Полный текст (710 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
جعلوا أيضا اللَّهْذَميات١ استعارة بالكناية عن المطعومات اللطيفة الشهية على سبيل التهكم، وجعلوا نسبة لفظ "القِرَى" إليها قرينة الاستعارة, لكان أقرب إلى الضبط"٢ هذا لفظه٣.
وفيه نظر؛ لأن التبعية التي جعلها قرينة لقرينتها التي جعلها استعارة بالكناية؛ كـ "نطقتْ" في قولنا: "نطقت الحال بكذا" لا يجوز أن يقدرها حقيقةً حينئذ؛ لأنه لو قدرها حقيقة لم تكن استعارة تخييلية؛ لأن الاستعارة التخييلية عنده مجاز كما مر، ولو لم تكن تخييلية لم تكن الاستعارة بالكناية مستلزمة للتخييلية؛ واللازم باطل بالاتفاق٤؛ فيتعين أن يقدرها مجازا، وإذا قدرها مجازا لزمه أن يقدرها من قبيل الاستعارة؛ لكون العلاقة بين المعنيين هي المشابهة، فلا يكون ما ذهب إليه مغنيا عن قسمه الاستعارة إلى أصلية وتبعية, ولكن يستفاد مما ذكر رد التركيب في التبعية٥ إلى تركيب الاستعارة بالكناية على ما فسرناها٦، وتصير التبعية حقيقة واستعارة تخييلية؛ لما سبق أن التخييلية -على ما فسرناها٧- حقيقة لا مجاز.
стр. 527
فصل: شروط حسن الاستعارة
وإذا قد عرفتَ معنى الاستعارة التحقيقية، والاستعارة التخييلية، والاستعارة بالكناية، والتمثيل على سبيل الاستعارة؛ فاعلم أن لحسنها شروطا إن لم تصادفها عريت عن الحسن، وربما تكتسب قبحا. وهي في كل من التحقيقية والتمثيل١: رعاية ما سبق ذكره من جهات حسن التشبيه٢، وأن لا يشم من جهة اللفظ رائحته٣؛ ولذلك يوصى فيه أن يكون الشبه بين طرفيها جليا بنفسه أو عرف أو
стр. 528
غيره١، وإلا صار تعمية وإلغازا، لا استعارة وتمثيلا، كما إذا قيل: "رأيت أسدا" وأُريد إنسان أبخر، وكما إذا قيل: "رأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة" وأُريد الناس٢، أو قيل: "رأيت عودا مستقيما أوان الغرس" وأريد إنسان مؤدب في صباه، وبهذا ظهر أنهما لا يجيئان في كل ما يجيء فيه التشبيه.
ومما يتصل بهذا٣ أنه إذا قَوِي الشبه بين الطرفين بحيث صار الفرع كأنه الأصل لم يحسن التشبيه وتعيّنت الاستعارة٤، وذلك كالنور إذا شُبِّه العلم به، والظلمة إذا شبهت الشبهة بها؛ فإنه لذلك يقول الرجل إذا فهم المسألة: "حصل في قلبي نور"، ولا يقول: "كأن نورا حصل في قلبي"٥، ويقول لمن أوقعه في شبهة: "أوقعتني في ظلمة" ولا يقول: "كأنك أوقعتني في ظلمة".
وكذا المكني عنها حسنها برعاية جهات حسن التشبيه٦.
وأما التخييلية فحسنها بحسب حسن المكنيّ عنها؛ لما بيّنّا أنها لا تكون إلا تابعة لها.
стр. 529
فصل: المجاز بالحذف والزيادة
واعلم أن الكلمة كما توصف بالمجاز لنقلها عن معناها الأصلي كما مضى؛ تُوصَف به أيضا لنقلها عن إعرابها الأصلي إلى غيره لحذف لفظ أو زيادة لفظ؛ أما الحذف فكقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١ أي: أهل القرية٢؛ فإعراب القرية في الأصل هو الجر، فحذف المضاف وأعطي المضاف إليه إعرابه، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٣ أي: أمر ربك٤. وكذا قولهم: "بنو فلان يطؤهم الطريق" أي: أهل الطريق.
وأما الزيادة: فكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٥ على القول بزيادة الكاف٦, أي: ليس مثله شيء؛ فإعراب "مثله" في الأصل هو النصب، فزِيدت الكاف فصار جرا.
فإن كان الحذف أو الزيادة لا يوجب تغيير الإعراب كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ٧ إذ أصله: أو كمثل ذوي صيِّب، فحذف "ذوي" لدلالة ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ عليه, وحذف "مثل" لما دل عليه عطفه على قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ؛ إذ لا يخفى أن التشبيه ليس بين صفة المنافقين العجيبة الشأن وذوات ذوي صيب٨, وكقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٩، وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ ١٠، فلا توصف الكلمة بالمجاز.
стр. 530
إنكار المجاز بالحذف والزيادة:
وقد بالغ الشيخ عبد القاهر في النكير على من أطلق القول بوصف الكلمة بالمجاز للحذف أو الزيادة١.
стр. 531
تمرينات على المجاز المرسل والاستعارة:
تمرين١:
١- بين ما فيه مجاز مرسل، وما فيه استعارة من هذين البيتين:
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة، ولحصد الزرع إبَّان
ولم يبق سوى العدوا ... ن دِنَّاهم كما دانوا
٢- ما نوع الاستعارة, وما قرينتها في قول الشاعر:
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا؟
تمرين٢:
١- وردت "دما" فيما يأتي مجازا مرسلا واستعارة؛ فبيِّنهما:
فتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دما ضحكت عنه الأحاديث والذكر
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
٢- كيف تجري الاستعارة بالكناية والاستعارة التخييلية في قول الشاعر:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدو في ثياب صديق؟
تمرين٣:
١- كيف جرت الاستعارة في العَلَم من قول الشاعر:
لقد حان توديع العميد وإنه ... حقيق بتشييع المحبين والعدا
فلِمَ لا نرى الأهرام يا نيل ميِّدا ... وفرعون عن واديك مرتحل غدا؟
٢- كيف تجري الاستعارة التمثيلية في قوله تعالى: ﴿الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ؟
تمرين٢:
بين الاستعارة المطلقة والمرشحة والمجردة في الأبيات الآتية:
١-
رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلد وهو للقلب جارح
стр. 532
٢-
إن التباعد لا يضر ... إذا تقاربت القلوب
٣-
إذا انتضل القول الأحاديث لم يكن ... عَيِيّا ولا ربا على من يقاعد
تمرين ٥:
١- لماذا قبحت الاستعارة في قول الشاعر:
بلوناك أما كعب عِرْضك في العلا ... فعالٍ وأما خد مالك أسفل؟
٢- لماذا كان المجاز المرسل في هذا البيت غير مفيد:
فبتنا جلوسا لدى مهرنا ... ننزع من شفتيه الصفارا؟
٣- لماذا استُحسنت الاستعارة التخييلية في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤] , واستُهجنت في قول أبي تمام:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صَبّ قد استعذبت ماء بكائي؟
تمرين ٦:
١- وازن بين الاستعارتين في قول الشاعر:
سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير
وقول الآخر:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
٢- ما هي علاقة المجاز المرسل في قول الشاعر:
فهمت الكتاب أبر الكتب ... فسمعًا لأمر أمير العرب؟
٣- لماذا عِيب على أبي تمام قوله:
يا دهر قَوِّمْ من أخدعيك فقد ... أضججتَ هذا الأنام من خَرِقك؟
стр. 533
الباب الثالث: القول في الكناية
تعريف الكناية:
الكناية: لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه حينئذ١؛ كقولك: "فلان طويل النجاد" أي: طويل القامة، و"فلانة نئوم الضحى" أي: مرفهة مخدومة غير محتاجة إلى السعي بنفسها في إصلاح المهمات؛ وذلك أن وقت الضحى وقت سعي نساء العرب في أمر المعاش وكفاية أسبابه وتحصيل ما يحتاج إليه في تهيئة المتناولات وتدبير إصلاحها؛ فلا تنام فيه من نسائهم إلا من تكون لها خدم ينوبون عنها في السعي لذلك.
ولا يمتنع أن يراد مع ذلك طول النجاد، والنوم في الضحى من غير تأويل٢؛ فالفرق بينها وبين المجاز من هذا الوجه؛ أي: من جهة إرادة المعنى٣ مع إرادة لازمه؛ فإن المجاز ينافي ذلك، فلا يصح في نحو قولك: "في الحمّام الأسد" أن تريد معنى الأسد من غير تأول؛ لأن المجاز ملزوم قرينة معاندة لإرادة الحقيقة كما عرفت، وملزوم معاند الشيء معاند لذلك الشيء٤.
وفرّق السكاكي وغيره بينهما بوجه آخر أيضا٥، وهو أن مبنى الكناية على الانتقال من اللازم إلى الملزوم، ومبنى المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللازم.
وفيه نظر؛ لأن اللازم ما لم يكن ملزوما يمتنع أن يُنتقَل منه إلى الملزوم٦، فيكون الانتقال حينئذ من الملزوم إلى اللازم.
ولو قيل: اللزوم من الطرفين من خواصّ الكناية دون المجاز، أو شرط لها دونه، اندفع هذا الاعتراض، لكن اتجه منع الاختصاص والاشتراط٧.
стр. 534
أقسام الكناية:
ثم الكناية ثلاثة أقسام؛ لأن المطلوب بها إما غير صفة ولا نسبة، أو صفة، أو نسبة. والمراد الصفة المعنوية؛ كالجود والكرم والشجاعة وأمثالها، لا النعت.
стр. 535
١- المطلوب بها غير صفة ولا نسبة:
الأولى: المطلوب بها غير صفة ولا نسبة١: فمنها ما هو معنى واحد؛ كقولنا: "المضياف" كناية عن زيد، ومنه قوله كناية عن القلب:
الضاربين بكل أبيض مِخْذَم ... والطاعنين مجامع الأضغان٢
ونحوه قول البحتري في قصيدته التي يذكر فيها قتله الذئب:
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد٣
فقوله: "بحيث يكون اللب والرعب والحقد" ثلاث كنايات لا كناية واحدة؛ لاستقلال كل واحد منها بإفادة المقصود٤.
ومنها: ما هو مجموع معانٍ؛ كقولنا كناية عن الإنسان: "حي مستوي القامة, عريض الأظفار"٥.
стр. 536
وشرط كل واحدة منهما١ أن تكون مختصّة بالمكنيّ عنه لا تتعدّاه؛ ليحصل الانتقال منها إليه.
وجعل السكاكي الأولى قريبة، والثانية بعيدة٢, وفيه نظر٣.
٢-المطلوب بها صفة:
الثاني: المطلوب بها صفة٤؛ وهي ضربان: قريبة، وبعيدة.
القريبة: ما يُنتقَل منها إلى المطلوب بها، لا بواسطة.
وهي إما واضحة؛ كقولهم كنايةً عن طويل القامة: "طويل نجاده، وطويل النجاد" والفرق بينهما أن الأول كناية ساذجة, والثاني كناية مشتملة على تصريح ما؛ لتضمن الصفة فيه ضمير الموصوف، بخلاف الأول٥. ومنها قول الحماسي:
стр. 537
أَبَتِ الرَّوَادِف والثُّدِيّ لقُمْصها ... مَسَّ البطون وأن تمس ظُهُورا١
وإما خفية: كقولهم كناية عن الأبله: "عريض القفا" فإن عرض القفا وعظم الرأس إذا أفرط -فيما يقال- دليل الغباوة٢؛ ألا ترى إلى قول طرفة بن العبد:
أنا الرجل الضَّرْب الذي تعرفونه ... خَشاش كرأس الحية المتوقد٣
والبعيدة: ما يُنتقَل منها إلى المطلوب بها بواسطة؛ كقولهم كناية عن الأبله: "عريض الوسادة" فإنه ينتقل من عرض الوسادة إلى عرض القفا، ومنه إلى المقصود. وقد جعله السكاكي من القريبة على أنه كناية عن عرض القفا، وفيه نظر٤.
وكقولهم: "كثير الرماد" كناية عن المضياف، فإنه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القُدُور، ومنها إلى كثرة الطبائخ، ومنها إلى كثرة الأَكَلَة، ومنها إلى كثرة الضِّيفان، ومنها إلى المقصود.
وكقوله:
стр. 538
وما يَكُ فيّ من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل١
فإنه ينتقل من جبن الكلب عن الهرير في وجه من يدنو من دار من هو بمرصد لأن يعسّ دونها؛ مع كون الهرير في وجه من لا يعرفه طبيعيا له، إلى استمرار تأديبه؛ لأن الأمور الطبيعية لا تتغير بموجب لا يقوى، ومن ذلك إلى استمرار موجب نباحه وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه، ومن ذلك إلى كونه مقصد أدان وأقاص، ومن ذلك إلى أنه مشهور بحسن قِرَى الأضياف. وكذلك ينتقل من هزال الفصيل إلى فقد الأم، ومنه إلى قوة الداعي إلى نحرها؛ لكمال عناية العرب بالنوق لا سيما المُتلِيات، ومنها إلى صرفها إلى الطبائخ، ومنها إلى أنه مضياف. ومن هذا النوع قول نُصيب:
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم مِنَن من ظاهره٢
فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره٣
وكلبك آنَس بالزائرين ... من الأم بالابنة الزائره
فإنه ينتقل من وصف كلبه بما ذكر، إلى أن الزائرين معارف عنده، ومن ذلك إلى اتصال مشاهدته إياهم ليلا ونهارا، ومنه إلى لزومهم سدته، ومنه إلى تسني مباغيهم لديه من غير انقطاع، ومنه إلى وفور إحسانه إلى الخاص والعام، وهو المقصود.
ونظيره مع زيادة لطف قول الآخر:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم٤
стр. 539
ومنه قوله:
لا أُمتِع العوذ بالفِصَال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل١
فإنه ينتقل من عدم إمتاعها إلى أنه لا يُبقي لها فصالها لتأنس بها، ويحصل لها الفرح الطبيعي بالنظر إليها، ومن ذلك إلى نحرها، أو لا يُبقي العوذ إبقاء على فصالها٢، وكذا قرب الأجل ينتقل منه إلى نحرها، ومن نحرها إلى أنه مضياف.
ومن لطيف هذا القسم٣ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ ٤؛ أي: ولما اشتدّ ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل؛ لأن من شأن من اشتدّ ندمه وحسرته أن يعضّ يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها؛ لأن فاه قد وقع فيها.
وكذا قول أبي الطيب كناية عن الكذب:
تشتكي ما اشتكيتُ من ألم الشو ... ق إليها والشوق حيث النحول٥
وكذا قوله:
إلى كم تَرُدّ الرُّسْل عما أتوا له ... كأنهم فيما وهبتَ مَلام٦
стр. 540
فإن أوله كناية عن الشجاعة، وآخره كناية عن السماحة.
وكذا قول أبي تمام:
فإن أنا لم يحمدك عني صاغرا ... عدوك، فاعلم أنني غير حامد١
يريد بحمده عنه حفظه مدحه فيه وإنشاده، أي: إن لم أكن أجيد القول في مدحك حتى يدعو حسنه عدوك أن يحفظه ويلهج به صاغرا؛ فلا تَعُدني حامدا لك بما أقول فيك. ووصفه بالصَّغار؛ لأن من يحفظ مديح عدوه وينشده فقد أذل نفسه، فكنى بحفظ عدو الممدوح مدحه له عن إجادته القول في مدحه٢.
وكذا قول من يصف راعي إبل أو غنم:
ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا٣
وقول الآخر:
صلب العصا بالضرب قد دَمَّاها٤
أي: جعلها كالدُّمى في الحسن.
والغرض٥ من قول الأول: "ضعيف العصا" وقول الثاني: "صلب العصا" -وهما وإن كانا في الظاهر متضادين- فإنهما كنايتان عن شيء واحد، وهو حسن الرعية والعمل بما يصلحها ويحسن أثره عليها، فأراد الأول أنه رفيق بها مشفق عليها, لا يقصد من حمل العصا أن يوجعها بالضرب من غير فائدة، فهو يتخير ما لان من العصا، وأراد الثاني أنه جيد الضبط لها، عارف بسياستها في الرعي، يزجرها عن المراعي التي لا تُحمَد ويتوخى بها ما تسمن عليه، ويتضمن أيضا أنه يمنعها عن التشرد والتبدد، وأنها -لما عرفت من شدة شكيمته وقوة عزيمته- تنساق في الجهة التي يريدها، وقوله: "بالضرب قد دماها" تورية حسنة٦، ويؤكد أمرها قوله: "صلب العصا".
стр. 541
٣- المطلوب بها نسبة:
الثالثة: المطلوب بها نسبة١؛ كقول زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضُربت على ابن الحشرج٢
فإنه حين أراد ألا يصرح بإثبات هذه الصفات لابن الحشرج جمعها في قبة؛ تنبيها
стр. 542
بذلك على أن محلها ذو قبة، وجعلها مضروبة عليه؛ لوجود ذوي قباب في الدنيا كثيرين، فأفاد إثبات الصفات المذكورة له بطريق الكناية١.
ونظيره قولهم: "المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه".
قال السكاكي٢: وقد يظن هذا من قسم "زيد طويل نجاده"٣، وليس بذاك؛ فـ "طويل نجاده" بإسناد "طويل" إلى النجاد تصريح بإثبات الطول للنجاد، وطول النجاد -كما نعرف- قائم مقام طول القامة، فإذا صرح من بعدُ بإثبات النجاد لزيد بالإضافة، كان ذلك تصريحا بإثبات الطول لزيد٤، فتأمل.
وكقول الآخر:
والمجد يدعو أن يدوم لجيده ... عقد مساعي ابن العميد نظامه٥
فإنه شبه المجد بإنسان بديع الجمال في ميل النفوس إليه، وأثبت له جيدا على سبيل الاستعارة التخييلية، ثم أثبت لجيده عقدا ترشيحا للاستعارة، ثم خص مساعي ابن العميد بأنها نظامه، فنبه بذلك على اعتنائه خاصة بتزيينه، وبذلك على محبته وحده له، وبها على اختصاصه به، ونبه بدعاء المجد أن يدوم لجيده ذلك العقد على طلبه دوام بقاء ابن العميد، وبذلك على اختصاصه به٦.
وكقول أبي نواس:
стр. 543
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير١
فإنه كنى عن جميع الجود بأن نكّره٢، ونفى أن يجوز ممدوحه ويحل دونه فيكون متوزعا, يقوم منه شيء بهذا وشيء بهذا، و"كنى" عن إثباته له بتخصيصه بجهته بعد تعريفه باللام التي تفيد العموم٣، ونظيره قولهم: "مجلس فلان مَظِنّة الجود والكرم" هذا قول السكاكي٤.
وقيل: كنَى بالشطر الأول عن اتصافه بالجود، وبالثاني عن لزوم الجود له، ويحتمل وجها آخر؛ وهو أن يكون كل منهما كناية عن اختصاصه به، وعدم الاقتصار على أحدهما للتأكيد والتقرير، وذكرهما على الترتيب المذكور؛ لأن الأولى بواسطة٥، بخلاف الثانية.
وكقولهم: "مثلك لا يبخل"، قال الزمخشري: نفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية؛ لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده وعمن هو على أخص أوصافه؛ فقد نفوه عنه، ونظيره قولك للعربي: "العرب لا تَخْفِر الذمم" فإنه أبلغ من قولك: "أنت لا تخفر".
ومنه قولهم: "أيفعتْ لِداتُه، وبلغت أترابه" يريدون: إيفاعه وبلوغه.
وعليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٦ على أحد الوجهين وهو أن لا تجعل الكاف زائدة، قيل: وهذا غاية لنفي التشبيه، إذ لو كان له مِثْل، لكان كمثله شيء
стр. 544
وهو ذاته تعالى، فلما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ دل على أنه ليس له مثل١. وأُورد أنه يلزم منه نفيه تعالى لأنه مثل مثله، ورُدّ بمنع أنه تعالى مثل مثله؛ لأن صدق ذلك موقوف على ثبوت مثله؛ تعالى عن ذلك.
وكقول الشنفرى الأزدي في وصف امرأة بالعفة:
فإنه نبه بنفي اللوم عن بيتها على انتفاء أنواع الفجور عنه، وبه على براءتها منها، وقال: "يبيت" دون "يظل" لمزيد اختصاص الليل بالفواحش، هذا على ما رواه الشيخ عبد القاهر والسكاكي٣، وفي الأغاني الكبير: "يحل بمنجاة".
وقد يظن أن هنا قسما رابعا، وهو أن يكون المطلوب بالكناية الوصف والنسبة معا، كما يقال: "يكثر الرماد في ساحة عمرو" في الكناية عن أن عمرا مضياف، وليس بذاك؛ إذ ليس ما ذُكر بكناية واحدة، بل هو كنايتان: إحداهما عن المضيافية، والثانية عن إثباتها لعمرو. وقد ظهر بهذا أن طرف النسبة المثبتة بطريق الكناية يجوز أن يكون مكنيا عنه أيضا كما في هذا المثال، ونحوه بيت الشنفرى المتقدم؛ فإن حلول البيت بمنجاة من اللوم كناية عن نسبة العفة إلى صاحبه، والمنجاة من اللوم كناية عن العفة٤.
стр. 545
الكناية العُرْضِيَّة "التعريض بالكناية ":
واعلم أن الموصوف في القسم الثاني والثالث١ قد يكون مذكورا كما مر، وقد يكون غير مذكور، كما تقول في عُرْض٢ من يؤذي المسلمين: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" أي: ليس المؤذي مسلما٣.
وعليه قوله تعالى في عرض المنافقين: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ٤ إذا فسر الغيب بالغيبة، أي: يؤمنون مع الغَيْبة عن حضرة النبي ﷺ أو أصحابه ﵃؛ أي: هدى للمؤمنين عن إخلاص، لا للمؤمنين عن نفاق.
أنواع الكناية:
التعريض والتلويح والرمز والإيماء والإشارة:
وقال السكاكي٥: الكناية تتفاوت إلى تعريض، وتلويح، ورمز، وإيماء،
стр. 546
وإشارة، فإن كانت عُرْضيّة فالمناسب أن تسمى تعريضا١، وإلا فإن كان بينها وبين المكني عنه مسافة متباعدة لكثرة الوسائط -كما في "كثير الرماد" وأشباهه- فالمناسب أن تسمى تلويحا؛ لأن التلويح هو أن تشير إلى غيرك عن بعد. وإلا فإن كان فيها نوع خفاء فالمناسب أن تسمى رمزا؛ لأن الرمز هو أن تشير إلى قريب منك على سبيل الخفية، قال:
رمزت إلي مخافة من بعلها ... من غير أن تُبدي هناك كلامها٢
وإلا, فالمناسب أن تسمى إيماء وإشارة؛ كقول أبي تمام يصف إبلا:
أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد٣
فإنه في إفادة أن أبا سعيد كريم غير خافٍ.
وكقول البحتري:
أوما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول٤
стр. 547
فإنه في إفادة أن آل طلحة أماجد ظاهر.
وكقول الآخر:
إذا الله لم يَسْقِ إلا الكرام ... فسقى وجوه بني حنبل
وسقى ديارهم باكرا ... من الغيث في الزمن الممحل١
وكقول الآخر:
متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم٢
ثم قال٣: "والتعريض كما يكون كناية قد يكون مجازا؛ كقولك: "آذيتني فستعرف" وأنت لا تريد المخاطب، بل تريد إنسانا معه٤، وإن أردتهما جميعا كان كناية"٥.
стр. 548
تمرينات على الكناية:
تمرين١:
وازن بين قول المتنبي في الكناية عن العفة:
إني على شغفي بما في خُمرها ... لأعف عما في سراويلاتها
وقول الشريف الرضي في الكناية عنها:
أحن إلى ما يضمن الخمر والحلي ... وأصدف عما في ضمان المآزر
تمرين٢:
١- بين ما يطلب بالكناية من أقسامها الثلاثة في قول الشاعر:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفِطَن
٢- وقفت امرأة على قيس بن سعد فقالت: "أشكو إليك قلة الفأر" فقال: "ما أحسن ما ورّت! املئوا بيتها خبزا وسمنا ولحما" فهل قول هذه المرأة كناية، أو تعريض، أو كناية وتعريض معا؟
تمرين٣:
١- من أي الكنايتين القريبة والبعيدة قول الشاعر:
أريد بسطة كف أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلا قِبَلي؟
٢- بين الكناية ونوعها في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
تمرين٤:
١- من أي أقسام الكناية قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣] ؟ ولماذا أُوثرت على التصريح باسمها أو بامرأة العزيز؟
٢- وازن بين الكناية السابقة, والكناية في قول الشاعر:
تقول التي من بينها خفّ مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير
стр. 549
تمرين٥:
١- ما المكنيّ عنه؟ وما نوع كنايته في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] ؟
٢- بين الكناية ونوعها في قول الشاعر:
أخو لحم أعارك منه ثوبا ... هنيئا بالقميص المستجدّ
وقد روي "أخو لحم" بالحاء المهملة.
٣- بين ما يطلب بالكناية من أقسامها الثلاثة في قول الشاعر:
أبيني أفي يُمنَى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالك
تمرين٦:
١- ما هو المطلوب من الكناية في قول الشاعر:
قوم ترى أرحامهم يوم الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان؟
٢- ما هو المطلوب من الكناية في قول الشاعر:
ولا زال بيت المُلك فوقك عاليا ... تُشَيّد أطناب له وعمود؟
تمرين٧:
١- ما هي فائدة تقسيم الكناية إلى ما يطلب بها موصوف, وما يطلب بها صفة, وما يطلب بها نسبة؟
٢- ما الفرق بين دلالة الحقيقة والمجاز والكناية ودلالة التعريض؟ وأيهما ألطف: دلالة التعريض أم دلالة الكناية؟
٣- هل الكناية العُرْضِيّة عين التعريض أو غيره؟ وإذا كانت غيره, فما الفرق بينهما مع توضيحه في مثال يجمعهما؟
стр. 550
تنبيه: الموازنة بين المجاز والحقيقة والكناية والتصريح
أطبق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة١.
وأن الاستعارة أبلغ من التصريح بالتشبيه.
وأن التمثيل على سبيل الاستعارة أبلغ من التمثيل لا على سبيل الاستعارة.
وأن الكناية أبلغ من الإفصاح بالذكر٢.
قال الشيخ عبد القاهر٣: "وليس ذلك٤؛ لأن الواحد من هذه الأمور يفيد زيادة في المعنى نفسه لا يفيدها خلافه، بل لأنه يفيد تأكيدا لإثبات المعنى لا يفيده خلافه، فليست فضيلة قولنا: "رأيت أسدا" على قولنا: "رأيت رجلا هو والأسد سواء في الشجاعة" أن الأول أفاد زيادة في مساواته للأسد في الشجاعة لم يفدها
стр. 551
الثاني، بل هي أن الأول أفاد تأكيدا لإثبات تلك المساواة له لم يفده الثاني، وليست فضيلة قولنا: "كثير الرماد" على قولنا: "كثير القِرَى" أن الأول أفاد زيادة لقراه لم يفدها الثاني، بل هي أن الأول أفاد تأكيدا لإثبات كثرة القرى له لم يفده الثاني.
والسبب في ذلك أن الانتقال في الجميع١ من الملزوم إلى اللازم؛ فيكون إثبات المعنى به كدعوى الشيء ببينة، ولا شك أن دعوى الشيء ببينة أبلغ في إثباته من دعواه بلا بينة.
ولقائل أن يقول: قد تقدم أن الاستعارة أصلها التشبيه، وأن الأصل في وجه الشبه أن يكون في المشبه به أتم منه في المشبه وأظهر؛ فقولنا: "رأيت أسدا" يفيد للمرئي شجاعة أتم مما يفيده قولنا: "رأيت رجلا كالأسد"؛ لأن الأول يفيد شجاعة الأسد، والثاني شجاعة دون شجاعة الأسد؟!
ويمكن أن يجاب عنه بحمل كلام الشيخ على أن السبب في كل صورة ليس هو ذلك، لا أن ذلك ليس بسبب في شيء من الصور أصلا٢
"هذا آخر الكلام في الفن الثاني"
стр. 552
تقسيم السكاكي للبلاغة: البلاغة والفصاحة عند السكاكي
وذكر السكاكي١ بعد الفراغ منه٢ تفسير البلاغة بما نقلناه عنه في صدر الكتاب٣، ثم قسم الفصاحة إلى: معنوية ولفظية.
وفسر المعنوية بخلوص المعنى عن التعقيد، وعَنَى بالتعقيد اللفظي على ما سبق تفسيره٤. وفسر اللفظية بأن تكون الكلمة عربية أصلية، وقال: "وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء الموثوق بعربيتهم أَدْوَر، واستعمالهم لها أكثر، لا مما أحدثه المولدون، ولا مما أخطأت فيه العامة، وأن تكون أجرى على قوانين اللغة، وأن تكون سليمة عن التنافر".
فجعل الفصاحة غير لازمة للبلاغة٥، وحصر مرجع البلاغة في الفنين٦، ولم يجعل الفصاحة مرجعا لشيء منهما٧.
стр. 553
ثم قال: "وإذ قد وقفت على البلاغة والفصاحة المعنوية واللفظية، فأنا أذكر على سبيل الأنموذج آية أكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين ما عسى يسترها عنك"، وذكر ما أورده الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١, وزاد عليه نكتا لا بأس بها، فرأيت أن أورد تلخيص ما ذكره, جاريا على اصطلاحه في معنى البلاغة والفصاحة:
قال: أما النظر فيها من جهة علم البيان فهو أنه -تعالى- لما أراد أن يبيِّن معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن يغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن يقضى أمر نوح -وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه- فقُضي، وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى؛ بنى الكلام على تشبيه المراد منه٢ بالمأمور الذي لا يتأتى منه -لكمال هيبته- العصيان، وتشبيه تكوين المراد٣ بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود، تصويرا لاقتداره تعالى، وأن السموات والأرض وهذه الأجرام العظام تابعة لإرادته، كأنهم عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره، وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده، ثم بنى على تشبيهه هذا نظم الكلام؛ فقال تعالى: ﴿وَقِيلَ﴾ على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل٤، وجعل قرينة المجاز خطاب الجماد، وهو: يا أرض ويا سماء، ثم قال: ﴿يَا أَرْضُ﴾ و ﴿وَيَا سَمَاءُ﴾ , مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة للشبه
стр. 554
المذكور١. ثم استعار لغَوْر الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم بجامع الذهاب إلى مقر خفي٢, واستتبع ذلك تشبيه الماء بالغذاء على طريق الاستعارة بالكناية؛ لتقوي الأرض بالماء في الإنبات للزرع والأشجار، وجعل قرينة الاستعارة لفظ "ابلعي"٣؛ لكونه موضوعا للاستعمال في الغذاء دون الماء، ثم أمر على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره٤، ثم قال: "ماءك" بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز؛ تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك، واستعار لحبس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل؛ للشبه بينهما في عدم ما كان، وخاطب في الأمرين٥ ترشيحا للاستعارة، ثم قال: " ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فلم يصرح بالغائض والقاضي والمسوي والقائل، كما لم يصرح بقائل ﴿يَا أَرْضُ﴾ و ﴿وَيَا سَمَاءُ﴾ سلوكا في كل واحد من ذلك سبيل الكناية أن تلك الأمور العظام٦ لا تتأتى إلا من ذي قدرة لا تُكتنه، قهار لا يُغالَب؛ فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون الفاعل لشيء من ذلك غيره. ثم ختم الكلام بالتعريض لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل٧ -ظلما
стр. 555
لأنفسهم- ختْم إظهار لمكان السخط، ولجهة استحقاقهم إياه١.
وأما النظر فيها من حيث علم المعاني -وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها، وجهة كل تقديم وتأخير بين جملها- فذلك أنه اختير "يا" دون سائر أخواتها؛ لكونها أكثر استعمالا، ولدلالتها على بعد المنادَى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة، ويؤذن بالتهاون به، ولم يقل: يا أرض بالكسر؛ تجنبا لإضافته التشريف تأكيدا للتهاون. ولم يقل: "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عما في "أيتها" من تكلف التنبيه غير المناسب للمقام؛ لكون المخاطَب غير صالح للتنبيه على الحقيقة٢. واختير لفظ "أرض" دون سائر أسمائها؛ لكونه أخف وأدور، واختير لفظ السماء لمثل ذلك مع قصد المطابقة٣. واختير ﴿ابْلَعِي﴾ على "ابتلعي" لكونه أخصر, ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿أَقْلِعِي﴾ أوفر٤، وقيل: ﴿مَاءَكِ﴾ بالإفراد دون الجمع؛ لدلالة الجمع على الاستكثار الذي يأباه مقام إظهار الكبرياء، وهو الوجه في إفراد الأرض والسماء، ولم يحذف مفعول ﴿ابْلَعِي﴾ لئلا يفهم ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وغيرها، نظرا إلى مقام ورود الأمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء، ثم إذ بيّن المراد اختصر الكلام على ﴿أَقْلِعِي﴾ فلم يقل: "أقلعي عن إرسال الماء" احترازا عن الحشو المستغنَى عنه من حيث الظاهر٥ وهو الوجه في أنه لم يقل: "يا أرض ابلعي ماءك فبلعتْ، ويا سماء أقلعي فأقلعتْ".
واختير ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ على "غُيِّض" المشددة؛ لكونه أخصر وأخف وأوفق
стр. 556
لـ "قيل"١، وقيل: ﴿الْمَاءُ﴾ دون أن يقال: "ماء طوفان السماء"، وكذا ﴿الْأَمْرُ﴾ دون أن يقال: "أمر نوح" للاختصار، ولم يقل: "سُوِّيتْ على الجودي" بمعنى أُقِرَّت على نحو: "قِيل وغِيض وقُضي" في بناء الفعل للمفعول؛ اعتبارا لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ مع قصد الاختصار٢. ثم قيل: ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ﴾ دون أن يقال: "ليبعد القوم" طلبا للتوكيد مع الاختصار، وهو نزول ﴿بُعْدًا﴾ منزلة "ليبعدوا بعدا" مع إفادة أخرى وهي استعمال اللام٣ مع "بعدا" الدال على معنى أن البعد حق لهم، ثم أُطلق الظلم ليتناول كل نوع حتى يدخل فيه ظلمهم لأنفسهم بتكذيب الرسل.
هذا من حيث النظر إلى الكَلِم٤, وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل؛ فذلك أنه قدم النداء على الأمر فقيل: "يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي" دون أن يقال: "ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء" جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه؛ ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك لمعنى الترشيح٥، ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء لابتداء الطوفان منها ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل، ثم أتبعها قوله: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ لاتصاله بقصة الماء، ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة وهو قوله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: أنجز الوعد من إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في السفينة، ثم أتبعه حديث السفينة، ثم ختمت القصة بما خُتمت.
هذا كله نظر في الآية من جانب البلاغة، وأما النظر فيها من جانب الفصاحة
стр. 557
المعنوية فهي -كما ترى- نَظْم للمعاني لطيف، وتأدية لها ملخّصة مبينة، لا تعقيد يُعْثِر الفكر في طلب المراد، ولا التواء يُشيك الطريق إلى المرتاد، بل ألفاظها تُسابق معانيها، ومعانيها تُسابق ألفاظها.
وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية؛ فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة، جارية على قوانين اللغة، سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذَبات١، سَلِسَة على الأسَلات٢، كل منها كالماء في السلاسة، وكالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة، والله أعلم.
стр. 558
الفهرس
تعريف علم البيان "٣٧٩-٥٦٤" ٣٧٩
٣٨٠ أقسام الدلالة
"٣٨٤-٤٥٥" الباب الأول: القول في التشبيه
٣٨٤ تعريف التشبيه
٣٨٥ تأثير التشبيه
٣٨٧ أسباب تأثير التشبيه
٣٩١ أركان التشبيه
٣٩١ طرفا التشبيه
٣٩٤ وجه التشبيه
٣٩٨ الوجه الداخل في الطرفين, والخارج عنهما
٣٩٩ الوجه الواحد وغيره, والحسي والعقلي
٤٠٠ الواحد الحسي, والواحد العقلي
٤٠١ المركب الحسي
٤٠٨ المركب العقلي
٤٠٩ دقيقة في الوجه المركب
٤١٠ المتعدد الحسي، المتعدد العقلي
٤١١ المتعدد المختلف، أداة التشبيه
٤١٣ الغرض من التشبيه: ما يعود إلى المشبه من أغراض التشبيه
٤٢٣ أقسام التشبيه باعتبار طرفيه
٤٢٣ تشبيه المفرد بالمفرد
стр. 559
٢٥ تشبيه المركب بالمركب
٤٢٨ تشبيه المركب بالمفرد
٤٢٨ التشبيه الملفوف والمفروق
٤٢٩ تشبيه التسوية والجمع
٤٣٠ أقسام التشبيه باعتبار وجهه
٤٣٠ التمثيل
٤٣٢ غير التمثيل، المجمل
٤٣٤ المفصل
٤٣٦ القريب المبتذل
٤٣٧ البعيد الغريب
٤٤٥ التشبيه البعيد هو التشبيه البليغ
٤٤٦ تحول القريب إلى بعيد
٤٤٩ أقسام التشبيه باعتبار أداته
٤٤٩ المؤكد
٤٥٠ المرسل
٤٥١ أقسام التشبيه باعتبار الغرض
٤٥١ المقبول, المردود
٤٥٢ خاتمة: مراتب التشبيه
"٤٥٦-٥٣٧" الباب الثاني: الحقيقة والمجاز
٤٢٦ تعريف الحقيقة
٤٥٧ تعريف الوضع
٤٥٩ إنكار الوضع
стр. 560
٤٥٨ تعريف المجاز وأقسامه
٤٦٠ أقسام الحقيقة والمجاز والمفرد, واشتقاق الحقيقة والمجاز
٤٦٢ تقسيم المجاز المفرد إلى مرسل, واستعارة المرسل وعلاقاته
٤٦٢ علاقة السببية والمجاورة
٤٦٥ علاقة الجزئية
٤٦٦ علاقة الكلية
٤٦٧ علاقة السببية أيضا
٤٦٨ علاقة المسببية
٤٧٠ علاقة اعتبار ما كان, علاقة اعتبار ما يكون
٤٧٠ المحلية
٤٧١ علاقة الحالية، علاقة الآلية
٤٧٢ المرسل الخالي عن الفائدة والمفيد
٤٧٥ الاستعارة: الاستعارة التصريحية:
٤٧٧ الفرق بين الاستعارة والتشبيه المؤكد
٤٨٢ التجريد ليس استعارة ولا تشبيها
٤٨٣ الاستعارة مجاز لغوي لا عقلي
٤٨٥ التوفيق بين الادعاء في الاستعارة, والقرينة المانعة
٤٨٧ الفرق بين الاستعارة والكذب
٤٨٧ الاستعارة لا تدخل في الأعلام
٤٨٨ قرينة الاستعارة
٤٨٩ تقسيمات الاستعارة
٤٨٩ أقسام الاستعارة باعتبار الطرفين
стр. 561
٤٩٢ أقسام الاستعارة باعتبار الجامع
٤٩٢ ما يدخل جامعها في مفهوم الطرفين
٤٩٤ ما يخرج جامعها عن مفهوم الطرفين
٤٩٨ أقسام الاستعارة, باعتبار الطرفين والجامع
٤٩٨ استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي
٤٩٩ استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي
٥٠٠ استعارة محسوس لمحسوس بوجه مختلف
٥٠١ استعارة معقول لمعقول
٥٠١، ٥٠٢ استعارة محسوس لمعقول, استعارة معقول لمحسوس
٥٠٢ أقسام الاستعارة باعتبار المستعار:
٥٠٢ الأصلية والتبعية
٥٠٦ أقسام الاستعارة باعتبار الخارج: المطلقة
٥٠٦ المجردة
٥٠٨ المرشحة
٥١٢ المجاز المركب, أو التمثيل
٥١٩ فصل: الاستعارة المكنية والتخييلية
٥٢٣ فصل: اعتراضات على السكاكي: الاعتراض عليه في تعريف الحقيقة والمجاز
٥٢٥ الاعتراض عليه في جعل التمثيل من المجاز المفرد
٥٢٦ الاعتراض عليه في تعريف التخييلية
٥٢٩ الاعتراض عليه في تعريف المكنية
٥٣٠ الاعتراض عليه في ردّ التبعية إلى المكنية
стр. 562
٥٣٢ فصل: شروط حُسن الاستعارة
٥٣٤ فصل: المجاز بالحذف والزيادة
٥٣٥ إنكار المجاز بالحذف والزيادة
٥٣٦ تمرينات على المجاز المرسل والاستعارة
"٥٣٨-٥٥٤" الباب الثالث: القول في الكناية
٥٣٨ تعريف الكناية
٥٣٩ أقسام الكناية
٥٤٠ المطلوب بها غير صفة ولا نسبة
٥٤١ المطلوب بها صفة
٥٤٦ المطلوب بها نسبة
٥٥٠ الكناية العرضية
٥٥٠ أنواع الكناية: التعريض والتلويح والرمز والإيماء والإشارة
٥٥٣ تمرينات على الكناية
٥٥٥ تنبيه: الموازنة بين المجاز والحقيقة والكناية والتصريح
٥٥٧ البلاغة والفصاحة عند السكاكي
٥٦٣ الفهرس
стр. 563
المجلد الرابع
الفن الثالث: علم البديع
مدخل
تعريف علم البديع: وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام١، بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة٢.
تقسيم المحسنات إلى معنوية ولفظية:
وهذه الوجوه ضربان: ضرب يرجع إلى المعنى٣، وضرب يرجع إلى اللفظ٤.
стр. 564
أقسام المحسن المعنوي:
المطابقة أو الطباق:
أما المعنوي فمنه المطابقة١، وتسمى الطباق والتضاد أيضا؛ وهي: الجمع بين
стр. 565
المتضادين؛ أي: معنيين متقابلين في الجملة١، ويكون ذلك إما بلفظين من نوع واحد اسمين، كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨] ، أو فعلين؛ كقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] ، وقول النبي ﵇ للأنصار: "إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع"، وقول أبي صخر الهذلي:
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر٢
وقول بشار:
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم٣
أو حرفين؛ كقوله تعالى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٤ [البقرة: ٢٨٦] .
وقول الشاعر:
على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا ليا٥
следующие страницы →