وإما للاحتياط لضعف التعويل على القرينة١. وإما للتنبيه على غباوة السامع٢. وإما لزيادة الإيضاح والتقرير٣. وإما لإظهار تعظيمه أو إهانته كما في بعض الأسامي المحمودة أو المذمومة٤. وإما للتبرك بذكره٥. وإما لاستلذاذه٦. وإما لبسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب؛ كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٨] ؛ ولهذا زاد على الجواب٧. وإما لنحو ذلك٨.
стр. 72
قال السكاكي١: "وإما لكون الخبر عام النسبة إلى كل مسند إليه، والمراد تخصيصه بمعين٢؛ كقولك: "زيد جاء، وعمرو ذهب، وخالد في الدار" وقوله "من الكامل":
الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل٣
وقوله "من الكامل":
النفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا تُرد إلى قليل تقنع"٤
وفيه نظر؛ لأنه إن قامت قرينة تدل عليه إن حُذف، فعموم الخبر وإرادة تخصيصه بمعين وحدهما لا يقتضيان ذكره، وإلا فيكون ذكره واجبا٥.
стр. 73
تمرينات على الذكر والحذف:
تمرين١:
لماذا حُذف المسند إليه في الأمثلة الآتية:
١-
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
٢-
سألوني في سقامي: ... كيف حالي؟ قلت: نِضْو
٣-
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال: بخيل
تمرين٢:
لماذا ذُكر المسند إليه في الأمثلة الآتية:
١-
وإني لحلو تعتريني مرارة ... وإني لترّاك لما لم أُعَوَّد
٢- قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] .
٣- قوله ﷺ : "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
تمرين٣:
بين حال المسند إليه في الذكر والحذف، والداعي إليهما فيما يأتي:
١-
قوّال محكمة نقّاض مبرمة ... فتّاح مبهمة حبّاس أوراد
٢- قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] .
٣-
إن تُبتَدَر غاية يوما لمكرمة ... تلقَ السوابق منا والمصلينا
٤- قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] .
стр. 74
أغراض تعريف المسند إليه:
أغراض التعريف: وأما تعريفه فلتكون الفائدة أتم١؛ لأن احتمال تحقق الحكم متى كان أبعد كانت الفائدة في الإعلام به أقوى، ومتى كان أقرب كانت أضعف، وبعده بحسب تخصيص٢ المسند إليه، والمسند كلما ازداد تخصيصا ازداد الحكم بعدا، وكلما ازداد عموما ازداد الحكم قربا، وإن شئت فاعتبر حال الحكم في قولنا: "شيء ما موجود"، وفي قولنا: "فلان بن فلان يحفظ الكتاب"، والتخصيص: كماله بالتعريف.
أغراض التعريف بالإضمار: ثم التعريف مختلف؛ فإن كان بالإضمار: فإما لأن المقام مقام التكلم٣؛ كقول بشار "من البسيط":
أنا المرعث لا أخفى على أحد ... ذَرَّتْ بي الشمس للقاصي وللداني٤
وإما لأن المقام مقام الخطاب؛ كقول الحماسية "من الطويل":
стр. 75
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمتّ بي من كان فيك يلوم١
وإما لأن المقام مقام الغيبة؛ لكون المسند إليه مذكورا أو في حكم المذكور لقرينة٢؛ كقوله "من الوافر":
من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا
هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا٣
وقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: العدل، وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أي: ولأبوي الميت٤.
وأصل الخطاب أن يكون لمعين، وقد يُترك إلى غير معين٥؛ كما تقول: "فلان لئيم، إذا أكرمتَه أهانك، وإن أحسنتَ إليه أساء إليكَ" فلا تريد مخاطبا بعينه، بل تريد إن أُكرم أو أُحسن إليه، فتُخرجه في صورة الخطاب؛ ليفيد العموم؛ أي: سوء معاملته غير مختص بواحد دون واحد. وهو في القرآن كثير، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] أُخرج في صورة الخطاب لما أريد العموم للقصد إلى تفظيع حالهم، وأنها تناهت في الظهور حتى امتنع خفاؤها؛ فلا تختص بها رؤية راءٍ مختص به، بل كل من يتأتى منه الرؤية داخل في هذا الخطاب٦.
стр. 76
أغراض التعريف بالعَلَمِيّة:
وإن كان بالعلمية: فإما لإحضاره بعينه في ذهن السامع ابتداء باسم مختص به١ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٢ [الإخلاص: ١] .
وقول الشاعر "من المتقارب":
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه٣
وقوله "من الكامل":
الله يعلم ما تركتُ قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد٤
وإما لتعظيمه، أو لإهانته، كما في الكنى، والألقاب المحمودة والمذمومة٥.
стр. 77
وإما للكناية حيث الاسم صالح لها١، ومما ورد صالحا للكناية من غير باب المسند إليه قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] أي: جهنميّ.
وإما لإيهام٢ استلذاذه، أو التبرك به.
وإما لاعتبار آخر مناسب٣.
стр. 78
أغراض التعريف بالموصولية:
وإن كان بالموصولية: فإما لعدم علم المخاطب بالأحوال المختصة به سوى الصلة١ كقولك: "الذي كان معنا أمس رجل عالم".
وإما لاستهجان التصريح بالاسم.
وإما لزيادة التقرير، نحو قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣] فإنه مسوق لتنزيه يوسف ﵇ عن الفحشاء، والمذكور أدل عليه من "امرأة العزيز" وغيره٢.
стр. 79
وإما للتفخيم؛ كقول تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] .
وقول الشاعر "من البسيط":
مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي١
ومنه في غير هذا الباب قوله تعالى: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ ٢ [النجم: ٥٤] .
وبيت الحماسة "من الطويل":
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل: أبعد٣
وقول أبي نواس "من الكامل":
ولقد نَهَزْتُ مع الغُواة بدلوهم ... وأَسَمْتُ سرح اللَّحْظ حيث أساموا
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام٤
стр. 80
وإما لتنبيه المخاطب على خطئه؛ كقول الآخر "من الكامل":
إن الذين تُرَوْنَهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا١
وإما للإيماء إلى وجه بناء الخبر٢؛ نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
ثم إنه٣ ربما جعل ذريعة إلى التعريض بالتعظيم لشأن الخبر٤, كقوله "الكامل":
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول٥
أو لشأن غيره٦ نحو: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢] .
قال السكاكي٧: "وربما جُعل ذريعة إلى تحقيق الخبر"؛ كقوله "من البسيط":
إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت وُدّها غُول٨
وربما جعل ذريعة إلى التنبيه للمخاطب على خطأ؛ كقوله:
"إن الذين ترونهم...." "البيت".
وفيه نظر؛ إذ لا يظهر بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر وتحقيق الخبر فرق٩، فكيف يجعل الأول ذريعة إلى الثاني, والمسند إليه في البيت الثاني ليس فيه إيماء إلى وجه بناء الخبر عليه، بل لا يبعد أن يكون فيه إيماء إلى بناء نقيضه عليه١٠؟!
стр. 81
أغراض التعريف بالإشارة:
وإن كان بالإشارة؛ فإما لتمييزه أكمل تمييز لصحة إحضاره في ذهن السامع بواسطة الإشارة حسا١؛ كقوله "الطويل":
стр. 82
هذا أبو الصقر فردا في محاسنه١
وقوله "من الطويل":
أولئك قوم إن بَنَوْا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا٢
وقوله "من الكامل":
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر
أوما إلى الكَوْماء: هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري٣
وقوله "من البسيط":
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان: عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد٤
стр. 83
وإما للقصد إلى أن السامع غبي لا يتميز الشيء عنده إلا بالحس؛ كقول الفرزدق "من الطويل":
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع١
وإما لبيان حاله في القرب أو البعد أو التوسط٢؛ كقولك: "هذا زيد، وذلك عمرو، وذاك بشر". وربما جعل القرب ذريعة إلى التحقير٣ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] , وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] , وقوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤] . وعليه من غير هذا الباب قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] ، وقول عائشة ﵂ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "يا عجبا لابن عمرو هذا"٤.
وقول الشاعر "من الطويل":
تقول ودقت نحرها بيمينها: ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس؟ ٥
وربما جعل البعد ذريعة إلى التعظيم؛ كقوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾
стр. 84
[البقرة: ١، ٢] ذهابا إلى بعد درجته، ونحوه: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف: ٧٢] ، ولذا قالت: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] ، لم تقل: "فهذا" وهو حاضر١؛ رفعا لمنزلته في الحسن، وتمهيدا للعذر في الافتتان به.
وقد يجعل "البعد" ذريعة إلى التحقير، كما يقال: "ذلك اللعين فعل كذا".
وإما للتنبيه -إذا ذُكر قبل المسند إليه مذكور٢ وعُقِّب بأوصاف- على أن ما يرد بعد اسم الإشارة المذكور جدير باكتسابه من أجل تلك الأوصاف؛ كقول حاتم الطائي "من الطويل":
ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما٣
فتى طلبات لا يرى الخمْص تَرْحَة ... ولا شِبْعة إن نالها عد مغنما٤
إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صَمَّما٥
ترى رمحه ونبله ومِجَنّه ... وذا شُطَب عَضْب الضريبة مِخْذَما٦
وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد أخي هَيْجا وطِرْفا مُسَوَّما٧
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما٨
فعدّد له -كما ترى- خصالا فاضلة من المَضَاء على الأحداث مُقْدِما، والصبر على ألم الجوع، والأنفة من عد الشبعة مغنما، وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله: "فذلك"، فأفاد أنه جدير باتصافه بما ذُكر بعده. وكذا قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] أفاد اسم الإشارة زيادة الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله باستحقاق الهدى من ربهم والفلاح.
وإما لاعتبار آخر مناسب٩.
стр. 85
أغراض التعريف باللام:
وإن كان باللام: فإما للإشارة إلى معهود٣ بينك وبين مخاطبك؛ كما إذا قال لك قائل: "جاءني رجل من قبيلة كذا" فتقول: "ما فعل الرجل؟ ". وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] أي: وليس الذكر الذي طلبتْ٤ كالأنثى التي وُهِبتْ لها.
стр. 86
وإما لإرادة نفس الحقيقة١؛ كقولك: "الرجل خير من المرأة، والدينار خير من الدرهم"، ومنه قول أبي العلاء المعري "من البسيط":
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر٢
وعليه من غير هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] أي: جعلنا مبدأ كل شيء حي من هذا الجنس الذي هو الماء؛ لما روي أنه تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه. ونحوه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩] .
والمعرف باللام٣ قد يأتي لواحد٤ باعتبار عهديته في الذهن٥؛ لمطابقته الحقيقة٦؛ كقولك: "ادخل السوق" وليس بينك وبين مخاطبك سوق معهود في الخارج، وعليه قول الشاعر "من الكامل":
стр. 87
ولقد أَمُرّ على اللئيم يسبني١
وهذا يقرب في المعنى من النكرة٢؛ ولذلك يقدر: "يسبني" وصفا للئيم، لا حالا٣.
وقد يفيد الاستغراق؛ وذلك إذا امتنع حمله على غير الأفراد، وعلى بعضها دون بعض٤؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢، ٣] .
والاستغراق ضربان:
حقيقي٥ كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] أي: كل غيب وشهادة، وعرفي٦ كقولنا: "جمع الأمير الصاغة" إذا جمع صاغة بلده أو أطراف
стр. 88
مملكته فحسب، لا صاغة الدنيا١.
واستغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع٢، بدليل أنه لا يصدق: "لا رجلَ في الدار" في نفي الجنس٣ إذا كان فيها رجل أو رجلان، ويصدق: "لا رجالَ في الدار" ولا تنافي بين الاستغراق وإفراد اسم الجنس٤؛ لأن الحرف إنما يدخل عليه مجردا عن الدلالة على الوحدة والتعدد٥، ولأنه بمعنى كل الإفرادي٦ لا كل المجموعي؛ إذ معنى قولنا: "الرجل" كل فرد من أفراد الرجال، لا مجموع الرجال؛ ولهذا امتنع وصفه بنعت الجمع٧، وللمحافظة على التشاكل بين الصفة والموصوف أيضا.
فالحاصل أن المراد باسم الجنس المعرف باللام: إما نفس الحقيقة، لا ما يصدق عليه من الأفراد، وهو تعريف الجنس والحقيقة, ونحوه عَلَم الجنس "كأسامة"، وإما
стр. 89
فرد معين، وهو العهد الخارجي، ونحوه العلم الخاص "كزيد"، وإما فرد غير معين، وهو العهد الذهني، ونحوه النكرة "كرجل"، وإما كل الأفراد؛ وهو الاستغراق، ونحوه لفظ "كل" مضافا إلى النكرة كقولنا: "كل رجل".
وقد شكك السكاكي١ على تعريف الحقيقة والاستغراق بما خرج الجواب عنه مما ذكرنا٢، ثم اختار٣ -بناء على ما حكاه عن بعض أئمة أصول الفقه من كون اللام موضوعة لتعريف العهد لا غير٤- أن المراد بتعريف الحقيقة تنزيلها منزلة المعهود بوجه من الوجوه الخطابية؛ إما لكون الشيء حاضرا في الذهن لكونه محتاجا إليه على طريق التحقيق أو التهكم٥، أو لأنه عظيم الخطر معقود به الهمم٦ على أحد الطريقين٧، وإما لأنه لا يغيب عن الحس٨ على أحد الطريقين لو كان معهودا٩.
وقال١٠: الحقيقة من حيث هي هي لا واحدة ولا متعددة؛ لتحققها مع الوحدة تارة ومع التعدد أخرى، وإن كانت لا تنفك في الوجود عن أحدهما، فهي صالحة للتوحد والتكثر؛ فكون الحكم استغراقا أو غير استغراق "راجع" إلى مقتضى المقام١١، فإذا كان خطابيا١٢ مثل "المؤمن غِرّ كريم، والفاجر خَبّ لئيم" حُمل المعرف باللام -مفردا كان أو جمعا- على الاستغراق؛ بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون آخر -مع تحقق الحقيقة فيهما- ترجيح لأحد المتساويين، وإذا كان استدلاليا حُمل على أقل ما يحتمل، وهو الواحد في المفرد، والثلاثة في الجمع١٣.
стр. 90
أغراض التعريف بالإضافة:
وإن كان بالإضافة:
فإما لأنه ليس للمتكلم إلى إحضاره في ذهن السامع طريق أخصر منها؛ كقوله "من الطويل":
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جَنِيب وجثماني بمكة مُوثَق٦
стр. 91
وإما لإغنائها عن تفصيل متعذر أو مرجوح لجهة١؛ كقوله "من الطويل":
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غِيل خَفّان أَشْبُل٢
وقوله "الكامل":
قومي هُمُ قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي٣
وإما لتضمنها تعظيما لشأن المضاف إليه؛ كقولك: "عبدي حضر" فتعظم شأنك, أو تعظيما لشأن المضاف؛ كقولك: "عبد الخليفة ركب" فتعظم شأن العبد، أو لشأن غيرهما؛ كقولك: "عبد السلطان عند فلان" فتعظم شأن فلان.
أو تحقيرا نحو: "ولد الحجام حضر"٤, وإما لاعتبار آخر مناسب٥.
стр. 92
أغراض تنكير المسند إليه:
وأما تنكيره: فللإفراد١ كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠] ؛ أي: فرد من أشخاص الرجال. أو للنوعية؛ كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] أي: نوع من الأغطية غير ما يتعارفه الناس٢ وهو غطاء التعامي عن آيات الله.
ومن تنكير غير المسند إليه للإفراد قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] . وللنوعية: قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] أي: نوع من الحياة مخصوص وهو الحياة الزائدة، كأنه قيل: "لتجدنهم أحرص الناس وإن عاشوا ما عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في الماضي
стр. 93
والحاضر حياة في المستقبل"؛ فإن الإنسان لا يوصف بالحرص على شيء، إلا إذا لم يكن ذلك الشيء موجودا له حال وصفه بالحرص عليه، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] يحتمل الإفراد والنوعية؛ أي: خلق كل فرد من أفراد الدواب من نطفة معينة، أو كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع المياه.
أو للتعظيم والتهويل أو للتحقير: أي ارتفاع شأنه أو انحطاطه إلى حد لا يمكن معه أن يعرف، كقول ابن أبي السمط "من الطويل":
له حاجب عن كل أمر يَشِينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب١
أي: له حاجب أيّ حاجب، وليس له حاجب ما.
أو للتكثير٢: كقولهم: "إن له لإبلا، وإن له لغنما" يريدون الكثرة. وحمل الزمخشري التنكير في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ [الأعراف: ١١٣] عليه.
أو للتقليل٣ كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]
стр. 94
أي: وشيء ما من رضوانه أكبر من ذلك كله؛ لأن رضاه سبب كل سعادة وفلاح، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راضٍ عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم، وإنما تهنأ له برضاه، كما أنه إذا علم بسخطه تنغّصت عليه، ولم يجد لها لذة، وإن عظمت.
وقد جاء للتعظيم والتكثير جميعا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] أي: رسل ذوو عدد كثير, وآيات عظام١، وأعمار طويلة، ونحو ذلك.
والسكاكي٢ لم يفرق بين التعظيم والتكثير، ولا بين التحقير والتقليل، ثم جعل التنكير في قولهم: "شر أهر ذا ناب" للتعظيم، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] لخلافه، وفي كليهما نظر؛ أما الأول فلما سيأتي٣، وأما الثاني فلأن خلاف التعظيم مستفاد من البناء للمرة، ومن نفس الكلمة٤؛ لأنها إما من قولهم: "نفحت الريح" إذا هبت, أي: هبة، أو من قولهم: "نفح الطيب" إذا فاح, أي: فوحة، كما يقال: شمة, واستعماله بهذا المعنى في الشر استعارة؛ إذ أصله أن يستعمل في الخير؛ يقال: "له نفحة طيبة" أي: هبة من الخير. وذهب أيضا إلى أن قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥] بالتنكير دون "عذاب الرحمن" بالإضافة؛ إما للتهويل أو لخلافه٥، والظاهر أنه لخلافه، وإليه
стр. 95
ميل الزمخشري؛ فإنه ذكر أن إبراهيم ﵇ لم يُخْلِ هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه؛ حيث لم يصرح فيه أن العذاب لاحق له لاصق به، ولكنه قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥] فذكر الخوف والمسّ، ونكّر العذاب.
وأما التنكير في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فيحتمل النوعية والتعظيم؛ أي: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة؛ لمنعه عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا، أو نوع من الحياة وهو الحاصل للمقتول والقاتل بالارتداع عن القتل للعلم بالاقتصاص؛ فإن الإنسان إذا همّ بالقتل تذكر الاقتصاص فارتدع، فسلم صاحبه من القتل وهو من القَوَد، فتسبّبَ لحياة نفسين.
ومن تنكير غير المسند إليه للنوعية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [الشعراء: ١٧٣] أي: وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا، يعني: الحجارة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ١ [الشعراء: ١٧٣] ، وللتحقير٢: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية: ٣٢] ٣.
стр. 96
تمرينات على التعريف والتنكير:
تمرين١:
١- قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦] ، فلماذا نكر رسولا أولا وعرفه ثانيا؟
ومن أي أقسام اللام لام الرسول؟
تمرين٢:
١- قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] ، فلماذا أتى باسم الإشارة للبعيد ولم يأت به للقريب؟
٢- لماذا أوثر اسم الموصول على غيره من المعارف في قول الشاعر:
أعُبّاد المسيح يخاف صحبي ... ونحن عبيد من خلق المسيحا؟
تمرين٣:
١- ما الغرض من تنكير المسند إليه في قول الشاعر:
وفي السماء نجوم لا عداد لها ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر؟
٢- لماذا عرف المسند إليه بالعلمية وبالموصولية في قوله تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ؟
تمرين ٤:
١- قال النبي ﷺ :"إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة" فلماذا نكر المسند إليه ولم يعرفه؟
٢- لماذا عرف المسند إليه بالإضافة في قول الشاعر:
أخوك الذي إن تَدْعُه لِمُلمّة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب؟
стр. 97
تمرين ٥:
١- قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] .
فلماذا عُرِّف "العسر" في الموضعين ونُكِّر "يسرا" فيهما؟ ومن أي أقسام اللام لام العسر؟
٢- ما الغرض من التنكير في قول الشاعر:
شقت لمنظرك الجيوب عقائل ... وبكتك بالدمع الهتون غَوانِ
تمرين ٦:
١- قال الشاعر:
أحياؤنا لا يُرزقون بدرهم ... وبألف ألف تُرزق الأموات!!
فلماذا عرف المسند إليه الأول بالإضافة والثاني باللام, ولم يعكس فيهما؟
٢- بين الغرض من التنكير في قول الشاعر:
ولله مني جانب لا أضيعه
وللَّهو مني والخلاعة جانب
٣- بين الغرض من التعريف والتنكير في قول المتنبي:
أَهُمّ بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كون وأطارد
стр. 98
أغراض وصف المسند إليه:
وأما وصفه: فلكون الوصف تفسيرا له كاشفا عن معناه١؛ كقولك: "الجسم الطويل العريض العميق محتاج إلى فراغ يشغله". ونحوه في الكشف قول أوس "المنسرح":
الألمعي الذي يظن بك الظـ ... ـن كأن قد رأى وقد سمعا٢
حكي أن الأصمعي سُئِل عن الألمعي، فأنشده ولم يزد.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩-٢١] قال الزمخشري: "الهَلَع: سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير، من قولهم: "ناقة هلوع: سريعة السير". وعن أحمد بن يحيى٣: قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ قلت: قد فسره الله تعالى......" انتهى كلام الزمخشري.
أو لكونه مخصصا له٤ نحو: "زيد التاجر عندنا".
أو لكونه مدحا له، كقولنا: "جاء زيد العالم" حيث يتعين فيه ذكر زيد قبل ذكر
стр. 99
العالم، ونحوه من غيره١ قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] .
وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] .
أو لكونه ذما له؛ كقولنا: "ذهب زيد الفاسق" حيث يتعين فيه ذكر زيد قبل ذكر الفاسق. ونحوه من غيره قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] .
أو لكونه تأكيدا له٢ كقولك: "أمس الدابر كان يوما عظيما".
أو لكونه بيانا له٣، كقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٤.
قال الزمخشري: الاسم الحامل لمعنى الإفراد أو التثنية دالّ على شيئين: على الجنسية، والعدد المخصوص. فإذا أريدت الدلالة على أن المَعْنِيّ به منهما والذي يساق له الحديث هو العدد، شُفع بما يؤكده، فدُل به على القصد إليه والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت: "إنما هو إله" ولم تؤكده بـ "واحد" لم يحسن، وخُيِّل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ
стр. 100
بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] فقال السكاكي١: شفع "دابة" بـ "في الأرض"، و"طائر" بـ "يطير بجناحيه" لبيان أن القصد بهما إلى الجنسين٢. وقال الزمخشري: معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة٣ كأنه قيل: "وما من دابة قَطُّ في جميع الأرضين السبع، وما من طائر قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه".
واعلم أن الجملة قد تقع صفة للنكرة، وشرطها أن تكون خبرية؛ لأنها في المعنى حكم على صاحبها كالخبر، فلم يستقِمْ أن تكون إنشائية مثله؛ وقال السكاكي٤: لأنه يجب أن يكون المتكلم يعلم تحقق الوصف للموصوف؛ لأن الوصف إنما يُؤتَى به ليُميز به الموصوف مما عداه، وتمييز المتكلم شيئا من شيء بما لا يعرفه له محال، فما لا يكون عنده محققا للموصوف يمتنع أن يجعله وصفا له بحكم عكس النقيض٥، ومضمون الجمل الطلبية كذلك؛ لأن الطلب يقتضي مطلوبا غير متحقق لامتناع طلب الحاصل، فلا يقع شيء منها صفة لشيء، والتعليل الأول أعم؛ لأن الجملة الإنشائية قد لا تكون طلبية٦ كقولنا: "نعم الرجل زيد، وبئس الصاحب عمرو، وربما يقوم بكر، وكم غلامٍ ملكتَ؟ وعسى أن يجيء بشر، وما
стр. 101
أحسن خالدا"، وصِيَغ العقود نحو: "بعت واشتريت" فإن هذه كلها إنشائية وليس شيء منها بطلبي. ولامتناع وقوع الإنشائية صفة أو خبرا؛ قيل في قوله "من الرجز":
جاءوا بمَذْق هل رأيتَ الذئب قط١
تقديره: جاءوا بمذق مقول عنده هذا القول، أي: بمذق يحمل رائيه أن يقول لمن يريد وصفه له: هل رأيت الذئب قط؟ فهو مثله في اللون؛ لإيراده في خيال الرائي لون الذئب لوُرقته٢.
وفي مثل قولنا: "زيد اضربْه أو لا تضربْه" تقديره: "مقول في حقه: اضربه أو لا تضربه"٣.
стр. 102
أغراض توكيد المسند إليه:
وأما توكيده: فللتقرير، كما سيأتي في باب تقديم الفعل وتأخيره١.
أو لدفع توهم التجوز أو السهو٢ كقولك: "عرفت أنا، وعرفت أنت، وعرف زيد زيد"، أو عدم الشمول، كقولك: "عرفني الرجلان كلاهما، أو الرجال كلهم"٣. قال السكاكي٤: ومنه "كل رجل عارف، وكل إنسان حيوان".
وفيه نظر؛ لأن كلمة "كل" تارة تقع تأسيسا، وذلك إذا أفادت الشمول من أصله حتى لولا مكانها لما عُقل، وتارة تقع تأكيدا، وذلك إذا لم تفده من أصله، بل تمنع أن يكون اللفظ المقتضى له مستعملا في غيره.
أما الأول فهو أن تكون مضافة إلى نكرة٥؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] . وأما الثاني فما عدا ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٠] . وهي في قوله: "كل رجل عارف، وكل إنسان حيوان" من الأول لا الثاني؛ لأنها لو حذفت منهما لم يفهم الشمول أصلا.
стр. 103
أغراض عطف البيان:
وأما بيانه, وتفسيره فلإيضاحه باسم مختص به١؛ كقولك: "قدم صديقك خالد".
أغراض الإبدال من المسند إليه:
وأما الإبدال منه فلزيادة التقرير والإيضاح٢ نحو: "جاءني زيد أخوك، وجاء القوم أكثرهم، وسُلِب عمرو ثوبه"٣، ومنه في غيره قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] .
стр. 104
أغراض عطف النسق:
وأما العطف فلتفصيل المسند إليه مع اختصار٢؛ نحو: "جاء زيد وعمرو وخالد".
أو لتفصيل المسند مع اختصار؛ نحو: "جاء زيد فعمرو" أو ثم عمرو، أو "جاء القوم حتى خالد"٣، ولا بد في "حتى" من تدريج؛ كما ينبئ عنه قوله "من الطويل":
стр. 105
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي١
أو لرد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب٢؛ كقولك: "جاءني زيد لا عمرو" لمن اعتقد أن عمرا جاءك دون زيد، أو أنهما جاءاك جميعا، وقولك: "ما جاءني زيد لكن عمرو" لمن اعتقد أن زيدا جاءك دون عمرو.
أو لصرف الحكم عن محكوم له إلى آخر؛ نحو: "جاءني زيد بل عمرو" و"ما جاءني زيد بل عمرو"٣.
أو للشك فيه أو التشكيك٤؛ نحو: "جاءني زيد أو عمرو، أو: إما زيد وإما عمرو، أو: إما زيد أو عمرو".
أو للإبهام، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] .
أو للإباحة أو التخيير: وهو أن يفيد ثبوت الحكم لأحد الشيئين أو الأشياء فحسب٥، مثالهما قولك: "ليدخل الدار زيد أو عمرو" والفرق بينهما واضح؛ فإن الإباحة لا تمنع من الإتيان بهما أو بها جميعا.
стр. 106
أغراض ضمير الفصل:
وأما توسط الفصل بينه وبين المسند فلتخصيصه به١؛ كقولك: "زيد هو المنطلق، أو: هو أفضل من عمرو، أو: هو خير منه، أو: هو يذهب"٢.
стр. 107
تمرينات على التوابع:
تمرين١:
١- بين الغرض من البدل في قول الشاعر:
وكنت كذي رِجْلين: رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشُلَّت
٢- هل يجوز بلاغة -كما يجوز نحوا- أن يجعل عطف البيان بدلا مطابقا وبالعكس، أو أن لكل منهما مقاما خاصا به؟
٣- بين معنى "أو" ومنزلتها بلاغة في قول الشاعر:
نحن أو أنتم الأولي ألفوا الحق ... فبعدا للمبطلين وسحقا
تمرين٢:
١- من أي أقسام البدل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] ؟ وأي غرض دعا إليه؟ وما منزلته في البلاغة؟
٢- أي غرض دعا إلى التوكيد في قول الشاعر:
لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدة حول كله رجبا؟
٣- قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ٣٦] . فلماذا عطف في الأول دون الثاني؟
تمرين٣:
١- قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] . فما فائدة العطف بلاغة فيه؟ ولماذا أُوثِرت فيه الواو على غيرها؟
٢- أي غرض دعا إلى العطف بحتى في قول الشاعر:
قهرناكم حتى الكماة فأنتم ... تهابوننا حتى بَنِينا الأصاغرا؟
٣- ما الغرض من الوصف في قول الشاعر:
ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالي؟
стр. 108
أغراض التقديم:
وأما تقديمه فلكون ذكره أهم؛ إما لأنه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه١، وإما ليتمكن الخبر في ذهن السامع؛ لأن في المبتدأ تشويقا إليه؛ كقوله "من الخفيف":
والذي حارت البَرِيَّة فيه ... حيوان مستحدث من جماد٢
وهذا أولى من جعله شاهدا؛ لكون المسند إليه موصولا كما فعل السكاكي٣.
وإما لتعجيل المسرة أو المساءة؛ لكونه صالحا للتفاؤل أو التطير؛ نحو: "سعد في دارك، والسفاح في دار صديقك".
وإما لإيهام أنه لا يزول عن الخاطر، أو أنه يُستلذ، فهو إلى الذكر أقرب٤.
وإما لنحو ذلك٥.
стр. 109
قال السكاكي١: "وإما لأن كونه متصفا بالخبر يكون هو المطلوب، لا نفس الخبر؛ كما إذا قيل لك: كيف الزاهد؟ فتقول: الزاهد يشرب ويطرب".
وإما لأنه يفيد زيادة تخصيص؛ كقوله "من الوافر":
متى تهزز بني قطن تجدهم ... سيوفا في عواتقهم سيوف
جلوس في مجالسهم رِزَان ... وإن ضيف ألم فهم خفوف٢
والمراد: "هم خفوف". وفيه نظر؛ لأن قوله: "لا نفس الخبر" يشعر بتجويز أن يكون المطلوب بالجملة الخبرية نفس الخبر، وهو باطل٣؛ لأن نفس الخبر تصور لا تصديق، والمطلوب بها إنما يكون تصديقا، وإن أراد بذلك وقوع الخبر مطلقا فغير صحيح أيضا؛ لما سيأتي٤ أن العبارة عن مثله لا يتعرض فيها إلى ما هو مسند إليه؛ كقولك: "وقع القيام".
ثم في مطابقة الشاهد الذي أنشده للتخصيص نظر٥؛ لما سيأتي أن ذلك مشروط
стр. 110
بكون الخبر فعليا، وقوله: "والمراد هم خفوف" تفسير للشيء بإعادة لفظه١.
قال عبد القاهر٢: وقد يقدم المسند إليه ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي إن وَلِيَ حرف النفي٣ كقولك: "ما أنا قلت هذا" أي: لم أقله مع أنه مَقُول؛ فأفاد نفي الفعل عنك وثبوته لغيرك، فلا تقول ذلك إلا في شيء ثبت أنه مقول وأنت تريد نفي كونك قائلا له. ومنه قول الشاعر "من المتقارب":
وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلوب نارا٤
إذ المعنى أن هذا السَّقْم الموجود والضَّرَم الثابت ما أنا جالب لهما؛ فالقصد إلى نفي كونه فاعلا لهما لا إلى نفيهما؛ ولهذا لا يقال: "ما أنا قلت ولا أحد غيري" لمناقضة منطوق الثاني٥ لمفهوم الأول٦, بل يقال: "ما قلت أنا ولا أحد غيري" ولا يقال: "ما أنا رأيت أحدا من الناس" ولا: "ما أنا ضربت إلا زيدا" بل يقال: "ما رأيت أو ما رأيت أنا أحدا من الناس، و: ما ضربت أو ما ضربت أنا إلا زيدا"؛ لأن المنفي في الأول الرؤية الواقعة على كل واحد من الناس، وفي الثاني الضرب الواقع