← Баляга

Баляга · id 10281

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة

عبد المتعال الصعيدي

Полный текст (710 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

إذا الخيل جابت قَسْطَلَ الحرب ... صدور العوالي في صدور الكتائب١ وإن كانا من نوعين كاسم وفعل سمي مستوفى، كقول أبي تمام أيضا: ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله٢ ونحوه قول الآخر: وسميته يحيى ليحيا فلم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل٣ والتام أيضا إن كان أحد لفظيه مركبا٤ سمي جناس التركيب, ثم إن كان المركب منهما مركبا من كلمة وبعض كلمة سمي مَرْفُوًّا٥؛ كقول الحريري: ولا تَلْهُ عن تَذْكار ذنبك وابكه ... بدمع يحاكي الوبل حال مصابه ومثل لعينيك الحِمَام ووقعه ... وروعة ملقاه ومطعم صابه٦

стр. 632

وإلا١؛ فإن اتفقا في الخط سمي متشابها، كقول أبي الفتح البستي: إذا ملك لم يكن ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه٢ وإن اختلفا سمي مفروقا، كقول أبي الفتح أيضا: كلكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا٣ ما الذي ضر مدير الجام ... لو جامَلَنَا٤ وقول الآخر: لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تبالغ قبل في تهذيبها فمتى عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها٥ ووجه حسن هذا القسم -أعني التام- حسن الإفادة، مع أن الصورة صورة الإعادة٦.

стр. 633

الجناس المحرف: وإن اختلفا في هيئات الحروف١, سمي مُحَرَّفا. ثم الاختلاف قد يكون في الحركة فقط، كالبُرد والبَرد في قولهم: "جُبَّة البُرد جُنَّة البَرد" وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢, ٧٣] قال السكاكي٢: وكقولك: "الجهول إما مفرِط أو مفرِّط"، والمشدد في هذا الباب يقوم مقام المخفف نظرا إلى الصورة، فاعلم٣. وقد يكون في الحركة والسكون؛ كقولهم: "البدعة شَرَك الشرك". وقول أبي العلاء: والحسن يظهر في بيتين رونقه ... بيت من الشِّعر أو بيت من الشَّعر٤ الجناس الناقص: وإن اختلفا في أعداد الحروف فقط٥؛ سمي ناقصا، ويكون ذلك على وجهين: أحدهما: أن يختلفا بزيادة حرف واحد في الأول؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٢٩, ٣٠] ، أو في الوسط؛ كقولهم: "جدي جهدي"٦. أو في الآخر كقول أبي تمام:

стр. 634

يمدون من أيدٍ عَوَاصٍ عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب١ وقول البحتري: لئن صدفَتْ عنا فرُبَّت أنفس ... صوادٍ إلى تلك الوجوه الصوادف٢ ومنه ما كتب به بعض ملوك المغرب إلى صاحب له٣ يدعوه إلى مجلس أنس له: أيها الصاحب الذي فارقت عيـ ... ـني ونفسي منه السنا والسناء٤ نحن في المجلس الذي يهب الرا ... حة والمسمع الغنى والغناء٥ نتعاطى التي تنسي من اللذ ... ة والرقة الهوى والهواء٦ فأتِهِ تُلْفِ راحة ومحيا ... قد أعدَّا لك الحيا والحياء٧ وربما يسمى هذا القسم -أعني الثالث٨- مُطَرَّفًا، ووجه حسنه أنك تتوهم قبل أن يرد عليك آخر الكلمة كالميم من "عواصم" أنها هي التي مضت، وإنما أُتي بها للتأكيد، حتى إذا تمكن آخرها في نفسك ووعاه سمعك، انصرف عنك ذلك التوهم؛ وفي هذا حصول الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها. الوجه الثاني: أن يختلفا بزيادة أكثر من حرف واحد؛ كقول الخنساء: إن البكاء هو الشفا ... ء من الجوى بين الجوانج٩ وربما سمي هذا الضرب مذيَّلا.

стр. 635

الجناس المضارع واللاحق: وإن اختلفا في أنواع الحروف اشتُرط ألا يقع الاختلاف بأكثر من حرف. ثم الحرفان المختلفان إن كانا متقاربين١ سمي الجناس مضارعا؛ ويكونان إما في الأول؛ كقول الحريري: "بيني وبين كِنِّي ليل دامس، وطريق طامس"، وإما في الوسط؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] وقول بعضهم: "البرايا أهداف البلايا", وإما في الآخر؛ كقول النبي ﷺ : "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة". وإن كانا غير متقاربين سمي لاحقا، ويكونان أيضا إما في الأول؛ كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] وقول بعضهم: "رب وَضِيّ غير رَضِيّ". وقول الحريري: "لا أعطي زمامي لمن يخفر ذِمَامي", وإما في الوسط؛ كقوله٢ تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] , وقوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٧, ٨] ، وإما في الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ﴾ ٣ [النساء: ٨٣] ، وقول البحتري: هل لما فات من تلاقٍ تلافي ... أم لشاكٍ من الصبابة شافي٤ وإن اختلفا في ترتيب الحروف سمي جناس القلب، وهو ضربان: قلب الكل؛ كقولهم: "حسامه فَتْح لأوليائه، حَتْف لأعدائه"، وقلب البعض؛ كما جاء في الخبر: "اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا" وقول بعضهم: "رحم الله امرأ أمسك ما بين فكيه، وأطلق ما بين كفيه". وعليه قول أبي الطيب: مُمَنَّعة مُنَعَّمة رَدَاح ... يكلف لفظها الطير الوقوعا٥

стр. 636

الجناس المقلوب المجَنَّح، والجناس المزدَوج: وإذا وقع أحد المتجانسين جناس القلب في أول البيت، والآخر في آخره سمي مقلوبا مجنحا١. وإذا ولي أحد المتجانسين الآخر سمي مزدوجا ومكررا ومرددا١ كقوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] ، وما جاء في الخبر: "المؤمنون هينون لينون"، وقولهم: "من طلب وَجَدّ وَجَدَ"، وقولهم: "من قرع بابا وَلَجّ وَلَجَ" وقولهم: "النبيذ بغير النغم غم، وبغير الدسم سم". وقوله: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب٢

стр. 637

ما يلحق بالجناس: واعلم أنه يلحق بالجناس شيئان: أحدهما: أن يجمع اللفظين الاشتقاق١ كقوله تعالى: " ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣] وقوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] , وقول النبي ﷺ : "الظلم ظلمات يوم القيامة"، وقول الشافعي -رضي الله عنه٢- وقد سُئل عن النبيذ: "أجمع أهل الحرمين على تحريمه", وقول أبي تمام: فيا دمع أنجدني على ساكني نجد٣

стр. 638

وقول البحتري: يعشى عن المجد الغبيّ ولن ترى ... في سؤدد أَرَبا لغير أريب١ وقول محمد بن وهيب: قسمت صروف الدهر بأسا ونائلا ... فمالُك موتور وسيفك واتر٢ والثاني: أن يجمعهما المشابهة؛ وهي ما يشبه الاشتقاق وليس به٣؛ كقوله تعالى: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] ، ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ، وقوله: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] . وقول البحتري: وإذا ما رياح جودك هبت ... صار قول العَذُول فيها هَبَاء٤

стр. 639

رد العَجُز على الصدر: ومنه رد العجز على الصدر؛ وهو في النثر أن يُجعل أحد اللفظين المكررين أو المتجانسين أو الملحقين بهما في أول الفقرة، والآخر في آخرها١؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، وقولهم: "الحيلة ترك الحيلة"٢، وكقولهم: "سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل", وكقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ، وكقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] . وفي الشعر أن يكون أحدهما٣ في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول، أو حشوه، أو آخره، أو صدر الثاني؛ فالأول كقوله: سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع٤ ونحوه قول الآخر: سُكْرَان سُكْر هوى وسكر مدامة ... أنَّى يُفيق فتى به سكران٥ والثاني كقول الحماسي:

стр. 640

تمتع من شَمِيم عَرَار نجد ... فما بعد العشية من عرار١ ونحوه قول أبي تمام: ولم يحفظ مضاعَ المجد شيءٌ ... من الأشياء كالمال المضاع٢ والثالث كقوله أيضا: ومن كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما٣ والرابع كقول الحماسي: وإن لم يكن إلا معرج ساعة ... قليلا؛ فإني نافع لي قليلها٤ والخامس كقول القاضي الأرَّجَاني: دعاني من مَلامكما سَفَاها ... فداعي الشوق قبلكما دعاني٥

стр. 641

وقول الآخر: سل سبيلا فيها إلى راحة النفـ ... ـس براح كأنها سلسبيل١ وقول الآخر: ذوائب سود كالعناقيد أُرسلت ... فمن أجلها منها النفوس ذوائب٢ والسادس كقول الآخر: وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانفِ البلابل باحتساء بلابل٣ والسابع كقول الحريري: فمشغوف بآيات المثاني ... ومفتون برنات المثاني٤

стр. 642

والثامن كقول القاضي الأرَّجاني: أمَّلتهم ثم تأملتهم ... فلاح لي أن ليس فيهم فَلَاح١ والتاسع كقول البحتري: ضرائب أبدعتَها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا٢ والعاشر كقول امرئ القيس: إذا المرء لم يخزُن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخَزَّان٣ وقول أبي العلاء المعري: لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يُهْجَر للإفراط في الخَصَر٤ والحادي عشر كقول الآخر: فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أَطَنِين أجنحة الذباب يَضِير٥ والثاني عشر كقول أبي تمام: وقد كانت البيض القواضب في ... بواتر فهي الآن من بعده بُتْر٦

стр. 643

السجع وأقسامه: ومنه السجع؛ وهو تواطؤ الفاصلتين١ من النثر على حرف واحد، وهذا معنى

стр. 644

قول السكاكي١: "الأسجاع في النثر كالقوافي في الشعر". وهو ثلاثة أضرب: مطرَّف، ومتوازٍ، وترصيع. السجع المطرف: لأن الفاصلتين إن اختلفتا في الوزن٢ فهو السجع المطرف٣ كقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٣, ١٤] . الترصيع: وإلا فإن كان ما في إحدى القرينتين٤ من الألفاظ أو أكثر ما فيها مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن والتقفية؛ فهو الترصيع؛ كقول الحريري: "فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه" وكقول أبي الفضل الهمذاني: "إن بعد الكدر صفوا، وبعد المطر صحوا", وقول أبي الفتح البستي: "ليكن إقدامك توكلا، وإحجامك تأملا". السجع المتوازي: وإلا فهو السجع المتوازي؛ كقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣,١٤] وفي دعاء النبي ﷺ : "اللهم إني أدرأ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم". شروط حسن السجع: وشرط حسن السجع اختلاف قرينتيه في المعنى كما مر٥، لا كقول ابن عباد في مهزومين: "طاروا واقين بظهورهم صدورهم،

стр. 645

وبأصلابهم نحورهم". قيل: وأحسن السجع ما تساوت قرائنه١ كقوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨، ٢٩، ٣٠] . ثم ما طالت٢ قرينته الثانية، كقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١, ٢] ، أو الثالثة، كقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ٣ [الحاقة: ٣٠, ٣١] وقول أبي الفضل الميكالي: "له الأمر المطاع، والشرف اليَفَاع، والعِرْض المصون، والمال المضاع". وقد اجتمعا٤ في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١-٣] . ولا يحسن أن تُولَى قرينةٌ قرينةً أقصر منها كثيرا٥؛ لأن السمع إذا استوفى أمده من الأولى لطولها، ثم جاءت

стр. 646

الثانية أقصر منها كثيرا يكون كالشيء المبتور، ويبقى السامع كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثَر دونها، والذوق يشهد بذلك، ويقضي بصحته. السجع القصير، والطويل، والمتوسط: ثم السجع إما قصير، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا، فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ١, ٢] . أو طويل١, كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٣, ٤٤] . أو متوسط, كقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١، ٢] . ومن لطيف السجع قول البديع الهمذاني من كتاب له إلى ابن فريغون٢: "كتابي والبحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه، فقد تصورت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته، فقد لقيني صيته، ومن رأى من السيف أثره، فقد رأى أكثره"٣.

стр. 647

سكون أعجاز الفواصل ١: واعلم أن فواصل الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز، موقوفا عليها؛ لأن الغرض أن يزاوج بينها، ولا يتم ذلك في كل صورة إلا بالوقف، ألا ترى أنك لو وصلتَ قولهم: "ما أبعد ما فات، ما أقرب ما هو آتٍ" لم يكن بد من إجراء كل من الفاصلتين على ما يقتضيه حكم الإعراب، فيفوت الغرض من السجع، وإذا رأيتهم يُخرجون الكلم عن أوضاعها للازدواج في قولهم: "إني لآتيه بالغدايا والعشايا" أي: بالغُدُوات٢، فما ظنك بهم في ذلك؟ الخلاف في إطلاق السجع في القرآن والشعر: وقيل: إنه لا يقال: "في القرآن أسجاع" وإنما يقال: "فواصل"٣. وقيل: السجع غير مختص بالنثر، ومثاله من الشعر٤ قول أبي تمام: تجلى به رشدي، وأثرت به يدي ... وفاض به ثِمْدي، وأورى به زندي٥

стр. 648

وكذا قول الخنساء: حامي الحقيقة، محمود الخليقة، مهـ ... ـدي الطريقة، نفّاع وضرّار١ وكذا قول الآخر: ومكارم أوليتها متبرعا ... وجرائم ألغيتَها متورعا٢ وهو٣ ظاهر التكلف٤. وهذا القائل لا يشترط التقفية في العَروض والضرب٥؛ كقوله: وزند ندى فواضله وَرِيّ ... ورَنْد ربا فضائله نضير٦

стр. 649

التشطير: ومن السجع على هذا القول١ ما يسمى التشطير، وهو أن يجعل كل من شطري البيت سجعة مخالفة لأختها٢؛ كقول أبي تمام: تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتقب٣ التصريع: ومنه ما يسمى التصريع، وهو جعل العروض مقفّاة تقفية الضرب؛ كقول أبي فراس: بأطراف المثقفة العوالي ... تفردنا بأوساط المعالي٤ وهو مما استحسن، حتى إن أكثر الشعر صُرِّع البيت الأول منه٥؛ ولذلك متى خالفت العروض الضرب في الوزن؛ جاز أن تُجعل موازنة له إذا كان البيت مصرعا؛ كقول امرئ القيس: ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن من كان في العصر الخالي٦

стр. 650

أتى بعَروض الطويل "مفاعلن"، وذلك لا يصح إذا لم يكن البيت مصرعا١، ولهذا خُطِّئ أبو الطيب في قوله: تفكره علم، ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظَرْف٢ الموازنة، والمماثلة: ومنه الموازنة، وهي أن تكون الفاصلتان٣ متساويتين في الوزن دون التقفية، كقوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ٤ [الغاشية: ١٥، ١٦] . فإن كان ما في إحدى القرينتين من الألفاظ، أو أكثر ما فيها، مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن خُص باسم المماثلة، كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ، وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٧، ١١٨] . وقول أبي تمام: مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قَنَا الخَطّ إلا أن تلك ذوابل٥ وقول البحتري:

стр. 651

فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا١ القلب: ومنه القلب٢، كقولك: "أرض خضراء"، وقول عماد الدين الكاتب للقاضي الفاضل: "سر فلا كبا بك الفرس". وجواب القاضي: "دام علا العماد". وقول القاضي الأرجاني: مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم٣

стр. 652

وفي التنزيل: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] ، وفيه: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] . التشريع: ومنه التشريع، وهو بناء البيت على قافيتين يصح المعنى على الوقوف على كل واحدة منهما١؛ كقول الحريري: يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شَرَك الردى وقَرارة الأكدار٢

стр. 653

الأبيات. لزوم ما لا يلزم: ومنه لزوم ما لا يلزم؛ وهو أن يجيء قبل حرف الروي وما في معناه من الفاصلة ما ليس بلازم في مذهب السجع١؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ، وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١، ٢٠٢] ، وقوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩، ١٠] ، وقول الشاعر: سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت رأى خَلَّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت٢ وقول الآخر: يقولون: في البستان للعين لذة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسن إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن٣

стр. 654

وقد يكون ذلك في غير الفاصلتين أيضا١؛ كقول الحريري: "وما اشتار العسل من اختار الكسل". أصل الحسن في القسم اللفظي: وأصل الحسن في جميع ذلك -أعني القسم اللفظي- كما قال الشيخ عبد القاهر٢ هو أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني٣؛ فإن المعاني إذا أُرسلت على سجيتها، وتُركت وما تريد، طلبت لأنفسها الألفاظ، ولم تكتسِ إلا ما يليق بها؛ فإن كان خلاف ذلك كان كما قال أبو الطيب: إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب٤

стр. 655

وقد يقع في كلام بعض المتأخرين ما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع، على أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليُبِين، ويخيل إليه أنه إذا جمع عدة من أقسام البديع في بيت؛ فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خَبْط عَشْواء١.

стр. 656

تمرينات على المحسنات اللفظية: تمرين ١: بين نوع المحسن اللفظي, ووجه حسنه فيما يأتي: ١- سلسل خطوطك ما غدا ... شاطي الجِمَام الزرق بالأغصان واسجع بشعرك ما غدا متصلصلا ... شادي الحمام الوُرْق بالألحان ٢- هلال في إضاءته حياء ... شهاب في سماحته اتقاد ٣- لم يقض من حقكم بعض الذي ... قلب متى ما جرى ذكراكم يجب ٤- أسكرني باللفظ والمقلة الـ ... ـكحلاء والوجنة والكاس ساق يُريني قلبه قسوة ... وكل ساق قلبه قاسي تمرين ٢: بين نوع الجناس في الأمثلة الآتية: ١- تحملت خوف المن كل رزيئة ... وحمل رزايا الدهر أحلى من المن ٢- ستر المحبة يوم البين منهتك ... وثوب صبري من الأشواق منتهك ٣- لعيني كل يوم ألف عبره ... تصيرني لأهل الشوق عبره ٤- كن كيف شئت عن الهوى لا أنتهي ... حتى تعود لي الحياة وأنت هي ٥- من بحر جودك أغترف ... وبفيض علمك أعترف ٦- عطفت كأمثال القسي حواجبا ... فرمت غداة البين قلبا واجبا تمرين ٣: بين نوع المحسن اللفظي, ووجه حسنه فيما يأتي: ١- تمنت سليمى أن أموت صبابة ... وأهون شيء عندنا ما تمنت ٢- اسلم ودمت على الحوادث ما رسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء ونُل المراد ممكّنا منه على ... رغم الدهور وفُزْ بطول بقاء ٣- ضحكنا وكان الضحك منا ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا

стр. 657

تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سَبْك تمرين ٤: لماذا حسن الجناس في قول أبي الفتح: ناظِرَاه فيما جَنَت ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني ولم يحسن في قول أبي تمام: ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمَذهب أم مُذهب؟ تمرين ٥: بين نوع المحسن اللفظي فيما يأتي: ١- كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر يعلّ به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر ٢- فنحن في جذل، والروم في وَجَل ... والبر في شغل، والبحر في خجل مُوفٍ على مُهَج، في يوم ذي رَهَج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل

стр. 658

خاتمة في فصلين يُلحقان بالبديع: مدخل هذا ما تيسر بإذن الله تعالى جمعه وتحريره من أصول الفن الثالث، وبقيت أشياء يذكرها فيه بعض المصنفين: منها ما يتعين إهماله؛ لعدم دخوله في فن البلاغة؛ نحو ما يرجع في التحسين إلى الخط دون اللفظ، مع أنه لا يخلو من التكلف؛ ككون الكلمتين متماثلتين في الخط، وكون الحروف منقوطة أو غير منقوطة. ونحو ما لا أثر له في التحسين، كما يسمى "الترديد"١. أو لعدم جدواه؛ نحو ما يوجد في كتب بعض المتأخرين مما هو داخل فيما ذكرناه، كما سماه: "الإيضاح"؛ فإنه في الحقيقة راجع إلى الإطناب٢ أو خلط فيه، كما سماه: "حسن البيان"٣. ومنها ما لا بأس بذكره؛ لاشتماله على فائدة٤، وهو شيئان: أحدهما: القول في السرقات الشعرية وما يتصل بها. والثاني: القول في الابتداء والتخلص والانتهاء. فعقدنا فيهما فصلين ختمنا بهما الكتاب.

стр. 659

الفصل الأول: السرقات الشعرية مدخل اعلم أن اتفاق القائلين إن كان في الغرض على العموم١ -كالوصف بالشجاعة والسخاء والبلادة والذكاء- فلا يُعدّ سرقة، ولا استعانة ولا نحوهما؛ فإن هذه أمور متقررة في النفوس، متصورة للعقول، يشترك فيها الفصيح والأعجم، والشاعر والمُفْحَم. وإن كان في وجه الدلالة على الغرض٢, وينقسم إلى أقسام كثيرة: منها التشبيه بما توجد الصفة فيه٣ على الوجه البليغ كما سبق٤، ومنها ذكر هيئات تدل على الصفة؛ لاختصاصها بمن له الصفة؛ كوصف الرجل حال الحرب بالابتسام وسكون الجوارح وقلة الفكر؛ كقوله: كأن دنانيرا على قَسَمَاتهم ... وإن كان قد شَفَّ الوجوه لقاء٥ وكذا وصف الجواد بالتهلل عند ورود العفاة، والارتياح لرؤيتهم، ووصف البخيل بالعبوس وقلة البِشْر، مع سعة ذات اليد ومساعدة الدهر. فإن كان مما يشترك الناس في معرفته؛ لاستقراره في العقول والعادات؛ كتشبيه الفتاة الحسنة الوجه بالشمس والبدر، والجواد بالغيث والبحر، والبليد البطيء بالحجر والحمار، والشجاع الماضي بالسيف والنار، فالاتفاق فيه كالاتفاق في عموم الغرض. وإن كان مما لا يُنال إلا بفكر، ولا يصل إليه كل أحد٦؛ فهذا الذي يجوز أن يدعى فيه الاختصاص والسبق، وأن يقضى بين القائلين فيه بالتفاضل، وأن أحدهما فيه أفضل من الآخر، وأن الثاني زاد على الأول أو نقص عنه. وهو ضربان: أحدهما: ما كان في أصله خاصيا غريبا. والثاني: ما كان في أصله عاميا مبتذلا، لكن تُصُرِّف فيه بما أخرجه من كونه ظاهرا ساذجا إلى خلاف ذلك٧، وقد سبق ذكر أمثلتهما في التشبيه والاستعارة٨. إذا عرفت هذا فنقول: الأخذ والسرقة نوعان: ظاهر، وغير ظاهر.

стр. 660

أقسام السرقة الظاهرة: النسخ والانتحال: أما الظاهر فهو أن يؤخذ المعنى كله؛ إما مع اللفظ كله، أو بعضه١، وإما وحده؛ فإن كان المأخوذ اللفظ كله من غير تغيير لنظمه فهو مذموم؛ لأنه سرقة محضة، ويسمى نسخا وانتحالا؛ كما حكي أن عبد الله بن الزبير دخل على معاوية, فأنشده: إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل٢

стр. 661

ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مَزْحَل١ فقال له معاوية: "لقد شعرتَ بعدي يا أبا بكر". ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معن بن أوس المزني، فأنشد كلمته التي أولها: لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول٢ حتى أتى عليها، وفيها ما أنشده عبد الله، فأقبل معاوية على عبد الله وقال له: "ألم تخبرني أنهما لك؟! " فقال: "المعنى لي، واللفظ له، وبعد فهو أخي من الرضاعة، وأنا أحق بشعره"٣. وقد رُوي لأوس ولزهير في قصيدتيهما٤ هذا البيت: إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخَنَا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل٥ وقد روي للأبيرد اليربوعي:

стр. 662

فتى يشتري حسن الثناء بماله ... إذا السنة الشهباء أعوزها القَطْر١ ولأبي نواس: فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور٢ وقد روي لبعض المتقدمين يمدح معبدا: أجاد طويس والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد٣ ولأبي تمام: محاسن أصناف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد٤ وحكى صاحب الأغاني في أصوات معبد: لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا٥

стр. 663

وفي شعر أبي نواس: دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما تصيبهم إلا بما شاءوا١ وفي هذا المعنى ما كان التغيير فيه بإبدال كلمة أو أكثر بما يرادفها٢؛ كقول امرئ القيس: وقوفا بها صحبي علي مَطِيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل٣ وقول طرفة: وقوفا بها صحبي عليَّ مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلد٤ وكقول العباس بن عبد المطلب, ﵁:

стр. 664

وما الناس بالناس الذين عَهِدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم١ وقول الفرزدق: وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف وكقول حاتم: ومن يبتدع ما ليس من خِيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خِيمها٢ وقول الأعور: ومن يقترف خلقا سوى خلق نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها٣ الإغارة أو المسخ: وإن كان٤ مع تغيير لنظمه، أو كان المأخوذ بعض اللفظ؛ سمي إغارة ومسخا. ١- فإن كان الثاني أبلغ من الأول لاختصاصه بفضيلة؛ كحسن السبك٥، أو الاختصار، أو الإيضاح، أو زيادة معنى, فهو ممدوح مقبول، كقول بشار: من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللَّهِج٦ وقول سلم الخاسر:

стр. 665

من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجَسور١ فبيت سلم أجود سبكا وأخصر٢، وكقول الآخر: خلقنا لهم في كل عين وحاجب ... بسمر القنا والبيض عينا وحاجبا٣ وقول ابن نباتة بعده: خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيونا لها وَقْع السيوف حواجب٤ فبيت ابن نباتة أبلغ؛ لاختصاصه بزيادة معنى؛ وهو الإشارة إلى انهزامهم٥. ومن الناس من جعلهما متساويين٦. وإن كان الثاني دون الأول في البلاغة فهو مذموم مردود؛ كقول أبي تمام: هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل٧

стр. 666

وقول أبي الطيب: أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا١ فإن مصراع أبي تمام أحسن سبكا من مصراع أبي الطيب؛ لأن أبا الطيب أراد أن يقول: ولقد كان الزمان به بخيلا، فعدل عن الماضي إلى المضارع للوزن، فإن قلتَ: المعنى أن الزمان لا يسمح بهلاكه٢ قلتُ: السخاء بالشيء هو بذله للغير، فإذا كان الزمان قد سخا به؛ فقد بذله، فلم يبق في تصريفه حتى يسمح بهلاكه أو يبخل به٣. وإن كان مثله فالخطب فيه أهون، وصاحب الثاني أبعد من المذمّة، والفضل لصاحب الأول؛ كقول بشار: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا٤ وقول ابن الشحنة الموصلي: وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق٥ وكذا قول القاضي الأرجاني:

стр. 667

لم يبكني إلا حديث فراقكم ... لما أسرّ به إلي مودعي هو ذلك الدُّرّ الذي أودعتم ... في مسمعي ألقيته من مدمعي١ وقول جار الله: وقائلة: ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين؟ فقلت: هي الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني٢ وكقول أبي تمام: لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا٣ وقول أبي الطيب: لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا٤ واعلم أن من هذا الضرب٥ ما هو قبيح جدا، وهو ما يدل على السرقة باتفاق الوزن والقافية أيضا؛ كقول أبي تمام:

стр. 668

مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد١ ولا سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي٢ وقول أبي الطيب: وإني عنك بعد غد لغادٍ ... وقلبي عن فنائك غير غادي٣ محبك حيثما اتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد الإلمام أو السلخ: وإن كان المأخوذ المعنى وحده سمي إلماما وسلخا، وهو ثلاثة أقسام كذلك٤: أولها كقول البحتري: تصد حياء أن تراك بأوجه ... أتى الذنب عاصيها فلِيم مطيعها٥ وقول أبي الطيب: وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب٦

стр. 669

فإن بيت أبي الطيب أحسن سبكا١ وكأنه اقتبسه٢ من قوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] , وكقول الآخر: ولست بنَظَّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر٣ وقول أبي تمام بعده: يصد عن الدنيا إذا عَنَّ سؤدد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد فبيت أبي تمام أخصر وأبلغ؛ لأن قوله: "ولو برزت في زي عذراء ناهد" زيادة حسنه٤. وكقول أبي تمام: هو الصنع إن يعجل فخير، وإن يرث ... فللرَّيث في بعض المواضع أنفع٥ وقول أبي الطيب: ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجَهَام٦

стр. 670

فبيت أبي الطيب أبلغ؛ لاشتماله على زيادة بيان١. وثانيها كقول بعض الأعراب: وريحها أطيب من طيبها ... والطيب فيه المسك والعنبر٢ وقول بشار: وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل٣ وقول أشجع: وعلى عدوك يابن عم محمد ... رصدانِ: ضوء الصبح والإظلام فإذا تنبه رعته، وإذا هدا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام٤ وقول أبي الطيب: يرى في النوم رمحك في كُلاه ... ويخشى أن يراه في السُّهَاد٥
следующие страницы →