Полный текст (710 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
كقوله:
غدا والصبح تحت الليل بادٍ ... كطِرْف أشهب ملقى الجِلال١
فإن "الجلال" فيه في مقابلة "الليل"، ولو شبهه به لم يكن شيئا. وكقول الآخر:
كأنما المريخ والمشتري ... قُدّامه في شامخ الرفعه
منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه٢
فإن "المريخ" في مقابلة "المنصرف عن دعوة"، ولو قيل: "كأن المريخ منصرف بالليل عن دعوة" كان خَلْفا من القول٣.
والثاني: ما يصح تشبيه كل جزء من أجزاء أحد طرفيه بما يقابله من أجزاء الطرف الآخر، غير أن الحال تتغير، ومثاله قوله:
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق٤
فإنه لو قيل: كأن النجوم درر، وكأن السماء بساط أزرق، لكان تشبيها صحيحا، لكن أين يقع من التشبيه الذي يُريك الهيئة التي تملأ القلوب سرورا وعجبا من طلوع النجوم مؤتلقة متفرقة في أديم السماء, وهي زرقاء زرقتها الصافية؟!
стр. 422
تشبيه المفرد بالمركب:
الثالث: تشبيه المفرد بالمركب، كما مر من تشبيه الشاة الجَبَليّ والشقيق والنيلوفر١.
تشبيه المركب بالمفرد:
الرابع: تشبيه المركب بالمفرد، كقول أبي تمام:
يا صاحبيّ تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور٢
تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر٣
يعني أن النبات من شدة خضرته -مع كثرته وتكاتفه- قد صار لونه إلى الاسوداد، فنقص من ضوء الشمس حتى صار كضوء القمر.
التشبيه الملفوف والمفروق:
وأيضا إن تعدد طرفاه٤ فهو إما ملفوف أو مفروق.
فالملفوف ما أتى فيه بالمشبهين ثم بالمشبه بهما؛ كقول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي٥
وغير الملفوف بخلاف ذلك٦؛ كقول المرقِّش الأكبر:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عَنَم٧
ومنه قول أبي الطيب:
بدت قمرا ومالت خُوط بان ... وفاحت عنبرا ورَنَت غزالا٨
стр. 423
تشبيه التسوية والجمع:
وإن تعدد طرفه الأول؛ أعني المشبه، دون الثاني، سمي تشبيه التسوية؛ كقول الآخر:
صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي
وثغره في صفاء ... وأدمعي كاللآلي١
وإن تعدد طرف الثاني -أعني المشبه به دون الأول- سمي تشبيه الجمع؛ كقول البحتري:
كأنما يَبْسَم عن لؤلؤ ... منضّد أو بَرَد أو أقاح٢
ومثله قول امرئ القيس:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخُزَامَى ونشر القُطُر٣
يعل به برد أنيابها ... إذا طرّب الطائر المستَحِر٤
إلا أن فيه شوبا من القصد إلى هيئة الاجتماع٥.
стр. 424
أقسام التشبيه باعتبار وجه الشبه:
وأما باعتبار وجهه: فله ثلاثة تقسيمات: تمثيل وغير تمثيل، ومجمل ومفصل، وقريب وبعيد.
تشبيه التمثيل:
التمثيل ما وجهه وصف منتزع من متعدد؛ أمرين أو أمور١، وقيده السكاكي
стр. 425
بكونه غير حقيقي١, ومثّله بصور مثّل بها غيره أيضا، منها قول ابن المعتز:
اصبر على مَضَض الحسو ... د فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله٢
فإن تشبيه الحسود المتروك مقاولته -مع تطلبه إياها لينال بها نفثة مصدور- بالنار التي لا تُمد بالحطب في أمر غير حقيقي٣؛ منتزع من متعدد، وهو إسراع الفناء؛ لانقطاع ما فيه مدد البقاء.
ومنها قول صالح بن عبد القدوس:
وإن من أدبته في الصِّبا ... كالعود يُسقَى الماء في غرسه
حتى تراه مونقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه٤
فإن تشبيه المؤدَّب في صباه بالعود المسقيّ أوان غرسه فيما يلزم كل واحد، من كون المؤدب في صباه مهذب الأخلاق حميد الفعال؛ لتأديبه المصادف وقته، وكون العود المسقي أوان غرسه مونقا بأوراقه ونضرته؛ لسقيه المصادف وقته من تمام الميل٥ وكمال الاستحسان، بعد خلاف ذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ٦ فإن تشبيه حال المنافقين بحال الموصوف بصلة الموصول في الآية في أمر غير حقيقي منتزع من متعدد، وهو الطمع في حصول مطلوب لمباشرة أسبابه القريبة، مع تعقب الحرمان والخيبة؛ لانقلاب الأسباب.
стр. 426
أقسام التشبيه باعتبار طرفيه:
وأما تقسيم التشبيه: فباعتبار طرفيه أربعة أقسام:
الأول: تشبيه المفرد بالمفرد:
وهو ما طرفاه مفردان: إما غير مقيدين، كتشبيه الخد بالورد ونحوه، وعليه قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ٢.
فإن قلت: ما وجه الشبه في الآية؟ قلت: جعله الزمخشري حسيا، فإنه قال: "لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، ويشتمل كل واحد منهما على صاحب في عناقه؛ شبه باللباس المشتمل عليه، قال الجعدي:
إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... تثنت فكانت عليه لباسا٣
وقيل: شبه كل واحد منهما باللباس للآخر؛ لأنه يصونه من الوقوع في فضيحة الفاحشة، كاللباس الساتر للعورة٤.
وإما مفردان مقيدان٥ كقولهم لمن لا يحصل من سعيه على شيء: "هو كالقابض
стр. 427
تشبيه غير التمثيل:
وغير التمثيل ما كان بخلاف ذلك، كما سبق في الأمثلة المذكورة١.
التشبيه المجمل:
والمجمل ما لم يذكر وجهه؛ فمنه ما هو ظاهر يفهمه كل أحد حتى العامة؛ كقولنا: "زيد أسد"؛ إذ لا يخفى على أحد أن المراد به التشبيه في الشجاعة دون غيرها.
ومنه ما هو خفي لا يدركه إلا من له ذهن يرتفع عن طبقة العامة؛ كقول من وصف٢ بني المهلب للحجاج لما سأله عنهم وأن أيهم أنجد: "كانوا كالحلقة المفرغة٣ لا يدرى أين طرفاها" أي: لتناسب أصولهم وفروعهم في الشرف يمتنع
стр. 428
تعيين بعضهم فاضلا وبعضهم أفضل منهم، كما أن الحلقة المفرغة لتناسب أجزائها يمتنع تعيين بعضها طرفا وبعضها وسطا١. هكذا نسبه الشيخ عبد القاهر إلى من وصف بني المهلب٢، ونسبه الشيخ جار الله العلامة٣ إلى الأنمارية، قيل: هي فاطمة بنت الخرشب سُئلت عن بنيها: أيهم أفضل؟ فقالت: عُمارة، لا، بل فلان، لا، بل فلان، ثم قالت: "ثكلتُهم إن كنت أعلم أيهم أفضل٤؛ هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها".
وأيضا منه ما لم يذكر فيه وصف المشبه ولا وصف المشبه به٥ كالمثال الأول٦.
ومنه ما ذكر فيه وصف المشبه به وحده كالمثال الثاني٧، ونحوه قول زياد الأعجم:
وإنا وما تُلقِي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما تُلقِ في البحر يغرق٨
وكذا قول النابغة الذبياني:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب٩
ومنه ما ذكر فيه وصف كل واحد منهما، كقول أبي تمام:
صدفت عنه ولم تَصدِف مواهبه ... عني وعاوده ظني فلم يَخِب١٠
كالغيث إن جئته وافاك رَيِّقه ... وإن ترحّلت عنه لَجّ في الطلب١١
стр. 429
التشبيه المفصل:
والمفصل ما ذكره وجهه١، كقول ابن الرومي:
يا شبيه البدر في الحسـ ... ـن وفي بعد المنال٢
جُدْ فقد تنفجر الصخـ ... ـرة بالماء الزلال٣
وقول أبي بكر الخالدي:
يا شبيه البدر حسنا ... وضياء ومنالا
стр. 430
وشبيه الغصن لينا ... وقواما واعتدالا
أنت مثل الورد لونا ... ونسيما وبلالا١
زارنا حتى إذا ما ... سرّنا بالقرب زالا
وقد يُتسَامح بذكر ما يستتبعه مكانه٢ كقولهم في وصف الألفاظ إذا وجدوها لا تثقل على اللسان لتنافر حروفها أو تكرارها، ولا تكون غريبة وحشية تستكره لكونها غير مألوفة، ولا مما تبعد دلالتها على معانيها: "هي كالعسل في الحلاوة، وكالماء في السلاسة، وكالنسيم في الرقة" وقولهم في الحُجَّة إذا كانت معلومة الأجزاء، يقينية التأليف، بينة الاستلزام للمطلوب: "هي كالشمس في الظهور"، والجامع في الحقيقة لازم الحلاوة؛ وهو ميل الطبع، ولازم السلاسة والرقة؛ وهو إفادة النفس نشاطا ورَوْحا٣، ولازم الظهور؛ وهو إزالة الحجاب٤؛ فإن شأن النفس مع الألفاظ الموصوفة بتلك الصفات كشأنها مع العسل الذي يَلَذّ طعمه فتهَش النفس له، ويميل الطبع إليه، ويُحب وروده عليه، أو كشأنها مع الماء الذي يسوغ في الحلق، ومع النسيم الذي يسري في البدن، فيتخلل المسالك اللطيفة منه، فيفيدان النفس نشاطا وروحا. وشأنها مع الشبهة التي تمنع القلب إدراك ما هي شبهة فيه، كشأنها مع الحجاب الحسي الذي يمنع أن يُرَى ما يكون من ورائه؛ ولذلك توصف بأنها اعترضت دون الذي يروم القلب إدراكه.
قال الشيخ صاحب المفتاح٥: "وتسامحهم هذا لا يقع إلا حيث يكون التشبيه في وصف اعتباري كالذي نحن فيه٦. وأقول: يشبه أن يكون تركهم التحقيق في وجه الشبه على ما سبق التنبيه عليه من تسامحهم هذا"٧ انتهى كلامه.
стр. 431
التشبيه القريب المبتذل:
والقريب المبتذل، وهو ما يُنتقَل فيه من المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق نظر؛ لظهور وجهه في بادئ الرأي، وسبب ظهوره أمران:
الأول: كون الشبه أمرا جمليا١؛ فإن الجملة أسبق أبدا إلى النفس من التفصيل؛ ألا ترى أن الرؤية لا تصل في أول أمرها إلى الوصف على التفصيل؟ لكن على الجملة، ثم على التفصيل؛ ولذلك قيل: "النظرة الأولى حمقاء، وفلان لم يُنعم النظر" وكذا سائر الحواس؛ فإنه يدرك من تفاصيل الصوت والذوق في المرة الثانية ما لم يدرك في المرة الأولى، فمن يروم التفصيل كمن يبتغي الشيء من بين جملة, يريد تمييزه مما اختلط به, ومن يروم الإجمال كمن يريد أخذ الشيء جزافا، وكذا حكم ما يدرك بالعقل، ترى الجمل أبدا تسبق إلى الذهن، والتفاصيل مغمورة فيها، لا تحضر إلا بعد إعمال الروية.
والثاني: كونه قليل التفصيل مع غلبة حضور المشبه به في الذهن: إما عند حضور المشبه؛ لقرب المناسبة بينهما، كتشبيه العنبة الكبيرة السوداء بالإجّاصة٢ في الشكل وفي المقدار، والجرة الصغيرة بالكوز كذلك، وإما مطلقا لتكرره على الحس، كما مر من تشبيه الشمس بالمرآة المجلوة في الاستدارة والاستنارة؛ فإن قرب المناسبة والتكرر كل واحد منهما يعارض التفصيل؛ لاقتضائه سرعة الانتقال.
стр. 432
التشبيه البعيد الغريب:
والبعيد الغريب؛ وهو ما لا يُنتقل فيه من المشبه إلى المشبه به إلا بعد فكر؛ لخفاء وجهه في بادئ الرأي، وسبب خفائه أمران:
أحدهما: كونه كثير التفصيل؛ كما سبق من تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل١؛ فإن ما ذكرناه من الهيئة٢ لا يقوم في نفس الرائي للمرآة الدائمة الاضطراب إلا أن يُستأنف تأملا، ويكون في نظره متمهِّلا.
والثاني: نُدُور حضور المشبه به في الذهن: إما عند حضور المشبه؛ لبعد المناسبة بينهما، كما تقدم من تشبيه البنفسج بنار الكبريت٣، وإما مطلقا؛ لكونه وهميا، أو مركبا خياليا، أو مركبا عقليا، كما مضى من تشبيه نصال السهام بأنياب الأغوال٤، وتشبيه الشقيق بأعلام ياقوت منشورة على رماح من الزبرجد٥، وتشبيه مثل أحبار اليهود بمثل الحمار يحمل أسفارا٦؛ فإن كلا سبب لندرة حضور
стр. 433
المشبه به في الذهن، أو لقلة تكرره على الحس، كما مر من تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل١؛ فإنه ربما يقضي الرجل دهره ولا يتفق له أن يرى مرآة في يد الأشل، فالغرابة في هذا التشبيه من وجهين٢.
والمراد بالتفصيل أن يُنظر في أكثر من وصف واحد لشيء واحد أو أكثر، وذلك يقع على وجوه كثيرة، والأغلب الأعرف منها وجهان:
أحدهما: أن تأخذ بعضا٣ وتدع بعضا، كما فعل امرؤ القيس في قوله:
حملت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان٤
ففصل السنا عن الدخان، وأثبته مفردا٥.
والثاني: أن يعتبر الجميع، كما فعل الآخر في قوله:
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نَوَّرا٦
فإنه اعتبر من الأنجم الشكل والمقدار واللون، واجتماعها على المسافة المخصوصة في القرب، ثم اعتبر مثل ذلك في العنقود المنوَّر من الملاحية.
وكلما كان التركيب من أمور أكثر كان التشبيه أبعد وأبلغ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا
стр. 434
أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ ١ فإنها عشر جمل إذا فُصِّلت٢، وهي وإن دخل بعضها في بعض حتى صارت كلها كأنها جملة واحدة، فإن ذلك لا يمنع من أن تشير إليها واحدة واحدة، ثم إن الشبه منتزع من مجموعها من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض، حتى لو حُذف منها جملة أخل ذلك بالمغزى من التشبيه.
ومن تمام القول في هذه الآية ونحوها أن الجملة إذا وقعت في جانب المشبه به, تكون على وجوه:
أحدها: أن تلي نكرة؛ فتكون صفة لها، كما في هذه الآية، وعليه قول النبي ﷺ : "الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة" ٣.
والثاني: أن تلي معرفة هي اسم موصول؛ فتكون صلة له، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا. ..﴾ ٤ الآية.
والثالث: أن تلي معرفة ليست باسم موصول فتقع استئنافا٥ كقوله عز وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ ٦.
стр. 435
ومن أبلغ الاستقصاء في التفصيل وعجيبه قول ابن المعتز:
كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نُطير غرابا ذا قوادم جُون١
شبّه ظلام الليل حين يظهر فيه ضوء الصبح بأشخاص الغربان، ثم شرط أن تكون قوادم ريشها بيضاء؛ لأن تلك الفِرَق من الظلمة تقع في حواشيها من حيث يلي معظم الصبح وعموده لُمَع نور٢ يتخيل منها في العين كشكل قوادم بيض، وتمام التدقيق في هذا التشبيه أن جعل ضوء الصبح -لقوة ظهوره ودفعه لظلام الليل- كأنه يحفز الدجى ويستعجلها، ولا يرضى منها بأن تتمهل في حركتها، ثم لما راعى ذلك في التشبيه ابتداء، راعاه آخرا حيث قال: "نطير غرابا" ولم يقل: "غراب يطير" ونحوه؛ لأن الطائر إذا كان واقعا في مكان، فأُزعج وأُطير منه، أو كان قد حبس في يد أو قفص فأرسل، كان ذلك لا محالة أسرع لطيرانه، وأدعى له أن يستمر على الطيران، حتى يصير إلى حيث لا تراه العيون، بخلاف ما إذا طار عن اختيار؛ فإنه حينئذ يجوز أن لا يسرع في طيرانه، وأن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأول.
وكذا قول أبي نواس في صفة منقار البازي:
كعطفة الجيم بكف أعسرا٣
стр. 436
غير خافٍ أن الجيم خطان: أولهما: الذي هو مبدؤه، وهو الأعلى، والثاني: الذي يذهب إلى اليسار. وإذا لم يوصل بها١ فلها تعريق٢. والمنقار إنما يشبه الخط الأعلى فقط؛ فلهذا قال: "كعطفة الجيم" ولم يقل: "كالجيم"، ثم دقّق بأن جعلها بكف أعسر؛ لأن جيم الأعسر يقال: إنه أشبه بالمنقار من جيم الأيمن٣، ثم أراد أن يؤكد أن الشبه مقصور على الخط الأعلى من الجيم, فقال:
يقول من فيها بعقل فكرا
لو زادها عينا إلى فاء ورا ... فاتصلت بالجيم صارت جعفرا٤
فأبان أنه لم يدخل التعريق في التشبيه؛ لأن الوصل يسقطه أصلا، ولا الخط٥ الأسفل وإن كان لا بد منه مع الوصل؛ لأنه قال: "فاتصلت بالجيم" أي: بالعطفة المذكورة، ولم يقتصر على قوله: "لو زادها عينا إلى فاء ورا"؛ ولأجل هذا التدقيق قال: "يقول من فيها بعقل فكرا"؛ فنبه على أن بالمشبه حاجة إلى فضل فكر، وأن
стр. 437
يكون فكره فكر من يراجع عقله.
وإذ قد تحققتَ ما ذكرنا من التفصيل، علمتَ أن قول امرئ القيس في وصف السنان١ أعلى طبقة من قول الآخر:
يتابع لا يبتغي غيره ... بأبيض كالقبس الملتهب٢
لخلو الثاني عن التفصيل الذي تضمنه الأول، وهو قصر التشبيه على مجرد السنا وتصويره مقطوعا عن الدخان، ومعلوم أن هذا لا يقع في الخاطر أول وهلة، بل لا بد فيه من أن يتثبّت، وينظر في حال كل من الفرع والأصل، حتى يقع في النفس أن في الأصل شيئا يقدح في حقيقة التشبيه؛ وهو الدخان الذي يعلو رأس الشعلة.
وكذا قوله:
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق٣
أفضل من قول ذي الرمة:
كأنها فضة قد مسها ذهب٤
لأن الأول مما يندر وجوده دون الثاني؛ فإن الناس أبدا يرون في الصياغات فضة قد مُوِّهت بذهب، ولا يكاد يتفق أن يوجد درر قد نثرن على بساط أزرق.
стр. 438
وكذا بيت بشار١ أعلى طبقة من قول أبي الطيب:
يزور الأعادي في سماء عَجَاجة ... أسنته في جانبيها الكواكب٢
وكذا من قول الآخر:
تبني سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المَبَاتير٣
لأن كل واحد منهما، وإن راعى التفصيل في التشبيه، فإنه اقتصر على أن أراك لمعان الأسنة والسيوف في أثناء العجاجة، بخلاف بشار؛ فإنه لم يقتصر على ذلك، بل عبر عن هيئة السيوف وقد سُلَّت من أغمادها وهي تعلو وترسب وتجيء وتذهب، وهذه الزيادة زادت التفصيل تفصيلا؛ لأنها لا تقع في النفس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة، وذلك أن للسيوف عند احتدام الحرب واختلاف الأيدي بها في الضرب اضطرابا شديدا وحركات سريعة، ثم لتلك الحركات جهات مختلفة تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة، والارتفاع والانخفاض، ثم هي باختلاف هذه الأمور تتلاقى ويصدم بعضها بعضا, ثم أشكالها مستطيلة, فنبه على هذه الدقائق بكلمة واحدة وهي قوله: "تهاوى"؛ لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركتها، ثم كان لها في التهاوي تواقع وتداخل، ثم استطالت أشكالها.
وكذا قول الآخر في الآذريون:
مَداهِن من ذهب ... فيها بقايا غاليهْ٤
стр. 439
أعلى وأفضل من قوله فيه:
ككأس عقيق في قرارتها مسك١
لأن السواد الذي في باطن الآذريونة -الموضوع بإزائه الغالية والمسك- فيه أمران:
أحدهما: أنه ليس بشامل لها.
والثاني: أنه لم يستدر في قعرها، بل ارتفع منه حتى أخذ شيئا من سمكها من كل الجهات، وله في منقطَعه هيئة تشبه آثار الغالية في جوانب المدهن إذا كانت بقيت بقية عن الأصابع.
وقوله: "في قرارتها مسك" يبين الأمر الأول، ويُؤمِن من دخول النقص عليه كما كان يدخل لو قال: "فيها مسك", ولم يشترط أن يكون في القرارة.
وأما الثاني فلا يدل عليه كما يدل قوله: "بقايا غالية"؛ لأن من شأن المسك والشيء اليابس، إذا حصل في شيء مستدير له قعر أن يستدير في القعر، ولا يرتفع في الجوانب الارتفاع الذي في سواد الآذريونة، بخلاف الغالية؛ فإنها رَطِبة، ثم تؤخذ بالأصابع؛ فلا بد في البقية منها أن ترتفع عن القرارة ذلك الارتفاع، ثم هي لنعومتها تَرِقّ فتكون كالصبغ الذي لا يظهر له جِرْم، وذلك أصدق للشبه.
стр. 440
التشبيه البعيد وهو التشبيه البليغ:
والبليغ من التشبيه ما كان من هذا النوع -أعني البعيد- لغرابته١؛ ولأن الشيء إذا نِيل بعد الطلب له والاشتياق إليه كان نيله أحلى، وموقعه من النفس ألطف وبالمسرة أولى؛ ولهذا ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال:
وهن ينبذْنَ من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغُلَّة الصادي٢
لا يقال: عدم الظهور ضرب من التعقيد، والتعقيد مذموم؛ لأنا نقول: التعقيد -كما سبق- له سببان: سوء ترتيب الألفاظ، واختلال الانتقال من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو المراد باللفظ.
والمراد بعدم الظهور في التشبيه ما كان سببه لطف المعنى ودقته أو ترتيب بعض المعاني على بعض، كما يشعر بذلك قولنا٣: "في بادئ الرأي"؛ فإن المعاني الشريفة لا بد فيها -في غالب الأمر- من بناء ثانٍ على أول، وَرَدّ تالٍ إلى سابق، كما في قول البحتري: "دان على أيدي العفاة ... " البيتين٤.
стр. 441
فإنك تحتاج في تعرف معنى البيت الأول إلى معرفة وجه المجاز في كونه دانيا وشاسعا، ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر، ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى، وتنظر كيف شرط في العلو الإفراط ليشاكل قوله: "شاسع"؛ لأن الشسوع هو الشديد من البعد، ثم قابله بما يشاكله من مراعاة التناهي في القرب، فقال: "جد قريب" فهذا ونحوه هو المراد بالحاجة إلى الفكر، وهل شيء أحلى من الفكر إذا صادف نهجا قويما إلى المراد؟
قال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر من الفضيلة: "وأين تقع لذة البهيمة بالعَلُوفة، ولذة السبع بلطع الدم وأكل اللحم، من سرور الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه؟ ".
стр. 442
تحول القريب إلى بعيد:
وقد يتصرف في القريب المبتذل بما يخرجه من الابتذال إلى الغرابة، وهو على وجوه: منها أن يكون كقوله:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء١
وقوله:
فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخِدْر تطلع
فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع٢
فإن تشبيه وجوه الحسان بالشمس مبتذل، لكن كل واحد من حديث الحياء في الأول، والتشكيك -مع ذكر يوشع ﵇ في الثاني، أخرجه من الابتذال إلى الغرابة. وشبيه بالأول قول الآخر:
إن السحاب لتستحي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها٣
ومنها أن يكون كقوله:
عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أفول٤
وقوله:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل٥
وقوله:
يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والبدر لو لم يغب والشمس لو نطقت ... والأسد لو لم تصد والبحر لو عذبا٦
وهذا يسمى التشبيه المشروط٧.
стр. 443
ومنها أن يكون كقوله:
في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها١
وقول ابن بابك:
ألا يا رياض الحزن من أبرق الحِمَى ... نسيمك مسروق ووصفك منتحل٢
حكيت أبا سعد فنشرك نشره ... ولكن له صدق الهوى ولك الملل٣
وقد يُخرج من الابتذال بالجمع بين عدة تشبيهات، كقوله:
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح٤
كما يزداد بذلك لطفا وغرابة، كقوله:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل٥
стр. 444
أقسام التشبيه باعتبار أداته:
وأما باعتبار أداته؛ فإما مؤكد، أو مرسل:
والمؤكد:
ما حُذفت أداته؛ كقوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ ١ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ٢, وقول الحماسي:
هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقي بِهِم بُهَم٣
إلى غير ذلك كما سبق٤. ومنه نحو قول الشاعر:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لُجَيْن الماء٥
وقول الآخر يصف القمر لآخر الشهر قبل السرار:
كأنما أدهم الإظلام حين نجا ... من أشهب الصبح ألقى نعل حافره٦
وقول الشريف الرضي:
أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع
ولا يزال جنين النبت ترضعه ... على قبوركم العَرَّاضة الهَمِع٧
стр. 445
التشبيه المرسل:
والمرسل ما ذُكرت أداته؛ كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ١؛ وقوله : ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٢ وقول امرئ القيس:
وتعطو برَخْص غير شَثْن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل٣
وقول البحتري:
وإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب في الماء٤
إلى غير ذلك كما تقدم٥.
стр. 446
أقسام التشبيه باعتبار الغرض:
وأما باعتبار الغرض؛ فإما مقبول، أو مردود:
١- التشبيه المقبول:
الوافي بإفادة الغرض؛ كأن يكون المشبه به أعرف شيء بوجه الشبه١ إذا كان الغرض بيان حال المشبه من جهة وجه الشبه، أو بيان المقدار. ثم الطرفان في الثاني٢ إن تساويا في وجه الشبه, فالتشبيه كامل في القبول، وإلا فكلما كان المشبه به أسلم من الزيادة والنقصان، كان أقرب إلى الكمال، أو كأن يكون المشبه به أتم شيء٣ في وجه الشبه، إذا قُصد إلحاق الناقص بالكامل، أو كأن يكون المشبه به مسلم الحكم معروفه عند المخاطب في وجه الشبه؛ إذا كان الغرض بيان إمكان الوجود.
٢- التشبيه المردود:
والمردود بخلاف ذلك؛ أي: القاصر عن إفادة الغرض٤.
стр. 447
وثامنتها: إفراد المشبه به بالذكر؛ كقولك: "أسد" أي: زيد، وهي كالسابعة١.
واعلم أن الشبه٢ قد ينتزع من نفس التضاد؛ لاشتراك الضدين فيه، ثم ينزل منزلة التناسب٣ بواسطة تمليح؛ أو تهكم٤؛ فيقال للجبان: "ما أشبهه بالأسد"، وللبخيل: "هو حاتم".
стр. 448
خاتمة:
مراتب التشبيه:
قد سبق أن أركان التشبيه أربعة:
المشبه، والمشبه به، وأداة التشبيه، ووجهه. فالحاصل من مراتب التشبيه في القوة والضعف في المبالغة باعتبار ذكر أركانه كلها أو بعضها ثمانٍ:
إحداها: ذكر الأربعة؛ كقولك: "زيد كالأسد في الشجاعة" ولا قوة لهذه المرتبة١.
وثانيتها: ترك المشبه؛ كقولك: "كالأسد في الشجاعة" أي: زيد، وهي كالأولى في عدم القوة٢.
وثالثتها: ترك كلمة التشبيه؛ كقولك: "زيد أسد في الشجاعة" وفيها نوع قوة٣.
ورابعتها: ترك المشبه وكلمة التشبيه؛ كقولك: "أسد في الشجاعة" أي: زيد، وهي كالثالثة في القوة.
وخامستها: ترك وجه الشبه؛ كقولك: "زيد كالأسد"، وفيها نوع قوة؛ لعموم وجه الشبه من حيث الظاهر.
وسادستها: ترك المشبه ووجه التشبيه؛ كقولك: "كالأسد" أي: زيد, وهي كالخامسة.
وسابعتها: ترك كلمة التشبيه ووجهه؛ كقولك: "زيد أسد" وهي أقوى الجميع.
стр. 449
تمرينات على التشبيه:
تمرين١:
١- من أي قسم من أقسام التشبيه باعتبار الطرفين قول الشاعر:
تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك؟
٢- بين التشبيه الضمني في قول الشاعر:
إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع
تمرين٢:
١- من أي قسم من أقسام التشبيه باعتبار وجه الشبه قول الشاعر:
أَيَهجُرُني قَومي عَفا اللَهُ عَنهُمُ ... إِلى لُغَةٍ لَم تَتَّصِلِ بِلُغَاتِ
سَرَت لوثَةُ الإِفرِنجِ فيها كَما سَرى ... لُعابُ الأَفاعي في مَسيلِ فُراتِ؟
٢- ما الفرق بين التشبيه المؤكد والتشبيه البليغ عند الخطيب وعند غيره؟
تمرين٣:
١- من أي أقسام التشبيه باعتبار الأداة قول الشاعر:
وتراكضوا خيل الشباب وبادِروا ... أن تسترد فإنهن عواري؟
٢- ما هو الغرض من التشبيه في قول الشاعر:
ويا وطني لقيتك بعد يأس ... كأني قد لقيت بك الشبابا؟
تمرين٤:
١- لماذا فضّل عبد الملك بن مروان قول ابن القيس الرقيات في مصعب بن الزبير:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
على قوله فيه:
يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب؟
٢- لماذا قبح التشبيه في قول أبي نواس في وصف الخمر:
стр. 450
وإذا ما الماء واقعها ... أظهرت شكلا من الغزل
لؤلؤات يتحدرن بها ... كانحدار الذر من جبل؟
تمرين٥:
١- أي التشبيهين أبلغ في هذين البيتين:
١-
يا شبيه البدر حسنا ... وضياء ومنالا
٢-
في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها؟
٢- ما الفرق بين التمثيل والتشبيه؟ وأيهما أعلى منزلة في التشبيه؟
تمرين٦:
بين أركان التشبيه وأقسامه باعتبارها فيما يأتي:
١-
والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
٢-
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيب الأعراق
٣-
والبدر في أفق السماء كغادة ... بيضاء لاحت في ثياب حداد
٤-
أبابل مرأى العين أم هذه مصر ... فإني أرى فيها عيونا هي السحر
٥-
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
تمرين٧:
وازن بين التشبيه في هذين البيتين:
١-
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... متى غمزوها بالأكف تلين
٢-
إذا قامت لحاجتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران
стр. 451
الباب الثاني: القول في الحقيقة والمجاز
وقد يقيدان باللغويين١.
تعريف الحقيقة:
الحقيقة: الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح به التخاطب٢.
فقولنا: "المستعملة" احتراز عما لم يستعمل؛ فإن الكلمة قبل الاستعمال لا تسمى حقيقة، وقولنا: "فيما وضعت له" احتراز عن شيئين:
أحدهما: ما استعمل في غير ما وضعت له غلطا؛ كما إذا أردت أن تقول لصاحبك: "خذ هذا الكتاب" مشيرا إلى كتاب بين يديك، فغلطت فقلت: "خذ هذا الفرس".
والثاني: أحد قسمي المجاز: وهو ما استعمل فيما لم يكن موضوعا له، لا في اصطلاح به التخاطب، ولا في غيره؛ كلفظة الأسد في الرجل الشجاع، وقولنا: "في اصطلاح به التخاطب" احتراز عن القسم الآخر من المجاز؛ وهو ما استعمل فيما وضع له، ولا في اصطلاح به التخاطب؛ كلفظ "الصلاة" يستعمله المخاطِب بعرف الشرع في الدعاء مجازا٣.
стр. 452
تعريف الوضع:
والوضع تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه١.
فقولنا: "بنفسه" احتراز من تعيين اللفظ للدلالة على معنى بقرينة -أعني المجاز- فإن ذلك التعيين لا يسمى وضعا، ودخل المشترك في الحد؛ لأن عدم دلالته على أحد معنييه بلا قرينة لعارض -أعني الاشتراك- لا ينافي تعيينه للدلالة عليه بنفسه٢.
وذهب السكاكي إلى أن المشترك "كالقَرْء" معناه الحقيقي هو ما لا يتجاوز معنييه؛ كالطهر والحيض غير مجموع بينهما٣.
قال: "فهذا ما يدل عليه بنفسه ما دام منتسبا إلى الوضعين، أما إذا خصصته بواحد إما صريحا، مثل أن تقول: "القرء بمعنى الطهر"، وإما استلزاما، مثل أن تقول: "القرء لا بمعنى الحيض"؛ فإنه حينئذ ينتصب دليلا دالا بنفسه على الطهر بالتعيين، كما كان الوضع عينه بإزائه بنفسه".
ثم قال في موضع آخر٤: "وأما ما يظن بالمشترك من الاحتياج إلى القرينة في
стр. 453
دلالته على ما هو معناه؛ فقد عرفت أن منشأ هذا الظن عدم تحصيل معنى المشترك الدائر بين الوضعين".
وفيما ذكره نظر؛ لأنا لا نسلم أن معناه الحقيقي ذلك. وما الدليل على أنه عند الإطلاق يدل عليه؟ ثم قوله: "إذا قيل: القرء بمعنى الطهر أو: لا بمعنى الحيض، فهو دال بنفسه على الطهر بالتعيين" سهو ظاهر؛ فإن القرينة كما تكون معنوية، تكون لفظية، وكل من قوله: "بمعنى الطهر" وقوله: "لا بمعنى الحيض" قرينة١.
إنكار الوضع:
وقيل: دلالة اللفظ على معناه لذاته٢، وهو ظاهر الفساد؛ لاقتضائه أن يمنع نقله إلى المجاز وجعله علما ووضعه للمضادين؛ كالجون للأسود والأبيض؛ فإن ما بالذات لا يزول بالغير، ولاختلاف اللغات باختلاف الأمم.
وتأوله السكاكي -رحمة الله٣- على أنه تنبيه على ما عليه أئمة علمي الاشتقاق والتصريف؛ من أن للحروف في أنفسها خواص بها تختلف؛ كالجهر، والهمس، والشدة، والرخاوة، والتوسط بينها، وغير ذلك، مستدعية أن العالم بها إذا أخذ في تعيين شيء منها لمعنى لا يهمل التناسب بينهما؛ قضاء لحق الحكمة٤ كـ "الفَصْم" "بالفاء" الذي هو حرف رخو لكسر الشيء من غير أن يبين٥، والقَصْم "بالقاف" الذي هو حرف شديد لكسر الشيء حتى يبين، وأن للتركيبات٦ كالفَعَلان والفَعَلى بالتحريك كالنزوان والحيدى وفعُل مثل شرف وغير ذلك، خواص أيضا٧، فيلزم فيها ما يلزم في الحروف، وفي ذلك نوع تأثير لأنفس الكلم في اختصاصها بالمعاني.
стр. 454
تعريف المجاز وأقسامه: والمجاز مفرد ومركب
أما المفرد فهو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، في اصطلاح به التخاطب، على وجه يصح مع قرينة عدم إرادته.
فقولنا: "المستعملة" احتراز عما لم يستعمل؛ لأن الكلمة قبل الاستعمال لا تسمى مجازا كما لا تسمى حقيقة، وقولنا: "في اصطلاح به التخاطب" ليدخل فيه نحو لفظ الصلاة إذا استعمله المخاطب بعرف الشرع في الدعاء مجازا؛ فإنه -وإن كان مستعملا فيما وضع له في الجملة١- فليس بمستعمل فيما وضع له في الاصطلاح الذي به وقع التخاطب. وقولنا: "على وجه يصح" احتراز عن الغلط كما سبق٢.
стр. 455
وقولنا: "مع قرينة عدم إرادته" احتراز عن الكناية؛ كما تقدم١.
"أنواع الحقيقة": والحقيقة: لغوية، وشرعية، وعرفية، خاصة أو عامة؛ لأن واضعها إن كان واضع اللغة فلغوية، وإن كان الشارع فشرعية، وإلا فعرفية، والعرفية إن تعين صاحبها نسبت إليه؛ كقولنا: كلامية ونحوية، وإلا بقيت مطلقة.
مثال اللغوية لفظ "أسد" إذا استعمله المخاطب بعرف اللغة في السبع المخصوص.
ومثال الشرعية لفظ "صلاة" إذا استعمله المخاطب بعرف الشرع في العبادة المخصوصة، ومثال العرفية الخاصة لفظ "فِعْل" إذا استعمله المخاطب بعرف النحو في الكلمة المخصوصة، ومثال العرفية العامة لفظ "دابة" إذا استعمله المخاطب بالعرف العام في ذي الأربع٢.
"أنواع المجاز": وكذلك المجاز المفرد لغوي، وشرعي، وعرفي؛ مثال اللغوي لفظ "أسد" إذا استعمله المخاطب بعرف اللغة في الرجل الشجاع، ومثال الشرعي لفظ "صلاة" إذا استعمله المخاطب بعرف الشرع في الدعاء، ومثال العرف الخاص لفظ "فعل" إذا استعمله المخاطب بعرف النحو في الحدث، ومثال العرفي العام لفظ "دابة" إذا استعمله المخاطب بالعرف العام في الشاة٣.
اشتقاق الحقيقة والمجاز:
والحقيقة: إما فعيل بمعنى مفعول من قوله: "حققت الشيء أحقه": إذا أثبته، أو
стр. 456
فعيل بمعنى فاعل من قولك: "حق الشيء يحق إذا ثبت" أي: المثبتة أو الثابتة في موضعها الأصلي. فأما التاء فقال صاحب المفتاح١: "هي عندي للتأنيث في الوجهين، لتقدير لفظ "الحقيقة" قبل التسمية صفة مؤنث غير مجراة على الموصوف وهو الكلمة"٢. وفيه نظر٣. وقيل: هي لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة؛ كما قيل في أكيلة ونطيحة: إن التاء فيهما لنقلهما من الوصفية إلى الاسمية٤؛ فلذلك لا يوصف بهما؛ فلا يقال: شاة أكيلة أو نطيحة.
والمجاز: قيل: "مفعل" من "جاز المكان يجوزه" إذا تعداه؛ أي: تعدت موضعها الأصلي٥. وفيه نظر٦.
والظاهر أنه من قولهم: "جعلت كذا مجازا إلى حاجتي" أي: طريقا له٧، على أن معنى جاز المكان: سلكه، على ما فسره الجوهري وغيره؛ فإن المجاز طريق إلى تصور معناه، واعتبار التناسب في التسمية يغاير اعتبار المعنى في الوصف٨؛ كتسمية إنسان له حمرة بأحمر، ووصفه بأحمر؛ فإن الأول لترجيح الاسم على غيره حال وضعه له، والثاني لصحة إطلاقه؛ فلا يصح نقض الأول بوجود المعنى في غير المسمى كما يلهج به بعض الضعفاء.
стр. 457
تقسيم المجاز المفرد إلى مرسل واستعارة:
والمجاز ضربان: مرسل، واستعارة؛ لأن العلاقة المصححة إن كانت تشبيه معناه بما هو موضوع له فهو استعارة، وإلا فهو مرسل، وكثيرا ما تطلق الاستعارة على استعمال اسم المشبه به في المشبه١، فيسمى المشبه به مستعارا منه، والمشبه مستعارا له، واللفظ مستعارا٢، وعلى الأول لا يشتق منه؛ لكونه اسما للفظ لا للحدث٣.
المجاز المرسل وعلاقاته: علاقة السببية والمجاورة:
الضرب الأول: المرسل، وهو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه٤؛ كاليد إذا استعملت في النعمة؛ لأن من شأنها أن تصدر عن
стр. 458
الجارحة، ومنها تصل إلى المقصود بها١. ويشترط أن يكون في الكلام إشارة إلى المولي لها٢؛ فلا يقال: "اتسعت اليد في البلد"، أو"اقتنيت يدا" كما يقال: "اتسعت النعمة في البلد"، أو "اقتنيت نعمة"، وإنما يقال: "جلت يده عندي، وكثرت أياديه لدي" ونحو ذلك.
ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل: "إن له عليها إصبعا"٣. أرادوا أن يقولوا: "له عليها أثر حذق" فدلوا عليه بإصبع؛ لأنه ما من حذق في عمل يد إلا وهو مستفاد
стр. 459
من حسن تصريف الأصابع، واللطف في رفعها ووضعها، كما في الخط والنقش.
وعلى ذلك قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ١ أي: نجعلها كخف البعير، فلا يتمكن من الأعمال اللطيفة، فأرادوا بالإصبع الأثر الحسن، حيث يقصد الإشارة إلى حذق في الصنعة لا مطلقا، حتى يقال٢: "رأيت أصابع الدار، وله إصبع حسنة، وإصبع قبيحة" على معنى: له أثر حسن، وأثر قبيح, ونحو ذلك.
وينظر إلى هذا قولهم: "ضربته سوطا"؛ لأنهم عبروا عن الضربة الواقعة بالسوط باسم السوط، فجعلوا أثر السوط سوطا. وتفسيرهم له بقولهم: "المعنى ضربته ضربة بالسوط" بيان لما كان الكلام عليه في أصله.
ونظير قولنا: "له علي يد" قول النبي ﷺ لأزواجه: "أسرعكن لحوقا -ويروى لحاقا- بي أطولكن يدا"، وقوله: "أطولكن" نظير ترشيح الاستعارة، ولا بأس أن يسمى ترشيح المجاز، والمعنى٣: بسط اليد بالعطاء، وقيل: قوله: "أطولكن" من الطَّوْل بمعنى الفضل؛ يقال: "لفلان على فلان طَوْل" أي: فضل؛ فاليد على هذين الوجهين٤ بمعنى النعمة، ويحتمل أن يريد: أطولكن يدا بالعطاء؛ أي: أمدكن، فحذف قوله: "بالعطاء" للعلم به٥.
وكاليد أيضا إذا استعملت في القدرة؛ لأن أكثر ما يظهر سلطانها في اليد، وبها يكون البطش، والضرب، والقطع، والأخذ، والدفع، والوضع، والرفع، وغير ذلك من الأفعال التي تنبئ عن وجود القدرة ومكانها. وأما اليد في قول النبي ﷺ :
стр. 460
"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" فهو استعارة١، والمعنى أن مَثَلَهم مع كثرتهم في وجوب الاتفاق مثل اليد الواحدة، فكما لا يتصور أن يخذل بعض أجزاء اليد بعضا، وأن تختلف بها الجهة في التصرف، كذلك سبيل المؤمنين في تعاضدهم على المشركين؛ لأن كلمة التوحيد جامعة لهم.
وكالرواية للمَزادة مع كونها للبعير الحامل لها؛ لحمله إياها٢، وكالخفض في البعير، مع كونه لمتاع البيت لحمله إياه. وكالسماء في الغيث، كقوله: "أصابتنا السماء" لكونه من جهة المظلة. وكالإكاف في قول الشاعر:
يأكلن كل ليلة إكافا٣ ... أي: علفا بثمن الإكاف٤.
следующие страницы →