← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

سنة ثلاث وستمائة، فمنعوه القلعة، فأمر أصحابه بنهب البلد فنهبوا عدة مواضع، فتوسط القاضى بينهم أن يسلم إليه من الخزانة خمسين ألف دينار ركنية «١» ، وأخذ له من التجار شيئا آخر، وخطب أيدكز بغزنة لغياث الدين محمود، وقطع خطبة الدز، ففرح الناس لذلك، واتصل الخبر بالدز، ووصل إليه رسول أيبك، فخطب لغياث الدين في تكيناباد «٢» ، وأسقط اسمه من الخطبة، ورحل إلى غزنة، فلما قاربها فارقها أيدكز إلى بلد الغور، وأقام في نمران، «٣» وكتب إلى غياث الدين [محمود] » ، يخبره بحاله، وأنفذ إليه المال الذى أخذه من الخزانة والتجار بغزنة، فأرسل إليه خلعا سنية، وأعتقه، وخاطبه بملك الأمراء، ورد عليه مال الخزانة «٥» ، وقال له: أما مال الخزانة، فقد أعدناه إليك، وأما أموال التجار وأهل البلد فقد أرسلناها إلى أربابها لئلا تقبح دولتنا بالظلم، وقد عوضتك عنها ضعفيها، وأرسل أموال الناس إلى القاضى بغزنة، وأمره بردها على أربابها، ففعل ذلك، وكثر الدعاء له، وصار الدز بين الطاعة والخلاف لغياث الدين.

стр. 9977

ذكر مقتل غياث الدين محمود، وانقراض الدولة الغورية كان مقتلة في سنة خمس وستمائة. وسبب ذلك أن خوارزم شاه سلم هراة إلى خاله أمين «١» ملك، وأمره أن يقصد غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد بن سام «٢» ، ويقبض عليه، وعلى على شاه بن خوارزم شاه، ويأخذ فيروزكوه، فسار أمين ملك إلى فيروزكوه، واتصل الخبر بغياث الدين، فبذل الطاعة، وطلب الأمان، فأمنه، فلما نزل إليه من فيروزكوه قبض عليه، وعلى على شاه أخى خوارزم شاه، فسألهما أن يحملهما إلى خوارزم شاه ليرى فيهما رأيه، فأرسل أمين «٣» ملك إلى خوارزم شاه يعرفه الخبر، فأمره بقتلهما، فقتلا في يوم واحد، واستقامت خراسان كلها لخوارزم شاه. وانقرضت الدولة الغورية بقتل غياث الدين هذا، وكانت من أحسن الدول، وأكثرها جهادا، وكان غياث الدين هذا عادلا كريما حليما، من أحسن الملوك سيرة، وأكرمهم أخلاقا، وهو آخر ملوك الدولة الغورية، وكان ابتداء هذه الدولة من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وانقراضها في سنة خمس وستمائة، فتكون مدتها ثلاثا وستين سنة تقريبا، وربما ظهرت قبل هذا التاريخ، وإنما انتشرت واشتهرت وتمكنت في سنة ثلاث وأربعين. فلذلك جعلنا ابتداءها فيها. وعدة من ملك منهم عشرة ملوك، وهم محمد بن الحسين وهو بن الحسن ملك ببلاد الغور قبل سنة ثلاث وأربعين، ولم أظفر بابتداء ملكه،

стр. 9978

فاذكره في سنته، ثم ملك بعده أخوه سام بن الحسين، ثم ملك بعده أخوه سورى بن الحسين، ثم ملك بعده أخوه الحسين، وهو أول من علا ذكره، وطار اسمه، وتمكّنت دولته، ثم ملك بعده ابنه سيف الدين محمد بن الحسين، ثم ملك بعده غياث الدين أبو الفتح محمد ابن سام بن الحسين، ثم ملك بعده شهاب الدين محمد بن سام، ثم اضطرب أمر الدولة الغورية بعده، فملك علاء الدين، وجلال الدين ابنا بهاء الدين سام صاحب باميان، ولم تطل مدّتهما. وإنما ذكرناهما في عدد الملوك الغورية؛ لأنهما استوليا على غزنة، وخطب لهما بها، وملك غياث الدين محمد، وكانت دولته في غاية الاضطراب كما ذكرنا. ذكر أخبار تاج الدين الدز، وما كان من أمره بعد مقتل غياث الدين استقبل تاج الدين الدز بملك غزنة بعد مقتل غياث الدين محمود، وأحسن السيرة في الرعية، ودام ملكه بها إلى أن ملكها السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن رتكش «١» فى سنة ثنتى عشرة وستمائة «٢» على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الخوارزمية، ولما ملكها خوارزم شاه هرب تاج الدين الدز من غزنة، وسار إلى مدينة «لهاوور» ، واستولى عليها من صاحبها ناصر الدين قباجة

стр. 9979

وهو من المماليك الشهابية بعد حرب كانت «١» بينهما انتصر فيها الدز، ثم سار من مدينة لهاوور إلى الهند ليملك ما بيد المسلمين منها، فلقيه شمس الدين الترمش مملوك قطب الدين أيبك، وكان قد ملك بعد وفاة مولاه، فاقتتلا قتالا شديدا، أجلت الحرب عن قتل تاج الدين الدز، وكان محمود السيرة في ولايته، كثير العدل والإحسان إلى رعيته، لا سيما التجار الغرباء، ومن محاسن أعماله ومكارم أخلاقه وحلمه أنه كان له أولاد، ولهم مؤدّب يعلمهم القرآن، فضرب أحدهم، فمات، فأحضره الدز، وقال له: يا مسكين ما حملك على ما فعلت، فقال: والله ما أردت إلا تأديبه، فمات. فقال له: صدقت، وأعطاه نفقة، وقال له: تغيّب، فإن أمّه لا تقدر على الصبر، وربما أهلكتك، ولا أقدر أمنعك، وهذا نهاية الحلم، ولم يشتهر الأحنف بن قيس بالحلم بأكثر من هذا، وكان القاتل ابن أخيه، وهذا أجنبى رحمه الله تعالى.

стр. 9980

الباب العاشر من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار ملوك العراق، وما والاه وملوك الموصل والديار الجزيرية، والبكرية «١» والبلاد الشامية، والحلبية، والدولة الحمدانية، والديلمية البويهية، والسلجوقية، والأتابكية. ذكر أخبار الدولة الحمدانية وهذه الدوله كانت بالموصل. وديار ربيعة، وديار بكر، والثغور، وحلب، وجذ ملوكها الذين ينسبون إليه هو مكابد المحل حمدان بن الحارث بن لقمان بن راشد بن رافع بن مسعود التغلبى «٢» العدوى، وإنما سمى الأمير حمدان مكابد المحل لأن الموصل أجدبت في بعض السنين حتى عدم القوت بها، فمات الناس أجمع سنتين إلى أن أغيثوا، ففيه يقول الشاعر: مازلت في قيظ المعيشة جاهدا ... حتّى دعيت مكابد المحل

стр. 9981

وكان لحمدان أبناء كثيرون. منهم الأمير أبو الهيجاء عبد الله، والمملكة في أولاده. ذكر ابتداء امارة أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون بالموصل كان ابتداء إمارته في سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وذلك أن الخليفة المكتفى «١» بالله استعمله على الموصل وأعمالها في هذه السنة، فسار إليها وقدمها في «٢» أول المحرم، فأقام بها يوما واحدا، وخرج من الغد بمن قدم معه وبمن فيها، فأتاه الصريخ من نينرى أن الأكراد [الهذانية] «٣» ، ومقدمهم محمد بن بلال قد أغار على البلد، فسار من وقته، وعبر الجسر إلى الجانب الشرقى، فلحق الأكراد بالعروبة على [الخازر] «٤» ، فقاتلوه فقتل رجل من وجوه أصحابه اسمه سيما الحمدانى، فعاد عنهم، وكتب إلى الخليفة يستمده، فأتته العساكر بعد شهور، فسار في شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين إليهم، وكانوا قد اجتمعوا في خمسة آلاف بيت، فلما عاين الأكراد الجيش قصدوا جبل السّلق، وامتنعوا به وهو جبل عال مشرف على الزاب، وجاء مقدمهم إلى أن قرب من أبى الهيجاء، وراسله في الحضور عنده،

стр. 9982

وأن يرهن أولاده عنده، ويتركون القتال، فأجابه أبو الهيجاء إلى ذلك، ورجع محمد بن بلال ليأتى بالرهائن، فحثّ أصحابه على المسير نحو أذربيجان، فبلغ بن حمدان خبره، فأراه النجدة التى وصلت إليه من قبل الخليفة على المسير معه، فتثبطوا عنه، فسار عبد الله بأصحابه يقفوا أثر الأكراد، فلحقهم وقد تعلقوا بالجبل المعروف بالقنديل، فقتل منهم جماعة، وانصرف عنهم، ولحق الأكراد بأذربيجان، ورجع عبد الله إلى الموصل، ثم خرج إلى الأكراد، وحاصرهم بجبل السّلق أشد حصار، فنجا محمد بن بلال بأهله وأولاده ومن لحق بهم، واستولى عبد الله على بيوتهم وسوادهم وأموالهم وأهليهم، فطلبوا الأمان فأمنهم، وأبقى عليهم وردهم إلى بلدهم، ورد عليهم أموالهم، وقتل منهم قاتل صاحبه سيما، وأمنت البلاد معه، وأحسن السيرة في أهلها «١» ، ثم حضر إليه محمد بن بلال بأمان، وأقام بالموصل «٢» ، وتتابع الأكراد الحميدية وأهل جبل داسن «٣» إليه بالأمان، فأمنت البلاد، واستقامت، ولم تزل كذلك إلى سنة إحدى وثلاثمائة.

стр. 9983

ذكر مخالفة عبد الله بن حمدان، ورجوعه الى الطاعة وفي سنة إحدى وثلاثمائة خالف الأمير أبو الهيجاء عبد الله على الخليفة المقتدر بالله، فثار به أهله، ونهبوا داره، فكتب إلى بنى تغلب «١» ، فأتوه فدخل «٢» الموصل، وأوقع بأهلها وقتل منهم فأرسل إليه الخليفة مؤنسا المظفر في جيش، فقصده أبو الهيجاء واستأمن له، وأظهر الطاعة، وقال: إنه ما فارقها، وسار معه إلى بغداد، فخلع المقتدر عليه، وولى مكانه نحرير الصغير ولاه «٣» مؤنس المظفر. ذكر القبض على بنى حمدان، واطلاقهم وفي سنة ثلاث وثلاثمائة قبض الخليفة المقتدر بالله على أبى الهيجاء ابن حمدان، وجميع إخوته وحبسهم، وكان سبب ذلك أنّ أخاه الحسين بن حمدان خرج عن الطاعة، وكان بالجزيرة، فسيّر إليه الخليفة جيشا، وكان بينهم حروب كان آخرها أن الحسين أسر وأحضر إلى بغداد، فقبض المقتدر على جميع إخوته وأهله، وحبسهم واستمروا في الحبس بدار الخليفة إلى سنة خمس وثلاثمائة فأطلقوا. وفي سنة ثمان وثلاثمائة خلع المقتدر بالله على أبى الهيجاء بن حمدان، وقلّده طريق خراسان، والدّينور، وخلع على أخويه أبى العلاء وأبى السرايا.

стр. 9984

وفي سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة. أسر القرامطة أبا الهيجاء بن حمدان، ثم أطلقوه، وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار القرامطة. وفي سنة أربع عشرة وثلاثمائة ضمن أبو الهيجاء أعمال الخراج والضياع بالموصل [وقردى وبازبدى] «١» ، وما مع ذلك مضافا إلى ما بيده من ولاية طريق خراسان، وغيرها، وكان هو مقيما ببغداد وابنه ناصر الدولة يخلفه بالموصل، وأقام على ذلك إلى أن قتل في يوم الإثنين سابع عشر المحرّم سنة سبع عشرة وثلاثمائة عند خلع المقتدر بالله وبيعة القاهر على ما شرحناه مبينا في خلافة المقتدر بالله. وكان القاهر بالله لما بويع بالخلافة في النصف من المحرم اختص بأبى الهيجاء حمدان، فلما ثار الجند بعد يومين من بيعته كان أبو الهيجاء عنده، فبادر بالقيام ليخرج، فتعلق القاهر بأذياله، واستجار به، فحملته الحمية العربية على الثبات، ودخل الأجناد على القاهر وهو وأبو الهيجا [يتخللان] «٢» القاعات حتى حصرا «٣» بقاعة، فدخل عليهم الجند من بابها، فجرد أبو الهيجاء سيفه، وأوقف القاهر وراءه، وصار يحمل على الأجناد، فيردهم إلى الدهاليز، ثم يعود ويعودون، فصعد بعض الجند إلى أعلى القاعة، ورموه بالنشاب إلى أن مات. هذا أحد ما قيل في صفة قتله. وكان شجاعا فاتكا كريما محبوبا إلى الخفاء والأمراء، وخلف من الأولاد: أبا محمد الحسن، وأبا الحسين على،

стр. 9985

وأبا العطاف خير، وأبا زهير. والمملكة من هؤلاء في الحسن وعلى وعقبهما، واستبد ابنه الحسن بالأمر على ما نذكره بعد ذكرنا لأخبار عمه الحسين بن حمدان. ذكر أخبار الحسين بن حمدان بن حمدون، وهو أخو أبى الهيجاء كان الحسين هذا من أمراء بنى حمدان المشهورين ولى قمّ وأعمالها، والموصل، والجزيرة، وغير ذلك من الأعمال الجليلة، وكان شجاعا سفاكا، ذا همّة عالية، اجتمع عنده نيّف وعشرون طوقا من خلع الخلفاء كلّ طوق منها لقتله خارجيّا، ولم يزل عند الخلفاء يعدّ للمهمات إلى أن خالف على المقتدر بالله في سنة ثلاث وثلاثمائه. وكان إذ ذاك بالجزيرة، وجمع نحوا من عشرة آلاف، فبعث المقتدر لحربه [رائقا] «١» الحجرى في جيش كثيف، فانهزم الحسين، وقصد ابن أبى الساج بأذربيجان، ومرّ على أرزن فخرج إليه واليها ليردّه، فهزمه الحسين. وكان مؤنس المظفّر بالقرب من أرزن، فبعث إليه من أدركه، وقبض عليه، وأدخل إلى بغداد، وهو مشهور على جمل في زى شنيع وابنه كذلك، وقبض عند ذلك على سائر إخوته، وهم أبو الهيجاء، وأبو العلاء سعيد، وأبو السرايا، وأبو الوليد، وحمدون، واعتقلوا في دار الخلافة، ولم يترك منهم إلا داود، وأقام

стр. 9986

الحسين في الحبس إلى أن عزم الخليفة على إخراجه في سنة خمس وثلاثمائة وتوليته مقدمة الجيش لمحاربة يوسف بن أبى الساج، فلم يفعل، وامتنع، وقال: الساعة لما احتجتم «١» لى، فغضب الخليفة لذلك، وأمر قاهرا الخادم أن يقتله، فقتله في الحبس، ورمى رأسه إليه ورميت جثّته في دجلة، وأطلق عند ذلك سائر بنى حمدان، وما منهم، إلا من له ذكر وتقدم، وإنما خصصنا عبد الله والحسين بالذكر دون غيرهما من إخوتهما لاشتهارهما في الدولة العبّاسية، وتقدمهما، ولأنهما وليا جلائل الأعمال، وتقدما على الجيوش في الحروب. وقد تقدم من أخبارهما في الدولة العباسية ما يستدل به على تقدمهما وشجاعتهما، وذكرنا أيضا في أخبار الخوارج بالموصل كيف كان ظفر الحسين بهارون الخارجى الذى كانت فتنته قدعمت، فلنذكر الطبقة الثانية منهم، وهم أولاد عبد الله بن حمدون. ذكر أخبار ناصر الدولة هو أبو محمد الحسن «٢» بن أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان ابن حمدون. لما قتل والده كان يخلفه بالموصل وأعمالها، فتقدم في خدمة الدولة العباسية، وتنقل في الولايات إلى أن تولى الموصل في أيام الراضى بالله، وتغلب عليها في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة

стр. 9987

لما ضعفت الدولة العباسية، فندب ابن مقلة الوزير إليه عمه أبا العلاء سعيد بن حمدان، وولاه الموصل، وأمره بالقبض على ناصر الدولة، فلما قرب من الموصل، خرج ناصر الدولة لتلقيه، فخالفه سعيد، ودخل البلد [ونزل] «١» داره، وقبض على خزائنه، فبلغه الخبر فرجع عجلا، ودخل الدار، وقبض على عمه، وأمر بعض الغلمان بعصر مذاكيره، فعصرت حتى مات، وذلك في شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، فاتصل الخبر بابن مقلة، فتجهز في العساكر الخليفية، وسار من بغداد إلى الموصل لخمس خلون من شعبان، وكان ناصر الدولة لدهائه ومكره لا يصافف من يقصده، فلما بلغه خبر مسير بن مقلة، رفع أمواله وخزائنه وحرمه إلى قلعة الموصل، وجعل فيها من خواص غلمانه من يدفع عنها، ثم خرج من الموصل فى عسكره، وأخرج معه كل تاجر في البلد، ولم يترك بالموصل علوفة ولا قوتا إلا رفعه إلى القلعة، فوصل الوزير بن مقلة إلى الموصل، وهى بهذه الصفة، فأقام بحال سيئة، وبعث بالعساكر مع على بن خلف بن طيّاب «٢» فى طلب ناصر الدولة، فسار خلفه ودخل ناصر الدولة إلى أرمينية، فعاد ابن طياب ولم يتبعه، وطال المقام على ابن مقلة، ونفدت الأقوات، فقلد الموصل لعلى بن خلف، وقلد جزيرة ابن عمر لما كرد الدّيلمى، وقلد عبد الله بن أبى العلاء المقتول والده نصيبين وعاد إلى بغداد، وانتهى الخبر إلى ناصر الدولة، فخرج من أرمينية، وقد أطاعه سائر ملوكها وجبى خراجها، وقصد الجزيرة

стр. 9988

وبها ما كرد، فكاتب ما كرد من كان مع ناصر الدولة من الأمراء، ووعدهم عن الوزير ابن مقلة، فاستأمنوا إليه، وفارقوا ناصر الدولة، فانفصل عن الجزيرة كالمنهزم وراسل على بن أبى جعفر «١» الديلمى وهو مع على بن خلف بالموصل، ووعده الجميل والإحسان إليه، فأفسد من مع ابن طياب، ووصل ناصر الدولة إلى الموصل ودخلها، فاستأمنوا إليه، وخرج بن طياب هاربا في ليلة الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ثم جهز ناصر الدولة الجيوش مع على بن أبى جعفر إلى الجزيرة لقتال ما كرد، وإخراجه منها، فلما قرب «٢» منها، فارقها ما كرد وسار إلى نصيبين «٣» ، واستنجد بأبى ثابت العلاء بن المعمر «٤» ، فجمع له، العرب وأنجده، فكتب علىّ لناصر الدولة بالخبر بأخيه سيف الدولة على بن عبد الله، وأمر على بطاعته، ثم سار ناصر الدولة بنفسه تابعا لأخيه وقاتل ما كرد وأبا ثابت، فقتل أبو ثابت، وهرب ما كرد إلى الرقة، وانهزمت بنو حبيب بعد مقتل أبى ثابت إلى بلاد الروم وتنصروا إلى الآن، واستقامت مملكة الموصل، وديار ربيعة، ومضر لناصر الدولة، وفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة خرج الخليفة الراضى بالله، ومعه بجكم «٥» طالبا الموصل، فأخرج ناصر الدولة جيشه مع ابن عمه الحارث بن سعيد، فلما التقى الجيشان، وقع في جيش ناصر الدولة أنه استأمن، فانهزموا إلى

стр. 9989

ناصر الدولة، فدخل الموصل في ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من المحرم، وصلى الجمعة، ثم خرج من الموصل، ودخلها بجكم يوم السبت، وسار ناصر الدولة إلى الخالدية ثم رحل منها يريد برقعيد «١» ، وبقى بها جماعة من أهله، ووافى بجكم الخالدية، فأوقع بهم وخرج أبو وائل وتمادى الأمر على ذلك، ثم وقع الصلح على مال بذله الحسن، وعاد ناصر الدولة إلى الموصل لليلتين خلتا من شهر ربيع الآخر منها، واستمر إلى سنة ثلاثين وثلاثمائة «٢» ، والله أعلم بالصواب. ذكر ولاية ناصر الدولة امرة الأمراء بالعراق كان «٣» سبب ذلك أن أبا الحسن بن البريدي لما ملك بغداد، وهرب المتقى لله إلى الموصل، ومعه أمير الأمراء أبو بكر بن رائق، واستنجد بناصر الدولة، فقتل ناصر الدولة ابن رائق في شهر رجب سنة ثلاثين «٤» وثلاثمائة كما قدمنا ذكر ذلك في أخبار الدولة العباسية، فرد المتقى لله تدبير الدولة إلى ناصر الدولة وساروا جميعا إلى بغداد ومع ناصر الدولة أخوه سيف الدولة، فانهزم البريديون من بين يديه، وتولى ناصر الدولة إمرة الأمراء، ونعته المتقى بهذا النعت، ونعت أخاه: سيف الدولة، وخلع عليهما. وذلك في شوال

стр. 9990

سنة ثلاثين وثلاثمائة، وزوج المتقى لله ولده أبا منصور بابنة ناصر الدولة، وضرب ناصر الدولة السكة عيادا «١» لم يضرب قبله مثله إلا السندى، وزاد على نقش السكة محمد رسول الله ﷺ «٢» وهو أول من فعل ذلك، وأقام ببغداد ثلاثة عشر شهرا، ثم اجتمعت الأتراك، وقدّموا عليهم توزون، وهو بواسط، وسيف الدولة فى عسكره معهم، وبلغ ناصر الدولة قيام الأتراك، فسار إلى الموصل صحبة المتقى، وأمر أخاه سيف الدولة بمناصبة الأتراك، فكبسه توزون ليلا، فانهزم إلى الموصل، ثم راسل توزون المتقى في الصلح فأجاب، ورجع فكان من أمره والقبض عليه وسمله ما قدمناه. وأقام ناصر الدولة بالموصل لا يتعرض لبغداد إلى أن ملكها معز الدولة بن بويه الديلمىّ، فتحرك إليها في جمادي الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وحاصر «٣» معز الدولة بن بويه حتى كاد يأخذه، ثم رجع عنها في صورة منهزم وامتنع من حمل المال، فتجهز معز الدولة إلى الموصل لقتاله، فرفع أمواله إلى القلعة، ولم يترك في البلد قوتا ولا علوفة البتّة وبقى في خيل جريده «٤» . فلما قرب معز الدولة إلى الموصل فارقها ناصر الدولة، وسار فكان تارة بنصيبين «٥» وتارة بآمد، وتارة ببلد «٦» ، ونزل معز

стр. 9991

الدولة قصر ناصر الدولة، وأقام بالموصل، فنفدت الأزواد فبعث بغالا تقلّه مع سراياه إلى القرى لتحصل الأقوات والعلوفات، ففرّق عند ذلك ناصر الدولة بنيه، وهم ثمانية كل منهم تزيد مماليكه وغلمانه على خمسمائة رجل، فكانوا لا يجدون سرية إلا هزموها، ولا قافلة إلا نهبوها، فإذا خرج معز الدولة في طلبهم تكشفوا بين يديه، ويخلفه ناصر الدولة إلى الموصل، فيأخذ ما يجد بها من الأموال، ويرفعه إلى القلعة، وإن وجد أحدا من قواده سجنه بها، فكان هذا دأبه إلى أن استقر الصلح بينه، وبين معز الدولة في سنة خمس وثلاثين. وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة في شهر رجب ملك معز الدولة ابن بويه الموصل، وفارقها ناصر الدولة إلى نصيبين «١» ، فتبعه معز الدولة، ففارقها، وبعث أولاده إلى الموصل لقتال من فيها، فرجع إليهم معز الدولة، فانكشفوا بين يديه، فسار إلى بلد، واجتمع ناصر الدولة بأولاده، وسار إلى الموصل، فأسروا من أصحاب معزّ الدولة الذين تركهم بها نيفا وسبعين قائدا: فقيّدهم ناصر الدولة، وحملهم إلى القلعة، ومعهم ستمائة من الجند، ووجد مائة وثلاثين بدرة لمعزّ الدولة، فأخذها، وخرج من الموصل ومضى إلى حلب، وأقام عند أخيه سيف الدولة، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن تم الصلح بين معزّ الدولة بن بويه وسيف الدولة، وأبى تغلب بن ناصر الدولة على إطلاق الأسرى وردّ ثمانين بدرة، فأجاب إلى ذلك ناصر الدولة، ورجع معز الدولة

стр. 9992

إلى بغداد، وعاد ناصر الدولة إلى الموصل، ولم يزل بها مالكا [لها] «١» من غير منازع إلى أن قبض عليه ولده. ذكر القبض على ناصر الدولة ووفاته وفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة في ليلة الثلاثاء لست بقين من جمادي الأولى، قبض عدة الدولة أبو تغلب فضل الله على والده ناصر الدولة، وهو نائم بعد أن شاخ وكبر، فحمله على فراشه إلى قلعة الموصل، واعتقله بها، فكان بها إلى أن مات، وكانت وفاته في يوم الجمعة وقت العصر لاثنتى عشرة «٢» ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فكانت مدة تغلّبه نحوا من ثلاث وثلاثين سنة، سوى ولاية الموصل قبل ذلك. وكان له من الأولاد عشرة وهم: عدة الدولة الغضنفر أبو تغلب فضل الله «٣» ، وكان قد ولّاه الجزيرة، وأبو المظفر حمدان ولاه نصيبين، وأبو الفوارس محمّد ولاه الموصل، وأبو القاسم هبة الله ولاه بلد، وأبو طاهر إبراهيم ولاه سنجار، وأبو المرجّى جابر. وأبو البركات لطف الله، وأبو المطاع ذو القرنين، وأبو عبد الله الحسين. كتّابة: دنجا «٤» بن إسحاق، كان كاتب المطيع لله،

стр. 9993

أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازى، وأبو الحسن الباهلى، وبهلون بن هاشم، وأبو القاسم بن مكرم. ذكر أخبار سيف الدولة هو أبو الحسن «١» على بن أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون. كان في ابتداء أمره في خدمة أخيه ناصر الدولة إلى أن دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، فانفرد سيف الدولة بديار بكر، والسبب فى ذلك أن على بن أبى «٢» جعفر الديلمى لما استأمن إلى ناصر الدولة كما ذكرناه، وخرج على علىّ بن خلف بن طياب سأله أن يولّيه الجزيرة عند إخراج ما كرد منها، فاعتذر عنها، وكان أحمد بن نصر القنسوري بديار بكر في عدّة قليلة، فجهز ناصر الدولة مع على ابن أبى جعفر جيشا، وأمره أن يسير إلى ديار بكر، فانصرف أحمد ابن نصر عنها، ودخلها علىّ بن أبى جعفر، وسكن أرزن، وأقام الدعوة لناصر الدولة، وهو في خلال ذلك يحصّن البلد، ويستكثر من الرجال والأجناد، فنمى الخبر إلى ناصر الدولة، فلم يأمن شرّه، وأمره بالقدوم عليه، فأبى ذلك، وأظهر العصيان، فندب ناصر الدولة عند ذلك أخاه سيف الدولة لحربه، وقال له: إن فتحت ديار بكر، وقبضت على علىّ الديلمى، ملّكتك بلادها وقلاعها من غير أن تحمل عنها شيئا لخليفة، ولا لغيره، فسار سيف الدولة في ألف

стр. 9994

فارس، فتحصّن منه في قلعة «أرزن» وهى المعروفة بحصن العيون، فنزل سيف الدولة تحتها على النهر المعروف [بسربط] «١» ، وحصر «٢» عليا بها، فبعث الديلمىّ حاجبه بدر الجستانى إلى ابن يرنيق «٣» ملك أرمينية، وإلى سائر بطارقتها يستنجد بهم على سيف الدولة، فاتّصل خبر الحاجب بسيف الدولة، فرصده عند عوده، فقبض عليه، فسأله الديلمى الأمان على أن يمضى إلى بغداد، أو يبقى في خدمته، فأجابه إلى ذلك، وحلف له، ونزل إليه وسلّم القلعة، فوفىّ له سيف الدولة، وأقام علىّ في خدمته إلى أن استأمن إلى ابن رائق، وملك سيف الدولة بعد ذلك جميع بلاد أرمينية وما جاور بلاد بكر، ثم ملك حلب «٤» وانتزعها من يد الأخشيدية، ثم قلّد بعد ذلك الثغور «٥» الجزيرية، وهى طرسوس، وعين زربة «٦» ، والمصيصة، وما جاورهم من الثغور، من غير أداء مال عن شىء مما بيده من الأعمال؛ لأنه كفى المسلمين أمر الروم نحوا من أربعين وقعة له وعليه. وكان بعيد الهمة شجاعا يلقى الأمور بنفسه. وكان شاعره أبو الطيب المتنبى يمدحه في كل غزاة،

стр. 9995

ويذكر وقائعه» فكان الدمستق يقول: «بلينا بشاعر كذّاب، وأمير خفيف الركاب» وكان لسيف الدولة خمسمائة غلام أقران لهم بأس شديد، إذا حمل بهم في جيش حزقه «١» . وكان سنه عند ولايته خمس عشرة سنة، فظهرت شجاعته. وكان أديبا فاضلا وله شعر ذكره الثعالبى في يتيمة الدهر، ومن جملة غزواته أنه خرج غازيا في ذي القعدة سنة ست وعشرين وثلاثمائة، فانتهى إلى حصن «دادم «٢» » وسار إلى حصن زياد «٣» ، فشارف فتحه، وأقام عليه تسعة أيام، فوافاه الدمستق في مائتى ألف، فانكفأ راجعا يريد [شمشاط] «٤» ، وخيول الروم تسايرة، فلما كان يوم النحر وصل إلى موضع بين حصنى [زياد، ودادم] «٥» وسلام، فوقف، وأقبلت عساكر الروم، فناجرهم القتال، فهزم الله الروم، وأسر سيف الدولة منهم سبعين بطريقا، ولم يزل القتل والأسر فيهم إلى الليل، وأخذ سرير الدمستق وكرسيه. ولسيف الدولة مع الروم وقائع كثيرة مشهورة ذكرها كثير من المؤرخين تركناها لاشتهارها. وفي سنة ثلاثين وثلاثمائة. ملك سيف الدولة مدينة حلب، وانتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابىّ صاحب الإخشيد، واتفق خروج العدوّ إلى تلك النواحى، فسار إليهم، وأوقع بهم وقعة عظيمة، فاعتصموا

стр. 9996

منه بجبل منيع، فصعد إليهم، فكان منهم من ألقى نفسه من الجبل فمات، وغنم منهم غنيمة عظيمة. ولما بلغ الإخشيد ذلك أنفذ عسكره مع كافور، فهزمهم سيف الدولة، ودخل حمص وأعمالها، فملكها وسار إلى دمشق، ودخلها، فكاتبه الإخشيد، وبذل له الموادعة بعد أن بذل له أن يحمل إليه من المال نظير ما كان يحمل لابن رائق، فلم يجب إلى ذلك، وقال: جوابك إذا دخلت مصر إن شاء الله. ثم جرت بينهما أمور، واتّفقا على أن يكون لسيف الدولة حمص، وحلب، وما بينهما، وأفرج عن دمشق، وتزوج بابنة أخى الإخشيد. ثم مات الأخشيد عند رجوعه على ما نذكره في أخباره، وذلك في المحرم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، فمضى سيف الدولة إلى دمشق، واستأمن إليه جماعة منهم: «يانس المونسى» ، وأقام بها. ثم سار لحرب كافور الإخشيدى، فنزل اللّجون «١» والإخشيديه بقربه، والتقوا، فانهزم جيش سيف الدولة، ورجع هو إلى دمشق، فأخذ والدته وخاصّته وأمواله، وسار إلى حلب، ثم وقع الصّلح بينهم في سنة ست وثلاثين على ما وقع بينه وبين الأخشيد أولا. وفي فتح سيف الدولة دمشق يقول الخالديان «٢» : يا سيف دولة آل النبى ... حويت العلا دولة وابتداء

стр. 9997

ليهنك أنّك دانى الندا ... ومجدك فوق النجوم اعتلاء وأنّك لما ملكت الملوك ... تكبّرت أن تلبس الكبرياء ولما حويت العراق انكفيت ... إلى عرصات الشام انكفاء وجزت دمشق فطهرتها ... وأبدلتها بالظلام الضياء وما مصر عنك بممنوعة ... إذا ما استعنت عليها القضاء وفي سنة ست وثلاثين ظفر سيف الدولة القرمطى الملقب بالهادى، واستنقذ أبا وائل. وفي سنة إحدى وأربعين بنى سيف الدولة مرعش، فسار إليه الدمستق، فأوقع به سيف الدولة. وفي سنة اثنتين وأربعين فتح حصن العريمة، وأخرب مدينة ملطية، وكان الدمستق قد أخرب الحدث في سنة سبع وثلاثين، فسار إليه سيف الدولة، ونزل به فى يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخره سنة ثلاث وأربعين، فحط الأساس، وحفر أوله بيده، وحفر الناس وأقام إلى أن بناه ووضع بيده آخر شرافة «١» منه لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رجب من السنة. وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. ورد على سيف الدولة من سائر الثغور طرسوس «٢» ، وأذنة، والمصيصة رسل نوابه، ومعهم رسول ملك الروم في طلب الهدنة، فهادنهم، ولم يزل سيف الدولة في ملكه يوما له ويوما عليه إلى أن كبرت سنه. وضعف في آخر عمره واضطرب أمر دولته.

стр. 9998

ذكر اختلال دولته واستيلاء الدمستق على حلب «١» ، وما أخذه من أموال سيف الدولة قال: ولما كبر سيف الدولة وضعفت قدرته لمرض لحقه في آخر عمره فلج منه نصفه، وتفرقت عنه البوادى وتقاعد عنه المسلمون، وفسد ما بينه وبين ابن الزيات أمير الثغور من قبله «٢» ، واشتغل عنه أخوه ناصر الدولة بحرب معز الدولة، فلم ينجده، فقويت الروم، واستولى الدمستق على الثغور، ثم قصد حلب في حشد عظيم من الروم والأرمن، فلم يشعر به سيف الدولة إلا وقد أطلّ على البلد، فقاتله سيف الدولة، وحمل بنفسه وغلمانه وابن أخيه هبة الله بن ناصر الدولة حتى كاد أن يؤخذ، فانهزم، وملك الروم داره بظاهر حلب وكان ذرعها ستة آلاف ذراع، وأخذ منها ما لا يحصى من الأموال، فكان من جملة ما أخذ مائة بدرة ذهبا، ومائتا بدرة من الورق، وثلاثمائة حمل من البزّ الفاخر، وخمسون حملا من الديباج، ومن أوانى الذهب والفضة ما لا يحصى كثرة، ومن الخيل ثمانمائة فرس، ومن البغال خمسمائة، ومن السلاح، والمناطق، والتجافيف، والسيوف مائة حمل، ومن الجمال ألفا جمل «٣» ، ونقل سقوف الدار معه. وكان نزوله على حلب في يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وفتح البلد في يوم

стр. 9999

الثلاثاء، وأقام فيه إلى يوم الثلاثاء الكائن بعده، وتحصن «١» أهل حلب في القلعة بما أمكنهم من الأموال، واستولى الدمستق على البلد بما فيها، ثم فارقها، ورجع سيف الدولة إليها، وقد ذهب أكثر أمواله، فبعثت له أخته هدية من ميّافارقين كان من جملهتا مائة ألف دينار. ذكر وفاة سيف الدولة كانت وفاته ﵀ في الضحى من نهار الجمعة لخمس بقين من صفر سنة خمس وخمسين وثلاثمائة «٢» ، وكان مولده في يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة سنة ثلاث وثلاثمائة، فكان عمره اثنين وخمسين سنة وشهرين وثمانية أيام. وكانت مدة ملكه نحوا من ثلاثين سنة. وكان شجاعا كريما معجبا بارائه محبا في الفخار والبذخ مظفرا في حروبه جائرا على رعيته، اشتد بكاء الناس منه وعليه، وكان له من الأولاد خمسة. وهم: أبو الهيجاء عبد الله، توفى فى حياة أبيه في صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. وأبو البركات وهو أكبرهم، توفى في حياة أبيه في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وأبو المعالى شريف، وهو الذى ملك بعد أبيه. وأبو المكارم مات في حياته. وست الناس ابنته. كتابه: أبو الحسن «٣» على بن الحسين المغربى والد الوزير.

стр. 10000

وأبو محمد بن الفياض. وأبو إسحاق محمد أحمد القراريطى «١» . وأبو الفرج محمد بن على السرّمرّائىّ، وأبو عبد الله محمد بن سليمان بن فهد الموصلى وغيرهم. حجابه: نجا غلامه، وقرعوية، وبقى. فهذه الطبقة الثانية من آل حمدان. فلنذكر الطبقة الثالثة منهم. ذكر أخبار عدة الدولة الغضنفر وهو أبو تغلب الغضنفر ابن ناصر الدولة أبى محمد الحسن أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون. ملك الموصل، وما كان بيد أبيه عند قبضه على والده ناصر الدولة في ليلة الثلاثاء لستّ بقين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلاثمائة، وأطاعه سائر إخوته إلا أبو المظفر حمدان، وهو الذى يليه فى العمر. وكان ناصر الدولة قد قلده المرحبة، ولما مات عمه سيف الدولة سار إلى الرقة ونصيبين، فملكها، وسوّغه والده ارتفاع «٢» جميع تلك البلاد. فكتب أبو المظفر إلى أخيه أبى تغلب يأمره بإطلاق والدهما ناصر الدولة، وتوعّده إن لم يفعل، فغضب لذلك، وفسد الحال بينهما، وجرت بينهما أمور يطول شرحها، فجهز أبو تغلب جيشا لقتال أخيه، وجعل عليه أخاه أبا البركات، فكان له معه حروب ووقائع، آخرها أن أبا المظفر حمدان ظفر بأخيه أبى البركات، وضربه على رأسه، فسقط إلى الأرض، فأخذه أسيرا واستباح سواده، وانقسم عسكره بين مستأمن إلى حمدان، وأسير، وقتيل، ثم انكفأ حمدان

стр. 10001

إلى قرقيسياء «١» ليعالج أخاه من ضربته، فمات أبو البركات بعد أيام فأنفذه حمدان في تابوت إلى الموصل، واستحكمت عند ذلك العداوة بين بنى حمدان، وبين أخيهم أبى تغلب. واختلف باقى الإخوة، وكانوا متفرقين في أعمالهم فاحتال أبو تغلب على أخيه محمد، وكان واليا على نصيبين حتى قبض عليه، وذلك في شعبان سنة ستين وثلاثمائة واعتقله في قلعة أردمشت «٢» ، فلم يزل بها حتى هرب أبو تغلب، وملكها عضد الدولة بن بوبه، فاطلقة وأكرمه، ورد عليه ضياعه ومنها قلعة: الشعبانى «٣» ، وقلعة أهرون «٤» ، وغيرهما من القلاع. وفي سنة إحدى وستين وثلاثمائة سلم أخو حمدان لأمه لأبى تغلب الغضنفر قلعة ماردين «٥» ، فأخذ منها جميع أمواله وحر؟؟؟ هـ، وكان المحاصر له بجيش أبى تغلب أبو اليقظان عمار بن أبى السرايا نصر بن حمدان. وفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة في آخر يوم من شهر رمضان أوقع أبو القاسم هبه الله بن ناصر الدولة بالدمستق ملك الروم الوقعة المشهورة، وكان الدمستق في نحو خمسين ألفا فأسر أبو القاسم، وقتل أكثرا الجيش وكانت الوقعة على بلد. قال: ثم أخذ أبو تغلب في استفساد إخوته واحدا بعد واحد حتى صاروا بأجمعهم إليه إلا أبو طاهر «٦» إبراهيم، فإنه استأمن إلى بختيار، ومضى إلى بغداد. وسار أبو تغلب

стр. 10002

بجماعة إخوته إلى قرقيسياء، فنزل بها، وبعث أخاه، أبا القاسم هبة الله إلى الرحبة في جيش ليوقع بأخيه حمدان، فخرج حمدان هاربا، واتبعه ابنه أبو السرايا وسلك طريق البرية، وكاد هبة الله أن يأخذه. وقيل: إنه قدر عليه وتركه، وسار حمدان إلى بغداد، فدخلها في ذى الحجة سنة ستين وثلاثمائة، واجتمع بأخيه إبراهيم: وأقاما عند بختيار مدة، ثم كوتب إبراهيم من الموصل (بالعودة إلى طاعة أخيه فهرب، فأغضب ذلك عز الدولة بختيار وسار إلى الموصل) «١» فى شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين، فدخلها، ورحل أبو تغلب إلى سنجار. ثم تقرر الصلح بينهما على أن يفرج أبو تغلب لأخيه حمدان عن ضياعه التى كان قبض عليها، فأجاب إلى ذلك، وأفرج له عنها، واستقر ملك الغضنفر بالموصل إلى أن ملك عضد الدولة بن بويه بغداد، وأخرج ابن عمه عز الدولة بختيار إلى الشام وشرط عليه ألا يتعرض إلى بلاد عدة الدولة الغضنفر، فأجاب إلى ذلك، وسار وصحبته «٢» حمدان بن ناصر الدولة فلما وصل مبكرا أفسد حمدان نيته، وحرضه على طلب بلاد أخيه أبى تغلب، فعزم على ذلك، وسار فنزل تكريت، فوصل إليه على بن عمر الكاتب بهدية من أبى تغلب، وصحبه في الطريق، فلما خلا به أفسد بينه وبين حمدان وعرفه أن مصالحة أبى تغلب بإفساد حمدان هى الرأى الصريح، وذكر أنه سلم «٣»

стр. 10003

حمدان إلى أبى تغلب عاضده على إخراج عضد الدولة من العراق وأعاد مملكته إليه، ولم يزل يغريه إلى أن بعث لأبى تغلب، وأخذ عليه العهود بذلك، وقبض عند ذلك على حمدان، وسلمه لأبى تغلب، وأخته جميلة، فحبساه، ثم قتلاه صبرا، وهرب ولده أبو السرايا إلى عضد الدولة ببغداد. ذكر فساد حال عدة الدولة، وزوال ملك بنى ناصر الدولة وما كان من أمر عدة الدولة الى أن قتل قال: ولما قتل أخاه جمع الجموع لنصرة عز الدولة بختيار وجمع بختيار أيضا، وسارا إلى بغداد وخرج عضد الدولة، فنزل الحصن «١» غربى سامرا، ونزلا تجاهه، وباكروا القتال في يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة من السنة، وبعث الجيوش في طلب أبي تغلب عدة الدولة، ومحمد ابن عمه معز الدولة، فتنقل أبو تغلب في البلاد من مدينة إلى أخرى، والجيوش تطلبه إلى أن سار إلى حصن زياد، وكاتب ملك الروم قلاروس المنعوت «٢» بورد يستنجده، وكان ورد قد خرج عليه ملك آخر، وانقضت عنه جموع الروم، فبعث إلى أبى تغلب يسأله اللحاق به ليلقى الخارج عليه، فإن نصر عليه عاد معه لنصرته، فبعث إليه أبو تغلب قطعة من جيشه، ثم عاد

стр. 10004

فنزل بآمد وأقام بها قريبا من شهرين، فاستولى عضد الدولة على ميافارقين والجزيرة، وسائر بلاد عدة الدولة، ففارق آمد عند ذلك، وسار إلى دمشق، وملك عضد الدولة آمد والرحبة، وسائر بلاد بنى حمدان إلا ما كان في يد سعد الدولة بن سيف الدولة، فإنه لم يتعرض إليه كحلب، وديار مضر، وربيعة، وما والاها من الحصون والبلاد لخدمة خدمه بها سعد الدولة، ثم ملك عضد الدولة بعد ذلك قلاع أبى تغلب التى فيها أمواله وذخائره وهى من «١» جانب دجلة الشرفى على طريق الجزيرة. قال: ولما وصل أبو تغلب إلى دمشق وجد قسّام العيّار متغلبا عليها، فنزل بظاهرها، وكتب إلى العزيز خليفة مصر يسأله أن يولّيه الشام، فخاف العزيز عاقبته، وكاتبه بأن يفعل ذلك، وياخذها من قسّام، وكاتب قسّام ألّا بسلّم إليه البلد، فطال الأمر على أبى تغلب، وضجر من تردد الرسائل، واجتمع معه بنو عقيل، فسار وقصد الرملة، وذلك في المحرم سنة تسع وستين «٢» وثلاثمائة، فهرب [دغفل] «٣» بن الجراح منه، ثم حشد، وجمع، وقصد الرملة، والتقى مع أبى تغلب على باب الرملة في يوم الإثنين لليلة خلت من صفر سنة تسع وستين، فانهزم بنو عقيل، وسائر من مع عدة الدولة، ولم يبق معه إلا غلمانه، وهم نحو سبعمائة فارس،

стр. 10005

فانهزم بهم، وأدركته الخيل، فثنى وجهه لقتالهم، فقتل فرسه، وأسره سبع الطائى وهو ابن عم لدغفل بن الجراح، وسلمه إلى دغفل، فقتله في يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من صفر سنة تسع وستين وثلاثمائة؛ وكان «١» مولده يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وكانت مدة ملكه إلى حين انفصاله عن آمد نحوا من ثنتى عشرة سنة. وكان له من الأولاد. أبو الهيجاء أحمد، وأبو الفتح نصر الله. كتابه: أبو موسى النصرانى. وقرة بن ديما «٢» . وأبو الحسن على بن عمر بن ميمون. وعلى بن عمر بن عمر «٣» . فلنذكر أخبار أولاد سيف الدولة: ذكر أخبار سعد الدولة هو أبو المعالى شريف بن سيف الدولة أبى الحسن على بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون. ملك حلب وديار بكر، وغير ذلك مما كان بيد والده سيف الدولة بعد وفاته في يوم الجمعة لخمس بقين من صفر سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ولما توفى والده سيف الدولة بحلب كان سعد الدولة بديار بكر، فاجتمعت غلمان أبيه: قرعون. وبقى. وبشاره «٤» ، وغيرهم على تقديمه ونصرته، وضبط قرعويه حلبا نيابة عنه،

стр. 10006

وبعث بتابوت مولاه إلى ديار بكر مع بقى وبشارة «١» الخادم في جمادى الأولى من السنة وكان بين بقى وبشارة منافرة، فأذاع بقى عن بشارة أنه قد كاتب حمدان بن ناصر الدولة، وكان قد غلب على الرقة ونصيبين عند وفاة عمه، وعزم على أخذ حلب وكتب بقى إلى «٢» قرعويه بذلك، فقبض على أسباب بشارة بحلب، ولما بلغ بشارة الخبر داخل بقى وآنسه، وأظهر له المودة فأنسر به، وأخبره بما أضمره، وأنه يقصد الاستيلاء على ديار بكر، ويقبض على أبى المعالى ابن مولاه، ويملك هو التدبير، وضمن لبشارة أنه يسلم إليه ميافارقين، فأظهر بشارة القبول، والإقبال عليه، وسار بمسيره، فلما قربوا من ميافارقين، كتب بشارة إلى أبى المعالى يحذره من الخروج للقاء التابوت، ويعرفه ما عزم عليه بقى، فأظهر أبو المعالى علة، وامتنع من الركوب، وأخرج أهل البلد لتلقى التابوت، فلم يدخل بقى المدينة، ووكل بأبوابها خلقا من الرجال الذين أعلمهم بالخبر، وقبض على قوم من الكتاب، وطالبهم بمال ينفقه في رجاله، فدخل بشارة المدينة، وطلع على السور، وأغلق الأبواب، وخاطب أصحاب بقى عن أبى المعالى بكل جميل، فمالوا إليه، وفارقوا صاحبهم فبطل ما دبره بقى، وسار إلى منازكرد «٣» ، وكتب إلى أبى المعالى يطلب منه الأمان.

стр. 10007

فأمنه، ولما حصل عنده قبض عليه، وسلمه لبشارة، فقتله، وسار أبو المعالى إلى حلب في شهر رجب من السنة. ذكر مقتل أبى فراس الحارث، واستيلاء أبى المعالى على حمص قال المؤرخ: كان سيف الدولة قد أقطع أبا فراس الحارث ابن سعيد بن حمدان، وهو خال أبى المعالى شريف حمص بعد خلاصه من أسر الروم، فأكثر الظلم والتعدى على أهلها. فلما توفى الأمير سيف الدولة اضطربت أموره، ثم فسد ما بينه وبين ابن أخته أبى المعالى، فسار أبو المعالى، ففارق حمص، وانحاز إلى ضيعة له في طريق البرية تعرف «بصدد» ، وجمع سعد الدولة أعراب بنى كلاب وظالما العقيلى، وبعثهم على «١» مقدمته مع قرعويه، فكبس أبا فراس «بصدد» ، فناوشهم القتال، ثم قتله بعض غلمان قرعويه، وعاد سعد الدولة إلى حمص، فولاها لذكا غلام قرعويه. ذكر استيلاء قرعويه على حلب، واخراج أبى المعالى عنها قال: ثم فسد ما بين سعد الدولة وبين قرعويه، ووافقه أكثر الغلمان، وأهل البلد، فأخرج أبا المعالى منها، وقطع دعوته، وتغلّب على البلد، فسار سعد الدولة إلى أرزن، وميّا فارقين،

стр. 10008

فمر في مسيرة بحران، فأغلق أهلها الأبواب في وجهه، ومنعوه من الدخول، إليها إلا أنهم لم يقطعوا دعوته، فمضى إلى ميافارقين، وكانت والدته بها، فبلغها أن غلمانه قد عزموا على القبض عليها، وحملها إلى القلعة، فأغلقت أبواب المدينة في وجه ابنها ثلاثة أيام إلى أن توثقت منه، وممن معه، ومن أجناده، ثم فتحت الأبواب وأطلقت أرزاق غلمانه، فصلحت أحوالهم، ثم جمع سعد الدولة واحتشد، وسار إلى حلب، فنزل عليها في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وحاصرها، وفي مدة غيبتة نزل أبو البركات ابن ناصر الدولة بجيش على ميّافارقين، فأغلقت والدة أبى المعالى الأبواب دونه، وضبطت البلد، وراسلته تتعرف منه سبب مقصده، فعرفها أنه يقصد العدو، وأنه يريد منها ما يتقوى به على قصده، فبذلت له مائتى ألف درهم، فلم يقنع بها، وطلب منها ضياعا كانت لسيف الدولة بالقرب من نصيبين، فأعملت التدبير إلى أن أفسدت عليه جماعة ممّن معه، ثم ركبت، وكبسته في عسكره وقتلت جماعة من غلمانه، فانهزم أبو البركات، وراسلها، فردّث عليه بعض ما نهبت منه، وأطلقت له مائة ألف درهم، وأطلقت حاجبه، وكانت قد أسرته، فرحل عنها. ولم يزل أبو المعالى على حصار حلب حتى فتح الروم أنطاكية في يوم النحر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، واستقرّوا بها، وأنفذوا جيشا لأخذ حلب، فارتحل أبو المعالى عنها، ونزلت الروم عليها، وملكوا المدينة، فصالحهم قرعويه على أن يؤدّى لهم جالية «١» ، ويكون في ذمّتهم إلى أن يموت،

стр. 10009

فإن مات ولى مكانه غلامه بكجور، وكتب فيهم «١» كتابا، ونزل أبو المعالى معرة النعمان، ووالدته نائبة عنه بميّافارقين، فورد عليها الخبر أن ملك الروم تحرك لقصد دبار بكر، فخافت أنها لا تنهض بضبط ميّافارقين، فتبرأت من الأمر، ودبر البلد أهله، ثم راسلوا أبا تغلب بن ناصر الدولة في وال. فبعث إليهم أبا الفوارس هزار مرد أحد مماليك سيف الدولة الكبار. ذكر الصلح بين سعد الدولة وقرعويه، والقبض على قرعويه، وقيام بكجور، وعود ملك «حلب» الى سعد الدولة وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة تمّ الصلح بين أبى المعالى وقرعويه، ودعا له بحلب، وكان أبو المعالى ينزل بحماه، وكانت حمص قد أخربها الروم عند دخولهم إليها في ذى الحجة سنة ثمان وخمسين، فنزل دقطاش «٢» غلام سيف الدولة بها وعمرها لأبى المعالى. فنزلها بعد ذلك، وكان قرعويه قد قدم غلامه بكجور على قرعويه. واعتقله، وملك حلب، وأقام بها نحوا من خمس سنين، فلم يرض أهلها سيرته، وكاتبوا أبا المعالى، فسار إليها، ونزل معرة النعمان، ففتحها، ثم نزل على حلب في سنة ست وستين وثلاثمائة، وأقام عليها نحوا من أربعة أشهر، وافتتحها بحيلة، وتحصن بكجور بالقلعة، ثم صالح على أن يوليه سعد الدولة حمص، وسلم القلعة

стр. 10010

بما فيها، فتسلمها سعد الدولة، ووفى لبكجور، وعظمت مملكة أبى المعالى عند ذلك، وقويت حرمته، وتمكنت دولته. ذكر تولية سعد الدولة من قبل الخليفة وتلقيبه «١» كان سبب ذلك أن عضد الدولة البويهى لما ملك العراق بعد ابن عمه عز الدولة بختيار كاتبه أبو المعالى يبذل له الطاعة والدعوة، فتنجز له من الخليفة الطائع لله الخلع واللّقب بسعد الدولة، والولاية على ما بيده من الأعمال، وأرسل ذلك مع رسول، وخادم الخلافة. وكان جلوس الخليفة لذلك في شهر رجب سنة سبع وستين وثلاثمائة. ذكر خلاف «٢» بكجور على الأمير سعد الدولة وما كان من أمره قال: وأقام بكجور بحمص، وعمّرها أحسن عمارة، وأمّن أهلها وطرقاتها إلى أن وقع بينه وبين سعد الدولة في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. فسار بكجور إلى حلب وحاصرها، فبلغ ذلك ملك الروم، فسار لنصرة أبى المعالى ونزل «٣» أنطاكية، وكان معه. مفرج [ابن دغفل بن الجراح، وكان بين مفرج وبكجور مودة، فكتب إليه مفرج] «٤» يخبره بقصد الروم، فرحل عن حلب، وسار إلى حمص وأخذ ما أمكنه من أمواله، وكان العزيز صاحب مصر استدعى بكجورا

стр. 10011

ليوليه الشام ودمشق لما اشتهر من شهامته، فتولى دمشق بعد خطب عظيم جرى له، واضطراب حال، ودخلت الروم حمص الدخلة الثانية بإذن سعد الدولة لأنه خاف أن يملكها بكجور بالمغاربة، وكان دخولهم إليها في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. وتسلم بكجور دمشق في يوم الأحد مستهل شهر رجب سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. ثم وقع بين بكجور، وبين يعقوب بن كلّس الوزير، فقبض بكجور على وكلاء الوزير بدمشق، فاستحكمت العداوة بينهما، وأفسد الوزير نفس نزار صاحب مصر على بكجور، فبعث منيرا الخادم في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة لقصد بكجور، وإخراجه من دمشق من غير إظهار ذلك بل أظهر أنه قصد بإرساله طرد مفرج بن دغفل من دمشق، وجرى من الأمور ما أوجب خروج بكجور بأمواله وحرمه من دمشق. وكان خروجه في يوم الثلاثاء منتصف شهر رجب سنة ثمان وسبعين. وسار بكجور إلى الرقة، وكان قد بعث غلامه وصيفا في سنة ست وسبعين وثلاثمائة إليها، فتسلمها من ديلمى، وكان بها من أصحاب عضد الدولة بعد وفاته، فلما دخلها بكجور راسل الطائع لله، فلم يجد عنده ما يؤثره، فأقام على الدعوة لنزار صاحب مصر، وبعث إليه نزار يقول: إنى ما أردت إخراجك من دمشق، وإنما أردت طرد ابن الجراح منها، وأبقى عليه ضياعه، وأمواله بها، وقوى أمر بكجور بالرقة، واشتد طمعه فى أخذ حلب من سعد الدولة وكاتب نزارا بذلك، وطلب إنجاده، فكتب نزار إلى والى طرابلس بالمسير إلى بكجور متى استدعاه،

стр. 10012

وجمع بكجور العرب وكتب إلى نزار «١» والى طرابلس أن يوافيه بحلب، وكان سعد الدولة قد كاتب بسيل «٢» ملك الروم يعلمه بذلك، ويطلب منه أن يأمر نائبه بأنطاكية، وسائر الثغور بإنجاده متى طلبهم، فكتب بسيل لهم بذلك، ثم أرسل سعد الدولة بكجور، وبذل له أن يقطعه من الرقة إلى حمص، فقال لرسوله: «قل له الجواب ما تراه دون ما تسمعه» . ثم سار بكجور لحرب سعد الدولة، وتقدمت مقدماتها فتطاردا «٣» ، فكان سعد الدولة يخلع على من أبلى من أصحابة، وينعم عليهم ويحملهم، وبكجور يكتب أسماء من أبلى من أصحابه لينظر فى أمرهم، فتغيرت لذلك قلوبهم. ثم كاتب سعد الدولة أعراب بكجور، وأطمعهم فعصوا «٤» على بكجور ونهبوا سواده. ثم سار كل من العسكرين في يوم السبت لسبع خلون من صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة إلى الآخر، والتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر لسعد الدولة وأصحابه على بكجور، فانهزم إلى حلب، واستولى القتل والأسر على غلمانه، واستخفى بكجور في بيت رحى بظاهر حلب، وتقلبت به الأحوال إلى أن استجار ببعض العرب، فحمله إلى سعد الدولة، فضرب عنقه، ثم سار سعد الدولة بعد أن أعاد الروم إلى بلادهم، وقصد الرقة، فنازلها وتحصن منه سلامة الرشيفى «٥» غلام بكجور بحصن الرافقة، ومعه حرم بكجور

стр. 10013

وأمواله، وابن المغربى كاتبه، فكاتبه سعد الدولة في تسليم الحصن، فبعث سلامة إليه يقول: أنا عبدك، ولكن لبكجور عندى صنائع تمنعنى من تسليم الحصن إلا أن أستوثق لحرمه وأولاده، فإن أمنتهم على أن يكون لك السلاح من أموالهم دون غيره سلمت لك الحصن، فأجابه سعد الدولة إلى ذلك، وحلف له وتسلم الحصن. ولما نزل أولاد بكجور، وحملوا أموالهم قال ابن أبى حصين قاضى حضرة سعد الدولة: إن بكجورا مملوكك لم تعتقه، وأولاده كذلك ولا مال لهم، ولا إثم عليك في أخذ أموالهم، فقبض عليهم عند ذلك، وأخذ الأموال، وهرب ابن المغربى إلى الكوفة، وكتب أولاد بكجور بذلك إلى العزيز نزار صاحب مصر، فكتب العزيز إلى سعد الدولة كتابا يهدده فيه ويقول: إن لم تطلق آل بكجور وأموالهم بعثت الجيوش لحربك. وأنفذ الكتاب مع فائق الصقلبى، فوصل إليه، وقد عاد من الرقة، وهو نازل بظاهر حلب. فلما وقف سعد الدولة على الكتاب غضب، وأحضر الرسول، وصفعه، وألزمه أن يأكل الكتاب فتناوله، ومضغه حتى فرغ منه، وقال له: عد إلى صاحبك، وقل له لا حاجة لك في إرسال الجيوش، فأنا سائر إليك، والخبر يأتيك من الرملة، وعزم سعد الدولة على قصد العزيز صاحب مصر، فعاجلته منيته.

стр. 10014

ذكر وفاة سعد الدولة كانت وفاته ليلة الأحد لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وسبب ذلك أنه لما أعاد رسول العزيز بالرسالة التى ذكرناها قدّم بعض جيوشه إلى حمص. وأقام هو بظاهر حلب أياما ليرتب أحواله، فعرض له قولنج أشفى منه، فأشار أطباؤه عليه بدخول حلب وملازمة الحمام، ففعل ذلك وانتفع «١» وصح، فلما كان في اليوم الثالث من صحته زين له «٢» البلد ليركب، فجاءته جارية في ليلة ذلك اليوم من جملة حظاياه، وكن أربعمائة حظية، وكان سعد الدولة يهواها، فلما رآها ما تمالك عند رؤيتها أن واقعها، فلما فرغ سقط عنها، وقد جف نصفه الأيمن، وفلج فدخل عليه النفيس الطبيب، والتمس أن يجس نبضه، فناوله اليد اليسرى فقال: يا مولاى اليمين، فقال: يا نفيس ما تركت لى اليمين شيئا، أراد بذلك نقض اليمين التى حلفها لآل بكجور. وتوفى في هذه المرضة. ومن العجب أن والده سيف الدولة فلج نصفه الأيسر قبل وفاته. وفلج نصف سعد الدولة الأيمن، فاجتمع منهما مفلوج، وكانت مدة ملكه خمسا وعشرين سنة وتسعة أشهر. وكان له من الأولاد. أبو الفضائل وهو الأكبر. وأبو الهيجاء. كتابه: أبو الحسن المغربى «٣» والمصيصى وغيرهما. حاجبه: لؤلؤ الكبير الجراحى وغيره. والله أعلم.

стр. 10015

ذكر أخبار أبى الفضائل بن «١» سعد الدولة أبى المعالى شريف بن سيف الدولة أبى الحسن على بن عبد الله بن حمدان بن حمدون ولى بعد وفاة أبيه في يوم الأحد لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وذلك أن والده سعد الدّولة لما أدركته الوفاة عهد إليه، وأوصى لؤلؤا «٢» الجراحى، وجعله مدبر جيشه، وأوصاهما بالسيدة ستّ النساء، وبولده أبى الهيجاء عبد الله الأصغر. ذكر ما كان بين لؤلؤ الجراحى وبين العزيز نزار صاحب مصر وفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة وصلت جيوش العزيز نزار صاحب مصر لمحاصرة حلب، وسبب ذلك أن ابن المغربى لما انهزم من سعد الدولة إلى الكوفة عند القبض على آل بكجور كاتب العزيز يستأذنه فى الانضمام إليه، والانحياز إلى جهته، فأذن له، فسار إليه، ودخل القاهرة في يوم الخميس النصف من جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وبلغ عند العزيز مرتبة عظيمة حتى صار يستشيره فى عظائم الأمور، ويأتمنه على الأسرار، فلما بلغه وفاة سعد الدولة حسّن للعزيز أن يبعث جيشا إلى حلب، وكان العزيز قد بعث [بمنجوتكين] «٣» التركى في جيش إلى دمشق في تاسع شهر رمضان
следующие страницы →