← Баляга

Баляга · id 10281

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة

عبد المتعال الصعيدي

Полный текст (710 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقد تحصل بتصرف في العامية؛ كما في قول الآخر: وسالت بأعناق المطي الأباطح١ أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلاسة حتى كأنها كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرَتْ بها. ومثلها في الحسن وعلو الطبقة في هذه اللفظة بعينها, قول ابن المعتز: سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير٢ أراد أنه مطاع في الحي، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لخطب إلا أتوه وكثروا عليه وازدحموا حواليه، حتى تجدهم كالسيول تجيء من ههنا وههنا، وتنصبّ من هذا المسيل وذاك، حتى يَغَصّ بها الوادي ويطفح منها، وهذا شبه معروف ظاهر، ولكن حسن التصرف فيه أفاد اللطف والغرابة، وذلك أن أسند الفعل إلى الأباطح والشعاب٣ دون المطي أو أعناقها، والأنصار أو وجوههم، حتى أفاد أنه امتلأت الأباطح من الإبل، والشعاب من الرجال على ما تقدم٤ في

стр. 492

قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ١، وفي كل واحد منهما شيء غير الذي في الآخر يؤكد أمر الدقة والغرابة؛ أما الذي في الأول فهو أنه أدخل الأعناق في السير؛ فإن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبا في أعناقها على ما مر، وأما الذي في الثاني فهو أنه قال: "عليه"؛ فعدى الفعل إلى ضمير الممدوح بـ "على"، فأكد مقصوده من كونه مطاعا في الحي. وكما في قوله: فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عَجِلَ القضيب وأبطأ الدِّعْص٢ إذ وصف القضيب بالعجلة، والدعص بالبطء٣. وقد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل؛ كقول امرئ القيس: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكَلْكَل٤ أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلبا يتمطى به؛ إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله عند تمطيه شيء، وبالغ في ذلك بأن جعل له أعجازا يردف بعضها بعضا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره والضغط لمكابده؛ فاستعار له كلكلا ينوء به؛ أي: يثقل به. وقال الشيخ عبد القاهر٥: "لما جعل لليل صلبا قد تمطى به، ثنّى ذلك، فجعل له أعجازا قد أردف بها الصلب، وثلَّث فجعل له كلكلا قد ناء به، فاستوفى له جملة أركان الشخص، وراعى ما يراه الناظر من سواده إذا نظر قدامه، وإذا نظر خلفه، وإذا رفع البصر ومده في عُرْض الجو"٦.

стр. 493

أقسام الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع: وأما باعتبار الثلاثة -أعني الطرفين والجامع- فستة أقسام: استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي، أو بوجه عقلي، أو بما بعضه حسي وبعضه عقلي، واستعارة معقول لمعقول، واستعارة محسوس لمعقول، واستعارة معقول لمحسوس، كل ذلك بوجه عقلي؛ لما مر١. استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي: أما استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي؛ فكقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ ٢؛ فإن المستعار منه ولد البقرة، والمستعار له الحيوان الذي خلقه الله تعالى من حُليّ القبط التي سبكتها نار السامري عند إلقائه فيها التربة التي أخذها من موطئ حيزوم فرس جبريل ﵇، والجامع لهما الشكل٣، والجميع حسي٤. وكقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ٥ فإن المستعار منه حركة الماء على الوجه المخصوص، والمستعار له حركة الإنس والجن، أو يأجوج ومأجوج، وهما حسيان، والجامع لهما ما يشاهد من شدة الحركة والاضطراب. وأما قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ٦ فليس مما نحن فيه وإن عد منه؛ لأن فيه تشبيهين: تشبيه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وتشبيه انتشاره في الشعر باشتعالها في سرعة الانبساط مع تعذر تلافيه، والأول استعارة بالكناية، والجامع في الثاني عقلي٧, وكلامنا في غيرهما٨.

стр. 494

استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي: وأما استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي؛ فكقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ١, فإن المستعار منه كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها، والمستعار له إزالة الضوء عن مكان الليل ومُلْقَى ظله، وهما حسيان، والجامع لهما ما يُعقل من ترتب أمر على آخر٢. وقيل: المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل، وليس بسديد؛ لأنه لو كان ذلك لقال: "فإذا هم مبصرون" ونحوه، ولم يقل: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي: داخلون في الظلام٣. قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ ٤ فإن المستعار منه المرأة، والمستعار له الريح، والجامع المنع من ظهور النتيجة والأثر؛ فالطرفان حسيان والجامع عقلي. وفيه نظر؛ لأن العقيم صفة للمرأة لا اسم لها، وكذلك جعلت صفة للريح لا اسما٥. والحق أن المستعار منه ما في المرأة من الصفة التي تمنع من الحمل٦، والمستعار له ما في الريح من الصفة التي تمنع من إنشاء مطر وإلقاح شجر، والجامع لهما ما ذكر٧.

стр. 495

استعارة محسوس لمحسوس بوجه مختلف: وأما استعارة محسوس لمحسوس بما بعضه حسي وبعضه عقلي فكقولك: "رأيت شمسا" وأنت تريد إنسانا شبيها بالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن, وأهمل السكاكي هذا القسم١.

стр. 496

استعارة معقول لمعقول: وأما استعارة معقول لمعقول فكقوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ١ فإن المستعار منه الرقاد٢، والمستعار له الموت، والجامع لهما عدم ظهور الأفعال٣، والجميع عقلي٤. استعارة محسوس لمعقول: وأما استعارة محسوس لمعقول فكقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ ٥ فإن المستعار منه صدع الزجاجة، وهو كسرها، وهو حسي٦، والمستعار له تبليغ الرسالة٧، والجامع لهما التأثير، وهما عقليان، كأنه قيل: "أَبِنِ الأمر إبانة لا تنمحي كما لا يلتئم صدع الزجاجة" وكقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ ٨ جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم فيها كما يكون في القبة من ضُربتْ عليه، أو ملصقة بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه؛ فالمستعار منه إما ضرب القبة على الشخص، وإما ضرب الطين على الحائط، وكلاهما حسي، والمستعار له حالهم مع الذلة، والجامع الإحاطة أو اللزوم، وهما عقليان٩.

стр. 497

استعارة معقول لمحسوس: وأما استعارة معقول لمحسوس, فكقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ ١ فإن المستعار له كثرة الماء وهو حسي، والمستعار منه التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط، وها عقليان٢. أقسام الاستعارة باعتبار المستعار: الأصلية، والتبعية: وأما باعتبار اللفظ٣ فقسمان؛ لأنه إن كان اسم جنس, فأصلية كـ "أسد" و"قتل"٤، وإلا فتبعية؛ كالأفعال والصفات المشتقة منها الحروف؛ لأن الاستعارة

стр. 498

تعتمد التشبيه، والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا١، وإنما يصلح للموصوفية الحقائق٢ كما في قولك: "جسم أبيض وبياض صافٍ" دون معاني الأفعال والصفات المشتقة منها والحروف٣. فإن قلت: فقد قيل في نحو "شجاع باسل، وجواد فياض، وعالم نحرير": إن باسلا وصف لشجاع، وفياضا وصف لجواد، ونحريرا وصف لعالم٤، قلت: ذلك متأول بأن الثواني لا تقع صفات إلا لما يكون موصوفا بالأول٥. فالتشبيه في الأفعال والصفات المشتقة منها لمعاني مصادرها٦، وفي الحروف لمتعلقات معانيها؛ كالمجرور٧ في قولنا: "زيد في نعمة ورفاهية"؛ فيقدر التشبيه في

стр. 499

قولنا: "نطقت الحال بكذا، والحال ناطقة بكذا" للدلالة بمعنى النطق١. وعليه في التهكمية قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٢ بدل "فأنذرهم"، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ٣ بدل "السفيه الغوي"، وفي لام التعليل٤ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٥ للعداوة والحزن الحاصلين بعد الالتقاط بالعلة الغائية للالتقاط٦. ومما يتصل بهذا أن "يا" حرف وضع في أصله لنداء البعيد ثم استعمل في مناداة القريب؛ لتشبيهه بالبعيد باعتبار أمر راجع إليه أو إلى المنادى؛ أما الأول فكقولك لمن سها وغفل وإن قرب: "يا فلان"، وأما الثاني فكقول الداعي في جُؤَاره: "يا رب يا ألله" وهو أقرب إليه من حبل الوريد؛ فإنه استقصار منه لنفسه، واستبعاد لها من مظانّ الزُّلْفى ومما يقربه إلى رضوان الله تعالى ومنازل المقربين؛ هضما لنفسه، وإقرارا عليها بالتفريط في جنب الله تعالى، مع فرط التهالك على استجابة دعوته والأذن٧ لندائه وابتهاله.

стр. 500

واعلم أن مدار قرينة التبعية١ في الأفعال والصفات المشتقة منها على نسبتها إلى الفاعل، كما مر في قولك: "نطقت الحال"، أو إلى المفعول؛ كقول ابن المعتز: جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا٢ وقول كعب بن زهير: صبّحنا الخزرجية مرهفات ... أباد ذوي أرومتها ذووها٣ والفرق بينهما أن الثاني مفعول ثانٍ دون الأول. ونظير الثاني قوله: نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد٤ أو إلى المفعولين الأول والثاني؛ كقول الحريري: وأقري المسامع إما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا٥ أو إلى المجرور كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٦ قال السكاكي٧ "أو إلى الجميع؛ كقول الآخر: تقري الرياح رياض الحزن مزهرة ... إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظا٨ فيه نظر٩

стр. 501

أقسام الاستعارة باعتبار الخارج: وأما باعتبار الخارج, فثلاثة أقسام: أحدها المطلقة: وهي التي لم تقترن بصفة ولا تفريع كلام١، والمراد المعنوية لا النعت. المجردة: وثانيها المجردة، وهي التي قرنت بما يلائم المستعار له٢ كقول كثير:

стр. 502

غَمْر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غَلِقت لضحكته رقاب المال١ فإنه استعار الرداء للمعروف؛ لأنه يصون عِرْض صاحبه كما يصون الرداء ما يُلْقَى عليه، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف لا الرداء٢، فنظر إلى المستعار له، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] . حيث قال: "أذاقها" ولم يقل: كساها؛ فإن المراد بالإذاقة إصابتهم بما استعير له اللباس٣ كأنه قال: فأصابها الله بلباس الجوع والخوف٤. قال الزمخشري: "الإذاقة جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها؛ فيقولون: "ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب" شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع"٥. فإن قيل: الترشيح أبلغ من التجريد، فهلا قيل: "فكساها الله لباس الجوع والخوف"؟ قلنا: لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس من غير عكس، فكان في الإذاقة إشعار بشدة الإصابة بخلاف الكسوة. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: "فأذاقها الله طعم الجوع والخوف"؟ قلنا: لأن الطعم وإن لاءم الإذاقة فهو مفوت لما يفيده لفظ اللباس من بيان أن الجوع والخوف عم أثرهما جميع البدن عموم الملابس.

стр. 503

المرشحة: وثالثها المرشحة وهي التي قُرنت بما يلائم المستعار منه١؛ كقوله: ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر٢ فإنه استعار الرداء للسيف لنحو ما سبق، ووصفه بالاعتجار الذي هو وصف الرداء، فنظر إلى المستعار منه، وعليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ٣ فإنه استعار الاشتراء للاختيار، وقفّاه بالربح والتجارة اللذين هما من متعلقات الاشتراء؛ فنظر إلى المستعار منه. وقد يجتمع التجريد والترشيح, كما في قول زهير: لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم٤ والترشيح أبلغ من التجريد٥؛ لاشتماله على تحقيق المبالغة؛ ولهذا كان مبناه على تناسي التشبيه٦، حتى إنه يوضع الكلام في علوّ المنزلة وضعه في علو المكان،

стр. 504

كما قال أبو تمام: ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء١ فلولا أن قصده أن يتناسى التشبيه، ويصمم على إنكاره، فيجعله صاعدا في السماء من حيث المسافة المكانية؛ لما كان لهذا الكلام وجه. وكما قال ابن الرومي: يا آل نُوبَخْت لا عَدِمتكم ... ولا تبدلت بعدكم بدلا٢ إن صح علم النجوم كان لكم ... حقا إذا ما سواكم انتحلا٣ كم عالم فيكم وليس بأن ... قاس ولكن بأن رَقَى فَعَلا٤ أعلاكم في السماء مجدكم ... فلستم تجهلون ما جهلا

стр. 505

شافهتم البدر بالسؤال عن الـ ... ـأمر إلى أن بلغتم زحلا١ وكما قال بشار: أتتني الشمس زائرة ... ولم تك تبرح الفَلَكا٢ وكما قال أبو الطيب: كبرت حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق٣ وكما قال غيره: ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه ... ولا رجلا قامت تعانقه الأُسْد٤ ومن هذا الفن٥ ما سبق من التعجب والنهي عنه٦؛ غير أن مذهب التعجب على عكس مذهب النهي عنه؛ فإن مذهبه إثبات وصف ممتنع ثبوته للمستعار منه٧، ومذهب النهي عنه إثبات خاصة من خواص المستعار منه٨.

стр. 506

وإذا جاز البناء على المشبه به١ مع الاعتراف بالمشبه, كما في قول العباس بن الأحنف: هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا٢ فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا وقول سعيد بن حميد: قلت: زوري فأرسلت ... أنا آتيك سُحْرَهْ٣ قلت: فالليل كان أخـ ... ـفى وأدنى مسره فأجابت بحجة ... زادت القلب حسره أنا شمس وإنما ... تطلع الشمس بكره٤ فلأن يجوز مع جحده في الاستعارة أولى. ومن هذا الباب٥ قول الفرزدق: أبي أحمد الغيثين صعصعة الذي ... متى تُخلف الجوزاء والدلو يمطر أجار بنات الوائدين ومن يجر ... على الموت فاعلم أنه غير مخفر٦ ادَّعى لأبيه اسم الغيث ادّعاء من سُلِّم له ذلك، ومن لا يخطر بباله أنه متناول له من طريق التشبيه. وكذا قول عدي بن الرقاع يصف حمارين وحشيين: يتعاوران من الغبار ملاءة ... بيضاء محكمة هما نسجاها٧ تُطْوَى إذا وردا مكانا محزنا ... وإذا السنابك أسهلت نشراها٨

стр. 507

المجاز المركب أو التمثيل: وأما المجاز المركب فهو اللفظ المركب المستعمل فيما شُبِّه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل١ للمبالغة في التشبيه٢؛ أي: تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو

стр. 508

أمور بالأخرى١، ثم تدخل المشبهة في جنس المشبه بها مبالغة في التشبيه، فتذكر بلفظها من غير تغيير بوجه من الوجوه. كما كتب به الوليد بن يزيد٢ -لما بويع- إلى مروان بن محمد, وقد بلغه أنه متوقف في البيعة له: "أما بعد, فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى٣، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت، والسلام" شبه صورة تردده في المبايعة بصورة تردد من قام ليذهب في أمر، فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلا، وتارة لا يريد فيؤخر أخرى٤. وكما يقال لمن يعمل في غير مَعْمَل:

стр. 509

"أراك تنفخ في غير فحم١ وتخط على الماء" والمعنى: إنك في فعلك كمن يفعل ذلك. وكما يقال لمن يُعمِل الحيلة حتى يُميل صاحبه إلى ما كان يمتنع منه: "ما زال يفتل منه في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد" والمعنى أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه حاله فيه حال من يجيء إلى البعير الصعب فيحكه، ويفتل الشَّعْر في ذروته وغاربه٢ حتى يسكن ويستأنس. وهذا في المعنى نظير قولهم: "فلان يقرِّد فلانا" أي: يتلطف به فعل من ينزع القراد٣ من البعير؛ ليلتد بذلك، فيسكن ويثبت في مكانه حتى يتمكن من أخذه. وكذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٤ فإنه لما كان التقدم بين يدي الرجل خارجا عن صفة المتابع له؛ صار النهي عن التقدم متعلقا باليدين مثلا للنهي عن ترك الأتباع. وكذا قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٥ إذ المعنى -والله أعلم- أن مَثَل الأرض في تصرفها تحت أمر الله تعالى وقدرته مَثَل الشيء يكون في قبضة الآخذ له منا، والجامع يده عليه. وكذا قوله تعالى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٦ أي: يخلق فيها صفة الطي حتى ترى كالكتاب المطويّ بيمين الواحد منا، وخص اليمين ليكون أعلى وأفخم للمثل؛ لأنها أشرف اليدين وأقواهما والتي لا غناء للأخرى دونها؛ فلا يهش إنسان لشيء إلا بدأ بيمينه فهيأها لنيله، ومتى قصد جعل الشيء في جهة العناية جعل في اليد اليمنى،

стр. 510

ومتى قُصد خلاف ذلك جُعل في اليسرى، كما قال ابن ميَّادة: ألم تك في يمنى يديك جعلتَني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا١ أي: كنت مكرما عندك فلا تجعلني مهانا، وكنت في المكان الشريف منك فلا تحطني في المنزل الوضيع. وكذا إذا قلت للمخلوق: "الأمر بيدك" أردت المثل؛ أي: الأمر كالشيء يحصل في يدك فلا يمتنع عليك. وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ ٢ قال الزمخشري: كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا وأَلْقِ الألواح وجُرّ برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء٣. ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم وذوق صحيح إلا لذلك، ولأنه من قبيل شعب البلاغة٤، وإلا فما لقراءة معاوية بن قرة: "ولما سكن عن موسى الغضب"٢ لا تجد النفس عندها شيئا من الهِزّة، وطرفا من تلك الروعة٥. وأما قولهم: "اعتصمتُ بحبله" فقال الزمخشري أيضا: يجوز أن يكون تمثيلا لاستظهاره به، ووثوقه بحمايته، بامتساك المتدلِّي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن

стр. 511

انقطاعه، وأن يكون الحبل استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد, أو ترشيحا لاستعارة الحبل بما يناسبه١. وكذا قول الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين٢ الشبه مأخوذ من مجموع التلقي واليمين، على حد قولهم: "تلقيته بكلتا اليدين"؛ ولهذا لا تصلح حيث يقصد التجوز فيها وحدها؛ فلا يقال: "هو عظيم اليمين" بمعنى عظيم القدرة، ولا: "عرفت يمينك على هذا" بمعنى: عرفت قدرتك عليه. ومثله قول الآخر: هون عليك؛ فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها٣ وكذا ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: $"إن أحدكم إذا تصدق بالتمرة من الطَّيِّب -ولا يقبل الله إلا الطيب- جعل الله ذلك في كفه فيُربيها كما يُربي أحدكم فلوه٤ حتى يبلغ بالتمرة مثل أحد"، والمعنى فيهما٥ على انتزاع الشبه من المجموع. وكل هذا٦ يسمى التمثيل على سبيل الاستعارة، وقد يسمى التمثيل مطلقا،

стр. 512

ومتى فشا استعماله كذلك١ سمي مثلا؛ ولذا لا تغير الأمثال٢. ومما يُبْنَى على التمثيل نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ٣ معناه: لمن كان له قلب ناظر فيما ينبغي أن ينظر فيه، واعٍ لما يجب وعيه، ولكن عدل عن هذه العبارة ونحوها إلى ما عليه التلاوة٤ بقصد البناء على التمثيل؛ ليفيد ضربا من التخييل؛ وذلك أنه لما كان الإنسان حين لا ينتفع بقلبه، فلا ينظر فيما ينبغي أن ينظر فيه، ولا يفهم ولا يعي؛ جُعل كأنه قد عَدِم القلب جملة، كما جُعل من لا ينتفع بسمعه وبصره، فلا يفكر فيما يؤديان إليه، بمنزلة العادم لهما، ولزم على هذا ألا يقال: "فلان له قلب" إلا إذا كان ينتفع بقلبه فينظر فيما ينبغي أن ينظر فيه، ويعي ما يجب وعيه، فكان في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ تخييل أن من لم ينتفع بقلبه كالعادم للقلب جملة، بخلاف نحو قولنا: "لمن كان له قلب ناظر فيما ينبغي أن ينظر فيه، واعٍ لما يجب وعيه"٥، وفي نظر الآية فائدة أخرى شريفة وهي تقليل

стр. 513

اللفظ مع تكثير المعنى. ونقل الشيخ عبد القاهر١ عن بعض المفسرين أنه قال: "المراد بالقلب العقل"، ثم شدّد عليه النكير في هذا التفسير، وقال: "وإن كان المرجع فيما ذكرناه عند التحصيل إلى ما ذكره، ولكن ذهب عليه أن الكلام مبني على تخييل أن من لا ينتفع بقلبه -فلا ينظر ولا يعي- بمنزلة من عَدِم قلبه جملة٢، كما تقول في قول الرجل إذا قال: "قد غاب عني قلبي"، أو "ليس يحضرني قلبي": إنه يريد أن يخيل إلى السامع أنه غاب عنه قلبه بجملته، دون أن يريد الإخبار أن عقله لم يكن هناك، وإن كان المرجع عند التحصيل إلى ذلك، وكذا إذا قال: "لم أكن ههنا"، يريد غفلته عن الشيء، فهو يضع كلامه على التخييل". هذا معنى كلام الشيخ، وهو حق؛ لأن المراد بالآية الحثّ على النظر، والتقريع على تركه، فإن أراد هذا المفسر بتفسيره أن المعنى: لمن كان له عقل مطلقا، فهو ظاهر الفساد٣، وإن أراد أن المعنى: لمن كان له عقل ينتفع به ويُعمِله فيما خُلق له من النظر؛ فتفسير القلب بالعقل، ثم تقييد العقل بما قيده عَرِيّ عن الفائدة؛ لصحة وصف القلب بذلك٤ بدليل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ٥. واعلم أن المثل السائر لما كان فيه غرابة، استُعير لفظة المَثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة٦. وهو في القرآن كثير كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ

стр. 514

كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ١ أي: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا. وكقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ٢ أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة، وكقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ٣ أي: صفتهم وشأنهم المتعجب منه٤، وكقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ٥؛ أي: فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة، ثم أخذ في بيان عجائبها٦، إلى غير ذلك.

стр. 515

فصل: الاستعارة المكنية والتخييلية: قد يضمر التشبيه في النفسن، فلا يصرح بشيء من أركانه سوى لفظ المشبه، ويُدَل عليه١ بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به، من غير أن يكون هناك أمر ثابت حسا أو عقلا أجري عليه اسم ذلك الأمر٢، فيسمى التشبيه استعارة بالكناية، أو مكنيا منها، وإثبات ذلك الأمر للمشبه استعارة تخييلية٣. والعَلَم ٤ في ذلك قول لبيد: وغداة ريح قد كشفت وقِرَّة ... إذ أصبحت بيد الشَّمال زمامها٥

стр. 516

فإنه جعل للشمال يدا، ومعلوم أنه ليس هناك أمر ثابت حسا أو عقلا تجري اليد عليه؛ كإجراء الأسد على الرجل الشجاع، والصراط على ملة الإسلام فيما سبق١، ولكن لما شبه الشمال لتصريفها القرة -على حكم طبيعتها في التصريف- بالإنسان المصرِّف لما زمامه بيده؛ أثبت لها يدا على سبيل التخييل مبالغة في تشبيهها به، وحكم الزمام في استعارته للقرة٢ حكم اليد في استعارتها للشمال، فجعل للقرة زماما ليكون أتم في إثباتها مُصَرَّفة، كما جعل للشمال يدا ليكون أبلغ في إثباتها مصرفة، فوفّى المبالغة حقها من الطرفين؛ فالضمير في "أصبحت" و"زمامها" للقرة، وهو قول الزمخشري، والشيخ عبد القاهر جعله للغداة٣, والأول أظهر. واعلم أن الأمر المختص بالمشبه به المثبت للمشبه، منه ما لا يكمل وجه الشبه في المشبه به بدونه, كما في قول أبي ذؤيب الهذلي: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيتَ كل تميمة لا تنفع٤ فإنه شبه المنية بالسبع في اغتيال النفوس بالقهر والغلبة، من غير تفرقة بين نفّاع وضرّار ولا رقة لمرحوم، ولا بُقْيا على ذي فضيلة، فأثبت للمنية الأظفار التي لا يكمل ذلك في السبع بدونها؛ تحقيقا للمبالغة في التشبيه٥. ومنه ما به يكون قوام وجه الشبه في المشبه به، كما في قول الآخر:

стр. 517

ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق١ فإنه شبه الحال الدالة على المقصود بإنسان متكلم في الدلالة؛ فأثبت لها اللسان الذي به قوام الدلالة في الإنسان٢. وأما قول زهير: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعُرِّيَ أفراس الصِّبا ورواحله٣ فيحتمل أن يكون استعارة تخييلية، وأن يكون استعارة تحقيقية؛ أما التخييل فأن يكون أراد أن يبين أنه ترك ما كان يرتكبه أوان المحبة من الجهل والغي، وأعرض عن معاودته؛ فتعطلت آلاته كأي أمر وطّنْتَ النفس على تركه؛ فإنه تهمل آلاته فتتعطل، فشبه الصبا بجهة من جهات المسير -كالحج والتجارة- قُضي منها الوطر فأُهملت آلاتها، فتعطلت٤، فأثبت له الأفراس والرواحل٥؛ فالصبا على هذا من الصبوة بمعنى الميل إلى الجهل والفتوّة، لا بمعنى الفتاء٦. وأما التحقيق فأن يكون أراد بالأفراس والرواحل دواعي النفوس وشهواتها، والقوى الحاصلة لها في استيفاء اللذات، أو الأسباب التي قلّما تتآخذ في اتباع الغي إلا أوان الصبا٧.

стр. 518

فصل: اعتراضات على السكاكي اعلم أن كلام السكاكي في هذا الباب -أعني: باب الحقيقة والمجاز والفصل الذي يليه- مخالف لمواضع مما ذكرنا؛ فلا بد من التعرض لها، ولبيان ما فيها. اعتراض عليه في تعريف الحقيقة والمجاز: منها أنه عرف الحقيقة اللغوية بالكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع٢، وقال: "إنما ذكرت هذا القيد يعني قوله: "من غير تأويل في الوضع" ليُحترَز به عن الاستعارة؛ ففي الاستعارة تُعَد الكلمة مستعملة فيما هي موضوعة له على أصح القولين٣، ولا نسميها حقيقة، بل نسميها مجازا لغويا؛ لبناء

стр. 519

دعوى المستعار موضوعا للمستعار له على ضرب من التأويل كما مر"١. ثم عرّف المجاز اللغوي بالكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها٢ مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع٣, وقال: قولي "بالتحقيق" احتراز عن ألا تخرج الاستعارة٤ التي هي من باب المجاز، نظرا إلى دعوى استعمالها فيما هي موضوعة له على ما مر. وقوله: "استعمالا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها" بمنزلة قولنا في تعريف المجاز: "في اصطلاح به التخاطب" على ما مر، وقوله: "مع قرينة ... إلخ" احتراز عن الكناية كما تقدم. وفيهما نظر؛ لأن لفظ الوضع وما يشتق منه إذا أُطلق لا يُفهَم منه الوضع بتأويل، وإنما يفهم منه الوضع بالتحقيق؛ لما سبق من تفسير الوضع، فلا حاجة إلى تقييد الوضع في تعريف الحقيقة بعدم التأويل، وفي تعريف المجاز بالتحقيق، اللهم إلا أن يراد زيادة البيان لا تتميم الحد، ثم تقييد الوضع باصطلاح التخاطب ونحوه إذا كان لا بد منه في تعريف المجاز؛ ليدخل فيه نحو لفظ "الصلاة" إذا استعملها المخاطِب بعرف الشرع في الدعاء مجازا، فلا بد منه في تعريف الحقيقة أيضا؛ ليخرج نحو هذا اللفظ منه كما سبق، وقد أهمله في تعريفها. لا يقال: قوله في تعريفها: "من غير تأويل في الوضع" أغنى عن هذا القيد؛ فإن استعمال اللفظ فيما وُضع له في غير اصطلاح التخاطب إنما يكون بتأويل في وضعه؛ لأن التأويل٥ في الوضع يكون في الاستعارة على أحد القولين٦ دون سائر أقسام المجاز٧؛ ولذلك قال: "وإنما ذكرت هذا القيد ليحترز به عن الاستعارة". ثم تعريفه للمجاز يدخل فيه الغلط كما تقدم٨.

стр. 520

الاعتراض عليه في جعل التمثيل من المجاز المفرد: ومنها أنه قسّم المجاز إلى الاستعارة وغيرها١، وعرّف الاستعارة بأن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر, مدعيا دخول المشبه في جنس المشبه به٢، وقسّم الاستعارة إلى المصرح بها، والمكني عنها، وعنَى بالمصرح بها أن يكون المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه به٣، وجعلها ثلاثة أضرب: تحقيقية، وتخييلية، ومحتملة للتحقيق والتخييل٤. وفسر التحقيقية بما مر٥، وعد التمثيل على سبيل الاستعارة منها. وفيه نظر؛ لأن التمثيل على سبيل الاستعارة لا يكون إلا مركبا كما سبق، فكيف يكون قسما من المجاز المفرد؟! ولو لم يقيِّد الاستعارة بالإفراد وعرّفها بالمجاز الذي أريد به ما شُبِّه بمعناه الأصلي مبالغة في التشبيه, دخل كل من التحقيقية والتمثيل في تعريف الاستعارة٦.

стр. 521

الاعتراض على السكاكي في تعريف التخييلية: ومنها أنه فسر التخييلية بما استُعمل في صورة وهمية محضة قدّرت مشابهة لصورة محققة هي معناه، كلفظ "الأظفار" في قول الهذلي١؛ فإنه لما شبّه المنية بالسبع في الاغتيال على ما تقدم، أخذ الوهم في تصويرها بصورته، واختراع مثل ما يلائم صورته ويتم به شكله لها من الهيئات والجوارح، وعلى الخصوص ما يكون قوام اغتياله للنفوس به؛ فاخترع للمنية صورة مشابهة لصورة الأظفار المحققة، فأطلق عليها اسمها٢. وفيه نظر؛ لأن تفسير التخييلية بما ذكره بعيد؛ لما فيه من التعسف٣، وأيضا فظاهر تفسير غيره لها بقولهم: "جعل الشيء للشيء كجعل لبيد٤ للشمال يدا" يخالفه؛ لاقتضاء تفسيره أن يجعل للشمال صورة متوهمة مثل صورة اليد، لا أن يجعل لها يدا؛ فإطلاق اسم اليد على تفسيره استعارة، وعلى تفسير غيره حقيقة، والاستعارة إثباتها للشمال، كما قلنا في المجاز العقلي الذي فيه المسند حقيقة

стр. 522

لغوية١ وأيضا فيلزمه أن يقول بمثل ذلك -أعني بإثبات صورة متوهَّمة- في ترشيح الاستعارة٢؛ لأن كل واحد من التخييلية والترشيح فيه إثبات بعض لوازم المشبه به المختصة به للمشبه, غير أن التعبير عن المشبه في التخييلية بلفظه الموضوع له، وفي الترشيح بغير لفظه٣، وهذا لا يفيد فرقا، والقول بهذا يقتضي أن يكون الترشيح ضربا من التخييلية، وليس كذلك٤. وأيضا فتفسيره للتخييلية أعم من أن تكون تابعة للاستعارة بالكناية، كما في بيت الهذلي٥، أو غير تابعة بأن يتخيل ابتداء صورة وهمية مشابهة لصورة محققة، فيستعار لها اسم الصورة المحققة، والثانية بعيدة جدا، ويدل على إرادته دخول الثانية في تفسير التخييلية أنه قال٦: "حسنها بحسب حسن المكنيّ عنها متى كانت تابعة لها، كما في قولك: "فلان بين أنياب المنية ومخالبها" وقلما تحسن الحسن البليغ غير تابعة لها؛ ولذلك استُهجنت في قول الطائي: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صَبّ قد استعذبت ماء بكائي٧

стр. 523

فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يريد بغير التابعة للمكني عنها التابعة لغير المكني عنها؟ قلنا: غير المكني عنها هي المصرح بها؛ فتكون التابعة لها ترشيح الاستعارة، وهو من أحسن وجوه البلاغة، فكيف يصح استهجانه؟ ". وأما قول أبي تمام فليس له فيه دليل؛ لجواز أن يكون أبو تمام شبه الملام بظَرْف الشراب؛ لاشتماله على ما يكرهه الملوم، كما أن الظرف قد يشتمل على ما يكرهه الشارب؛ لبشاعته أو مرارته؛ فتكون التخييلية في قوله تابعة للمكني عنها، أو بالماء نفسه١؛ لأن اللوم قد يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأُوام، فيكون تشبيها على حد "لُجَيْن الماء" فيما مر٢، لا استعارة. والاستهجان على الوجهين٣؛ لأنه كان ينبغي له أن يشبهه بظرف شراب مكروه، أو بشراب مكروه٤؛ ولهذا لم يُستهجَن نحو قولهم: "أغلظت لفلان القول، وجرّعته منه كأسا مُرَّة، أو سقيته أمرّ من العلقم"٥.

стр. 524

الاعتراض عليه في تعريف المكنية: ومنها أنه عنى بالاستعارة المكني عنها أن يكون المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه١، على أن المراد بالمنية في قول الهذلي٢ السبع، بادعاء السَّبُعية لها، وإنكار أن تكون شيئا غير السبع، بقرينة إضافة الأظفار إليها٣. وفيه نظر؛ للقطع بأن المراد بالمنية في البيت هو الموت لا الحيوان المفترس، فهو مستعمل فيما هو موضوع له على التحقيق، وكذا كل ما هو نحوه، ولا شيء من الاستعارات مستعملا كذلك، وأما ما ذكره في تفسير قوله: "من أنّا ندعي ههنا أن اسم المنية اسم للسبع، مرادف للفظ السبع بارتكاب تأول، وهو أن ندخل المنية في جنس السبع للمبالغة في التشبيه، ثم نذهب على سبيل التخييل إلى أن الواضع كيف يصح منه أن يضع اسمين لحقيقة واحدة ولا يكونا مترادفين، فيتهيأ لنا بهذا الطريق دعوى السبعية للمنية مع التصريح٤ بلفظ المنية" فلا يفيده؛ لأن ذلك لا يقتضي كون اسم المنية غير مستعمل فيما هو موضوع له على التحقيق من غير تأويل، فيدخل في تعريفه للحقيقة، ويخرج من تعريفه للمجاز٥، وكأنه -لما رأى علماء البيان يطلقون لفظ الاستعارة على نحو ما نحن فيه٦ وعلى أحد نوعي المجاز اللغوي- الذي هو اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي٧ -ويقولون: الاستعارة تنافي ذكر طرفي التشبيه- ظن أن مرادهم بلفظ "الاستعارة" عند الإطلاق وفي قولهم: "استعارة بالكناية" معنى واحد٨، فبنَى على ذلك ما تقدم٩.

стр. 525

الاعتراض على السكاكي في ردّ التبعية إلى المكنية: ومنها أنه قال في آخر فصل الاستعارة التبعية: "هذا ما أمكن من تلخيص كلام الأصحاب في هذا الفصل، ولو أنهم جعلوا قسم الاستعارة التبعية من قسم الاستعارة بالكناية، بأن قلَبوا فجعلوا -في قولهم: "نطقت الحال بكذا"- الحال -التي ذكرُها عندهم قرينة الاستعارة بالتصريح١- استعارة بالكناية عن المتكلم بوساطة المبالغة في التشبيه على مقتضى المقام، وجعلوا نسبة النطق إليه قرينة الاستعارة، كما تراهم في قوله: وإذا المنية أنشبت أظفارها٢ يجعلون المنية استعارة بالكناية عن السبع، ويجعلون إثبات الأظفار لها قرينة الاستعارة. وهكذا لو جعلوا البخل٣ استعارة بالكناية عن حي أُبطلتْ حياته بسيف أو غير سيف، فالتحق بالعدم، وجعلوا نسبة القتل إليه قرينة الاستعارة، ولو

стр. 526

جعلوا أيضا اللَّهْذَميات١ استعارة بالكناية عن المطعومات اللطيفة الشهية على سبيل التهكم، وجعلوا نسبة لفظ "القِرَى" إليها قرينة الاستعارة, لكان أقرب إلى الضبط"٢ هذا لفظه٣. وفيه نظر؛ لأن التبعية التي جعلها قرينة لقرينتها التي جعلها استعارة بالكناية؛ كـ "نطقتْ" في قولنا: "نطقت الحال بكذا" لا يجوز أن يقدرها حقيقةً حينئذ؛ لأنه لو قدرها حقيقة لم تكن استعارة تخييلية؛ لأن الاستعارة التخييلية عنده مجاز كما مر، ولو لم تكن تخييلية لم تكن الاستعارة بالكناية مستلزمة للتخييلية؛ واللازم باطل بالاتفاق٤؛ فيتعين أن يقدرها مجازا، وإذا قدرها مجازا لزمه أن يقدرها من قبيل الاستعارة؛ لكون العلاقة بين المعنيين هي المشابهة، فلا يكون ما ذهب إليه مغنيا عن قسمه الاستعارة إلى أصلية وتبعية, ولكن يستفاد مما ذكر رد التركيب في التبعية٥ إلى تركيب الاستعارة بالكناية على ما فسرناها٦، وتصير التبعية حقيقة واستعارة تخييلية؛ لما سبق أن التخييلية -على ما فسرناها٧- حقيقة لا مجاز.

стр. 527

فصل: شروط حسن الاستعارة وإذا قد عرفتَ معنى الاستعارة التحقيقية، والاستعارة التخييلية، والاستعارة بالكناية، والتمثيل على سبيل الاستعارة؛ فاعلم أن لحسنها شروطا إن لم تصادفها عريت عن الحسن، وربما تكتسب قبحا. وهي في كل من التحقيقية والتمثيل١: رعاية ما سبق ذكره من جهات حسن التشبيه٢، وأن لا يشم من جهة اللفظ رائحته٣؛ ولذلك يوصى فيه أن يكون الشبه بين طرفيها جليا بنفسه أو عرف أو

стр. 528

غيره١، وإلا صار تعمية وإلغازا، لا استعارة وتمثيلا، كما إذا قيل: "رأيت أسدا" وأُريد إنسان أبخر، وكما إذا قيل: "رأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة" وأُريد الناس٢، أو قيل: "رأيت عودا مستقيما أوان الغرس" وأريد إنسان مؤدب في صباه، وبهذا ظهر أنهما لا يجيئان في كل ما يجيء فيه التشبيه. ومما يتصل بهذا٣ أنه إذا قَوِي الشبه بين الطرفين بحيث صار الفرع كأنه الأصل لم يحسن التشبيه وتعيّنت الاستعارة٤، وذلك كالنور إذا شُبِّه العلم به، والظلمة إذا شبهت الشبهة بها؛ فإنه لذلك يقول الرجل إذا فهم المسألة: "حصل في قلبي نور"، ولا يقول: "كأن نورا حصل في قلبي"٥، ويقول لمن أوقعه في شبهة: "أوقعتني في ظلمة" ولا يقول: "كأنك أوقعتني في ظلمة". وكذا المكني عنها حسنها برعاية جهات حسن التشبيه٦. وأما التخييلية فحسنها بحسب حسن المكنيّ عنها؛ لما بيّنّا أنها لا تكون إلا تابعة لها.

стр. 529

فصل: المجاز بالحذف والزيادة واعلم أن الكلمة كما توصف بالمجاز لنقلها عن معناها الأصلي كما مضى؛ تُوصَف به أيضا لنقلها عن إعرابها الأصلي إلى غيره لحذف لفظ أو زيادة لفظ؛ أما الحذف فكقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١ أي: أهل القرية٢؛ فإعراب القرية في الأصل هو الجر، فحذف المضاف وأعطي المضاف إليه إعرابه، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٣ أي: أمر ربك٤. وكذا قولهم: "بنو فلان يطؤهم الطريق" أي: أهل الطريق. وأما الزيادة: فكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٥ على القول بزيادة الكاف٦, أي: ليس مثله شيء؛ فإعراب "مثله" في الأصل هو النصب، فزِيدت الكاف فصار جرا. فإن كان الحذف أو الزيادة لا يوجب تغيير الإعراب كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ٧ إذ أصله: أو كمثل ذوي صيِّب، فحذف "ذوي" لدلالة ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ عليه, وحذف "مثل" لما دل عليه عطفه على قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ؛ إذ لا يخفى أن التشبيه ليس بين صفة المنافقين العجيبة الشأن وذوات ذوي صيب٨, وكقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٩، وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ ١٠، فلا توصف الكلمة بالمجاز.

стр. 530

إنكار المجاز بالحذف والزيادة: وقد بالغ الشيخ عبد القاهر في النكير على من أطلق القول بوصف الكلمة بالمجاز للحذف أو الزيادة١.
следующие страницы →