← Баляга

Баляга · id 10281

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة

عبد المتعال الصعيدي

Полный текст (710 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أغراض ضمير الفصل: وأما توسط الفصل بينه وبين المسند فلتخصيصه به١؛ كقولك: "زيد هو المنطلق، أو: هو أفضل من عمرو، أو: هو خير منه، أو: هو يذهب"٢.

стр. 107

تمرينات على التوابع: تمرين١: ١- بين الغرض من البدل في قول الشاعر: وكنت كذي رِجْلين: رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشُلَّت ٢- هل يجوز بلاغة -كما يجوز نحوا- أن يجعل عطف البيان بدلا مطابقا وبالعكس، أو أن لكل منهما مقاما خاصا به؟ ٣- بين معنى "أو" ومنزلتها بلاغة في قول الشاعر: نحن أو أنتم الأولي ألفوا الحق ... فبعدا للمبطلين وسحقا تمرين٢: ١- من أي أقسام البدل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] ؟ وأي غرض دعا إليه؟ وما منزلته في البلاغة؟ ٢- أي غرض دعا إلى التوكيد في قول الشاعر: لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدة حول كله رجبا؟ ٣- قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ٣٦] . فلماذا عطف في الأول دون الثاني؟ تمرين٣: ١- قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] . فما فائدة العطف بلاغة فيه؟ ولماذا أُوثِرت فيه الواو على غيرها؟ ٢- أي غرض دعا إلى العطف بحتى في قول الشاعر: قهرناكم حتى الكماة فأنتم ... تهابوننا حتى بَنِينا الأصاغرا؟ ٣- ما الغرض من الوصف في قول الشاعر: ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالي؟

стр. 108

أغراض التقديم: وأما تقديمه فلكون ذكره أهم؛ إما لأنه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه١، وإما ليتمكن الخبر في ذهن السامع؛ لأن في المبتدأ تشويقا إليه؛ كقوله "من الخفيف": والذي حارت البَرِيَّة فيه ... حيوان مستحدث من جماد٢ وهذا أولى من جعله شاهدا؛ لكون المسند إليه موصولا كما فعل السكاكي٣. وإما لتعجيل المسرة أو المساءة؛ لكونه صالحا للتفاؤل أو التطير؛ نحو: "سعد في دارك، والسفاح في دار صديقك". وإما لإيهام أنه لا يزول عن الخاطر، أو أنه يُستلذ، فهو إلى الذكر أقرب٤. وإما لنحو ذلك٥.

стр. 109

قال السكاكي١: "وإما لأن كونه متصفا بالخبر يكون هو المطلوب، لا نفس الخبر؛ كما إذا قيل لك: كيف الزاهد؟ فتقول: الزاهد يشرب ويطرب". وإما لأنه يفيد زيادة تخصيص؛ كقوله "من الوافر": متى تهزز بني قطن تجدهم ... سيوفا في عواتقهم سيوف جلوس في مجالسهم رِزَان ... وإن ضيف ألم فهم خفوف٢ والمراد: "هم خفوف". وفيه نظر؛ لأن قوله: "لا نفس الخبر" يشعر بتجويز أن يكون المطلوب بالجملة الخبرية نفس الخبر، وهو باطل٣؛ لأن نفس الخبر تصور لا تصديق، والمطلوب بها إنما يكون تصديقا، وإن أراد بذلك وقوع الخبر مطلقا فغير صحيح أيضا؛ لما سيأتي٤ أن العبارة عن مثله لا يتعرض فيها إلى ما هو مسند إليه؛ كقولك: "وقع القيام". ثم في مطابقة الشاهد الذي أنشده للتخصيص نظر٥؛ لما سيأتي أن ذلك مشروط

стр. 110

بكون الخبر فعليا، وقوله: "والمراد هم خفوف" تفسير للشيء بإعادة لفظه١. قال عبد القاهر٢: وقد يقدم المسند إليه ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي إن وَلِيَ حرف النفي٣ كقولك: "ما أنا قلت هذا" أي: لم أقله مع أنه مَقُول؛ فأفاد نفي الفعل عنك وثبوته لغيرك، فلا تقول ذلك إلا في شيء ثبت أنه مقول وأنت تريد نفي كونك قائلا له. ومنه قول الشاعر "من المتقارب": وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلوب نارا٤ إذ المعنى أن هذا السَّقْم الموجود والضَّرَم الثابت ما أنا جالب لهما؛ فالقصد إلى نفي كونه فاعلا لهما لا إلى نفيهما؛ ولهذا لا يقال: "ما أنا قلت ولا أحد غيري" لمناقضة منطوق الثاني٥ لمفهوم الأول٦, بل يقال: "ما قلت أنا ولا أحد غيري" ولا يقال: "ما أنا رأيت أحدا من الناس" ولا: "ما أنا ضربت إلا زيدا" بل يقال: "ما رأيت أو ما رأيت أنا أحدا من الناس، و: ما ضربت أو ما ضربت أنا إلا زيدا"؛ لأن المنفي في الأول الرؤية الواقعة على كل واحد من الناس، وفي الثاني الضرب الواقع

стр. 111

على كل واحد منهم سوى زيد١. وقد سبق أن ما يفيد التقديم ثبوته لغير المذكور هو ما نُفي عن المذكور، فيكون الأول مقتضيا لأن إنسانا غير المتكلم قد رأى كل الناس، والثاني مقتضيا لأن إنسانا غير المتكلم قد ضرب مَنْ عدا زيدا منهم؛ وكلاهما محال. وعلل الشيخ عبد القاهر والسكاكي٢ امتناع الثاني بأن نقض النفي بـ "إلا" يقتضي أن يكون القائل له قد ضرب زيدا، وإيلاء الضمير حرف النفي يقتضي ألا يكون ضربه، وذلك تناقض. وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف النفي يقتضي ذلك، فإن قيل: الاستثناء الذي فيه مفرَّع، وذلك يقتضي ألا يكون ضرب أحدا من الناس، وذلك يستلزم ألا يكون ضرب زيدا؛ قلنا: إن لزم ذلك٣ فليس للتقديم؛ لجريانه في غير صورة التقديم أيضا؛ كقولنا: "ما ضربت إلا زيدا". هذا إذا ولي المسند إليه حرف النفي، وإلا فإن كان معرفة؛ كقولك: "أنا فعلت" كان القصد إلى الفاعل٤، وينقسم قسمين: أحدهما: ما يفيد تخصيصه بالمسند٥ للرد على من زعم انفراد غيره به، أو

стр. 112

مشاركته فيه؛ كقولك: "أنا كتبت في معنى فلان، وأنا سعيت في حاجته"؛ ولذلك إذا أردتَ التأكيد قلتَ للزاعم في الوجه الأول: "أنا كتبت في معنى فلان لا غيري" ونحو ذلك، وفي الوجه الثاني: "أنا كتبت في معنى فلان وحدي". فإن قلت: "أنا فعلت هذا وحدي" في قوة "أنا فعلته لا غيري" فلِمَ اختص كل منهما بوجه من التأكيد دون وجه؟ قلت: لأن جدوى التأكيد لما كانت إماطة شبهة خالجت قلب السامع، وكانت في الأول أن الفعل صدر من غيرك، وفي الثاني أنه صدر منك بشركة الغير، أكدت وأمطت الشبهة في الأول بقولك: "لا غيري"، وفي الثاني بقولك: "وحدي"؛ لأنه مَحَزُّه، ولو عكست أحلْت١. ومن البين في ذلك٢ المَثل: "أتُعلمني بضب أنا حَرَشْتُه؟! "٣. وعليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] أي: لا يعلمهم إلا نحن، ولا يطلع على أسرارهم غيرنا؛ لإبطانهم الكفر في سُوَيداوات قلوبهم. الثاني: ما لا يفيد إلا تقوِّي الحكم وتقرره في ذهن السامع وتمكنه، كقولك: "هو يعطي الجزيل" لا تريد أن غيره لا يعطي الجزيل، ولا أن تعرض بإنسان، ولكن تريد أن تقرر في ذهن السامع وتحقق أنه يفعل إعطاء الجزيل، وسبب تقويه هو أن المبتدأ يستدعي أن يستند إليه شيء، فإذا جاء بعده ما يصلح أن يستند إليه صرفه إلى نفسه، فينعقد بينهما حكم سواء كان خاليا عن ضميره؛ نحو: "زيد غلامك"، أو متضمنا له، نحو: "أنا عرفت، وأنت عرفت، وهو عرف أو زيد عرف"، ثم إذا كان

стр. 113

متضمنا لضميره صرفه ذلك الضمير إليه ثانيا؛ فيكتسي الحكم قوة١. ومما يدل على أن التقديم٢ يفيد التأكيد أن هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار من منكر؛ نحو أن يقول الرجل: "ليس لي علم بالذي تقول" فتقول: "أنت تعلم أن الأمر على ما أقول"، وعليه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] ؛ لأن الكاذب -لا سيما في الدين- لا يعترف بأنه كاذب، فيمتنع أن يعترف بالعلم بأنه كاذب. وفيما اعترض فيه شك: نحو أن تقول للرجل: "كأنك لا تعلم ما صنع فلان؟ " فيقول: "أنا أعلم". وفي تكذيب مُدّعٍ: كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] فإن قولهم "آمنا" دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به. وفيما يقتضي الدليل أن لا يكون: كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] فإن مقتضى الدليل أن لا يكون ما يُتخذ إلها مخلوقا. وفيما يستغرب: كقولك: "ألا تعجب من فلان؟ يدعي العظيم وهو يَعْيَا باليسير". وفي الوعد والضمان: كقولك للرجل: "أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر"؛ لأن من شأن من تَعِدُه وتضمن له أن يعترضه الشك في إنجاز الوعد والوفاء بالضمان، فهو من أحوج شيء إلى التأكيد.

стр. 114

وفي المدح والافتخار: لأن من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما يمدح به ويُبعدهم عن الشبهة، وكذلك المفتخر. أما المدح فكقول الحماسي: هم يفرشون اللِّبْد كل طِمِرّة١ وقول الحماسية: هما يلبسان المجد أحسن لِبْسة٢ وقول الحماسي: فهم يضربون الكبش يبرق بيضه٣ وأما الافتخار, فكقول طرفة:

стр. 115

ومما لا يستقيم المعنى فيه إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] , وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧] فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم لوُجد اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد زال عن الحال التي ينبغي أن يكون عليها. وكذا إذا كان الفعل منفيا١؛ كقولك: "أنت لا تكذب" فإنه أشد لنفي الكذب عنه من قولك: "لا تكذب"، وكذا من قولك: "لا تكذب أنت"؛ لأنه لتأكيد المحكوم عليه، لا الحكم. وعليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] فإنه يفيد من التأكيد في نفي الإشراك عنهم ما لا يفيده قولنا: "والذين لا يشركون بربهم" ولا قولنا: "والذين بربهم لا يشركون"، وكذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] ، وقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥] . هذا كله إذا بني الفعل على معرّف؛ فإن بني على منكّر أفاد ذلك تخصيص٢

стр. 116

الجنس أو الواحد١ بالفعل؛ كقولك: "رجل جاءني" أي: لا امرأة، أو لا رجلان؛ وذلك لأن أصل النكرة أن تكون للواحد من الجنس، فيقع القصد بها تارة إلى الجنس فقط؛ كما إذا كان المخاطب بهذا الكلام قد عرف أن قد أتاك آتٍ، ولم يدر جنسه: أرجل هو أو امرأة؟ أو اعتقد أنه امرأة، وتارة إلى الوحدة فقط؛ كما إذا عرف أن قد أتاك من هو من جنس الرجال، ولم يدر: أرجل هو أم رجلان؟ أو اعتقد أنه رجلان. واشترط السكاكي٢ في إفادة التقديم الاختصاص ٣ أمرين: أحدهما: أن يجوز تقدير كونه في الأصل مؤخرا بأن يكون فاعلا في المعنى فقط؛ كقولك: "أنا قمت" فإنه يجوز أن تقدر أصله: "قمت أنا" على أن "أنا" تأكيد للفاعل٤ الذي هو التاء في قمت، فقدم "أنا" وجعل مبتدأ. وثانيهما: أن يقدر كونه كذلك. فإن انتفى الثاني دون الأول كالمثال المذكور إذا أُجري على الظاهر، وهو أن

стр. 117

يقدر الكلام من الأصل مبنيا على المبتدأ والخبر، ولم يقدر تقديم وتأخير، أو انتفى الأول بأن يكون المبتدأ اسما ظاهرا١ فإنه لا يفيد إلا تقوّي الحكم. واستثنى المنكر٢ كما في نحو: "رجل جاءني" بأن قُدر أصله: "جاءني رجل" لا على أن "رجل" فاعل "جاءني", بل على أنه بدل من الفاعل الذي هو الضمير المستتر في "جاءني"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] : إن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بدل من الواو في "أسروا"، وفرق بينه وبين المعرف بأنه لو لم يقدر ذلك فيه انتفى تخصيصه؛ إذ لا سبب لتخصيصه سواه، ولو انتفى تخصيصه لم يقع مبتدأ٣، بخلاف المعرف؛ لوجود شرط الابتداء فيه، وهو التعريف. ثم قال: "وشرطه٤ ألا يمنع من التخصيص مانع٥ كقولنا: "رجل جاءني" أي: لا امرأة أو لا رجلان، دون قولهم: "شر أهر ذا ناب" أما على التقدير الأول٦ فلامتناع أن يراد "المهر شر لا خير"٧، وأما على الثاني٨ فلكونه نابيا عن مكان استعماله٩، وإذ قد صرح الأئمة بتخصيصه حيث تأولوه بـ " ما أهر ذا ناب إلا

стр. 118

شر"، فالوجه تفظيع شأن الشر بتنكيره كما سبق"١. هذا كلامه، وهو مخالف لما ذكره الشيخ عبد القاهر٢؛ لأن ظاهر كلام الشيخ فيما يلي حرف النفي القطع بأنه يفيد التخصيص مضمرا كان أو مظهرا، معرفا أو منكرا من غير شرط، لكنه لم يمثّل إلا بالمضمَر، وكلام السكاكي صريح في أنه لا يفيده إلا إذا كان مضمرا أو منكرا بشرط تقدير التأخير في الأصل، فنحو: "ما زيد قام" يفيد التخصيص على إطلاق قول الشيخ، ولا يفيده على قول السكاكي، ونحو

стр. 119

"ما أنا قمت" يفيده على قول الشيخ مطلقا، وعلى قول السكاكي بشرط. وظاهر كلام الشيخ أن المعرف إذا لم يقع بعد النفي وخبره مثبت أو منفي قد يفيد الاختصاص مضمرا كان أو مظهرا، لكنه لم يمثل إلا بالمضمر، وكلام السكاكي صريح في أنه لا يفيده إلا المضمر؛ فنحو: "زيد قام" قد يفيد الاختصاص على إطلاق قول الشيخ، ولا يفيده عند السكاكي، ثم فيما احتج به لما ذهب إليه نظر؛ إذ الفاعل وتأكيده سواء في امتناع التقديم، ما دام الفاعل فاعلا والتأكيد تأكيدا، فتجويز تقديم التأكيد دون الفاعل تحكّم ظاهر، ثم لا نسلّم انتفاء التخصيص في صورة المنكّر لولا تقدير أنه كان في الأصل مؤخرا فقدم؛ لجواز حصول التخصيص فيها بالتهويل -كما ذكر- وغير التهويل١. ثم لا نسلم امتناع أن يراد: المُهِرّ شر لا خير، قال الشيخ عبد القاهر: إنما قدم "شر" لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر ذا ناب هو من جنس الشر لا من جنس الخير٢، فجرى مجرى أن تقول: "رجل جاءني" تريد أنه رجل لا امرأة، وقول العلماء: إنه إنما صلح لأنه بمعنى: "ما أهر ذا ناب إلا شر" بيان لذلك، وهذا صريح في خلاف ما ذكره. ثم قال السكاكي٣: ويقرب من قَبِيل "هو عرف" في اعتبار تقوي الحكم٤:

стр. 120

"زيد عارف"، وإنما قلت: "يقرب" دون أن أقول: "نظيره" لأنه لمّا لم يتفاوت في التكلم والخطاب والغيبة في: "أنا عارف، وأنت عارف، وهو عارف" أشبَهَ الخالي عن الضمير؛ ولذلك لم يحكم على "عارف" بأنه جملة ولا عُومِل معاملتها في البناء١، حيث أُعرب في نحو: "رجلٌ عارفٌ، رجلًا عارفًا، رجلٍ عارفٍ" وأُتبعه في حكم الإفراد، نحو: "زيد عارف أبوه" يعني أُتبع "عارف" "عرف" في الإفراد، إذا أسند إلى الظاهر السكاكي, مفردا كان أو مثنى أو مجموعا٢. ثم قال: "ومما يفيد التخصيص ما يحكيه -عَلَتْ كلمته- عن قوم شعيب ﵇: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] أي: العزيز علينا يا شعيب رهطك لا أنت٣؛ لكونهم من أهل ديننا، ولذلك قال ﵇ في جوابهم: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩٢] أي: من نبي الله، ولو كان معناه معنى "ما عززت علينا" لم يكن مطابقا. وفيه نظر؛ لأن قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ من باب "أنا عارف"، لا من باب "أنا عرفت"٤، والتمسك بالجواب ليس بشيء؛ لجواز أن يكون ﵇ فهم كون رهطه أعز عليهم من قولهم: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ . وقال الزمخشري: دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام في الفاعل لا

стр. 121

في الفعل، كأنه قيل: "وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا"١. وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف النفي إذا لم يكن الخبر فعليا يفيد الحصر، فإن قيل: الكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ قلنا: قال السكاكي: معناه: من نبي الله، فهو على حذف المضاف، وأجود منه ما قال الزمخشري: وهو أن تهاونهم به -وهو نبي الله- تهاون بالله، فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٢؟ ويجوز أن يقال: لا شك أن همزة الاستفهام هنا ليست على بابها؛ بل هي للإنكار للتوبيخ، فيكون معنى قوله: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ إنكار أن يكون مانعهم من رجمه رهطه؛ لانتسابه إليهم دون الله تعالى مع انتسابه إليه أيضا، أي: أرهطي أعز عليكم من الله حتى كان امتناعكم من رجمي بسبب انتسابي إليهم بأنهم رهطي، ولم يكن بسبب انتسابي إلى الله تعالى بأني رسوله؟! والله أعلم.

стр. 122

ومما يرى تقديمه١ كاللازم لفظ "مثل" إذا استُعمل كناية من غير تعريض٢؛ كما في قولنا: "مثلك لا يبخل"، ونحوه مما لا يراد بلفظ "مثل" غير ما أضيف إليه، ولكن أريد أن من كان على الصفة التي هو عليها كان من مقتضى القياس وموجب العرف أن يفعل ما ذكر أو ألا يفعل٣، ولكون المعنى هذا٤ قال الشاعر "السريع": ولم أقل مثلك أعني به ... سواك يا فردا بلا مشبه٥ وعليه قوله "من السريع": مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويستردّ الدمع عن غَرْبه٦

стр. 123

وكذا قول القَبَعْثَرِي١ للحجاج لما توعده بقوله: "لأحملنّك على الأدهم": "مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب"٢ أي: من كان على هذه الصفة من السلطة وبسطة اليد، ولم يقصد أن يجعل أحدا مثله. وكذلك حكم "غير" إذا سُلك به هذا المسلك٣ فقيل: "غيري يفعل ذلك" على معنى: "إني لا أفعله"٤ فقط من غير إرادة التعريض بإنسان٥. وعليه قوله: غيري بأكثر هذا الناس ينخدع٦

стр. 124

فإنه معلوم أنه لم يرد أن يُعرِّض بواحد هناك فيصفه بأنه ينخدع؛ بل أراد أنه ليس ممن ينخدع. وكذا قول أبي تمام "من الوافر": وغيري يأكل المعروف سُحْتا ... ويشحُب عنده بيِض الأيادي١ فإنه لم يرد أن يعرض بشاعر سواه فيزعم أن الذي قُرف به عند الممدوح من أنه هجاه كان من ذلك الشاعر لا منه، بل أراد أن ينفي عن نفسه أن يكون ممن يكفر النعمة ويلؤم لا غير. واستعمال "مثل" و"غير" هكذا مركوز في الطباع، وإذا تصفّحت الكلام وجدتهما يُقدَّمان أبدا على الفعل إذا نُحِي بهما نحو ما ذكرناه، ولا يستقيم المعنى فيهما إذا لم يقدما، والسر في ذلك أن تقديمهما يفيد تقوي الحكم كما سبق تقريره، وسيأتي أن المطلوب بالكناية في مثل قولنا: "مثلك لا يبخل, وغيرك لا يجود" هو الحكم٢، وأن الكناية أبلغ من التصريح فيما قصد بها، فكان تقديمهما أعون للمعنى الذي جُلبا لأجله. قيل٣: " ... وقد يقدم؛ لأنه٤ دال على العموم٥ كما تقول: "كل إنسان لم يقم"

стр. 125

فيقدم ليفيد نفي القيام عن كل واحد من الناس؛ لأن الموجبة المعدولة المهملة١ في قوة السالبة الجزئية المستلزمة نفي الحكم عن جملة الأفراد، دون كل واحد منها، فإذا سُوِّرت بـ "كل" وجب أن تكون لإفادة العموم لا لتأكيد نفي الحكم عن جملة الأفراد؛ لأن التأسيس خير من التأكيد٢ ولو لم تقدم فقلت: "لم يقم كل إنسان" كان نفيا للقيام عن جملة الأفراد دون كل واحد منها٣؛ لأن السالبة المهملة٤ في قوة السالبة الكلية٥ المقتضية سلب الحكم عن كل فرد لورود موضوعها في سياق النفي٦، فإذا سورت بـ "كل" وجب أن تكون لإفادة نفي الحكم عن جملة الأفراد؛ لئلا يلزم ترجيح التأكيد عن التأسيس". وفيه نظر؛ لأن النفي عن جملة الأفراد في الصورة الأولى -أعني: الموجبة المعدولة المهملة- كقولنا: "إنسان لم يقم" وعن كل فرد في الصورة الثانية -أعني: السالبة المهملة- كقولنا: "لم يقم إنسان" إنما أفاده الإنسان إلى "إنسان"، فإذا أضيف "كل" إلى "إنسان" وحُوِّل الإسناد إليه، فأفاد في الصورة الأولى نفي الحكم عن جملة الأفراد، وفي الثانية نفيه عن كل فرد منها، كان "كل" تأسيسا لا تأكيدا؛ لأن التأكيد

стр. 126

لفظ يفيد تقوية ما يفيده لفظ آخر، وما نحن فيه ليس كذلك، ولئن سلّمنا أنه يسمى تأكيدا١ كقولنا: "لم يقم إنسان" إذا كان مفيدا للنفي عن كل فرد؛ كان مفيدا للنفي عن جملة الأفراد لا محالة؛ فيكون "كل" في: "لم يقم كل إنسان" إذا جُعل مفيدا للنفي عن جملة الأفراد تأكيدا لا تأسيسا، كما قال في: "كل إنسان لم يقم"؛ فلا يلزم من جعله للنفي عن كل فرد٢ ترجيح التأكيد على التأسيس٣. ثم جعله قولنا: "لم يقم إنسان" سالبة مهملة في قوة سالبة كلية -مع القول بعموم موضوعها لوروده نكرة في سياق النفي- خطأ؛ لأن النكرة في سياق النفي إذا كانت للعموم كانت القضية التي جعلت هي موضوعا لها سالبة كلية، فكيف تكون سالبة مهملة٤؟! ولو قال: "لو لم يكن الكلام المشتمل على كلمة "كل" مفيدا لخلاف ما يفيده الخالي عنها؛ لم يكن في الإتيان بها فائدة" لثبت مطلوبه في الصورة الثانية دون الأولى؛ لجواز أن يقال: إن فائدته فيها الدلالة على نفي الحكم عن جملة الأفراد بالمطابقة٥. واعلم أن ما ذكره هذا القائل من كون "كل" في النفي مفيدة للعموم تارة

стр. 127

وغير مفيدة أخرى مشهور١، وقد تعرض له الشيخ عبد القاهر، وغيره. وقال الشيخ٢: كلمة "كل" في النفي إن أُدخلت في حيزه بأن قُدم عليها لفظا؛ كقول أبي الطيب: ما كل ما يتمنى المرء يُدركه٣ وقول الآخر: ما كل رأْي الفتى يدعو إلى رَشَد٤ وقولنا: "ما جاء القوم كلهم، وما جاء كل القوم، ولم آخذ الدراهم كلها، ولم آخذ كل الدراهم"، أو تقديرا٥؛ بأن قدمت على الفعل المنفي وأُعمل فيها؛ لأن العامل رتبته التقدم على المعمول، كقولك: "كل الدراهم لم آخذ" توجه النفي٦ إلى الشمول خاصة دون أصل الفعل، وأفاد الكلام ثبوته لبعض أو تعلقه٧ ببعض. وإن أُخرجت من حيزه بأن قدمت عليه لفظا ولم تكن معمولة للفعل المنفي؛ توجه النفي إلى أصل الفعل، وعم ما أضيف إليه "كل" كقول النبي ﷺ لما قال له

стр. 128

ذو اليدين١: "أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ ": "كل ذلك لم يكن" أي: لم يكن واحد منهما: لا القصر ولا النسيان. وقول أبي النجم "من الرجز": قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع٢ ثم قال: "وعلة ذلك أنك إذا بدأت "بكل" كنت قد بنيت النفي عليه وسلطت الكلية على النفي، وأعملتها فيه، وإعمال معنى الكلية في النفي يقتضي ألا يشذ شيء عن النفي، فاعرفه". هذا لفظه، وفيه نظر٣. وقيل: إنما كان التقديم مفيدا للعموم دون التأخير؛ لأن صورة التقديم تُفهِم سلب لحوق المحمول للموضوع٤، وصورة التأخير تفهم سلب الحكم من غير تعرض للمحمول بسلب أو إثبات. وفيه نظر أيضا؛ لاقتضائه ألا تكون "ليس" في نحو قولنا: "ليس كل إنسان كاتبا" مفيدة لنفي كاتب. هذا إن حمل كلامه على ظاهره، وإن تُؤُوِّل بأن مراده أن التقدم يفيد سلب لحوق المحمول عن كل فرد، والتأخير يفيد سلب لحوقه لكل فرد، اندفع هذا الاعتراض، لكن كان مصادرة على

стр. 129

المطلوب١. واعلم أن المعتمد في المطلوب: الحديث، وشعر أبي النجم، وما نقلناه عن الشيخ عبد القاهر وغيره لبيان السبب، وثبوت المطلوب لا يتوقف عليه، والاحتجاج بالخبر من وجهين: أحدهما أن السؤال بـ "أم" عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم على الإبهام، فجوابه إما بالتعيين أو بنفي كل واحد منهما٢. وثانيهما ما روي أنه لما قال رسول الله ﷺ : "كل ذلك لم يكن" قال له ذو اليدين: "بعض ذلك قد كان"، والإيجاب الجزئي نقيضه السلب الكلي، وبقول٣ أبي النجم ما أشار إليه الشيخ عبد القاهر، وهو أن الشاعر فصيح "والفصيح الشائع في مثل قوله: نصب "كل"٤، وليس فيه ما يكسر له وزنا، وسياق كلامه أنه لم يأت بشيء مما ادعت عليه هذه المرأة؛ فلو كان النصب مفيدا لذلك والرفع غير مفيد لم يعدل عن النصب إلى الرفع من غير ضرورة.

стр. 130

ومما يجب التنبه له في فصل التقديم أصل؛ وهو أن تقديم الشيء على الشيء١ ضربان: تقديم على نية التأخير، وذلك في شيء أُقر مع التقديم على حكمه الذي كان عليه؛ كتقديم الخبر على المبتدأ، والمفعول على الفاعل؛ كقولك: "قائم زيد، وضرب عمرا زيدٌ"؛ فإن "قائم" و"عمرا" لم يخرجا بالتقديم عما كانا عليه من كون هذا مسندا ومرفوعا بذلك، وكون هذا مفعولا ومنصوبا من أجله. وتقديم لا على نية التأخير، ولكن على أن ينقل الشيء عن حكم إلى حكم، ويُجعل له إعراب غير إعرابه، كما في اسمين يحتمل كل منهما أن يُجعل مبتدأ والآخر خبرا له، فيقدم تارة هذا على ذاك، وأخرى ذاك على هذا؛ كقولنا: "زيد المنطلق"، و"المنطلق زيد"، فإن "المنطلق" لم يقدم على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير؛ فيكون خبر مبتدأ كما كان؛ بل على أن يُنقل عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ، وكذا القول في تأخير "زيد".

стр. 131

أغراض تأخير المسند إليه: وأما تأخيره؛ فلاقتضاء المقام تقديم المسند١.

стр. 132

تمرينات على التقديم والتأخير: تمرين١: ١- لماذا قدم المسند إليه في قول الشاعر: أنا لا أختار تقبيل يد ... قطعها أجمل من تلك القُبَل؟ ٢- لماذا أخر المسند إليه أولا وقدم ثانيا في قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ؟ تمرين٢: ١- أي الأمرين "التخصيص وتقوية الحكم" يقصد من قول الشاعر: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صَمَم؟ ٢-لماذا أخر المسند إليه أولا وقدم آخرا في قول الشاعر: وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان؟ تمرين٣: ١- ماذا تدل عليه "سوى" من الكناية أو الحقيقة في قول الشاعر: وإذا تُباع كريمة أو تُشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري؟ ٢- ماذا تدل عليه "كل" من سلب العموم أو عموم السلب في قولهم: "ما كل سوداء تمرة، وما كل بيضاء شحمة"؟ تمرين٤: ١- لماذا أخر "كل" على النفي في قول الشاعر: فيا لك من ذي حجة حِيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله؟ ٢- لماذا قدم المسند إليه في قول الشاعر: خير الصنائع في الأنام صنيعة ... تنبو بحاملها عن الإذلال؟

стр. 133

تمرينات على التقديم والتأخير: تمرين٥: ١- لماذا قدمت "سوى وغير" في قول الشاعر: سواي بتحنان الأغاريد يَطْرَب ... وغيري باللذات يلهو ويلعب؟ ٢- لماذا أخر المسند إليه في قول الشاعر: إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت؟ تمرين٦: ١- ما أحسن طريق يُختار في إثبات إفادة "كل" عموم السلب إذا وقعت قبل النفي، وسلب العموم إذا وقعت بعده؟ ٢- أي فائدة لتقسيم عبد القاهر التقديم إلى تقديم على نية التأخير، وتقديم لا على نية التأخير؟ تمرين٧: قال بعض الشعراء: أحياؤنا لا يُرزقون بدرهم ... وبألف ألف تُرزق الأموات!! ١- فلماذا أتى بالشطر الأول جملة اسمية خبرها فعليّ دون الثاني؟ ٢- من أي قسمي التقديم قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم: ٤٦] ؟ تمرين٨: ١- لماذا أخر المسند إليه في قول الشاعر: ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل ... عفاف وإقدام وحزم ونائل؟ ٢- لماذا قدم المسند إليه في قول الشاعر: وما أنا ممن تأسِر الخمر لبه ... ويملك سمعيه اليَرَاع المثقّب؟

стр. 134

تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر: وضع المضمر موضع المظهر: هذا كله مقتضى الظاهر١. وقد يُخرّج المسند إليه على خلافه؛ فيوضع المضمر موضع المظهر، كقولهم ابتداء من غير جري ذكر لفظا أو قرينة حال: "نعم رجلا زيد، وبئس رجلا عمرو" مكان "نعم الرجل وبئس الرجل"، على قول من لا يرى الأصل: "زيد نعم رجلا، وعمرو بئس رجلا"٢ وقولهم: "هو زيد عالم، وهي عمرو شجاع"٣ مكان "الشأن زيد عالم، والقصة عمرو شجاع"؛ ليتمكن في ذهن السامع ما يعقبه٤؛ فإن السامع متى لم يفهم من الضمير معنى بقي منتظرا لعقبى الكلام كيف تكون؟ فيتمكن المسموع بعده في ذهنه فضل تمكن، وهو السر في التزام تقديم ضمير الشأن أو القصة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] , وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] وقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] .

стр. 135

وضع المظهر موضع المضمر: وقد يعكس فيوضع المظهر موضع المضمر؛ فإن كان المظهر اسم إشارة فذلك إما لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بحكم بديع؛ كقوله "من البسيط": كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا١ وإما للتهكم بالسامع: كما إذا كان فاقد البصر، أو لم يكن ثَمَّ مشار إليه أصلا٢. وإما للنداء على كمال بلادته بأنه لا يدرك غير المحسوس بالبصر، أو على كمال فطانته بأن غير المحسوس بالبصر عنده كالمحسوس عند غيره، وإما لادعاء أنه كمل

стр. 136

ظهوره حتى كأنه محسوس بالبصر. ومنه في غير باب المسند إليه قوله "من الطويل": تعاللتِ كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي، قد ظفرتِ بذلك١ وإما لنحو ذلك٢. وإن كان المظهر غير اسم إشارة؛ فالعدول إليه عن المضمر إما لزيادة التمكين٣ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] ، ونظيره من غيره قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] ، وقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩] . وقول الشاعر: إن تسألوا الحق نعطِ الحق سائله٤ بدل "نعطكم إياه". وإما لإدخال الرَّوْع في ضمير السامع وتربية المهابة, وإما لتقوية داعي المأمور٥. مثالهما قول الخلفاء: "أمير المؤمنين يأمرك بكذا". وعليه من غيره: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ١. وإما للاستعطاف، كقوله: إلهي عبدك العاصي أتاكا٢ وإما لنحو ذلك٣

стр. 137

الالتفات: قال السكاكي٤:

стр. 138

هذا١ غير مختص بالمسند إليه، ولا بهذا القدر٢، بل التكلم والخطاب والغيبة مطلقا٣ ينقل كل واحد منها إلى الآخر، ويسمى هذا النقل "التفاتا" عند علماء المعاني٤ كقول ربعية بن مقروم "من البسيط": بانت سعاد فأمسى القلب معمودا ... وأخلفتك ابنة الحر المواعيدا٥ فالتفت كما ترى؛ حيث لم يقل: "وأخلفتني". وقوله "من الطويل": تذكرت والذكرى تهيجك زينبا ... وأصبح باقي وصلها قد تقضبا وحل بفلج فالأباتر أهلنا ... وشطت فحلت غمرة فمثقبا٦ فالتفت في البيتين. والمشهور عند الجمهور أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة, بعد التعبير عنه بطريق آخر منها٧.

стр. 139

وهذا أخص من تفسير السكاكي؛ لأنه أراد بالنقل أن يعبر بطريق من هذه الطرق عما عبر عنه بغيره، أو كان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بغيره منها١؛ فكل التفات عندهم التفات عنده، من غير عكس٢. مثال الالتفات من التكلم إلى الخطاب قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣ [يس: ٢٢] .

стр. 140

ومن التكلم إلى الغيبة١ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١، ٢] . ومن الخطاب إلى التكلم قول علقمة بن عبدة "من الطويل": طحا بك قلب في الحسان طروب ... بُعَيْد الشباب عصر حان مشيب يكلفني ليلى وقد شط وَلْيُها ... وعادت عَوادٍ بيننا وخطوب٢ ومن الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] . ومن الغيبة إلى التكلم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ [فاطر: ٩] . ومن الغيبة إلى الخطاب قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٤، ٥] . وقول عبد الله بن عَنَمَةَ "من البسيط": ما إن ترى السيد زيدا في نفوسهم ... كما يراه بنو كُوز ومَرهوب

стр. 141

إن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب١ وأما قول امرئ القيس "من المتقارب": تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخَلِيّ ولم ترقد وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبأ جاءني ... وخُبِّرتُه عن أبي الأسود٢ فقال الزمخشري: "فيه ثلاثة التفاتات"٣، وهذا ظاهر على تفسير السكاكي؛ لأن على تفسيره في كل بيت التفاتة، لا يقال: الالتفات عنده من خلاف مقتضى الظاهر؛ فلا يكون في البيت الثالث التفات لوروده على مقتضى الظاهر؛ لأننا نمنع انحصار الالتفات عنده في خلاف المقتضى٤؛ لما تقدم٥.

стр. 142

وأما على المشهور١ فلا التفات في البيت الأول، وفي الثاني التفاتة واحدة، فيتعين أن يكون في الثالث التفاتتان، فقيل: هما في قوله: "جاءني" إحداهما باعتبار الانتقال من الخطاب في البيت الأول، والأخرى باعتبار الانتقال من الغيبة في الثاني. وفيه نظر؛ لأن الانتقال إنما يكون من شيء حاصل ملتَبَس به؛ وإذ قد حصل الانتقال من الخطاب في البيت الأول إلى الغيبة في الثاني لم يبق الخطاب حاصلا ملتبَسا به؛ فيكون الانتقال إلى التكلم في الثالث من الغيبة وحدها، لا منها ومن الخطاب جميعا؛ فلم يكن في البيت الثالث إلا التفاتة واحدة، وقيل: إحداهما في قوله: "وذلك"؛ لأنه التفات من الغيبة إلى الخطاب٢، والثانية في قوله: "جاءني"؛ لأنه التفات من الخطاب إلى التكلم، وهذا أقرب. بلاغة الالتفات: واعلم أن الالتفات من محاسن الكلام، ووجه حسنه -على ما ذكر الزمخشري- هو أن الكلام إذا نُقل من أسلوب إلى أسلوب٣ كان ذلك أحسن تطرية٤ لنشاط السامع، وأكثر إيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب

стр. 143

واحد١. وقد تختص مواقعه بلطائف٢ كما في سورة الفاتحة٣؛ فإن العبد إذا افتتح حَمْد مولاه الحقيق بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الدال على اختصاصه بالحمد وأنه حقيق به، وجد من نفسه لا محالة محركا للإقبال عليه، فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الدال على أنه مالك للعالمين، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته، قوي ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الدال على أنه منعم بأنواع النعم: جلائلها ودقائقها؛ تضاعفت قوة ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام وهي قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الدال على أنه مالك للأمر كله يوم الجزاء تناهت قوته، وأوجب الإقبال عليه وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمّات٤.

стр. 144

وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] لم يقل: "واستغفرت لهم" وعدل عنه إلى طريق الالتفات؛ تفخيما لشأن رسول الله ﷺ وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان. وذكر السكاكي١ لالتفات امرئ القيس في الأبيات الثلاثة على تفسيره وجوها: أحدها أن يكون قصد تهويل الخطب واستفظاعه، فنبه في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهتْ وَلَه الثكلى، فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلى بعض التسلي إلا بتفجع الملوك له، وتحزنهم عليه، وخاطبها "بتطاول ليلكِ"٢ تسلية، أو على أنها لفظاعة شأن النبأ أبدت قلقا شديدا ولم تتصبر -فعل الملوك- فشك في أنها نفسه، فأقامها مقام مكروب، وخاطبها بذلك تسلية, وفي الثاني على أنه صادق في التحزن -خاطب أو لا- وفي الثالث على أنه يريد نفسه. أو نبه٣ في الأول على أن النبأ لشدته تركه حائرا، فما فَطِنَ معه لمقتضى الحال؛ فجرى على لسانه ما كان ألِفه من الخطاب الدائر في مجاري أمور الكبار أمرا ونهيا. وفي الثاني على أنه بعد الصدمة الأولى أفاق شيئا، فلم يجد النفس معه، فبنى الكلام على الغيبة. وفي الثالث على ما سبق. أو نبه٤ في الأول على أنها حين لم تثبت ولم تتبصر غاظه ذلك؛ فأقامها مقام المستحق للعتاب، فخاطبها على سبيل التوبيخ والتعيير بذلك، وفي الثاني على أن الحامل على الخطاب والعتاب لما كان هو الغيظ والغضب، وسكن عنه الغضب بالعتاب الأول، ولى عنها الوجه وهو يُدمدم قائلا: "وبات وباتت له"، وفي الثالث على ما سبق. هذا كلامه، ولا يخفى على المنصف ما فيه من التعسف٥.

стр. 145

الأسلوب الحكيم: ومن خلاف المقتضى ما سماه السكاكي١ الأسلوب الحكيم٢، وهو تلقي المخاطِب٣ بغير ما يترقب، بحمل كلامه على خلاف مراده؛ تنبيها على أنه الأولى بالقصد، أو "تلقي" السائل بغير ما يتطلب٤ بتنزيل سؤاله منزلة غيره؛ تنبيها على أنه الأولى بحاله، أو المهم له. أما الأول فكقول القبعثرى٥ للحجاج لما قال له متوعدا بالقيد: "لأحملنك على
следующие страницы →