لإظهار الرغبة في وقوعه١؛ نحو: "إن ظفرتَ بحسن العاقبة فهو المرام"؛ فإن الطالب إذا تبالغت رغبته في حصول أمر يكثر تصوره إياه، فربما يُخيل إليه حاصلا، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ٢, وقد يَقْوَى هذا التخيل عند الطالب حتى إذا وَجَدَ حكم الحس بخلاف حكمه غلّطه تارة، واستخرج له محملا أخرى، وعليه قول أبي العلاء المعري "من البسيط":
ما سرتُ إلا وطيف منك يصحبني ... سُرًى أمامي وتأويبا على أثري٣
يقول: لكثرة ما ناجيت نفسي بكِ انتقشتِ في خيالي، فأعدكِ بين يدي مغلطا للبصر -بعلة الظلام- إذا لم يدركك ليلا أمامي، وأعدك خلفي إذا لم يتيسر لي تغليطه حين لا يدركك بين يدي نهارا.
وإما لنحو ذلك.
قال السكاكي٤: أو للتعريض٥؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا
стр. 177
لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٥] وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٠٩] .
ونظيره في التعريض قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١. المراد: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم؟! والمنبه عليه ﴿تُرْجَعُونَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٢٣, ٢٤] إذ المراد: أتتخذون من دونه آلهة إن يردكم الرحمن بضر لا تغن عنكم شفاعتهم شيئا، ولا ينقذوكم إنكم إذًا لفي ضلال مبين؛ ولذلك قيل٣: ﴿آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ دون "بربي"، وأتبعه ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ .
ووجه حسنه٤ تطلّب إسماع المخاطبين -الذين هم أعداء المُسْمِع- الحق على وجه لا يورثهم مزيد غضب، وهو ترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل، ومواجهتهم بذلك، ويعين على قبوله٥؛ لكونه أدخل في إمحاض النصح لهم، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥] ، فإن من حق النسق من حيث الظاهر: "قل لا
стр. 178
تسألون عما عملنا ولا نسأل عما تجرمون". وكذا ما قبله١: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ . قال السكاكي رحمه الله٢: وهذا النوع من الكلام يسمى المُنْصِف.
ومما يتصل بما ذكرناه أن الزمخشري قدر قوله تعالى: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢] عطفا على جواب الشرط في قوله: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ ، وقال: الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب٣, فإن فيه نكتة، كأنه قيل: وودّوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم؛ يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفارا. وردكم كفارا أسبق المضار عندهم وأولها؛ لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم؛ لأنكم بذّالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه. هذا كلامه، وهو حسن دقيق، لكن في جعل ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ عطفا على جواب الشرط نظر؛ لأن ودادتهم أن يرتدوا كفارا حاصلة وإن لم يظفروا بهم؛ فلا يكون في تقييدها بالشرط فائدة؛ فالأولى أن يجعل قوله: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ عطفا على الجملة الشرطية؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ٤.
لو: وأما "لو" فهي للشرط في الماضي مع القطع بانتفاء الشرط؛ فيلزم انتفاء الجزاء٥؛ كانتفاء الإكرام في قولك: "لو جئتَني لأكرمتك" ولذلك قيل: هي لامتناع
стр. 179
الشيء لامتناع غيره١، ويلزم كون جملتيها فعليتين، وكون الفعل ماضيا٢؛ فدخولها على المضارع٣ في نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] لقصد استمرار الفعل فيما مضى وقتا فوقتا٤، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] بعد قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ٥ وفي قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] ٦.
стр. 180
ودخولها عليه في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ: ٣١] ؛ لتنزيله منزلة الماضي؛ لصدوره عمن لا خلاف في إخباره، كما نُزِّل ﴿يَوَدُّ﴾ منزلة "ود" في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] ١. ويجوز أن يرد الغرض من لفظ "ترى" و"يود" إلى استحضار صورة٢ رؤية المجرمين ناكسي الرءوس قائلين لما يقولون، وصورة رؤية الظالمين موقوفين عند ربهم متقاولين بتلك المقالات، وصورة وَدادة الكافرين لو أسلموا كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] . إذ قال: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ استحضارا٣ لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة، من إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض، تبدو في الأول كأنها قطع قطن مندوف، ثم تتضامّ متقلبة بين أطوار حتى يَعُدْن ركاما. وكقول تأبط شرا٤ "من الوافر":
стр. 181
ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحا بطان١
بأني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صَحْصحان٢
فقلت لها: كلانا نِضْو أرض ... أخو سفر فخلي لي مكاني٣
فشدت شدة نحوي فأهوت ... لها كفي بمصقول يماني
فأضربها بلا دَهَش فخرت ... صريعا لليدين وللجِران٤
إذ قال: "فأضربها" ليصور لقومه الحالة التي تَشَجَّع فيها على ضرب الغول كأنه يُبصِّرهم إياها، ويتطلب منهم مشاهدتها, تعجيبا من جراءته على كل هول وثباته عند كل شدة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ؛ إذ قال: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ دون "كن فكان", وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] .
стр. 182
تمرينات على إفراد المسند، واسميته، وفعليته، وتقييده، وترك تقييده
تمرين١:
١- بين الداعي إلى فعلية المسند وظرفيته في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] .
٢- لِمَ أتى المتنبي بالمسند فعلا ثم ظرفا في قوله:
تدبر شرق الأرض والغرب كفه ... وليس لها يوما عن الجود شاغل؟
تمرين٢:
١- بين ما يستفاد من اسمية المسند وفعليته في قول الشاعر:
سلام على القبر الذي لا يجيبنا ... ونحن نحيي تربه ونخاطبه
يهوَى الثناء مبرز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان
تمرين٣:
١- افرق بين الدوام الذي تفيده اسمية المسند بمعونة القرائن، والدوام الذي تفيده فعليته بمعونة القرائن.
٢- أيهما أحسن في تقدير متعلق الظرف والجار والمجرور؟ وهل يدخل هذا في البلاغة أو لا يدخل؟
تمرين٤:
١- لِمَ عبر بـ "إن" في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] ؟
٢- لِمَ عبر بـ "إذا" في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ١-٣] ؟
стр. 183
أغراض تنكير المسند:
وأما تنكيره: فإما لإرادة عدم الحصر والعهد١؛ كقولك: "زيد كاتب، وعمرو شاعر"، وإما للتنبيه على ارتفاع شأنه أو انحطاطه على ما مر في المسند إليه؛ كقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أي: هدى لا يُكْتَنَه كُنْهُه٢.
أغراض التخصيص بالإضافة والوصف، وتركه.
وأما تخصيصه بالإضافة أو الوصف: فلتكون الفائدة أتم كما مر٣.
وأما ترك تخصيصه بهما فظاهر مما سبق٤.
стр. 184
تعريف المسند:
غرض التعريف:
وأما تعريفه١ فلإفادة السامع إما حكما على أمر معلوم له بطريق من طرق التعريف بأمر آخر معلوم له كذلك٢. وإما "لإفادته" لازم حكم بين أمرين كذلك٣. تفسير هذا أنه قد يكون للشيء صفتان من صفات التعريف، ويكون السامع عالما باتصافه بإحداهما دون الأخرى٤. فإذا أردت أن تخبره بأنه متصف بالأخرى تعمد إلى اللفظ الدال على الأولى وتجعله مبتدأ، وتعمد إلى اللفظ الدال على الثانية وتجعله خبرا، فتفيد السامع ما كان يجهله من اتصافه بالثانية، كما إذا كان للسامع أخ يسمى زيدا وهو يعرفه بعينه واسمه، ولكن لا يعرف أنه أخوه، وأردت أن تُعرّفه أنه أخوه، فتقول له: "زيد أخوك"، سواء عرف أن له أخا ولم يعرف أن زيدا أخوه، أو لم يعرف أن له أخا أصلا٥، وإن عرف أن له أخا في الجملة٦ وأردت أن تعينه عنده قلت: "أخوك زيد"، أما إذا لم يعرف أن له أخا أصلا فلا
стр. 185
يقال ذلك؛ لامتناع الحكم بالتعيين على من لا يعرفه المخاطَب أصلا، فظهر الفرق بين قولنا: "زيد أخوك" وقولنا: "أخوك زيد".
وكذا إذا عرف السامع إنسانا يسمى زيدا بعينه واسمه، وعرف أنه كان من إنسان انطلاق، ولم يعرف أنه كان من زيد أو غيره، فأردت أن تعرفه أن زيدا هو ذلك المنطلق١, فتقول: "زيد المنطلق"، وإن أردت أن تعرفه أن ذلك المنطلق هو زيد قلت: "المنطلق زيد"٢.
وكذا إذا عرف السامع إنسانا يسمى زيدا بعينه واسمه، وهو يعرف معنى جنس المنطلق، وأردت أن تعرفه أن زيدا متصف به، فتقول: "زيد المنطلق"، وإن أردت أن تعين عنده جنس المنطلق قلت: "المنطلق زيد".
لا يقال: "زيد" دال على الذات، فهو متعين للابتداء -تقدم أم تأخر- "والمنطلق" دال على أمر نسبي، فهو متعين للخبرية -تقدم أو تأخر- لأنا نقول: "المنطلق" لا يجعل مبتدأ إلا بمعنى الشخص الذي له الانطلاق، وإنه بهذا المعنى لا يجب أن يكون خبرا، و"زيد" لا يجعل خبرا إلا بمعنى صاحب اسم "زيد"، وإنه بهذا المعنى لا يجب أن يكون مبتدأ.
ثم التعريف بلام الجنس٣ قد لا يفيد قصر المعرف على ما حُكم عليه به؛ كقول الخنساء "من الوافر":
стр. 186
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا١
وقد يفيد قصره٢؛ إما تحقيقا كقولك: "زيد الأمير" إذا لم يكن أمير سواه، وإما مبالغة لكمال معناه في المحكوم عليه٣؛ كقولك: "عمرو الشجاع"، أي: الكامل في الشجاعة، فتخرج الكلام في صورة تُوهِم أن الشجاعة لم توجد إلا فيه؛ لعدم الاعتداد بشجاعة غيره؛ لقصورها عن رتبة الكمال.
ثم المقصور قد يكون نفس الجنس مطلقا، أي: من غير اعتبار تقييده بشيء كما مر، وقد يكون الجنس، باعتبار تقييده بظرف أو غيره، كقولك: "هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيرا" فإن المقصور هو الوفاء في هذا الوقت لا الوفاء مطلقا.
وكقول الأعشى "من الخفيف":
هو الواهب المائة المصطفا ... ة إما مخاضا وإما عشارا٤
فإنه قصر هبة المائة من الإبل في إحدى الحالتين، لا هبتها مطلقا، ولا الهبة مطلقا. وهذه الوجوه الثلاثة -أعني العهد، والجنس للقصر تحقيقا، والجنس للقصر مبالغة- تمنع جواز العطف بالفاء ونحوها٥ على ما حُكم عليه بالمعرف بخلاف المنكر؛ فلا يقال: "زيد المنطلق وعمرو"، ولا: "زيد الأمير وعمرو"، ولا "زيد الشجاع وعمرو".
стр. 187
أغراض كون المسند جملة:
وأما كونه جملة١؛ فإما لإرادة تقوِّي الحكم بنفس التركيب كما سبق٢، وإما لكونه سببيا، وقد تقدم بيان ذلك٣.
وفعليتها لإفادة التجدد٤، واسميتها لإفادة الثبوت؛ فإن من شأن الفعلية أن تدل على التجدد، ومن شأن الاسمية أن تدل على الثبوت، وعليهما قول رب العزة: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ ٥
стр. 188
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] ؛ إذ أصل الأول: "نسلم عليك سلاما"، وتقدير الثاني: سلام عليكم، كأن إبراهيم ﵇ قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به١ أخذا بأدب الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦] وقد ذُكر له وجه آخر فيه دقة، غير أنه بأصول الفلاسفة أشبه، وهو أن التسليم دعاء للمسلم عليه بالسلامة من كل نقص، ولهذا أُطلق، وكمال الملائكة لا يتصور فيه التجدد؛ لأن حصوله بالفعل مقارن لوجودهم، فناسب أن يحيوا بما يدل على الثبوت دون التجدد، وكمال الإنسان متجدد؛ لأنه بالقوة، وخروجه إلى الفعل بالتدريج، فناسب أن يُحيَّا بما يدل على التجدد دون الثبوت, وفيه نظر٢.
وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ، أي: أأحدثتم دعاءهم أم استمر صمتكم عنه؟ فإنه كانت حالهم المستمرة أن يكونوا صامتين عن دعائهم، فقيل: لم يفترق الحال بين إحداثكم دعاءهم وما أنتم عليه من عادة صمتكم عن دعائهم. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٥] أي: أأحدثت عندنا تعاطي الحق فيما نسمعه منك أم اللعب أي: أحوال الصبا بعد مستمرة عليك؟
وأما قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ في جواب ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] فلإخراج ذواتهم من جنس المؤمنين مبالغة في تكذيبهم؛ ولهذا أطلق قوله:
стр. 189
﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ ، وأكد نفيه بالباء١، ونحوه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧] .
شرطية جملة المسند: وشرطيتها لما مر٢.
وظرفيتها لاختصار الفعلية؛ إذ هي مقدرة بالفعل على الأصح٣.
стр. 190
تمرينات على تعريف المسند وتنكيره وكونه جملة:
تمرين١:
١- لِمَ نُكِّر المسند في قول الشاعر:
آراؤه وعطاياه ونعمته ... وعفوه رحمة للناس كلهم؟
٢- لِمَ عُرف المسند بالإضافة أولا، ونُكر ثانيا في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ؟
تمرين٢:
١- لِمَ كان المسند جملة اسمية في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ؟
٢- لِمَ كان المسند جملة فعلية في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ؟
تمرين٣:
١- لِمَ نكر المسند في قول الشاعر:
لئن صدفت عنا فرُبَّت أنفس ... صَوَادٍ إلى تلك النفوس الصوادف؟
ولِمَ جاءت الجملة الأولى فيه فعلية, والجملة الثانية اسمية؟
٢- بين الغرض من تعريف المسند بأل في قول الشاعر:
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو أم مخزوم، ووالدك العبد
تمرين٤:
١- لِمَ نكر المسند وأضيف في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ؟
ولِمَ عرف بالإضافة في المعطوف بعد تنكيره في المعطوف عليه؟
стр. 191
٢- بين المسند والمسند إليه في قول الشاعر:
أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدي يا حجّاج فارس شمّرا
تمرين ٥:
١- ما هو الضابط الذي يميز بين المسند والمسند إليه في حال تعريفهما؟ وما الفرق بين نظر علم المعاني وعلم النحو في هذه الحالة؟
٢- لِمَ عرف المسند في قول الشاعر:
كلثم، أنتِ الهم يا كلثم ... وأنت دائي الذي أكتم؟
ولِمَ نكر في قول الآخر:
خير الصنائع في الأنام صنيعة ... تنبو بحاملها عن الإذلال
وقول الآخر:
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ... بي الحال حتى صار إبليس مِن؟
стр. 192
أغراض تأخير وتقديم المسند:
أغراض التأخير: وأما تأخيره؛ فلأن ذكر المسند إليه أهم كما سبق١.
أغراض التقديم: وأما تقديمه فإما لتخصيصه بالمسند إليه٢ كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] ، وقولك: "قائم هو" لمن يقول: "زيد إما قائم أو قاعد"، فيردده بين القيام والقعود من غير أن يخصصه بأحدهما. ومنه قولهم: "تميمي أنا", وعليه قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] أي: بخلاف خمور الدنيا فإنها تغتال العقول٣؛ ولهذا لم يقدم الظرف في قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] لئلا يفيد ثبوت الريب في سائر كتب الله تعالى٤.
وإما للتنبيه من أول الأمر على أنه خبر لا نعت٥؛ كقوله "من الطويل":
له هِمَم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلّ من الدهر٦
стр. 193
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] .
وإما للتفاؤل١.
وإما للتشويق إلى ذكر المسند إليه، كقوله "من البسيط":
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحا وأبو إسحاق والقمر٢
وقوله "من الوافر":
وكالنار الحياة فمن رماد ... وأواخرها وأولها دخان٣
قال السكاكي رحمه الله٤: "وحق هذا الاعتبار تطويل الكلام في المسند٥، وإلا لم يحسن ذلك الحُسْنَ".
стр. 194
تنبيه:
كثير١ مما ذكر في هذا الباب, والذي قبله غير مختص بالمسند إليه والمسند؛ كالذكر، والحذف، وغيرهما مما تقدمت أمثلته. والفطن إذا أتقن اعتبار ذلك فيهما لا يخفى عليه اعتباره في غيرهما٢.
стр. 195
تمرينات على التقديم والتأخير وغيرهما:
تمرين١:
١- لماذا قدم المسند في قولهم: "ثلاثة يُذهبن الغم والحزن: الماء، والخضرة، والوجه الحسن"؟
٢- لماذا عبر بـ "إن" دون "إذا" في قول الشاعر:
إن دام هذا ولم تحدث له غِيَر ... لم يُبك ميْت ولم يُفرَح بمولود؟
تمرين٢:
١- هل تأخير المسند للتخصيص, أو لتقوية الحكم في قول الشاعر:
ريم على القاع بين البان والعلَم ... أحل سفك دمي الأشهر الحرم؟
لماذا قدم المسند في قول الشاعر:
ثلاثة ليس لها إياب ... الوقت والجمال والشباب؟
تمرين٣:
١- هل تقديم المسند للتخصيص, أو لمجرد الاهتمام في قول الشاعر:
وليس بمغنٍ في المودة شافع ... إذا لم يكن بين الضلوع شفيع؟
٢- لماذا قدم المسند في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ؟
تمرين٤:
١- هل تقديم المسند للتخصيص, أو لمجرد الاهتمام في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: ٤١] ؟
٢- لماذا قدم المسند في قول الشاعر:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت؟
تمرين٥:
١- لماذا عبر بـ "إذا" دون "إن" في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩] ؟
٢- كيف صحّت التثنية في قوله ﷺ : "اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك" , مع أنها تثنية عمر وعمرو؟ ولماذا أُوثرت تثنية الأول على الثاني؟
стр. 196
الباب الرابع: القول في أحوال متعلَّقات الفعل ١
حال الفعل مع المفعول والفاعل:
حال الفعل مع المفعول كحاله مع الفاعل٢؛ فكما أنك إذا أسندت الفعل إلى الفاعل كان غرضك أن تفيد وقوعه منه، لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، كذلك إذا عدّيته إلى المفعول كان غرضك أن تفيد وقوعه عليه، لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان ليعلم التباسه بهما؛ فعمل الرفع في الفاعل ليعلم التباسه به من جهة وقوعه منه، والنصب في المفعول ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه. أما إذا أُريد الإخبار بوقوعه في نفسه من غير إرادة أن يعلم ممن وقع في نفسه٣ أو على من وقع، فالعبارة عنه أن يقال: كان ضرب، أو وقع ضرب، أو وُجد، أو نحو ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد.
أغراض حذف المفعول به: وإذا تقرر هذا فنقول:
الفعل المتعدي إذا أسند إلى فاعله ولم يُذكَر له مفعول فهو على ضربين:
стр. 197
الأول: أن يكون الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل على الإطلاق، أو نفيه عنه كذلك، وقولنا: "على الإطلاق" أي: من غير اعتبار عمومه وخصوصه، ولا اعتبار تعلقه بمن وقع عليه، فيكون المتعدي حينئذ بمنزلة اللازم، فلا يُذكر له مفعول؛ لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار به باعتبار تعلقه بالمفعول١، ولا يقدر أيضا؛ لأن المقدر في حكم المذكور٢.
وهذا الضرب قسمان٣؛ لأنه إما أن يجعل الفعل مطلقا كناية٤ عن الفعل, متعلقا بمفعول مخصوص دلت عليه قرينة، أو لا٥.
الثاني٦: كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أي: من يحدث له معنى العلم ومن لا يحدث.
قال السكاكي٧: ثم إذا كان المقام خطابيا لا استدلاليا٨ أفاد العموم في أفراد
стр. 198
الفعل بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون فرد آخر مع تحقق الحقيقة فيهما تحكّم، ثم جعل قولهم في المبالغة: "فلان يعطي ويمنع، ويصل ويقطع" محتملا لذلك١، ولتعميم المفعول٢ كما سيأتي.
وعده الشيخ عبد القاهر٣ مما يفيد أصل المعنى على الإطلاق من غير إشعار بشيء من ذلك٤.
والأول٥ كقول البحتري يمدح المعتز ويعرّض بالمستعين بالله "من الخفيف":
شجو حساده وغيظ عِدَاه ... أن يرى مبصر ويسمع واعي٦
أي: أن يكون ذا رؤية وذا سمع، يقول: محاسن الممدوح وآثاره لم تخف على من له بصر؛ لكثرتها واشتهارها، ويكفي في معرفة أنها سبب لاستحقاقه الإمامة دون غيره أن يقع عليها بصر ويعيها سمع؛ لظهور دلالتها على ذلك لكل أحد, فحسّاده وأعداؤه يتمنون ألا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها وأذن يسمع بها كي يخفى استحقاقه للإمامة, فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها. فجعل كما ترى مطلق الرؤية كناية عن رؤية محاسنه وآثاره، ومطلق السماع كناية عن سماع
стр. 199
أخباره١. وكقول عمرو بن معديكرب "من الطويل":
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرّت٢
لأن غرضه أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس للألسن عن النطق بمدحهم والافتخار بهم؛ حتى يلزم منه بطريق الكناية مطلوبه وهو أنها أجرّته٣.
وكقول طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب "من الطويل":
جزى الله عنا جعفرا حين أُزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلّت
أبوا أن يَمَلونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لاقوه منا لملت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت٤
فإن الأصل: "لملتنا، وأدفأتنا, وأظلتنا" إلا أنه حذف المفعول من هذه المواضع ليدل على مطلوبه بطريق الكناية٥. فإن قلت: لا شك أن قوله: "ألجئوا" أصله: "ألجئونا" فلأي معنى حُذف المفعول منه؟ قلت: الظاهر أن حذفه لمجرد الاختصار؛
стр. 200
لأن حكمه حكم ما عُطف عليه، وهو قوله: "خلطونا"١.
الضرب الثاني٢: أن يكون الغرض إفادة تعلقه بمفعول، فيجب تقديره بحسب القرائن٣.
ثم حذفه من اللفظ: إما للبيان بعد الإبهام، كما في فعل المشيئة إذا لم يكن في تعلقه بمفعوله غرابة٤ كقولك: لو شئت جئت، أو لم أجئ؛ أي: لو شئت المجيء أو عدم المجيء؛ فإنك متى قلت "لو شئت" علم السامع أنك علقتَ المشيئة بشيء، فيقع في نفسه أن هنا شيئا تعلقت به مشيئتك بأن يكون أو لا يكون، فإذا قلت: "جئت أو لم أجئ" عرف ذلك الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] . وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الأنعام: ٣٩] وقول طرفة "من الطويل":
فإن شئت لم تُرقِل، وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القِدّ محصد٥
وقول البحتري "من الكامل":
لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقه وزَرُوده٦
стр. 201
وقوله "من الكامل":
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد١
فإن كان في تعلق الفعل به غرابة ذكرت المفعول لتقرره في نفس السامع وتؤنسه به، يقول الرجل يخبر عن عزه: لو شئت أن أرد على الأمير رددت، وإن شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيته. وعليه قول الشاعر "من الطويل":
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع٢
فأما قول أبي الحسين علي بن أحمد الجوهري أحد شعراء الصاحب ابن عباد "من الطويل":
فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا
فليس منه؛ لأنه لم يرد أن يقول: فلو شئت أن أبكي تفكرا بكيت تفكرا، ولكنه أراد أن يقول: أفناني النحول فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول، حتى لو شئت البكاء فمريت جفوني، وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده، ولخرج منها بدل الدمع التفكر؛ فالمراد بالبكاء في الأول الحقيقي، وفي الثاني غير الحقيقي، فالثاني لا يصلح لأن يكون تفسيرا للأول٣.
وإما لدفع أن يتوهم السامع في أول الأمر إرادة شيء غير المراد؛ كقول البحتري:
وكم ذدت عني من تحامل حادث ... وسَوْرة أيام حَزَزْن إلى العظم٤
стр. 202
إذ لو قال: "حززن اللحم" لجاز أن يتوهم السامع قبل ذكر ما بعده أن الحز كان في بعض اللحم ولم ينته إلى العظم، فترك ذكر اللحم ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم١.
وإما لأنه أريد ذكره ثانيا على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه؛ إظهارا لكمال العناية بوقوعه عليه٢؛ كقول البحتري أيضا "من المنسرح":
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مِثْلا٣
أي: قد طلبنا لك مثلا في السؤدد والمجد والمكارم، فحذف المثل؛ إذ كان غرضه أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ المثل٤, ولأجل هذا المعنى بعينه عكس ذو الرمة في قوله "من الوافر":
ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما أن يكون أصاب مالا٥
فإنه أعمل الفعل الأول الذي هو "أمدح" في لفظ اللئيم، والثاني الذي هو "أرضي" في ضميره؛ إذ كان غرضه إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا دون
стр. 203
الإرضاء. ويجوز أن يكون سبب الحذف في بيت البحتري قصد المبالغة في التأدب مع الممدوح، بترك مواجهته بالتصريح بما يدل على تجويز أن يكون له مثل؛ فإن العاقل لا يطلب إلا ما يجوز وجوده١.
وإما للقصد إلى التعميم٢ في المفعول، والامتناع عن أن يقصره السامع على ما يذكر معه دون غيره، مع الاختصار، كما تقول: "قد كان منك ما يؤلم" أي: ما الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان٣، وعليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] أي: يدعو كل أحد٤.
وإما للرعاية على الفاصلة٥ كقوله : ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١، ٣] أي: وما قلاك٦.
وإما لاستهجان ذكره، كما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت:
"ما رأيت منه، ولا رأى مني"٧ تعني: العورة.
وإما لمجرد الاختصار؛ كقولك: "أصغيت إليه" أي: أُذُني، "وأغضيت عليه" أي: بَصَري. ومنه قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: ذاتك. وقوله تعالى:
стр. 204
﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] أي: بعثه الله. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] أي: إنه لا يماثل، "تعلمون" أو ما بينه وبينها من التفاوت، أو أنها لا تفعل كفعله، كقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١ [الروم: ٤٠] ويحتمل أن يكون المقصود نفس الفعل من غير تعميم، أي: وأنتم من أهل العلم والمعرفة٢. ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم -من جعل الأصنام لله أندادا- غاية الجهل.
ومما عد السكاكي٣ الحذف فيه لمجرد الاختصار قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا﴾ ٤ [القصص: ٢٣، ٢٤] والأولى أن يجعل لإثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق كما مر٥، وهو ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: تُرك المفعول لأن الغرض هو الفعل لا المفعول، ألا ترى أنه رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلا؟ وكذلك قولهما: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ المقصود منه السقي لا المسقيّ.
واعلم أنه قد يشتبه الحال في أمر الحذف وعدمه لعدم تحصل معنى الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
стр. 205
[الإسراء: ١١٠] فإنه يظن أن الدعاء فيه بمعنى النداء، فلا يقدّر في الكلام محذوف، وليس بمعناه؛ لأنه لو كان بمعناه لزم إما الإشراك أو عطف الشيء على نفسه؛ لأنه إن كان مسمى أحدهما غير مسمى الآخر لزم الأول، وإن كان مسماهما واحدا لزم الثاني، وكلاهما باطل، تعالى كلام الله عن ذلك؛ فالدعاء في الآية بمعنى التسمية التي تتعدى إلى مفعولين، أي: سموه الله أو الرحمن أيا ما تسموه فله الأسماء الحسنى١ كما يقال: "فلان يدعى الأمير" أي: يسمى الأمير. وكما في قراءة من قرأ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] ٢ بغير تنوين، على القول بأن سقوط التنوين لكون الابن صفة واقعة بين علمين، كما في قولنا: "زيد بن عمرو قائم" فإنه قد يُظن أن فعل القول فيه لحكاية الجملة كما هو أصله٣. فقيل: تقدير الكلام: "عزير ابن الله معبودنا"، وهذا باطل؛ لأن التصديق والتكذيب إنما ينصرفان إلى الإسناد لا إلى وصف ما يقع في الكلام موصوفا بصفة، كما إذا حكيت عن إنسان أنه قال: "زيد بن عمرو سيد" ثم كذبته فيه، ولم يكن تكذيبك أن يكون زيدٌ ابنَ عمرو، ولكن أن يكون زيد سيدا، فلو كان التقدير ما ذكره، لكان الإنكار راجعا إلى أنه معبودهم، وفيه تقرير أن عزيرا ابن الله, تعالى الله عن ذلك، فالقول في الآية بمعنى الذكر٤؛ لأن الغرض الدلالة على أن اليهود قد بلغوا في الرسوخ في الجهل والشرك إلى أنهم كانوا يذكرون عزيرا هذا الذكر، كما تقول في قوم تريد أن تصفهم بالغلو في أمر صاحبهم وتعظيمه: "إني أراهم قد اعتقدوا أمرا عظيما؛ فهم يقولون أبدا: زيد الأمير" تريد أنه كذلك يكون
стр. 206
ذكرهم له إذا ذكروه.
واعلم أن لحذف التنوين من "عزير" في الآية وجهين١:
أحدهما: أن يكون لمنعه من الصرف لعُجمته وتعريفه كعازَرَ٢.
والثاني: أن يكون لالتقاء الساكنين؛ كقراءة من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] بحذف التنوين من ﴿أَحَدٌ﴾ ، وكما حكي عن عمارة بن عقيل أنه قرأ: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] بحذف التنوين من "سابق" ونصب "النهار" فقيل له: وما تريد؟ فقال: "سابقٌ النهارَ". فالمعنى على هذين الوجهين كالمعنى على إثبات التنوين، فعزير مبتدأ "وابن الله خبره"، و"قال" على أصله٣, والله أعلم.
стр. 207
تمرينات على الذكر والحذف:
تمرين١:
١- لماذا حُذف المفعول في قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢] ؟
٢- من أي ضربَيْ حذف المفعول قول الشاعر:
بَرِّدْ حشاي إن استطعت بلفظة ... فلقد تضر إذا تشاء وتنفع؟
تمرين٢:
١- لماذا ذُكر الحال في قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩] ؟
٢- من أي ضربي حذف المفعول حذفه أولا, وثانيا في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ؟
تمرين٣:
١- لماذا ذكر المفعول المطلق في قوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] ؟
٢- لماذا حذف وصف المضاف إلى المفعول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] ؟
٣- لماذا حذف المفعول في قول الشاعر:
إذا بعدت أبلت وإن قرُبت شَفَت ... فهجرانها يُبلي ولُقيانها يَشفي؟
تمرين٤:
١- من أي ضربي حذف المفعول حذفه في قول الشاعر:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع؟
٢- لماذا حذف المفعول في قول الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُفقر والإقدام قتال؟
стр. 208
أغراض تقديم المتعلقات:
أغراض تقديم المتعلقات على الفعل: وأما تقديم مفعوله ونحوه١ عليه؛ فلرد الخطأ في التعيين٢, كقولك: "زيدًا عرفتُ" لمن اعتقد أنك عرفتَ إنسانا وأنه غير زيد، وأصاب في الأول دون الثاني، وتقول لتأكيده وتقريره: "زيدا عرفت لا غيره"؛ ولذلك لا يصح أن يقال: "ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس"؛ لتناقض دلالتي الأول والثاني٣، ولا أن تُعقب الفعل المنفي بإثبات ضده، كقولك: "ما زيدا ضربت ولكن أكرمته"؛ لأن مبنى الكلام ليس على أن الخطأ في الضرب فتردّه إلى الصواب في الإكرام، وإنما هو على أن الخطأ في المضروب حين اعتُقد أنه زيد، فرده إلى الصواب أن تقول: ولكن عمرا٤.
وأما نحو قولك: "زيدا عرفته"٥ فإن قُدر المفسَّر المحذوف قبل المنصوب؛ أي: عرفت زيدا عرفته، فهو من باب التوكيد؛ أعني تكرير اللفظ، وإن قدر بعده، أي: "زيدا عرفت عرفته" أفاد التخصيص. وأما٦ نحو قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾
стр. 209
[فصلت: ١٧] فيمن قرأ بالنصب١ فلا يفيد إلا التخصيص؛ لامتناع تقدير: أما فهدينا ثمود٢.
وكذلك إذا قلت: "بزيد مررت" أفاد أن سامعك كان يعتقد مرورك بغير زيد، فأزلت عنه الخطأ مخصصا مرورك بزيد دون غيره٣.
والتخصيص في غالب الأمر لازم للتقديم؛ ولذلك يقال في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] : معناه نخصك بالعبادة، لا نعبد غيرك، ونخصك بالاستعانة, لا نستعين غيرك, وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] : معناه إن كنتم تخصونه بالعبادة, وفي قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] : أخرت صلة الشهادة في الأول وقدمت في الثاني؛ لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الثاني اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم, وفي قوله تعالى: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨] : معناه إليه لا إلى غيره, ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩] : معناه لجميع الناس من العرب والعجم؛ على أن التعريف للاستغراق، لا لبعضهم المعين على أنه للعهد؛ أي: للعرب، ولا لمسمى الناس على أنه للجنس؛ لئلا يلزم من الأول٤
стр. 210
اختصاصه بالعرب دون العجم؛ لانحصار الناس في الصنفين، ومن الثاني١ اختصاصه بالإنس دون الجن؛ لانحصار من يُتصوّر الإرسال إليهم من أهل الأرض فيهما. وعلى تقدير الاستغراق لا يلزم شيء من ذلك؛ لأن التقديم لما كان مفيدا لثبوت الحكم للمقدَّم ونفيه عما يقابله؛ كان تقديم "للناس" على "رسولا" مفيدا لنفي كونه رسولا لبعضهم خاصة٢؛ لأنه هو المقابل لجميع الناس، لا لبعضهم مطلقا ولا لغير جنس الناس٣.
وكذلك يُذْهَب في معنى قوله تعالى: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] إلى أنه تعريض بأن الآخرة التي عليها أهل الكتاب فيما يقولون: "إنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وإنه لا تمسهم النار فيها إلا أياما معدودات، وإن أهل الجنة لا يتلذذون في الجنة إلا بالنسيم والأرواح العَبِقة والسماع اللذيذ"٤ ليست الآخرة٥ وإيقانهم بمثلها ليس من الإيقان بالتي هي الآخرة عند الله في شيء، أي: بالآخرة يوقنون لا بغيرها كأهل الكتاب.
ويفيد التقديم في جميع ذلك -وراء التخصيص- اهتماما بشأن المقدم؛ ولهذا قدر المحذوف في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ مؤخرا، وأورد قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فإن الفعل فيه مقدم، وأجيب بأن تقديم الفعل هناك٦ أهم؛ لأنها أول سورة نزلت. وأجاب السكاكي٧ بأن ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ "اقرأ" الثاني٨، ومعنى الأول: افعل القراءة وأوجِدها، على نحو ما تقدم في قولهم: "فلان يعطي ويمنع"، يعني: إذا لم يُحمَل على العموم٩, وهو بعيد١٠.
стр. 211
أغراض تقديم بعض المعمولات على بعض:
وأما تقديم بعض معمولاته على بعض فهو:
إما لأن أصله التقديم ولا مقتضي للعدول عنه١؛ كتقديم الفاعل على المفعول٢ نحو: "ضرب زيد عمرا"، وتقديم المفعول الأول على الثاني، نحو: "أعطيت زيدا درهما".
وإما لأن ذكره أهم، والعناية به أتم٣.
стр. 212
فيقدم المفعول على الفاعل إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل على من وقع عليه، لا وقوعه ممن وقع منه؛ كما إذا خرج رجل على السلطان وعاث في البلاد وكثر منه الأذى، فقُتل، وأردت أن تخبر بقتله، فتقول: "قَتَلَ الخارجيَّ فلانٌ" بتقديم "الخارجي"؛ إذ ليس للناس فائدة في أن يعرفوا قاتله، وإنما الذي يريدون علمه هو وقوع القتل به ليخلُصوا من شره.
ويقدم الفاعل على المفعول: إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل ممن وقع منه، لا وقوعه على من وقع عليه، كما إذا كان رجل ليس له بأس ولا يُقدّر فيه أن يَقتل، فقتل رجلا، وأردت أن تخبر بذلك، فتقول "قتل فلان رجلا" بتقديم القاتل؛ لأن الذي يعني الناس من شأن هذا القتل ندوره وبعده من الظن، ومعلوم أنه لم يكن نادرا ولا بعيدا من حيث كان واقعا على من وقع عليه، بل من حيث كان واقعا ممن وقع منه.
وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] ، قدم المخاطبين١ في الأولى دون الثانية؛ لأن الخطاب في الأولى للفقراء، بدليل قوله تعالى: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ، فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، والخطاب في الثانية للأغنياء بدليل قوله: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ ؛ فإن الخشية إنما تكون مما لم يقع؛ فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم؛ لأن حاصل، فكان٢ أهم؛ فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم.
وإما لأن في التأخير إخلالا ببيان المعنى؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ
стр. 213
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] فإنه لو أخّر ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ عن ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ لتُوهم أن ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿يَكْتُمُ﴾ ، فلم يفهم أن الرجل من آل فرعون١.
أو التناسب, كرعاية الفاصلة، نحو: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ٢.
وإما لاعتبار آخر مناسب٣.
وقسم السكاكي٤ التقديم للعناية -مطلقا٥- قسمين:
أحدهما: أن يكون أصل ما قدم في الكلام هو التقديم ولا مقتضى للعدول عنه؛ كالمبتدأ المعرَّف٦؛ فإن أصله التقديم على الخبر؛ نحو: "زيد عارف" وكذي الحال المعرف، فإن أصله التقديم على الحال، نحو: "جاء زيد راكبا"، وكالعامل؛ فإن أصله التقديم على معموله، نحو: "عرف زيد عمرا، وكان زيد عارفا، وإن زيدا عارف"، وكالفاعل؛ فإن أصله التقديم على المفعولات وما يُشبهها من الحال والتمييز، نحو: "ضرب زيد الجاني بالسوط يوم الجمعة أمام بكر ضربا شديدا تأديبا له، ممتلئا من الغضب"، و"امتلأ الإناء ماء"، وكالذي يكون في حكم المبتدأ من مفعولي باب
стр. 214
"علمت"١ نحو: "علمت زيدا منطلقا"، أو في حكم الفاعل من مفعولي باب "أعطيت" و"كسوت"٢؛ نحو: "أعطيت زيدا درهما وكسوت عمرا جبة"٣، وكالمفعول المتعدَّى إليه بغير واسطة فإن أصله التقديم على المتعدَّى إليه بواسطة؛ نحو: "ضربت الجاني بالسوط". وكالتوابع, فإن أصلها أن تذكر بعد المتبوعات٤.
ثانيهما: أن تكون العناية بتقديمه والاعتناء بشأنه لكونه في نفسه نُصْبَ عينك، والتفات خاطرك إليه في التزايد، كما تجدك قد مُنيتَ بهجْر حبيبك وقيل لك: ما تتمنى؟ تقول: "وجه الحبيب أتمنى" وعليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] أي: على القول٥ بأن ﴿لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ مفعولا ﴿وَجَعَلُوا﴾ .
أو لعارض يورثه ذلك٦: كما إذا توهمت أن مخاطَبك ملتفت الخاطر إليه، ينتظر أن تذكر، فيبرز في معرض أمر يتجدد في شأنه التقاضي ساعة فساعة، فمتى تجد له مجالا للذكر صالحا أوردته، نحو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] قُدم فيه المجرور لاشتمال ما قبله على سوء معاملة أهل القرية الرسل من إصرارهم على تكذيبهم، فكان مظنة أن يلعن السامع -على مجرى العادة- تلك القرية، ويبقى مُجيلا في فكره: أكانت كلها كذلك أم كان فيها قطر
стр. 215
-دانٍ أم قاصٍ- منبت خير؟ منتظرا لإلمام الحديث به، بخلاف ما في سورة القصص١.
أو كما إذا وُعدت٢ ما تستبعد وقوعه من جهتين؛ إحداهما أدخل في تبعيده من الأخرى؛ فإنك -حال التفات خاطرك إلى وقوعه باعتبارهما- تجد تفاوتا في إنكارك إياه قوة وضعفا بالنسبة، ولامتناع إنكاره بدون القصد إليه يستتبع تفاوته ذلك تفاوتا في القصد إليه والاعتناء بذكره، فالبلاغة توجب أنك -إذا أنكرت- تقول في الأول٣: شيء حاله في البعد عن الوقوع هذه أنى يكون؟ لقد وُعدت هذا أنا وأبي وجدي, فتقدم المنكر على المرفوع٤. وفي الثاني: لقد وُعدت أنا وأبي وجدي هذا, فتؤخر. وعليه قوله تعالى في سورة النمل: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٨] , وقوله تعالى في سورة "المؤمنون": ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾ [المؤمنون: ٨٣] فإن ما قبل الأولى: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ وما قبل الثانية: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ , فالجهة المنظور فيها هناك كونهم أنفسهم وآباؤهم ترابا، والجهة المنظور فيها هنا كونهم ترابا وعظاما، ولا