← Баляга

Баляга · id 10281

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة

عبد المتعال الصعيدي

Полный текст (710 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا١ والنقصان عن الكمال؛ كقول أبي العلاء المعري: وإن كنتَ تبغي العيش فابغِ توسطا ... فعند التناهي يقصر المتطاول٢ تُوَقَّ البدور النقص وهي أهلة ... ويدركها النقصان وهي كوامل٣ وتتفرع من حالتي كماله ونقصه فروع لطيفة؛ كقول ابن بابك في الأستاذ أبي علي, وقد استوزره وأبا العباس الضبي فخر الدولة بعد وفاة ابن عبّاد: وأُعرتَ شطر المُلْك شطر كماله ... والبدر في شطر المسافة يكمل٤ وقول أبي بكر الخوارزمي: أراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... مقيما وإن أعسرت زرت لِماما فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه ... أغَبَّ وإن زاد الضياء أقاما٥

стр. 387

المعنى لطيف وإن لم تساعده العبارة على ما يجب؛ لأن الإغباب أن يتخلل بين وقتي الحضور وقت يخلو منه، فإنما يصلح لأن يراد أن القمر إذا نقص نوره لم يوالِ الطلوع في كل ليلة، بل يظهر في بعض الليالي دون البعض، وليس الأمر كذلك؛ لأنه -على نقصانه- يطلع كل ليلة حتى تكون السِّرار. وكذا يُنظر إلى بعده وارتفاعه، وقرب ضوئه وشعاعه، في نحو ما مضى من بيتي البحتري١ وإلى ظهوره في كل مكان، كما في قول أبي الطيب: كالبدر من حيث التفتَّ وجدتَهُ ... يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا٢ إلى غير ذلك٣. أركان التشبيه: ثم النظر في أركان التشبيه, وهي أربعة: "طرفاه، ووجهه، وأداته"، وفي الغرض منه، وفي تقسيمه بهذه الاعتبارات.

стр. 388

طرفا التشبيه: أما طرفاه فهما إما حسيان، كما في تشبيه الخد بالورد، والقَدّ بالرمح، والفيل بالجبل في المبصرات، والصوت الضعيف بالهمس في المسموعات، والنكهة بالعنبر في المشمومات، والريق بالخمر في المذوقات، والجلد الناعم بالحرير في الملموسات١. وإما عقليان؛ كما في تشبيه العلم بالحياة٢. وإما مختلفان؛ والمعقول هو المشبه؛ كما في تشبيه المنية بالسبع٣، أو العكس؛ كما في تشبيه العطر بخُلُق كريم٤.

стр. 389

والمراد بالحسي المدرَك -هو أو مادته- بإحدى الحواس الخمس الظاهرة؛ فدخل فيه الخيالي١ كما في قوله: وكأن محمر الشقيـ ... ـق إذا تصوّب أو تصعّد أعلام ياقوت نُشر ... ن على رماح من زبرجد٢ وقوله: كلنا باسط اليد ... نحو نيلوفر ندي كدبابيس عسجد ... قُضْبها من زبرجد٣ والمراد بـ "العقلي" ما عدا ذلك، فدخل فيه الوهمي؛ وهو ما ليس مدركا بشيء من الحواس الخمس الظاهرة، مع أنه لو أُدرك لم يدرك إلا بها٤؛ كما في قول امرئ القيس: ومسنونة زرق كأنياب أغوال٥ وعليه قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ٦، وكذا ما يُدرَك بالوجدان٧؛ كاللذة، والألم، والشبع، والجوع.

стр. 390

وجه الشبه: وأما وجهه: فهو المعنى الذي يشترك فيه الطرفان تحقيقا أو تخييلا، والمراد بالتخييل ألا يُمكن وجوده في المشبه به إلا على تأويل١؛ كما في قول القاضي التنوخي: وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع٢ فإن وجه الشبه فيه الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بِيض في جوانب شيء مظلم أسود؛ فهي غير موجودة في المشبه به إلا على طريق التخييل، وذلك أنه لما كانت البدعة والضلالة وكل ما هو جهل يجعل صاحبها في حكم من يمشي في الظلمة، فلا يهتدي إلى الطريق، ولا يفصل الشيء من غيره؛ فلا يأمَن أن يتردّى في مَهْوَاة؛ أو يعثر على عدو قاتل، أو آفة مهلكة، شبهت بالظلمة، ولزم -على عكس ذلك- أن تشبه السنة والهدى وكل ما هو علم بالنور، وعليهما قوله تعالى:

стр. 391

﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ١ وشاع ذلك حتى وُصف الصنف الأول بالسواد، كما في قول القائل: "شاهدت سواد الكفر من جبين فلان" والصنف الثاني بالبياض؛ كما في قول النبي ﷺ : "أتيتكم بالحنيفية البيضاء" وذلك لتخييل أن السنن ونحوها من الجنس الذي هو إشراق أو ابيضاض في العين، وأن البدعة ونحوها على خلاف ذلك، فصار تشبيه النجوم ما بين الدياجي بالسنن ما بين الابتداع كتشبيه النجوم في الظلام ببياض الشيب في سواد الشباب، وبالأنوار٢ مؤتلقة بين النبات الشديد الخضرة؛ فالتأويل فيه أنه تخيّل ما ليس بمتلون متلونا، ويحتمل وجها آخر وهو أن يُتأول بأنه أراد معنى قولهم: "إن سواد الظلام يزيد النجوم حسنا" فإنه لما كان وقوف العاقل على عوار الباطل يزيد الحق نبلا في نفسه وحسنا في مرآة عقله؛ جُعل هذا الأصل من المعقول مثالا للمشاهد المبصر هناك، غير أنه لا يخرج -مع هذا- عن كونه على خلاف الظاهر؛ لأن الظاهر أن يُمثَّل المعقول في ذلك بالمحسوس٣؛ كما فعل البحتري في قوله: وقد زادها إفراط حسن جوارها ... خلائق أصفار من المجد خُيِّب٤ وحسن دراريّ الكواكب أن ترى ... طوالع في داجٍ من الليل غَيْهب٥

стр. 392

ومن التشبيه التخييلي قول أبي طالب الرقي: ولقد ذكرتُكِ والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق١ فإنه لما كانت أيام المكاره توصف بالسواد توسعا؛ فيقال: "اسودّ النهار في عيني، وأظلمت الدنيا عليَّ"، وكان الغَزِل يدعي القسوة على من لم يعشق، والقلب القاسي يوصف بالسواد توسعا، تخيل يوم النوى وفؤاد من لم يعشق شيئين لهما سواد، وجعلهما أعرف به، وأشهر من الظلام، فشبّهه بهما. وكذا قول ابن بَابَك: وأرض كأخلاق الكرام قطعتها ... وقد كحّل الليل السماك فأبصرا٢ فإن الأخلاق لما كانت توصف بالسعة والضيق تشبيها لها بالأماكن الواسعة والضيقة، تخيل أخلاق الكرام شيئا له سعة، وجُعل أصلا فيها، فشبه الأرض الواسعة بها. وكذا قول التنوخي: فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا٣ فإنه لما كان يقال في الحق: "إنه منير واضح"، فيستعار له صفة الأجسام المنيرة، وفي الظلم خلاف ذلك، تخيلهما شيئين لهما إنارة وإظلام، فشبه النار والفحم مجتمعَين بهما مجتمعين. وكذا ما كتب به الصاحب إلى القاضي أبي الحسن٤, وقد أهدى له الصاحب عطر القُطْر: وقال له: هل سمعت هذا المعنى؟ فقال ابن رشيق: سمعته، وأخذتَه أنتَ وأفسدتَه؛ أما الأخذ فمن النابغة الذبياني حيث يقول: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثََمْن ذو إمّة وهو طائع٥ لكلفْتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العُرّ يُكوَى غيره وهو راتع٦ وأما الإفساد؛ فلأن سبابة المتندم أول شيء يتألم منه؛ فلا يكون المعاقَب غير الجاني، وهذا بخلاف بيت النابغة؛ فإن المكوي من الإبل يألم وما به عُرّ البتة، وصاحب العر لا يألم جملة٧.

стр. 393

الوجه الداخل في الطرفين، والخارج عنهما: وهو إما غير خارج عن حقيقة الطرفين، أو خارج. والأول: إما تمام حقيقتهما كما في تشبيه إنسان بإنسان في كونه إنسانا، أو جزئهما؛ كما في تشبيه بعض الحيوانات العُجْم بالإنسان في كونه حيوانا. والثاني: صفة؛ إما حقيقية أو إضافية١، والحقيقية إما حسية؛ وهي الكيفيات الجسمية مما يدرك بالبصر من الألوان والأشكال والمقادير والحركات وما يتصل بها من الحسن والقبح وغير ذلك، أو بالسمع من الأصوات القوية والضعيفة والتي بين بين، أو بالذوق من أنواع الطعوم، أو بالشم من أنواع الروائح، أو باللمس من الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والخشونة والملاسة، واللين والصلابة، والخفة والثقل، وما ينضاف إليها. وإما عقلية: كالكيفيات النفسية من الذكاء والتيقظ والمعرفة والعلم والقدرة والكرم والسخاء والغضب والحلم وما جرى مجراها من الغرائز والأخلاق. والإضافية: كإزالة الحجاب في تشبيه الحُجَّة بالشمس٢.

стр. 394

الوجه الواحد، وغيره، والحسي، والعقلي: تقسيم آخر باعتبار آخر: وجه الشبه إما واحد, أو غير واحد. والواحد: إما حسي، أو عقلي. وغير الواحد: إما بمنزلة الواحد؛ لكونه مركبا من أمرين أو أمور، أو متعدد غير مركب. والمركب إما حسي، أو عقلي. والمتعدد: إما حسي، أو عقلي، أو مختلف. والحسي لا يكون طرفاه إلا حسيين؛ لامتناع أن يدرك بالحس من غير الحسي شيء. والعقلي طرفاه إما عقليان، أو حسيان، أو مختلفان؛ لجواز أن يدرك بالعقل من الحسي شيء؛ ولذلك يقال: التشبيه بالوجه العقلي أعم من التشبيه بالوجه الحسي. قال الشيخ صاحب المفتاح١: "وههنا نكتة لا بد من التنبه لها؛ وهي أن التحقيق في وجه الشبه يأبى أن يكون غير عقلي؛ وذلك أنه متى كان حسيا -وقد عرفت أنه يجب أن يكون موجودا في الطرفين، وكل موجود له تعين- فوجه الشبه مع المشبه متعين, فيمتنع أن يكون هو بعينه موجودا مع المشبه به؛ لامتناع حصول المحسوس المعين ههنا، مع كونه بعينه هناك بحكم الضرورة، وبحكم التنبيه على امتناعه إن شئت، وهو استلزامه إذا عُدمت حمرة الخد دون حمرة الورد، أو بالعكس: كون الحمرة معدومة موجودة معا، وهكذا في أخواتها، بل يكون٢ مثله مع المشبه به، لكن المِثلين لا يكونان شيئا واحدا، ووجه الشبه بين الطرفين -كما عرفتَ- واحد، فيلزم أن يكون أمرا كليا مأخوذا من المثلين بتجريدهما عن التعين، لكن ما هذا شأنه فهو عقلي. ويمتنع أن يقال: فالمراد بوجه الشبه حصول المثلين في الطرفين٣؛ فإن المثلين متشابهان، فمعهما وجه تشبيه؛ فإن كان عقليا كان المرجع في وجه الشبه العقل في المآل، وإن كان حسيا استلزم أن يكون مع المثلين مثلان آخران، وكان الكلام فيهما كالكلام فيما سواهما، ويلزم التسلسل". هذا لفظه، ويمكن أن يقال: المراد بكونه حسيا أن تكون أفراده مدركة بالحس٤؛ كالسواد؛ فإن أفراده مدركة بالبصر، وإن كان هو نفسه غير مدرك به ولا بغيره من الحواس.

стр. 395

الواحد الحسي: الواحد الحسي: كالحمرة، والخفاء، وطِيب الرائحة، ولذة الطعم، ولين الملمس في تشبيه الخد بالورد، والصوت الضعيف بالهمس، والنكهة بالعنبر، والريق بالخمر، والجلد الناعم بالحرير، كما سبق١. الواحد العقلي: والواحد العقلي: كالعَراء عن الفائدة في تشبيه وجود الشيء العديم النفع بعدمه، وجهة الإدراك في تشبيه العلم بالحياة -فيما طرفاه معقولان- والجراءة في تشبيه الرجل الشجاع بالأسد، ومطلق الاهتداء في تشبيه أصحاب النبي ﷺ , ورضي عنهم- بالنجوم٢ فيما طرفاه محسوسان, والهداية في تشبيه العلم بالنور٣، وتحصيل ما بين الزيادة والنقصان في تشبيه العدل بالقسطاس, فيما المشبه فيه معقول والمشبه به محسوس، واستطابة النفس في تشبيه العطر بخُلُق كريم٤، وعدم الخفاء في تشبيه النجوم بالسنن٥ فيما المشبه به فيه محسوس والمشبه به معقول. قال الشيخ صاحب المفتاح٦: "وفي أكثر هذه الأمثلة في معنى وحدتها تسامح"٧.

стр. 396

المركب الحسي: والمركب الحسي طرفاه إما مفردان: كالهيئة الحاصلة من الحمرة والشكل الكُرّي, والمقدار المخصوص في قول ذي الرمة: وسِقْط كعين الديك عاورت صاحبي ... أباها وهيأنا لموقعها وكرا٧

стр. 397

وكالهيئة الحاصلة من تقارن الصور البِيض المستديرة الصغار المقادير في المرأى على كيفية مخصوصة إلى مقدار مخصوص في قول أحيحة بن الجلاح, أو أبي قيس بن الأسلت: وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود مُلَّاحية حين نوَّرا١ وإما مركبان؛ كالهيئة الحاصلة من هَوِيّ أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار متفرقة في جوانب شيء مظلم، في قول بشار: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه٢ وكالهيئة الحاصلة من تفرق أجرام متلألئة مستديرة صغار المقادير في المرأى على سطح جسم أزرق صافي الزرقة في قول أبي طالب الرقي: وكأن أجرام النجوم لوامعا٣ ... درر نثرن على بساط وإما مختلفان، كما في تشبيه الشاة الجبليّ٤ بحمار أبتر مشقوق الشفة والحوافر

стр. 398

نابت على رأسه شجرتا غَضَا، وكما مر في تشبيه الشقيق والنيلوفر١. ومن بديع هذا النوع -أعني المركب الحسي- ما يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركة، ويكون على وجهين: أحدهما: أن يقرن بالحركة غيرها من أوصاف الجسم؛ كالشكل، واللون؛ كما في قوله: والشمس كالمرآة في كف الأشل٢ من الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق والحركة السريعة المتصلة، وما يحصل من الإشراق بسبب تلك الحركة من التموج والاضطراب، حتى يُرَى الشعاع كأنه يهمّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة، ثم يبدو له فيرجع من الانبساط الذي بدا له إلى الانقباض، كأنه يجتمع من الجوانب إلى الوسط؛ فإن الشمس إذا أحدّ الإنسان النظر إليها ليتبين جِرْمها، وجدها مؤدية لهذه الهيئة، وكذا المرآة التي كانت في يد الأشل. ومثله قول المهلبي الوزير: والشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب٣ كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب٤ فإن البوتقة إذا أُحميت وذاب فيها الذهب، تشكل بشكلها في الاستدارة، وأخذ

стр. 399

يتحرك فيها بجملته تلك الحركة العجيبة، كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانبها؛ لما في طبعه من النعومة، ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض؛ لما بين أجزائه من شدة الاتصال والتلاحم؛ ولذلك لا يقع فيه غليان على الصفة التي تكون في الماء ونحوه مما يتخلله الهواء. وكما في قول الصنوبري: كأن في غدرانها ... حواجبا ظلت تمط١ أراد ما يبدو في صفحة الماء من أشكال كأنصاف دوائر صغار، ثم تمتد امتدادا يُنقِص من انحنائها، فينقلها من التقوس إلى الاستواء، وذلك أشبه شيء بالحواجب إذا امتدت؛ لأن للحاجب كما لا يخفى تقويسا، ومده يُنقِص من تقويسه. والوجه الثاني: أن تُجرَّد هيئة الحركة عن كل وصف غيرها للجسم، فهناك أيضا لا بد من اختلاط حركات كثيرة للجسم إلى جهات مختلفة له؛ كأن يتحرك بعضه إلى اليمين، وبعضه إلى الشمال، وبعضه إلى العلو، وبعضه إلى السفل، فحركة الرحا والدولاب٢ والسهم لا تركيب فيها؛ لاتحاد الحركة، وحركة المصحف في قول ابن المعتز: وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا٣ فيها تركيب؛ لأنه يتحرك في الحالتين إلى جهتين٤؛ في كل حالة إلى جهة. وكلما كان التفاوت في الجهات التي تتحرك أبعاض الجسم إليها أشد، كان

стр. 400

التركيب في هيئة المتحرك أكثر. ومن لطيف ذلك قول الأعشى١ يصف السفينة في البحر, وتقاذف الأمواج بها: تَقِصّ السَّفِين بجانبيه كما ... يَنْزُو الرباح خلا له كَرْع٢ قال الشيخ عبد القاهر٣: الرباح: الفصيل، والكرع: ماء السماء؛ شبّه السفينة في انحدارها وارتفاعها بحركات الفصيل في نزوه؛ فإنه يكون له حينئذ حركات متفاوتة تصير له أعضاؤه في جهات مختلفة، ويكون هناك تسفل وتصعد على غير ترتيب، وبحيث يكاد يدخل أحدهما في الآخر، فلا يتبينه الطرف مرتفعا حتى يراه متسفلا، وذلك أشبه شيء بحال السفينة وهيئة حركتها حين تتدافعها الأمواج. ومنه قول الآخر: حُفّت بسَرْو كالقيان تلحفت ... خضر الحرير على قوام معتدل فكأنها والريح جاء يُميلها ... تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل٤ فإن فيه تفصيلا دقيقا؛ وذلك أنه راعى الحركتين: حركة التهيؤ للدنوّ والعناق، وحركة الرجوع إلى أصل الافتراق، وأدى ما يكون في الثانية من سرعة زائدة تأدية لطيفة؛ لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها إلى اعتدالها أسرع لا محالة من حركتها في حال خروجها عن مكانها من الاعتدال، وكذلك حركة من يدركه الخجل فيرتدع أسرع من حركة من يهم بالدنو؛ لأن إزعاج الخوف أقوى أبدا من

стр. 401

إزعاج الرجاء. ومما مذهبه السهل الممتنع من هذا الضرب قول امرئ القيس: مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عَلِ١ يقول: إن هذا الفرس لفرط ما فيه من لين الرأس وسرعة الانحراف ترى كَفَله في الحال التي ترى فيها لَبَبه؛ فهو كجلمود صخر دفعه السيل من مكان عالٍ؛ فإن الحجر بطبعه يطلب جهة السفل؛ لأنها مركزه، فكيف إذا أعانته قوة دفع السيل من عل، فهو لسرعة تقلبه يرى أحد وجهيه حين يرى الآخر. وكما يقع التركيب في هيئة الحركة قد يقع في هيئة السكون؛ فمن لطيف ذلك قول أبي الطيب في صفة الكلب: يُقعي جلوس البدوي المصطلي٢ وإنما لطف من حيث كان لكل عضو من الكلب في إقعائه موقع خاص، وللمجموع صورة خاصة مؤلفة من تلك المواقع. ومنه البيت الثاني من قول الآخر في صفة مصلوب: كأنه عاشق قد مد صفحته ... يوم الوداع إلى توديع مرتحل أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطيه من الكسل٣

стр. 402

والتفصيل فيه أنه شبّهه بالمتمطي إذا واصل تمطيه مع التعرض لسببه وهو اللوثة والكسل فيه، فنظر إلى هذه الجهات الثلاث١، ولو اقتصر على أنه كالمتمطي كان قريب التناول؛ لأن هذا القدر يقع في نفس الرائي للمصلوب ابتداء؛ لأنه من باب الجملة. وشبيه بهذا القول قول الآخر: لم أر صفا مثل صف الزُّط ... تسعين منهم صُلبوا في خط من كل عالٍ جذعه بالشط ... كأنه في جذعه المشتط أخو نعاس جدّ في التمطي قد خامر النوم ولم يغط٢ والفرق بين هذا والأول٣: أن الأول صريح في الاستمرار على الهيئة والاستدامة لها دون بلوغ الصفة غاية ما يمكن أن يكون عليها، والثاني بالعكس. قال الشيخ عبد القاهر٤: وشبيه بالأول في الاستقصاء قول ابن الرومي في المصلوب أيضا: كأن له في الجو حبلا يَبُوعه ... إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل٥ فقوله: "إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل" كقوله: "مواصل لتمطيه من الكسل" في التنبيه على استدامة الشبه؛ لأنه إذا كان لا يزال يبوع حبلا لم يقبض باعه، ولم يرسل يده، وفي ذلك بقاء شبه المصلوب على الاتصال.

стр. 403

وجه الشبه المركب العقلي: والمركب العقلي كالمنظر المُطمِع مع المَخْبَر المؤيس الذي هو على عكس ما قدّر في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ ١ شبه ما يعمله من لا يُقرن الإيمان المعتبر بالأعمال التي يحسبها تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه ثم يَخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدّر، بسراب يراه الكافر بالساهرة٢ وقد غلبه عطش يوم القيامة، فيحسبه ماء فيأتيه، فلا يجد ما رجاه، ويجد زبانية الله عنده، فيأخذونه، فيعتِلونه٣ إلى جهنم، فيسقونه الحميم والغساق. فهو كما ترى منتزع من أمور مجموعة قُرن بعضها إلى بعض، وذلك أنه روعي من الكافر فعل مخصوص، وهو حسبان الأعمال نافعة له، وأن تكون للأعمال صورة مخصوصة، وهي صورة الأعمال الصالحة التي وعد الله تعالى بالثواب عليها، بشرط الإيمان به وبرسله ﵈، وأنها لا تفيدهم في العاقبة شيئا، وأنهم يلقَوْن فيها عكس ما أمّلوه وهو العذاب الأليم، وكذا في جانب المشبه به٤. وكحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ١ فإنه أيضا منتزع من أمور مجموعة قُرن بعضها إلى بعض، وذلك أنه روعي من الحمار فعل مخصوص وهو الحمل، وأن يكون المحمول شيئا مخصوصا وهي الأسفار التي هي أوعية العلوم، وأن الحمار جاهل بما فيها، وكذا في جانب المشبه.

стр. 404

دقيقة في الوجه المركب: واعلم أنه قد تقع بعد أداة التشبيه أمور يظن أن المقصود أمر منتزع من بعضها، فيقع الخطأ؛ لكونه أمرا منتزعا من جميعها؛ كقوله: كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت١ فإنه ربما يظن أن الشطر الأول منه تشبيه مستقل بنفسه لا حاجة به إلى الثاني، على أن المقصود به ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة إليه٢، ولكن بالتأمل يظهر أن مغزى الشاعر في التشبيه أن يثبت ابتداء مُطمعا متصلا بانتهاء مؤيس، وذلك يتوقف على البيت كله. فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون بعض التشبيهات المجتمعة كقولنا: "زيد يصفو ويكدر" تشبيها واحدا٣؛ لأن الاقتصار على أحد الخبرين يُبطل الغرض من

стр. 405

الكلام؛ لأن الغرض منه وصف المخبر عنه بأنه يجمع بين الصفتين، وأن إحداهما لا تدوم. قلنا: الفرق بينهما أن الغرض في البيت أن يُثبَت ابتداء مطمع متصل بانتهاء مؤيس كما مر، وكون الشيء ابتداء لآخر زائد على الجمع بينهما، وليس في قولنا: "يصفو ويكدر" أكثر من الجمع بين الصفتين، ونظير البيت قولنا: "يصفو ثم يكدر"؛ لإفادة "ثم" الترتيب المقتضي ربط أحد الوصفين بالآخر. وقد ظهر مما ذكرنا أن التشبيهات المجتمعة تفارق التشبيه المركب في مثل ما ذكرنا بأمرين: أحدهما: أنه لا يجب فيها ترتيب، والثاني: أنه إذا حُذف بعضها لا يتغير حال الباقي في إفادة ما كان يفيده قبل الحذف، فإذا قلنا: "زيد كالأسد بأسا، والبحر جودا، والسيف مضاء" لا يجب أن يكون لهذه التشبيهات نسق مخصوص، بل لو قدم التشبيه بالبحر أو التشبيه بالسيف جاز، ولو أسقط واحد من الثلاثة لم يتغير حال غيره في إفادة معناه١، بخلاف المركب؛ فإن المقصود منه يختل بإسقاط بعض الأمور.

стр. 406

المتعدد الحسي: والمتعدد الحسي كاللون والطعم والرائحة في تشبيه فاكهة بأخرى. المتعدد العقلي: المتعدد العقلي؛ كحدّة النظر، وكمال الحذر، وإخفاء السفاد في تشبيه طائر بالغراب. المتعدد المختلف: والمتعدد المختلف؛ كحسن الطلعة ونباهة الشأن في تشبيه إنسان بالشمس. واعلم أن الطريق في اكتساب وجه الشبه أن يُميَّز عما عداه، فإذا أردت أن تشبه جسما بجسم في هيئة حركة، وجب أن تطلب الوِفَاق بين الهيئة والهيئة مجردتين عن الجسم وسائر أوصافه من اللون وغيره، كما فعل ابن المعتز في تشبيه البرق١؛ فإن لم ينظر إلى شيء من أوصافه سوى الهيئة التي تجدها العين من انبساط يعقبه انقباض. أداة التشبيه: وأما أداته: "فالكاف" في نحو قولك: "زيد كالأسد". "وكأن"٢ في نحو قولك: "زيد كأنه أسد". "ومثل" في نحو قولك: "زيد مثل الأسد". وما في معنى "مثل"، كلفظة "نحو"، وما يُشتق من لفظة "مثل" و"شبه" ونحوهما٣.

стр. 407

والأصل في الكاف ونحوها١ أن يليها المشبه به٢، وقد يليها مفرد لا يتأتى التشبيه به٣. وذلك إذا كان المشبه به مركبا؛ كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ ٤؛ إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء، ولا بمفرد آخر يُتَمَحَّل لتقديره٥؛ بل المراد تشبيه حالها في نضارتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء بحال النبات يكون أخضرَ وارفا، ثم يهيج فتطيّره الرياح كأن لم يكن. وأما قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ٦ فليس منه؛ لأن المعنى: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى, حين قال لهم: من أنصاري إلى الله؟ ٧. وقد يذكر فعل٨ ينبئ عن التشبيه؛ كعلمت في قولك: "علمت زيدا أسدا"، ونحوه٩. هذا إذا قرب التشبيه، فإن بُعِّد أدنى تبعيد قيل: "خلته وحسبته"، ونحوهما١٠.

стр. 408

الغرض من التشبيه: وأما الغرض من التشبيه فيعود في الأغلب إلى المشبه، وقد يعود إلى المشبه به. ما يعود إلى المشبه من أغراض التشبيه: أما الأول فيرجع إلى وجوه مختلفة: منها بيان أن وجود المشبه ممكن: وذلك في كل أمر غريب يمكن أن يخالَف فيه ويدعّى امتناعه؛ كقول أبي الطيب: فإن تَفُقِ الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال٤

стр. 409

أراد أنه فاق الأنام في الأوصاف الفاضلة، إلى حد بطل معه أن يكون واحدا منهم، بل صار نوعا آخر -برأسه- أشرف من الإنسان، وهذا -أعني أن يتناهى بعض أفراد النوع في الفضائل, إلى أن يصير كأنه ليس منها- أمر غريب يفتقر من يدعيه إلى إثبات جواز وجوده على الجملة، حتى يجيء إلى إثبات وجوده في الممدوح؛ فقال: "فإن المسك بعض دم الغزال" أي: ولا يعد في الدماء؛ لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لا يوجد منها شيء في الدم، وخلوه من الأوصاف التي لها كان الدم دما؛ فأبان أن لما ادّعاه أصلا في الوجود على الجملة. ومنها بيان حاله؛ كما في تشبيه ثوب بثوب آخر في السواد، إذا عُلم لون المشبه به دون المشبه١. ومنها بيان مقدار حاله في القوة والضعف والزيادة والنقصان؛ كما في قوله: مداد مثل خافية الغراب٢ وعليه قول الآخر: فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانتْه فروج الأصابع٣ أي: بلغت في بوار سعيي في الوصول إليها وإن أُمتَّع بها أقصى الغايات، حتى لم

стр. 410

أحظ منها بما قل ولا بما كثر. ومنها تقرير حاله في نفس السامع؛ كما في تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل بمن يَرْقِم على الماء١. وعليه قوله : ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ ٢ فإنه بيّن ما لم تجر به العادة بما جرت به العادة٣. وهذه الوجوه تقتضي أن يكون وجه الشبه في المشبه به أتم، وهو به أشهر٤؛ ولهذا ضُعِّف قول البحتري:

стр. 411

على باب قِنَّسْرينَ والليل لاطخ ... جوانبه من ظلمة بمداد١ فإنه رب مداد فاقد اللون، والليل بالسواد وشدته أحق وأحرى؛ ولهذا قال ابن الرومي: حِبْر أبي حفص لعاب الليل ... يسيل للإخوان أي سيل٢ فبالغ في وصف الحبر بالسواد حين شبهه بالليل؛ فكأنه ٣ نظر إلى قول العامة في الشيء الأسود: " هو كالنِّقْس"٤, ثم تركه للقافية إلى المداد. ومنها تزيينه للتغريب فيه، كما في تشبيه وجه أسود بمقلة الظبي. ومها تشويهه للتنفير عنه، كما في تشبيه وجه مجدور بسِلحة جامدة قد نقرتها الديكة، وقد أشار إلى هذين الغرضين ابن الرومي في قوله: تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تَعِبْ قلت ذا قيء الزنابير٥

стр. 412

ومنها استطرافه١: كما في تشبيه فحم فيه جمرة موقد ببحر من المسك مَوْجه الذهب؛ لإبرازه في صورة الممتنع عادة. وللاستطراف وجه آخر؛ وهو أن يكون المشبه به نادر الحضور؛ إما مطلقا كما مر٢ وإما عند حضور المشبه؛ كما في قوله: ولازَوَرْدية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليَوَاقيت كأنها فوق قامات ضعُفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت٣ فإن صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة صورة بحر من المسك موجه الذهب، وإنما النادر حضورها عند حضور صورة البنفسج، فإذا أُحضر مع صحة الشبه استُطرف لمشاهدة عناق بين صورتين لا تتراءى ناراهما. ومما يؤيد هذا ما يحكى أن جريرا قال: "أنشدني عدي": عرف الديار توهما فاعتادها فلما بلغ إلى قوله: تزجي أغَنَّ كأن إبرة رَوْقه رحمته، وقلت: قد وقع، ما عساه يقول وهو أعرابي جلف جاف؟ فلما قال: قلم أصاب من الدواة مدادها٤ ... استحالت الرحمة حسدا.

стр. 413

فهل كانت رحمته في الأولى والحسد في الثانية إلا لأنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر شبه، وحين أتمه صادفه قد ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف. وذكر الشيخ عبد القاهر ﵀ للاستطراف في تشبيه البنفسج بنار الكبريت وجها آخر١، وهو أنه أراك شبها لنبات غض يرفّ وأوراق رطبة من لهب نار في جسم مُستَولٍ عليه اليبس، ومبنى الطباع وموضوع الجبلّة على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له؛ كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان الشغف به أجدر. ما يعود إلى المشبه به من أغراض التشبيه: وأما الثاني فيكون في الغالب إيهام أن المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه، وذلك في التشبيه المقلوب، وهو أن يكون الأمر بالعكس٢؛ كقول محمد بن وهيب: وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح٣ فإنه قصد إيهام أن وجه الخليفة أتم من الصباح في الوضوح والضياء. واعلم أن هذا وإن كان في الظاهر يشبه قولهم: "لا أدري أوجهه أنوَر أم الصبح؟، وغرته أضوأ أم البدر؟ "، وقولهم إذا أفرطوا: "نور الصباح يخفى في ضوء

стр. 414

وجهه" أو "نور الشمس مسروق من نور جبينه" ونحو ذلك من وجوه المبالغة؛ فإن في الأول خلابة وشيئا من السحر ليس في الثاني، وهو أنه كأنه يستكثر للصباح أن يشبهه بوجه الخليفة، ويوهم أنه احتشد له واجتهد في تشبيه يفخم به أمره، فيوقع المبالغة في نفسك من حيث لا تشعر، ويفيدكها من غير أن يظهر ادعاؤه لها؛ لأنه وضع كلامه وضع من يقيس على أصل متفق عليه، لا يُشفِق من خلاف مخالف وتهكم متهكم، والمعاني إذا وردت على النفس هذا المورد كان لها نوع من السرور عجيب، فكانت كالنعمة التي لا تكدرها المنة، وكالغنيمة من حيث لا تحتسب، وفي قوله: "حين يمتدح" فائدة شريفة، وهي الدلالة على اتصاف الممدوح بما لا يوجد إلا فيمن هو كامل في الكرم، من معرفة حق المادح -على ما احتشد له من تزيينه وما قصده من تفخيم شأنه في عيون الناس- بالإصغاء إليه والارتياح له، والدلالة بالبشر والطلاقة على حسن موقعه عنده. ومنه قوله تعالى حكاية عن مستحلّ الربا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ ١؛ فإن مقتضى الظاهر أن يقال: إنما الربا مثل البيع؛ إذ الكلام في الربا لا في البيع، فخالفوا لجعلهم الربا في الحلّ أقوى حالا من البيع وأعرف به. ومنه قوله : ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ ٢؛ فإن مقتضى الظاهر العكس؛ لأن الخطاب للذين عبدوا الأوثان وسمَّوها آلهة تشبيها بالله ؛ فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق، فخولف في خطابهم؛ لأنهم بالغوا في عبادتها؛ وغلوا حتى صارت عندهم أصلا في العبادة٣ والخالق فرعا، فجاء الإنكار

стр. 415

على وفق ذلك. وقال السكاكي١: "عندي أن المراد بـ ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ الحي العالم القادر من الخلق٢؛ تعريضا بإنكار تشبيه الأصنام بالله ، وقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تنبيه توبيخ عليه، ونحوه٣ قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٤ بدل: "أرأيت من اتخذ هواه إلهه؟! ". وقد يكون الغرض العائد على المشبه به بيان الاهتمام به، كتشبيه الجائع وجها كالبدر في الإشراق والاستدارة بالرغيف؛ إظهارا للاهتمام بشأن الرغيف لا غير، وهذا٥ يسمى إظهار المطلوب. قال السكاكي٦: "ولا يحسن المصير إليه إلا في مقام الطمع في تسنِّي المطلوب، كما يحكى عن الصاحب أن قاضي سجستان دخل عليه، فوجده الصاحب متفننا, فأخذ يمدحه حتى قال: وعالم يعرف بالسِّجْزي٧

стр. 416

وأشار للندماء أن ينظموا على أسلوبه، ففعلوا واحدا بعد واحد، إلى أن انتهت النوبة إلى شريف في البَيْن١، فقال: أشهى إلى النفس من الخبز٢ ... فأمر الصاحب أن تقدم له مائدة. هذا٣ كله إذا أريد إلحاق الناقص في وجه الشبه حقيقة أو ادعاء٤ بالزائد، فإن أريد مجرد الجمع بين شيئين في أمر٥، فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه٦ ليكون كل واحد من الطرفين مشبها ومشبها به؛ احترازا من ترجيح أحد المتساويين على الآخر؛ كقول أبي إسحاق الصابي: تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكُب٧

стр. 417

فوالله ما أدري أبالخمر أسبَلَتْ ... جفوني أم من عَبْرتي كنت أشرب؟ ١ وكقول الآخر: رَقَّ الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قَدَح ... وكأنما قدح ولا خمر٢ ويجوز التشبيه أيضا٣؛ كتشبيه غُرَّة الفرس بالصبح وتشبيه الصبح بغرة الفرس، متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر منه٤، وتشبيه الشمس بالمرآة المجلوّة أو الدينار الخارج من السّكَّة، كما قال: وكأن الشمس المنيرة دينا ... ر جلته حدائد الضّرَّاب٥ وتشبيه المرآة المجلوة أو الدينار الخارج من السكة بالشمس، متى أريد استدارة متلألئ متضمن لخصوص في اللون، وإن عظم التفاوت بين بياض الصبح وبيان الغرة، وبين نور الشمس ونور المرآة والدينار، وبين الجِرْمين، فإنه ليس شيء من ذلك بمنظور إليه في التشبيه، وعلى هذا ورد تشبيه الصبح في الظلام بعَلَم أبيض على ديباج أسود في قول ابن المعتز: والليل كالحُلَّة السوداء لاح به ... من الصباح طراز غير مرقوم١ فإنه تشبيه حسن مقبول، وإن كان التفاوت في المقدار بين الصبح والطراز في الامتداد والانبساط شديدا.

стр. 418

أقسام التشبيه باعتبار طرفيه ... على الماء، وكالراقم في الماء"؛ فإن المشبه هو الساعي، لا مطلقا، بل مقيدا بكون سعيه كذلك، والمشبه به هو القابض أو الراقم، لا مطلقا، بل مقيدا بكون قبضه على الماء أو رقمه فيه؛ لأن وجه الشبه فيهما هو التسوية بين الفعل وعدمه في عدم الفائدة، والقبض على الماء والرقم فيه كذلك؛ لأن فائدة قبض اليد على الشيء أن يحصل فيها، فإذا كان مما لا يتماسك؛ فقبضها عليه وعدمه سواء، وكذلك القصد بالرقم في الشيء أن يبقى أثره فيه، فإذا فُعل فيما لا يقبله كان فعله كعدمه؛ فالقيد في هاتين الصورتين هو الجار والمجرور. ونحوهما قولهم: "هو كمن يجمع سيفين في غمد"١ وقولهم: "كمبتغي الصيد في عِرِّيسة الأسد"٢، وقد يكون حالا؛ كقولهم: "هو كالحادي وليس له بعير"٣. ومما طرفاه مقيدان قول الشاعر: إني وتزييني بمَدحي مَعشَرًا ... كَمُعَلِّقٍ دُرًّا عَلى خِنزيرِ٤ فإن المشبه فيه هو المتكلم بقيد اتصافه بتزيينه بمدحه معشرا، فمتعلق التزيين أعني قوله: "بمدحي" داخل في المشبه، والمشبه به من يعلق درا، بقيد أن يكون تعليقه إياه على خنزير، فالشبه مأخوذ من مجموع المصدر وما في صلته، وهو أن كل واحد منهما يضع الزينة حيث لا يظهر لها أثر؛ لأن الشيء غير قابل للتزيين؛ فالواو في قوله: "وتزييني" بمعنى مع؛ إذ لا يمكن أن يقال: إني كذا، وإن تزييني كذا٥؛ لأنه ليس معنا شيئان يكون أحدهما خبرا عن ضمير المتكلم، والآخر عن تزييني، لا يقال تقديره: إني كمعلق درا على خنزير، وإن تزييني بمدحي معشرا كتعليق در على خنزير؛ لأنه لا يتصور أن يشبه المتكلم نفسه -من حيث هو- بمعلق درا على خنزير، بل لا بد أن يكون يشبه نفسه باعتبار تزيينه بمدحه معشرا. وإما مختلفان، والمقيد هو المشبه به، كقوله: والشمس كالمرآة في كف الأشل٦ فإن المشبه هو الشمس على الإطلاق، والمشبه به هو المرآة لا على الإطلاق، بل بقيد كونها في يد الأشل. أو على عكس ذلك؛ كتشبيه المرآة في كف الأشل بالشمس.

стр. 419

تشبيه المركب بالمركب: الثاني: تشبيه المركب بالمركب، وهو ما طرفاه كثرتان مجتمعتان؛ كما في قول البحتري: ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجَهَام٣ لا يريد به تشبيه بياض الحُجول على الانفراد بالبرق، بل مقصوده الهيئة الخاصة الحاصلة من مخالطة أحد اللونين٤ بالآخر. وكذلك المقصود في بيت بشار٥،

стр. 420

ولذلك وجب الحكم بأن "أسيافنا" في حكم الصلة للمصدر١، ونصب الأسياف لا يمنع من تقدير الاتصال؛ لأن الواو فيها بمعنى مع٢؛ كقولهم: "لو تُركت الناقة وفصيلها لرضعها". ومما ينبه على ذلك أن قوله: "تهاوى كواكبه" جملة وقعت صفة لليل؛ فإن الكواكب مذكورة على سبيل التبع لليل، ولو كانت مستبدة لشأنها لقال: "ليل وكواكب". وأما بيت امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحَشَف البالي٣ فهو على خلاف هذا، فإن أحد الشيئين فيه -في الطرفين- معطوف على الآخر، أما في طرف المشبه فبيّن، وأما في طرف المشبه؛ فلأن الجمع٤ في المتفق كالعطف في المختلف؛ فاجتماع شيئين أو أشياء في لفظ تثنية أو جمع لا يوجب أن أحدهما أو أحدها في حكم التابع للآخر، كما يكون ذلك إذا جرى الثاني صفة للأول أو حالا منه أو ما أشبه ذلك، وقد صرح بالعطف فيما أجراه بيانا له من قوله: "رطبا ويابسا"٥. وهذا القسم ضربان: أحدهما: ما لا يصح تشبيه كل جزء من أحد طرفيه بما يقابله من الطرف الآخر،

стр. 421

كقوله: غدا والصبح تحت الليل بادٍ ... كطِرْف أشهب ملقى الجِلال١ فإن "الجلال" فيه في مقابلة "الليل"، ولو شبهه به لم يكن شيئا. وكقول الآخر: كأنما المريخ والمشتري ... قُدّامه في شامخ الرفعه منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه٢ فإن "المريخ" في مقابلة "المنصرف عن دعوة"، ولو قيل: "كأن المريخ منصرف بالليل عن دعوة" كان خَلْفا من القول٣. والثاني: ما يصح تشبيه كل جزء من أجزاء أحد طرفيه بما يقابله من أجزاء الطرف الآخر، غير أن الحال تتغير، ومثاله قوله: وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق٤ فإنه لو قيل: كأن النجوم درر، وكأن السماء بساط أزرق، لكان تشبيها صحيحا، لكن أين يقع من التشبيه الذي يُريك الهيئة التي تملأ القلوب سرورا وعجبا من طلوع النجوم مؤتلقة متفرقة في أديم السماء, وهي زرقاء زرقتها الصافية؟!

стр. 422

تشبيه المفرد بالمركب: الثالث: تشبيه المفرد بالمركب، كما مر من تشبيه الشاة الجَبَليّ والشقيق والنيلوفر١. تشبيه المركب بالمفرد: الرابع: تشبيه المركب بالمفرد، كقول أبي تمام: يا صاحبيّ تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور٢ تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر٣ يعني أن النبات من شدة خضرته -مع كثرته وتكاتفه- قد صار لونه إلى الاسوداد، فنقص من ضوء الشمس حتى صار كضوء القمر. التشبيه الملفوف والمفروق: وأيضا إن تعدد طرفاه٤ فهو إما ملفوف أو مفروق. فالملفوف ما أتى فيه بالمشبهين ثم بالمشبه بهما؛ كقول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي٥ وغير الملفوف بخلاف ذلك٦؛ كقول المرقِّش الأكبر: النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عَنَم٧ ومنه قول أبي الطيب: بدت قمرا ومالت خُوط بان ... وفاحت عنبرا ورَنَت غزالا٨

стр. 423

تشبيه التسوية والجمع: وإن تعدد طرفه الأول؛ أعني المشبه، دون الثاني، سمي تشبيه التسوية؛ كقول الآخر: صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي وثغره في صفاء ... وأدمعي كاللآلي١ وإن تعدد طرف الثاني -أعني المشبه به دون الأول- سمي تشبيه الجمع؛ كقول البحتري: كأنما يَبْسَم عن لؤلؤ ... منضّد أو بَرَد أو أقاح٢ ومثله قول امرئ القيس: كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخُزَامَى ونشر القُطُر٣ يعل به برد أنيابها ... إذا طرّب الطائر المستَحِر٤ إلا أن فيه شوبا من القصد إلى هيئة الاجتماع٥.

стр. 424

أقسام التشبيه باعتبار وجه الشبه: وأما باعتبار وجهه: فله ثلاثة تقسيمات: تمثيل وغير تمثيل، ومجمل ومفصل، وقريب وبعيد. تشبيه التمثيل: التمثيل ما وجهه وصف منتزع من متعدد؛ أمرين أو أمور١، وقيده السكاكي

стр. 425

بكونه غير حقيقي١, ومثّله بصور مثّل بها غيره أيضا، منها قول ابن المعتز: اصبر على مَضَض الحسو ... د فإن صبرك قاتله فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله٢ فإن تشبيه الحسود المتروك مقاولته -مع تطلبه إياها لينال بها نفثة مصدور- بالنار التي لا تُمد بالحطب في أمر غير حقيقي٣؛ منتزع من متعدد، وهو إسراع الفناء؛ لانقطاع ما فيه مدد البقاء. ومنها قول صالح بن عبد القدوس: وإن من أدبته في الصِّبا ... كالعود يُسقَى الماء في غرسه حتى تراه مونقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه٤ فإن تشبيه المؤدَّب في صباه بالعود المسقيّ أوان غرسه فيما يلزم كل واحد، من كون المؤدب في صباه مهذب الأخلاق حميد الفعال؛ لتأديبه المصادف وقته، وكون العود المسقي أوان غرسه مونقا بأوراقه ونضرته؛ لسقيه المصادف وقته من تمام الميل٥ وكمال الاستحسان، بعد خلاف ذلك. ومنها قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ٦ فإن تشبيه حال المنافقين بحال الموصوف بصلة الموصول في الآية في أمر غير حقيقي منتزع من متعدد، وهو الطمع في حصول مطلوب لمباشرة أسبابه القريبة، مع تعقب الحرمان والخيبة؛ لانقلاب الأسباب.
следующие страницы →