضعيف جدًا، والسرى بن إسماعيل هو الهمدانى الكوفي، وهو متروك الحديث كما في "التقريب" (٢٢٢١). ونعيم بن عبد الحميد قال ابن عدى: "ليس بذاك في الحديث" وقال ابن حبان في "الثقات" (٩/ ٢١٨): "ربما أغرب". والآفة من السرى كما قال الذهبي، وليست من نعيم - كما قال ابن عدى - فإن السرى بَيِّن الضعف.
ومحمد بن موسى الحرشى أيضًا مختلف فيه، فرجح الذهبي في "الميزان" (٤/ ٥٠)
стр. 79
توثيقه وقال: "صدوق" وقال في "المغنى" (٢/ ٦٣٧): "صدوق مشهور قال أبو داود: ضعيف". أما الحافظ فقال في "التقريب" (٦٣٣٨): "لين" هذا، (ولم أقف) على حديث الترجمة - بعين هذا اللفظ - عن أحد من السلف، ولكن أشبه شئ به ما رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص ٣٧٩) وابن أبي شيبة (٣/ ١٠٠, ١٣/ ٤٣٨) - واللفظ له - وأبو نعيم (٣/ ٢٦٧) من طريق حصين بن عبد الرحمن عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال: "كان يقال إذا جاء الشتاء: يا أهل القرآن، طال الليل لصلاتكم، وقصر النهار لصيامكم، فاغتنموا". وإسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين. والله أعلم.
الحديت السابع والعشرون:
" الصمت حكم، وقليل فاعله".
ضعيف. رُوِى من حديث أنس، وابن عمر.
١ - حديث أنس: وله طريقان:
الأولى: عند ابن عدى (٥/ ١٨١٦) من طريق أبي عاصم عن عثمان بن سعد الكاتب عنه. والظاهر أن البيهقي أخرجه أيضًا في "شعب الإيمان" من هذا الوجه، فقد قال الحافظ العراقي في "تخرج الإحياء" (٣/ ١٠٨): "أخرجه أبو منصور - الديلمي في "مسند الفردوس" من حديث ابن عمر بسند ضعيف، والبيهقى في "الشعب" من حديث أنس بلفظ: "حكم" بدل "حكمة" وقال: "غلط فيه عثمان بن سعد. والصحيح رواية ثابت". والصحيح عن أنس أن لقمان قال، ورواه كذلك هو وابن حبان في "روضة العقلاء" بسند صحيح إلى أنس" اهـ.
قلت: وعثمان بن سعد ضعيف كما في "التقريب" (٤٤٧١) ورفعه معلول كما حكى العراقي عن البيهقي.
الثانية: عند القضاعي (٢٤٠) من طريق زكريا بن يحيي المنقرى، ثنا الأصمعى،
стр. 80
ثنا على بن مسعدة عن قتادة عنه به مرفوعًا. وإسناده ضعيف، على بن مسعدة هو الباهلي مختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب فهو - وإن وثقه الطيالسى وقواه ابن معين وأبو حاتم - فقد قال البخارى: فيه نظر، وقال النسائي: ليس بالقوى، وحكى أبو داود تضعيفه عن بعض شيوخه، وقال ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١١١): "كان ممن يخطئ على قلة روايته وينفرد بما لا يتابع عليه، فاستحق ترك الاحتجاج به بما لا يوافق الثقات من الأخبار". ثم أورد له من مناكيره، حديثيه عن قتادة عن أنس مرفوعا: "كل بنى آدم خطاء، وخير الحطائين التوابون" وحديث: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا".
وكذلك أوردهما له ابن عدى (٥/ ١٨٥٠) وقال: "ولعلي بن مسعدة غير ما ذكرت عن قتادة، وكلها غير محفوظة".
وكذلك أوردهما (٥١) الذهبي في ترجمته من "الميزان" (٣/ ١٥٦). وقد وهم الشيخ السلفي حفظه الله حيث قال - في تحقيق "مسند الشهاب" - "زكريا ابن يحيى ضعفه ابن يونس وفى "الميزان" و "اللسان": المقرى، وعلى بن مسعدة صدوق له أوهام فالحديث ضعيف ... " الخ، فإن زكريا هذا هو ابن يحيى بن خلاد المنقرى أبو يعلى البصرى، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٢٥٥) وقال: "وكان من جلساء الأصمعي".
أما ذاك المترجم في "الميزان" و "لسانه" فهو السراج المقرئ المصرى أبو يحيى، وهو الذى ضعفه ابن يونس.
وقد غفل الشيخ - وكدتُ - عن العلة الحقيقية لهذا الإسناد، فإن شيخ القضاعي فيه هو محمد بن منصور التسترى، وقد سبق بيان أنه كذاب كما في طريق
стр. 81
ابن مسعود من الحديث الخامس. فلعله من وضعه، والرجلان فوقه لم أقف لهما على ترجمة.
(والصحيح) عن أنس - كما تقدم - حكايته عن لقمان الحكيم، رُوِى عن أنس من قوله. وصح أيضًا عن أبي نجيح المكى عن لقمان، وصح بعضه عن أبي الدرداء.
١ - فروى ابن حبان في "روضة العقلاء" (ص ٤١) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عنه أن لقمان قال: "إن من الحكم الصمت، وقليل فاعله". وإسناده صحيح على شرط مسلم، ولم يحتج مسلم بحماد إلا في حديثه عن ثابت البناني، مع أنه أثبت الناس - أيضًا - في خاله حميد الطويل. فمن صحح حديثه عن غير ثابت - على شرط مسلم - فقد وهم.
٢ - ورواه أبو يعلي موقوفًا على أنس، وسكت عنه البوصيرى. قاله الشيخ الأعظمى في حاشية "المطالب العالية" (٣/ ١٩٠). وقال وكيع في "الزهد" (٨١): "حدثنا عمر بن سعد قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ... " فذكره. كذا، وفي هذا الإسناد سقط كما قال محققه حفظه الله بناءً على كون عمر بن سعد هذا هو أبو داود الحَفْرى- وهو من أقران وكيع - ولم أجد لوكيع عنه رواية. أما إذا كانت متحرفة من: "حدثنا عثمان بن سعد" فهو إسناد متصل ضعيف، فالله أعلم.
٣ - وروى ابن المبارك (٨٤١) وابن أبي عاصم في "الزهد" (٤٦) عن ابن عيينة قال: حدثني ابن أبي نجيح قال: سمعت طاووسًا يسأل أبي عن حديث، فرأيت طاووسًا كأنه يعقد بيده. وقال أبي: يا أبا عبد الرحمن. إن لقمان قال: إن من الصمت حكمًا، وقليل فاعله، فقال له طاووس: يا أبا نجيح، إنه من تكلم واتقى الله خير ممن صمت واتقى الله". وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأبو نجيح اسمه: يسار المكى، وهو ثقة من الثالثة كما في "التقريب" (٧٨٠٥).
стр. 82
٤ - وروى ابن عساكر (١٣/ ٧٤٦) من طريق حريز بن عثمان عن أبي حبيب القاضى أن أبا الدرداء كان يقول: "تعلموا الصمت كما نتعلم الكلام، فإن الصمت حكم عظيم. وكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تتكلم، ولا تتكلم في شئ لا يعنيك، ولا تكن مضحاكًا من غير عجب، ولا مَشَّاءً إلى غير أرب". وإسناده صحيح، وأبو حبيب القاضي اسمه الحارث بن مخمر، وهو ثقة وثقه أحمد وابن حبان وغيرهما.
وعزا المناوى (٤/ ٢٤٠) حديث الترجمة إلى العسكرى في "الأمثال" عنه قال: "وزاد: من كثر كلامه فيما لا يعنيه كثرت خطاياه". ولم أقف على سنده بهذا اللفظ، فالله أعلم.
الحديث الثامن والعشرون:
" الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة".
ضعيف. رُوِى من حديث عامر بن مسعود، وأنس، وجابر بن عبد الله.
١ - حديث عامر بن مسعود:
رواه أحمد (٤/ ٣٣٥) وابن أبي شيبة (٣/ ١٠٠) (٥٢) والترمذى (٧٩٤) وابن خزيمة (٣/ ٣٠٩) والبيهقى (٤/ ٢٩٦, ٢٩٧) وأبو الشيخ في "الأمثال" (٢٢٣) والقضاعي (٢٣١) وغيرهم من طرق عن سفيان عن أبي إسحاق عن نمير بن عريب عنه به. وهذا إسناد ضعيف له علتان:
الأولى: جهالة نمير بن عريب. قال الذهبي في "الميزان" (٤/ ٢٧٣): "لا يعرف". وقال الحافظ (٧١٩١): "مقبول" أى إذا توبع، وإلا فهو لين الحديث.
стр. 83
الثانية: الإرسال. كما قال الترمذى: "هذا حديث مرسل. عامر بن مسعود لم يدرك النبى ﵌. وهو والد إبراهيم بن عامر القرشي الذى روى عنه شعبة والثورى". وقال أيضًا في "العلل الكبير" (١/ ٣٧١): "سألت محمدًا عن حديث أبي إسحاق ... فذكره، فقال: هو حديث مرسل، وعامر بن مسعود لا صحبة له ولا سماع من النبى ﵌".
وقال الحافظ (٣١٠٩): "عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي: يقال: له صحبة، وذكره ابن حبان وغيره في التابعين". وانظر "الإصابة" (٢/ ٢٦٠).
٢ - حديث أنس:
رواه الطبرانى في "الصغير" (٧١٦) وعنه الشجرى (٢/ ١١١) وابن عدى (٣/ ١٢١٠) من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عنه به. وهذا إسناد ضعيف له ثلاث علل:
الأولى: عنعنة الوليد بن مسلم، فإنه ثقة كثير التدليس والتسوية.
الثانية: ضعف سعيد بن بشير - وهو الأزدى الشامى - قال الحافظ (٢٢٧٦): "ضعيف" وقال السخاوى في "المقاصد" (ص ٢٥٠): "وسعيد ضعيف عند أكثرهم".
الثالثة الوقف كما يأتي.
٣ - حديث جابر:
رواه ابن عدى (٣/ ١٠٧٥) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك البلخي عن الوليد ابن مسلم أيضًا فقال: "عن زهير بن محمد عن ابن المنكدر عن جابر". وهذا إسناد واهٍ جدًا له أربع علل:
الأولى: شدة ضعف عبد الوهاب البلخي، فإنه متروك، وكذبه أبو حاتم كما تقدم في الحديث الخامس عشر (التعليق رقم: ٣٠).
стр. 84
الثانية: عنعنة الوليد بن مسلم.
الثالثة: ضعف زهير بن محمد التميمي في رواية الشاميين عنه، وهذا منها.
الرابعة: المخالفة في الإسناد، فإن الصحيح عن الوليد بن مسلم: عن سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس كما تقدم فيما قبله.
وبعد، (فالصحيح) وقف حديث الترجمة على أبي هريرة كما رواه عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ١٧٧) وعنه أبو نعيم (١/ ٣٨١) عن هدبة بن خالد، والبيهقي (٤/ ٢٩٧) عن حجاج بن منهال وعفَّان - ثلاثتهم - عن همام ثنا قتادة حدثنا أنس قال: قال أبو هريرة: ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قال: قلنا: وما ذلك يا أبا هريرة؟ قال: الصوم في الشتاء". وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقال البيهقى: "هذا موقوف". قال السخاوى: "وهو أصح" - يعنى من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس مرفوعًا. وبيانه أن همام - وهو ابن يحيى العَوْذى - ثقة حافظ، معدود في كبار أصحاب قتادة، ومن الأثبات فيه - وله أوهام يسيرة - أما سعيد بن بشير - وإن وصفه بعضهم بالحفظ - إلا أنه كثير المناكير في قتادة خاصَّة، وليس أدل على ذلك من هذا الحديث. ولم يتفطن العلامة الألباني حفظه الله لهذه العلة، فحسَّن الحديث من مجموع طريقي عامر بن مسعود وأنس في "الصحيحة" (١٩٢٢).
فائدة: وثبت أيضًا عن عمر الفاروق رضى الله عنه وصف الشتاء بأنه: (غنيمة). فقد روى الإمام أحمد في "الزهد" (ص ١١٧, ١١٨) وابن أبي شيبة (٣/ ١٠٠, ١٣/ ٢٧٢, ٢٧٣) وأبو نعيم (١/ ٥١, ٣/ ٣١, ٨/ ١٣٣, ١٣٤) من طريق سليمان التيمي سمع أبا عثمان النهدى قال: قال عمر بن الخطاب: "الشتاء غنيمة العابدين".
وإسناده صحيح على شرطهما. ورواه أبو نعيم (٩/ ٢٠) من طريق ابن مهدى قال: قال عمر: ... فذكره معضلًا. ولا يضر أن يعضله ابن مهدى أو غيره بعد ثبوته متصلًا من وجه آخر بإسناد على شرطهما كما قدمنا. والله أعلى وأعلم.
стр. 85
الحديث التاسع والعشرون:
" عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن".
ضعيف معلول. رواه ابن ماجة (٣٤٥٢) والحاكم (٤/ ٢٠٠, ٤٠٣) وعنه البيهقي (٩/ ٣٤٤) وأبو نعيم (٧/ ١٣٣) والخطيب (١١/ ٣٨٥) من طرق عن زيد بن الحباب عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود مرفوعًا به.
ورواه الخطيب من طريق زيد بن الحباب أيضًا عن شعبة عن أبي إسحاق به.
ذكره في ترجمة "على بن الحسن بن جعفر" المعروف بـ "ابن كرنيب" و "ابن العطار". وقال "وكان يتعاطى الحفظ والمعرفة، وكان ضعيفًا".
وروى عن الحاكم - بلاغا - قال: ذكر للدارقطني ابن العطار فذكر من إدخاله على المشايخ شيئًا فوق الوصف، وأنه أشهد عليه واتخذ محضرًا بإدخاله أحاديث على دعلج وهذا في "سؤالات الحاكم" (٥٤) - وسماه: على بن الحسين الرصافى-.
وروى عن أبي بكر الداودى أنه ذكر ابن كرنيب فقال: كان عندنا ها هنا في المخرم، وكان من أحفظ الناس لمغازى رسول الله ﵌ يسردها من حفظه، إلا أنه كان كذابًا يدعى ما لم يسمع، ويضع الحديث ... ".
قلت: وهذا من أكاذيبه فإن الحديث حديث الثورى، ولا يعرف لزيد بن الحباب رواية عن شعبة.
وقال الحاكم - في الموضع الأول -: "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد أوقفه وكيع بن الجراح عن سفيان". ثم رواه من طريق ابن أبي شيبة: ثنا وكيع عن سفيان به بلفظ: "الشفاء شفاءان: قراءة القرآن، وشرب العسل". ثم روى من طريق محمد بن عبيد ثنا الأعمش عن خيثمة والأسود قالا: قال عبد الله: "عليكم بالشفاءين: القرآن والعسل". وقال في الموضع
стр. 86
الآخر (٥٣): "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" وأقره الذهبى.
وقال أبو نعيم: "غريب من حديث الثورى. تفرد به زيد بن الحباب" وقال البيهقى: "رفعه غير معروف. (والصحيح) موقوف. ورواه وكيع عن سفيان موقوفا" ثم روى (٩/ ٣٤٥) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به موقوفًا: "في القرآن شفاءان: القرآن والعسل، القرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء من كل داء".
وقال: "هذا هو الصحيح موقوف. ورواه أيضًا الأعمش عن خيثمة والأسود عن عبد الله موقوفًا".
وقال البوصيرى في "مصباح الزجاجة" (٣/ ١٢٠): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. رواه الحاكم ... " حتى قال: "ورواه مالك في "الموطأ" من حديث عائشة موقوفًا".
قلت: بل هو معلول كما بين البيهقى ﵀، وزيد بن الحباب لا يبلغ حديثه - ولا سيما عن الثورى - مرتبة الصحة، فقد قال الحافظ في "التقريب" (٢١٢٤): "وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري". ولا شك أن هذا من جملة أخطائه في حديث الثورى. وقد أوقفه أحد الثقات الحفاظ من أصحاب الثورى - وإن كان غيره أثبت منه - وهو وكيع - وكذلك أوقفه إسرائيل عن أبي إسحاق. وكذلك أوقفه الأعمش بسند آخر عن ابن مسعود وكل هذه الموقوفات صحيحة الأسانيد سوى الأخير، الذى يرويه محمد بن عبيد الطنافسي عن الأعمش عن خيثمة والأسود عن ابن مسعود، فإن الأعمش عن الأسود منقطع، وخيثمة عن ابن مسعود منقطع أيضًا، ولكن ورد متصلًا، فقد رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٤٥) عن
стр. 87
أبي معاوية وابن نمير عن الأعمش فقال: "عن خيثمة عن الأسود قال: قال عبد الله: "عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن".
وهذا إسناد صحيح متصل، وهو أرجح من الآخر لاجتماع ثقتين حافظين على روايته متصلًا هما: أبو معاوية - وهو أثبت الثلاثة في الأعمش - وابن نمير بل جاء عن محمد بن عبيد (٥٤) نفسه كروايتهما عند أحمد بن الفرات الرازي في "جزئه" كما في "المنتقى منه" للذهبي (٤/ ١ - ٤) كما في "الضعيفة" (١٥١٤).
ورواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٥) عن أبي معاوية - وحده - عن الأعمش به، وعن وكيع عن سفيان بالسند الذى رواه به الحاكم من طريقه بلفظ: "العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور".
ورواه الطبراني في "الكبير" (٩/ ٢٥٢) من طريق أبي الأحوص - سلام بن سليم الحنفى - عن أبي إسحاق به، بلفظ: "القرآن والعسل هما شفاءان". وإسناده صحيح.
نعم، وجدت متابعة لزيد بن الحباب على الرفع لكنها واهية لا يلتفت إليها، فقد رواه ابن عدى (٣/ ١٢٥٣) من طريق سفيان بن وكيع، ثنا أبي عن سفيان، عن أبي إسحاق به مرفوعًا، وقال: "وهذا يُعرف عن الثورى مرفوعًا من رواية زيد بن الحباب، عن سفيان، وأما من حديث وكيع مرفوعًا لم يروه عنه غير ابنه سفيان، والحديث في الأصل عن الثورى بهذا الإسناد موقوف".
قلت: فالظاهر أنه من الأحاديث التي أدخلها عليه ورَّاقه - وراق السوء - أخزاه الله، كما أفسد هذا الشيخ الصالح الصدوق، وأسقط حديثه. وقد تقدم الكلام على هذا الأمر في الحديث العاشر بما يكفى إن شاء الله.
стр. 88
أما موقوف عائشة الذى عزاه البوصيري للإمام مالك في "الموطأ"، فلم أظفر به - بعد جهد - في مظانه منه، فلعله في رواية غير يحيى بن يحيى الليثي، والعلم عند الله تعالى.
الحديت الثلاثون:
" العلم خزائن، ومفتاحها السؤال".
موضوع. رواه أبو نعيم (٣/ ١٩٢) وأبو عثمان البجيرمى في "الفوائد" (٢٤/ ١) - كما في "الضعيفة" (٢٧٨) - من طريق داود بن سليمان القزاز ثنا على بن موسى الرضا حدثنى أبي عن أبيه جعفر عن أبيه محمد بن على عن أبيه على ابن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب مرفوعًا بزيادة: "فاسألوا يرحمكم الله، فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلم، والمستمع، والمجيب لهم".
ورواه أيضًا العسكرى - كما في "المقاصد" (ص ٢٨٧) - والديلمى كما في "الفردوس" (٣/ ٩٥) - ولفظه هو و "الجامع الصغير" (٥٧١٢): "والمحب لهم". وقال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم نكتبه إلا بهذا الإسناد".
وقال الحافظ في "تسديد القوس": "أبو نعيم في "الحلية" بسند ضعيف".
وكذلك قال العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ٩) والسخاوى، فوصفوه جميعًا بالضعف - وحده - والذى يسبق إلى الأذهان أنه ضعف يسير ينجبر بتعدد الطرق، ويجيز طوائف من العلماء الأخذ به في الفضائل.
وليس الأمر كذلك، فإن في إسناده أحد الكذابين، ألا وهو: "داود بن سليمان القزاز"، وهو الجرجاني الغازي. قال الذهبي في "الميزان" (٢/ ٨): "كذبه يحيى بن معين، ولم يعرفه أبو حاتم، وبكل حال فهو شيخ كذاب، له نسخة موضوعة عن على الرضا رواها على بن محمد بن مهرويه القزويني الصدوق
стр. 89
عنه .. " ثم ساق له أحاديث هذا أحدها.
وأقره الحافظ في "اللسان" (٢/ ٤١٧, ٤١٨) وزاد عليه أحاديث وقال في "المغني" (١/ ٢١٨): "داود بن سليمان الجرجاني، معاصر لابن المديني" قال ابن معين: "كذاب". وله عن على بن موسى الرضا". وأعاده ثانيًا فقال: "داود ابن سليمان الغازى، عن على بن موسى الرضا، لاشئ".
قلت: وتابعه وضَّاع آخر، فانظر التفصيل في "الضعيفة" (٢٧٨).
أما (الصحيح) في حديث الترجمة، فإنه من كلام ابن شهاب الزهرى ﵀ موقوفًا عليه - كما رواه أبو نعيم (٣/ ٣٦) والبيهقى في "المدخل" (٤٢٩) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٨٩) من طريقين عن يونس بن يزيد الأيلي، وابن عبد البر - معلقًا - عن الحلوانى عن عبد الله بن صالح عن الليث ابن سعد كلاهما عن ابن شهاب قال: "العلم خزائن، وتفتحها المسائل".
وفى رواية: "إن هذا العلم خزائن، تفتحها المسألة". وروى ابن عبد البر من طريق نصر بن على الجهضمي قال: كان الخليل يقول: "العلوم أقفال، والسؤالات مفاتيحها". وإسناده منقطع، فإن على بن نصر بن على- الجهضمى الكبير والد هذا - هو الذى له رواية عن الخليل - وهو ابن أحمد الفراهيدي اللغوى المشهور صاحب العَروض - كما في "التهذيب" (٧/ ٣٩٠). والله أعلم.
الحديث الحادى والثلاثون:
" الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل".
ضعيف. رُوِى من حديث ابن مسعود، وجابر وأبي هريرة، وأنس.
١ - حديث ابن مسعود:
رواه أبو داود (٢/ ٥٧٩) وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" وعنه البيهقي (٢/ ٥٧٩)
стр. 90
وأبو الحسين بن المنادى في كتاب "أحكام الملاهي" كما في "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٤٨) للإِمام ابن القيم ﵀ وابن بطة في "الإبانة" (٩٣٢) وابن حزم في "المحلى" (٩/ ٥٧) من طريق سلام بن مسكين عن شيخ شهد أبا وائل في وليمة فجعلوا يلعبون، يتلعبون، يغنون، فحل أبو وائل حبوته وقال: سمعت عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "إن الغناء ينبت النفاق في القلب". لفظ أبي داود. وإسناده ضعيف لجهالة شيخ سلام بن مسكين، وبه أعله جماعة من الأئمة.
قال ابن حزم: "عن شيخ، عجب جدًا"! وقال ابن القيم: "فمداره على هذا الشيخ المجهول، وفى رفعه نظر، والموقوف أصح".
وقال ابن رجب الحبلى في "نزهة الأسماع" (ص ٣٧): "وفى إسناد المرفوع من لا يعرف. والموقوف أشبه". وقال الغزالى في "الإحياء" (٢/ ٢٨٦): " ... واحتجوا بقول ابن مسعود رضى الله عنه الغناء ينبت في القلب النفاق - وزاد بعضهم - كما ينبت الماء البقل. ورفعه بعضهم إلى رسول الله ﵌ وهو غير صحيح" قال العراقى: "قال المصنف: والمرفوع غير صحيح لأن في إسناده من لم يُسَمَّ، رواه أبو داود، وهو في رواية ابن العبد ليس في رواية اللؤلؤى ورواه البيهقي مرفوعًا وموقوفًا".
قلت: وسأثبت صحته موقوفًا بعد استيفاء طرقه المرفوعة، والله المستعان. ثم وجدت له لفظا آخر رواه ابن صصرى في "أماليه" كما في "كف الرعاع" للهيثمي (٢/ ٢٧١) مع الزواجر".
٢ - حديث جابر:
رواه البيهقي في "الشعب" (٢/ ٩١/ أ - ب) من طريق محمد بن صالح الأشج نا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد نا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عنه، بلفظ: "كما ينبت الماء الزرع". وإسناده واهٍ جدًا.
стр. 91
٣ - حديث أبي هريرة:
رواه ابن عدى في "الكامل" (٤/ ١٥٩٠) وعنه ابن الجوزى في "العلل المتناهية" (١٣١٠) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله العمرى عن أبيه عن سعيد ابن أبي سعيد عنه به، ولفظه "إن الغناء ينبت النفاق في القلب" وإسناده ضعيف جدًا.
قال ابن الجوزى: "هذا حديث لا يصح. قال أحمد: لا يساوى حديث عبد الرحمن شيئًا خرقناه.
وقال يحيى: ليس بشئ. وقال النسائي والدارقطني: متروك" ومن طريقه الديلمي في "الفردوس" (٢/ ٨٥) بلفظ: "حب الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء العشب".
٤ - حديث أنس:
رواه الديلمى من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود حدثنا هشام بن عمار حدثنا مسلمة بن على حدثنا عمر مولى غفرة عنه بلفظ: "الماء واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، والذي نفسي بيده، إن القرآن والذكر لينبتان الإيمان في القلب، كما ينبت الماء العشب" (٥٥).
وإسناده واهٍ جدًا، وفيه أيضًا انقطاع. وتفصيل ما أجملت - مما تقدم - تجده في كتاب "أحاديث ذم الغناء والمعازف في الميزان" (ص ٥٩: ٦١) للأخ الشيخ عبد الله بن الجُديع، حفظه الله وأمتعنا بعلمه.
(والصحيح) في حديث الترجمة وقفه على ابن مسعود - كما تقدم - فإن له عنه طرقًا ثلاث إحداهن صحيحة.
الأولى: عند ابن أبي الدنيا وعنه البيهقي (١٠/ ٢٢٣) وابن نصر في "تعظيم قدر
стр. 92
الصلاة" (٦٨٠) من طرق عن غندر حدثنا شعبة عن الحكم عن حماد عن إبراهيم عنه قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب".
وإسناده صحيح، وحماد هو ابن أبي سليمان وهو - وإن اختلط في آخر أمره - فقد قال الإمام أحمد: "مقارب ما روى عنه القدماء: سفيان وشعبة". وقال أيضًا: "سماع هشام - يعنى الدستوائى- منه صالح" كما في "التهذيب" (٣/ ١٦). فيلحق بالقدماء أيضًا: الحكم بن عتيبة، فإنه من أقرانه، بل إنه توفى قبله بخمس سنين.
ورواية إبراهيم النخعى عن ابن مسعود - وإن كان ظاهرها الانقطاع - إلا أنها صحيحة، بل أصح مما لو أسند عنه، فقد قال الأعمش: "قلت لإبراهيم: أسند لى عن ابن مسعود. فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذى سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله" كما في "التهذيب" (١/ ١٧٧, ١٧٨). ووصله الترمذي في "العلل" - آخر "جامعه" - (٥/ ٤١١) قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "شرح العلل" (ص ٢٣١): " ... وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن عن النخعى خاصة، فيما أرسله عن ابن مسعود خاصة ... ".
قلت: فمن الغريب قول أخينا الشيخ الجديع في كتابه المذكور (ص ٥٨) - في هذا الأثر - "قلت: وهذا منقطع أيضًا، إبراهيم هو النخعي لم يدرك عبد الله". ثم ذكر نحوًا مما أسلفنا بشأن تقوية رواية الحكم عن حماد. فمثل هذا الأمر لا يخفى على مثله في تدقيقه وتحقيقه، ولكن الإحاطة لله وحده. ولم يتفرد الحكم بالأثر، فقد رواه ابن بطة في "الإبانة" (٩٣١) من طريق سفيان عن منصور عن حماد به ومنصور أيضًا من طبقة حماد، لكن ابن بطة ﵀ فيه ضعف.
ورُوِى من طرق أخري عن حماد لا تقوى على إعلال الأثر، منها ما رواه ابن بطة (٩٣٣) من طريق الإمام أحمد عن هشيم عن العوام عن حماد عن ابن مسعود به - بإسقاط إبراهيم بينهما - وهذا إسناد ضعيف، فإن هشيمًا مدلس وقد عنعنه،
стр. 93
والعوام هو ابن حوشب، وهو ثقة لكنه ليس من قدماء أصحاب حماد المنصوص عليهم، وما هو من طبقته أيضًا.
وذكر ابن حزم (٩/ ٦٠) أنه روى من طريق سعيد بن منصور عن أبي عوانة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم قال: الغناء ... فذكره هكذا مقطوعًا. وهذا أيضًا مرجوح فإن أبا عوانة غير معدود في قدماء أصحاب حماد.
ورواه الخطيب من طريق شعبة عن الحكم عن حماد عن إبراهيم عن علقمة قوله كما في "تذكرة المؤتسى بمن حدث ونسى" (٥٦) للسيوطى. ولكن لا ندرى من هم الرواة بين الخطيب وشعبة لعل في أحدهم مقالًا.
وقد رواه أثبت الناس مطلقًا في شعبة - ألا وهو محمد بن جعفر غُندَر- بهذا الإسناد عن إبراهيم عن ابن مسعود كما تقدم، على أنه لا مانع أصلًا أن يكون كل ذلك صحيحًا بأن يكون إبراهيم قد سمعه من جماعة عن ابن مسعود، وسمعه مرة أخرى عن علقمة - من قوله وفتواه - وأفتى هو به مرة ثالثة دون أن يسنده إلى قائله، فقد رواه عبد الرزاق (٤/ ١١) عن معمر عن مغيرة عنه. ومغيرة هو ابن مقسم الضبى، وقد تكلم الإمام أحمد في روايته عن إبراهيم لتدليسه عنه ما لم يسمعه منه ولكن بقيت طرق عن إبراهيم - موقوفًا عليه - لم يتيسر النظر فيها، وكذلك ما رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهى" عنه قال: "كانوا يقولون: الغناء ينبت النفاق في القلب".
الثانية: رواها ابن أبي الدنيا وعنه البيهقي من طريق محمد بن طلحة عن سعيد ابن كعب المرادى (٥٧) عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عنه بزيادة: "كما ينبت الماء الزرع، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع". وإسناده منقطع بين
стр. 94
محمد بن عبد الرحمن بن يزيد وابن مسعود، فإنما يروى عن ابن مسعود أبوه عبد الرحمن بن يزيد النخعى. وسعيد بن كعب المرادى فيه جهالة، فقد ترجمه ابن أبي حاتم (٤/ ٥٧) برواية محمد بن طلحة وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ولا يعله بالإعضال ما رواه ابن أبي زمنين في "أصول السنة" (١٦٩) من طريق عبد الملك بن حبيب عن أسد بن موسى عن محمد بن مطرف عن سعيد هذا عن ابن مسعود - بلا واسطة - بشطره الأول وذلك لأن عبد الملك بن حبيب - وهو الأندلسى المالكى - ساقط في الرواية كثير التصحيف والتخليط في الأسانيد، وقوله: "محمد بن مطرف" إن لم يكن خطأ من قبل النسخ صوابه: "محمد بن مصرف" - أعنى: محمد بن طلحة بن مصرف - فهو من تصحيفاته الكثيرة ﵀.
الثالثة: عند ابن أبي الدنيا من طريق ليث عن طلحة بن مصرف عنه كما في كتاب الجديع (ص ٥٨). وإسناده أيضًا منقطع، وليث هو ابن أبي سليم وهو ضعيف لكنه لا بأس به في الشواهد والمتابعات كما قدمنا في الحديث الثامن عشر.
وبعد، فإن أثر ابن مسعود هذا - وإن كان ظاهره الوقف - إلا أنه في حكم المرفوع إلى النبى ﵌ إذ لا مجال فيه للرأى والاجتهاد. قال ابن حجر الهيتمى الفقيه الشافعى ﵀: "ومثله لا يقال من قبل الرأى لأنه إخبار عن أمر غيبى، فإذا صح عن الصحابة فقد صح عن النبى ﵌ كما هو مقرر عند أئمة الحديث والأصول". كما في "كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع" له (٢/ ٢٧٩، مع الزواجر) وحكى عن الأذرعى ﵀ الإشارة إلى ذلك والله أعلى وأعلم.
الحديت الثانى والثلاثون:
" كان رسول الله ﵌ يلعن القاشرة والمقشورة،
стр. 95
والواشمة والموتشمة، والواصلة والمتصلة".
ضعيف. رواه الإمام أحمد (٦/ ٢٥٠): "ثنا عبد الصمد قال. حدثتني أم نهار بنت رفاع، قالت: حدثتني آمنة بنت عبد الله أنها شهدت عائشة فقالت ... الحديث.
قال الهيثمى في "المجمع" (٥/ ١٦٩) (٥٨): "رواه أحمد، وفيه من لم أعرفه من النساء".
قلت: يعنى أم نهار بنت رفاع، وآمنة بنت عبد الله. وأم نهار أغفلها الحافظ، فلم يترجمها في "تعجيل المنفعة" وكذلك أبو زرعة بن العراقى في "ذيل الكاشف". وآمنة بنت عبد الله هى القيسية.
قال الحسيني وأبو زرعة (٢١١٣): "لا تعرف". زاد الحافظ في "التعجيل" (ص ٥٥٤): "قلت: قد رواه أحمد من طريق أم نهار عن آمنة بنت عبد الله عن عائشة حديثا آخر في لعن الواصلة، فيكون لها راويان".
وقد تساهل الحافظ السيوطى ﵀ إذ أورد الحديث في "الجامع الصغير" (٧٢٦٣) بلفظ: "لعن الله القاشرة والمقشورة" وعزاه لأحمد ورمز لضعفه، ولم يتعقبه الألباني في "ضعيف الجامع" (٥/ ١٥) مع أنه ليس عند أحمد إلا بذلك اللفظ المتقدم على أنه ذكره في "الدر" (٢/ ٢٢٤) بلفظه الصحيح.
وقد أحسن الحافظ المنذرى ﵀ صنعا، فلم يورده في "الترغيب". (والأشبه) وقفه على عائشة، فقد روى الإمام أحمد أيضًا (٦/ ٢١٠) من طريق على بن مبارك عن كريمة بنت همام قالت: سمعت عائشة تقول: يا معشر النساء إياكن وقشر الوجه. فسألتها امرأة عن الخضاب (٥٩) فقالت: لا بأس بالخضاب
стр. 96
ولكنى أكرهه لأن حبيبى ﵌ كان يكره ريحه" ورواته ثقات سوى كريمة هذه، فقد روى عنها جمع من الثقات ولم أرَ أحدًا وثقها.
وقد رواه أبو داود (٢/ ٣٩٥) والنسائى (٨/ ١٤٢) من هذا الوجه - باختصار أوله - والسند المرفوع الذى قبله يدل على أن له أصلًا - في الجملة - عن عائشة والله أعلم.
أما سائر الحديث فثابت من طرق أخرى:
١ - فعن عائشة أيضًا أن جارية من الأنصار زوجت، وأنها مرضت فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوه، فسألوا رسول الله ﵌ عن الوصال، فلعن الواصلة والمستوصلة". رواه الشيخان والنسائي (٨/ ١٤٦) وأحمد (٦/ ١١١). وفي "الصحيحين" نحوه عن أسماء بنت أبي بكر.
٢ - وللنسائى (٨/ ١٤٧) من طريق أبان بن صمعة عن أمه قالت: سمعت عائشة تقول: "نهى رسول الله ﵌ عن الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة".
وأبان صدوق تغير آخرًا كما في "التقريب" (١٣٨) وأمه لم أجد لها على ترجمة لكن المتن محفوظ من طرق أخرى.
٣ - وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة مرفوعًا: "لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة".
٤ - وفيهما عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵌ لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة".
٥ - ولأبى داود (٢/ ٣٩٦) عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "لعنت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء". وإسناده جيد.
٦ - وفي "الصحيحين" وغيرهما عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: "لعن
стр. 97
الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات (زاد أحد شيخي أبي داود: والواصلات)، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله". فبلغ ذلك امرأة من بنى أسد يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغنى عنك أنك قلت: كذا وكذا .. وذكرته. فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﵌ وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحى المصحف، فما وجدته، قال: إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. قالت: إنى أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن. قال: اذهبي فانظري، فذهبت فلم تر شيئًا، فجاءت، فقالت: ما رأيت شيئًا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها".
وانظر شرح هذه الأحاديث في "جامع الأصول" (٤/ ٧٧٨، : ٧٨٢) - بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرنؤوط، وكذلك في "الترغيب والترهيب" (٣/ ٢٢٣: ٢١٩) (٦٠) - وفيه أحاديث أخرى في وصل الشعر.
(وصح) لعن المقشورة أيضًا عن الحسن البصرى ﵀، فقد أخرج ابن جرير الطبري ﵀ في "تفسيره" (١٠٤٨٦) من طريق أبي نعيم قال: حدثنا أبو هلال الراسبي قال: سأل رجل الحسن: ما تقول في امرأة قشرت وجهها؟ قال: "ما لها، لعنها الله، غيرت خلق الله" وإسناده جيد. وأبو هلال الراسبى اسمه: محمد بن سليم، وهو بصرى صدوق، في حديثه عن قتادة لين.
وقال الشيخ محمود شاكر - حفظه الله- تعليقا على الأثر: "قشر الوجه" دواء قديم بالغمرة تعالج به المرأة وجهها أو وجه غيرها وكأنها تقشر أعلى الجلد. و "الغمرة" (بضم فسكون)، قالوا: هو الزعفران، وقالوا: هو الجص. وقالوا: هو تمر ولبن يطلى به وجه المرأة ويداها، حتى ترق بشرتها ويصفو لونها.
стр. 98
والظاهر أنه كان يخلط به شئ يقشر أعلى البشرة، ومن أجل ذلك نهى عنه. وفى الحديث "لعنت القاشرة والمقشورة".
قلت: قد بيَّنا ما في ذلك، ولكن الحكم صحيح إن شاء الله، فإن "العبرة في الحرمة واستحقاق اللعن بتغيير خلق الله لقول ابن مسعود - المتقدم آنفا - عن رسول الله ﵌: "لعن الله الواشمات .... ، المغيراتِ خلق الله".
وقال محمود شاكر أيضًا - بعد شرح معنى كل من: "المتفلجة" و "المتنمصة" و "النامصة" و "المستوشمة" و "الواشمة" و "الوشم" و "الواشرة" - الواردة في أحاديث رواها الطبرى-: "وكل هذا الذى لعن الله فاعله، تفعله نساؤنا المسلمات اليوم، متبرجات به، موغلات فيه، مقلدات لمن كفر بالله ورسوله. فمن أجل عصيانهن واستخفافهن - بل من أجل عصياننا جميعًا أمر الله - أحل الله بنا العقوبة التي أنذرنا بها رسول الله، بأبي هو وأمي، فجعل الله بأسنا بيننا، وسلط علينا شرارنا، وجمع علينا الأمم لتأكلنا.
(فاللهم أهد ضالنا، وخذ بنواصى عصاتنا، واغفر لنا وارحمنا، عليك نتوكل، وبك نستجير، وإليك نلجأ) اهـ.
قلت: وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (النساء - ٤١٤٨) من طريق شيبان عن قتادة في قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
قال: "ما بال أقوام جهلة، يغيرون صبغة الله ولون الله؟ ". وإسناده صحيح. والله أعلم.
استدراك:
كان يلعن القاشرة والمقشورة ... " رواه أيضًا الطبراني في "الدعاء" (٢١٥٨) من هذا الوجه. ورواه (٢١٥٩) بنحوه، بسند فيه ضعيف
стр. 99
ومجهولة. وروى (٢٦١١) عنها بلفظ: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ؤسلم عن قشر الوجه، وعن الوشم ... " الحديث وفيه أيضًا ضعيف آخر ومجهولة، وفى متنه ألفاظ غريبة. فأقل ما تدل عليه هذه الطرق أن له أصلًا عن عائشة، وأرجحها جميعًا الموقوف عليها.
الحديث الثالث والثلاثون:
" ليس الإيمان بالتمنى ولا بالتحلى، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل".
منكر، واهٍ جدًا. رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (٦١) من طريق عبد السلام بن صالح عن يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس مرفوعًا به.
ورواه ابن النجار في "الذيل" (١٠/ ٨٨/ ٢) من طريق عبد السلام به، فزاد في السند: "الحسن" بين قتادة وأنس، وزاد في المتن: "العلم علم باللسان وعلم بالقلب، فأما علم القلب فالعلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على بنى آدم" (٦٢). وروى الزيادة - وحدها - الشجرى في "أماليه" (١/ ٦٠) من طريق صالح بن عبد الكبير المسمعى قال: حدثنا يوسف بن عطية الصفار به. وعلقها ابن عبد البر (١/ ١٩١) فقال: "ورواه يوسف بن عطية عن قتادة عن الحسن عن أنس مرفوعًا".
وهذا إسناد واه جدًا، قال المناوي في "الفيض" (٥/ ٣٥٦): "قال العلائي: حديث منكر، تفرد به عبد السلام بن صالح العابد، قال النسائي: متروك. وقال ابن عدى: مجمع على ضعفه، وقد رُوِى معناه بسند جيد عن الحسن من قوله. وهو الصحيح إلى هنا كلامه، وبه يعرف أن سكوت المصنف عليه لا يرتضى".
стр. 100
قلت: ويوسف بن عطية هو الصفار البصرى، وهو متروك كما في "التقريب" (٧٨٧٣).
وقال العلامة الألباني حفظه الله - بعد بيان شدة ضعف الحديث في "الضعيفة" (١٠٩٨) - "قلت: وقد رواه بعض الضعفاء عن الحسن موقوفًا عليه. أخرجه ابن أبى شيبة في "كتاب الإيمان" (رقم ٩٣ بتحقيقى) من طريق جعفر. بن سليمان: نا زكريا قال: سمعت الحسن يقول: "إن الإيمان ليس بالتحلى ولا بالتمنى، إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل".
وهذا سند ضعيف (٦٣) من أجل زكريا هذا وهو ابن حكيم الحبطى، قال الذهبى في "الميزان": "هالك". وأقره الحافظ في "اللسان". لكن قال المناوى في "الفيض" تحت قول السيوطى: "رواه ابن النجار والديلمي في "مسند الفردوس" عن أنس": "قال العلائي ... " فذكر ما تقدم.
قال "قلت: فلعل العلائي وقف على سند آخر لهذا الأثر عن الحسن؛ ولذلك جَوَّده. والله أعلم. اهـ.
قلت: بل (له طرق) أخرى عن الحسن - في كتب مشهورة ومتداولة -، وقد وقفت منها على أربع بعضها جيد، وخامسة حسنة بالمعنى:
١ - فروى ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٣/ ٥٠٤) من طريق جعفر بن سليمان أيضًا قال: سمعت عبد ربه أبا كعب يقول: سمعت الحسن يقول: "إن الإيمان ليس بالتحلى ولا بالتمنى، إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل". وإسناده جيد، وعبد ربه أبو كعب ثقة باتفاق.
٢ - ورواه ابن المبارك (١٥٦٥) عن سفيان عن رجل عن الحسن بنحوه. وإسناده ضعيف لإبهام راويه عن الحسن.
стр. 101
٣ - ورواه ابن بطة في "الإِبانة" (ص ٦٩٢) من طريق أبي عبيدة الناجى عنه بنحوه. وأبو عبيدة ضعيف جدًا.
٤ - ورواه الخطيب في "اقتضاء العلم العمل" (٥٦) وابن بطة من طريق أبي بشر الحلبي عنه قال: "ليس الإِيمان بالتحلى ولا بالتمنى، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال. من قال حسنًا وعمل غير صالح، رده الله على قوله، ومن قال حسنًا وعمل صالحًا، رفعه العمل، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
وإسناده حسن، وأبو بشر الحلبى اسمه: عمران بن بشر، وهو متوسط الحال، قال أبو حاتم: صالح، وقال البزار: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٢٣٦).
٥ - وروى عبد الله بن أحمد فى "زوائد الزهد" (ص ٢٦٧) من طريق خالد ابن شوذب قال: رأيت فرقدًا السبخى وعليه جبة صوف، فأخذ الحسن بجبته ثم قال: يا ابن فرقد (٦٤) -مرتين أو ثلاثة- إن التقوى ليس في هذا الكساء، إنما التقوى ما وقر في القلب وصدقه العمل والفعل". وإسناده حسن أيضًا.
ثم (وقفت) على معنى أثر الحسن هذا، من قول عبيد بن عمير ﵀، فقد روى الإِمام أحمد في "الإِيمان" (ق ١١٨/ ١) (٦٥) وعنه ابن بطة (ص ٦٩١) عن عبد الله بن يزيد المقرئ، وأبو نعيم (٣/ ٢٧٣، ٢٧٢) عن زيد بن الحباب كلاهما عن ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبائى عنه أنه قال: "ليس الإيمان بالتمنى، ولكن الإِيمان قول يُفعل، وعمل يُعمل".
وإسناده حسن إن كان ابن هبيرة سمع من عبيد، فإنه أدركه أما الشطر الآخر من الحديث فهو واهٍ أيضا لأن مداره على يوسف بن عطية الصفار، وعبد السلام
стр. 102
ابن صالح تابعه: صالح بن عبد الكبير المسمعى - عند الشجرى - وفيه جهالة، فقد ذكره في "التهذيب" (٤/ ٣٩٩) -تمييزًا- وقال: "روى عن حماد بن زيد. وعنه أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن السكن المقرى". ولم يذكر فيه سوى ذلك، وقال فى "التقريب" (٢٨٧٥): "مقبول". والراوى عنه: أحمد بن محمد ابن السكن، الظاهر أنه المترجم فى "تاريخ بغداد" (٥/ ٢٦، ٢٥) و "اللسان" (١/ ٢٦٦, ٢٦٧) وهو متهم بسرقة الحديث ويشكل على ذلك أن الحافظ سمى الراوى عن المسمعى. أحمد بن محمد بن الحسن بن السكن، وهناك آخر بهذا الاسم ترجمه الخطيب أيضًا (٤/ ٤٢٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا والمترجح أنه الأول الذى تكلم فيه أبو الشيخ، فإنه راويه عنه.
والصحيح أن هذا أيضًا من كلام الحسن البصرى كما رواه الدارمى فى "سننه" (١/ ١٠٢) من طريق هشام بن حسان عنه قال: "العلم علمان، فعلم فى القلب فذلك العلم النافع، وعلم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم". وإسناده صحيح.
وورد عن الحسن مرسلًا مرفوعًا، وعنه عن جابر مرفوعا أيضًا، وكلاهما لا يصح، أما الأول فللإِرسال، وأما الآخر فلأن فيه يحيى بن يمان وهو ضعيف، وآخر مجهول الحال، وعنعنة الحسن فإنه مدلس. وانظر "المشكاة" (٢٧٠) بتحقيق العلامة الألبانى حفظه الله.
الحديث الرابع والثلاثون:
" ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها".
لا يعرف بهذا اللفظ. قال الحافظ العراقي (١/ ١٥٩): "لم أجده مرفوعًا وروى محمد بن نصر المروزى في كتاب "الصلاة" من رواية عثمان بن أبي دهرش مرسلًا: "لا يقبل الله من عبد عملًا حتى يشهد قلبه مع بدنه". ورواه أبو منصور الديلمى في "مسند الفردوس" من حديث أبى بن كعب.
стр. 103
ولابن المبارك فى "الزهد" موقوفًا على عمار: لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه. اهـ.
قلت: حديث عثمان بن أبى دهرش رواه ابن نصر فى "تعظيم قدر الصلاة" (١٥٧، ١٥٨) والحكيم الترمذي فى "الصلاة ومقاصدها" (ص ٥٤) - واللفظ له - من طريقين عنه أن رسول الله ﵌ صلى يومًا بأصحابه فترك آية، فخفى على القوم ذلك، فقال: "ما بال أقوام يتلى عليهم كتاب الله فلا يدرون ما ترك مما تلى؟ هكذا خرجت عظمة الله من قلوب بنى إسرائيل فشهدت أبدانهم وغابت قلوبهم. لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يشهد قلبه منها ما شهد بدنه".
وهذا معضل، عثمان بن أبى دهرش يروى عن رجل من آل الحكم بن أبى العاص كما في "الجرح" (٦/ ١٤٩) و "التاريخ الكبير" (١/ ٢٢٠). وهو مع ذلك مستور، فقد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان - وحده فيما أعلم - وهو فى أتباع التابعين من "الثقات" (٧/ ١٩٦). وله لفظة مطولة عند ابن نصر فى إسنادها يحيى بن سليم الطائفى أيضًا، وفيه مقال مشهور.
أما حديث أبى بن كعب الذى عزاه العراقي للديلمى، فلم أجده في مظانِّه من "فردوس الأخبار" فى المبدوء بـ: "ما بال أقوام" و "ليس" و "لا يقبل الله" و "لا يكتب" و "يكتب". فالله أعلم.
على أن تفرد الديلمى به قد كفانا مؤنته، فإن غالب ما ينفرد به لا يخلو من راوٍ ضعيف أو متروك أو وضاع أو مجاهيل كما يشهد بذلك الواقع، ولذلك يجتزئ الحافظ السيوطى ﵀ بعزو الحديث للديلمى عن الرمز لضعفه.
أما أثر عمار بن ياسر ففي "زهد ابن المبارك" (١٣٠٠) عن شريك عن جابر الجعفى عن أبى جعفر عنه. وإسناده واهٍ جدًا. شريك صدوق سيئ الحفظ، وجابر الجعفى واه متهم بالكذب والرجعة. وأبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين، وروايته عن عمار منقطعة.
стр. 104
والصحيح عن عمار ما رواه ابن المبارك عقب هذا (١٣٠١) وأحمد (٤/ ٣١٩) وأبو داود وابن حبان وغيرهم مرفوعًا بلفظ: "إن الرجل ليصلى ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها -حتى انتهى إلى آخر العدد". وله مناسبة في أوله، وسأبين كل ذلك إن شاء الله فى القسم الثانى من "البدائل" (٤٢).
(أما) حديث الترجمة فوقفت عليه ثابتًا من قول سفيان الثورى ﵀ وهو أمير المؤمنين في الحديث- كما رواه أبو نعيم (٧/ ٦١) من طريق أحمد بن محمد البغدادى قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: قال قاسم الجرمى: سمعت سفيان الثورى يقول: "يكتب للرجل من صلاته ما عقل منها". وإسناده صحيح جليل، وأحمد بن محمد البغدادى أحسبه أبا العباس البراق المترجم في "تاريخ بغداد" (٥/ ٣، ٤) فإن له رواية عن بشر بن الحارث، وقال الدارقطني: ثقة مأمون. وبشر والقاسم الجرمى - وهو ابن يزيد الموصلي- ثقتان فاضلان من أهل الفضل والنُسُك. وهذا القول لا مجال للرأى فيه، فحكمه حكم الحديث المعضل. والله أعلى وأعلم.
الحديث الخامس والثلاثون:
" ليس من يوم إلا وهو ينادى: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، أنا فيما تعمل فِىَّ عليك شهيد، فاعمل فِىَّ خيرًا أشهد لك به، فإنى لو مضيت لم ترنى؛ ويقول الليل مثل ذلك".
واه جدًا. رواه أبو نعيم (٢/ ٣٠٣، ٣٠٤) -واللفظ له- وحمزة بن يوسف السهمى فى "آداب الدين مما لا يستغنى المسلم عنه في يومه وليلته" كما ذكره عنه الرافعى فى "أخبار قزوين" (٢/ ٩٣) -وإليهما عزاه الهندى فى "كنز العمال" (١٥/ ٧٩٦) -من طريق الحكم بن مروان الكوفى ثنا سلام بن سليم المدائنى، عن زيد العمى، عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار مرفوعا به.
стр. 105
وقال أبو نعيم: "غريب من حديث معاوية، تفرد به عنه زيد، ولا أعلمه مرفوعا عن النبى ﵌ إلا بهذا الإِسناد".
قلت: وإسناده واه جدًا، سلام بن سليم هالك، وقال ابن خراش: كذاب. وقال ابن حبان فى "المجروحين" (١/ ٣٣٩): "يروى عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمد لها". وقال الحاكم: "روى أحاديث موضوعة".
وشيخه زيد العمى ضعيف ضعفه الجمهور، وقال بعضهم: صالح وللحديث لفظ آخر، فقد رواه البيهقي فى "الشعب" عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس مرفوعا معضلًا بلفظ: "ما من يوم طلعت شمسه إلا يقول: من استطاع أن يعمل فِىَّ خيرًا فليعمله فإني غير مكر عليكم أبدًا".
كما فى "كنز العمال" (١٥/ ٧٩٦, ٧٩٧) -وجعله مرسلا- والأصوب أنه معضل, لأن عثمان هذا يروى عن التابعين، وهو أيضًا مختلف فيه.
ووصله الديلمى (ق: ٢٠٦) (٦٦) من طريق مطلب بن شعيب عن أبي صالح عن ليث عن عقيل عن الزهرى عنه عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس -إن شاء الله- (كذا فيه) مرفوعًا بلفظ: "ما من يوم طلعت شمسه إلا يقول: من استطاع أن يعمل فِيَّ خيرًا فليعمل، فإنى غير مكرور عليكم أبدًا، وكذلك يقول الليل". وإسناده ضعيف لضعف أبي صالح -واسمه عبد الله بن صالح المصرى- وكانت فيه غفلة، وكان له جار يُدخل عليه. وفيه كلام كثير سوى هذا.
واستثنى الحافظ فى "هدى السارى" (ص ٤١٤) رواية أهل الحذق عنه كالبخارى وابن معين وأبى زرعة وأبى حاتم، فصححها. وليس هذا منها. ولعل الصحيح رواية البيهقي المعضلة، ولا يمكن الجزم بذلك الآن لعدم تيسر الاطلاع على سنده فى "الشُعب".
стр. 106
(والصحيح) فى حديث الترجمة أنه من قول بعض السلف، فقد ورد معناه عن غير واحد من التابعين فمن بعدهم.
١ - فروى ابن أبي شيبة (١٣/ ٥٤٩, ٥٥٠) عن حسين الجعفى عن موسى الجهنى عن بعض أصحابه قال: "ما أتت على عبد ليلة قط إلا قالت: ابن آدم. أحدث فِىَّ خيرًا، فإنى لن أعود إليك أبدًا". ورجاله ثقات رجال الصحيح سوى قائله، فإنه لم يُسَمَّ. ولعلة تابعى فإن موسى يروى عن التابعين.
٢ - وروى أبو نعيم (٢/ ٣١٠) من طريق الإِمام أحمد عن عفان عن همام قال: سمعت أبا عمران الجونى يقول: "ما من ليلة تأتى إلا وتنادى: اعملوا فِىَّ ما استطعتم من خير، فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة". وإسناده صحيح، وأبو عمران الجونى تابعى ثقة، واسمه: عبد الملك بن حبيب.
٣ - وروى أبو نعيم أيضًا (٧/ ٣٣٠) من طريق أحمد بن يحيى الصوفى قال: سمعت أبا غسان يقول: سمعت الحسن بن صالح يقول: الليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود ووعيد، ويقول النهار: ابن آدم، اغتنمنى فإنك لا تدرى لعله لا يوم لك بعدى، ويقول له الليل مثل ذلك". وإسناده صحيح.
والحسن ثقة من أتباع التابعين، ولعله تلقاه من موسى الجهنى -فى الطريق الأولى- فإن له رواية عنه كما فى "التهذيب" (١٠/ ٣٥٤).
وهذه الآثار -مع قصور ألفاظها عن لفظ حديث الترجمة المرفوع -إلا أنها لا مجال للرأى فيها إذ تتضمن إخبارًا عن أمر غيبى لا يتلقى إلا بتوقيف، فحكمها حكم المراسيل المرفوعة، إلا أنه يخشى أن تكون مأخوذة من الإسرائيليات، فالله أعلم.
стр. 107
الحديث السادس والثلاثون:
" ما أحدث عَبْدٌ أخا فى الله، إلا أحدث الله له درجة فى الجنة".
ضعيف جدًا. رُوِى من حديث أنس وله طريقان:
الأول: عند ابن أبي الدنيا فى "كتاب الإِخوان" -كما فى "تخريج الإِحياء" (٢/ ١٥٨) و "الجامع الصغير" (٧٧٨٩) وعنه الديلمى فى "مسند الفردوس" (ق: ٢١٧) إذ قال: "أخبرناه الإِمام والدى، أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الميدانى كتابة، أخبرنا أبو طالب الحربى ببغداد، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف العلاف، حدثنا الحسين بن صفوان البرذعى (٦٧)، حدثنا عبد الله بن محمد القرشى فى "كتاب الإِخوان"، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنى بقية، عن الأحوص" كذا أورده محققا "فردوس الأخبار" (٤/ ٣٥٥) فى حاشيته. وكأنه سقط من إسناده: "عن أنس" فإن للأحوص هذا رواية عنه. وهذا إسناد ضعيفٌ جدًا، له ثلاث علل:
الأولى: ضعف سويد بن سعيد، قال الحافظ (٢٦٩٠): "صدوق فى نفسه إلا أنه عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول".
قلت: وفى أمره تفصيل، فانظره فى "البدائل" (١/ ٢٠، ٢١) إن شئت.
الثانية: عنعنة بقية بن الوليد، وهو صدوق حافظ، لكنه كثير التدليس. الثالثة: وهاء الأحوص وهو ابن حكيم بن عمير العَنْسى، فقد قال ابن معين: "ليس بشئ". وقال الإِمام أحمد -فى رواية الميمونى عنه-: "واه". وقال فى رواية إبراهيم بن هانئ-: "لا يسوى حديثه شيئًا" ووثقه ابن المدينى مرة لكنه قال فى أخرى: "لا يكتب حديثه". وقال النسائى -مرة-: "ليس بثقة". وقال أبو حاتم: "ليس بقوى، منكر الحديث". وقال ابن حبان (١/ ١٧٥):
стр. 108
"يروى المناكير عن المشاهير، وكان ينتقص على بن أبي طالب، تركه يحيى القطان وغيره".
قلت: وبلغ من غفلته أن أبا بكر بن عياش قال: "حدَّث الأحوص بن حكيم بحديث. قال: فقلت: عن النبي ﵇! فقال: أو ليس الحديث كله عن النبى ﵇؟ ". رواها العقيلى فى "الضعفاء الكبير" (١/ ١٢٠) -واللفظ له- وابن عدى (١/ ٤٠٥) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن أبي بكر. وإسنادها صحيح جليل.
وهى تذكرنى يقول أبان بن أبي عياش -وهو أسوأ حالًا من الأحوص هذا-: "وهل يروى أنس إلا عن النبى ﵌؟ " والحديث أورده الغزالى فى "الإِحياء" بلفظ: "من آخى أخًا فى الله رفعه الله درجة فى الجنة لا ينالها بشئ من عمله" فذكره العراقى باللفظ المتقدم وقال: "وإسناده ضعيف" وتوهم المناوى أن ابن أبي الدنيا رواه باللفظين -من طريقين مختلفين- فقال (٥/ ٤١٢): "ويعضده خبر ابن أبي الدينا أيضًا ... " فذكر لفظ: "الإِحياء" فلو كان اللفظان عنده لتبين ذلك فى تخريج العراقى إن شاء الله، فإنه لم يعزه إليه إلا بلفظ الترجمة. وقال العلامة الألبانى حفظه الله فى "ضعيف الجامع" (٥/ ٧٨): "ضعيف جدًا".
الثانية: عند أبي الشيخ -كما فى "كنز العمال" (٩/ ١٨) -من طريق محمد ابن حميد الرازى عن الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس الملائى عن أبي سلمة اللوذانى عن أنس ولفظه: "أن النبى ﵌ قال: "من أحدث أخًا فى الله رفعه الله بها درجة فى الجنة، وما تواد رجلان فى الله إلا كان أفضلهما منزلة عند الله أشدهما حبًا لأخيه حتى يحدث أحدهما، وأشرهما الذى يحدث". كما فى "الجرح والتعديل" (٩/ ٣٨٤) - فى ترجمة أبي سلمة هذا.
وهذا إسناد ضعيف جدًا أيضًا فيه ثلاث علل:
الأولى: شدة ضعف محمد بن حميد الرازى فإنه متهم -مع اتصافه بالحفظ.
стр. 109
الثانية: جهالة أبي سلمة اللوذانى هذا، إذ لم أجد له ترجمة إلا في "الجرح" و "الاستغناء" للحافظ ابن عبد البر ﵀ (٢٣٨٦). وقال ابن أبي حاتم: "روى عنه عمرو بن قيس الملائى" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
الثالثة: الانقطاع -على تردد في ذلك- فقد ختم ابن أبي حاتم الترجمة بقوله: "قال أبو عبد الله: لم يسمع أبو سلمة من أنس". وأبو عبد الله هو محمد بن حميد كما قال ابن عبد البر والمعلمى في "حاشية الجرح". ولا أدرى ما حجته في ذلك، فإن عمرو بن قيس من السادسة، مات سنة بضع وأربعين كما في "التقريب" (٥١٠٠)، فإدراك شيخه لأنس محتمل جدًا. على أن ابن حميد متهم كما قدمنا.
أما سائر الحديث (٦٨) فمروى من طريق ثابت عن أنس - وفيه اختلاف على ثابت لا مجال لذكره الآن - ومن طريق أبي الدرداء مرفوعًا عند الطبراني في "الأوسط".
ورواه محمد بن البراء العبدى في "كتاب الروضة" كما في "كتاب المتحابين في الله" (٢٣) لابن قدامة المقدسى ﵀، ورجاله ثقات. ولعلى أتعرض له في موضع آخر إن شاء الله.
وختاما (فالصواب) أن حديث الترجمة من قول الحسن البصرى ﵀ (٦٩) كما رواه وكيع في "الزهد" (٣٣٠) عن المسعودى عن زياد الأصفر قال: أراه عن الحسن قال: "من أفاد أخًا في الله، رفعه الله بها درجة". وإسناده حسن كما قال محقق "الزهد".
وسماع وكيع من السعودى نص الإِمام أحمد على أنه كان قبل اختلاطه كما في "التهذيب" (٦/ ٢١٠) وغيره. والله أعلم.
стр. 110
وهذا الأثر لا مجال للرأى فيه، فحكمه الرفع مع الإِرسال على أن هذا الثواب لا ينكر فقد ثبت عن النبي ﵌ أن المتحابين في الله على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء، وأن محبة الله وجبت لهم، في أحاديث كثيرة قد كفت وشفت. فالله المستعان.
استدراك:
وروى أبو نعيم (٥/ ٧) عن محمد بن سوقة قال: "ما استفاد رجل أخًا في الله إلا رفعه الله بذلك درجة" وإسناده إليه صحيح، لكن حكمه حكم المرفوع المعضل، فإن ابن سوقة ﵀ من أتباع التابعين.
الحديث السابع والثلاثون:
" ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم ولا صلاة، ولكن بشئ وقر في قلبه".
لا يعرف مرفوعًا. رفعه الغزالى (١/ ٢٣) إلى النبى ﵌ فقال العراقي: "أخرجه الترمذى الحكيم في "النوادر" من قول بكر بن عبد الله المزني، ولم أجده مرفوعًا" وحكاه عنه السخاوى (ص ٣٦٩) بنحوه.
قلت: و "نوادر الأصول" المتداول حاليًا قد طبعه بعضهم -محذوف الأسانيد- لا بارك الله فاعله- وذلك مما يزهد طالب العلم الصحيح في اقتنائه، لكن الله رزقنى إسناده من كتاب آخر للحكيم الترمذى، ألا وهو كتاب "الصلاة ومقاصدها" (إذ رواه) فيه (ص ٨٠، ٨١) عن المؤمل بن هشام البصرى وقتيبة بن سعيد عن إسماعيل بن علية عن غالب القطان عنه قال: "لم يفضل أبو بكر رضى الله عنه الناس بكثرة صوم ولا صلاة، وإنما فضلهم بشئ كان في قلبه". وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
فنصيحتى لطلبة علم الحديث والباحثين فيه ألا يزهدوا في مصنفات الحكيم