جدًا كما تقدم، في الحديث الحادي والثلاثين.
الثالث: رواه ابن أبي شيبة (١١/ ٥٤٨, ١٣/ ١٩٣) وعنه ابن أبي عاصم (٦٠) عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن محمد بن يعقوب قال: قال عيسى بن مريم ... فذكره مطولًا. ومحمد بن يعقوب لعله الزمعى أخو موسى بن يعقوب، وهو مجهول كما قال أبو حاتم الرازى كما في "الجرح" (٨/ ١٢١) ووثقه ابن حبان (٧/ ٤٢٩).
الرابع: رواه هناد في "الزهد" (١١٢٢) عن قبيصة عن الثورى مطولًا. وإسناده إليه صحيح.
الخامس: رواه خيثمة الأطرابلسى: حدثنا أبو على الحسن بن مكرم، حدثنا شاذان، حدثنا الثورى. حدثنا عمرو بن قيس قال: قال عيسى بن مريم ﵌ ... فذكره مطولًا. كما في:
وإسناده صحيح، فكأَنَّ الثورى أسنده مرة إلى من سمعه منه، وأرسله أخرى. والله أعلم.
الحديث التاسع والأربعون:
" لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار".
منكر. رُوِى من حديث ابن عباس وأنس وأبى هريرة وعائشة.
١ - حديث ابن عباس:
رواه القضاعى (٨٥٣) وكذلك أبو الشيخ والديلمى والعسكرى في "الأمثال" - كما في "المقاصد" (ص ٤٦٧) من طريق سعيد بن سليمان سعدويه عن أبي شيبة الخراسانى عن ابن أبي مليكة عنه مرفوعًا به. وأبو شيبة هذا، قال الذهبي في "الميزان" (٤/ ٥٣٧): أتى بخبر منكر رواه عنه سعدويه ... " فذكره.
стр. 142
وقال السخاوى: "وسنده ضعيف لا سيما وهو عند ابن المنذر في "تفسيره" عن ابن عباس من قوله ... " الخ. وسيأتى تمام كلامه في محله.
٢ - حديث أنس:
رواه البغوى ومن جهته الديلمى عن خلف بن هشام عن سفيان بن عيينة عن الزهرى عنه، قال السخاوى: "وينظر سنده" قال محشيه: "نظرت سنده فوجدت فيه راويًا مجهولًا".
قلت: ولم أجده عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فالله أعلم. وهو منكر جدًا بهذا الإِسناد فإن سائرهم ثقات أئمة.
٣ - حديث أبي هريرة:
له طريقان إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن:
الأولى: عند الطبراني في "مسند الشاميين" من رواية مكحول عن أبي سلمة عنه: قال السخاوى: "وزاد في آخره: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا" وفي إسناده مبشر بن عبيد الدارسى، وهو متروك".
قلت: واتهم بالوضع، فالسند واه جدًا. أما شطره الثانى فثابت من وجه آخر.
الثانية: عند الثعلبى وابن شاهين في "الترغيب" من رواية بشر بن إبراهيم عن خليفة بن سليمان عن أبي سلمة عنه. وسكت عنها السخاوى مع أن إسنادها مثل ما قبلها أو أسوأ حالًا منه، فإن بشر بن إبراهيم هذا هو الأنصارى البصرى المفلوج أبو عمرو، وهو وضَّاع مشهور له ترجمة حافلة في "اللسان" (٢/ ١٨: ٢٠). وشيخه لم أقف له على ترجمة فلعله مُتَحَرِّف أو مختلق! .
٤ - حديث عائشة:
رواه إسحاق بن بشر أبو حذيفة في "المبتدأ" عن الثورى عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. قال السخاوى: "وإسحاق حديثه منكر".
قلت: ليس هو كذلك فحسبُ، بل هو كذاب متهم بالوضع، وروايته لهذا
стр. 143
المتن بهذا الإِسناد الذى كالشمس، من الدلائل البينة على اتهامه وقد تعرضنا لبيان حاله في الحديث السابع عشر.
وبعد هذا البيان الموجز لسقوط هذه الطرق، فإن (الصحيح) أن حديث الترجمة هو قول عبد الله بن عباس رضى الله عنهما كما رواه الطبرى في "تفسيره" (٩٢٠٧) وابن أبي حاتم (النساء - ٢٩٤٨) من طريق قيس بن سعد عن سعيد ابن جبير أن رجلًا قال لابن عباس: كم الكبائر؟ أسبع هى؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار" وإسناده صحيح.
وكذلك هو في "تفسير ابن المنذر" -كما تقدم عن السخاوى- وقال: "وكذا رواه البيهقي في "الشعب" من حديث سعيد بن صدقة عن قيس بن سعد عن ابن عباس موقوفًا". كذا في "المقاصد" فلا أدرى أسقط "سعيد بن جبير" بين قيس بن سعد وابن عباس -من قبل الطابع أو الناسخ- أم هكذا جاءت هذه الرواية عند البيهقي؟ فإن هذا الإِسناد منقطع، وأيًا كان الأمر، فإنه لا يُعل الرواية الصحيحة الموصولة، فإنى لم أجد راويًا يسمى: "سعيد بن صدقة" فيما بين يدَىَّ من كتب الرجال يصلح لأن يكون هذا.
نعم، هناك: "سعيد بن صدقة الكوفى أبو مهلهل" وهو يروى عن سفيان الثورى كما في "الثقات" (٨/ ٢٦٢) فهو متأخر عن هذا وهناك أيضًا: "سعيد ابن أبي صدقة البصرى". وهو ثقة من السادسة -وهى طبقة قيس بن سعد- لكن لم أقف على أحد نصَّ على روايته عن قيس. والله أعلم.
تنبيه هام: وبعد تبين صحة (٩٥) هذا الأثر عن ابن عباس تعلم ما في قول العلامة
стр. 144
الشوكاني ﵀ في "إرشاد الفحول" (ص ٤٧) -كما ذكره عنه محقق "مسند الشهاب" وسكت عنه-: "وقد قيل: إن الإِصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة، وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به، وإنما هى مقالة لبعض الصوفية (! )، فإنه قال: لا صغيرة مع إصرار، وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ جعله حديثًا, ولا يصح ذلك، بل الحق أن الإِصرار حكمه حكم ما أصر عليه، فالإِصرار على الصغيرة صغيرة، والإِصرار على الكبيرة كبيرة" اهـ.
والعجب منه كيف خفى عليه هذا الأثر - مع ثبوته في أشهر مصدرين للتفسير بالأسانيد- مع سعة اطلاعه وتصنيفه في التفسير وسائر العلوم -ولا يرد على ذلك احتمال أن يكون قد وقف عليه ولم يعبأ به، إذ لو كان الأمر كذلك لعزاه إلى ترجمان القرآن الذى دعا له النبي ﵌ أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل- ثم ناقش حجيته من عدمها, ولما عزاه إلى صوفى مجهول لا يلتفت إلى كلامه في التشريع والغيبيات المستندة إلى النص والتوقيف أو الفهم الصحيح لكتاب الله . فليعلم الجميع موقفنا من صحابة رسول الله ﵌ ومقدار جلالتهم (٩٦) في قلوبنا، ففى مثل هذا الموطن نقول ونصرخ: "إن لم نتبع أصحاب رسول الله ﵌ فمن نتبع"؟ ! خلافًا لأخ فاضل قالها احتجاجًا على قوله في "البدائل المستحسنة" (هامش ص ٨٧ من القسم الأول): "ومع ذلك، فالطعن في المتن -أعنى حديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"- لا يزال واردًا، لتجويزه الاقتداء بكبار علماء الصحابة مع ثبوت خفاء بعض السنن عليهم، أو رَدِّها بما رأوه أثبت منها".
стр. 145
فوالله الذى لا إله غيره، إنى لم أُرِد مطلق الاقتداء، ولكنى أردت أن يتخير كل مسلم أحد الصحابة رضوان الله عليهم فيتابعه في كل ما يقول ويفعل، معرضًا عمن سواه، بل قد يخالف النبي ﵌ لا محالة في مواطن لم يوفق فيها هذا الصحابى للدليل الصحيح الراجح، والمراد أن إنزال أى مخلوق - أيًا كان- منزلة رسول الله ﵌ المعصوم الذى أُمِرْنَا بطاعته والتحاكم إليه في كل صغيرة وكبيرة، هو الذى تنكره قلوبنا وقلوب جميع المسلمين الصادقين ولا تقره.
فاللهم اعف عنا وعن إخواننا في الله، وأصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. آمين.
الحديث الخمسون:
" يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع أو الجذل في عينه".
ضعيف، معلّ بالوقف. رواه ابن صاعد في "زوائد زهد ابن المبارك" (٢١٢) وابن حبان (١٨٤٨) وأبو نعيم (٤/ ٩٩) والقضاعي (٦١٠) وأبو الشيخ في "الأمثال" (٢١٧) و "التوبيخ" (٩٦) من طرق عن محمد بن حمير عن جعفر ابن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة مرفوعًا به.
وقال أبو نعيم: "غريب من حديث يزيد، تفرد به محمد بن حمير عن جعفر".
قلت: وقد خولف في رفعه كما يأتي. وقد اغتر العلامة الألباني أبو عبد الرحمن حفظه الله بظاهر هذا الإِسناد، فأورده في "صحيحته" (٣٣) وقال: "قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، ولا علة فيه، فهو حديث صحيح، ولا ينافيه قوله "غريب" لأن الغرابة قد تجامع الصحة كما هو مقرر في "مصطلح الحديث".
والحديث عزاه السيوطى في "الجامع الصغير" لأبى نعيم فقط! وقال المناوي:
стр. 146
"قال العامرى: حسن". ورواه البخارى في "الأدب المفرد" (٥٩٢) من طريق مسكين بن بكير الحذَّاء الحراني عن جعفر بن برقان به موقوفًا على أبي هريرة. ومسكين هذا صدوق يخطئ، فرواية ابن حمير المرفوعة أرجح, لأنه لم يوصف بالخطأ، وكلاهما من رجال البخاري" اهـ.
قلت: وفي كلام الشيخ أمور تحتاج إلى وقفات:
الأول: قوله: "ورجاله كلهم ثقات"، فإن فيه توسعًا, لأن محمد بن حمير السليحي الحمصي مختلف فيه، ولذلك أورده الذهبي في "الميزان" (٣/ ٥٣٢) وقال: "وثقه ابن معين، ودحيم. وقال النسائي: ليس به بأس وقال أبو حاتم: لا يحتج به. بقية أحب إليَّ منه. وقال الفسوى: ليس بالقوى.
قلت: له غرائب وأفراد. ومات سنة مائتين .. ".
قلت: لفظ أبي حاتم -كما في "الجرح" (٢٤٠/ ٧) -: "يكتب حديثه ولا يحتج به، ومحمد بن حرب وبقية أحبُّ إلَىَّ منه". فحَسْبُهُ أن يكون صدوقًا كما قال الحافظ في "التقريب" (٥٨٣٧).
الثانى: قوله: " ... رجال الصحيح"، فإن محمد بن حمير ليس له في "البخارى" سوى حديثين أحدهما له متابع، والآخر له شاهد كما قال الحافظ ﵀ في "هدى السارى" (ص ٤٣٨) -ومع ذلك- فكلاهما عن غير جعفر بن برقان. ولذلك قال العلامة المعلمي ﵀ في تعليقه على حديث: "من قرأ آية الكرسى في دبر كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت" -من "الفوائد المجموعة" (ص ٢٩٩) للعلامة الشوكانى ﵀: "مدار الحديث على محمد بن حمير، رواه عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة، وابن حمير موثق، غمزه أبو حاتم, ويعقوب بن سفيان, وأخرج له البخارى في "الصحيح" حديثين قد ثبتا من طريق غيره، وهما من روايته عن غير الألهاني، فزعم أن هذا الحديث على شرط البخارى غفلة" (٩٧) اهـ.
стр. 147
الثالث: قوله: "ومسكين هذا صدوق يخطئ"، إنما تبع فيه الحافظ في "التقريب" (٦٦١٥)، وقد جاء في كلام بعض الأئمة ما يقتضى تخصيص هذا الخطأ بشعبة وحده، فقد قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ" فهذا مطلق يقيده قول الأثرم: "قدمه أبو عبد الله على مخلد بن يزيد وقال: حدَّث عن شعبة بأحاديث لم يروها أحد".
وروى العقيلى في "الضعفاء الكبير" (٤/ ٢٢١) عن أحمد بن محمد -وهو الأثرم- قال: سمعت أبا عبد الله، وذكر أبا جعفر النفيلى، فأثنى عليه خيرًا، وقال: كان يجئ معى إلى مسكين بن بكير، وكأنه حسن أمره، قال: قلت: لأبى عبد الله: نظرت في حديث مسكين عن شعبة فإذا فيها خطأ، فقال: من أين كان يضبط هو عن شعبة؟ ثم ذكر له (٤/ ٢٢٢) حديثا من روايته عن شعبة، وقال: "ليس بمحفوظ من حديث شعبة .... ".
ومسكين أورده الذهبى في "الميزان" (٤/ ١٠١) ورجح توثيقه وقال: "قال أبو حاتم: لا بأس به، صاع الحديث وقيل: له عن شعبة ما ينكر ... ".
قلت: وعلى التسليم بأنه "صدوق يخطئ" بإطلاق فإنه لم يخطئ في هذا الحديث بخصوصه، بل أخطأ مخالفه، فقد تابعه على الوقف ثقة آخر من أعلم الناس بجعفر بن برقان وأرواهم لحديثه. ألا وهو: "كثير بن هشام الكلابى الرقى". فقد قال العجلي في "الثقات" (١٥٤٦): "ثقة رجل صدوق، يتوكل للتجار يحترف. من أروى الناس لجعفر بن برقان، روى عنه ألف ومائة حديث، ويروى أيضًا عن شعبة". (في الأصل: .. لجعفر بن برقان، ألفا ومائة" الخ، والتصويب من "تاريخ بغداد" (١٢/ ٤٨٣).
стр. 148
وقال أبو داود: "ثقة، لما مات كثير بن هشام، قيل: اليوم مات جعفر بن برقان" كما في "تاريخ بغداد" (١٢/ ٤٨٣). وقال الإِمام الذهبي في (العبر) [١/ ٢٧٧] .. "راوية جعفر بن برقان". ومن طريقه (موقوفًا) على أبي هريرة رواه الإِمام أحمد في "الزهد" (ص ١٧٨) وإبن أبي الدنيا في "الصمت" (١٩٤).
فالمراد أن اجتماع هذين الرجلين -مسكين وكثير- على إيقافه عن جعفر بن برقان لا يدع مجالًا للشك في أن محمد بن حمير قد وهم في رفعه. ولذلك لم نجد أحدًا خرجه ممن اشترط الصحة سوى ابن حبان. و "صحيحه" ملئ بعشرات الأحاديث التى أداه اجتهاده إلى تصحيحها وهى تستحق الوصف بالشذوذ أو الإعلال القادح.
بل الحديث أعرض عنه الإِمام أحمد في "مسنده" وأهل السنن وأصحاب المسانيد المشهورة، بل والطبراني في "معجمه الكبير" مع أنه اعتنى باستقصاء أحاديث أبي أمامة -خاصة- اعتناءً لا أعلم له مثيلًا. وقضية خلو الكتب المشهورة من حديث ما، لا نتعرض لها إلا بعد إثبات ضعف هذا الحديث أو إعلاله بما يقدح فتحكيم الحديث وعرضه على القواعد الاصطلاحية هو الأصل والأساس. أما رده ابتداءً لخلوه من كتب معينة، أو مخالفته لعقل قاصر، أو هوى متبع، فلا نعلم أحدًا يفعل ذلك إلا الحمقى والذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم.
الرابع: قوله: "لأنه لم يوصف بالخطأ"، فإن مقتضى كلام أبي حاتم والفسوى في تليينه -وإن لم يكن متضمنًا الوصف الصريح بذلك- إلا أنه يفهم منه أن في ضبطه قصورًا يقتضى عدم السلامة من الوهم والخطأ، بل لا أبعد إذا استظهرت أنهما قد اطلعا حقًا على أخطاء له غمزاه من أجلها.
الخامس: قوله: "وكلاهما من رجال البخارى". أما بشأن محمد بن حمير، فتقدم ما فيه. وأما مسكين بن بكير، فقد قال الحافظ في "هدى السارى" (ص ٤٤٣): "ليس له في البخارى سوى حديث واحد عن شعبة عن خالد الحذاء
стр. 149
عن مروان الأصفر عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ وتابعه عليه عنده روح بن عبادة عن شعبة ... ".
وبعد تقرير ما تقدم، من رجحان وقف حديث الترجمة على أبي هريرة رضى الله عنه، فنُبَيِّن أيضًا أن معناه (قد ثبت) عن كُلّ من: عمرو بن العاص رضى الله عنه، والحسن البصرى ﵀.
١ - فقد روى ابن حبان في "روضة العقلاء" (ص ١٨٨) والشجرى (٢/ ١٨١) وابن عساكر (١٣/ ٥٣١) من طرق عن على بن رباح قال: قال عمرو ابن العاص: انتهى عجبى إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه. ويبصر في عين أخيه القذى فيعيبه، ويكون في عينه الجذع فلا يعيبه. ويكون في دابته الصغر فيقومها بجهده، ويكون فيه الصغر فلا يقوم نفسه". واللفظ لرواية ابن عساكر من طريق ابن المبارك عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن على به. وإسناده حسن. وقد أعرضنا عن رواية الليث بن سعد عن موسى بن على بن رباح عن أبيه به - مع مشابهتها النسبية لحديث الترجمة- لأن في الطريق إليه: العلاء بن هلال، وهو ضعيف اتهمه أبو حاتم برواية أحاديث موضوعة عن يزيد بن زريع. وفيها عنعنة الوليد بن مسلم عن الليث.
٢ - وروى ابن المبارك (٢١١) وأحمد (ص ٢٨٥) وابن أبي شيبة (١٣/ ٥٢٣, ١٤/ ٣٨) وابن أبي الدنيا (٢٠٢) من طريق أبي الأشهب جعفر بن حيان عن الحسن قال: "يا ابن آدم، تبصر القذى في عين أخيك، وتدع الجذل معترضًا في عينك" وإسناده صحيح. بل إنه قبل أن يقوله هؤلاء الأئمة - فقد كان من الأمثال السائرة عند العرب، فقد قال الحافظ المناوى ﵀ في "فيض القدير" (٦/ ٤٥٧): "هذا الحديث مثل من أمثال العرب السائرة المتداولة.
وروى عنهم بألفاظ مختلفة، فمنها: أن رجلًا كان صلب أبوه في حرب ثم تناول آخر وعابه، فقال له الآخر: يرى أحدكم القذاة في عينه، ولا يرى الجذع معترضًا في است أبيه، وفي لفظ: تبصر القذاة في عين أخيك، وتدع الجذع المعترض في
стр. 150
حلقك. وفي لفظ: في استك. وفي لفظ: في عينك. فكل هذا أمثال متداولة بينهم".
وقال أيضًا (٦/ ٤٥٦): "القذى: جمع قذاة، وهى ما يقع في العين والماء والشراب من نحو تراب وتبن ووسخ".
وقال (٦/ ٤٥١): "قالوا: والجذل - بالكسر والفتح - أصل الشجر يقطع، وقد يجعل الله العود جذلًا".
تم بحمد الله القسم الأول من "تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة" فالحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.
стр. 151
تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة
تأليف
محمد عمرو عبد اللطيف
[القسم الثاني: من ٥١ إلى ١٠٠]
مكتبة التوعية الإسلامية
стр. 152
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠].
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإنه مما يسرنى ويسعدنى أن أتقدم إلى إخوانى الكرام من محبى هذا العلم الشريف؛ بالقسم الثانى من "تبيض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة" هذه السلسلة التى أرجو الله أن يجعلها مباركة لى وللإِخوان والأحبة، ولكل من له شغف برجال الحديث وما قيل في كلٍ منهم من مدح أو قدح، وبتتبع الطرق المتعددة للحديث أو الأثر الواحد، ومعرفة مرتبة كلٍ من الصحة أو الضعف، واختلافات الرواة بالزيادة والنقص، والرفع والوقف، والوصل والإِرسال مع حرصى على اتباع ما هدانى الله إليه من قواعد وأصول هذا العلم الشريف الذى نال اهتماما من العلماء لا يعرف لغيره من العلوم الشرعية
стр. 153
وغيرها، فما تركوا لنًا من فنونه إلا وخرجوا على المسلمين بتصنيف فيه، شكرًا لنعمة الله تعالى عليهم، وأداءً لما أوجبه الله عليهم من أمانة التبيين، وما حذرهم وأغلظ عليهم من عاقبة الكتمان للعلم، ومنعه مستحقيه وأهله. وإنى- إن شاء الله- لحريص على إيراد ما يمكننى من فوائد وتعليقات وتنبيهات على ما أتناوله من أحاديث، وما أحكيه من أهل العلم بشأنها، لا أخشى ملامة ولا آبه بنقد إلا ما استند إلى أساس علمى سليم. وجزاهم الله عنا وعن سنة النبي ﵌ وشريعته خير الجزاء، وثقَّل بها موازينهم، وبيَّض بها وجوههم ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ - كيف لا، و "هم القوم لا يشقى جليسهم"، وهم الرجال، وسائر من أتى بعدهم عليهم عيال! وإنما نحن متشبهون، ومحبون، ومؤتسون.
وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالرجال فلاح
أما إدراك شأوهم، وبلوغ فضلهم، ونيل منازلهم فهيهات هيهات. فالمغرور من ظن أنه صار- بين عشية وضحاها- كأحدهم، فقال: "هم رجال ونحن رجال"! ، فضلًا عن أن يظن أنه خير من أدناهم! وما أوتى هذا إلا من ترك التأدب بآداب المتعلمين، وغفل عن أن: "التخلية قبل التحلية" كما يقول أهل الزهد والتصوف، وهذه كلمة حق، فإد التخلى عن الرذائل والآفات الظاهرة والباطنة واجب شرعى لابد أن يسبق تحلية الظواهر، والاهتمام بالصور.
ولابد لمن بَغَى الخلاص والسلامة أن يبدأ بنفسه فيزكيها ويطهرها من الأدناس ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾، ويحرص على الإِزراء عليها وتكميل نقصها ومعالجة نقائصها، لا ينى في ذلك طرفة عين.
فمن لم يبدأ بنفسه فيحملها على التواضع وخفض الجناح، وينظر إليها بعين
стр. 154
النقص والإتهام بالتقصير ولا يعطيها ما تشتهيه من حب الثناء والعلو والفساد في الأرض، فبالله لا يتعَنَّ. وللسلف في إزرائهم على أنفسهم عبارات كثيرة أوردت جملة صالحة منها في كتابى "إيقاف الأبرار على ضعيف وواهى الآثار" يَسَّر الله خروجه، عند الأثر الأول منه. هذا، وقد شرعت في هذا القسم في شهر رمضان المبارك اقتداء بما صنعتُ في العام الماضى، لكن يشاء العليم الحكيم تعالى أن يتأخر هذا الأمر على مدى أشهر، فـ: "قدَّر الله وما شاء فعل".
على أننى أرجو أن أكون قد وُفِّقتُ - في هذا القسم - في اختيار الخمسين حديثا التى تخُصُّه، وأن ينفع الله بها إخوانًا وأخواتٍ من المسلمين المؤمنين الصادقين.
وأخواتى، فلم أنْسَهُنَّ، ولم أهدر اهتماماتهن، بدليل الحديث الثالث والثمانين "ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها" - وهذا يتشدق به الغافلون أحيانًا إنكارًا لستر الوجه-، والحديث الخامس والتسعين في بيان أصناف النساء، وتفصيل الفاروق رضى الله عنه فيها وفي الرجال أيضًا. وطمعت أن أورد حديث: "ليس على النساء أذان ولا إقامة"، ولكن لم يختره الله لى الآن ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وفي النهاية أعتذر إلى قراء هذه المقدمة إن أَلْفَوها غير متناسقة، فإن المشاغل كثيرة، والحرص على دفع الكتاب للطبع شديد، وفي التمكن من صدوره في معرض الكتاب خير كثير إن شاء الله رب العالمين. جزى الله أخى الناشر خيرًا، إذ أقبل عَلَىَّ وقد أعرض عنى الناس، وتبنَّى كتاباتى- متوكلا على الله- وقد خشى عدم رواجها الناس، ويأبى الله إلا أن يقيض لها محبين، ومنها مستفيدين. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١].
وكتبه: أبو عبد الرحمن محمد عمرو بن عبد اللطيف
تم الفراغ من هذه المقدمة بالقاهرة ليلة الأربعاء الموافق السادس عشر من ربيع الثانى ١٤١٠ هـ. والخامس عشر من نوفمبر ١٩٨٩ م.
стр. 155
الحديث الحادى والخمسون:
" أتدرى لم مشيت بك هذه المشية؟ قلت (القائل زيد بن ثابت): الله ورسوله أعلم. قال: ليكثر عدد خطاك في طلب الصلاة".
منكر. رُوِى من حديث أنس عن زيد بن ثابت- رضى الله عنهما- من وجهين:
الأول: من رواية ثابت البناني عن أنس به، وله طريقان عنه:
١ - فرواه ابن أبي شيبة في "مسنده" وعنه أبو يعلى- كما في "المطالب العالية" (١/ ١٣٢) وعنه ابن عدى في "الكامل" (٤/ ١٤١٦)، والطبراني (٥/ ١١٧ - ١١٨) - عن ابن أبي شيبة وأخيه عثمان- وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (٥٢) من طريق محمد بن إسحاق الصاغانى، ثلاثتهم عن عبيد الله بن موسى، ورواه العقيلى (٢/ ٢١٩) - واللفظ له- والطبرانى (٥/ ١١٧) من طريق مسلم بن إبراهيم، ورواه الطبراني (٥/ ١١٨) من طريق حرمى بن عمارة ثلاثتهم عن الضحاك بن نبراس، قال: حدثنا ثابت البنانى قال: كنت مع أنس بن مالك في غرفته بالزاوية إذ سمع الأذان فنزل، فنزلت معه، فلما استوى على الأرض مشى، ثم قارب في خطوه، حتى دخلت معه المسجد، فقال لى: أتدرى لم مشيت بك هذه المشية؟ قلت: لا أدرى، قال: إن زيد بن ثابت مشى بي هذه المشية حتى دخلنا المسجد، وقال: إن النبي ﵌ مشى بي هذه المشية، ثم قال لى، فذكره.
وفي رواية حرمى بن عمارة: "فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال: لا يزال العبد في صلاة ما دام في طلب الصلاة". وفي رواية مسلم عند الطبراني أن القصة كانت بين ثابت وأنس- حَسْبُ- وأسقطت ذكر زيد بن ثابت رضى الله عنه. وجميع الرواة عن الضحاك بن نبراس المذكور ثقات من رجال الصحيح، فكأن هذا الاختلاف والتخبط من جهته، فإنه متروك الحديث كما
стр. 156
قال النسائى. وأورده الدارقطني في "الضعفاء" (٣٠٠) ساكتًا عنه، فهو متروك عنده وكذا عند البرقاني وابن حمكان كما هو منصوص عليه قبل أول الكتاب (ص ٩٥) ووهاه أيضًا ابن معين فقال: ليس بشئ وتكلم فيه آخرون. وقال بعضهم- كأنه لم يخبره-: ليس به بأس.
وهذا الحديث معدود في مناكيره حيث أورده له العقيلي وابن عدى - كما تقدم- وكذا الذهبي في "الميزان" (٢/ ٣٢٦). وقال الحافظ ابن حجر في "المطالب": "قلت: الضحاك ضعيف الحفظ، والمحفوظ في هذا موقوف على زيد بن ثابت". وقال الهيثمى في "المجمع" (٢/ ٣٢) - بعد عزوه للطبرانى وحده-: "وفيه الضحاك بن نبراس وهو ضعيف، ورواه موقوفًا على زيد ابن ثابت، ورجاله رجال الصحيح". كذا قال، وسيأتى ما في هذا الإِطلاق من النظر. ثم أورده- بلفظ رواية مسلم بن إبراهيم، وقال: "رواه الطبراني في "الكبير" وأسقط زيد بن ثابت، وقد رواه أنس عن زيد بن ثابت- والله أعلم-، وفيه الضحاك بن نبراس وهو ضعيف" اهـ.
٢ - ورواه الطبراني من طريق أبي داود الطيالسي عن محمد بن ثابت البنانى عن أبيه عن أنس به نحوه. وإسناده ضعيف أيضًا، فيه محمد بن ثابت البنانى، لينه أبو زرعة والفسوى، وضعَّفه أبو داود والنسائي والدارقطني، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث ووهاه ابن معين. وقال البخارى: فيه نظر. وفي الطريق إليه: محمد بن صالح بن الوليد النرسى- شيخ الطبراني-، ولم أقف له على ترجمة، فأخشى أن يكون الخلل في روايته بهذا الإِسناد من جهته، فإن الحديث معروف- مرفوعًا- بالضحاك لا نبراس كما رأيتَ.
(وقد) رأيتُ البارحة عجبًا! وهو قول محقق "فضائل الأعمال"- للحافظ ابن شاهين ﵀ في تحقيقه الذى نال به شهادة العالمية - بعد إيراد طرقه المرفوعة عن ابن نبراس عند الطبراني، وطريقه الموقوفة عنده: "والطريق الخامسة مرفوعة وفيها محمد بن ثابت البناني وهو ضعيف ولكنها
стр. 157
متابعة جيدة يرتقى بها الحديث مع الطريق الموقوفة إلى درجة الحسن. والله أعلم" حتى قال: "وأورده المنذرى في "الترغيب" (١/ ٢٠٩)، وقال: "رواه الطبراني في "الكبير" مرفوعًا وموقوفًا على زيد، وهو الصحيح". وأقول: زيادة الثقة مقبولة. وهذا الموقوف له حكم الرفع لأنه مما لا يقال بالرأى، فهو من أخبار الغيب. والله أعلم". كذا قال - عفا الله عنا وعنه- بنحو لم أر له فيه سلفًا في تقوية هذا الحديث، ويؤخذ على كلامه أمور نوجزها باختصار:
الأول: أنه لم يحقق حال الضحاك بن نبراس، فاكتفى بقول الحافظ ﵀ في "التقريب" (٢٩٨٠): "لين الحديث".
الثانى: أنه قوى الطريقين الواهية والضعيفة- الواهية على رأى-، بالطريق الموقوفة بحيث يصير الحديث حسنًا. وهذا من أعجب التصرفات، فإن راوى الموقوف لو كان ثقة لأعلت روايته الطريقين المرفوعتين. ولو كان واهيًا- كما سنرى- لما صلح للاعتبار أصلًا. والظاهر أنه لم ينظر في إسناد الرواية الموقوفة اكتفاءً بكلام الهيثمى ﵀.
الثالث: قوله: "وزيادة الثقة مقبولة"، والحديث لم يرفعه ثقة أصلًا كما ترى! .
الرابع: أنه اكتفى بعزو الحديث- مرفوعًا وموقوفًا- إلى الطبراني وحده، فأتى بهذه النتيجة غير المرضية، وفاتته ثلاث روايات صحيحة موقوفة عن ثابت، ورابعة عن غيره. وسنبين كل ذلك في محله إن شاء الله (١)
стр. 158
الخامس: قوله: "وهذا الموقوف له حكم الرفع ... " يرد عليه احتمال أن يكون زيد رضى الله عنه قد فهمه من عموم أحاديث أخرى، ولو قال: له شواهد مرفوعة، لكان أوجه.
الثانى: من رواية أبان بن أبي عياش عن أنس كما رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (بغية الباحث: ١٢٤) عن داود بن المحبر ثنا محمد بن سعيد عنه به، ولفظه: "خرجت وأنا أريد المسجد، فإذا أنا بزيد بن ثابت، فوضع يده على منكبى يتوكأ عَلَيَّ. قال: فذهبت أخطو خطو الشباب، فقال لى زيد: يعنى ابن ثابت-: قارب بين خطوك، فإن رسول الله ﷺ قال: "من مشى إلى المسجد، كان له بكل خطوة عشر حسنات" وفي إسناده- بهذا اللفظ- داود بن المحبر، وهو كذاب متهم بالوضع وسرقة الحديث. وشيخه محمد بن سعيد لم أدرِ من يكون، ولا ذكره الحافظ المزى ضمن شيوخه أو الرواة عن أبان، فالظاهر أنه من شيوخه المجاهيل لقول الإِمام ابن حبان ﵀ في "المجروحين" (١/ ٢٩١): "وكان يضع الحديث على الثقات، ويروى عن المجاهيل المقلوبات، كان أحمد بن حنبل ﵀ يقول: هو كذاب". وأبان متروك الحديث، ورماه شعبة بالكذب. ومع ذلك اقتصر الحافظ ﵀ في "المطالب"- عقب عزوه للحارث- على قوله: "فيه ضعيف". وكذالك قال البوصيرى: "فيه داود بن المحبر، وهو ضعيف" كما في حاشية "المطالب" (١/ ١٣٣).
(وبعد) فالمحفوظ وقف الحديث على زيد بن ثابت رضى الله عنه كما تقدم عن الحافظ، فقد صح عن ثابت وحميد الطويل عن أنس عنه، وله عن ثابت طرق:
стр. 159
١ - فرواه العقيلى من طريق حماد بن سلمة عنه قال: "مشيت مع أنس ابن مالك إلى الصلاة وقد أقيمت الصلاة وكان يقارب بين الخطا، فقال لى: أتدرى لِمَ أفعل هذا؟ فقلت: لم تفعله؟ قال: كذا فعل بى زيد بن ثابت، ليكون أكثر لخطونا". وقال: "حديث حماد أولى". قلت: وهو صحيح على شرط مسلم. سوى على بن عبد العزيز - وهو البغوى شيخ العقيلى-، وهو ثقة حافظ.
٢ - ورواه عبد الرزاق (١/ ٥١٧) عن جعفر بن سليمان الضُبَعى عنه عن أنس قال: "وضع زيد بن ثابت يده عَلَيَّ وهو يريد الصلاة، فجعل يقارب خطوه". وإسناده جيد. وهو على شرط مسلم أيضًا.
٣ - ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٥٩) من طريق جعفر بن حيان أبي الأشهب عنه عن أنس قال: "خرجت مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فأسرعت المشى، فحبسنى". وإسناده صحيح.
٤ - ورواه الطبراني من طريق السرى بن يحيى عنه عن أنس قال: "كنت أمشى مع زيد بن ثابت، فقارب في الخطى، فقال: أتدرى لم مشيت بك هذه المشية؟ فقلت: لا. فقال: لتكثر خطانا في المشى إلى الصلاة ". قال الطبراني: "ولم يرفعه السرى بن يحيى". قلت: وهو ثبت لكن شيخ الطبراني - عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهَّاه ابن عدى، فقال (٤/ ١٥٦٨): "مصرى يحدث عن الفريابى وغيره بالبواطيل". وأورد له أحاديث استنكرها عليه، ثم ختم الترجمة بقوله: "وعبد الله بن محمد بن سعيد ابن أبي مريم هذا إما أن يكون مغفلًا لا يدرى ما يخرج من رأسه، أو متعمدًا، فإنى رأيت له غير حديث مما لم أذكره أيضًا ها هنا غير محفوظ".
٥ - وأما رواية حميد، فعند ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عنه قال: "أخذ بيدى أنس، فجعل يمشى رويدًا إلى الصلاة، ثم التفت إليَّ فقال: هكذا
стр. 160
كان يصنع زيد بن ثابت ليكثر خطاه". وإسناده صحيح غاية، وهو على شرطهما. (ومن الآثار) أيضًا:
١ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق أبي الأحوص قال: قال عبد الله: "لقد رأيتنا، وإنا لنقارب بين الخطا إلى الصلاة". وإسناده صحيح. وهو قطعة من حديث طويل مشهور لابن مسعود في فضل الجماعة وأصله عند مسلم وأبى داود بدونها وحكمه الرفع، لوصفه رضى الله عنه ما كان عليه الصحابة على عهد النبوة.
٢ - وروى عن طريق أبي سنان عن محمد بن زيد بن خليدة اليشكرى قال: "كنت أمشى مع ابن عمر إلى الصلاة، فلو مشت معه نملة، لرأيت أن لا يسبقها". وإسناده حسن. ورواه ابن سعد (٤/ ١/ ١١٣) من طريق مندل عن أبي سنان حدثنى زيد بن عبد الله الشيبانى قال: رأيت ابن عمر، فذكره بنحوه. ومندل ضعيف، فلا اعتداد بتفرده فضلًا عن مخالفته.
(أما) أحاديث فضل إتيان المساجد وإتيانها بالسكينة، وفضل كثرة الخطا إليها، فهى أكثر من أن يسعها هذا المقام، وقد ذكرت بعضًا من ذلك في "البدائل" (٤). أما ههنا فإنما أردت أن أدندن حول هذا اللفظ بخصوصه، فالله المستعان. ثم وجدت ابن أبي حاتم يقول في "العلل" (١/ ١٩١): "سألت أبي عن حديث رواه أبو داود الطيالسى عن محمد بن ثابت عن أبيه عن أنس عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ كان يقارب بين الخطا إلى المسجد، وقال: إنما فعلته لتكثير خطاى إلى المسجد. فسمعت أبي يقول: روى هذا الحديث جماعة عن ثابت البنانى فلم يوصله أحد إلا الضحاك ابن نبراس، والضحاك لين الحديث، وهو ذا يتابعه محمد بن ثابت، ومحمد أيضًا ليس بقوى. والصحيح موقوف" اهـ. قلت: فثبتت هذه المتابعة للضحاك بن نبراس لكن لم يزل رفع الحديث منكرًا. والله أعلم.
стр. 161
الحديث الثانى والخمسون:
" احترسوا من الناس بسوء الظن".
منكر. رُوِى أيضًا عن حديث أنس من وجهين عنه:
الأول: من رواية بقية بن الوليد عن معاوية بن يحيى عن سليمان بن سليم عنه به. رواه البخارى في "الضعفاء"- كما في "الميزان" (٤/ ١٣٩) و "التهذيب" (١٠/ ٢٢٠) - والعسكرى في "الأمثال" - كما في "المقاصد" (٣٢)، والطبراني في "الأوسط" كما فيه وكذا "الفتح" (١٠/ ٥٤٧) و "الضعيفة" (١٥٦)، وابن عدى (٦/ ٣٩٨). وهذا إسناد ضعيف له علتان:
الأولى: عنعنة بقية بن الوليد، فإنه صدوق حافظ، لكنه كثير التدليس إسنادًا وشيوخًا وتسوية، وقد عنعنه.
الثانية: الانقطاع بين سليمان بن سليم - وهو أبو سلمة الكنانى الحمصى أحد الثقات-، وبين أنس. فقد جاء في ترجمته أنه يرسل عن زيد بن أسلم وسلمة بن نفيل السكونى- وهما تابعيان للأول منهما رواية عن أنس، ويروى عن آخرين منهم الزهرى وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، وهما من أصحاب أنس أيضًا. وهو من الطبقة السابعة كما في "التقريب" (٢٥٦٦) وهى طبقة كبار أتباع التابعين، أما التى قبلها فهى طبقة من عاصروا الخامسة (طبقة صغار التابعين) لكن لم يثبت لأهلها لقاء أحد من الصحابة. انظر "التقريب" (ص ٤٢ بتحقيق محمد عوامة).
والحديث- من هذه الطريق- قال الهيثمى ﵀ (٨/ ٨٩) - فأحسن صُنعًا-: "وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".
وقال الحافظ ﵀ في "الفتح": "وهو من رواية بقية بالعنعنة عن
стр. 162
معاوية بن يحيى، وهو ضعيف".
وقال الشيخ الألبانى عفا الله عنه- متعقبًا الهيثمى-: "كذا قال، ومعاوية ابن يحيى ضعيف جدًا ولم يوثقه أحد، وقد ساق له الذهبى أحاديث مما أنكر عليه هذا أحدها".
قلت: قد تنبه الحافظ الهيثمى ﵀ لما لم يتنبه إليه غيره كالإِمام البخارى والحافظين الذهبى وابن حجر والشيخ الألبانى. فإن ابن عدى ﵀ إنما أورد الحديث في ترجمة معاوية بن يحيى الأطرابلسى أبي مطيع- الذى قواه الجمهور-، وتعقبه الذهبى في حديثين ليس هذا أحدهما، لكنه أورده في ترجمة الصدفى من "الميزان"- تبعا للإِمام البخارى ﵀. وكذا أشار الحافظ إلى ذلك في "التهذيب". وصنيع ابن عدى- وإن كان إعلاله بعنعنة بقية أولى - هو الصواب.
* فقد قال الحافظ المزى ﵀ في "تهذيب الكمال" (ق ٥٣٩) - في ترجمة سليمان بن سليم الكنانى-: "روى عنه إسماعيل بن عياش و ... و ... وأبو مطيع معاوية بن يحيى". ولم يذكر الصدفى.
* وقال في ترجمة أبي مطيع (ق ١٣٤٨): "روى عن إبراهيم بن عبد الحميد ابن ذى حماية و ... و ... وسليمان بن سليم".
* ولم يذكر للصدفى سوى خمسة شيوخ- على سبيل الحصر-، ليس سليمان هذا أحدهم. أما العلة التى أغفلوها جميعًا، فهى الانقطاع بين سليمان وأنس كما تقدم.
الثانى: من رواية إبراهيم بن طهمان عن أبان بن أبي عياش عنه، رواه تمام في "فوائده" كما في "المقاصد". وأبان متروك، فإسناده ضعيف جدًا.
стр. 163
(والصحيح) وقفه على مطرف بن عبد الله بن الشخير التابعى الجليل، ﵀ ورضى عن أبيه، كما رواه الإِمام أحمد في "الزهد" (ص ٢٤٢) وأبو نعيم (٢/ ٢١٠) والبيهقي في "سننه" (١٠/ ١٢٩) وعنه ابن عساكر (١٦/ ٥٨١) من طريق مهدى بن ميمون ثنا غيلان بن جرير قال مطرف بن عبد الله، فذكره. وقال الحافظ في "الفتح": "وصح من قول مطرف التابعى، أخرجه مسدد".
(ورُوِى) أيضًا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، والحسن البصرى ﵀. أما عن عمر، فرواه الخطابى في "العزلة" (ص ١٦٨) من طريق الضحاك بن يسار النكرى عن أبي عثمان النهدى به. وإسناده ضعيف لضعف الضحاك هذا- على الراجح -، فقد قال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن معين: يضعفه البصريون. وضعَّفه أبو داود وابن الجارود والساجى والعقيلى وابن عدى. وله طريق أخرى- بلفظ مطول- عند أبي عمرو الدانى في "السنن الواردة في الفتن" (١٢/ ١ - ٢) من طريق عيسى بن إبراهيم عن الضحاك هذا به. وعيسى ابن إبراهيم - وهو الهاشمى- ضعيف جدًا، كما في "الضعيفة" وروى عمر ابن شبة في "أخبار المدينة" (٣/ ٨٠١) وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٠٢) من طريق فرج بن فضالة الحمصى حدثنا عمر بن شراحيل قال: قال عمر رضى الله عنه: "إن الحزم أن تسئ الظن بالناس". وإسناده ضعيف له ثلاث علل:
الأولى: ضعف فرج بن فضالة في غير الشاميين، لا سيما في حديثه عن يحيى بن سعيد الأنصارى؛ إلا أن يكون شيخه شاميا، ولا أراه إلا كذلك.
الثانية والثالثة: جهالة عمر بن شراحيل- وهو المعافرى-، والانقطاع بينه وبين عمر. قال ابن أبي حاتم رحمهما الله في "الجرح" (٦/ ١١٦):
стр. 164
"روى عنه الفرج بن فضالة. وروى هو عن عمر رضى الله عنه في تجويز طلاق المكره، مرسلًا" اهـ. ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. والأثر المشار إليه رواه سعيد بن منصور (١١٢٩) عن فرج به. وذكره ابن حزم في "المحلى" (١٠/ ٢٠٣) عن سعيد به، فقال: "عمرو بن شراحيل".
ملحوظة: وحديث: "الحزم سوء الظن" يروى مرفوعًا وموقوفًا على على، وكلاهما ضعيف جدًا كما تراه في "السلسلة الضعيفة" (١١٥١). وأورد الشيخ ما يدل على أنه من كلام العرب، فقال: "ورواه الحربى في "الغريب" (٥/ ٢١٢ /١) عن جرير عن الحكم بن عبد الله: كانت العرب تقول: "العقل تجارب، والحزم سوء الظن". قلت: وكذا رواه ابن أبي الدنيا في "العقل وفضله" (٤٠) وابن حبان في "الروضة" (ص ٢٢) والبيهقي في "الشعب" (٨/ ٥٤٣) من طريق جرير به، وزاد ابن أبي الدنيا: "فقال الأعمش: ألا ترى أن الرجل إذا ساء ظنه بالشئ حذره". وإسناده إلى الحكم هذا- وهو الأزرق كما في رواية-، صحيح، لكن لم أهتد إلى ترجمته (٢).
(وأما) عن الحسن البصرى، فرواه ابن سعد (٧/ ١/ ١٢٨ - ١٢٩) عن حجاج قال: حدثنا عمارة عنه به. وإسناده واه، حجاج هو ابن نصير الفساطيطى وهو ضعيف واهٍ يقبل التلقين. أما عمارة فهو ابن مهران المعولى أبو سعيد البصرى، ثقة عابد. ولم يتفطن العلامة الألبانى حفظه الله إلى علته، فقال: "وسنده صحيح". وقد ساق ابن سعد بهذا الإِسناد خمسة آثار، قال في أولها: "أخبرنا حجاج بن نُصَيْر" فالكمال لله تعالى وحده.
(هذا) وأثر مطرف، قد ذكره البيهقي في كتاب "آداب القاضى" من "سننه" وبوَّب عليه: "باب الاحتياط في قراءة الكتاب والإِشهاد عليه وختمه
стр. 165
لئلا يزور عليه" قال: "وقد قال مطرف بن عبد الله ... " فذكره ثم أتبعه بإسناده إليه، ثم قال- مشيرًا إلى حديث أنس-: "ورُوِى ذلك عن أنس بن مالك مرفوعًا، والحذر من أمثاله سنة متبعة. في ذكر حديثا في "سنن أبي داود" فيه ضعف، ثم روى حديث أبي هريرة: "لا يلدغ مؤمن من جُحر مرتين" وقال: "رواه البخارى ومسلم في "الصحيح" عن قتيبة بن سعيد".
تنبيه: وحديث أنس- بظاهره- استنكره الشيخ الألباني حفظه الله، فقال في "الضعيفة": "ثم إن الحديث منكر عندى لمخالفته للأحاديث الكثيرة التى يأمر النبي ﵌ فيها المسلمين بأن لا يسيئوا الظن بإخوانهم، منها قوله صلى الله عليه وآله- وسلم: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ... " رواه البخارى (١٠/ ٣٩٥ - ٣٩٨) وغيره. ثم إنه لا يمكن التعامل مع الناس على أساس سوء الظن بهم، فكيف يعقل أن يأمر ﵌ أمته أن يتعاملوا على هذا الأساس الباطل؟ ! " اهـ. قلت: هذا الاستشكال قديم، والحديث منكر لتفرد الضعفاء برفعه، لكن لم أر أحدًا من العلماء أنكر معنى هذا الكلام، بل هم ما بين مستشهد به، أو دافع لإِشكاله، أو حامل له على محمل سائغ، وكيف يظن بشيخى الإِسلام , وإمامى عصرهما- مطرف والحسن- إذ صحح الشيخ نسبته إليه- أن يأمرا بسوء الظن بالمعنى المتبادر منه، وهو أمر معلوم حرمته لدى عوام المسلمين؟ وسوف أسوق- بحول الله وقوته- نبذًا من كلام العلماء حول هذا المتن، ثم أعقب تعقيبًا قصيرًا تأييدًا لما ذهبوا إليه وفهموه.
١ - قال الإِمام ابن حبان ﵀ في "روضة العقلاء" (ص ١٢٧):
"سوء الظن على ضربين:
стр. 166
أحدهما: منهى عنه بحكم النبي ﵌.
والضرب الآخر: مستحب.
وأما الذى نهى عنه فهو استعمال سوء الظن بالمسلمين كافة على ما تقدم ذكرنا له. وأما الذى يستحب من سوء الظن فهو كمن بينه وبينه عداوة أو شحناء في دين أو دنيا، يخاف على نفسه مكره، فحينئذ يلزمه سوء الظن بمكائده ومكره لئلا يصادفه على غرة بمكره فيهلكه. وفي ذلك أنشدنى الأبرش:
وحسن الظن يحسن في أمور ... ويمكن في عواقبه ندامة
وسوء الظن يسمج في وجوه ... وفيه من سماجته حزامة
وأنشدنى محمد بن إسحاق الواسطى:
ما ينبغى لأخى ود وتجربة أن ... يترك الدهر سوء الظن بالناس
حتى يكون قريبًا في تباعده ... عنا ويدفع ضُرَّ الحرص بالياس
٢ - وبوَّب الإِمام الخطابى ﵀ في "العزلة" (ص ١٦٨):
" باب: في التحذير من عوام الناس والتحرز منهم بسوء الظن فيهم، وقلة الثقة بهم، وترك الاستنامة إليها" وختم الكلام في ذلك في (ص ١٨٠) فطالعه فإنه نفيس.
وما أحسن ما حكاه - أثناء: "باب: في فساد الزمان وأهله" - (ص ١٨٨: ١٩٠) إذ قال: "قرأت لمنصور بن عمار في "صفة الزمان": تغير الزمان حتى كل عن وصفه اللسان، فأمسى خرفا بعد حداثته، شرسًا بعد لينه، يابس الضرع بعد غزارته، ذابل الفرع بعد نضارته، قاحل العود بعد رطوبته، بشع المذاق بعد عذوبته؛ فلا تكاد ترى لبيبًا إلا ذا كمد، ولا ظريفًا واثقًا بأحد، وما أصبح له حليفًا إلا جاهل، ولا أمسى به قرير العين إلا غافل؛ فما بقى من الخير إلا الاسم، ولا من الدين إلا الرسم، ولا من التواضع
стр. 167
إلا المخادعَة، ولا من الزهادة إلا الانتحال، ولا من المروءة إلا غرور اللسان ... " إلخ.
٣ - وقال الحافظ ﵀ في "الفتح" (١٠/ ٥٤٦ - ٥٤٧) - أثناء شرح حديث: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"-: " ... قال الخطابى: هذا لفظ خبر ومعناه أمر، أي ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا وهو أولاهما بالحذر، وقد روى بكسر الغين في الوصل (يعنى: لا يلدغُ) فيتحقق معنى النهى عنه، قال ابن التين: وكذلك قرأناه، قيل: معنى لا يلدغ المؤمن عن جحر مرتين أن من أذنب ذنبًا فعوقب به في الدنيا لا يعاقب به في الآخرة. قلت: إن أراد قائل هذا أن عموم الخبر يتناول هذا فيمكن، وإلا فسبب الحديث يأبى ذلك، ويؤيده قول من قال: فيه تحذير من التغفيل، وإشارة إلى استعمال الفطنة. وقال أبو عبيد: معناه: ولا ينبغى للمؤمن إذا نكب عن وجهٍ أن يعود إليه. قلت: وهذا الذى فهم الأكثر ومنهم الزهرى راوى الخبر ... " حتى قال: "قيل: المراد بالمؤمن في هذا الحديث: الكامل الذى قد أوقفته معرفته على غوامض الأمور حتى صار يحذر مما سيقع. وأما المؤمن المغفل فقد يلدغ مرارًا". الى أن قال: "قال (يعنى التوربشتى): وعلى الوجه الأول- وهو الرواية بالرفع- فيكون إخبارًا محضًا لا يفهم هذا الغرض المستفاد من هذه الرواية، فتكون الرواية بصيغة النهى أرجح، والله أعلم. قلت: ويؤيده حديث: "احترسوا من الناس بسوء الظن". أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن طريق أنس، وهو من رواية بقية ... " إلخ. قلت: فها هو الحافظ ﵀ يؤيد به أحد الوجهين في ضبط حديث: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" وأنه بكسر الغين على معنى النهى. وقد صعَّف إسناده- كما تقدم عنه - دون استنكار لمتنه. وصححه عن مطرف كما تقدم أيضًا.
стр. 168
٤ - وقال الحافظ المناوى ﵀ في "الفيض" (١/ ١٨١) - عند حديث "احترسوا من الناس" قال: أي من شرارهم "بسوء الظن" قال: أى تحفظوا منهم تحفظ من أساء الظن بهم. كذا قاله مطرف التابعى الكبير. وقيل: أراد: لا تثقوا بكل أحد، فإنه أسلم لكم ... " حتى قال: "ولا يعارض هذا خبر: إياكم وسوء الظن، لأنه فيمن تحقق حسن سريرته وأمانته، والأول: فيمن ظهر منه الخداع والمكر وخلف الوعد والخيانة. والقرينة تغلب أحد الطرفين، فمن ظهرت عليه قرينة سوء يستعمل معه سوء الظن وخلافه خلافه، وفي إشعاره تحذير من التغفل وإشارة إلى استعمال الفطنة (يلاحظ أنه عين ما قيل في حديث البخارى)، فإن كل إنسان لابد له من عدو، بل أعداء يأخذ حذره منهم؛ قال بعض العارفين: هذه حالق كل موجود، لابد له من عدو وصديق، بل هذه حالة سارية في الحق والخلق. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] فهم عبيده، وهم أعداؤه، فكيف حال العبيد بعضهم مع بعض بما فيهم من التنافس والتباغض والتحاسد والتحاقد؟ .. " إلخ، حتى شرع في الكلام على إسناده.
أقول: وما نقلته عن هؤلاء الأئمة الكبار قد تواطأ حول معانٍ متقاربة لا تكلف فيها- إن شاء الله- ولا تعسف. وأشير- مع قصر الباع وقلة العلم- إلى أنه من المعلوم أن لفظة العموم قد تطلق، ويراد بها الخصوص، كلفظة: "الناس" حيث قال تعال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ فهى- في المرتين- يراد بها بعضهم. وكذلك قول النبي ﵌ كما في "الصحيحين"-: "الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة"، فهذا محمول على الأغلب والأعم. وقول السيدة عائشة رضى الله عنها: "رحم الله لبيدًا حيث يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
قالت عائشة: فكيف لو أدرك زماننا هذا. قال عروة: رحم الله عائشة،
стр. 169
كيف لو أدركت زماننا هذا ... وهكذا تسلسل الأثر. لا شك أن لبيدًا وعائشة وعروة، فمن بعدهم لا يعنون جميع الناس الذين كانوا بين ظهرانيهم، بل يعنون الكثير منهم، والغالب على أحوالهم، وقد كانت عائشة وسط صحابة أجلاء مشهود لهم بالجنة متنزهين عن السوء والشبهات. فما قال أحد أنها تطعن في سائر الناس، وترميهم جميعًا بسوء العشرة. هذا، والله ﵎ أعلم، وهو حسبى ونعم الوكيل.
الحديث الثالث والخمسون:
" إذا تخوف أحدكم السلطان فليقل: اللهم ربَّ السماوات السبع وربَّ العرش العظيم، كن لى جارًا من شر فلان- تسمى الذى تريد-، وشر الجن والإِنس وأتباعهم أن يفرطَ عَلَيَّ أحد منهم، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك".
ضعيف. روى من حديث ابن مسعود- من وجهين عنه- كلاهما ضعيف.
الوجه الأول: رواه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ١٠٨) و"الدعاء" (١٠٥٦) عن طريق جنادة بن سلم، عن عبيد الله بن عمر، عن عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه عن جده عنه به.
وإسناده ضعيف، جنادة بن سلم هو ابن خالد بن جابر بن سمرة العامرى السوائى أبو الحكم الكوفى. وثقه ابن حبان وابن خزيمة، وضعفه أبو زرعة. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ما أقربه عن أن يترك حديثه، عمد إلى أحاديث موسى بن عقبة فحدَّث بها عن عبيد الله بن عمر. وقال الساجى، حدًث عن هشام بن عروة حديثًا منكرًا. وقال الأزدى: منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر، أخاف أن لا يكون ضعيفًا (كذا في "التهذيب" (٥/ ١٣٦)، ولعل الصواب بدون: لا) وعنده عجائب. وقال الأستاذ بشار عواد في حاشية
стр. 170
"تهذيب الكمال" (٥/ ١٣٦): "هو ضعيف كما قال الحافظان أبو حاتم وأبو زرعة الريان، وهما أعلم به، وضعفه الذهبي، ولا أدرى كيف قال الحافظ ابن حجر: "صدوق له أغلاط " ... ".
قلت: والرجل في عبيد الله العمرى- خاصة- صاحب مناكير، وهذا عن روايته عنه. والحديث من هذا الوجه، قال الهيثمى (١٠/ ١٣٧): "وفيه جنادة بن سلم وثقه ابن حبان وضعَّفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح". ونحوه في (١٠/ ١٨٧).
الوجه الثاني: رواه الطبراني "الدعاء" (١٠٥٧) من طريق عبد الله بن صالح عن الليث عن عبد ربه بن سعيد وابن أبى فروة عن يونس بن عبد الله عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنه مرفوعًا به، ولفظه: "إذا تخوفت من أحد شيئًا فقل: اللهم رب السموات السبع ومن فيهن ورب العرش العظيم، ورب جبريل وميكائيل وإسرافيل، كن لى جارًا من فلان وأشياعه وأتباعه أن يفرطوا عَلَىَّ أو أن يطغوَا عَلَىَّ أبدًا، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك". وهذا أيضًا إسناد ضعيف، عبد الله ابن صالح- هو الجهنى المصرى أبو صالح كاتب الليث، صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة كما في "التقريب" (٣٣٨٨)، وصحح الحافظ في "هدى السارى" (ص ٤٣٤) رواية أهل الحذق عنه، كابن معين والبخارى وأبى زرعة وأبى حاتم. وليس هذا منها. وله علة أخرى، وهى الانقطاع. قال الحافظ المزى في ترجمة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة من "تهذيب الكمال" (ق ٨٨٠): "روى عن .... وعم أبيه عبد الله بن مسعود، مرسل".
(والصحيح) عن أبن مسعود رضى الله عنه، الوقف، وصح نحوه عن ابن عباس رضى الله عنهما.
١ - أما ابن مسعود، فرواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣) -
стр. 171
واللفظ له - والبخارى في "الأدب" (٧٠٧) من طرق عن الأعمش عن ثمامة ابن عقبة المحلمى عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: "إذا كان على أحدكم إمام يخاف تغطرسه وظلمه فليقل: اللهم ربَّ السموات وربَّ العرش العظيم، كن لي جارًا من فلان وأحزابه وأشياعه، أن يفرطوا عَلَيَّ وأن يطغوا، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك". قال ابن أبي شيبة: "إلا أن أبا معاوية زاد فيه: قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم فحدَّث عن عبد الله بمثله، وزاد فيه: من شر الجن والإِنس". وإسناداه صحيحان، وإرسال إبراهيم عن ابن مسعود صححه بعض الأئمة، لثبوت أنه كان لا يرسل عنه إلا ما سمعه من غير واحد من أصحابه.
تنبيه: وذكر الشيخ الجيلانى ﵀ في "فضل الله الصمد" (٢/ ١٧١ - ١٧٢) أحاديث كثيرة بألفاظ غير هذا- في دعاء خوف السلطان - ما بين ضعيف واه، أو مقطوع، فلا حاجة إليها، وحسبنا ثبوته عن صحابيين جليلين كما قدمنا. وقد قال: "وإن كانت طرقها ضعيفة فهى أحسن من التى لا أصل لها من السنة وآثار الصحابة والتابعين" اهـ. قلت: وأحسن من كل ذلك تتبع الثابت عن أصحاب النبي ﵌ تحريًا لصحة الإسناد واتصاله، إلا أن لا نجد إلا المقاطيع كما فعل الإِمام الطبراني ﵀ في (باب: كيف التهنئة بالمولود) من كتابه "الدعاء" (ص ١٢٤٣ - ١٢٤٤) إذ أورد أثرين عن كلٍ من الحسن البصرى وأيوب السختيانى رحمهما الله لفظهما: "جعله الله مباركًا عليك وعلى أمة محمد ﵌"، وسأخرجهما في محلهما المناسب إن شاء الله تعالى. ونظائر ذلك كثيرة في صنيع الأئمة ﵏. وإنما ذكرت هذا المثال لعموم الحاجة إليه مع اشتهار سواه عن الحسن ﵀ مما لم يثبت عنه.
٢ - وأما عن ابن عباس رضى الله عنهما، فقد روى البخارى أيضًا (٧٠٨) وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٠٣) عن أبي نعيم الملائى، وكذا الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٣١٤)
стр. 172
و "الدعاء" (١٠٦٠) وأبو نعيم (١/ ٣٢٢) من طريقه، والخرائطى في "مكارم الأخلاق" كما في "المنتقى منه" للحافظ السلفى (٥٨٣) من طريق شبابة بن سوار، قالا: حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "إذا أتيت سلطانا مهيبًا تخاف أن يسطو عليك فقل: الله أكبر، الله أعز من خلقه جميعًا، الله أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذى لا إله إلا هو، الممسك السموات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه، من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإِنس، اللهم كن لى جارًا من شرهم، جلَّ ثناؤك، وعز جارك، وتبارك اسمك، ولا إله غيرك". وإسناده حسن رجاله ثقات رجال الصحيح سوى يونس، وهو مختلف فيه. قال الذهبى في "السير" (٧/ ٢٧): "ابناه أتقن منه" وهو حسن الحديث". وحسَّن حديثه أيضًا بإيراده في "أسماء من تكلم فيه وهو موثق" (٣٨٩). ونحوه قوله في "الميزان" (٤/ ٤٨٣): "قال ابن حزم في "المحلى": ضعَّفه يحيى القطان وأحمد بن حنبل جدًا. قلت: بل هو صدوق، ما به بأس، ما هو في قوة مسعر ولا شعبة، ... ". وقوله في "المغنى" (٢/ ٧٦٦) و "الكاشف" (٣/ ٣٠٣): "صدوق ... ". ونحوه قول الحافظ في "التقريب" (٧٨٩٩): "صدوق يهم قليلًا".
(فهذان) الأثران تحفتان تكتبان بماء الذهب، أهديهما إلى إخوانى وأحبابى وجميع المسلمين الصابرين المحتسبين، ومعذرة إن كنت قد أخطأت- في فترة سابقة- في لفظ أثر ابن عباس، فهكذا كان عالقًا بذهنى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] صدق الرحمن الرحيم، وبلغ رسوله الرؤوف الرحيم ﵌، ونحن على ذلك من الشاهدين.
تنبيه: (أما) ما رواه ابن السنى (٣٤٧) من طريق محمد بن الحارث- وهو الحارثى البصرى- حدثنا محمد بن عبد الرحمن البيلمانى عن أبيه عن
стр. 173
ابن عمر مرفوعًا: "إذا خفت سلطانا أو غيره، فقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك". فإسناده واه جدًا. الحارثى مختلف فيه وقد وهاه غير واحد، وابن البيلمانى ضعيف جدًا. وهاه ابن معين، وقال البخارى والنسائى وأبو حاتم والساجى: منكر الحديث. وقال ابن حبان حدَّث عن أبيه بنسخة شبيها بمائتى حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به، ولا ذكره في الكتب إلا على جهة التعجب. وقال ابن عدى: وكل ما رُوى عن ابن البيلمانى، فالبلاء فيه من ابن البيلمانى، وإذا روى عن ابن البيلمانى محمد بن الحارث هذا، فجميعًا ضعيفان، محمد بن الحارث وابن البيلمانى، والضعف على حديثهما بين.
وأبوه، قال ابن حبان في "الثقات": لا يجب أن يعتبر بشئ من حديثه إذا كان من رواية ابنه، لأن ابنه محمد بن عبد الرحمن يضع على أبيه العجائب وقال الدارقطني: ضعيف، لا تقوم به حجة. وقال الأزدى: منكر الحديث، يروى عن ابن عمر بواطيل. وقال صالح جزرة: حديثه منكر، ولا يُعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا سُرَّق. قال الحافظ في "التهذيب" (٦/ ١٥٠): "قلت: فعلى مطلق هذا يكون حديثه عن الصحابة المسمين أولًا مرسلا عند صالح" اهـ قلت: ومهم ابن عمر، وعليه، فهى علة رابعة. والله أعلم.
الحديث الرابع والخمسون:
" إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه سِرُّ الجنة، يقول الرجل منكم لراعيه: عليك بسر الوادى، فإنه أمرعه وأعشبه".
ضعيف أو واهٍ. رُوِى من حديث العرباض بن سارية، وأبي أمامة ببعضه.
أولًا: حديث العرباض: رواه البخارى في "التاريخ الكبير" (٢/ ٢/ ١٤٦)
стр. 174
والبزار (٣٥١٢) - كلاهما مختصرًا- والطبرانى (١٨/ ٢٥٤) والبيهقى في "البعث" (٢٢٨) من طرق عن إسحاق بن إبراهيم بن زبريق ثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم عن الزبيدى عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن سويد بن جبلة عنه به.
وهذا إسناد ضعيف جدًا، وفيه الآتى:
١ - إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصى- وهو ابن زبريق-، مختلف فيه اختلافًا كثيرًا. قال أبو حاتم: شيخ. وقال ابن معين: الفتى لا بأس به، ولكنهم يحسدونه. وقال النسائى: ليس بثقة عن عمرو بن الحارث، كما في "تاريخ دمشق" (٢/ ٧١٠) وأطلق المزى في "تهذيبه" (٢/ ٣٧٠) والذهبى في "الميزان" (١/ ١٨١) أن النسائى قال: "ليس بثقة"، فنبه عليه، وعلى تداخل آخر في كلام أبي حاتم وابن معين، الدكتور بشار عواد جزاه الله خيرًا في حاشية "التهذيب". وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو داود: ليس هو بشئ قال أبو داود: وقال لى ابن عوف (هو محمد الطائى الحمصى الحافظ): ما أشك أن إسحاق بن إبراهيم ابن زبريق يكذب. وقال الذهبى- في ترجمة شيخه في "الميزان" (٣/ ٢٥١): "وابن زبريق ضعيف". وقال الحافظ في "التقريب" (٣٣٠): صدوق يهم كثيرًا، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب".
٢ - شيخه عمرو بن الحارث، وهو الزبيدى الحمصى. قال ابن حبان في "الثقات": "روى عنه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق وأهل بلده. مستقيم الحديث"، كذا قال. وقال الذهبى في "الميزان": "عن عبد الله ابن سالم فقط. وله عنه نسخة. تفرد بالرواية عنه إسحاق بن إبراهيم بن زبريق، ومولاة له اسمها علوة؛ فهو غير معروف العدالة، وابن زبريق ضعيف" وقال في "الكاشف" (٢/ ٢٨١): "وثق". وقال الحافظ في "التقريب" (٥٠٠١): "مقبول" يعنى لين الحديث حيث لم يتابع.
стр. 175
والحديث، قال الهيثمى ﵀ (١٠/ ١٧١): "رواه الطبراني، ورجاله وثقوا". وأورده في (١٠/ ٣٩٨) - برواية البزار: "إن سألتم الله فسلوه الفردوس"، وقال: "ورجاله ثقات". وقال المناوى (١/ ٣٦٩): "وبه- يعنى قولة الهيثمى: ورجاله وثقوا- يعلم أن رمز المؤلف لحسنة تقصير، وحق الرمز لصحته ... " ثم تعقب على السيوطى عدم إيراده لفظ الطبراني بتمامه. وذكر رواية البخارى: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن" قلت: نعم، هذا هو الصحيح بدون زيادة "فإنه سر الجنة، يقول الرجل منكم لراعيه ... " إلخ.
وخالف الشيخ الألبانى- عفا الله عنه- منهجه الدقيق الذى عوَّدناه، فقال في "صحيح الجامع" (١/ ١٦٣): "صحيح" وأحال على "مجمع الزوائد" - في الموضعين- و "فيض القدير".
ثانيًا: حديت أبي أمامة:
رواه الطبراني (٨/ ٢٩٤) وعنه- وعن غيره- أبو نعيم في "صفة الجنة" (٤٣٨) والحاكم- مقتصرًا على أوله- (٢/ ٣٧١) من طريق جعفر بن الزبير عن القاسم عنه مرفوعًا، ولفظه: "سلو الله الفردوس فإنها سُرَّة الجنة، وإن أهل الفردوس ليسمعون أطيط العرش". وإسناده ضعيف جدًا. قال الحاكم: "هذا حديث لم نكتبه إلا من هذا الإسناد، ولم نجد بُدًا من إخراجه" فتعقبه الذهبى بقوله في "تلخيص المستدرك": "قلت: جعفر هالك" والحديث عزاه الحافظ السيوطى في "الدر" (٤/ ٢٥٤) إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. وقال الهيثمى في "المجمع" (١٠/ ٣٩٨): "رواه الطبراني في "الكبير" , وفيه جعفر بن الزبير، وهو متروك".
(وصوابه) الوقف على أبي أمامة- بدون الزيادة المنكرة الأخيرة- وعلى الحارث الغامدى- رضى الله عنهما- بنحو من حديث العرباض.
стр. 176
١ - فقد روى هناد (٤٩) وابن أبي شيبة (١٣/ ١٤٨) عن وكيع، والطبرى (١٦/ ٢٩) عن الهيثم أبي بشر، وعبد الملك بن حبيب الأندلسى في "وصف الفردوس" (٥٦) عن أسد بن موسى، ثلاثتهم عن الفرج بن فضالة عن لقمان ابن عامر عن أبي أمامة- في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ -، قال: "الفردوس سرة الجنة" زاد ابن أبي شيبة: "وسط الجنة".
وإسناده حسن رجاله كلهم موثقون، وفرج بن فضالة- وهو الحمصى- في أمره تفصيل يشبه ما في: "إسماعيل بن عياش الحمصى". وخلاصته أنه صدوق مستقيم الحديث في أهل بلده، له مناكير وبلايا عن غيرهم لاسيما يحيى ابن سعيد الأنصارى.
وقد أعل محققًا "زهد هناد" و "صفة الجنة" أثر أبي أمامة، بضعف الفرج هذا مطلقًا، ولهما سلف في ذلك عن بعض الأئمة، لكن الأوجه التفصيل الذى ذهب إليه غير واحد من الأئمة:
١ - فقال الإِمام أحمد في رواية: ثقة. وفي أخرى: إذا حدَّث عن الشاميين فليس به بأس، ولكنه حدَّث عن يحيى بن سعيد مناكير.
٢ - وقال أبو حاتم الرازى: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، حديثه عن يحيى بن سعيد فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالًا".
٣ - وقال البخارى: فرج بن فضالة أبو فضالة الشامى، عن يحيى بن سعيد منكر الحديث. وقال في ترجمة شيخه عبد الخبير بن قيس بن ثابت- وليس شاميا-: روى عنه فرج بن فضالة، حديثه ليس بالقائم، فرج عنده مناكير عن يحيى بن سعيد الأنصارى.
٤ - وقال مسلم في الكنى: أبو فضالة فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد، منكر الحديث.
стр. 177
٥ - وقال ابن مهدى: حدث عن يحيى بن سعيد أحاديث مقلوبة منكرة. وفي رواية قال: ... عن أهل الحجاز.
٦ - وقال أبو زرعة الرازى في "أسامى الضعفاء ومن تكلم فيهم من المحدثين" (٢٧١): "فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد العطار" (كذا فيه، والصواب: عن يحيى بن سعيد الأنصارى، والعطار لا مدخل له ههنا).
٧ - وقال الساجى: الفرج بن فضالة الحمصى أبو فضالة، منكر الحديث، روى عن يحيى بن سعيد أحاديث مناكير.
٨ - وقال البرقانى: سألت الدارقطني عن الفرج بن فضالة. قال: ضعيف. قلت: فحديثه عن يحيى بن سعيد الأنصارى قال محمد بن على عن على عن النبي ﵌: "إذا عملت أمتى خمس عشرة خصلة ... " قال: هذا باطل. قلت: من جهة الفرج؟ قال: نعم، قلت: يخرج هذا الحديث؟ قال: لا. قلت: فحديثه عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة؟ فقال: هذا كأنه قريب، يُخَرَّج.
قلت: فصنيع الأئمة المذكورين يدل على استنكارهم لحديثه عن يحيى بن سعيد خاصة - أو أهل الحجاز على قول ابن مهدى، أو غير الشاميين على قول الإِمام أحمد، وليس بإطلاق. وكلام الإِمام الدارقطني ﵀ نص في حالتنا هذه، لأنه مشى روايته عن لقمان عن أبي أمامة. وقد التقطت هذه الأقوال من بحث قام به أحد الإِخوة الأفاضل، بالقدر الذى يناسب هذا المقام، ولم أزد عليه سوى قول أبي زرعة ﵀. وبالله التوفيق، وهو أعلى وأعلم.
٢ - وروى القاضى عبد الجبار الخولاني في "تاريخ داريا" (ص ٨٤) من طريق سليم بن عامر الكلاعى عن الحارث الغامدى (وقد أدرك الحارث رسول الله ﵌ فقال سليم: سمعت الحارث يقول: "الفردوس سرة الجنة، كقولك: عليك ببطن الوادى، فإنه أسر ما هنالك
стр. 178
وأحسنه" وإسناده صالح. والله أعلم.
الحديث الخامس والخمسون:
" أعز أمر الله يُعِزَّك الله".
موضوع. رواه الديلمى من حديث أبي أمامة. وحكم الشيخ الألبانى حفظه الله بوضعه استنادًا إلى "فيض القدير" (١/ ٥٦٠)، وفيه يقول الحافظ المناوى ﵀: "وفيه محمد بن الحسين السلمى الصوفى، سبق عن الخطيب أنه وضاع، والمأمون بن أحمد، قال الذهبى: كذاب".
قلت: الذى سبق في "الفيض" (١/ ٤٩٤)، قوله: "قال الذهبى عن الخطيب عن القطان: يضع الحديث". فهذا من نقل الخطيب عن القطان- واسمه: محمد بن يوسف النيسابورى-، وكلامه بتمامه- كما في ترجمة السلمى من "تاريخ بغداد" (٢/ ٢٤٨): "كان أبو عبد الرحمن السلمى غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئًا يسيرًا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله بن البيع، حدث عن الأصم بتاريخ ابن معين وبأشياء كثيرة سواه، قال: وكان يضع للصوفية الأحاديث". قلت: ولم يوافقه الخطيب على هذه الاتهامات، فقال عقب ذلك: "قدر أبي عبد الرحمن عند أهل بلده جليل، ومحله في طائفته كبير، وقد كان مع ذلك صاحب حديث مجودًا، جمع شيوخًا وتراجم وأبوابا ... " إلخ. بل أفرط الحافظ الخليلى ﵀، فقال في "الإِرشاد" (٧٧٢): "ثقة، متفق عليه، له معرفة بدقائق علوم الصوفية، وله تصانيف في ذلك لم يسبق إليها. سمع محمد بن يعقوب الأصم، و ... ، و ... ، و ... وأقرانهم بنيسابور. وله معرفة بالحديث. جمع الأبواب، والمقلين وغير ذلك. كثير السماع ... ". قلت: ولعل حكايته الاتفاق على توثيق السلمى من الأوهام التى أشار إليها الحافظ الذهبى ﵀ بقوله في "السير" (١٣/ ٣٧٧):
стр. 179
"وللخليلى أوهام كثيرة في كتابه، كأنه أملاه من حفظه".
أما الحافظ الذهبى ﵀، فوصف السلمى في "السير" (١٧/ ٢٤٧) بـ: "الإِمام الحافظ المحدث". وفي "التذكرة" (٣/ ١٠٤٦) بـ: "الحافظ العالم الزاهد شيخ المشايخ ... " حتى قال: "إلا أنه ضعيف" وحكى كلام الخطيب وقال- عقبه-: "قلت: ألف حقائق التفسير، فأتى فيه بمصائب وتأويلات الباطنية، نسأل الله العافية" حتى قال: "قد سأل أبا الحسن الدارقطني عن خلق من الرجال سؤال عارف بهذا الشأن". وقال في "المغنى" (٢/ ٥٧١): "تكلم فيه، وما هو بالحجة". ومما زاده الحافظ في "اللسان" (٥/ ١٤٠ - ١٤١)، قول الحاكم: "كان كثير السماع والحديث متقنا فيه، من بيت الحديث والزهد والتصوف". وقول السراج: "مثله إن شاء الله لا يتعمد الكذب" ... قال: "ونسبه إلى الوهم".
قلت: فالرجل ضعيف لا يحتج بما يتفرد به، وفي تصانيفه بلايا الذنب فيها لغيره، كشيخه ابن شاذان فإنه متهم. أما المأمون بن أحمد- وهو الهروى- فهو الوضاع بحق. انظر "اللسان" (٥/ ٧ - ٨).
(والصحيح) في هذا الحديث، وقفه على الحسن البصرى ﵀، فقد وقفت له على ثلاث طرق عنه:
١ - فرواه ابن المبارك (٧٨) عن سفيان قال: قال رجل للحسن: أوصنى، قال: أعز أمر الله يعزك الله. وإسناده منقطع.
٢ - ورواه عبد الله بن أحمد في "زوائد زهد أبيه" (ص ٢٦٣) من طريق أبي كعب الأزدى قال: قال رجل للحسن ﵀: إنى أريد سفرًا فزودنى. قال: "ابن أخى، أعِزَّ أمر الله حيث ما كنت يعزك الله ". وإسناده حسن.
٣ - ورواه أبو نعيم (٢/ ١٥٢) من طريق ابن عيينة قال ثنا أبو موسى
стр. 180
قال: سمعت الحسن يقول- وأتاه رجل، فقال: إنى أريد السِنْد فأوصنى- قال: "حيث ما كنت فأعز الله يُعِزَّك". قال: فحفظت وصيته، فما كان بها أحدٌ أعزُّ منى حتى رجعت. وإسناده صحيح، رجاله- فوق شيخ أبي نعيم وشيخه- على شرط البخارى. وأبو موسى اسمه إسرائيل بن موسى، من ثقات أصحاب الحسن. قال البخارى وغيره: وكان نزل الهند. وقال الذهبى في "الميزان" (١/ ٢٠٨): نزيل السند. فظني أنه يعنى نفسه بقوله: "سمعت الحسن يقول- وأتاه رجل، فقال ... " إلخ، ولهذا نظائر كثيرة في الأحاديث ذكرت بعضها في "تكميل النفع" (٢١). فالقوم حرصوا على الموت، فوهبت لهم الحياة. وحرصوا على إخفاء الأعمال وبغض الظهور، فخلَّد ذكراهم التاريخ في صحاف من نور! وهذه أصح طرق أثر الحسن هذا، وأشبعها لفظًا. فالحمد لله رب العالمين.
الحديث السادس والخمسون:
" اعمل لوجه واحد، يكفك الوجوه كلها".
ضعيف جدًا. رُوِى من حديث أنس، فرواه ابن عدى (٧/ ٢٥١٣) والسهمى في "تاريخ جرجان" (ص ٣٩٢) - معلقًا- من وجهين عن نافع أبي هرمز عنه به.
قال في "الضعيفة" (٨٢٣) - بعد عزوه للسهمى وحده-: "قلت: وهذا سند ضعيف جدًا، أبو هرمز هذا اسمه نافع بن هرمز. قال أبو حاتم: "متروك، ذاهب الحديث". وقال النسائى: "ليس بثقة". واختلف فيه قول ابن معين، فكذبه مرة، وقال مرة: لا يكتب حديثه. وقال مرة: لا أعرفه. وقال مرة: ليس بشئ. والحديث أورده السيوطى في "الجامع الصغير" من رواية ابن عدى والديلمى عن أنس. وتعقبه المناوى بقوله: "وفيه