← Баляга

Баляга · id 10281

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة

عبد المتعال الصعيدي

Полный текст (710 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب١ وأما قول امرئ القيس "من المتقارب": تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخَلِيّ ولم ترقد وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبأ جاءني ... وخُبِّرتُه عن أبي الأسود٢ فقال الزمخشري: "فيه ثلاثة التفاتات"٣، وهذا ظاهر على تفسير السكاكي؛ لأن على تفسيره في كل بيت التفاتة، لا يقال: الالتفات عنده من خلاف مقتضى الظاهر؛ فلا يكون في البيت الثالث التفات لوروده على مقتضى الظاهر؛ لأننا نمنع انحصار الالتفات عنده في خلاف المقتضى٤؛ لما تقدم٥.

стр. 142

وأما على المشهور١ فلا التفات في البيت الأول، وفي الثاني التفاتة واحدة، فيتعين أن يكون في الثالث التفاتتان، فقيل: هما في قوله: "جاءني" إحداهما باعتبار الانتقال من الخطاب في البيت الأول، والأخرى باعتبار الانتقال من الغيبة في الثاني. وفيه نظر؛ لأن الانتقال إنما يكون من شيء حاصل ملتَبَس به؛ وإذ قد حصل الانتقال من الخطاب في البيت الأول إلى الغيبة في الثاني لم يبق الخطاب حاصلا ملتبَسا به؛ فيكون الانتقال إلى التكلم في الثالث من الغيبة وحدها، لا منها ومن الخطاب جميعا؛ فلم يكن في البيت الثالث إلا التفاتة واحدة، وقيل: إحداهما في قوله: "وذلك"؛ لأنه التفات من الغيبة إلى الخطاب٢، والثانية في قوله: "جاءني"؛ لأنه التفات من الخطاب إلى التكلم، وهذا أقرب. بلاغة الالتفات: واعلم أن الالتفات من محاسن الكلام، ووجه حسنه -على ما ذكر الزمخشري- هو أن الكلام إذا نُقل من أسلوب إلى أسلوب٣ كان ذلك أحسن تطرية٤ لنشاط السامع، وأكثر إيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب

стр. 143

واحد١. وقد تختص مواقعه بلطائف٢ كما في سورة الفاتحة٣؛ فإن العبد إذا افتتح حَمْد مولاه الحقيق بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الدال على اختصاصه بالحمد وأنه حقيق به، وجد من نفسه لا محالة محركا للإقبال عليه، فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الدال على أنه مالك للعالمين، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته، قوي ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الدال على أنه منعم بأنواع النعم: جلائلها ودقائقها؛ تضاعفت قوة ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام وهي قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الدال على أنه مالك للأمر كله يوم الجزاء تناهت قوته، وأوجب الإقبال عليه وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمّات٤.

стр. 144

وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] لم يقل: "واستغفرت لهم" وعدل عنه إلى طريق الالتفات؛ تفخيما لشأن رسول الله ﷺ وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان. وذكر السكاكي١ لالتفات امرئ القيس في الأبيات الثلاثة على تفسيره وجوها: أحدها أن يكون قصد تهويل الخطب واستفظاعه، فنبه في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهتْ وَلَه الثكلى، فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلى بعض التسلي إلا بتفجع الملوك له، وتحزنهم عليه، وخاطبها "بتطاول ليلكِ"٢ تسلية، أو على أنها لفظاعة شأن النبأ أبدت قلقا شديدا ولم تتصبر -فعل الملوك- فشك في أنها نفسه، فأقامها مقام مكروب، وخاطبها بذلك تسلية, وفي الثاني على أنه صادق في التحزن -خاطب أو لا- وفي الثالث على أنه يريد نفسه. أو نبه٣ في الأول على أن النبأ لشدته تركه حائرا، فما فَطِنَ معه لمقتضى الحال؛ فجرى على لسانه ما كان ألِفه من الخطاب الدائر في مجاري أمور الكبار أمرا ونهيا. وفي الثاني على أنه بعد الصدمة الأولى أفاق شيئا، فلم يجد النفس معه، فبنى الكلام على الغيبة. وفي الثالث على ما سبق. أو نبه٤ في الأول على أنها حين لم تثبت ولم تتبصر غاظه ذلك؛ فأقامها مقام المستحق للعتاب، فخاطبها على سبيل التوبيخ والتعيير بذلك، وفي الثاني على أن الحامل على الخطاب والعتاب لما كان هو الغيظ والغضب، وسكن عنه الغضب بالعتاب الأول، ولى عنها الوجه وهو يُدمدم قائلا: "وبات وباتت له"، وفي الثالث على ما سبق. هذا كلامه، ولا يخفى على المنصف ما فيه من التعسف٥.

стр. 145

الأسلوب الحكيم: ومن خلاف المقتضى ما سماه السكاكي١ الأسلوب الحكيم٢، وهو تلقي المخاطِب٣ بغير ما يترقب، بحمل كلامه على خلاف مراده؛ تنبيها على أنه الأولى بالقصد، أو "تلقي" السائل بغير ما يتطلب٤ بتنزيل سؤاله منزلة غيره؛ تنبيها على أنه الأولى بحاله، أو المهم له. أما الأول فكقول القبعثرى٥ للحجاج لما قال له متوعدا بالقيد: "لأحملنك على

стр. 146

الأدهم": "مثل الأمير يحمل على الأدهم١ والأشهب". فإنه أبرز وعيده في معرض الوعد، وأراه بألطف وجه أنّ من كان على صفته في السلطان وبسطة اليد فجدير بأن يُصْفِد لا أن يَصْفِد٢، وكذا قوله له لما قال له في الثانية: "إنه حديد": "لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا"٣. وعن سلوك هذه الطريقة في جواب المخاطَب عبّر من قال مفتخرا "من الطويل": أتت تشتكي عندي مزاولة القِرَى ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلي فقلت كأني ما سمعت كلامها: ... هم الضيف جدي في قراهم وعجلي٤ وسماه الشيخ عبد القاهر "مغالطة"٥. وأما الثاني؛ فكقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] قالوا: "ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا؟ "٦ وكقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] ، سألوا عن بيان ما ينفقون، فأجيبوا ببيان المصرف٧.

стр. 147

التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي: ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ المضي١ تنبيها على تحقق وقوعه، وأن ما هو للوقوع كالواقع؛ كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] ، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ ... ﴾ الآية [الأعراف: ٤٨] جعل المتوقع الذي لا بد من وقوعه بمنزلة الواقع. وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زُنبور وهو طفل، فجاء إليه يبكي، فقال له: يا بني ما لك؟ قال: لسعني طُوَيِّر كأنه ملتف في بردي حِبَرَة٢. فضمه إلى صدره وقال: يا بني قد قلت الشعر. ومثله التعبير عنه باسم القاعل٣: كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] وكذا باسم المفعول؛ كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] .

стр. 148

القلب: ومنه القلب١؛ كقول العرب: "عرضت الناقة على الحوض"٢، ورده مطلقا قوم٣، وقبله مطلقا قوم٤، منهم السكاكي٥. والحق أنه إن تضمن اعتبارا لطيفا٦ قُبِل، وإلا رُدّ.

стр. 149

أما الأول١, فكقول رؤبة "من الرجز": ومَهْمَهٍ مغبرّة أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه٢ أي: كأن لون سمائه لغبرتها لون أرضه، فعكس التشبيه للمبالغة. ونحوه قول أبي تمام يصف قلم الممدوح "من الطويل": لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأَرْي الجَنَى اشتارته أيدٍ عواسل٣ وأما الثاني٤, فكقول القطامي: كما طينت بالفَدَن السِّياعا٥

стр. 150

وقول حسان: يكون مِزاجها عسل وماء١ وقول عروة بن الورد: فديت بنفسه نفسي ومالي٢ وقول الآخر: دولا يك موقف منكِ الوداعا٣

стр. 151

وقد ظهر من هذا أن قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] ليس واردا على القلب١؛ إذ ليس في تقدير القلب فيه اعتبار لطيف، وكذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ ٢، وكذا قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ٣ فأصل الأول: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا أي: إهلاكنا، وأصل الثاني: ثم أراد الدنوّ من محمد ﷺ فتدلى فتعلق عليه في الهواء، ومعنى الثالث: تَنَحَّ عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه؛ ليكون ما يقولونه بمسمَع منك، فانظر ماذا يرجعون، فيقال: إنه دخل عليها من كُوَّة، فألقى الكتاب إليها وتوارى في الكوة. وأما قول خِدَاش: وتشقى الرماح بالضَّياطِرَة الحُمْر٤ فقد ذُكر له سوى القلب٥ وجهان: أحدهما: أن يجعل شقاء الرماح بهم استعارة عن كسرها بطعنهم بها، والثاني: أن يجعل نفس طعنهم شقاء لها تحقيرا لشأنهم, وأنهم ليسوا أهلا لأن يُطعنوا بها، كما يقال: "شَقِيَ الخز بجسم فلان"، إذا لم

стр. 152

يكن أهلا للبسه. وقيل في قول قَطَرِيّ بن الفُجَاءَة "من الكامل": ثم انصرفت وقد أصبت ولم أُصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام١ إنه من باب القلب٢، على أن "لم أُصب" بمعنى لم أُجرح، أي: قارح البصيرة جذع الإقدام٣ كما يقال: "إقدام غِرّ ورأي مجرب"، وأجيب عنه٤ بأن "لم أصب" بمعنى لم أُلْفَ بهذه الصفة، بل وجدت بخلافها جذع الإقدام قارح البصيرة، على أن قوله: "جذع البصيرة قارح الإقدام" حال من الضمير المستتر في "لم أصب"، فيكون متعلقا بأقرب مذكور، ويؤيد هذا الوجه قوله قبله: لا يركنَنْ أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفا لحِمام٥ فلقد أراني للرماح دَرِيئة ... من عن يميني مرة وأمامي٦ حتى خَضَبْتُ بما تحدّر من دمي ... أكناف سَرْجي أو عنان لجامي٧ فإن الخضاب بما تحدر من دمه دليل على أنه جُرح، وأيضا فحوى كلامه أن مراده أن يدل على أنه جرح لم يمت، إعلاما أن الإقدام غير علة للحمام، وحثا على الشجاعة وبغض الفرار

стр. 153

تمرينات على تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر: تمرين ١: بين ما يحتمل الالتفات والتجريد، وما يتعين فيه الالتفات مما يأتي: ١- قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] . ٢- هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم؟ تمرين٢: ١- بين الالتفات في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١] ، ومن أي قسم من أقسام الالتفات هو؟ ٢- هل يعد من الالتفات أو لا يعد قول الشاعر: أأنت الهلالي الذي كنت مرة ... سمعنا به والأرحبيّ المغلب؟ تمرين ٣: ١- من أي أنواع خلاف مقتضى الظاهر ما في قول الشاعر: ومية أجمل الثَّقَلَين جِيدا ... وسالفة وأحسنه قذالا؟ ٢- هل يقبل القلب أو لا يقبل في قول الشاعر: رأيت شيخا قد تحنى صلبه ... يمشي فيقعس أو يكب فيعثر؟ تمرين٤: ١- من أي أنواع خلاف مقتضى الظاهر ما في قول الشاعر: فرجي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزي آبا؟

стр. 154

٢- هل يعد من القلب أو لا يعد ما في قول الشاعر: وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق!! تمرين٥: ١- من أي نوعي الأسلوب الحكيم ما في قول الشاعر: وقالوا: قد صفت منا قلوب ... نعم ... صدقوا ولكن عن ودادي؟ ٢- من أي أنواع الالتفات ما في قول الشاعر: سألت نسيم أرضك حين وافى ... وقلت: صف القوام ولا تُحاشي؟ تمرين٦: ١- من أي أنواع خلاف مقتضى الظاهر ما في قول الشاعر: كلوا في بعض بطنكم تعفّوا ... فإن زمانكم زمن خميص؟ ٢- متى يكون من خلاف مقتضى الظاهر ما في قول الشاعر: نعم امرأ هَرِم لم تعر نائبة ... إلا وكان لمرتاع بها وزرا؟ تمرين ٧: ١- بين ما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] من الخروج على مقتضى الظاهر. ٢- بين ما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] من الخروج على مقتضى الظاهر. ٣- بين ما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧] من الخروج على مقتضى الظاهر.

стр. 155

الباب الثالث: القول في أحوال المسند حذف المسند: أغراض الحذف: أما تركه فلنحو ما سبق في باب المسند إليه١. من تخييل العدول إلى أقوى الدليلين. ومن اختبار تنبه السامع عند قيام القرينة، أو مقدار تنبهه. ومن الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر٢؛ إما مع ضيق المقام كقوله: فإني وقَيَّار بها لغريب٣ أي: وقيار كذلك٤. وكقوله "من المنسرح":

стр. 156

نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلف١ أي: نحن بما عندنا راضون. وكقول أبي الطيب "من الكامل": قالت وقد رأت اصفراري: من به؟ ... وتَنَهّدتْ، فأجبتها: المتنهِّد٢ أي: المتنهد هو المطالَب به٣، دون: المطالب به هو المتنهد, إن فسر بمن المطالب به؟ لأن مطلوب السائلة -على هذا- الحكم على شخص معين بأنه المطالب به ليتعين عندها، لا الحكم على المطالب به بالتعيين، وقيل: معناه من فعل به؟ فيكون التقدير: فعل به المتنهد٤. وإما بدون الضيق، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] على وجه؛ أي: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، ويجوز أن يكون جملة واحدة، وتوحيد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله، فكانا في حكم مَرضِيّ

стр. 157

واحد؛ كقولنا: "إحسان زيد وإجماله نعشني وجبر مني"١، وكقولك: "زيد منطلق وعمرو" أي: وعمرو كذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] أي: واللائي لم يحضن مثلهن، وقولك: "وخرجت فإذا زيد"٢, وقولك لمن قال: هل لك أحد، إن الناس إِلب عليك: "إن زيدا وإن عمرا" أي: إن لي زيدا وإن لي عمرا٣. وعليه قوله: إن محلا وإن مرتحلا٤ أي: إن لنا محلا في الدنيا، وإن لنا مرتحلا عنها إلى الآخرة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ ٥ [الإسراء: ١٠٠] تقديره: "لو تملكون تملكون ... " مكررا لفائدة التأكيد، فأُضمر "تملك" الأول إضمارا على شريطة التفسير، وأُبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير منفصل وهو "أنتم"؛ لسقوط ما يتصل به

стр. 158

من اللفظ؛ فـ "أنتم" فاعل الفعل المضمر، و"تملكون" تفسيره. قال الزمخشري: هذا ما يقتضيه علم الإعراب، فأما ما يقتضيه علم البيان١ فهو أن ﴿أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ فيه دلالة على الاختصاص، وأن الناس هم المختصون بالشحّ المتبالغ٢. ونحوه قول حاتم: "لو ذات سوار لطمتْني"٣, وقول المتلمس: ولو غير إخواني أرادوا نقيصتي٤ وذلك لأن الفعل الأول٥ لما سقط لأجل المفسِّر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر. وكقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] أي: كمن لم يزين له سوء عمله. والمعنى: أفمن زين له سوء عمله من الفريقين اللذين تقدم ذكرهما

стр. 159

-الذين كفروا، والذين آمنوا- كمن لم يزين له سوء عمله؟ ثم كأن رسول الله ﷺ لما قيل له ذلك قال: لا، فقيل: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨] . وقيل: المعنى: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرات؟ فحذف الجواب١ لدلالة: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أو "المعنى": أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله؟ فحذف لدلالة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . وأما قوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] , وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١] , وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: ٥٣] فكل منها يحتمل الأمرين: حذف المسند إليه، وحذف المسند؛ أي: فأمري صبر جميل، أو: فصبر جميل أجمل٢، و: هذه سورة أنزلناها، أو: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، و: أمركم أو الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو: طاعتكم طاعة معروفة، أي: بأنها بالقول دون الفعل، أو: طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة. ومما يحتمل الوجهين قوله : ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] قيل: التقدير: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، ورد بأنه تقرير لثبوت "آلهة"؛ لأن النفي إنما يكون للمعنى المستفاد من الخبر دون معنى المبتدأ, كما تقول: "ليس أمراؤنا ثلاثة" فإنك

стр. 160

تنفي به أن تكون عدة الأمراء ثلاثة، دون أن تكون لكم أمراء، وذلك١ إشراك، مع أن قوله تعالى بعده: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يناقضه. والوجه: أن ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ صفة مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف مميزه، لا خبر مبتدأ، والتقدير: "ولا تقولوا لنا -أو في الوجود- آلهة ثلاثة أو ثلاثة آلهة"٢ ثم حُذف الخبر كما حُذف من "لا إله إلا الله"، و"ما من إله إلا الله", ثم حذف الموصوف أو المميز كما يحذفان في غير هذا الموضع؛ فيكون النهي عن إثبات الوجود لآلهة، وهذا ليس فيه تقرير لثبوت إلهين، مع أن ما بعده أعني قوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ينفي ذلك، فيحصل النهي عن الإشراك والتوحيد من غير تناقض؛ ولهذا يصح أن يتبع نفي الاثنين فيقال: "ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان"؛ لأنه كقولنا: "ليس لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان" وهذا صحيح، ولا يصلح أن يقال على التقدير الأول: "ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، ولا اثنان"؛ لأنه كقولنا: "ليست آلهتنا ثلاثة ولا اثنين" وهذا فاسد، ويجوز أن يقدر: "ولا تقولوا: الله والمسيح وأمه ثلاثة٣؛ أي: لا تعبدوهما كما تعبدونه"؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] فيكون المعنى "ثلاثة مستوون في الصفة والرتبة"؛ فإنه قد استقر في العرف أنه إذا أريد إلحاق اثنين بواحد في وصف وأنهما شبيهان له أن يقال: "هم ثلاثة"، كما يقال إذا أريد إلحاق واحد بآخر وجعله في معناه: هما اثنان. واعلم أن الحذف لا بد له من قرينة؛ كوقوع الكلام جوابا عن سؤال: إما

стр. 161

محقق١ كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] , وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] ، وإما مقدر، نحو: ليُبْكَ يزيد ضارع لخصومة٢ وقراءة من قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦] وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] ببناء الفعل "يسبَّح، ويوحَى" للمفعول٣. وفضل هذا التركيب على خلافه -أعني نحو: "ليبك يزيد ضارع" ببناء الفعل للفاعل، ونصب "يزيد"- من وجوه: أحدها أن هذا التركيب يفيد إسناد الفعل إلى الفاعل مرتين؛ إجمالا ثم تفصيلا، والثاني أن نحو "يزيد" فيه ركن الجملة لا فضلة٤، والثالث أن أوله غير مطمع للسامع في ذكر الفاعل، فيكون عند ورود ذكره كمن تيسرت له غنيمة من حيث لا يحتسب، وخلافه بخلاف ذلك. ومن هذا الباب -أعني: الحذف الذي قرينته وقوع الكلام جوابا عن سؤال مقدر- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] على وجه٥؛ فإن ﴿لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ إن جعلا مفعولين لـ "جعلوا"، فـ "الجن" يحتمل وجهين: أحدهما ما ذكره الشيخ عبد القاهر٦ من أن يكون منصوبا بمحذوف دل عليه سؤال مقدر، كأنه قيل: من جعلوا لله شركاء؟ فقيل: الجن، فيفيد الكلام إنكار الشرك مطلقا، فيدخل اتخاذ الشريك من غير الجن في الإنكار، دخول اتخاذه من الجن، والثاني: ما ذكره الزمخشري، وهو أن ينتصب ﴿الْجِنَّ﴾ بدلا من ﴿شُرَكَاءَ﴾ ، فيفيد إنكار الشريك مطلقا أيضا كما مر٧، وإن جُعل ﴿لِلَّهِ﴾ لغوا٨ كان ﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ مفعولين، قدم ثانيهما على الأول، وفائدة التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك مَلَكا كان أو جِنِّيا أو غيرهما، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء، ولو لم يُبْنَ الكلام على التقديم وقيل: "وجعلوا الجن شركاء لله" لم يفد إلا إنكار جعل الجن شركاء، والله أعلم. ومنه ارتفاع المخصوص في باب "نعم وبئس" على أحد القولين٩.

стр. 162

أغراض الذكر: وأما ذكره: فإما لنحو ما مر في باب المسند إليه من زيادة التقرير، وللتعريض بغباوة السامع، والاستلذاذ، والتعظيم، والإهانة، وبسط الكلام١.

стр. 163

وإما ليتعين كونه اسما، فيستفاد منه الثبوت١، أو كونه فعلا، فيستفاد منه التجدد٢، أو كونه ظرفا٣، فيورِث احتمال الثبوت والتجدد٤، وإما لنحو ذلك. قال السكاكي٥: وإما للتعجيب من المسند إليه بذكره؛ كما إذا قلت: "زيد يقاوم الأسد" مع دلالة قرائن الأحوال٦. وفيه نظر؛ لحصول التعجيب بدون الذكر إذا قامت القرينة٧.

стр. 164

تمرينات على الذكر والحذف: تمرين١: ١- لِمَ حُذف المسند في قول الشاعر: ولولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُفْقِر والإقدام قتال؟ ٢- لِمَ ذكر المسند بعد "بل" في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٢، ٦٣] ؟ تمرين ٢: ١- لِمَ حذف المسند الأول وأعيد ذكر الثاني في قول الشاعر: لولا التقا لجعلت قبركَ كعبتي ... وجعلت قولك سنّتي وكتابي؟ ٢- لِمَ حذف المسند في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ؟ تمرين٣: ١- لِمَ حذف المسند أولا ثم المسند إليه ثانيا في قول الشاعر: والناس هذا حظه مال وذا ... علم وذاك مكارم الأخلاق؟ ٢- بين المحذوف والداعي إلى حذفه في قول الشاعر: والطير أقعدها الكَرَى ... والناس نامت والوجود تمرين٤: ١- لماذا حذف المسند في قولهم: "أحَشْفًا وسُوءَ كيلة؟! "؟ ٢- لماذا أعيد ذكر المسند في قول الخنساء: أعينيّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى ألا تبكيان الجواد الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا؟

стр. 165

أغراض المسند: أغراض الإفراد: وأما إفراده فلكونه غير سببي مع عدم إفادة تقوي الحكم١؛ كقولك: "زيد منطلق، وقام عمرو" والمراد بالسببي نحو: "زيد أبوه منطلق"٢. قال السكاكي٣: وأما الحالة المقتضية لإفراده فهي إذا كان فعليا ولم يكن المقصود من نفس التركيب تقوي الحكم، وأعني بالمسند الفعلي ما يكون مفهومه محكوما به بالثبوت للمسند إليه أو بالانتفاء عنه، كقولك: "أبو زيد منطلق، والكُرّ٤ من البُرّ بستين، وضُرب أخو عمرو، ويشكرك بكر إن تعطه، وفي الدار خالد"؛ إذ تقديره: "استقر أو حصل في الدار" على أقوى الاحتمالين٥؛ لتمام الصلة بالظرف، كقولك: "الذي في الدار أخوك"٦. وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن ما ذكره في تفسير المسند الفعلي يجب أن يكون تفسيرا للمسند مطلقا٧، والظاهر أنه إنما قصد به الاحتراز عن المسند السببي، إذ فسر المسند السببي بعد هذا بما يقابل تفسير المسند الفعلي، ومثّله بقولنا: "زيد أبوه منطلق أو انطلق، والبر الكر منه بستين" فجعل -كما ترى- أمثلة السببي مقابلة لأمثلة الفعلي مع الاشتراك في أصل المعنى٨. والثاني أن الظرف الواقع خبرا إذا كان مقدرا بجملة -كما اختاره- كان قولنا: "الكر من البر بستين" تقديره: "الكر من البر استقر بستين"، فيكون المسند جملة، ويحصل تقوي الحكم كما مر، وكذا إذا كان: "في الدار خالد" تقديره: "استقر في الدار خالد" كان المسند جملة أيضا؛ لكون "استقر" مسندا إلى ضمير "خالد" لا إلى "خالد" على الأصح؛ لعدم اعتماد الظرف على شيء٩.

стр. 166

أغراض كون المسند فعلا أو اسما: وأما كونه فعلا: فللتقييد بأحد الأزمنة الثلاثة على أخصر ما يمكن١ مع إفادة التجدد٢. وأما كونه اسما: فلإفادة عدم التقييد٣ والتجدد، ومن البين فيهما قول الشاعر "من البسيط": لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق٤ وقوله "من الكامل": أَوَكلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسم٥ إذ معنى الأول على انطلاق ثابت للدرهم مطلقا من غير اعتبار تجدده وحدوثه، ومعنى الثاني على توسم وتأمل ونظر يتجدد٦ من العريف هناك.

стр. 167

أغراض تقييد الفعل بمفعول ونحوه، وترك تقييد الفعل: وأما تقييد الفعل بمفعول ونحوه فلتربية الفائدة١ كقولك: "ضربت ضربا شديدا، وضربت زيدا، وضربت يوم الجمعة، وضربت أمامك، وضربت تأديبا، وضربت بالسوط، وجلست والساريةَ، وجاء زيد راكبا، وطاب زيد نفسًا، وما ضرب إلا زيد، وما ضربت إلا زيدا"٢. والمقيد في نحو: "كان زيد قائما" هو "قائما" لا "كان"٣. وأما ترك تقييده فلمانع من تربية الفائدة٤.

стр. 168

أغراض تقييد الفعل بالشرط: إن، وإذا، ولو وأما تقييده١ بالشرط: فلاعتبارات لا تعرف إلا بمعرفة ما بين أدواته من التفصيل، وقد بُيِّن ذلك في علم النحو٢، ولكن لا بد من النظر ههنا في: "إن، وإذا، ولو".

стр. 169

أما "إن وإذا" فهما للشرط في الاستقبال١، لكنهما يفترقان في شيء: وهو أن الأصل في "إن" ألا يكون الشرط فيها مقطوعا بوقوعه٢؛ كما تقول لصاحبك: "إن تكرمني أكرمك" وأنت لا تقطع بأنه يكرمك. والأصل في "إذا" أن يكون الشرط فيها مقطوعا بوقوعه٣ كما تقول: إذا زالت الشمس آتيك. ولذلك كان الحكم النادر موقعا لـ "إن"؛ لأن النادر غير مقطوع به في غالب الأمر، وغلب لفظ الماضي مع "إذا" لكونه أقرب إلى القطع بالوقوع نظرا إلى اللفظ٤؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] أتى٥ في جانب الحسنة بلفظ "إذا"؛ لأن المراد بالحسنة الحسنة المطلقة التي حصولها مقطوع به؛ ولذلك عرفت تعريف الجنس٦. وجوز السكاكي٧ أن يكون تعريفها للعهد، وقال: "وهذا أقصى لحق البلاغة"،

стр. 170

وفيه نظر١. وأتى في جانب السيئة بلفظ "إن"؛ لأن السيئة نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة؛ ولذلك نكرت٢. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] أتى بـ "إذا" في جانب الرحمة، وأما تنكيرها فجعله السكاكي٣ للنوعية نظرا إلى لفظ الإذاقة, وجعله للتقليل نظرا إلى لفظ الإذاقة -كما قال- أقرب٤. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ [الروم: ٣٣] بلفظ "إذا" مع الضر فللنظر إلى لفظ "المس", وإلى تنكير "الضر" المفيد في المقام التوبيخي القصد إلى اليسير من الضر، وإلى الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضر، وللتنبيه على أن مساس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء حقه أن يكون في حكم المقطوع به، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] بعد قوله : ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي: أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه وتكبر وتعظم؛ فالذي تقتضيه البلاغة أن يكون الضمير في "مسه" للمعرض المتكبر، ويكون لفظ "إذا" للتنبيه على أن مثله يحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا به.

стр. 171

قال الزمخشري: وللجهل بموقع "إن" و"إذا" يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب فيغلطون؛ ألا ترى إلى عبد الرحمن بن حسان١ كيف أخطأ بهما الموقع في قوله يخاطب بعض الولاة، وقد سأله حاجة فلم يقضها، ثم شفع له فيها فقضاها "من الطويل": ذُمِمْت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم أجرها واصطناعها أبى لك كسب الحمد رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها فلو عكس لأصاب٢. وقد تستعمل "إن" في مقام القطع بوقوع الشرط لنكتة: كالتجاهل؛ لاستدعاء المقام إياه٣. وكعدم جزم المخاطب؛ كقولك لمن يُكذّبك٤ فيما تخبر: إن صدقتُ فقل لي ماذا تفعل؟ وكتنزيله منزلة الجاهل٥؛ لعدم جريه على موجب العلم، كما تقول لمن يؤذي أباه: "إن كان أباك فلا تؤذه". وكالتوبيخ على الشرط، وتصوير أن المقام لاشتماله على ما يقلعه عن أصله لا

стр. 172

يصلح إلا لفرضه كما يفرض المحال لغرض١، كقوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ٢ فيمن قرأ "إِنْ" بالكسر لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف، وتصوير أن الإسراف من العاقل في هذا المقام واجب الانتفاء، حقيق ألا يكون ثبوته له إلا على مجرد الفرض. وكتغليب غير المتصف بالشرط على المتصف به٣، ومجيء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] بـ "إن", يحتمل أن يكون للتوبيخ على الريبة لاشتمال المقام على ما يقلعها عن أصلها، ويحتمل أن يكون لتغليب غير المرتابين من المخاطَبين على المرتابين منهم٤؛ فإنه كان فيهم من يعرف الحق؛ وإنما ينكر عنادا٥، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج: ٥] .

стр. 173

استطراد إلى التغليب: والتغليب باب واسع١ يجري في فنون كثيرة٢؛ كقوله تعالى: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] أُدخل شعيب ﵇ في: ﴿لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ بحكم التغليب؛ إذ لم يكن شعيب في ملتهم أصلا. ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٩] , وكقوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] عدت الأنثى من الذكور بحكم التغليب٣، وكقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤] عد إبليس من الملائكة

стр. 174

بحكم التغليب، وكقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] بتاء الخطاب، غُلِّب جانب "أنتم" على جانب "قوم"١. ومثله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] فيمن قرأ بالتاء٢. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] غلب المخاطبون في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ على الغائبين٣ في اللفظ، والمعنى على إرادتهما جميعا؛ لأن "لعل" متعلقة بـ "خلقكم" لا بـ "اعبدوا"٤، وهذا من غوامض التغليب. وكقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] فإن الخطاب فيه٥ شامل للعقلاء والأنعام، فغلب فيه المخاطبون٦ على الغُيَّب٧ والعقلاء٨ على الأنعام٩. وقوله تعالى ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي: يبثّكم ويُكثركم في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد

стр. 175

والتناسل، فجعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبثّ والتكثير؛ ولذلك قيل: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ ولم يقل: "به" كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ١. واعلم أنه لما كانت هاتان الكلمتان لتعليق أمر بغيره -أعني الجزاء بالشرط- في الاستقبال٢، امتنع في كل واحدة من جملتيهما الثبوت، وفي أفعالهما المضي؛ أعني: أن يكون كلتا الجملتين أو إحداهما اسمية، أو كلا الفعلين أو أحدهما ماضيا، ولا يخالف ذلك لفظا٣؛ نحو: "إن أكرمتني أكرمتك، وإن أكرمتني أكرمك، وإن تكرمني أكرمتك، وإن تكرمني فأنت مكرم، وإن أكرمتني الآن فقد أكرمتك أمس" إلا لنكتة ما٤؛ مثل إبراز غير الحاصل في صورة الحاصل؛ إما لقوة الأسباب المتآخذة في وقوعه، كقولك: "إن اشترينا كذا" حال انعقاد الأسباب في ذلك، وإما لأن ما هو للوقوع كالواقع؛ كقولك: "إن مت كان كذا وكذا" كما سبق، وإما للتفاؤل، وإما

стр. 176

لإظهار الرغبة في وقوعه١؛ نحو: "إن ظفرتَ بحسن العاقبة فهو المرام"؛ فإن الطالب إذا تبالغت رغبته في حصول أمر يكثر تصوره إياه، فربما يُخيل إليه حاصلا، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ٢, وقد يَقْوَى هذا التخيل عند الطالب حتى إذا وَجَدَ حكم الحس بخلاف حكمه غلّطه تارة، واستخرج له محملا أخرى، وعليه قول أبي العلاء المعري "من البسيط": ما سرتُ إلا وطيف منك يصحبني ... سُرًى أمامي وتأويبا على أثري٣ يقول: لكثرة ما ناجيت نفسي بكِ انتقشتِ في خيالي، فأعدكِ بين يدي مغلطا للبصر -بعلة الظلام- إذا لم يدركك ليلا أمامي، وأعدك خلفي إذا لم يتيسر لي تغليطه حين لا يدركك بين يدي نهارا. وإما لنحو ذلك. قال السكاكي٤: أو للتعريض٥؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا

стр. 177

لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٥] وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٠٩] . ونظيره في التعريض قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١. المراد: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم؟! والمنبه عليه ﴿تُرْجَعُونَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٢٣, ٢٤] إذ المراد: أتتخذون من دونه آلهة إن يردكم الرحمن بضر لا تغن عنكم شفاعتهم شيئا، ولا ينقذوكم إنكم إذًا لفي ضلال مبين؛ ولذلك قيل٣: ﴿آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ دون "بربي"، وأتبعه ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ . ووجه حسنه٤ تطلّب إسماع المخاطبين -الذين هم أعداء المُسْمِع- الحق على وجه لا يورثهم مزيد غضب، وهو ترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل، ومواجهتهم بذلك، ويعين على قبوله٥؛ لكونه أدخل في إمحاض النصح لهم، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥] ، فإن من حق النسق من حيث الظاهر: "قل لا

стр. 178

تسألون عما عملنا ولا نسأل عما تجرمون". وكذا ما قبله١: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ . قال السكاكي رحمه الله٢: وهذا النوع من الكلام يسمى المُنْصِف. ومما يتصل بما ذكرناه أن الزمخشري قدر قوله تعالى: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢] عطفا على جواب الشرط في قوله: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ ، وقال: الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب٣, فإن فيه نكتة، كأنه قيل: وودّوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم؛ يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفارا. وردكم كفارا أسبق المضار عندهم وأولها؛ لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم؛ لأنكم بذّالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه. هذا كلامه، وهو حسن دقيق، لكن في جعل ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ عطفا على جواب الشرط نظر؛ لأن ودادتهم أن يرتدوا كفارا حاصلة وإن لم يظفروا بهم؛ فلا يكون في تقييدها بالشرط فائدة؛ فالأولى أن يجعل قوله: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ عطفا على الجملة الشرطية؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ٤. لو: وأما "لو" فهي للشرط في الماضي مع القطع بانتفاء الشرط؛ فيلزم انتفاء الجزاء٥؛ كانتفاء الإكرام في قولك: "لو جئتَني لأكرمتك" ولذلك قيل: هي لامتناع

стр. 179

الشيء لامتناع غيره١، ويلزم كون جملتيها فعليتين، وكون الفعل ماضيا٢؛ فدخولها على المضارع٣ في نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] لقصد استمرار الفعل فيما مضى وقتا فوقتا٤، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] بعد قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ٥ وفي قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] ٦.

стр. 180

ودخولها عليه في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ: ٣١] ؛ لتنزيله منزلة الماضي؛ لصدوره عمن لا خلاف في إخباره، كما نُزِّل ﴿يَوَدُّ﴾ منزلة "ود" في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] ١. ويجوز أن يرد الغرض من لفظ "ترى" و"يود" إلى استحضار صورة٢ رؤية المجرمين ناكسي الرءوس قائلين لما يقولون، وصورة رؤية الظالمين موقوفين عند ربهم متقاولين بتلك المقالات، وصورة وَدادة الكافرين لو أسلموا كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] . إذ قال: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ استحضارا٣ لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة، من إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض، تبدو في الأول كأنها قطع قطن مندوف، ثم تتضامّ متقلبة بين أطوار حتى يَعُدْن ركاما. وكقول تأبط شرا٤ "من الوافر":
следующие страницы →