← Баляга

Баляга · id 10281

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة

عبد المتعال الصعيدي

Полный текст (710 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الجمع مع التفريق والتقسيم: ومنه الجمع مع التفريق والتقسيم١؛ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٥-١٠٨] . أما الجمع ففي قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فإن قوله: ﴿نَفْسٌ﴾ متعدد معنًى؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم، وأما التفريق ففي قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، وأما التقسيم ففي قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ إلى آخر الآية الثانية. وقول ابن شرف القيرواني: لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن فللخامل العَلْيا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبى وللخائف الأمن٢

стр. 597

التقسيم بمعنيين آخرين: وقد يطلق التقسيم على أمرين أحدهما: أن يذكر أحوال الشيء مضافا١ إلى كل حال ما يليق بها٢؛ كقول أبي الطيب: سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مُرْد٣ ثقال إذا لاقوا، خفاف إذا دُعُوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عُدّوا٤ وقوله أيضا: بدت قمرا ومالت خُوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا٥ ونحوه قول الآخر: سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا٦

стр. 598

والثاني: استيفاء أقسام الشيء بالذكر؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢] ، وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٤٩, ٥٠] . ومنه ما حُكي عن أعرابي وقف على حلقة الحسن١ فقال: "رحم الله من تصدق من فضل، أو آسى من كَفَاف، أو آثر من قوت" فقال الحسن: "ما ترك لأحد عذرا". ومثاله من الشعر قول زهير: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمي٢ وقول طريح: إن يعلموا الخير يُخفوه وإن علموا ... شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا٣ وقول أبي تمام في الأفشِين٤ لما أُحرق: صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجار٥ وقول نصيب: فقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعم، وفريق: لَيْمُنُ الله ما ندري٦ فإنه ليس في أقسام الإجابة غير ما ذُكر. وقول آخر: فهَبْها كشيء لم يكن، أو كنازح ... به الدار، أو من غيّبته المقابر٧

стр. 599

التجريد: ومنه التجريد، وهو أن يُنتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة؛ مبالغة في كمالها فيه١. وهو أقسام: منها نحو قولهم٢: "لي من فلان صديق حميم" أي: بلغ من الصداقة مبلغا صح

стр. 600

معه أن يستخلص منه صديق آخر. ومنها نحو قولهم١: "لئن سألت فلانا لتسألن به البحر". ومنها نحو قول٢ الشاعر: وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفَنِيق المُرَحَّل٣ أي: تعدو بي، ومعي من نفسي -لكمال استعدادها للحرب- مستلئم؛ أي: لابس لأمة. ومنها: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ ٤ [فصلت: ٢٨] ؛ فإن جهنم -أعاذنا الله منها- هي دار الخلد، لكن انتُزع منها مثلها، وجعل معدا فيها للكفار؛ تهويلا لأمرها. ومنها نحو قول٥ الحماسي: فلئن بقيت لأرحلَنَّ بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم٦

стр. 601

وعليه قراءة من قرأ: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] بالرفع، بمعنى: فحصلت سماء وردة. وقيل: تقدير الأول: "أو يموت مني كريم"١، والثاني: "فكانت منه٢ وردة كالدهان"، وفيه نظر٣. ومنها: نحو قوله٤: يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا٥ ونحوه قول الآخر: إن تلقني لا ترى غيري بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد٦ ومنها: مخاطبة الإنسان نفسه؛ كقول الأعشى: ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل٧ وقول أبي الطيب: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليُسعد النطق إن لم يُسعد الحال٨

стр. 602

المبالغة المقبولة: ومنه: المبالغة المقبولة١. والمبالغة أن يُدَّعَى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حدا مستحيلا أو مستبعدا؛ لئلا يُظَن أنه غير متناهٍ في الشدة أو الضعف، وتنحصر في: التبليغ، والإغراق، والغلوّ؛ لأن المدعى للوصف من الشدة أو الضعف إما أن يكون ممكنا في نفسه٢ أو لا. الثاني: الغلو٣. والأول إما أن يكون ممكنا في العادة أيضا٤ أو لا، الأول: التبليغ٥, والثاني: الإغراق٦. ١- أما التبليغ فكقول امرئ القيس: فعادى عِدَاء بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيُغسَل٧

стр. 603

وصف هذا الفرس بأنه أدرك ثورا وبقرة وحشيين في مضمار واحد ولم يعرق، وذلك غير ممتنع عقلا ولا عادة. ومثله قول أبي الطيب: وأصرع أي الوحش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب١ ٢- وأما الإغراق فكقول الآخر: ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونُتبعه الكرامة حيث مالا٢ فإنه ادعى أن جاره لا يميل عنه إلى جهة إلا وهو يُتبعه الكرامة، وهذا ممتنع عادة، وإن كان غير ممتنع عقلا. وهما٣ مقبولان. ٣- وأما الغلو: فكقول أبي نواس: وأخفتَ أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق٤ والمقبول منه أصناف:

стр. 604

أحدها: ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة، نحو لفظة "يكاد"١ في قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] . وفي قول الشاعر يصف فرسا: ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق٢ والثاني: ما تضمن نوعا حسنا من التخييل٣؛ كقول أبي الطيب: عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا٤ وقد جمع القاضي الأرجاني بينهما في قوله يصف الليل بالطول: يخيل لفي أن سُمِّر الشهب في الدجى ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني٥ والثالث: ما أخرج مخرج الهذل والخلاعة٦، كقول الآخر: أسكر بالأمس إن عزمت على الـ ... ـشرب غدا إن ذا من العَجَب٧

стр. 605

المذهب الكلامي: ومنه المذهب الكلامي١؛ وهو أن يورد المتكلم حجة لما يدعيه على طريق أهل الكلام٢؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٣ [الأنبياء: ٢٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ؛ أي: والإعادة أهون عليه من البدء، والأهون من البدء أدخل في الإمكان من البدء؛ وهو المطلوب٤. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] أي: القمر آفل، وربي ليس بآفل؛ فالقمر ليس بربي٥. وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] أي: أنتم تعذَّبون، والبنون لا يعذَّبون؛ فلستم ببنين له٦. ومنه قول النابغة يعتذر إلى النعمان:

стр. 606

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب لئن كنت قد بُلِّغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب١ ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أُحَكَّم في أموالهم وأُقَرَّب٢ كفعلك في قوم أراك اصطفيتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا يقول: أنت أحسنت إلى قوم فمدحوك، وأنا أحسن إلي قوم فمدحتهم، فكما أن مدح أولئك لك لا يعد ذنبا، فكذلك مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنبا٣.

стр. 607

حسن التعليل: ومنه حسن التعليل، وهو أن يدعى لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف١ غير حقيقي. وهو أربعة أقسام؛ لأن الوصف إما ثابت قصد بيان علته، أو غير ثابت أريد إثباته؛ والأول إما ألا يظهر له في العادة علة، أو يظهر له علة غير المذكورة، والثاني إما ممكن، أو غير ممكن. أما الأول٢ فكقول أبي الطيب: لم تحك نائلك السحاب وإنما ... حُمَّت به فصبيبها الرُّحَضَاء٣ فإن نزول المطر لا يظهر له في العادة علة٤. وكقول أبي تمام: لا تنكري عَطَلَ الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي٥ علل عدم إصابة الغنى الكريم بالقياس على عدم إصابة السيل المكان العالي كالطَّوْد العظيم، من جهة أن الكريم لاتصافه بعلو القدر كالمكان العالي، والغني لحاجة الخلق إليه كالسيل. ومن لطيف هذا الضرب قول أبي هلال العسكري: زعم البنفسج أنه كعِذَاره ... حسنا فَسَلّوا من قفاه لسانه٦ وقول ابن نباتة في صفة فرس: وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا

стр. 608

سرى خلف الصباح يطير مشيا ... ويطوي خلفه الأفلاك طيا فلما خاف وَشْك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا١ وأما الثاني٢ فكقول أبي الطيب: ما به قتل أعاديه ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب٣ فإن قتل الملوك أعداءهم في العادة لإرادة هلاكهم، وأن يدفعوا مضارهم عن أنفسهم؛ حتى يصفو لهم ملكهم من منازعتهم، لا لما ادعاه من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه، ومحبته أن يصدق رجاء الراجين بعثته على قتل أعدائه؛ لما علم أنه لما غدا للحرب غدت الذئاب تتوقع أن يتسع عليها الرزق من قتلاهم، وهذا مبالغة في وصفه بالجود، ويتضمن المبالغة في وصفه بالشجاعة على وجه تخييلي٤، أي: تناهى في الشجاعة حتى ظهر ذلك للحيوانات العجم، فإذا غدا للحرب رجت الذئاب أن تنال من لحوم أعدائه، وفيه نوع آخر من المدح وهو أنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق. وكقول أبي طالب المأموني في بعض الوزراء ببخارى:

стр. 609

مغرم بالثناء صَبّ بكسب المجد ... يهتز للسماح ارتياحا لا يذوق الإغفاء إلا رجاء ... أن يرى طيف مستميح رَوَاحا١ وكأن تقييده بالرواح ليشير إلى أن العفاة إنما يحضرون له في صدر النهار على عادة الملوك، فإذا كان الرواح قلوا؛ فهو يشتاق إليهم، فينام ليأنس برؤية طيفهم. وأصله من نحو قول الآخر: وإني لأستغشي وما بي نَعْسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا٢ وهذا غير بعيد أن يكون أيضا من هذا الضرب، إلا أنه لا يبلغ في الغرابة والبعد عن العادة ذلك المبلغ، فإنه قد يتصور أن يريد المُغْرَم المتيم إذا بعد عهده بحبيبه أن يراه في المنام، فيريد النوم لذلك خاصة. ومن لطيف هذا الضرب قول ابن المعتز: قالوا: اشتكت عينه، فقلت لهم: ... من كثرة القتل نالها الوَصَب حمرتها من دماء من قتلت ... والدم في النصل شاهد عجب٣ وقول الآخر: أتتني تؤنبني بالبكا ... فأهلا بها وبتأنيبها

стр. 610

تقول وفي قولها حشمة: ... أتبكي بعين تراني بها فقلت: إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها١ وذلك أن العادة في دمع العين أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب أو اعتراض الرقيب، ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب، لا ما جعله من التأديب على الإساءة باستحسان غير الحبيب. وأما الثالث٢ فكقول مسلم بن الوليد: يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجّى حذارك إنساني من الغرق٣ فإن استحسان إساءة الواشي ممكن، لكن لما خالف الناس فيه عقّبه بذكر سببه، وهو أن حذاره من الواشي منعه من البكاء، فسلم إنسان عينيه من الغرق في الدموع، وما حصّل ذلك فهو حسن. وأما الرابع٤ فكمعنى بيت فارسي ترجمته: لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق٥ فإن نية الجوزاء خدمته ممتنعة٦.

стр. 611

ما يلحق بحسن التعليل: ومما يلحق بالتعليل وليس به؛ لبناء الأمر فيه على الشك١ نحو قول أبي تمام: ربا شفعت ريح الصَّبَا لرياضها ... إلى المزن حتى جادها وهو هامع٢ كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبا فما ترقا لهن مدامع٣ وقول أبي الطيب: رحل العزاء برحلتي فكأنني ... أتبعته الأنفاس للتشييع٤ علة تصعيد الأنفاس في العادة هي التحسر والتأسف، لا ما جوز أن يكون إياه، والمعنى: رحل عني العزاء بارتحالي عنك؛ أي: معه أو بسببه٥، فكأنه لما كان الصدر محل الصبر، وكانت الأنفاس تتصعد منه, أيضا صار العزاء وتنفس الصعداء كأنهما نزيلان، فلما رحل ذلك كان حقا على هذا أن يشيعه قضاء لحق الصحبة. التفريع: ومنه التفريع، وهو أن يُثبت لمتعلق أمر حكم بعد إثباته لمتعلق له آخر٦ كقول الكميت: أحلامكم لسَقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفي من الكَلَب٧ فرَّع من وصفهم بشفاء أحلامهم لسقام الجهل وصفهم بشفاء دمائهم من داء الكَلَب.

стр. 612

تأكيد المدح بما يُشبه الذم: ومنه تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ وهو ضربان: أفضلهما: أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها؛ كقول النابغة الذبياني: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قِراع الكتائب١ أي: إن كان فلول السيف من قراع الكتائب من قبيل العيب، فأثبتَ شيئا من العيب على تقدير أن فلول السيف منه، وذلك محال؛ فهو في المعنى تعليق بالمحال؛ كقولهم: "حتى يبيضّ القار"؛ فالتأكيد فيه٢ من وجهين: أحدهما أنه كدعوى الشيء ببينة٣، والثاني أن الأصل في الاستثناء أن يكون متصلا٤، فإذا نطق المتكلم بـ "إلا" أو نحوها توهم السامع قبل أن ينطق بما بعدها أن ما يأتي بعدها مُخرَج مما قبلها، فيكون شيء من صفة الذم ثابتا، وهذا ذم، فإذا أتت بعدها صفة

стр. 613

مدح تأكّد المدح؛ لكونه مدحا على مدح، وإن كان فيه نوع من الخِلابة١. والثاني٢: أن يُثبَت لشيء صفة مدح، ويُعقَّب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له؛ كقوله ﷺ : "أنا أفصح العرب؛ بيد أني من قريش". وأصل الاستثناء في هذا الضرب أيضا أن يكون منقطعا، لكنه باقٍ على حاله لم يقدر متصلا٣؛ فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثاني من الوجهين المذكورين٤؛ ولهذا قلنا: الأول أفضل. ومنه قول النابغة الجعدي: فتى كمُلت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يُبقِي من المال باقيا٥ وأما قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا، إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦] ، فيحتمل الوجهين٦. وأما قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] , فيحتملهما٧، ويحتمل وجها ثالثا وهو أن يكون الاستثناء من أصله متصلا٨؛ لأن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، وأهل الجنة عن الدعاء بالسلامة أغنياء؛ فكان ظاهره من قبيل اللغو وفضول الكلام، لولا ما فيه من فائدة الإكرام. ومن تأكيد المدح بما يُشبه الذم ضرب ثالث؛ وهو أن يأتي الاستثناء فيه مفرغا٩؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦] ، أي: وما تعيب منا إلا أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإيمان بآيات الله، ونحوه قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [المائدة: ٥٩] ؛ فإن الاستفهام فيه للإنكار. واعلم أن الاستدراك في هذا الباب يجري مجرى الاستثناء، كما في قول أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني: هو البدر إلا أنه البحر زاخرا ... سوى أنه الضِّرْغام لكنه الوَبْل١٠

стр. 614

تأكيد الذم بما يشبه المدح: ومنه تأكيد الذم بما يشبه المدح، وهو ضربان: أحدهما: أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها فيها؛ كقولك: فلان لا خير فيه إلا أنه يسيء إلى من يحسن إليه١. وثانيهما: أن يُثبَت للشيء صفة ذم ويعقب بأداة استثناء تليها صفة ذم أخرى له؛ كقولك: فلان فاسق إلا أنه جاهل٢. وتحقيق القول فيهما على قياس ما تقدم٣.

стр. 615

الاستتباع: ومنه الاستتباع، وهو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر١؛ كقول أبي الطيب: نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لَهُنِّئت الدنيا بأنك خالد٢ فإنه مدحه ببلوغه النهاية في الشجاعة؛ إذ كثر قتلاه بحيث لو ورث أعمارهم لخُلِّد في الدنيا على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها، حيث جعل الدنيا مهنأة بخلوده، قال علي بن عيسى الربعي: وفيه وجهان آخران من المدح: أحدهما أنه نهب الأعمار دون الأموال٣، والثاني أنه لم يكن ظالما في قتل أحد من مقتوليه؛ لأنه لم يقصد بذلك إلا صلاح الدنيا وأهلها؛ فهم مسرورون ببقائه. الإدماج: ومنه الإدماج، وهو أن يُضمَّن كلام سِيق لمعنى معنًى آخر٤؛ فهو أعم من

стр. 616

الاستتباع١. ومثاله قول أبي الطيب: أُقَلِّب فيه أجفاني كأني ... أعد بها على الدهر الذنوبا٢ فإنه ضمَّن وصف الليل بالطول الشكاية من الدهر. وقول ابن المعتز في الخِيريّ: نفض العاشقون ما صنع الـ ... ـهجر بألوانهم على ورقه٣ فإن الغرض وصف الخيري بالصفرة، فأدمج الغزل في الوصف، وفيه وجه آخر من الحسن وهو إيهام الجمع بين متنافيين؛ أعني الإيجاز والإطناب؛ أما الإيجاز فمن جهة الإدماج، وأما الإطناب فلأن أصل المعنى أنه أصفر؛ فاللفظ زائد عليه لفائدة٤. ومنه قول ابن نباتة:

стр. 617

ولا بد لي من جَهْلة في وصاله ... فمن لي بِخِلّ أودِع الحلم عنده١ فإنه ضمّن الغزل الفخر بكونه حليما المكني عنه بالاستفهام عن وجود خل صالح لأن يودعه حلمه، وضمن الفخر بذلك -بإخراج الاستفهام مخرج الإنكار- شكوى الزمان لتغير الإخوان، حتى لم يبق فيهم من يصلح لهذا الشأن، ونبه بذلك على أنه لم يعزم على مفارقة حلمه جملة أبدا، ولكن إذا كان مريدا لوصل هذا المحبوب المستلزم للجهل المنافي للحلم؛ عزم على أنه إن وجد من يصلح لأن يودعه حلمه أودعه إياه؛ فإن الودائع تستعاد. قيل: ومنه قول الآخر يهنئ بعض الوزراء لما استُوزِر: أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم٢ فإنه أدمج شكوى الزمان وما هو عليه من اختلال الأحوال في التهنئة، وفيه نظر؛ لأن شكوى الزمان مصرح بها في صدره، فكيف تكون مدمجة؟ ولو عكس فجعل التهنئة مدمجة في الشكوى أصاب٣.

стр. 618

التوجيه: ومنه التوجيه؛ وهو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين١؛ كقول من قال لأعور يسمى عمرا: خاط لي عمرو قِبَاء ... ليت عينيه سواء٢ وعليه قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا﴾ [النساء: ٤٦] ، قال الزمخشري: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ حال من المخاطب، أي: اسمع وأنت غير مسمع، وهو قول ذو وجهين: يحتمل الذم؛ أي: اسمع منا مدعوّا عليك بـ: لا سمعت؛ لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكان أصم غير مسمع، قالوا ذلك اتكالا على أن قولهم: "لا سمعت" دعوى مستجابة، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك فكأنك لم تسمع شيئا، أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه؛ فسمعك عنه نابٍ، ويجوز على هذا٣ أن يكون "غير مسمع" مفعول "اسمع" أي: اسمع كلاما غير مسمع إياك؛ لأن أذنك لا تعيه نُبُوًّا عنه. ويحتمل المدح؛ أي: اسمع غير مسمع مكروها، من قولك: "أسمع فلان فلانا" إذا سَبّه. وكذلك قوله: ﴿وَرَاعِنَا﴾ يحتمل "راعنا نكلمك" أي: ارقبنا وانتظرنا، ويحتمل سبة؛ وهي كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي "راعينا"٤, فكانوا سخرية بالدين وهزؤا برسول الله ﷺ يكلمونه بكلام محتمل؛ ينوُون به الشتيمة والإهانة ويُظهرون به التوقير والاحترام٥. ثم قال: فإن قلت: كيف جاءوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعدما صرحوا وقالوا: "سمعنا وعصينا"؟ قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء، ويجوز أن يقولوه فيما بينهم، ويجوز ألا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا به جُعلوا كأنهم نطقوا به. قال السكاكي٦: ومنه متشابهات القرآن باعتبار٧.

стр. 619

الهَزْل الذي يراد به الجد: ومنه الهزل الذي يراد به الجد؛ وترجمته تغني عن تفسيره١. ومثاله قول الشاعر: إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب٢ ومنه قول امرئ القيس: وقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعّال٣

стр. 620

تجاهل العارف: ومنه تجاهل العارف، وهو كما سماه السكاكي١: "سوق المعلوم مساق غيره لنكتة"٢؛ كالتوبيخ في قول الخارجية: أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف٣

стр. 621

والمبالغة في المدح في قول البحتري: ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي١ أو في الذم في قول زهير: وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء٢؟ والتَّدَلُّه في الحب في قول الحسين بن عبد الله الغزي٣: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر٤ وقول ذي الرمة: أيا ظبية الوعساء بين جُلَاجل ... وبين النَّفَا أأنتِ أم أمّ سالم٥

стр. 622

والتحقير: في قوله تعالى في حق النبي ﷺ حكاية عن الكفار: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] ، كأن لم يكونوا يعرفون منه إلا أنه رجل ما. والتعريض١: في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍْ﴾ [سبأ: ٢٤] . وفي مجيء هذا اللفظ على الإبهام فائدة أخرى، وهي أنه يبعث المشركين على الفكر في حال أنفسهم وحال النبي ﷺ والمؤمنين، وإذا فكّروا فيما هم عليه من إغارات بعضهم على بعض, وسبْي ذراريهم واستباحة أموالهم، وقطع الأرحام، وإتيان الفروج الحرام، وقتل النفوس التي حرم الله قتلها، وشرب الخمر التي تُذْهِب العقول، وتحسن ارتكاب الفواحش، وفكروا فيما النبي ﵇ والمؤمنون عليه من صلة الأرحام، واجتناب الآثام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإطعام المساكين, وبر الوالدين، والمواظبة على عبادة الله تعالى, علموا٢ أن النبي ﵇ والمسلمين على هدى، وأنهم على الضلالة، فبعثهم ذلك على الإسلام، وهذه فائدة عظيمة.

стр. 623

القول بالموجَِب: ومنه القول بالموجِب ١ , وهو ضربان: أحدهما: أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء٢ أُثبت له حكم، فتُثبت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء، من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم له أو انتفائه عنه؛ كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ، فإنهم كنوا بالأعز عن فريقهم١، وبالأذل عن فريق المؤمنين، وأثبتوا للأعز الإخراج، فأثبت الله تعالى -في الرد عليهم- صفة العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، من غير تعرض لثبوت حكم الإخراج للموصوفين بصفة العزة, ولا لنفيه عنهم. والثاني: حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه٢؛ كقوله: قلت: ثقلت إذ أتيت مرارا ... قال: ثقلت كاهلي بالأيادي قلت: طولت، قال: لا بل تطولت ... وأبرمت، قال: حبل ودادي٣ والاستشهاد بقوله: "ثقلت وأبرمت" دون قوله: "طولت"٤. ومنه قول القاضي الأرجاني:

стр. 624

غالطتْني إذ كست جسمي الضنى ... كسوة عرّت من اللحم العظاما ثم قالت: أنت عندي في الهوى ... مثل عيني، صدقت لكن سَقاما١ وكذا قول ابن دويدة المغربي من أبيات يخاطب بها رجلا أودع بعض القضاة مالا، فادعى القاضي ضياعه: إن قال: قد ضاعت، فيصدق؛ إنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي٢ أو قال: قد وقعت، فيصدق إنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع٣ وقريب من هذا قول الآخر: وإخوان حسبتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي وقالوا: قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من وِدَادي٤ والمراد البيتان الأولان٥, ولك أن تجعل نحوهما ضربا ثالثا٦.

стр. 625

الاطراد: ومنه الاطراد١ وهو أن يأتي بأسماء الممدوح أو غيره وآبائه٢ على ترتيب الولادة، من غير تكلف في السبك؛ حتى تكون الأسماء في تحدرها كالماء الجاري في اطراده وسهولة انسجامه؛ كقول الشاعر: إن يقتلوك فقد ثللتَ عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب٣ وقول دريد بن الصمة: قتلنا بعبد الله خير لِدَاته ... ذُؤَاب بن أسماء بن زيد بن قارب٤ وفيه تعرض للمقتول به، ولشرف المقتول٥. قيل: لما سمعه عبد الملك بن مروان قال: "لولا القافية لبلغ به آدم"٦. ومنه قول النبي ﷺ : "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".

стр. 626

تمرينات على المحسنات المعنوية: تمرين١: بين نوع المحسن المعنوي, ووجه حسنه فيما يأتي: ١- فلا كَمَدِي يفنى ولا فيك رقة ... ولا عنكِ إقصار ولا فيكِ مطمع ٢- تشابه دمعانا غداة افتراقنا ... مشابهة في قصة دون قصة فوجنتها تكسو المدامع حمرة ... ودمعي يكسو حمرة اللون وجنتي ٣- فتى قسّم الأيام بين سيوفه ... وبين طَرِيفات المكارم والتُّلْد فسوّد يوما بالعَجَاج وبالردى ... وبيَّض يوما بالفضائل والمجد ٤- أباحت بنو مروان ظلما دماءنا ... وفي الله إن لم يُنصفوا حَكَم عدل ٥- إذا ما ركبنا قال ولدان بيتنا: ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب ٦- يقولون: لم يورث، ولولا تراثه ... لقد شركت فيه بكيل وأرحب ٧- خذها إذا أنشدت في القوم من ... صدورها عرفت منها قوافيها ٨- ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ٩- إن البخيل ملوم حيث كان ولـ ... ـكن الجواد على عِلَّاته هَرِم ١٠- وإذا ما بدا فأخجل بدرا ... لمعت كأسه فأخجل شمسا ١١- إذا أمطرت منهم ومنك سحابة ... فوابلهم طل وطلك وابل ١٢- لجنية أم غادة رفع السَّجْف ... لوحشية لا ما لوحشية شَنْف ١٣- وصاحب لما أتاه الغنى ... تاه ونفس المرء طماحه وقيل: هل أبصرت منه يدا ... تشكرها، قلت: ولا راحه ١٤- العقل أنت عقلتَه وسرحتَه ... وأحرتَ فيك دليله وأرحتَه آتيتَه الحجر الأصم ونحته ... والنجم يعبد فوقه أو تحته ١٥- ولحظه ومحياه وقامته ... بدر الدجى وقَضِيب البان والراح

стр. 627

١٦- حياتي وموتي في يديه وجنتي ... وناري ورَيِّي في الهوى وأُوامي ١٧- رأى المزن ما تعطي فضم على الأسى ... فؤادا كأن البرق فيه لهيب ١٨- أتوني فعابوا من أحب جهالة ... وذاك على سمع المحب خفيف ١٩- فما فيه عيب غير أن جفونه ... مِرَاض وأن الخصر منه ضعيف ٢٠- إلى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام ٢١- إن أكن مهديا لك الشعر إني ... لابن بيت تهدى له الأشعار ٢٢- ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان ٢٣- تزعم يا ظبي مساواتها ... ولست أبدي لك تفنيدا إن كان ما تزعم عارض لنا ... مقلتها واحك لنا الجِيدا ٢٤- أتُراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خِلْقة في المآق ٢٥- تثني عطفه خطرات دَلّ ... إذا لم تثنه نشوات راح يميل مع الوشاة وأي غصن ... رطيب لا يميل مع الرياح ٢٦- أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ يرجو شبابك وائل ٢٧- ما أبصرت عيناك أحسن منظر ... فيما يُرى من سائر الأشياء كالشامة الخضراء فوق الوجنة الـ ... ـحمراء تحت المقلة السواداء تمرين٢: من أي أقسام الطباق ما يأتي: ١- يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل الشر إحسانا ٢- ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دُعُوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عُدُّوا ٣- لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رِفْدا ٤- وقد كان يدعى لابس الصبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع؟

стр. 628

تمرين٣: تنزّه طرفي في تعابيرك الغُرّ ... وجال بها فكري من السطر للسطر فما خلتها إلا حدائق بهجة ... مكلّلة الأرجاء بالزهر والزهر ولكنها -أستغفر الله- نسخة ... مزينة الأرقام بالدر والتبر طربت بها لما فهمت نقوشها ... كما يطرب النشوان من لذة الخمر تمرين٤: بين المحسن المعنوي, ووجه حسنه في قول الشاعر: قاسوك بالغصن في التثني ... قياس جهل بلا انتصاف فذاك غصن الخلاف يدعى ... وأنت غصن بلا خلاف تمرين٥: من أي أقسام المبالغة ما يأتي: ١- كأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي ٢- منعت مهابتك القلوب كلامها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم ٣- كأن غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر طير في السماء محلق؟ تمرين٦: بين المحسن المعنوي في قول الشاعر: يا ذا الذي بصروف الدهر عيرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خَطَر أما ترى البحر تطفو فوقه جِيَف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر وفي السماء نجوم لا عداد لها ... وليس يُكسَف إلا الشمس والقمر

стр. 629

تمرين٧: من أي أقسام حسن التعليل ما يأتي: ١- ما زُلزلت مصر من كيد ألمّ بها ... لكنها رقصت من عدلكم طربا ٢- علمتني بهجرها الصبر عنها ... فهي مشكورة على التقبيح ٣- قد طَيَّب الأفواه طِيب ثنائه ... من أجل ذا تجد الثغور عذابا؟ تمرين٨: ١- من أي ضربي القول بالموجب قول الشاعر: شكا رمدا فقلت: عساه كلّت ... لواحظه من الفتكات فينا وقالوا: سيف مقلته تصدَّى ... فقلت: نعم لقتل العاشقينا؟ ٢- هل أحسن أبو نواس, أو أساء بذكر أم الأمين في مدحه بقوله: أصبحتَ يابن زبيدة بنة جعفر ... أملا لعَقْد حباله استحكام؟

стр. 630

المحسنات اللفظية: أقسام المحسن اللفظي: الجناس: الجناس التام وأقسامه: وأما اللفظي فمنه الجناس بين اللفظين؛ وهو تشابههما في اللفظ١. والتام منه أن يتفقا في أنواع الحروف٢، وأعدادها، وهيئاتها٣، وترتيبها؛ فإن كانا من نوع واحد -كاسمين- سمي مماثلا؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ٤ [الروم: ٥٥] ، وقول الشاعر: حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتال٥ الأول جمع إِجْل بالكسر، وهو القطيع من بقر الوحش، والثاني جمع أجَل والمراد به منتهى الأعمار. وقول أبي تمام:

стр. 631

إذا الخيل جابت قَسْطَلَ الحرب ... صدور العوالي في صدور الكتائب١ وإن كانا من نوعين كاسم وفعل سمي مستوفى، كقول أبي تمام أيضا: ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله٢ ونحوه قول الآخر: وسميته يحيى ليحيا فلم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل٣ والتام أيضا إن كان أحد لفظيه مركبا٤ سمي جناس التركيب, ثم إن كان المركب منهما مركبا من كلمة وبعض كلمة سمي مَرْفُوًّا٥؛ كقول الحريري: ولا تَلْهُ عن تَذْكار ذنبك وابكه ... بدمع يحاكي الوبل حال مصابه ومثل لعينيك الحِمَام ووقعه ... وروعة ملقاه ومطعم صابه٦

стр. 632

وإلا١؛ فإن اتفقا في الخط سمي متشابها، كقول أبي الفتح البستي: إذا ملك لم يكن ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه٢ وإن اختلفا سمي مفروقا، كقول أبي الفتح أيضا: كلكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا٣ ما الذي ضر مدير الجام ... لو جامَلَنَا٤ وقول الآخر: لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تبالغ قبل في تهذيبها فمتى عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها٥ ووجه حسن هذا القسم -أعني التام- حسن الإفادة، مع أن الصورة صورة الإعادة٦.

стр. 633

الجناس المحرف: وإن اختلفا في هيئات الحروف١, سمي مُحَرَّفا. ثم الاختلاف قد يكون في الحركة فقط، كالبُرد والبَرد في قولهم: "جُبَّة البُرد جُنَّة البَرد" وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢, ٧٣] قال السكاكي٢: وكقولك: "الجهول إما مفرِط أو مفرِّط"، والمشدد في هذا الباب يقوم مقام المخفف نظرا إلى الصورة، فاعلم٣. وقد يكون في الحركة والسكون؛ كقولهم: "البدعة شَرَك الشرك". وقول أبي العلاء: والحسن يظهر في بيتين رونقه ... بيت من الشِّعر أو بيت من الشَّعر٤ الجناس الناقص: وإن اختلفا في أعداد الحروف فقط٥؛ سمي ناقصا، ويكون ذلك على وجهين: أحدهما: أن يختلفا بزيادة حرف واحد في الأول؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٢٩, ٣٠] ، أو في الوسط؛ كقولهم: "جدي جهدي"٦. أو في الآخر كقول أبي تمام:

стр. 634

يمدون من أيدٍ عَوَاصٍ عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب١ وقول البحتري: لئن صدفَتْ عنا فرُبَّت أنفس ... صوادٍ إلى تلك الوجوه الصوادف٢ ومنه ما كتب به بعض ملوك المغرب إلى صاحب له٣ يدعوه إلى مجلس أنس له: أيها الصاحب الذي فارقت عيـ ... ـني ونفسي منه السنا والسناء٤ نحن في المجلس الذي يهب الرا ... حة والمسمع الغنى والغناء٥ نتعاطى التي تنسي من اللذ ... ة والرقة الهوى والهواء٦ فأتِهِ تُلْفِ راحة ومحيا ... قد أعدَّا لك الحيا والحياء٧ وربما يسمى هذا القسم -أعني الثالث٨- مُطَرَّفًا، ووجه حسنه أنك تتوهم قبل أن يرد عليك آخر الكلمة كالميم من "عواصم" أنها هي التي مضت، وإنما أُتي بها للتأكيد، حتى إذا تمكن آخرها في نفسك ووعاه سمعك، انصرف عنك ذلك التوهم؛ وفي هذا حصول الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها. الوجه الثاني: أن يختلفا بزيادة أكثر من حرف واحد؛ كقول الخنساء: إن البكاء هو الشفا ... ء من الجوى بين الجوانج٩ وربما سمي هذا الضرب مذيَّلا.

стр. 635

الجناس المضارع واللاحق: وإن اختلفا في أنواع الحروف اشتُرط ألا يقع الاختلاف بأكثر من حرف. ثم الحرفان المختلفان إن كانا متقاربين١ سمي الجناس مضارعا؛ ويكونان إما في الأول؛ كقول الحريري: "بيني وبين كِنِّي ليل دامس، وطريق طامس"، وإما في الوسط؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] وقول بعضهم: "البرايا أهداف البلايا", وإما في الآخر؛ كقول النبي ﷺ : "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة". وإن كانا غير متقاربين سمي لاحقا، ويكونان أيضا إما في الأول؛ كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] وقول بعضهم: "رب وَضِيّ غير رَضِيّ". وقول الحريري: "لا أعطي زمامي لمن يخفر ذِمَامي", وإما في الوسط؛ كقوله٢ تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] , وقوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٧, ٨] ، وإما في الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ﴾ ٣ [النساء: ٨٣] ، وقول البحتري: هل لما فات من تلاقٍ تلافي ... أم لشاكٍ من الصبابة شافي٤ وإن اختلفا في ترتيب الحروف سمي جناس القلب، وهو ضربان: قلب الكل؛ كقولهم: "حسامه فَتْح لأوليائه، حَتْف لأعدائه"، وقلب البعض؛ كما جاء في الخبر: "اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا" وقول بعضهم: "رحم الله امرأ أمسك ما بين فكيه، وأطلق ما بين كفيه". وعليه قول أبي الطيب: مُمَنَّعة مُنَعَّمة رَدَاح ... يكلف لفظها الطير الوقوعا٥
следующие страницы →