← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

ليوليه الشام ودمشق لما اشتهر من شهامته، فتولى دمشق بعد خطب عظيم جرى له، واضطراب حال، ودخلت الروم حمص الدخلة الثانية بإذن سعد الدولة لأنه خاف أن يملكها بكجور بالمغاربة، وكان دخولهم إليها في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. وتسلم بكجور دمشق في يوم الأحد مستهل شهر رجب سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. ثم وقع بين بكجور، وبين يعقوب بن كلّس الوزير، فقبض بكجور على وكلاء الوزير بدمشق، فاستحكمت العداوة بينهما، وأفسد الوزير نفس نزار صاحب مصر على بكجور، فبعث منيرا الخادم في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة لقصد بكجور، وإخراجه من دمشق من غير إظهار ذلك بل أظهر أنه قصد بإرساله طرد مفرج بن دغفل من دمشق، وجرى من الأمور ما أوجب خروج بكجور بأمواله وحرمه من دمشق. وكان خروجه في يوم الثلاثاء منتصف شهر رجب سنة ثمان وسبعين. وسار بكجور إلى الرقة، وكان قد بعث غلامه وصيفا في سنة ست وسبعين وثلاثمائة إليها، فتسلمها من ديلمى، وكان بها من أصحاب عضد الدولة بعد وفاته، فلما دخلها بكجور راسل الطائع لله، فلم يجد عنده ما يؤثره، فأقام على الدعوة لنزار صاحب مصر، وبعث إليه نزار يقول: إنى ما أردت إخراجك من دمشق، وإنما أردت طرد ابن الجراح منها، وأبقى عليه ضياعه، وأمواله بها، وقوى أمر بكجور بالرقة، واشتد طمعه فى أخذ حلب من سعد الدولة وكاتب نزارا بذلك، وطلب إنجاده، فكتب نزار إلى والى طرابلس بالمسير إلى بكجور متى استدعاه،

стр. 10012

وجمع بكجور العرب وكتب إلى نزار «١» والى طرابلس أن يوافيه بحلب، وكان سعد الدولة قد كاتب بسيل «٢» ملك الروم يعلمه بذلك، ويطلب منه أن يأمر نائبه بأنطاكية، وسائر الثغور بإنجاده متى طلبهم، فكتب بسيل لهم بذلك، ثم أرسل سعد الدولة بكجور، وبذل له أن يقطعه من الرقة إلى حمص، فقال لرسوله: «قل له الجواب ما تراه دون ما تسمعه» . ثم سار بكجور لحرب سعد الدولة، وتقدمت مقدماتها فتطاردا «٣» ، فكان سعد الدولة يخلع على من أبلى من أصحابة، وينعم عليهم ويحملهم، وبكجور يكتب أسماء من أبلى من أصحابه لينظر فى أمرهم، فتغيرت لذلك قلوبهم. ثم كاتب سعد الدولة أعراب بكجور، وأطمعهم فعصوا «٤» على بكجور ونهبوا سواده. ثم سار كل من العسكرين في يوم السبت لسبع خلون من صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة إلى الآخر، والتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر لسعد الدولة وأصحابه على بكجور، فانهزم إلى حلب، واستولى القتل والأسر على غلمانه، واستخفى بكجور في بيت رحى بظاهر حلب، وتقلبت به الأحوال إلى أن استجار ببعض العرب، فحمله إلى سعد الدولة، فضرب عنقه، ثم سار سعد الدولة بعد أن أعاد الروم إلى بلادهم، وقصد الرقة، فنازلها وتحصن منه سلامة الرشيفى «٥» غلام بكجور بحصن الرافقة، ومعه حرم بكجور

стр. 10013

وأمواله، وابن المغربى كاتبه، فكاتبه سعد الدولة في تسليم الحصن، فبعث سلامة إليه يقول: أنا عبدك، ولكن لبكجور عندى صنائع تمنعنى من تسليم الحصن إلا أن أستوثق لحرمه وأولاده، فإن أمنتهم على أن يكون لك السلاح من أموالهم دون غيره سلمت لك الحصن، فأجابه سعد الدولة إلى ذلك، وحلف له وتسلم الحصن. ولما نزل أولاد بكجور، وحملوا أموالهم قال ابن أبى حصين قاضى حضرة سعد الدولة: إن بكجورا مملوكك لم تعتقه، وأولاده كذلك ولا مال لهم، ولا إثم عليك في أخذ أموالهم، فقبض عليهم عند ذلك، وأخذ الأموال، وهرب ابن المغربى إلى الكوفة، وكتب أولاد بكجور بذلك إلى العزيز نزار صاحب مصر، فكتب العزيز إلى سعد الدولة كتابا يهدده فيه ويقول: إن لم تطلق آل بكجور وأموالهم بعثت الجيوش لحربك. وأنفذ الكتاب مع فائق الصقلبى، فوصل إليه، وقد عاد من الرقة، وهو نازل بظاهر حلب. فلما وقف سعد الدولة على الكتاب غضب، وأحضر الرسول، وصفعه، وألزمه أن يأكل الكتاب فتناوله، ومضغه حتى فرغ منه، وقال له: عد إلى صاحبك، وقل له لا حاجة لك في إرسال الجيوش، فأنا سائر إليك، والخبر يأتيك من الرملة، وعزم سعد الدولة على قصد العزيز صاحب مصر، فعاجلته منيته.

стр. 10014

ذكر وفاة سعد الدولة كانت وفاته ليلة الأحد لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وسبب ذلك أنه لما أعاد رسول العزيز بالرسالة التى ذكرناها قدّم بعض جيوشه إلى حمص. وأقام هو بظاهر حلب أياما ليرتب أحواله، فعرض له قولنج أشفى منه، فأشار أطباؤه عليه بدخول حلب وملازمة الحمام، ففعل ذلك وانتفع «١» وصح، فلما كان في اليوم الثالث من صحته زين له «٢» البلد ليركب، فجاءته جارية في ليلة ذلك اليوم من جملة حظاياه، وكن أربعمائة حظية، وكان سعد الدولة يهواها، فلما رآها ما تمالك عند رؤيتها أن واقعها، فلما فرغ سقط عنها، وقد جف نصفه الأيمن، وفلج فدخل عليه النفيس الطبيب، والتمس أن يجس نبضه، فناوله اليد اليسرى فقال: يا مولاى اليمين، فقال: يا نفيس ما تركت لى اليمين شيئا، أراد بذلك نقض اليمين التى حلفها لآل بكجور. وتوفى في هذه المرضة. ومن العجب أن والده سيف الدولة فلج نصفه الأيسر قبل وفاته. وفلج نصف سعد الدولة الأيمن، فاجتمع منهما مفلوج، وكانت مدة ملكه خمسا وعشرين سنة وتسعة أشهر. وكان له من الأولاد. أبو الفضائل وهو الأكبر. وأبو الهيجاء. كتابه: أبو الحسن المغربى «٣» والمصيصى وغيرهما. حاجبه: لؤلؤ الكبير الجراحى وغيره. والله أعلم.

стр. 10015

ذكر أخبار أبى الفضائل بن «١» سعد الدولة أبى المعالى شريف بن سيف الدولة أبى الحسن على بن عبد الله بن حمدان بن حمدون ولى بعد وفاة أبيه في يوم الأحد لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وذلك أن والده سعد الدّولة لما أدركته الوفاة عهد إليه، وأوصى لؤلؤا «٢» الجراحى، وجعله مدبر جيشه، وأوصاهما بالسيدة ستّ النساء، وبولده أبى الهيجاء عبد الله الأصغر. ذكر ما كان بين لؤلؤ الجراحى وبين العزيز نزار صاحب مصر وفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة وصلت جيوش العزيز نزار صاحب مصر لمحاصرة حلب، وسبب ذلك أن ابن المغربى لما انهزم من سعد الدولة إلى الكوفة عند القبض على آل بكجور كاتب العزيز يستأذنه فى الانضمام إليه، والانحياز إلى جهته، فأذن له، فسار إليه، ودخل القاهرة في يوم الخميس النصف من جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وبلغ عند العزيز مرتبة عظيمة حتى صار يستشيره فى عظائم الأمور، ويأتمنه على الأسرار، فلما بلغه وفاة سعد الدولة حسّن للعزيز أن يبعث جيشا إلى حلب، وكان العزيز قد بعث [بمنجوتكين] «٣» التركى في جيش إلى دمشق في تاسع شهر رمضان

стр. 10016

سنة إحدى وثمانين، وأمره بحرب منير الذى كان قد تسلّم دمشق من بكجور، ولأنه كان قد عصى على العزيز، فأمره أنه إذا أخذ دمشق يمضى إلى حلب، واستكتب العزيز بن المغربى، فسار إلى دمشق، وهزم منيرا، واستولى على البلد للعزيز، وأقام بها إلى أن انسلخت سنة إحدى وثمانين، وسار إلى حلب، وكان لؤلؤ قد كتب إلى بسيل ملك الروم، وعقد بينه وبين أبى الفضائل بن سعد الدولة كما كان بينه وبين أبيه، فأمر بسيل «البرجى» «١» » صاحب أنطاكيه أن يكون ظهرا لأبى الفضائل على كل من يقصده، وينجده متى طلبه. ولما نزل منجوتكين على حلب قاتلها مدة شهرين فلم يظفر منها «٢» بشىء، فاستظهر عليه أبو الفضائل ولؤلؤ غاية الاستظهار، فعاد عنها في شهر رمضان وولى حمص «٣» لمعضاد الحمدانى. ثم سار إلى حلب في سنة ثلاث وثمانين، ثم عاد عنها وسار إليها في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وقد جمع واستعد، فنازلها وضايقها مدة شهرين، فبعث لؤلؤ إلى البرجى صاحب أنطاكية في الحضور إليه، فجمع الروم. وكان قد خرج إليه من بلاد الروم رئيس عظيم عندهم يقال له: أصابع الذهب، فجمع أيضا من أمكنه، وسارا بمن معهما حتى نزلا على نهر المقلوب «٤» ، فأقاما هناك، ورجع منجوتكين عن حلب، ونزل بإزائهما، وكان عسكره أكثر من جمعهما، فاقتتلوا، فكانت الدائرة على الروم،

стр. 10017

وذلك في شعبان سنة أربع وثمانين، وعاد منجوتكين إلى محاصرة حلب، فحاصرها من شعبان إلى شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين، فاشتد الحصار على أهلها، وكانت الأخبار ترد على بسيل ملك الروم وهو ببلاد البلغر «١» وله بها سنين كثيرة، وقد استحوذ على أكثرها، فخاف على حلب فترك قتال البلغر، ورجع إلى «٢» القسطنطينية، وخرج في نحو أربعين ألفا من خواص أصحابه يركبون البغال الرهاوين ويجنبون «٣» الخيل، وسار لا يلوى على متأخر ولا يقف «٤» لمنقطع فوصل إلى [إعزاز] «٥» في سبعة عشر ألفا، وعزم على أن يكبس منجوتكين، فنمى الخبر إليه، فانهزم لوقته، وسار إلى دمشق. ذكر الصلح بين أبى الفضائل والعزيز نزار صاحب مصر قال: ولما رجع منجوتكين إلى دمشق توسط بدر الحمدانى في الصلح بين العزيز وأبى الفضائل، فتم، وانعقد في بقية سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وورد كتاب الصلح على أبى الفضائل مع مختار الحمدانى، وأقام الأمر على ذلك إلى أن توفى لؤلؤ «٦» الحمدانى،

стр. 10018

وانقطع خبر أبى الفضائل ولم يسمع له ذكر إلا أن لؤلؤا الجراحى كان يدبر أمر حلب إلى سنة أربع وأربعمائة، وكتب له سجل في شوال من السنة من قبل الحاكم صاحب مصر بملك حلب، ولقبه مرتضى «١» الدولة. وانقرضت الدولة الحمدانية بعد أبى الفضائل، وكانت مدة هذه الدولة منذ ولى أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان ابن حمدون ولاية الموصل في سنة اثنتين وتسعين ومائتين إلى أن استقل لؤلؤ الجراحى بالملك بعد أبى الفضائل في سنة أربع وأربعمائة مائة «٢» سنة واثنتا عشرة سنة تقريبا. وعدة من ملك منهم ستة ملوك، وهم: أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان. ثم ابنه ناصر الدولة أبو محمد الحسن، ثم أخوه سيف الدولة أبو الحسن على. وعدّة الدولة الغضنفر أبو تغلب بن ناصر الدولة، وسعد الدولة أبو المعالى شريف بن سيف الدولة. ثم أبو الفضائل بن سعد الدولة، وعليه انقرضت دولتهم من سائر البلاد، وكان ملك هذه «٣» الدولة بعد وفاة أبى الهيجاء عبد الله في فخذين: الفخذ الأول منها: فى ناصر الدولة أبى محمد الحسن وبنيه، وقاعدة ملكهم الموصل، وآمد وديار ربيعة، وسنجار، وغير ذلك مما والاه وجاوره، وانقرضت دولتهم من الموصل، وما معها بخروج أبى تغلب الغضنفر بن ناصر

стр. 10019

الدولة من آمد كما ذكرنا، وافترق بعده أبناء ناصر الدولة، فبعضهم دخل في طاعة الأمير عضد الدولة، وبعضهم دخل في طاعة العزيز نزار صاحب مصر، وبعضهم التحق بابن عمهم أبى المعالى شريف بن سيف الدولة، فممن سار إلى الديار المصرية: أبو عبد الله الحسين بن ناصر الدولة، وأخوه أبو المطاع ذو القرنين، وولد للحسين بمصر ولده الحسن وهو المنعوت ناصر الدولة. تمكن ناصر الدولة الحسن هذا من دولة المستنصر بالله أبى تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين» الله صاحب ملك مصر تمكنا عظيما، وقاد الجيوش، وعظم شأنه، ونفذت أوامره حتى لم يبق للمستنصر معه بالديار المصرية إلا مجرد اسم الخلافة. ثم لم يرض ناصر الدولة بذلك، ولا اقتصر عليه، ولاقنع به إلى أن حصر المستنصر في قصره، وجرى له معه وقائع، نذكرها إن شاء الله تعالى في أخبار المستنصر بالله، ونذكر هناك أيضا مقتل ناصر الدولة هذا. وكان مقتله في شهر رجب من شهور خمس وستين وأربعمائة بداره بمصر، وهى الدار المعروفة بمنازل العز التى هى الآن مدرسة لطائفة الفقهاء الشافعية، ولم يذكر بعد ناصر الدولة هذا أحد من آل حمدان بولاية فنذكره. فهذا الفخذ الأول. والفخذ الثانى منها: فى سيف الدولة أبى الحسن على وبنيه، وقد نقدم ذكرهم رحمهم الله تعالى. انتهت أخبار الدولة الحمدانية بعون الله تعالى. فلنذكر أخبار الدولة الديلمية البويهية.

стр. 10020

ذكر أخبار الدولة الديلمية البويهية وابتداء امر بويه، ونسبه، وكيف تنقلت به وببنيه الحال الى ان استولوا على الأقاليم والممالك. وسياقة أخبارهم الى أن انقضت دولتهم ذكر ابتداء حال بويه، ونسبه، وما كان من أمره هو أبو شجاع بويه بن فنّاخسرو بن تمام بن كوهى بن شيرزيل الأصغر بن شيركنده «١» بن شبيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شيرويه بن سنان «٢» بن شيش «٣» فيروز بن شيروزيل بن شيسناد «٤» ابن بهرام جور الملك بن يزدجرد الملك بن سابور بن سابور ذى الأكتاف فهم من الفرس، وإنما نسبوا إلى الديلم لطول مقامهم ببلادهم، ولذلك لم نذكرهم عند ذكرنا لأخبار الدولة الديلمية الجيلية. وأما ابتداء حال بويه فقد نقل جماعة من المؤرخين أنه كان صيّادا يعيش من صيد السمك، ثم تنقلت به الحال إلى أن خدم جنديا «٥» ، وخرج مع الناصر للحق الحسن بن على العلوى، وكان يلحظه بعين التقدّم لشجاعتة، وكان له خمسة أولاد المشهور منهم ثلاثة، وهم: عماد الدولة أبو الحسن على، وركن الدولة أبو على الحسن، ومعزّ الدولة أبو الحسين أحمد، فهولاء الذين ملكوا البلاد على

стр. 10021

ما نذكره إن شاء الله تعالى، وكان له ابنان غير هؤلاء، وهما: محمد، وإبراهيم قتل أحدهما مع الناصر للحق، والآخر مع الحسن بن القاسم الداعى. وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل: أن زوجة بويه ماتت، وخلفت له ثلاثة بنين، فاشتد حزنه عليها، فحكى شهريار «١» رستم الديلمى قال: كنت صديقا لأبى شجاع بويه، فدخلت إليه يوما، فعذلته على كثرة حزنه، وقلت له: أنت رجل تحتمل الحزن، وهؤلاء المساكين أولادك يهلكهم الحزن، وسليته جهدى «٢» ، وأخذته ففرحته «٣» ، وأدخلته، ومعه أولاده إلى منزلى، فأكلوا طعاما، وشغلته عن حزنه، فبينما هم كذلك إذ اجتاز بنا رجل يقول عن نفسه: إنه منجم، ومعزم، ومعبر للمنامات، ويكتب الرّقى والطلّسمات، وغير ذلك، فأحضره أبو شجاع، وقال له: رأيت في منامى كأنى أبول، فخرج من ذكرى نار عظيمة استطالت، وعلت حتى كادت تبلغ السماء، ثم انفرجت، فصارت ثلاث شعب، وتولّد من تلك الشعب عدة شعب، فأضاءت الدنيا بتلك النيران، فرأيت البلاد والعباد خاضعين لتلك النيران، فقال المنجم: هذا منام عظيم لا أفسّره إلا بخلعة وفرس وركب، فقال أبو شجاع: والله ما أملك إلا الثياب التى على جسدى، فإن

стр. 10022

أخذتها بقيت عريانا، قال المنجم: فعشرة دنانير قال: والله لا أملك دينارا، فكيف عشرة، فأعطاه شيئا، فقال المنجم: إعلم أنه يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها، ويعلو ذكرهم في الآفاق كما علت تلك النار، ويولد لهم جماعة ملوك بقدر ما رأيت من تلك الشعب، فقال أبو شجاع: أما تستحى؟ تسخر بنا؟ أنا رجل فقير، وهؤلاء أولادى فقراء مساكين [كيف] «١» يصيرون ملوكا؟ فقال له المنجم: أخبرنى عن وقت «٢» ميلادهم، فأخبره، فجعل يحسب ثم قبض على يد أبى الحسن على فقبلها، وقال هذا والله الذى يملك البلاد، ثم هذا من بعده. ثم قبض على يد أخيه أبى على الحسن، فاغتاظ منه أبو شجاع، وقال لأولاده: اصفعوا هذا الحكيم، فقد أفرط في السخرية بنا فصفعوه، وهو يستغيث، ونحن نضحك منه، ثم أمسكوه، فقال: اذكروا لى هذا إذا قصدتكم، وأنتم ملوك، فضحكنا منه وأعطاه أبو شجاع عشرة دراهم. ثم اتفق خروج جماعة من الديلم لملك البلاد. منهم: ماكان بن كالى، وليلى بن النعمان، وأسفار بن شيرويه. ومرداويج بن زياد، وخرج مع كل واحد منهم خلق كثير من الديلم، وخرج أولاد أبى شجاع في جملة من خرج مع ما كان بن كالى. فلما استولى مرداويج على ما كان بيد ما كان من طبرستان وجرجان، وضعف ما كان، وعجز، قال له عماد الدولة، وركن الدولة: نحن في جماعة، وقد صرنا ثقلا عليك وعيالا، وأنت مضيّق عليك، والأصلح لك أن نفارقك؛ لنخف عليك مئونتنا، فإذا

стр. 10023

صلح أمرك عدنا إليك، فأذن لهما. فسارا إلى مرداويج، واقتدى بهما جماعة من قواد ما كان، وتبعوهما، فلما صاروا إليه قبلهم أحسن قبول، وخلع على ابنى بويه، وأكرمهما، وقلد كلّ قائد من قواد «ما كان» الواصلين إليه ناحية من نواحى الجبل، فقلد على بن بويه الكرج «١» . ذكر أخبار عماد الدولة أبى الحسن على بن بويه وابتداء الدولة البويهية كان عماد الدولة قد خرج مع أبيه في جيش الناصر للحق، ثم تنقلت به أمور في خدمة الملوك، ودخل إلى خراسان كرّتين، وصار من أصحاب ما كان، ثم فارقه إلى مرداويج بن زيار، ومعه أخواه، فولاه مرداويج الكرج، وقلد جماعة القواد المستأمنة الأعمال، وكتب لهم العهود، وساروا إلى الرى، وبها وشمكير بن زيار أخو مرداويج، ومعه الحسين «٢» بن محمد الملقب بالعميد، وهو والد أبى الفضل الذى وزر لركن الدولة بن بويه، فلما وصل عماد الدولة إلى الرىّ عرض بغلة للبيع، فبلغت ألفى وثمانمائة درهم فعرضت على العميد، فاستجادها، وقصد أن يبتاعها، فحلف عماد الدولة أنه لا يأخذ لها ثمنا، وتابع بعد «٣» ذلك مواصلة العميد وبره، فبلغ عنده مبلغا عظيما، وتمكن منه.

стр. 10024

قال: وكان مرداويج قد تعقب رأيه في تولية عماد الدولة الكرج، وفي تولية القواد المستأمنة إليه لقرب عهدهم بصحبة ما كان، فكتب إلى أخيه، وإلى العميد: بأن يمنعا عماد الدولة من النفوذ إلى الكرج إلا أن يكون قد فات، وكان الرسم جاريا أن يقرأ العميد الكتب، ثم يوقف وشمكير عليها بعد ذلك، فلما قرأها بعث إلى عماد الدولة يأمره أن يبادر بالخروج إلى عمله، فسارع إلى ذلك، ثم عرض العميد الكتب على وشمكير، فعزل من الولاة من لم يمض إلى عمله، وأبقى عماد الدولة. قال: وتسلم عماد الدولة الكرج، وأخذ في الإفضال على الرجال، وعلى عامل البلد، فكانت كتب العامل تمضى إلى الرىّ يشكره، ثم فتح قلاعا كانت باقية في أيدى الخرّمية «١» ، وأخذ منها أموالا جمة، وغنائم كثيرة، وصرف أكثرها في جمع الرجال عليه واستجلابهم. ذكر خروج عماد الدولة بن بويه عن طاعة مرداويج، ومخالفته له، وملكه أصفهان كان سبب ذلك أن عماد الدولة لما تحقق قدم مرداويج على ولايته احتاط لنفسه، وأخذ في جمع الرجال، والإنعام عليهم، وهو في ذلك يظهر طاعة مرداويج، واتفق أن مرداويج سبب «٢» لبعض قواده على الكرج بمال، فأنعم عماد الدولة على أولئك القواد، واستمالهم،

стр. 10025

فمالوا إليه، وباطنوه، فلما وثق منهم أعلن بخلع مرداويج، وبايعه القواد، فخرج بهم عماد الدولة من الكرج بعد أن استصفى أمواله، وقصد أصفهان، وعرض أصحابه، فكانوا ثلاثمائة رجل، لكنهم منتجبون «١» مستظهرون في العدة، وسار إليها، وبها أبو الفتح المظفر بن ياقوت واليا للحرب، وأبو على «٢» رستم واليا للخراج، وهما من قبل الخليفة، وكاتبهما عماد الدولة أن يدخل معهما في خدمة السلطان، فامتنعا من ذلك، واتفق في غضون ذلك، وفاة رستم، فنزل عماد الدولة بجوزنجان «٣» ، وهى قرية على ثلاث فراسخ من أصفهان، وبرز إليه أبو الفتح بن ياقوت في ألوف من الرجال من جملتهم ستمائة ديلمى، فاستأمن إلى عماد الدولة منهم أربعمائة رجل، وانفصل المائتان الأخر لاحقين بما كان، وهو يومئذ بكرمان، وانهرم ابن ياقوت بعد حرب شديدة، ودخل عماد الدولة أصفهان في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنه إحدى وعشرين وثلاثمائة، وكانت أصفهان أول شىء استولى عليه عماد الدولة بن بوية. والله أعلم.

стр. 10026

ذكر استيلائه على أرجان وغيرها، وملك مرداويج أصفهان قال: ولما بلغ مرداويج خبر الوقعة خاف جانب عماد الدولة، وأهمّه أمره، فشرع في إعمال الحيلة، فراسله يعاتبه، ويستميله ويطلب منه أن يظهر طاعته ليمده بالعساكر الكثيرة؛ ليفتح بها البلاد، ولا يكلفه سوى الخطبة له في البلاد التى يستولى عليها، ولما سير الرسل جهز أخاه وشمكير في عسكر ضخم ليكبس عماد الدولة، وهو مطمئن، فنمى الخبر إلى عماد الدولة، فارتحل عن أصبهان بعد أن أقام بها نحوا من شهر، وتوجه إلى أرّجان وبها أبو بكر محمد بن ياقوت، فانهزم أبو بكر عنها إلى رامهرمز من غير حرب، ودخلها عماد الدولة، واستخرج منها أموالا [وانفقها] «١» فى جيشه، ثم وردت على بن بويه كتب من أبى طالب زيد بن على النوبندجانى يستدعيه إلى شيراز مدينة بلاد فارس، ويهون عليه أمر أميرها ياقوت، وكان ياقوت فى جيش كثير العدد من قبل الخليفة، فسار عماد الدولة إلى قرية تعرف بالخوان «٢» دان، فسار إليه ياقوت، ووردت مقدمته في «٣» ألفى رجل، فوافاهم عماد الدولة بالنوبندجان. وذلك في شهر ربيع الآخر سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة، فلم يثبتوا له، وانهزموا إلى

стр. 10027

مكان يقال له: الكركان، «١» ووافاهم ياقوت بهذا الموضع، وأقام عماد الدولة أربعين يوما في ضيافة زيد بن على النوبندجانى. وكان مبلغ ما خسر عليه في هذه المدة مائتى ألف دينار، ثم سار بعد ذلك إلى اصطخر، وسار ياقوت وراءه يتبعه، حتى انتهى إلى قنطرة على طريق كرمان، فسبقه ياقوت إليها، ومنعه من عبورها واضطره إلى الحرب. ذكر استيلائه على شيراز قال: ولما سبقه ياقوت إلى القنطرة اضطر إلى محاربته، وابتدأت الحرب بينهما في يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، واستمرت إلى يوم الخميس، فأحضر عماد الدولة أصحابه، ووعدهم الجميل، وأنه يترجل معهم عند الحرب، وكان من سعادته أن جماعة من أصحابه استأمنوا إلى ياقوت، فضرب ياقوت أعناقهم، فأيقن من بقى مع عماد الدولة بن بويه أنه لا أمان لهم عند ياقوت، فقاتلوا قتال من استقتل، ثم قدم ياقوت أمام أصحابه رجالة كثيرة يقاتلون بقوارير النفط؛ ليحرقوا أتراس الديلم، فلما رموا النار انقلبت الريح، فصارت فى وجوههم، واشتدت فعادت النار عليهم، وتعلقت في ثيابهم ووجوههم، فاختلطوا وركبهم أصحاب بن بويه، فقتلوا أكثر الرجّالة، وخالطوا الفرسان، فكانت الهزيمة على ياقوت وأصحابه.

стр. 10028

ولما انهزم أصحاب ياقوت صعد على نشز مرتفع، ونادى في أصحابه الرّجعة الرّجعة، فاجتمع إليه نحو أربعة آلاف فارس، فقال لهم اثبتوا فإن الديلم يشتغلون بالنهب، ويتفرقون، فنأخذهم، فثبتوا معه، فلما رأى بن بويه ثباتهم نهى أصحابه عن النهب، وقصد ياقوت، فانهزم ياقوت «١» منه، واتبعه أصحاب بن بويه يقتلون، ويأسرون، ويغنمون، ثم رجعوا إلى السواد «٢» ، فغنموه، ووجدوا فيه برانس لبود عليها أذيال الثعلب، ووجدوا قيودا وأغلالا فسألوا عنها، فقال أصحاب ياقوت: إن هذه كانت أعدت لكم لتجعل عليكم، ويطاف بكم البلاد، فأشار أصحاب بن بويه عليه: أن يفعل ذلك بأصحاب ياقوت، فامتنع عماد الدولة، وقال: إنه بغى ولؤم، وقد لقى ياقوت بغيه، ثم أحسن إلى الأسارى، وأطلقهم وقال: هذه نعمة والشكر عليها يقتضى المزيد، وخيّر الأسارى بين المقام عنده، واللحاق بياقوت، فاختاروا المقام عنده، فخلع عليهم، وأحسن إليهم، وسار من موضع الوقعة، حتى أتى شيراز، ونادى في الناس بالأمان، وبث العدل، وأقام [رشحنة] «٣» تمنع من الظلم، واستولى على تلك البلاد.

стр. 10029

ذكر واقعة غريبة اتفقت لعماد الدولة كانت سبب ثبات ملكه وقيام دولته قال: ولما دخل عماد الدولة شيراز طلب الجند أرزاقهم، فلم يكن عنده ما يعطيهم، وكاد أمره ينحل «١» ، فجلس في غرفة في دار الإمارة بشيراز، وهو يفكر في أمره فرأى حية خرجت من موضع في سقف تلك العرفة، ودخلت في بخش «٢» هناك، فخاف أن تسقط عليه، فدعا الفراشين، ففتحوا ذلك الموضع، فرأوا وراءه بابا، فدخلوا منه إلى غرفة أخرى، فإذا فيها عشرة صناديق مملوءة مالا ومصاغا، فكان فيها ما قيمته خمسمائة ألف دينار، فأنفقها، وثبت ملكه بعد أن كان قد «٣» أشرف على الزوال. وحكى. أنه أراد أن يفصل ثيابا، فدلوه على خياط كان لياقوت، فأحضره، فحضر خائفا، وكان أصم، فقال له عماد الدولة لا تخف، فإنما أحضرتك لتفصل لنا ثيابا، فلم يفهم الخياط ما قال، فابتدأ وحلف بالطلاق والبراءة من دين الإسلام أن الصناديق التى عنده لياقوت ما فتحها، ولا علم ما فيها، فعجب عماد الدولة من هذا الاتفاق، وأمره بإحضارها، فأحضر ثمانية صناديق فيها أموال وثياب، قيمة ما فيها ثلاثمائة ألف دينار، ثم ظهر له من ودائع ياقوت، وذخائر عمرو، ويعقوب ابنى الليث جملة كبيرة، فامتلأت خزائنه، وثبت ملكه.

стр. 10030

ذكر تولية عماد الدولة من قبل الخليفة قال: ولما تمكّن عماد الدولة من شيراز، وثبت ملكه ببلاد فارس، كتب إلى الخليفة الراضى بالله، وإلى وزيره أبى على بن مقلة يعرفهما أنه على الطاعة، ويطلب أن يقاطع على ما بيده من البلاد، وبذل ألف ألف درهم، فأجيب إلى ذلك، وتقدّمت إليه الخلع، و؟؟؟ رطوا على الرسول ألّا يسلم إليه الخلع إلا بعد قبض المال. فلما وصل الرسول خرج عماد الدولة إلى لقائه، وطلب منه الخلع واللواء، فذكر له ما اشترط عليه، فأخذها منه قهرا، ولبسها، ونشر اللواء، ودخل البلد، وغالط الرسول بالمال، فمات الرسول عنده في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. قال: ولما سمع مرداويج ما حصل لعماد الدولة ابن بويه قام لذلك وقعد، فسار إلى أصفهان للتدبير عليه «١» ، وعزم على الخروج إليه بنفسه، فبلغ عماد الدولة ذلك، فبادر بمكاتبته، وسأله إقراره على بلاد فارس على أن يقيم له الدعوة، ويضرب باسمه السّكّة، وينفذ إليه أخاه ركن الدولة بن بويه رهينة، فقبل ذلك منه، واعتقل ركن الدولة، فلما صار في اعتقاله لم يكن بأسرع أن اتفق «٢» قتل مرداويج على ما قدمنا ذلك في أخبار مرداويج، فهرب ركن الدولة بمواطأة من سجانه، وخرج إلى الصحراء ليفك قيوده، فأقبلت بغال عليها تبن، ومعها بعض أصحابه وغلمانه، فلما رأوه ألقوا التبن، فكسروا قيوده، وحملوه إلى أخيه عماد الدولة بفارس

стр. 10031

وفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة تسمى عماد الدولة [شاهنشاه] ، «١» ولبس تاجا من الذهب مرصعا بالجوهر، وجلس على السرير. ذكر وفاة عماد الدولة بن بويه وملك بن أخيه عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه كانت وفاته في جمادى الآخرة، وقيل توفى لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين «٢» وثلاثمائة، وكانت علته قرحة فى كلاه طالت به، وتوالت عليه الأسقام والأمراض، ولما أحس بالموت أنفذ إلى أخيه ركن الدولة أن ينفذ إليه عضد الدولة فناخسروا ولده ليجعله ولىّ عهده، ووارث ملكه بفارس؛ لأنّ عماد الدولة لم يكن له ولد ذكر، فأنفذه «٣» ركن الدولة، فوصل قبل وفاته بسنة، فخرج عماد الدولة إلى لقائه في جميع عساكره، وأجلسه على سرير، ووقف عماد الدولة بين يديه، وأمر الناس بطاعته، والانقياد إليه، وقبض على من كان يخاف منه من القواد. ثم توفى عماد الدولة بعد ذلك بسنة، فكانت مدة مملكته لبلاد فارس سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما، وكان عمره ما بين ثمانية وخمسين سنة إلى تسع وخمسين، وقيل سبعة وخمسين ودفن بدار المملكة بشيراز، وكان شجاعا عاقلا كريما مجربا حسن السياسة عظيم القدر، ووزر

стр. 10032

له في ابتداء أمره أبو سعيد إسرائيل بن موسى النصرانى إلى أن قتل، ثم وزر له أبو العباس أحمد بن محمد إلى أن مات عماد الدولة. وحجابه: خطلخ إلى أن قتل، ثم سباسى حتى توفى، ثم بارس إلى أن توفى عماد الدولة، ولما مات عماد الدولة استقر عضد الدولة فى الملك بعده ببلاد فارس، ثم كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى فى الطبقة الثانية من بنى بويه، وكان عماد الدولة هو الأسن الأكبر من بنى بويه «١» . والمشار إليه بينهم، فلما مات صار أخوه ركن الدولة أمير الأمراء. وكان معز الدولة هو المستولى على العراق، وهو كالنائب عنهما. ذكر أخبار ركن الدولة أبى على الحسن بن بويه كان ركن الدولة في خدمة أخيه عماد الدولة يندبه في مهمانه وأشغاله، وجهزه وهو في حرب ياقوت في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة إلى كازرون «٢» ، وغيرها من أعمال فارس، فاستخرج منها أموالا جليلة، فأنفذ ياقوت عسكرا إليه لمنعه من ذلك، فقاتلهم وهزمهم، وهو في نفر يسير، وعاد إلى أخيه بالغنائم والأموال، ثم جهزه عماد الدولة رهينة عند مرداويج في سنة ثلاث وعشرين كما ذكرناه، فلما خلص بعد مقتل مرداويج، والتحق بأخيه عماد الدولة جهزه بالعساكر إلى أصفهان، فاستولى عليها، وأزال عنها وعن عدة من

стр. 10033

بلاد الجبال نواب وشمكير، فأقبل وشمكير، وجهز العساكر نحوه، فبقيا يتنازعان ملك تلك البلاد، وهى أصفهان، وهمدان، وقم، وقاجان، وكرج، والرىّ، وكنكور، وقزوين، وغيرها، ثم استولى ركن الدولة على أصفهان، وملكها في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وملك الرى في سنة ثلاثين. ذكر ملك ركن الدولة بن بويه طبرستان وجرجان وفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة في شهر ربيع الأول اجتمع ركن الدولة، والحسن بن فيرزان، وقصدا بلاد وشمكير، فالتقيا به، فانهزم وشمكير، وملك ركن الدولة طبرستان، وسار منها إلى جرجان، فملكها، واستأمن إليه من قواد وشمكير مائة وثلاثة عشر قائدا، فأقام الحسن بن الفيرزان بجرجان، ومضى وشمكير إلى خراسان يستنجد بالسامانية، واتفقت وفاة الأمير عماد الدولة، فسار ركن الدولة لتقرير أمر ولده عضد «١» الدولة بفارس، فسار منصور ابن قراتكين صاحب جيش الأمير نوح بن نصر السامانى إلى الرى، ودخلها، وأخرج نائب ركن الدولة منها، وورد سجل من الخليفة المطيع لله بتقليد ركن الدولة إمرة الأمراء موضع عماد الدولة، فقبله، وانصرف إلى الرىّ، ففارقها منصور بن قراتكين قبل وصول ركن الدولة إليها، وسار إلى أصفهان، ثم رحل منها، فنزل طرف مفازة بها على النهر المعروف بور بروديم، ثم رحل عنه، والتقى مع ركن

стр. 10034

الدولة على الروذبار «١» ، والنهر يحجز بينهما؛ لكنه نهر يخاض، فأقامت الحرب بينهما سبعة أيام، ثم عبر منصور النهر بجيوشه، والتقوا من وقت العصر إلى صدر من الليل، ثم «٢» سار منصور في بقية من الليل إلى الرى، وقدم ركن الدولة مقدمته نحو قاجان، فلما وصل إليها بلغه وفاة منصور بالرى، فسار إليها، ودخلها بغير قتال وتجهز منها «٣» لحرب وشمكير لأنه الذى أغرى بينه، وبين صاحب خراسان. فالتقيا على باب الرى بجبل طبرك، وتواصلوا أربعة أشهر حتى سقط الثلج، فرجع وشمكير، ثم اتفقت وفاته، وقيام ولده «بهسيتون» فى الملك بعده، فدخل في طاعة ركن الدولة، فزال الخوف، وحصل الأمن واستقر الأمر على ذلك إلى سنة خمس وستين وثلاثمائة. ذكر ما قرره ركن الدولة بين بنيه وما أفرده لكل منهم «٤» من الممالك وفي سنة خمس وستين وثلاثمائة سار ركن الدولة من الرى إلى أصفهان، واستدعى ولده عضد الدولة من بلاد فارس، وجمع سائر أولاده، وحواشيهم، فقسم ركن الدولة ممالكه على أولاده، فجعل لابنه عضد الدولة بلاد فارس، وجعله الملك على جماعة البيت بعد

стр. 10035

أن أوصاه على إخوته، وعلى بن عمه عز الدولة بختيار بن معز الدولة، فإن معز الدولة كان قد توفى، وملك ابنه بختيار بعده على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وسلم ركن الدولة إلى عضد الدولة أخاه الأصغر خسرو فيروز، وجعل لمؤيد الدولة، وهو شقيق عضد الدولة بلاد الرى، وأصفهان، وقم، وقزوين، وزنجان، وأبهر، وما والاها، وأفرد لفخر الدولة همذان، والدينور، والإيغارين «١» وما اتصل بهم، واستحلف الأخوين على طاعة عضد الدولة، واستحلف عضد الدولة على الوفاء لهما، وكتب الكتاب بينهم ذو الكفايتين أبو الفتح بن العميد، ومات ركن الدولة عقيب ذلك. ذكر وفاة ركن الدولة بن بويه وشىء من أخباره وسيرته كانت وفاته بالرى في ليلة السبت لاثنتى عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ست وستين وثلاثمائة، وقد زاد على سبعين سنة، وقيل أقل من ذلك. وكانت مدة إمارته أربعا وأربعين سنة. وكان ﵀ حليما كريما، كثير البذل للمال، حسن السياسة لرعيته وجنده، رؤوفا بهم عادلا في الحكم بينهم بعيد الهمة متحرجا من المظالم مانعا لأصحابه من الظلم عفيفا عن الدماء، وكان يجرى الأرزاق على أهل البيوتات. ويصونهم عن التبذل، وكان يقصد المساجد الجامعة فى أشهر الصيام للصلاة، وينتصب لرد المظالم، ويتعهد العلويين

стр. 10036

بالأموال الكثيرة، ويتصدق على ذوى الحاجات، ويلين جانبه للخاص والعام، وحكى عنه: أنه سار في بعض أسفاره، ونزل في خركاة قد نصبت له قبل أصحابه، وقدم إليه الطعام، فقال لبعض أصحابه لأى شىء قيل في المثل: خير الأشياء في القرية الإمارة، فقال: لقعودك في الخركاة، ولهذا الطعام بين يديك، وأنا لا خركاة، ولا طعام، فضحك، وأعطاه الخركاة، والطعام. ومن محاسن أفعاله ما فعله من نصرة بختيار بن أخيه معز الدولة على ابنه عضد الدولة على ما نذكره في أخبار عز الدولة بختيار. وكان له من الأولاد: عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو، وفخر الدولة أبو الحسن على. ومؤيد الدولة أبو منصور بويه، وأبو العباس خسرو فيروز. وزراؤه: أول من وزر له: الأستاذ أبو الفضل أحمد بن العميد إلى أن توفى في سنة تسع وخمسين، فاستوزر بعده ولده ذا الكفايتين أبا الفتح محمد، وهو ابن اثنتين وعشرين سنة إلى أن توفى ركن الدولة. ذكر أخبار معز الدولة بن بويه هو أبو «١» الحسين «٢» أحمد بن بويه، ومعز الدولة أصغر إخوقه سنّا، وأكثرهم سعادة، وأوسعهم ملكا. وكان في ابتداء أمره مع أخيه عماد الدولة، وحضر معه المصاف الذى كان بينه، وبين ياقوت فى سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة، وهو صبى لم تنبت لحيته،

стр. 10037

وعمره تسع عشرة سنة، وكان في ذلك اليوم من أحسن الناس أثرا فى الحرب. ذكر مسيره الى كرمان، وزوال يده في الحرب، وما اتفق له وفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة سار معز الدولة إلى كرمان، وسبب ذلك أن أخويه: عماد الدولة، وركن الدولة لما تمكنا من بلاد فارس، وبلاد الجبل، وبقى هو، وهو الأصغر بغير ولاية يستبد بها رأيا أن يسيّراه إلى كرمان، فسار إليها في عسكر ضخم، فلما بلغ السيرجان «١» استولى عليها، وجبى أموالها، وأنفقها في عسكره، وكانت عساكر نصر بن أحمد السامانى صاحب خراسان تحاصر محمد بن إلياس بن اليسع بقلعة هناك، فلما بلغهم إقبال معز الدولة، ساروا عن كرمان إلى خراسان، فتخلص محمد بن إلياس من القلعة، وسار إلى مدينة قم، وهى على أطراف المفازة بين كرمان، وسجستان، فسار إليه معز الدولة، فرحل عن مكانه إلى سجستان بغير قتال، فسار ابن بويه إلى جيرفت وهى قصبة كرمان، واستخلف ثمّ بعض أصحابه، فلما قارب جيرفت أتاه رسول على الديحى «٢» المعروف بعلى كلويه، وهو رئيس القفص البلوص «٣» ، وكان هو وأسلافه متغلبين على تلك الناحية إلا أنهم يجاملون كل سلطان يرد البلاد،

стр. 10038

ويطيعونه، ويحملون إليه مالا معلوما ولا يطئون بساطه، فبذل لابن بويه ذلك المال، فامتنع من قبوله إلا بعد دخول جيرفت، فتأخر على كلوية نحو عشرة فراسخ، ونزل بمكان صعب المسلك، ودخل ابن بويه جيرفت، وصالح على كلويه، وأخذ رهائنه، وخطب له، فلما استقر الصلح بينهما أشار بعض أصحاب ابن بويه عليه بقصد على والغدر به، وهون عليه أمره، وأطمعه في أمواله، وقال له: إنه قد ترك الاحتراس، وسكن إلى الصلح، فأجابه إلى ذلك، وركب نحوه جريدة، وكان على متحرزا قد وضع العيون على ابن بويه، فعند ما تحرك للمسير بلغه ذلك، فجمع أصحابه، وكمنهم بمضيق على الطريق، فلما اجتاز ابن بويه بهم ثاروا ليلا من جوانبه، فقتلوا من أصحابه، وأسروا، ولم يفلت إلا اليسير، وجرح معز الدولة عدة جراحات، وأصابته ضربة في يده اليسرى، فقطعتها من نصف الذراع، وأصابت يده اليمنى ضربة أخرى، فسقط بعض أصابعه، وسقط إلى الأرض، وقد أثخن بالجراح، وبلغ الخبر إلى جيرفت، فهرب من بها من أصحابها، ولما أصبح على كلويه تبع القتلى، فرأى الأمير أبا الحسين «١» وقد أشرف على التلف، فحمله إلى جيرفت «٢» ، وأحضر له الأطباء، وبالغ في علاجه، واعتذر إليه، وأنفذ رسله إلى عماد الدولة بالاعتذار، ويعرفه غدر أخيه، ويبذل من نفسه الطاعة، فأجابه عماد الدولة إلى ما بذله، واستقر بينهما الصلح، وأطلق كل

стр. 10039

من عنده من الأسرى، وأحسن إليهم، ووصل الخبر إلى محمد بن إلياس بما جرى على ابن بويه، فسار من سجستان إلى جنّابه، فتوجه إليه معز الدولة، وواقعه، ودامت الحرب بينهما عدة أيام، فانهزم ابن إلياس، وعاد ابن بويه بالظفر، وسار إلى على كلويه لينتقم منه، فلما قاربه أسرى على أصحابه الرجّالة، فكبسوا عسكره ليلا في ليلة شديدة المطر، فأسروا منهم، وقتلوا، ونهبوا وعادوا، فلما أصبح ابن بويه، سار نحوهم، فقتل منهم عددا كثيرا، وانهزم علىّ، وكتب معز الدولة إلى أخيه عماد الدولة بما جرى له معه، ومع ابن إلياس، فأمره أخوه بالوقوف مكانه، ولا يتجاوزه، وأنفذ إليه قائدا من قواده يأمره بالعود إليه إلى فارس، ويلزمه بذلك، فعاد إلى أخيه، وأقام عنده باصطخر إلى أن قصدهم أبو عبد الله البريدى منهزما من ابن رائق وبجكم، وأطمع عماد «١» الدولة في العراق، فسير معه معز الدولة كما قدمنا ذكر ذلك في أخبار الدولة العباسية في أيام الراضى بالله. ذكر استيلاء معز الدولة على الأهواز كان مسير معز الدولة بن بويه إلى الأهواز في سنة ست وعشرين وثلاثمائة للسبب الذى قدمناه، فسار إليه، ومعه أبو عبد الله البريدى، وكان بها بجكم الرائقى، فسار لحربهم، وقاتلهم بأرجان، فانهزم منهم إلى الأهواز، وأقام بها ثلاثة عشر يوما، ثم انهزم إلى تستر،

стр. 10040

وسار إلى واسط، واستولى معز الدولة والبريدى على الأهواز، وأقلعا بها خمسة وثلاثين يوما، ثم هرب البريدى خوفا على نفسه من معز الدولة، فكاتبه يعيب عليه ذلك، ويعتبه، فاعتذر البريدى إليه أنه خاف على نفسه، وطلب من معز الدولة أن يفرج عن الأهواز؛ ليتمكن من ضمانه، فإنه كان قد ضمن الأهواز، والبصرة من عماد الدولة في كل سنة بثمانية عشر ألف ألف درهم، فرحل عنها إلى عسكر مكرم «١» خوفا من أخيه لئلا يقول له: كسرت المال، ثم أنفذ إليه البريدى ثانيا يذكر خوفه منه، ويطلب منه أن ينتقل إلى السوس «٢» ليبعد عنه، ويأمن هو بالأهواز، فحذره أصحابه، وخوفوه غدر البريدىّ، فامتنع من إجابته إلى ذلك، وكتب إلى أخيه عماد الدولة، فأنفذ إليه جيشا، فقوى بهم، واستولى على الأهواز، وهرب البريدى إلى البصرة، وأقام معز الدولة بالأهواز، وقصد البصرة وواسط، وعاد عنهما «٣» ، ولم يزل كذلك إلى أن استولى على بغداد. ذكر استيلائه على بغداد وتلقيبه وتلقيب اخوته من ديوان الخلافة كان استيلاء معز الدولة على بغداد في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فى خلافة المستكفى بالله، وسبب ذلك أن ابن [شيرزاد] «٤»

стр. 10041

لما استولى على إمرة الأمراء ببغداد بعد وفاة توزون، على ما قدّمناه في أخبار الدولة العباسية في أيام المستكفى بالله، استعمل ينال «١» كوشه على واسط، فكاتب معز الدولة، وهو بالأهواز، ودخل في طاعته، واستقدمه، فسار إليه، وقصد بغداد، فلما فارقها استتر المستكفى بالله وابن شيرزاد «٢» ، وخرج الأتراك من بغداد إلى الموصل، فلما أبعدوا ظهر المستكفى بالله، وقدمّ معز الدولة أبا محمد الحسن «٣» ابن محمد المهلبى إلى بغداد، فاجتمع بالخليفة، فأظهر السرور بمقدم ابن بويه، وأعلمه أنه إنما استتر ليتفرق الأتراك، ويحصل الأمر لمعز الدولة بغير قتال، ووصل معز الدولة إلى بغداد في حادى عشر جمادى الأولى من السنة، ونزل بباب الشمّاسيّه، ودخل من الغد إلى الخليفة، وبايعه، وحلف له، ولقبه الخليفة بمعز الدولة، ولقب أخاه أبا الحسن عليّا عماد الدولة، ولقب أبا على الحسن ركن الدولة، وأمر بضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم، وخلع الخليفة على معز الدولة، وطوّقه، وسوّره، وفوض إليه ما وراء بابه، وعقد له لواء، وأمر بالخطبة له على المنابر، وسأل معز الدولة الخليفة أن يأذن لابن شيرزاد في الظهور، وأن يأذن له أن يستكتبه، فأجابه إلى ذلك، فظهر ابن شيرزاد، ولقى معز الدولة، فولاه أمر الخراج، وجباية الأموال، ونزل معز الدولة بدار مؤنس، ونزل أصحابه في دور

стр. 10042

الناس، فلحق الناس لذلك شدة عظيمة، وصار رسما عليهم، وهو أول من فعله ببغداد، ولم يعرف بها قبله، وأخذ معز الدولة في مضايقه الخليفة، والحجر عليه، حتى في نفقته، ورتب له في كل يوم خمسة آلاف درهم، فكانت ربما تأخرت عنه، فأفرد له ضياعا، وسلمت إليه فولاها من قبله، ولم يبق له حكم في غيرها، ثم خلعه معزّ الدولة على ما ذكرناه لثمان بقين من جمادى الآخرة. وبايع المطيع لله ذكر الحرب بين معز الدولة، وناصر الدولة بن حمدان وفي شهر رجب سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة سيّر معز الدولة عسكرا مقدمهم ينال كوشه وموسى قيادة على مقدمته نحو الموصل، فلما نزلوا عكبرا أوقع ينال كوشه بموسى، ومضى هو ومن معه إلى ناصر الدولة، وكان قد خرج من الموصل يريد العراق، فوصل إلى سامرّا في شعبان، ووقعت الحرب بينه وبين أصحاب معزّ الدولة بعكبرا، فسار معز الدولة هو والمطيع لله «١» إلى عكبرا في شهر رمضان، فلما سار عن بغداد التحق ابن شيرزاد بناصر الدولة، وعاد إلى بغداد مع عساكر لناصر الدولة يحارب معزّ الدولة، فلما كان في عاشر رمضان، سار ناصر الدولة من سامرّا إلى بغداد، وأقام بها، فسار معز الدولة إلى تكريت، وكانت لناصر الدّولة، فنهبها، وعاد هو والخليفة إلى بغداد، ونزلا بالجانب الغربى، وناصر الدّولة بالشرقى. ثم وقعت الحرب بينهم ببغداد، وانتشرت أعراب ناصر

стр. 10043

الدولة بالجانب الغربى فمنعوا أصحاب معزّ الدولة من الميرة والعلف، فقلت الأسعار على الديلم، وضاق الأمر على معزّ الدولة، حتى عزم على الرجوع إلى الأهواز، وقال: نعمل معهم حيلة، فإن أفادت، وألا عدنا، فرتب ما معه من المعابر بناحية التمارين، وأمر وزيره أبا جعفر [الصيمرى] «١» ، واسفهدوست بالعبور، ثم أخذ معه بقية العسكر، وأظهر أنه يريد قطربّل «٢» ، وسار ليلا، ومعه المشاعل على شاطىء دجلة، فسار أكثر عسكر ناصر الدولة بإزائه ليمنعوه من العبور، فتمكن الصيمرى ومن معه العبور، فعبروا فلما علم معز الدولة بعبور أصحابه عاد إلى مكانه: فعلموا بحيلته، فلقيهم ينال كوشه في جماعة من أصحاب ناصر الدولة، فهزموه واضطرب العسكر الحمدانى، وانهزموا، وتبعهم ناصر الدولة، وملك الديلم الجانب الشرقيّ، وعاد الخليفة إلى داره. وذلك في المحرم سنة خمس وثلاثين، ونهب الديلم أموال الناس ببغداد، وكان مقدار ما نهبوه من أموال المعروفين دون غيرهم عشرة آلاف ألف دينار، وأمرهم معز الدولة برفع السيف، والكف عن النهب، وأمر الناس، فلم ينتهوا «٣» ، فأمر وزيره الصيمرى، فركب ببغداد، وقتل وصلب جماعة، وطاف بنفسه، فامتنعوا، واستقر معز الدولة ببغداد، وأقام ابن حمدان بعكبرا، فأرسل في الصلح بغير مشورة الأتراك التوزوتية، فهمّوا بقتله، فى شهر المحرم سنة خمس وثلاثين.

стр. 10044

ذكر اقطاع البلاد وتخريبها وفي سنة أربع وثلاثين أيضا شغب الجند على الأمير معز الدولة، وأسمعوه المكروه؛ بسبب أرزاقهم، فوعدهم إلى مدة، فاضطر إلى أخذ الأموال من غير وجهها، ثم أقطع القرى جميعها التى كانت للسلطان، وأصحاب الأملاك، فبطل لذلك أكثر الدواوين، وكانت البلاد قبل ذلك قد خربت من الاختلاف والغلاء، فأخذ القواد القرى العامرة، فازدادت عمارة لحمايتهم لها، وأما الأتباع فازداد ما أخذوا «١» خرابا، واختلت البلاد بسبب ذلك، وتعذر على معز الدولة جمع ذخيرة «٢» للنوائب، وأقطع معز الدولة غلمانه على الأتراك، وزادهم على الديلم، فوقع بينهم بسبب ذلك [الوحشة والمنافرة] «٣» ، والله أعلم بالصواب. ذكر استيلائه على البصرة كان معز الدولة قد ضم البصرة وأعمالها لأبى القاسم بن البريدى فى سنة أربع وثلاثين، ووقع الاختلاف بينهما في سنة خمس وثلاثين، فأرسل إليه معز الدولة جيشا، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب ابن البريدى، ثم سار معز الدولة هو، والخليفة المطيع لله إلى البصرة في سنة ستّ وثلاثين لاستعادتها من ابن البريدى،

стр. 10045

وسلكوا البرية إليها، فلما وصل الدرهمية «١» استأمن إليه عساكر ابن البريدى، وهرب أبو القاسم «٢» فى الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر إلى هجر، والتجأ إلى القرامطة، وملك معز الدولة البصرة، وسار منها إلى الأهواز، وأقام الخليفة، والصيمرى بالبصرة، والتقى معز الدولة بأخيه عماد الدولة بأرّجان في شعبان، فنزل معز الدولة، وقبل الأرض بين يديه، وكان يقف قائما، فيأمره بالجلوس، فلا يفعل، ثم عاد إلى بغداد. ذكر ملك معز الدولة الموصل وعوده منها بعد الصلح وفي سنة سبع وثلاثين، سار معز الدولة إلى الموصل، ففارقها ناصر الدولة إلى نصيبين، وملك معز الدولة الموصل في شهر رمضان، وظلم أهلها، وعسفهم، وأخذ أموال الرعايا، فكثر الدعاء عليه، وقصد الاستيلاء على جميع بلاد ناصر الدولة، فأتاه الخبر من أخيه ركن الدولة أن عساكر خراسان قد قصدت جرجان، والرى، واستمده، فاضطر إلى مصالحة ناصر الدولة، فترددت الرسائل بينهما، واستقرت الحال على أن يؤدى ناصر الدولة عن الموصل، وديار الجزيرة كلها، والشام، فى كل سنة ثمانية آلاف ألف درهم ويخطب في جميع بلاده لبنى بويه، وعاد معز الدولة إلى بغداد، فدخلها في ذى الحجة من السنة.

стр. 10046

ذكر وفاة الوزير الصيمرى، ووزارة المهلبى فى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة توفى أبو جعفر محمد بن أحمد الصيمرى وزير معز الدولة بأعمال الجامدة «١» ، واستوزر معز الدولة بعده أبا محمد الحسن بن محمد المهلبى في جمادى الأولى، وكان يخلف الصيمرى بحضرة معز الدولة، فعرف أموال الدولة والداووين، وظهرت أمانته، وكفاءته، فاستوزره، ومكّنه من الوزاة، فأحسن السيرة، وأزال كثيرا من المظالم، ثم ضربه معز الدولة بالمقارع في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، مائة وخمسين مقرعة ووكل به في داره «٢» ، ولم يعزله من وزارته بل ضربه لأمور نقمها عليه. وفي سنة خمس وأربعين في شهر رجب عصى على معز الدولة روزبهان بن ونداخزشيد «٣» ، وسار إلى الأهواز، وأطاعه أكثر الدّيلم [فسار إليه] «٤» معز الدولة، ولقيه بالأتراك فقط، وعدتهم ألف فارس. وذلك في يوم الإثنين سلخ شهر رمضان من السنة، فهزمه معز الدولة، وأسره. وفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. استولى معز الدولة على الموصل؛ وسبب ذلك أنه كان قد ضمنها له ناصر «٥» الدولة بن حمدان في كل سنة بألفى ألف درهم. فلما كان في هذه السنة أخر حمل

стр. 10047

المال، فسار معز الدولة إلى الموصل ففارقها ناصر الدولة إلى نصيبين، ودخلها معز الدولة. ثم سار منها إلى نصيبين، ففارقها ناصر الدولة، وتوجه إلى أخيه سيف الدولة بحلب، فراسله سيف الدولة في الصلح، فامتنع من تضمين ناصر الدولة لخلفه معه مرة بعد أخرى، فضمن سيف الدولة البلاد منه بألفى ألف وتسعمائة ألف درهم، فضمنه، وذلك في المحرم سنة ثمان وأربعين، وانحدر إلى بغداد، وفي سنة [خمسين] «١» وثلاثمائة أمر معز الدولة ببناء داره ببغداد، فشرع في عمارتها، فكان مبلغ الخرج عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج بسبب ذلك إلى مصادرة جماعة من أصحابه. ذكر ما كتب على مساجد بغداد وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة في شهر ربيع الآخر منها كتب عامّة الشيعة ببغداد بأمر معز الدولة على المساجد ما صورته: «لعن الله معاوية بن أبى سفيان، ولعن من غصب فاطمة رضى الله عنها فدكا «٢» ، ومن منع أن يدفن الحسين «٣» عند قبر جده ﵇، ومن نفى أباذرّ الغفارى، ومن أخرج العباس من الشورى» . فلما كان الليل محاه بعض الناس، فأراد معز الدولة إعادته، فأشار عليه الوزير

стр. 10048

المهلبى أن يكتب مكان ما محى: «لعن الله الظالمين لآل رسول الله ﷺ ، ولا يذكر [أحدا في اللعن] «١» إلا معاوية، ففعل ذلك» . ذكر وفاة الوزير المهلبى وفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة سار الوزير المهلبى في جمادى الآخرة في جيش إلى عمان ليفتحها، فلما بلغ البحر اعتل، واشتدت علته، فأعيد إلى بغداد، فمات في الطريق في شعبان وحمل تابوته إلى بغداد، فدفن بها، وقبض معز الدولة أمواله، وذخائره، وأخذ أهله، وأصحابه، وحواشيه، حتى ملاحه، ومن خدمه يوما واحدا، فاستعظم الناس ذلك، واستقبحوه، فكانت مدة وزارته ثلاث عشر سنة، وثلاثة أشهر، وكان كريما فاضلا ذا عقل ومروءة، فمات بموتة الكرم. ونظر في الأمور بعده أبو الفضل العباس بن الحسين «٢» الشيرازى. وأبو الفرج محمد بن العباس بن فساعن «٣» من غير تسمية لأحد منهما بوزارة. وفيها. فى يوم عاشوراء أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النّياحة، ويلبسوا ثيابا عملوها من المسوح «٤» ، وأن تخرج النساء منشرات

стр. 10049

الشعور مسودات الوجوه قد شققن ثيابهن، ويدرن في البلد بالنوايح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن على بن أبى طالب، ففعل الناس ذلك. ولم يكن للسنّية قدرة على المنع، لكثرة الشيعة؛ ولأن السلطان منهم. وفيها. فى ثامن [عشر] «١» ذى الحجة أمر معز الدولة أيضا بإظهار الزينة في البلد وإشعال النيران بمجلس الشرطة، وفتحت الأسواق ليلا. فعل ذلك فرحا بعيد الغدير «٢» ، وكان يوما مشهودا. ذكر وفاة معز الدولة بن بويه كانت وفاته في ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الآخر، سنة خمس وخمسين وثلاثمائة «٣» بعلّة الذّرب، وكان بواسط وقد جهّز الجيوش لمحاربة عمران بن شاهين الخارج عليه فابتدأ به الإسهال وقوى عليه، فسار نحو بغداد، وخلف أصحابه، ووعدهم أن يعود إليهم. فلما وصل إلى بغداد اشتد مرضه، وصار لا يثبت في معدته شىء، فلما أحس بالموت عهد إلى ابنه بختيار، وأظهر التوبة، وتصدق بأكثر ماله، واعتق مماليكه ورد شيئا كثيرا على أصحابه وتوفى. ودفن بداره ثم نقل إلى مشهد بنى له في مقابر قريش، فكانت

стр. 10050

إمارته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا ويومين. ومولده على ما حكاه إبو اسحاق الصابى في سنة ثلاث وثلاثمائة، فيكون عمره على هذا ثلاثا وخمسين سنة تقريبا. وكان ملكا شجاعا مقداما، قوى القلب، صليب العود، أبى النفس، إلا أنه كان في أخلاقه شراسة، وكانت إحدى يديه مقطوعة. وقد ذكرنا سبب قطعها مما تقدم، وقيل في قطعها غير ذلك. ومعز الدولة هذا هو الذى أحدث السّعاة، ورتب لهم الجرايات الكثيرة لأنه أراد أن يصل خبره ألى أخيه ركن الدولة سريعا، فنشأ في أيامه فضل، ومرعوش، وفاقا جميع السعاة، وكان الواحد منهما يسير في اليوم الواحد نيفا وأربعين فرسخا، وكان أحدهما ساعى السّنّية» والآخر ساعى الشيعة. أولاده: عز الدولة أبو منصور بختيار مشيد الدولة أبو حرب حبشى. عمدة الدولة أبو اسحق إبراهيم أبو طاهر محمد. وزراؤه. أول من وزر له أبو الحسن أحمد بن محمد الرازى، وكان يخاطب بالأستاذيه إلى أن توفى بالأهواز في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. فاستوزر أبا جعفر محمد بن أحمد بن يعلى الصيمرى. وكان شجاعا حسن الآثار إلى أن توفى في ليلة الإثنين لست خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين، فاستوزر أبا محمد الحسن بن محمد المهلبى من ولد قبيصة «١» بن المهلب، وخوطب بالأستاذية مدة، ثم خوطب بالوزارة إلى أن توفى سنة اثنتين وخمسين. فلم يستوزر بعده أحدا.
следующие страницы →