← Баляга

Баляга · id 10281

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة

عبد المتعال الصعيدي

Полный текст (710 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٤٩٢ أقسام الاستعارة باعتبار الجامع ٤٩٢ ما يدخل جامعها في مفهوم الطرفين ٤٩٤ ما يخرج جامعها عن مفهوم الطرفين ٤٩٨ أقسام الاستعارة, باعتبار الطرفين والجامع ٤٩٨ استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي ٤٩٩ استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي ٥٠٠ استعارة محسوس لمحسوس بوجه مختلف ٥٠١ استعارة معقول لمعقول ٥٠١، ٥٠٢ استعارة محسوس لمعقول, استعارة معقول لمحسوس ٥٠٢ أقسام الاستعارة باعتبار المستعار: ٥٠٢ الأصلية والتبعية ٥٠٦ أقسام الاستعارة باعتبار الخارج: المطلقة ٥٠٦ المجردة ٥٠٨ المرشحة ٥١٢ المجاز المركب, أو التمثيل ٥١٩ فصل: الاستعارة المكنية والتخييلية ٥٢٣ فصل: اعتراضات على السكاكي: الاعتراض عليه في تعريف الحقيقة والمجاز ٥٢٥ الاعتراض عليه في جعل التمثيل من المجاز المفرد ٥٢٦ الاعتراض عليه في تعريف التخييلية ٥٢٩ الاعتراض عليه في تعريف المكنية ٥٣٠ الاعتراض عليه في ردّ التبعية إلى المكنية

стр. 562

٥٣٢ فصل: شروط حُسن الاستعارة ٥٣٤ فصل: المجاز بالحذف والزيادة ٥٣٥ إنكار المجاز بالحذف والزيادة ٥٣٦ تمرينات على المجاز المرسل والاستعارة "٥٣٨-٥٥٤" الباب الثالث: القول في الكناية ٥٣٨ تعريف الكناية ٥٣٩ أقسام الكناية ٥٤٠ المطلوب بها غير صفة ولا نسبة ٥٤١ المطلوب بها صفة ٥٤٦ المطلوب بها نسبة ٥٥٠ الكناية العرضية ٥٥٠ أنواع الكناية: التعريض والتلويح والرمز والإيماء والإشارة ٥٥٣ تمرينات على الكناية ٥٥٥ تنبيه: الموازنة بين المجاز والحقيقة والكناية والتصريح ٥٥٧ البلاغة والفصاحة عند السكاكي ٥٦٣ الفهرس

стр. 563

المجلد الرابع الفن الثالث: علم البديع مدخل تعريف علم البديع: وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام١، بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة٢. تقسيم المحسنات إلى معنوية ولفظية: وهذه الوجوه ضربان: ضرب يرجع إلى المعنى٣، وضرب يرجع إلى اللفظ٤.

стр. 564

أقسام المحسن المعنوي: المطابقة أو الطباق: أما المعنوي فمنه المطابقة١، وتسمى الطباق والتضاد أيضا؛ وهي: الجمع بين

стр. 565

المتضادين؛ أي: معنيين متقابلين في الجملة١، ويكون ذلك إما بلفظين من نوع واحد اسمين، كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨] ، أو فعلين؛ كقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] ، وقول النبي ﵇ للأنصار: "إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع"، وقول أبي صخر الهذلي: أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر٢ وقول بشار: إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم٣ أو حرفين؛ كقوله تعالى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٤ [البقرة: ٢٨٦] . وقول الشاعر: على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا ليا٥

стр. 566

وإما بلفظين من نوعين؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي: ضالا فهديناه، وقول طفيل: بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول١ ومن لطيف الطباق قول ابن رشيق: وقد أطفئوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عَجَاج٢ وكذا قول القاضي الأرَّجانيّ: ولقد نزلت من الملوك بماجد ... فقر الرجال إليه مفتاح الغِنَى٣ وكذا قول الفرزدق: لعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يَفُون لجار يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار٤ وفي البيت الأول تكميل حسن٥؛ إذ لو اقتصر على قوله: "لا يغدرون" لاحتمل الكلام ضربا من المدح؛ إذ تجنب الغدر قد يكون عن عفة؛ فقال: "ولا يفون" ليفيد أنه للعجز، كما أن ترك الوفاء للؤم، وحصل مع ذلك إيغال حسن٦؛ لأنه لو اقتصر على قوله: "لا يغدرون ولا يفون" تم المعنى الذي قصده، ولكنه لما احتاج إلى القافية أفاد بها معنى زائدا، حيث قال: "لجار"؛ لأن ترك الوفاء للجار أشد قبحا من ترك الوفاء لغيره.

стр. 567

الطباق الظاهر والخفي: والطباق قد يكون ظاهرا كما ذكرنا، وقد يكون خفيا نوع خفاء؛ كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٢٥] ؛ طابق بين "أغرقوا" و"أدخلوا نارا". وقول أبي تمام: مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قَنَا الخَطّ إلا أن تلك ذوابل١ طابق بين "هاتا" و"تلك"٢. طباق الإيجاب وطباق السلب: والطباق ينقسم إلى طباق الإيجاب كما تقدم، وإلى طباق السلب؛ وهو الجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي، أو أمر ونهي؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٦، ٧] ، وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقول الشاعر:

стр. 568

ونُنكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول١ وقول البحتري: يقيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسري إلي الشوق من حيث أعلم٢ وقول أبي الطيب: ولقد عرفت وما عرفت حقيقة ... ولقد جهلت وما جهلت خمولا٣ وقول الآخر: خلقوا وما خلقوا لمكْرُمَة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا٤ قيل: ومنه٥ قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] ؛ أي: لا يعصون الله في الحال، ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل. وفيه نظر؛ لأن العصيان يضادّ فعل المأمور به، فكيف يكون الجمع بين نفيه وفعل المأمور به تضادا٦؟!

стр. 569

الطباق المسمى تدبيجا: ومن الطباق١ قول أبي تمام: تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر٢ وقول ابن حيّوس: طالما قلت للمسائل عنكم ... واعتمادي هداية الضلال إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقَهم يوم نائل أو نِزَال تلق بيض الوجوه سود مثار النـ ... ـقع خضر الأكناف حمر النصال٣ وقول الحريري: "فمذ ازوَرّ المحبوب الأصفر٤، واغبَرَّ العيش

стр. 570

الأخضر١، اسودّ يومي الأبيض، وابيض فَوْدي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق٢؛ فيا حبذا الموت الأحمر"٣. ومن الناس من سمى نحو ما ذكرناه تدبيجا، وفسره بأن يذكر في معنى من المدح أو غيره ألوان بقصد الكناية أو التورية٤؛ أما تدبيج الكناية فكبيت أبي تمام وبيتي ابن حيوس، وأما تدبيج التورية فكلفظ "الأصفر" في قول الحريري٥.

стр. 571

ما يلحق بالطباق: ويلحق بالطباق شيئان: أحدهما١ نحو قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ؛ فإن الرحمة مسبَّبة عن اللين٢ الذي هو ضد الشدة، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] , فإن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون، والعدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل؛ لأن الحركة ضربان: حركة لمصلحة، وحركة لمفسدة، والمراد الأولى لا الثانية. ومن فاسد هذا الضرب قول أبي الطيب: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو مساءة مجرم؟ ٣ فإن ضد المحب هو المبغض، والمجرم قد لا يكون مبغضا، وله وجه بعيد٤. والثاني ما يسمى إيهام التضاد٥ كقول دِعْبل: لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى٦ وقول أبي تمام: ما إن ترى الأحساب بيضا وُضّحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا٧ وقوله أيضا في الشيب: له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع٨ وقوله: وتنظري خَبَب الرِّكَاب ينُصّها ... محيي القَرِيض إلى مميت المال٩

стр. 572

المقابلة ومعناها: ودخل في المطابقة ما يُخَص باسم المقابلة؛ وهو أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو معانٍ متوافقة، ثم بما يقابلهما أو يقابلها على الترتيب، والمراد بالتوافق خلاف التقابل١. وقد تتركب المقابلة من طباق وملحق به. مثال مقابلة اثنين باثنين قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] وقول النبي ﵇: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزَع من شيء إلا شانه". وقول الذبياني: فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا٢

стр. 573

وقول الآخر: فواعجبا كيف اتفقنا؛ فناصح ... وفيّ، ومطويّ على الغِل غادر١ فإن الغل ضد النصح، والغدر ضد الوفاء. ومثال مقابلة ثلاثة بثلاثة, قول أبي دلامة: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل!! ٢ وقول أبي الطيب: فلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر٣ ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥-١٠] ؛ فإن المراد بـ "استغنى" أنه زهد فيما عند الله كأنه مستغنٍ عنه؛ فلم يتق، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة؛ فلم يتق٤. قيل: وفي قول أبي الطيب: أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي٥

стр. 574

مقابلة خمسة بخمسة؛ على أن المقابلة الخامسة بين "لي" و"بي". وفيه نظر؛ لأن اللام والباء فيهما صلتا الفعلين، فهما من تمامهما. وقد رجح بيت أبي الطيب على بيت أبي دلامة بكثرة المقابلة، مع سهولة النظم، وبأن قافية هذا ممكنة، وقافية ذاك مستدعاة؛ فإن ما ذكره غير مختص بالرجال١، وبيت أبي دلامة على بيت أبي الطيب بجودة المقابلة؛ فإن ضد الليل المحض هو النهار لا الصبح. ومن لطيف المقابلة ما حكي عن محمد بن عمران الطلحي إذ قال له المنصور: بلغني أنك بخيل. فقال: "يا أمير المؤمنين، ما أجمد في حق، ولا أذوب في باطل". وقال السكاكي٢: المقابلة أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما، ثم إذا شرطت هنا شرطا شرطت هناك ضده٣؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الآيتين [الليل: ٥، ٦] ، لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والإبقاء والتصديق، جعل ضده وهو التعسير مشتركا بين أضداد تلك؛ وهي المنع والاستغناء والتكذيب.

стр. 575

مراعاة النظير أو التناسب: ومنه مراعاة النظير؛ وتسمى التناسب والائتلاف والتوفيق أيضا، وهي أن يجمع في الكلام بين أمر وما يناسبه، لا بالتضاد١؛ كقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] ، وقول بعضهم للمهلبي الوزير: "أنت أيها الوزير إسماعيلي الوعد، شعيبي التوفيق، يوسفي العفو، محمدي الخُلُق"٢. وقول أسيد بن عنقاء٣ الفزاري: كأن الثريا علقت في جبينه ... وفي خده الشعرى وفي وجهه البدر٤ وقول الآخر في فرس: من جُلّنَار ناضر خده ... وأذنه من ورق الآس٥ وقول البحتري في صفة الإبل الأنضاء: كالقسي المعطفات بل الأسـ ... ـهم مَبْرِية بل الأوتار٦ وقول ابن رشيق:

стр. 576

أصح وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم١ فإنه ناسب فيه بين الصحة والقوة، والسماع والخبر المأثور، والأحاديث والرواية، ثم بين السيل والحيا، والبحر وكف تميم، مع ما في البيت الثاني من صحة الترتيب في العنعنة؛ إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر كما يقع في سند الأحاديث؛ فإن السيول أصلها المطر، والمطر أصله البحر على ما يقال٢؛ ولهذا جعل كف الممدوح أصلا للبحر مبالغة. ما يسمى من التناسب تشابه الأطراف: ومن مراعاة النظير ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف, وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى؛ كقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ، فإن اللطف يناسب ما لا يُدرَك بالبصر٣، والخبرة تناسب من يدرك شيئا؛ فإن من يدرك شيئا يكون خبيرا به، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤] ، قال: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ لينبه على أن ما له ليس لحاجة، بل هو غني عنه جواد به، فإذا جاد به حمده المنعَم عليه. ومن خفيّ هذا الضرب٤ قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ، فإن قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يوهم أن الفاصلة "الغفور الرحيم"، ولكن إذا أُنعم النظر عُلم أنه يجب أن تكون ما عليه التلاوة؛ لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه؛ فهو العزيز؛ لأن "العزيز" في صفات الله هو الغالب، من قولهم: "عزه يعزه عزا" إذا غلبه، ومنه المثل: "من عَزّ بَزّ" أي: من غلب سلب٥، ووجب أن يوصف بالحكيم أيضا؛ لأن الحكيم من يضع الشيء في محله، والله تعالى كذلك، إلا أنه قد يخفى وجه الحكمة في بعض أفعاله؛ فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة؛ فكان في الوصف بـ "الحكيم" احتراس حسن٦، أي: وإن تغفر لهم -مع استحقاقهم العذاب- فلا معترض عليك لأحد في ذلك، والحكمة فيما فعلته.

стр. 577

إيهام التناسب: ومما يُلْحَق بالتناسب نحو قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٥، ٦] ، ويسمى: إيهام التناسب١. إرجاع التفويف إلى التناسب والمطابقة: وأما ما يسميه بعض الناس التفويف, وهو أن يؤتى في الكلام بمعانٍ متلائمة في جمل مستوية المقادير أو متقاربتها؛ كقول من يصف سحابا: تسربل وشيا من خُزُوز تطرّزت ... مطارفها طُرْزا من البرق كالتبر فوشي بلا رقْم ونقش بلا يد ... ودمع بلا عين وضحك بلا ثغر٢

стр. 578

وكقول عنترة: إن يلحقوا أَكْرُر وإن يستلحقوا ... أشدد، وإن نزلوا بضنك أنزل١ وكقول ابن زيدون: تِهْ أحتمل، واحتكم أصبر، وعز أَهُنْ ... ودِلّ أخضع، وقل أسمع، ومر أطع٢ وكقول ديك الجن: احْلُ وامرُرْ وضر وانفع ولِنْ واخـ ... ـشن ورِشْ وابْرِ وانتدب للمعالي٣ فبعضه من مراعاة النظير٤، وبعضه من المطابقة٥.

стр. 579

الإرصاد أو التسهيم: ومنه الإرصاد، ويسمى التسهيم أيضا١. وهو أن يجعل قبل العَجُز من الفقرة أو البيت ما يدل على العَجُز إذا عُرف الرَّوِيّ٢. كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٣ [العنكبوت: ٤٠] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩] . وقول زهير: سَئِمْتُ تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم٤ وقول الآخر: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع٥ وقول البحتري: أبكيكما دمعا ولو أني على ... قدر الجوى أبكي بكيتكما دما٦ وقوله: أحَلّت دمي من غير جُرْم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي فليس الذي حللتِهِ بمُحَلَّل ... وليس الذي حرمتِهِ بحرام٧

стр. 580

المشاكلة: ومنه المشاكلة، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره؛ لوقوعه في صحبته١؛ تحقيقا، أو تقديرا. أما الأول فكقوله: قالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا٢ كأنه قال: خِيطوا لي. وعليه قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ٣ [المائدة: ١١٦] , وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٤ [الشورى: ٤٠] . ومنه قول أبي تمام: من مُبْلِغ أفناء يعرب كلها ... أني بنيت الجار قبل المنزل٥

стр. 581

وشهد رجل عند شريح فقال: "إنك لَسَبْط الشهادة"١ فقال الرجل: "إنها لم تجعَّد عني"٢؛ فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة، ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار، ولولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها. ومنه قول بعض العراقيين في قاضٍ شهد عنده برؤية هلال الفطر، فلم يقبل شهادته: أترى القاضي أعمى ... أم تراه يتعامى سرق العيد كأن الـ ... ـعيد أموال اليتامى٣ وأما الثاني: فكقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] وهو مصدر مؤكد٤ منتصب عن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ، والمعنى "تطهير الله"؛ لأن الإيمان يطهر النفوس، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية, ويقولون: هو تطهير لهم. فأُمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مِثل صبغتنا، وطهّرنا به تطهيرا لا مثل تطيرنا. أو يقول المسلمون: صبغنا الله بالإيمان صبغته ولم يصبغ صبغتكم، وجيء بلفظ الصبغة٥ للمشاكلة، وإن لم يكن قد تقدم لفظ الصبغ؛ لأن قرينة الحال التي هي سبب النزول من غمس النصارى أولادهم في الماء الأصفر دلت على ذلك؛ كما تقول لمن يغرس الأشجار: "اغرس كما يغرس فلان" تريد رجلا يصطنع الكرام٦.

стр. 582

الاستطراد: ومنه الاستطراد، وهو الانتقال من معنى إلى معنى آخر متصل به لم يُقصد بذكر الأول التوصل إلى ذكر الثاني١؛ كقول الحماسي: وإنا لقوم ما نرى القتيل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول٢ وقول الآخر: إذا ما اتقى اللهَ الفتى وأطاعه ... فليس به بأس وإن كان من جَرْم٣ وعليه قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] . قال الزمخشري: هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر السوءات وخصف الورق عليها؛ إظهارا للمنة فيما خلق الله من اللباس، ولما في العُرْي وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى. إيهام الاستطراد: هذا أصله٤، وقد يكون الثاني هو المقصود، فيُذكر الأول قبله ليُتوصل إليه، كقول أبي إسحاق الصابي: إن كنت خنتُكَ في المودة ساعة ... فذممتُ سيف الدولة المحمودا وزعمت أن له شريكا في العلا ... وجحدته في فضله التوحيدا قَسَمًا لو أني حالف بغَموسها ... لغريم دين ما أراد مزيدا٥ ولا بأس بأن يسمى هذا إيهام الاستطراد٦.

стр. 583

المزاوجة: ومنه المزاوجة، وهي أن يُزَاوَج بين معنيين١ في الشرط والجزاء٢, كقول البحتري: إذا ما نهى الناهي فلَجَّ بي الهوى ... أصاختْ إلى الوشي فلج بها الهَجْر٣ وقوله أيضا: إذا حتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها٤

стр. 584

العكس والتبديل: ومنه العكس والتبديل؛ وهو أن يقدم في الكلام جزء ثم يؤخر١. ويقع على وجوه: منها: أن يقع بين أحد طرفي جملة وما أُضيف إليه؛ كقول بعضهم: "عادات السادات سادات العادات". ومنها: أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين؛ كقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١] , وكقول الحماسي: فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا٢ : أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين؛ كقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] , وقوله: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ٥٢] , وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] . وقول الحسن البصري: "إن من خوّفك حتى تلقى الأمن خير ممن أمّنك حتى تلقى الخوف". وقول أبي الطيب: فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده٣ وقول الآخر:

стр. 585

الرجوع: ومنه الرجوع، وهو العَوْد على الكلام السابق بالنقض لنكتة١؛كقول زهير: قف بالديار التي لم يعفها القِدَم ... بلى وغيّرها الأرواح والدِّيَم٢ قيل: لما وقف على الديار تسلطت عليه كآبة أذهلته، فأخبر بما لم يتحقق، فقال: "لم يعفها القدم"، ثم ثاب إليه عقله فتدارك كلامه فقال: "بلى وغيّرها الأرواح والديم". وعلى هذا بيت الحماسة: أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليكِ! وكلا ليس منكِ قليل٣ ونحوه: فأف لهذا الدهر لا بل لأهله٤

стр. 586

التورية أو الإيهام: ومنه التورية، وتسمى الإيهام أيضا، وهو أن يطلق لفظ له معنيان١: قريب، وبعيد٢، ويراد به البعيد منهما٣. وهي ضربان: مجردة، ومرشحة. أما المجرد: فهي التي لا تجامع شيئا مما يلائم المورَّى به -أعني: المعنى القريب٤- كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ [طه: ٥] . وأما المرشحة: فهي التي قُرن بها ما يلائم المورَّى به: إما قبلها: كقوله تعالى:

стр. 587

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] أي: بقوة١. قيل: ومنه قول الحماسي: فلما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر فما أسلمتْنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وِتْر٢ فإن الإغضاء مما يلائم جفن العين لا جفن السيف، وإن كان المراد به إغماد السيوف؛ لأن السيف إذا أُغمِد انطبق الجفن عليه، وإذا جُرِّد انفتح الخلاء الذي بين الدفتين. وإما بعدها: كلفظ "الغزالة" في قول القاضي الإمام أبي الفضل عياض في صيفية باردة: كأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تَمُّوز أنواعا من الحُلَل أو الغزالة من طول المدى خَرِفت ... فما تُفرِّق بين الجَدْي والحَمَل٣

стр. 588

واعلم أن التوهم١ ضربان: ضرب يستحكم حتى يصير اعتقادا٢، كما في قوله: حملناهم طرا على الدُّهْم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان مَلَابس٣ وضرب لا يبلغ ذلك المبلغ، ولكنه شيء يجري في الخاطر وأنت تعرف حاله٤، كما في قول ابن الربيع: لولا التطير بالخلاف وأنهم ... قالوا: مريض لا يعود مريضا لقضيت نَحْبِي في فنائك ... خدمة لأكون مندوبا قضى مفروضا٥ ولا بد من اعتبار هذا الأصل٦ في كل شيء بُنِي على التوهم, فاعلم. وقال السكاكي٧: "أكثر متشابهات القرآن٨ من التورية".

стр. 589

الاستخدام: ومنه الاستخدام، وهو أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما، ثم بضميره معناه الآخر. أو يراد بأحد ضميريه أحدهما، وبالآخر الآخر١. فالأول كقوله: إن نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا٢ أراد بالسماء الغيث، وبضميرها النبت٣. والثاني كقول البحتري: فسقى الغَضَا والساكنِيهِ وإن هم ... شَبُّوه بين جوانح وضلوع٤ أراد بضمير الغضا في قوله: "والساكنيه" المكان، وفي قوله: "شبوه" الشجر٥.

стр. 590

اللف والنشر: ومنه اللف والنشر، وهو ذكر متعدد على جهة التفصيل أو الإجمال١، ثم "ذكر" ما لكل واحد من غير تعيين٢؛ ثقة بأن السامع يرده إليه. فالأول٣ ضربان؛ لأن النشر إما على ترتيب اللف، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٤ [القصص: ٧٣] . وقول ابن حيّوس: فعل المُدَام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه٥ وقول ابن الرومي: آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم

стр. 591

فيها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم١ وإما على غير ترتيبه، كقول ابن حيوس: كيف أسلو وأنتِ حِقْف وغصن ... وغزال لَحْظا وقَدّا ورِدْفا٢ وقول الفرزدق: لقد خنت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثِقْل مغرم٣ لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شَزْرا بالوشيج المقوَّم٤ والثاني٥ كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] ؛ فإن الضمير في "قالوا" لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والمعنى: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، والنصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فَلَفّ بين القولين٥ ثقة بأن السامع يردّ إلى كل فريق قوله، وأمنا من الإلباس؛ لِمَا عُلم من التعادي بين الفريقين، وتضليل كل واحد منهما لصاحبه.

стр. 592

الجمع: ومنه الجمع، وهو أن يُجمَع بين شيئين أو أشياء في حكم واحد١ كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] . وقول الشاعر: إن الشباب والفراغ والجِدَة ... مفسدة للمرء أي مفسده٢ ومنه قول محمد بن وهيب: ثلاثة تُشرق الدنيا ببهجتها: ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر٣ التفريق: ومنه التفريق، وهو إيقاع تباين٤ بين أمرين من نوع واحد في المدح أو غيره؛ كقوله: ما نَوَال الغَمَام وقت ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء فنوال الأمير بَدْرَة عين ... ونوال الغمام قَطْرة ماء٥ ونحو قوله: من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين أنت إذا جدت ضاحك أبدا ... وهو إذا جاد دامع العين٦

стр. 593

التقسيم: ومنه التقسيم؛ وهو ذكر متعدد، ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين١؛ كقول أبي تمام: فما هو إلا الوحي أو حدّ مرهف ... تميل ظباه أخدعي كل مائل٢ فهذا دواء الداء من كل عالم ... وهذا دواء الداء من كل جاهل٣ وقول الآخر: ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد٤ وقال السكاكي٥: وهو أن تذكر شيئا ذا جزأين أو أكثر، ثم تضيف إلى كل واحد من أجزائه ما هو له عندك؛ كقوله: أديبان في بلخ لا يأكلان ... إذا صحبا المرء غير الكبد فهذا طويل كظل القناة ... وهذا قصير كظل الوتد٦ وهذا يقتضي أن يكون التقسيم أعم من اللف والنشر٧.

стр. 594

الجمع مع التفريق: ومنه الجمع مع التفريق؛ وهو أن يُدخَل شيئان في معنى واحد، ويُفرَّق بين جهتي الإدخال؛ كقوله: فوجهك كالنار في ضوئها ... وقلبي كالنار في حرها١ شبه وجه الحبيب وقلب نفسه بالنار، وفرّق بين وجهي المشابهة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] .

стр. 595

الجمع مع التقسيم: ومنه الجمع مع التقسيم، وهو جمع متعدد تحت حكم، ثم تقسيمه، أو تقسيمه ثم جمعه؛ فالأول كقول أبي الطيب: حتى أقام على أرباض خَرْشَنة ... تشقى به الروم والصلبان والبِيَع١ للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا٢ جمع في البيت الأول شقاء الروم بالممدوح على سبيل الإجمال؛ حيث قال: "تشقى به الروم"، ثم قسم في الثاني وفصله. والثاني كقول حسان: قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع٣ قسم في البيت الأول صفة الممدوحين إلى ضر الأعداء ونفع الأولياء، ثم جمعهما في البيت الثاني حيث قال: "سجية تلك". ومن لطيف هذا الضرب قول الآخر: لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما سر من حادث أو ساء مطردا فقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجدّ خلاف الحالتين غدا٤ فقوله: "خلاف الحالتين" جمع لما قسّم لطيف، وقد ازداد لطفا بحسن ما بناه عليه من قوله: "فقد سكنتُ إلى أني وأنكم".

стр. 596

الجمع مع التفريق والتقسيم: ومنه الجمع مع التفريق والتقسيم١؛ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٥-١٠٨] . أما الجمع ففي قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فإن قوله: ﴿نَفْسٌ﴾ متعدد معنًى؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم، وأما التفريق ففي قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، وأما التقسيم ففي قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ إلى آخر الآية الثانية. وقول ابن شرف القيرواني: لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن فللخامل العَلْيا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبى وللخائف الأمن٢

стр. 597

التقسيم بمعنيين آخرين: وقد يطلق التقسيم على أمرين أحدهما: أن يذكر أحوال الشيء مضافا١ إلى كل حال ما يليق بها٢؛ كقول أبي الطيب: سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مُرْد٣ ثقال إذا لاقوا، خفاف إذا دُعُوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عُدّوا٤ وقوله أيضا: بدت قمرا ومالت خُوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا٥ ونحوه قول الآخر: سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا٦

стр. 598

والثاني: استيفاء أقسام الشيء بالذكر؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢] ، وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٤٩, ٥٠] . ومنه ما حُكي عن أعرابي وقف على حلقة الحسن١ فقال: "رحم الله من تصدق من فضل، أو آسى من كَفَاف، أو آثر من قوت" فقال الحسن: "ما ترك لأحد عذرا". ومثاله من الشعر قول زهير: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمي٢ وقول طريح: إن يعلموا الخير يُخفوه وإن علموا ... شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا٣ وقول أبي تمام في الأفشِين٤ لما أُحرق: صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجار٥ وقول نصيب: فقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعم، وفريق: لَيْمُنُ الله ما ندري٦ فإنه ليس في أقسام الإجابة غير ما ذُكر. وقول آخر: فهَبْها كشيء لم يكن، أو كنازح ... به الدار، أو من غيّبته المقابر٧

стр. 599

التجريد: ومنه التجريد، وهو أن يُنتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة؛ مبالغة في كمالها فيه١. وهو أقسام: منها نحو قولهم٢: "لي من فلان صديق حميم" أي: بلغ من الصداقة مبلغا صح

стр. 600

معه أن يستخلص منه صديق آخر. ومنها نحو قولهم١: "لئن سألت فلانا لتسألن به البحر". ومنها نحو قول٢ الشاعر: وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفَنِيق المُرَحَّل٣ أي: تعدو بي، ومعي من نفسي -لكمال استعدادها للحرب- مستلئم؛ أي: لابس لأمة. ومنها: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ ٤ [فصلت: ٢٨] ؛ فإن جهنم -أعاذنا الله منها- هي دار الخلد، لكن انتُزع منها مثلها، وجعل معدا فيها للكفار؛ تهويلا لأمرها. ومنها نحو قول٥ الحماسي: فلئن بقيت لأرحلَنَّ بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم٦
следующие страницы →