← Баляга

Баляга · id 10281

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة

عبد المتعال الصعيدي

Полный текст (710 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فعيل بمعنى فاعل من قولك: "حق الشيء يحق إذا ثبت" أي: المثبتة أو الثابتة في موضعها الأصلي. فأما التاء فقال صاحب المفتاح١: "هي عندي للتأنيث في الوجهين، لتقدير لفظ "الحقيقة" قبل التسمية صفة مؤنث غير مجراة على الموصوف وهو الكلمة"٢. وفيه نظر٣. وقيل: هي لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة؛ كما قيل في أكيلة ونطيحة: إن التاء فيهما لنقلهما من الوصفية إلى الاسمية٤؛ فلذلك لا يوصف بهما؛ فلا يقال: شاة أكيلة أو نطيحة. والمجاز: قيل: "مفعل" من "جاز المكان يجوزه" إذا تعداه؛ أي: تعدت موضعها الأصلي٥. وفيه نظر٦. والظاهر أنه من قولهم: "جعلت كذا مجازا إلى حاجتي" أي: طريقا له٧، على أن معنى جاز المكان: سلكه، على ما فسره الجوهري وغيره؛ فإن المجاز طريق إلى تصور معناه، واعتبار التناسب في التسمية يغاير اعتبار المعنى في الوصف٨؛ كتسمية إنسان له حمرة بأحمر، ووصفه بأحمر؛ فإن الأول لترجيح الاسم على غيره حال وضعه له، والثاني لصحة إطلاقه؛ فلا يصح نقض الأول بوجود المعنى في غير المسمى كما يلهج به بعض الضعفاء.

стр. 457

تقسيم المجاز المفرد إلى مرسل واستعارة: والمجاز ضربان: مرسل، واستعارة؛ لأن العلاقة المصححة إن كانت تشبيه معناه بما هو موضوع له فهو استعارة، وإلا فهو مرسل، وكثيرا ما تطلق الاستعارة على استعمال اسم المشبه به في المشبه١، فيسمى المشبه به مستعارا منه، والمشبه مستعارا له، واللفظ مستعارا٢، وعلى الأول لا يشتق منه؛ لكونه اسما للفظ لا للحدث٣. المجاز المرسل وعلاقاته: علاقة السببية والمجاورة: الضرب الأول: المرسل، وهو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه٤؛ كاليد إذا استعملت في النعمة؛ لأن من شأنها أن تصدر عن

стр. 458

الجارحة، ومنها تصل إلى المقصود بها١. ويشترط أن يكون في الكلام إشارة إلى المولي لها٢؛ فلا يقال: "اتسعت اليد في البلد"، أو"اقتنيت يدا" كما يقال: "اتسعت النعمة في البلد"، أو "اقتنيت نعمة"، وإنما يقال: "جلت يده عندي، وكثرت أياديه لدي" ونحو ذلك. ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل: "إن له عليها إصبعا"٣. أرادوا أن يقولوا: "له عليها أثر حذق" فدلوا عليه بإصبع؛ لأنه ما من حذق في عمل يد إلا وهو مستفاد

стр. 459

من حسن تصريف الأصابع، واللطف في رفعها ووضعها، كما في الخط والنقش. وعلى ذلك قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ١ أي: نجعلها كخف البعير، فلا يتمكن من الأعمال اللطيفة، فأرادوا بالإصبع الأثر الحسن، حيث يقصد الإشارة إلى حذق في الصنعة لا مطلقا، حتى يقال٢: "رأيت أصابع الدار، وله إصبع حسنة، وإصبع قبيحة" على معنى: له أثر حسن، وأثر قبيح, ونحو ذلك. وينظر إلى هذا قولهم: "ضربته سوطا"؛ لأنهم عبروا عن الضربة الواقعة بالسوط باسم السوط، فجعلوا أثر السوط سوطا. وتفسيرهم له بقولهم: "المعنى ضربته ضربة بالسوط" بيان لما كان الكلام عليه في أصله. ونظير قولنا: "له علي يد" قول النبي ﷺ لأزواجه: "أسرعكن لحوقا -ويروى لحاقا- بي أطولكن يدا"، وقوله: "أطولكن" نظير ترشيح الاستعارة، ولا بأس أن يسمى ترشيح المجاز، والمعنى٣: بسط اليد بالعطاء، وقيل: قوله: "أطولكن" من الطَّوْل بمعنى الفضل؛ يقال: "لفلان على فلان طَوْل" أي: فضل؛ فاليد على هذين الوجهين٤ بمعنى النعمة، ويحتمل أن يريد: أطولكن يدا بالعطاء؛ أي: أمدكن، فحذف قوله: "بالعطاء" للعلم به٥. وكاليد أيضا إذا استعملت في القدرة؛ لأن أكثر ما يظهر سلطانها في اليد، وبها يكون البطش، والضرب، والقطع، والأخذ، والدفع، والوضع، والرفع، وغير ذلك من الأفعال التي تنبئ عن وجود القدرة ومكانها. وأما اليد في قول النبي ﷺ :

стр. 460

"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" فهو استعارة١، والمعنى أن مَثَلَهم مع كثرتهم في وجوب الاتفاق مثل اليد الواحدة، فكما لا يتصور أن يخذل بعض أجزاء اليد بعضا، وأن تختلف بها الجهة في التصرف، كذلك سبيل المؤمنين في تعاضدهم على المشركين؛ لأن كلمة التوحيد جامعة لهم. وكالرواية للمَزادة مع كونها للبعير الحامل لها؛ لحمله إياها٢، وكالخفض في البعير، مع كونه لمتاع البيت لحمله إياه. وكالسماء في الغيث، كقوله: "أصابتنا السماء" لكونه من جهة المظلة. وكالإكاف في قول الشاعر: يأكلن كل ليلة إكافا٣ ... أي: علفا بثمن الإكاف٤.

стр. 461

علاقة الجزئية: وهذا الضرب من المجاز يقع على وجوه كثيرة غير ما ذكرناه١: منها تسمية الشيء باسم جزئه٢؛ كالعين في الرَّبيئة٣ لكون الجارحة المخصوصة هي المقصود في كون الرجل ربيئة؛ إذ ما عداها لا يُغني شيئا مع فقدها, فصارت كأنها الشخص كله٤. وعليه قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٥ أي: صل، ونحوه: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ ٦ أي: لا تصل، وقول النبي ﵇: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا, غُفر له ما تقدم من ذنبه" أي: من صلى٧. علاقة الكلية: ومنها عكس ذلك٨ نحو: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ ٩ أي: أناملهم، وعليه قولهم: "قطعتُ السارق" وإنما قُطعت يده١٠.

стр. 462

علاقة السببية أيضا: ومنها تسمية المسبب باسم السبب؛ كقولهم: "رعينا الغيث" أي: النبات الذي سببه الغيث، وعليه قوله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ١ سمي جزاء الاعتداء اعتداء؛ لأنه مسبب عن الاعتداء، وقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٢ تجوز بالبلاء عن العرفان؛ لأنه مسبب عنه، كأنه قيل: ونعرف أخباركم، وعليه قول عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا٣ الجهل الأول: حقيقة، والثاني: مجاز، عبر به عن مكافأة الجهل٤. وكذا قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٥ تجوز بلفظ السيئة٦ عن الاقتصاص؛ لأنه مسبب عنها. وقيل: إن عبر بها عما ساء أي: أحزن لم يكن مجازا؛ لأن الاقتصاص محزن في الحقيقة كالجناية. وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ ٧ تجوز بلفظ المكر عن عقوبته لأنه سببها. قيل: ويحتمل أن يكون مكر الله حقيقة؛ لأن المكر هو التدبير فيما يضر الخصم، وهذا محقق من الله تعالى باستدراجه إياهم بنعمه مع ما أعد لهم من نقمه.

стр. 463

علاقة المسببية: ومنها تسمية السبب باسم المسبب؛ كقولهم: "أمطرت السماء نباتا"، وعليه قولهم: "كما تدين تدان" أي: كما تفعل تجازى١، وكذا لفظ "الأسنمة" في قوله يصف غيثا: أقبل في المستنّ من ريابه ... أسنمة الآبال في سحابه٢ وكذا تفسير إنزال أزواج الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ ٣ بإنزال الماء على وجه٤؛ لأنها لا تعيش إلا بالنبات، والنبات لا يقوم إلا بالماء؛ وقد أنزل الماء فكأنه أنزلها، ويؤيده ما ورد أن كل ما في الأرض من السماء يُنزله الله تعالى إلى الصخرة ثم يقسمه. قيل: وهذا٥ معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ ٦. وقيل: معناه: وقضى لكم؛ لأن قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول من السماء، حيث كُتب في اللوح كل كائن يكون. وقيل: خلقها في الجنة ثم أنزلها، وكذا قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ ٧.

стр. 464

أي: مطرا هو سبب الرزق، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ ١، وقولهم: "فلان أكل الدم" أي: الدية التي هي مسببة عن الدم٢، قال: أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر٣ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ٤ أي: أردت القراءة بقرينة الفاء٥ مع استفاضة السنة بتقديم الاستعاذة، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ ٦ أي: أراد؛ بقرينة ﴿فَقَالَ رَبِّ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ ٧ أي: أردنا إهلاكها؛ بقرينة ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ . وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ ٨؛ بقرينة ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ، وفيه دلالة واضحة على الوعيد بالإهلاك؛ إذ لا يقع الإنكار٩ في ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ في المحز إلا بتقدير: "ونحن على أن نهلكهم"١٠.

стр. 465

علاقة اعتبار ما كان: ومنها تسمية الشيء باسم ما كان عليه١؛ كقوله : ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ٢ أي: الذين كانوا يتامى؛ إذ لا يتم بعد البلوغ، وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ ٣ سماه مجرما باعتبار ما كان عليه في الدنيا من الإجرام. علاقة اعتبار ما يكون: ومنها تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه٤ كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ٥. علاقة المحلية: ومنها تسمية الحال باسم محله٧ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ٧ أي: أهل ناديه.

стр. 466

علاقة الحالية: ومنها عكس ذلك١ نحو: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ٢ أي: في الجنة. علاقة الآلية: ومنها تسمية الشيء باسم آلته٣ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ٤ أي: بلغة قومه، وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ ٥ أي: ذكرا جميلا وثناء حسنا. وكذا غير ذلك مما بين معنى اللفظ وما هو موضوع له تعلق سوى التشبيه٦. قال صاحب المفتاح٧: "وللتعلق بين الصارف عن فعل الشيء والداعي إلى تركه٨ يحتمل عندي أن يكون المراد بـ "منعك" في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ

стр. 467

إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ١؛ دعاك، و"لا" غير صلة قرينة المجاز٢. وكذا ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ ٣. وقال الراغب ﵀: "قال بعض المفسرين: إن معنى ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ ما حماك وجعلك في منعة مني في ترك السجود؛ أي: في معاقبة تركه. وقد استبعد ذلك بعضهم بأن قال: لو كان كذا لم يكن يجيب بأن يقول: "أنا خير منه" فإن ذلك ليس بجواب السؤال على ذلك الوجه، وإنما هو جواب من قيل له: ما منعك أن تسجد؟ ويمكن أن يقال في جواب ذلك: إن إبليس لما كان أُلزم ما لم يجد سبيلا إلى الجواب عنه -إذ لم يكن له من كالئ يحرسه ويحميه- عدل عما كان جوابا، كما يفعل المأخوذ بكظمه في المناظرة". انتهى كلامه٤. المجاز المرسل الخالي عن الفائدة والمفيد: وقسم الشيخ صاحب المفتاح٥ المجاز المرسل إلى خالٍ عن الفائدة، ومفيد, وجعل الخالي عن الفائدة ما استعمل في أعم مما هو موضوع له؛ كالمرسن في قول العجا وفاحما ومرسنا مسرجا٦

стр. 468

فإنه مستعمل في الأنف لا بقيد كونه المِرْسون١ مع كونه موضوعا له بهذا القيد لا مطلقا، وكالمشفر٢ في نحو قولنا: "فلان غليظ المشافر" إذا قامت قرينة على أن المراد هو الشفة لا غير، وقال: سمي هذا الضرب غير مفيد لقيامه مقام أحد المترادفين من نحو: "ليث وأسد، وحبس ومنع" عند المصير إلى المراد منه٣. وأراد بالمفيد ما عدا الخالي عن الفائدة والاستعارة كما مر. والشيخ عبد القاهر -رحمه الله٤- جعل الخالي عن الفائدة ما استعمل في شيء بقيد، مع كونه موضوعا لذلك الشيء بقيد آخر من غير قصد التشبيه، ومثّله ببعض ما مثّله الشيخ صاحب المفتاح ونحوه؛ مصرحا بأن الشفة والأنف موضوعان للعضوين المخصوصين من الإنسان٥ فإن قصد التشبيه صار اللفظ استعارة٦؛ كقولهم في مواضع الذم: "غليظ المشفر"، فإنه بمنزلة أن يقال: "كأن شفته في الغِلَظ مشفر البعير". وعليه قول الفرزدق: فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتي ... ولكن زنجي غليظ المشافر٧

стр. 469

أي: ولكنك زنجي كأنه جمل لا يهتدي لشرفي. وكذا قول الحطيئة يخاطب الزبرقان: قروا جارك العَيْمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشراب مشافره١ فإنه وإن عنى نفسه بالجار، جاز أن يقصد إلى وصف نفسه بنوع من سوء الحال؛ ليزيد في التهكم بالزبرقان، ويؤكد ما قصده من رميه بإضاعة الضيف وإسلامه للضر والبؤس. وكذا قول الآخر: سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقَّق٢

стр. 470

الاستعارة: الاستعارة التصريحية: الضرب الثاني من المجاز الاستعارة، وهي ما كانت علاقته تشبيه معناه بما وضع له١. وقد تقيد بالتحقيقية٢؛ لتحقق معناها٣ حسا أو عقلا؛ أي: التي تتناول أمرا معلوما يمكن أن ينص عليه ويشار إليه إشارة حسية أو عقلية، فيقال: إن اللفظ نقل من مسماه الأصلي، فجعل اسما له على سبيل الإعارة للمبالغة في التشبيه. أما الحسي: فكقولك: "رأيت أسدا"، وأنت تريد رجلا شجاعا، وعليه قول زهير: لدى أسد شاكي السلاح مقذف٤

стр. 471

أي: لدى رجل شجاع. ومن لطيف هذا الضرب ما يقع التشبيه فيه في الحركات، كقول أبي دلامة يصف بغلته: أرى الشهباء تعجن إذ غدونا ... برجليها وتخبز باليدين١ شبه حركة رجليها حيث لم تثبتا على موضع تعتمد بهما عليه وهَوَتا ذاهبتين نحو يديها بحركة يدي العاجن, فإنهما لا تثبتان في موضع، بل تزلّان إلى قدام لرخاوة العجين، وشبه حركة يديها بحركة يد الخابز؛ فإنه يثني يده نحو بطنه، ويحدث فيها ضربا من التقويس، كما تجد في يد الدابة إذا اضطربت في سيرها ولم تقو على ضبط يدها وأن ترمي بها إلى قدام، وأن تشد اعتمادها حتى تثبت في الموضع الذي تقع عليه، فلا تزلّ عنه ولا تنثني. وأما العقلي: فكقولك: "أبديت نورا" وأنت تريد: حجة؛ فإن الحجة مما يدرك بالعقل من غير وساطة حس؛ إذ المفهوم من الألفاظ هو الذي ينور القلب ويكشف عن الحق لا الألفاظ أنفسها، وعليه قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢ أي: الدين الحق، وأما قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ ٣. فعلى ظاهر قول الشيخ جار الله العلامة٤ استعارة عقلية؛ لأنه قال: شبه باللباس -لاشتماله على اللابس- ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث. وعلى ظاهر قول الشيخ صاحب المفتاح: حسية؛ لأنه جعل اللباس استعارة لما يلبسه الإنسان عند جوعه وخوفه من امتقاع اللون ورثاثة الهيئة٥. فالاستعارة ما تضمن تشبيه معناه بما وضع له٦، والمراد بمعناه ما عُني به؛ أي: ما استعمل فيه٧؛ فلم يتناول ما استعمل فيما وضع له، وإن تضمن التشبيه به؛ نحو: "زيد أسد، ورأيته أسدا"، ونحو: "رأيت به أسدا"٨ لاستحالة تشبيه الشيء بنفسه٩. على أن المراد بقولنا: "ما تضمن" مجاز تضمن؛ بقرينة تقسيم المجاز إلى الاستعارة وغيرها، والمجاز لا يكون مستعملا فيما وضع له.

стр. 472

الفرق بين الاستعارة والتشبيه المؤكد: وههنا شيء لا بد من التنبيه عليه، وهو أنه إذا أجري في الكلام لفظ دلت القرينة١ على تشبيه شيء بمعناه، فيكون ذلك على وجهين: أحدهما: ألا يكون المشبه مذكورا ولا مقدرا؛ كقولك: "رنت لنا ظبية"، وأنت تريد امرأة، و"لقيت أسدا"، وأنت تريد رجلا شجاعا. ولا خلاف أن هذا ليس بتشبيه وأن الاسم فيه استعارة.

стр. 473

والثاني: أن يكون المشبه مذكورا أو مقدرا١؛ فاسم المشبه به إن كان خبرا، أو في حكم الخبر -كخبر "كان وإن"، والمفعول الثاني لباب "علمت" والحال- فالأصح أنه يسمى تشبيها، وأن الاسم فيه لا يسمى استعارة؛ لأن الاسم إذا وقع هذه المواقع فالكلام موضوع لإثبات معناه لما يعتمد عليه، أو نفيه عنه؛ فإذا قلت: "زيد أسد"، فقد وضعت كلامك في الظاهر لإثبات معنى الأسد لزيد، وإذا امتنع إثبات ذلك له على الحقيقة، كان لإثبات شبه من الأسد له، فيكون اجتلابه لإثبات التشبيه، فيكون خليقا بأن يسمى تشبيها؛ إذ كان إنما جاء ليفيده، بخلاف الحالة الأولى؛ فإن الاسم فيها لم يجتلب لإثبات معناه للشيء، كما إذا قلت: "جاءني أسد، ورأيت أسدا"، فإن الكلام في ذلك موضوع لإثبات المجيء واقعا من الأسد، والرؤية واقعة منك عليه، لا لإثبات معنى الأسد لشيء؛ فلم يكن ذكر المشبه به لإثبات التشبيه، وصار قصد التشبيه مكنونا في الضمير, لا يعلم إلا بعد الرجوع إلى شيء من النظر. ووجه آخر في كون التشبيه مكنونا في الضمير؛ وهو أنه إذا لم يكن المشبه مذكورا جاز أن يتوهم السامع في ظاهر الحال أن المراد باسم المشبه به ما هو موضوع له، فلا يعلم قصد التشبيه فيه إلا بعد شيء من التأمل، بخلاف الحالة الثانية، فإنه يمتنع ذلك فيه مع كون المشبه مذكورا أو مقدرا. ومن الناس٢ من ذهب إلى أن الاسم في الحالة الثانية استعارة؛ لإجرائه على المشبه مع حذف كلمة التشبيه٣، وهذا الخلاف لفظي راجع إلى الكشف عن معنى الاستعارة والتشبيه في الاصطلاح٤، وما اخترناه هو الأقرب لما أوضحناه من

стр. 474

المناسبة، وهو اختيار المحققين؛ كالقاضي أبي الحسن الجرجاني، والشيخ عبد القاهر، والشيخ جار الله العلامة، والشيخ صاحب المفتاح١ ﵏؛ غير أن الشيخ عبد القاهر قال بعد تقرير ما ذكرناه٢: فإن أبيتَ إلا أن تُطلق اسم الاستعارة على هذا القسم، فإن حسن دخول أدوات التشبيه لا يحسن إطلاقه؛ وذلك كأن يكون اسم المشبه به معرفة؛ كقولك: "زيد الأسد، وهو شمس النهار"، فإنه يحسن أن يقال: "زيد كالأسد، وخِلْتُه شمس النهار". وإن حسن دخول بعضها دون بعض، هان الخطب في إطلاقه؛ وذلك كأن يكون نكرة غير موصوفة؛ كقولك: "زيد أسد"؛ فإنه لا يحسن أن يقال: "زيد كأسد"٣، ويحسن أن يقال: "كأن زيدا أسد، ووجدته أسدا"٤. وإن لم يحسن دخول شيء منها إلا بتغيير لصورة الكلام كان إطلاقه أقرب؛ لغموض تقدير أداة التشبيه فيه؛ وذلك بأن يكون نكرة موصوفة بما لا يلائم المشبه به؛ كقولك: "فلان بدر يسكن الأرض، وهو شمس لا تغيب"؛ وكقوله: شمس تألق، والفراق غروبها ... عنا، وبدر والصدود كسوفه٥

стр. 475

فإنه لا يحسن دخول الكاف ونحوه في شيء من هذه الأمثلة ونحوها إلا بتغيير صورته١؛ كقولك: "هو كالبدر إلا أنه يسكن الأرض، وكالشمس إلا أنه لا يغيب، وكالشمس المتألقة إلا أن الفراق غروبها، وكالبدر إلا أن الصدود كسوفه". وقد يكون في الصفات والصلات التي تجيء في هذا النحو ما يحيل تقدير أداة التشبيه فيه؛ فيقرب إطلاقه أكثر، وذلك مثل قول أبي الطيب: أسد دم الأسد الهزبر خضابه ... موت فريص الموت منه يرعد٢ فإنه لا سبيل إلى أن يقال: "المعنى: هو كالأسد وكالموت"؛ لما في ذلك من التناقض؛ لأن تشبيهه بجنس السبع المعروف دليل أنه دونه أو مثله، وجعل دم الهزبر -الذي هو أقوى الجنس- خضاب يده دليل أنه فوقه، وكذلك لا يصح أن يشبهه بالموت المعروف ثم يجعل الموت يخاف منه٣. وكذا قول البحتري: وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رجلي منه أسود مظلم٤

стр. 476

إن رُجع فيه إلى التشبيه الساذج -حتى يكون المعنى: هو كالبدر- لزم أن يكون قد جعل البدر المعروف موصوفا بما ليس فيه١؛ فظهر أنه إنما أراد أن يُثبت من الممدوح بدرا له هذه الصفة العجيبة التي لم تعرف للبدر، فهو مبني على تخيل أنه زاد في جنس البدر واحدا له تلك الصفة؛ فالكلام موضوع لا لإثبات الشبه بينهما ولكن لإثبات تلك الصفة؛ فهو كقولك: "زيد رجل كيت كيت", لم تقصد إثبات كونه رجلا, لكن إثبات كونه متصفا بما ذكرت. فإذا لم يكن اسم المشبه به في البيت مجتلبا لإثبات الشبه، تبين أنه خارج عن الأصل الذي تقدم٢ من كون الاسم مجتلبا لإثبات الشبه؛ فالكلام فيه مبني على أن كون الممدوح بدرا أمر قد استقر وثبت، وإنما العمل في إثبات الصفة الغريبة٣. وكما يمتنع دخول الكاف في هذا ونحوه٤، يمتنع دخول "كأن" ونحوه "تحسب" لاقتضائهما٥ أن يكون الخبر والمفعول الثاني أمرا ثابتا في الجملة٦، إلا أن كونه متعلقا بالاسم والمفعول الأول مشكوك فيه؛ كقولنا: "كأن زيدا منطلق"، أو خلاف الظاهر؛ كقولنا: "كأن زيدا أسد"٧، والنكرة فيما نحن فيه غير

стр. 477

ثابتة١؛ فدخول "كأن" و"تحسب" عليها كالقياس على المجهول. وأيضا هذا الجنس إذا فليت عن سره، وجدت محصوله أنك تدعي حدوث شيء هو من الجنس المذكور، إلا أنه اختص بصفة عجيبة لم يتوهم جوازها على ذلك الجنس٢، فلم يكن لتقدير التشبيه فيه معنى٣. التجريد ليس استعارة ولا تشبيها: وإن لم يكن اسم المشبه به خبرا للمشبه، ولا في حكم الخبر٤؛ كقولهم: "رأيت بفلان أسدا، ولقيني منه أسد" سمي تجريدا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى٥ ولم يسم استعارة؛ لأنه إنما يتصور الحكم على الاسم بالاستعارة إذا جرى بوجه على ما يدعى أنه مستعار له؛ إما باستعماله فيه، أو بإثبات معناه له٦، والاسم في مثل هذا غير جارٍ على المشبه بوجه.

стр. 478

ولأنه يجيء على هذه الطريقة١ ما لا يتصور فيه التشبيه، فيظن أنه استعارة٢؛ كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ ٣؛ إذ ليس المعنى على تشبيه جهنم بدار الخلد؛ إذ هي نفسها دار الخلد٤، وكقول الشاعر: يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا٥ فإنه لا يتصور فيه التشبيه، وإنما المعنى أنه ليس ببخيل. ولا يسمى٦ تشبيها أيضا؛ لأن اسم المشبه به لم يُجتلَب فيه لإثبات التشبيه كما سبق، وعده الشيخ صاحب المفتاح تشبيها٧، والخلاف أيضا لفظي٨.

стр. 479

الاستعارة مجاز لغوي لا عقلي: والدليل على أن الاستعارة مجاز لغوي كونها موضوعة للمشبه به, لا للمشبه ولا لأمر أعم منها؛ كالأسد فإنه موضوع للسبع المخصوص لا للرجل الشجاع ولا للشجاع مطلقا؛ لأنه لو كان موضوعا لأحدهما لكان استعماله في الرجل الشجاع من جهة التحقيق لا من جهة التشبيه، وأيضا لو كان موضوعا للشجاعة مطلقا لكان وصفا لا اسم جنس. وقيل: الاستعارة مجاز عقلي؛ بمعنى أن التصرف فيها أمر عقلي لا لغوي١؛ لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به؛ لأن نقل الاسم وحده لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة كـ "يزيد ويشكر" استعارة، ولما كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة؛ لأنه لا بلاغة في إطلاق الاسم المجرد عاريا عن معناه، ولما صح أن يقال لمن قال: "رأيت أسدا" يعني زيدا: إنه جعله أسدا، كما لا يقال لمن سمى ولده أسدا: إنه جعله أسدا؛ لأن "جعل" إذا تعدى إلى مفعولين كان بمعنى "صير" فأفاد إثبات صفة للشيء، فلا تقول: "جعلته أميرا" إلا على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة، وعليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ٢ المعنى: أنهم أثبتوا صفة الأنوثة، واعتقدوا وجودها فيهم، وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم للملائكة إطلاق اسم الإناث عليهم، لا أنهم أطلقوه من غير اعتقاد ثبوت معناه لهم؛ بدليل قوله تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ . وإذا كان نقل الاسم تبعا لنقل المعنى؛ كان الاسم مستعملا فيما وضع له؛ ولهذا صح التعجب في قول ابن العميد: قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس٣ والنهي عنه في قول الآخر: لا تعجبوا من بِلَى غلالته ... قد زر أزراره على القمر٤ وقوله: ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيُبليها فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر في كل وقت طالع فيها٥ والجواب عنه أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لا يُخرِج اللفظ عن كونه مستعملا في غير ما وضع له. وأما التعجب والنهي عنه -فيما ذكر- فلبناء الاستعارة على تناسي التشبيه؛ قضاء لحق المبالغة.

стр. 480

التوفيق بين الادعاء في الاستعارة والقرينة المانعة: فإن قيل: إصرار المتكلم على ادعاء الأسدية للرجل، ينافي نصبه قرينة مانعة من أن يراد به السبع المخصوص؟ قلنا: لا منافاة. ووجه التوفيق هو ما ذكره السكاكي١ وهو أن تبني دعوى الأسدية للرجل على ادعاء أن أفراد جنس الأسد قسمان بطريق التأويل متعارف؛ وهو الذي له غاية الجرأة ونهاية قوة البطش مع الصورة المخصوصة٢، وغير متعارف؛ وهو الذي له تلك الجرأة وتلك القوة لا مع

стр. 481

تلك الصورة بل مع صورة أخرى١ على نحو ما ارتكب المتنبي هذا الادعاء في عد نفسه وجماعته من جنس الجن، وعد جماله من جنس الطير، حين قال: نحن قوم مِلْجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال٢ مستشهدا لدعواه هاتيك٣ بالمخيلات العرفية. وأن تخصص٤ القرينة بنفيها المتعارف الذي يسبق إلى الفهم٥؛ ليتعين الآخر٦. ومن البناء على هذا التنويع٧ قوله: تحية بينهم ضرب وجيع٨ وقولهم: "عتابك السيف"، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ٩ومنه قوله: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس١٠

стр. 482

الفرق بين الاستعارة والكذب: وإذ قد عرفت معنى الاستعارة وأنها مجاز لغوي؛ فاعلم أن الاستعارة تفارق الكذب من وجهين: بناء الدعوى فيها على التأويل١، ونصب القرينة على أن المراد بها خلاف ظاهرها؛ فإن الكاذب يتبرأ من التأويل، ولا ينصب دليلا على خلاف زعمه. الاستعارة لا تدخل في الأعلام: وأنها لا تدخل في الأعلام٢؛ لما سبق من أنها تعتمد إدخال المشبه في جنس المشبه به، والعلمية تنافي الجنسية، وأيضا لأن العَلَم لا يدل إلا على تعين شيء من غير إشعار بأنه إنسان أو فرس أو غيرهما؛ فلا اشتراك بين معناه وغيره، إلا في مجرد التعين ونحوه من العوارض العامة التي لا يكفي شيء منها جامعا في الاستعارة، اللهم إلا إذا تضمن نوع وصفية لسبب خارج؛ كتضمن اسم حاتم "الجواد"، ومادر "البخيل"، وما جرى مجراهما٣.

стр. 483

قرينة الاستعارة: وقرينة الاستعارة إما معنى واحد؛ كقولك: "رأيت أسدا يرمي"، أو أكثر١؛ كقول بعض العرب: فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في أيماننا نيرانا٢ أي: سيوفا تلمع كأنها شعل نيران، كما قال الآخر: ناهضتهم والبارقات كأنها ... شعل على أيديهم تتلهب٣ فقوله: "تعافوا" باعتبار كل واحد من تعلقه بالعدل وتعلقه بالإيمان قرينة لذلك٤؛ لدلالته على أن جوابه أنهم يحاربون ويُقسَرون على الطاعة بالسيف، أو معانٍ مربوط بعضها ببعض٥، كما في قول البحتري: وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب٦ عنى بـ "خمس سحائب": أنامل الممدوح؛ فذكر أن هناك صاعقة، ثم قال: "من نصله" فبين أنها من نصل سيفه، ثم قال: "على أرؤس الأقران" ثم قال: "خمس"، فذكر عدد أصابع اليد؛ فبان من مجموع ذلك غرضه٧.

стр. 484

تقسيمات الاستعارة: ثم الاستعارة تنقسم باعتبار الطرفين، وباعتبار الجامع، وباعتبار الثلاثة، وباعتبار اللفظ، وباعتبار أمر خارج عن ذلك كله. أقسام الاستعارة باعتبار الطرفين: أما باعتبار الطرفين فهي قسمان؛ لأن اجتماعهما في شيء إما ممكن، أو ممتنع، واسم الأولى: وفاقية، والثانية: عنادية. الوفاقية: أما الوفاقية فكقوله تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ١ في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ فإن المراد بـ "أحييناه" هديناه؛ أي: أَوَمَن كان ضالا فهديناه. والهداية والحياة لا شك

стр. 485

في جواز اجتماعهما في شيء١. العنادية: وأما العنادية: فمنها ما كان وضع التشبيه فيه على ترك الاعتداد بالصفة وإن كانت موجودة؛ لخلوها مما هو ثمرتها والمقصود منها، وما إذا خلت منه لم تستحق الشرف؛ كاستعارة اسم المعدوم للموجود، إذا لم تحصل منه فائدة من الفوائد المطلوبة من مثله, فيكون مشاركا للمعدوم في ذلك٢، أو اسم الموجود للمعدوم إذا كانت الآثار المطلوبة من مثله موجودة حال عدمه، فيكون مشاركا للموجود في ذلك, أو اسم الميت للحي الجاهل؛ لأنه عدم فائدة الحياة والمقصود بها؛ أعني العلم, فيكون مشاركا للميت في ذلك؛ ولذلك جُعل النوم موتا؛ لأن النائم لا يشعر بما بحضرته، كما لا يشعر الميت، أو للحي العاجز؛ لأن العجز كالجهل يحط من قدر الحي٣. ثم الضدان إن كانا قابلين للشدة والضعف كان استعارة اسم الأشد للأضعف أولى٤، وكل من كان أقل علما وأضعف قوة كان أولى بأن يستعار له اسم الميت،

стр. 486

ولما كان الإدراك أقدم من العقل في كونه خاصة للحيوان؛ كان الأقل علما أولى باسم الميت أو الجماد من الأقل قوة. وكذا في جانب الأشد؛ فكل من كان أكثر علما كان أولى بأن يقال له: إنه حي، وكذا من كان أشرف علما, وعليه قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ١ فإن العلم بوحدة الله تعالى وما أنزله على نبيه ﷺ أشرف العلوم. العنادية التهكمية والتمليحية: ومنها ما استعمل في ضد معناه أو نقيضه؛ بتنزيل التضاد أو التناقض٢ منزلة التناسب، بواسطة تهكم أو تمليح٣ على ما سبق في التشبيه؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤. ويُخَص هذا النوع باسم "التهكمية" أو "التمليحية"٥.

стр. 487

أقسام الاستعارة باعتبار الجامع: وأما باعتبار الجامع فهي قسمان: أحدهما ما يكون الجامع فيه داخلا في مفهوم الطرفين١. كاستعارة الطيران للعدو؛ كما في قول امرأة من بني الحارث ترثي قتيلا: لو يشا طار به ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل٢ وكما جاء في الخبر: "كلما سمع هيعة طار إليها" ٣ فإن الطيران والعدو يشتركان في أمر داخل في مفهومهما؛ وهو قطع المسافة بسرعة٤، ولكن الطيران أسرع من العدو. ونحوهما قول بعض العرب: فطرت بمُنْصُلي في يَعْمَلات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا٥ يقول: إنه قام بسيفه مسرعا إلى نوق فعقرهن، ودميت أيديهن، فخبطن السيور المشدودة على أرجلهن. وكاستعارة الفيض لانبساط الفجر في قوله: كالفجر فاض على نجوم الغيهب٦

стр. 488

فإن الفيض موضوع لحركة الماء على وجه مخصوص؛ وذلك أن يفارق مكانه دفعة، فينبسط، وللفجر انبساط شبيه بذلك. وكاستعارة التقطيع لتفريق الجماعة وإبعاد بعضهم عن بعض في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ ١، فإن القطع موضوع لإزالة الاتصال بين الأجسام التي بعضها ملتزق ببعض؛ فالجامع بينهما إزالة الاجتماع التي هي داخلة في مفهومهما، وهي في القطع أشد. وكاستعارة الخياطة لسرد الدرع في قول القطامي: لم تلق قوما هم شر لإخوتهم ... منا عشية يجري بالدم الوادي نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زرّاد٢ فإن الخياطة تضم خرق القميص، والسرد يضم حلق الدرع؛ فالجامع بينهما الضم الذي هو داخل في مفهومهما، وهو في الأول أشد. وكاستعارة النثر لإسقاط المنهزمين وتفريقهم في قول أبي الطيب: نثرته فوق الأحيدب نثرة ... كما نُثرت فوق العروس الدراهم٣ لأن النثر أن تجمع أشياء في كف أو وعاء، ثم يقع فعل تتفرق معه دفعة من غير ترتيب ونظام، وقد استعاره لما يتضمن التفرق على الوجه المخصوص، وهو ما اتفق من تساقط المنهزمين في الحرب دفعة من غير ترتيب ونظام، ونسبه إلى الممدوح؛ لأنه سببه٤.

стр. 489

ما يخرج جامعها عن مفهوم الطرفين: والثاني ما يكون الجامع فيه غير داخل في مفهوم الطرفين؛ كقولك: "رأيت شمسا"، وتريد إنسانا يتهلل وجهه؛ فالجامع بينهما التلألؤ، وهو غير داخل في مفهومهما١. الاستعارة العامية والخاصية: وتنقسم باعتبار الجامع أيضا إلى عامية وخاصية٢؛ فالعامية: المبتذَلة؛ لظهور الجامع فيها؛ كقولك: "رأيت أسدا ووردت بحرا". والخاصية: الغريبة، التي لا يظفر بها إلا من ارتفع عن طبقة العامة، كما سيأتي في الاستعارات الواردة في التنزيل، وكقول طفيل الغنوي: وجعلت كُوري فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل٤ وموضع اللطف والغرابة منه: أنه استعار الاقتيات لإذهاب الرحل شحم السنام؛ مع أن الشحم مما يقتات. وقول ابن المعتز:

стр. 490

حتى إذا ما عرف الصيد الضار ... وأذن الصبح لنا في الإبصار١ ولما كان تعذر الإبصار منعا من الليل جعل إمكانه عند ظهور الصبح إذنا منه. وقول الآخر: بعُرْض تنوفة للريح فيه ... نسيم لا يروع في التراب٢ وقوله: يناجيني الإخلاف من تحت مطله ... فتختصم الآمال واليأس في صدري٣ ثم الغرابة قد تكون في الشبه نفسه٤، كما في تشبيه هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج بهيئة الثوب في موقعه من ركبة المحتبي، في قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا له بأنه مؤدب: وإذا احتبى قَرْبُوسه بعَنانه ... عَلَكَ الشكيم إلى انصراف الزائر٥

стр. 491

وقد تحصل بتصرف في العامية؛ كما في قول الآخر: وسالت بأعناق المطي الأباطح١ أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلاسة حتى كأنها كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرَتْ بها. ومثلها في الحسن وعلو الطبقة في هذه اللفظة بعينها, قول ابن المعتز: سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير٢ أراد أنه مطاع في الحي، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لخطب إلا أتوه وكثروا عليه وازدحموا حواليه، حتى تجدهم كالسيول تجيء من ههنا وههنا، وتنصبّ من هذا المسيل وذاك، حتى يَغَصّ بها الوادي ويطفح منها، وهذا شبه معروف ظاهر، ولكن حسن التصرف فيه أفاد اللطف والغرابة، وذلك أن أسند الفعل إلى الأباطح والشعاب٣ دون المطي أو أعناقها، والأنصار أو وجوههم، حتى أفاد أنه امتلأت الأباطح من الإبل، والشعاب من الرجال على ما تقدم٤ في

стр. 492

قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ١، وفي كل واحد منهما شيء غير الذي في الآخر يؤكد أمر الدقة والغرابة؛ أما الذي في الأول فهو أنه أدخل الأعناق في السير؛ فإن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبا في أعناقها على ما مر، وأما الذي في الثاني فهو أنه قال: "عليه"؛ فعدى الفعل إلى ضمير الممدوح بـ "على"، فأكد مقصوده من كونه مطاعا في الحي. وكما في قوله: فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عَجِلَ القضيب وأبطأ الدِّعْص٢ إذ وصف القضيب بالعجلة، والدعص بالبطء٣. وقد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل؛ كقول امرئ القيس: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكَلْكَل٤ أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلبا يتمطى به؛ إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله عند تمطيه شيء، وبالغ في ذلك بأن جعل له أعجازا يردف بعضها بعضا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره والضغط لمكابده؛ فاستعار له كلكلا ينوء به؛ أي: يثقل به. وقال الشيخ عبد القاهر٥: "لما جعل لليل صلبا قد تمطى به، ثنّى ذلك، فجعل له أعجازا قد أردف بها الصلب، وثلَّث فجعل له كلكلا قد ناء به، فاستوفى له جملة أركان الشخص، وراعى ما يراه الناظر من سواده إذا نظر قدامه، وإذا نظر خلفه، وإذا رفع البصر ومده في عُرْض الجو"٦.

стр. 493

أقسام الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع: وأما باعتبار الثلاثة -أعني الطرفين والجامع- فستة أقسام: استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي، أو بوجه عقلي، أو بما بعضه حسي وبعضه عقلي، واستعارة معقول لمعقول، واستعارة محسوس لمعقول، واستعارة معقول لمحسوس، كل ذلك بوجه عقلي؛ لما مر١. استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي: أما استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي؛ فكقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ ٢؛ فإن المستعار منه ولد البقرة، والمستعار له الحيوان الذي خلقه الله تعالى من حُليّ القبط التي سبكتها نار السامري عند إلقائه فيها التربة التي أخذها من موطئ حيزوم فرس جبريل ﵇، والجامع لهما الشكل٣، والجميع حسي٤. وكقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ٥ فإن المستعار منه حركة الماء على الوجه المخصوص، والمستعار له حركة الإنس والجن، أو يأجوج ومأجوج، وهما حسيان، والجامع لهما ما يشاهد من شدة الحركة والاضطراب. وأما قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ٦ فليس مما نحن فيه وإن عد منه؛ لأن فيه تشبيهين: تشبيه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وتشبيه انتشاره في الشعر باشتعالها في سرعة الانبساط مع تعذر تلافيه، والأول استعارة بالكناية، والجامع في الثاني عقلي٧, وكلامنا في غيرهما٨.

стр. 494

استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي: وأما استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي؛ فكقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ١, فإن المستعار منه كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها، والمستعار له إزالة الضوء عن مكان الليل ومُلْقَى ظله، وهما حسيان، والجامع لهما ما يُعقل من ترتب أمر على آخر٢. وقيل: المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل، وليس بسديد؛ لأنه لو كان ذلك لقال: "فإذا هم مبصرون" ونحوه، ولم يقل: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي: داخلون في الظلام٣. قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ ٤ فإن المستعار منه المرأة، والمستعار له الريح، والجامع المنع من ظهور النتيجة والأثر؛ فالطرفان حسيان والجامع عقلي. وفيه نظر؛ لأن العقيم صفة للمرأة لا اسم لها، وكذلك جعلت صفة للريح لا اسما٥. والحق أن المستعار منه ما في المرأة من الصفة التي تمنع من الحمل٦، والمستعار له ما في الريح من الصفة التي تمنع من إنشاء مطر وإلقاح شجر، والجامع لهما ما ذكر٧.

стр. 495

استعارة محسوس لمحسوس بوجه مختلف: وأما استعارة محسوس لمحسوس بما بعضه حسي وبعضه عقلي فكقولك: "رأيت شمسا" وأنت تريد إنسانا شبيها بالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن, وأهمل السكاكي هذا القسم١.
следующие страницы →