← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.

стр. 10046

ذكر وفاة الوزير الصيمرى، ووزارة المهلبى فى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة توفى أبو جعفر محمد بن أحمد الصيمرى وزير معز الدولة بأعمال الجامدة «١» ، واستوزر معز الدولة بعده أبا محمد الحسن بن محمد المهلبى في جمادى الأولى، وكان يخلف الصيمرى بحضرة معز الدولة، فعرف أموال الدولة والداووين، وظهرت أمانته، وكفاءته، فاستوزره، ومكّنه من الوزاة، فأحسن السيرة، وأزال كثيرا من المظالم، ثم ضربه معز الدولة بالمقارع في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، مائة وخمسين مقرعة ووكل به في داره «٢» ، ولم يعزله من وزارته بل ضربه لأمور نقمها عليه. وفي سنة خمس وأربعين في شهر رجب عصى على معز الدولة روزبهان بن ونداخزشيد «٣» ، وسار إلى الأهواز، وأطاعه أكثر الدّيلم [فسار إليه] «٤» معز الدولة، ولقيه بالأتراك فقط، وعدتهم ألف فارس. وذلك في يوم الإثنين سلخ شهر رمضان من السنة، فهزمه معز الدولة، وأسره. وفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. استولى معز الدولة على الموصل؛ وسبب ذلك أنه كان قد ضمنها له ناصر «٥» الدولة بن حمدان في كل سنة بألفى ألف درهم. فلما كان في هذه السنة أخر حمل

стр. 10047

المال، فسار معز الدولة إلى الموصل ففارقها ناصر الدولة إلى نصيبين، ودخلها معز الدولة. ثم سار منها إلى نصيبين، ففارقها ناصر الدولة، وتوجه إلى أخيه سيف الدولة بحلب، فراسله سيف الدولة في الصلح، فامتنع من تضمين ناصر الدولة لخلفه معه مرة بعد أخرى، فضمن سيف الدولة البلاد منه بألفى ألف وتسعمائة ألف درهم، فضمنه، وذلك في المحرم سنة ثمان وأربعين، وانحدر إلى بغداد، وفي سنة [خمسين] «١» وثلاثمائة أمر معز الدولة ببناء داره ببغداد، فشرع في عمارتها، فكان مبلغ الخرج عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج بسبب ذلك إلى مصادرة جماعة من أصحابه. ذكر ما كتب على مساجد بغداد وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة في شهر ربيع الآخر منها كتب عامّة الشيعة ببغداد بأمر معز الدولة على المساجد ما صورته: «لعن الله معاوية بن أبى سفيان، ولعن من غصب فاطمة رضى الله عنها فدكا «٢» ، ومن منع أن يدفن الحسين «٣» عند قبر جده ﵇، ومن نفى أباذرّ الغفارى، ومن أخرج العباس من الشورى» . فلما كان الليل محاه بعض الناس، فأراد معز الدولة إعادته، فأشار عليه الوزير

стр. 10048

المهلبى أن يكتب مكان ما محى: «لعن الله الظالمين لآل رسول الله ﷺ ، ولا يذكر [أحدا في اللعن] «١» إلا معاوية، ففعل ذلك» . ذكر وفاة الوزير المهلبى وفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة سار الوزير المهلبى في جمادى الآخرة في جيش إلى عمان ليفتحها، فلما بلغ البحر اعتل، واشتدت علته، فأعيد إلى بغداد، فمات في الطريق في شعبان وحمل تابوته إلى بغداد، فدفن بها، وقبض معز الدولة أمواله، وذخائره، وأخذ أهله، وأصحابه، وحواشيه، حتى ملاحه، ومن خدمه يوما واحدا، فاستعظم الناس ذلك، واستقبحوه، فكانت مدة وزارته ثلاث عشر سنة، وثلاثة أشهر، وكان كريما فاضلا ذا عقل ومروءة، فمات بموتة الكرم. ونظر في الأمور بعده أبو الفضل العباس بن الحسين «٢» الشيرازى. وأبو الفرج محمد بن العباس بن فساعن «٣» من غير تسمية لأحد منهما بوزارة. وفيها. فى يوم عاشوراء أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النّياحة، ويلبسوا ثيابا عملوها من المسوح «٤» ، وأن تخرج النساء منشرات

стр. 10049

الشعور مسودات الوجوه قد شققن ثيابهن، ويدرن في البلد بالنوايح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن على بن أبى طالب، ففعل الناس ذلك. ولم يكن للسنّية قدرة على المنع، لكثرة الشيعة؛ ولأن السلطان منهم. وفيها. فى ثامن [عشر] «١» ذى الحجة أمر معز الدولة أيضا بإظهار الزينة في البلد وإشعال النيران بمجلس الشرطة، وفتحت الأسواق ليلا. فعل ذلك فرحا بعيد الغدير «٢» ، وكان يوما مشهودا. ذكر وفاة معز الدولة بن بويه كانت وفاته في ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الآخر، سنة خمس وخمسين وثلاثمائة «٣» بعلّة الذّرب، وكان بواسط وقد جهّز الجيوش لمحاربة عمران بن شاهين الخارج عليه فابتدأ به الإسهال وقوى عليه، فسار نحو بغداد، وخلف أصحابه، ووعدهم أن يعود إليهم. فلما وصل إلى بغداد اشتد مرضه، وصار لا يثبت في معدته شىء، فلما أحس بالموت عهد إلى ابنه بختيار، وأظهر التوبة، وتصدق بأكثر ماله، واعتق مماليكه ورد شيئا كثيرا على أصحابه وتوفى. ودفن بداره ثم نقل إلى مشهد بنى له في مقابر قريش، فكانت

стр. 10050

إمارته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا ويومين. ومولده على ما حكاه إبو اسحاق الصابى في سنة ثلاث وثلاثمائة، فيكون عمره على هذا ثلاثا وخمسين سنة تقريبا. وكان ملكا شجاعا مقداما، قوى القلب، صليب العود، أبى النفس، إلا أنه كان في أخلاقه شراسة، وكانت إحدى يديه مقطوعة. وقد ذكرنا سبب قطعها مما تقدم، وقيل في قطعها غير ذلك. ومعز الدولة هذا هو الذى أحدث السّعاة، ورتب لهم الجرايات الكثيرة لأنه أراد أن يصل خبره ألى أخيه ركن الدولة سريعا، فنشأ في أيامه فضل، ومرعوش، وفاقا جميع السعاة، وكان الواحد منهما يسير في اليوم الواحد نيفا وأربعين فرسخا، وكان أحدهما ساعى السّنّية» والآخر ساعى الشيعة. أولاده: عز الدولة أبو منصور بختيار مشيد الدولة أبو حرب حبشى. عمدة الدولة أبو اسحق إبراهيم أبو طاهر محمد. وزراؤه. أول من وزر له أبو الحسن أحمد بن محمد الرازى، وكان يخاطب بالأستاذيه إلى أن توفى بالأهواز في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. فاستوزر أبا جعفر محمد بن أحمد بن يعلى الصيمرى. وكان شجاعا حسن الآثار إلى أن توفى في ليلة الإثنين لست خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين، فاستوزر أبا محمد الحسن بن محمد المهلبى من ولد قبيصة «١» بن المهلب، وخوطب بالأستاذية مدة، ثم خوطب بالوزارة إلى أن توفى سنة اثنتين وخمسين. فلم يستوزر بعده أحدا.

стр. 10051

حجابه: مكلى التركى إلى أن قتل في وقعة ناصر الدولة، فاستحجب ينال كوشه «١» التركى، ثم قبض عليه، واستحجب الحاجب الكبير سبكتكيز التركى، فطالت يده، وتجاوز حدّ الحجّاب إلى حد الأولاد، وقاد جميع جيوشه، ونعت بالاسفهسلارية، وكانت إقطاعاته في كل سنة عشرة آلاف ألف درهم، فأقام إلى أن توفى معز الدولة، فهذه الطبقة الأولى من بنى بويه قد ذكرناها. فلنذكر الطبقة الثانية منهم: ذكر أخبار عز الدولة بختيار هو أبو منصور بختيار بن معز الدولة بن بويه. كان والده معز الدولة قد عقد له الأمر من بعده في يوم الجمعة لثمان خلون من شهر المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وبايع له الأجناد، ولقبه المطيع في يوم الإثنين لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين. ثم جلس في السلطنه بعد وفاة أبيه في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلاثمائة. والله أعلم بالصواب. ذكر ما كان من الحوادث في أيام عز الدولة بختيار كان أبوه قد أوصاه بطاعة عمّه ركن الدولة. واستشارته في جميع ما يفعله، وأوصاه أيضا بطاعة عضد الدولة بن عمه لأنه أكبر منه سنا، وأقوم بالسياسة، ووصاه بتقرير كاتبيه أبى الفضل العباس

стр. 10052

ابن الحسن، وأبى الفرج محمد بن العباس، وبالحاجب سبكتكين، فخالف جميع وصاياه، واشتغل باللعب واللهو، وعشرة النساء، والمساخر، والمغنّين، وشرع في إيحاش كاتبيه، والحاجب، فاستوحشوا، وانقطع الحاجب عنه، ولم يحضر داره، ونفى أكابر الدّيلم عن مملكته شرها في إقطاعاتهم وأموالهم، وأبعد المتصلين بهم، فاتفق أصاغرهم، وطلبوا الزيادات، فاضطر إلى مرضاتهم، واقتدى بهم الأتراك، وخرج الديلم إلى الصحراء، وطالبوا بختيار بإعادة من أسقطه منهم، فاضطر إلى إجابتهم لتغير «١» الحاجب سبكتكين عليه، وفعل الأتراك مثل فعلهم، واتصل خبر وفاة معز الدولة بكاتبه أبى الفرج محمد بن العباس، وهو يتولّى أمر عمان، فسلمها لنواب عضد الدولة، وسار نحو بغداد، وإنما فعل ذلك لأن بختيار لما ملك بعد وفاة أبيه انفرد أبو الفضل بالنظر في الأمور، فخالف أبو الفرج أن يستمر انفراده عنه، فسلم عمان إلى نواب عضد الدولة لئلا يؤمر بالقيام «٢» بها لحفظها وصلاحها، ولما وصل إلى بغداد لم يتمكن مما أراد، وانفرد أبو الفضل بالتدبير دونه.

стр. 10053

ذكر خروج مشيد الدولة حبشى بن معز الدولة على أخيه عز الدولة وفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة عصى حبشى على أخيه، وكان بالبصرة، فسير إليه وزيره أبا الفضل العباس، وأمره بأخذه كيف أمكن، فسار الوزير، وأظهر أنه يريد الانحدار إلى الأهواز، فلما بلغ واسط أقام بها ليصلح أمرها، وكتب إلى حبشى يعده أن يسلم إليه البصرة سلما، ويصالحه عليها، وقال: «إننى قد لزمنى مال على الوزارة، ولا بد من مساعدتى» . فأنفذ إليه حبشى مائتى ألف درهم، وتيقن حصول البصرة له، وأرسل الوزير إلى عسكر الأهواز يأمرهم بقصد «الأبلة» فى يوم ذكره لهم، فلم يتمكن حبشى من إصلاح شأنه، فظفروا به، وأخذوه أسيرا، وحبسوه برامهرمز، فأرسل عمه ركن الدولة، فخلصه منها، فصار إلى عضد الدولة، فأقطعه إقطاعا وافرا «١» ، وأقام عنده إلى أن مات في آخر سنة تسع وستين وثلاثمائة. وأخذ الوزير أمواله بالبصرة، وكانت شيئا كثيرا، ومن جملة ما أخذ عشرة آلاف مجلّد سوى الأجزاء، وما ليس له جلد.

стр. 10054

ذكر عزل أبى الفضل الوزير ووزارة ابن بقية وفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة عزل الوزير أبو الفضل العباس من وزارته في ذى الحجة، واستوزر محمد بن بقية، فعجب الناس من ذلك لأنه كان وضيعا في نفسه وهو من أهل أوانا «١» ، وكان أبوه من الفلاحين لكنه كان قريبا من بختيار، وكان يتولى مطبخه، ويقدم إليه الطعام، ومنديل الخوان على كتفه إلى أن استوزره، وحبس الوزير أبو الفضل، فمات عن قريب، واستقامت أمور ابن بقية، ومشت الأحوال بين يديه بما أخذه من أموال أبى الفضل وأصحابه، فلما فنى ذلك ظلم الرعية، فخربت، وزاد الاختلاف بين الأتراك، وبختيار، فشرع ابن بقية في إصلاح الحال بين بختيار، وسبكتكين، فاصطلحا، وركب سبكتكين إلى بختيار، ومعه الأتراك، ثم عاد الحال إلى ما كان عليه من الفساد. وسبب ذلك أن ديلميّا اجتاز بدار سبكتكين، وهو سكران، فرمى الروشن «٢» بزوبين في يده، فأثبته، فصاح سبكتكين بغلمانه، فأخذوه، وظن أنه وضع على قتله، فقرره، فلم يعترف، فأنفذه إلى بختيار، فأمر بقتله، فلما قتل قوى ظن سبكتكين أنه كان وضعه عليه، وأنه إنما «٣» قتله لئلا يذكر ذلك إذا قرره «٤» .

стр. 10055

ذكر الفتنة بين بختيار وأصحابه وفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ابتدأت الفتنة بين الأتراك والديلم بالأهواز حتى عمت العراق جميعه، واشتدت، وسبب ذلك أن عز الدولة قلت الأموال عنده، وكثر إدلال «١» جنده عليه، واطراحهم لجانبه، وشغبوا عليه مرة بعد مرة، فتعذر عليه الفرار، ولم يجد وزيره جهة يحتال منها، فتوجّه إلى الموصل في هذه السنة؛ ليستولى عليها من أبى تغلب بن حمدان، فلم يفتح عليه بطائل، ولم يحصل له من المال ما يسد به الخلّة، فرجع، وقصد الأهواز ليتعرض إلى واليها بختكين «٢» أزاذرويه، ويعمل له حجة يأخذ منه مالا ومن غيره، فسار بختيار، وتخلف عنه سبكتكين ببغداد، فلما وصل إلى الأهواز خدم واليها بختيارا، وبذل من نفسه الطاعة، وحمل إليه أموالا جليلة، وبختيار مع هذا يفكر في طريق يأخذه بها، فاتفقت فتنة الأتراك والديلم، وكان سببها أن بعض الديلم نزل دارا بالأهواز، ونزل بعض الأتراك بالقرب منه، وكان هناك لبن موضوع، فأراد غلام الديلمى، أن يبنى به «٣» معلفا للدواب، فمنعه غلام التركى، فتضاربا، وخرج كل من الدّيلمى والتركى لنصرة غلامه، فضعف التركى عنه «٤» ، فركب، واستنصر بالأتراك، فركبوا،

стр. 10056

وركب الديلم، وأخذوا السلاح، فقتل بعض قواد الأتراك، فطلب الأتراك بثأر صاحبهم، وقتلوا من الديلم قائدا، وخرجوا ظاهر البلد، واجتهد بختيار في تسكين الفتنة، فعجز عن ذلك، فجمع الديلم، واستشارهم فيما يفعله، وكان أذنا، فأشاروا عليه بقبض رؤساء الأتراك، فأحضر أزاذرويه، وكاتبه سهل بن بشر، وسباشى الخوارزمى، وبكتيجور، وكان حموا لسبكتكين، فقيدهم، وأطلق أيدى الديلم في الأتراك، فنهبوا أموالهم ودوابهم، وقتل بينهم قتلى، فهرب الأتراك، وأخذ بختيار أقطاع سبكتكين، وأمر فنودى في البصرة بإباحة دم الأتراك. والله أعلم بالصواب. ذكر حيلة لبختيار عادت عليه كان بختيار قد واطأ والدته، وإخوته» أنه إذا كتب إليهم بالقبض على الأتراك يظهرون أن بختيارا قد مات، ويجلسون للعزاء، فإذا حضر سبكتكين عندهم قبضوا عليه. فلما قبض على الأتراك كتب إليهم على أجنحة الطيور بذلك، فعندها أوقفوا الصراخ في داره، وأشاعوا موته ظنّا منهم أن سبكتكين يحضر إلى عندهم ساعة يصل إليه الخبر، فلما سمع الصراخ أرسل يتعرف الخبر، فأعلموه، فأرسل «٢» يسأل عن الذى أخبرهم، وكيف أتاهم الخبر، فلم يجد نقلا يثق القلب به، فارتاب لذلك، ثم وصلت رسل الأتراك بما جرى

стр. 10057

عليهم، فعلم أن ذلك مكيدة، ودعاه الأتراك إلى أن يأتمر عليهم فتوقف، وأرسل إلى أبى إسحاق إبراهيم بن معز الدولة يعلمه أن الحال قد فسد بينه، وبين أخيه، فلا يرجى صلاحه، وأنه لا يرى العدول عن طاعة مواليه، وإن أساءوا إليه، ودعاه أن يعقد له الأمر، فعرض قوله على والدته، فمنعته منه، فركب سبكتكين في الأتراك، وحصر ديار «١» بختيار يومين، ثم أحرقها ودخلها، وأخذ أبا إسحاق وأبا طاهر محمد «٢» ، ووالدتهما، ومن كان معهما، فسألوه أن يمكنهم من الانحدار إلى واسط، ففعل، وانحدروا في الماء، ومعهم المطيع لله، فأعاده سبكتكين، وذلك في تاسع ذى القعدة سنة ثلاث وستين، واستولى سبكتكين على جميع ما كان لبختيار ببغداد، ونزل الأتراك في دور الديلم، وتتبعوا أموالهم، وثارت العامّة من السّنّة لنصرة سبكتكين، فأحسن إليهم، وجعل لهم العرفاء، والقواد، فثاروا بالشيعة، وحاربوهم، وسفكت بينهم الدماء، وأحرق الكرخ، وظهرت السنة، ثم خلع سبكتكين المطيع، وبايع لابنه الطائع، على ما ذكرناه في أخبار الدولة العباسية.

стр. 10058

ذكر ما اتفق لبختيار بعد قبضه على الأتراك، ووفاة سبكتكين وقيام الفتكين قال «١» : ولما قبض بختيار على الأتراك كما ذكرناه، ورأى ما فعله سبكتكين، وأن بعض الأتراك بواد الأهواز قد عصوا عليه، أتاه مشايخ الأتراك من البصرة فعاتبوه على ما فعل بأصحابهم، وقال له الديلم: إنا لا نستغنى عن الأتراك في الحرب يدفعون عنا بالنشّاب، فاضطرب رأيه، ثم أطلق آزاذرويه، وجعله صاحب الجيش مكان سبكتكين، وظن أن الأتراك يأنسون به، وأطلق المعتقلين منهم، وسار إلى واسط، وكتب إلى عمه ركن الدولة، وإلى ابن عمه عضد الدولة يسألهما أن ينجداه، ويكشفا ما نزل به، وكتب إلى أبى تغلب بن حمدان يطلب منه أن يساعده بنفسه، وأنه يسقط عنه المال الذى عليه، وأرسل إلى عمران بن شاهين بالبطيحة خلعا، وأسقط عنه بالقى المال، وطلب منه أن يسير إليه بعسكر. فأما عمه ركن الدولة، فإنه جهر عسكرا مع وزيره أبى الفتح بن العميد، وكتب إلى ابنه عضد الدولة بإنجاد ابن عمه، فوعد بالمسير إليه، وانتظر ببختيار الدوائر ليستولى على العراق. وأما عمران بن شاهين، فإنه أخذ الخلع، وقبل إسقاط المال، وأبى أن ينجده. وأما ابن حمدان، فإنه أجاب، وسارع بإرسال أخيه أبى عبد الله الحسين إلى تكريت فى عسكر، وانتظر انحدار الأتراك من بغداد، فإن ظفروا ببختيار

стр. 10059

دخل بغداد مالكها لها، فلما انحدروا عن بغداد سار أبو تغلب بن حمدان إليها، ودخلها ليوجب على بختيار الحجة في إسقاط. المال الذى عليه، ووصل إلى بغداد، والناس في بلاء عظيم من العيّارين، فحمى البلد، وكفّ أهل الفساد، وأما الأتراك، فإنهم انحدروا مع سبكتكين إلى واسط ومعهم الخليفة الطائع «١» والمطيع، فتوفى المطيع «٢» بدير العاقول لما قدمناه «٣» ، ومرض سبكتكين، فمات، فحملا إلى بغداد، وقدّم الأتراك عليهم الفتكين، وهو من أكابر قوادهم وموالى معز الدولة، وظن بختيار أن نظام الأتراك قد انحل بموت سبكتكين، فلم يزدد إلا قوّة واشتدادا، وسار الأتراك إليه، وهو بواسط، فقاتلوه، واتصلت الحرب بينهم خمسين يوما، والظفر فيها للأتراك، وحصروه حتى اشتد عليه الحصار وأحدقوا به، فتابع إنفاذ الرسل إلى عضد الدولة ابن عمه، وكتب إليه: فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وألا فأدركنى ولما أمزق فلما رأى عضد الدولة ذلك، وأن الأمر قد بلغ ببختيار ما كان يرجوه، سار نحو العراق نجدة لبختيار في الظاهر، وطلبا للاستيلاء فى الباطن.

стр. 10060

ذكر استيلاء عضد الدولة على العراق والقبض على بختيار قال: وسار عضد الدولة في عساكر فارس، واجتمع بابن العميد وزير أبيه بالأهواز، وهو بعساكر الرى، وساروا إلى واسط، فلما بلغ الفتكين خبر وصولهم رجع إلى بغداد، واجتمع بختيار بعضد الدولة، وسار عضد الدولة إلى بغداد في الجانب الشرقى، وأمر بختيارا أن يسير في الجانب الغربى، ولما رجع الفتكين إلى بغداد فارفها ابن حمدان إلى الموصل، ووصل الفتكين بغداد، وصار محصورا من جميع جهاته، وذلك أن بختيارا كتب إلى ضبة بن محمود «١» لأسدى بالإغارة على أطراف بغداد، وقطع الميرة عنها، وكتب بمثل ذلك إلى بنى شيبان، وكان أبو تغلب بن حمدان من ناحية الموصل يمنع الميرة عنها، وينفذ سراياه، فغلت الأسعار ببغداد، وخرج الفتكين في الأتراك للقاء عضد الدولة، فلقيه بين ديالى «٢» والمدائن، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الأتراك، وقتل منهم خلق كثير، وذلك في رابع عشر جمادى الأولى، وسار الأتراك إلى تكريت، وسار عضد الدولة إلى بغداد، وترك بدار المملكة، وأراد التغلب على العراق، واستضعف بختيارا، وإنما خاف من أبيه ركن الدولة، فوضع جند باختيار على أن يثوروا به، ويشغبوا عليه، ويطالبوه بالأموال،

стр. 10061

والإحسان إليهم لأجل صبرهم معه، ففعلوا ذلك، وبالغوا، وكان بختيار لا يملك شيئا، والبلاد خراب، فلا تصل يده إلى أخذ شىء «١» منها، وأشار عضد الدولة على بختيار أن لا يلتفت «٢» إليهم، وأن يغلظ لهم في الجواب، ولا يعدهم بما لا يقدر عليه، وأن يعرفهم أنه لا يريد الإمارة عليهم والرئاسة، ووعده أنه إذا فعل ذلك توسط بينهم على ما يريده، فظن بختيار أنه ناصح له، ففعل ذلك، واستعفى من الإمارة، وأغلق باب داره، وصرف كتابه وحجّابه، وراسله عضد الدولة ظاهرا بمحضر من مقدمى الجند يشير عليه بتطييب قلوبهم، وكان قد أوصاه سرّا أنه لا يقبل منه، فعمل بختيار بما أوصاه به، وقال: لست أميرهم، وقد برئت منهم وترددت الرسائل بينهم ثلاثة أيام، هذا، وعضد الدولة يغريهم به، والشغب يزيد كل يوم، فأرسل بختيار إلى عضد الدولة يطلب منه إنجاز ما وعد به، ففرق الجند على عدة جميلة، واستدعى بختيارا وإخوته، فقبض عليهم، ووكل بهم، وذلك لأربع بقين من جمادى الآخرة، وجمع الناس، وأعلمهم استعفاء بختيار من الإمارة لعجزه عنها، ووعدهم الإحسان إليهم، والنظر في أمورهم، فسكنوا إلى قوله. والله أعلم.

стр. 10062

ذكر عودة بختيار الى ملكه قال: ولما قبض عضد الدولة على بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة متولّيا لها، فامتنع على عضد الدولة، وكتب إلى ركن الدولة يشكو ما جرى على أبيه وعمّيه من عضد الدولة، ومن أبى الفتح بن العميد، ويذكر الحيلة التى تمّت عليه، فلما سمع ركن الدولة ذلك ألقى نفسه إلى الأرض، وتمرّع عليها، وامتنع من الأكل والشرب عدّة أيام، ومرض، وكان محمد بن بقيّة قد خدم عضد الدولة بعد بختيار، وضمن منه مدينة واسط وأعمالها، فلما صار إليها خلع طاعة عضد الدولة، وخالف عليه، وأظهر الامتعاض لقبض بختيار، وكاتب عمران بن شاهين، وطلب مساعدته، فأجابه إلى ذلك، وكان عضد الدولة قد ضمن لسهل بن بشر وزير الفتكين بلد الأهواز، وأخرجه من حبس «١» بختيار، فكاتبه «٢» عمه ابن بقية، واستماله فأجابه، وكاتب ركن الدولة من عصى على ابنه عضد الدولة، بالثبات والصبر، وأنه على المسير إلى العراق لإخراج عضد الدولة، وإعادة بختيار، فاضطربت النواحى على عضد الدولة، وتجاسر عليه الأعداء، وانقطعت عنه موارد فارس، ولم يبق بيده إلا قصبة بغداد، وطمع فيه العامة، فرأى إنفاذ أبى الفتح بن العميد برسالة إلى أبيه يعرفه ما جرى له، وما فرق من الأموال، وضعف بختيار عن حفظ البلاد، وأنه إن أعيد خرجت المملكة وتدبير الخلافة عنهم، وكان في ذلك

стр. 10063

بوارهم، وسأله ترك نصرة بختيار، وقال لأبى الفتح: فإن أجاب إلى ما تريد، وإلّا فقل له: إنى أضمن منك أعمال العراق، وأحمل إليك في كل سنة ثلاثين ألف «١» درهم، وأبعث بختيارا وأخوته إليك، لنجعلهم بالخيار بين الإقامة عندك، أو بعض بلاد فارس، وإن أحببت أنت أن تحضر إلى العراق لتلى تدبير الخلافة وتنفذ «٢» بختيار إلى الرى، وأعود أنا إلى فارس، فالأمر إليك، وقال لابن العميد: فإن أجاب إلى ذلك، وإلا فقل له: أيها السيد الوالد أنت مقبول الحكم والقول، ولكن لا سبيل إلى إطلاق هؤلاء القوم بعد مكاشفتهم، وإظهار العداوة، وسيقاتلوننى بغاية ما يقدرون عليه، فتنتشر الكلمة، ويختلف أهل هذا البيت أبدا، فإن قبلت ما ذكرته، فأنا العبد الطائع، وإن أبيت وحكمت بانصرافى، فإننى سأقتل بختيارا وإخوته، وأقبض على كلّ من اتهمه بالميل إليهم، وأخرج عن العراق، وأترك البلاد سايبة ليدبّرها من اتفقت له، فخاف ابن العميد أن يسير بهذه الرسالة، وأشار أن يسير غيره بها، ويسير هو بعده، ويكون كالمشير على ركن الدولة بأجابته إلى ما طلب، فأرسل عضد الدولة رسولا غيره، وسير بعده ابن العميد على الجمّازات «٣» ، فلما حضر الرسول عند ركن الدولة، وذكر بعض الرسالة، ووثب إليه ليقتله، فهرب من بين يديه، ثم ردّه بعد أن سكن

стр. 10064

غضبه، وقال: قل لفلان- يعنى عضد الدولة- وسماه بغير اسمه، وشتمه: خرجت إلى نصرة ابن أخى، أو الطمع في ملكه؟ أما عرفت أنى نصرت الحسن بن «١» الفيرزان، وهو غريب منى، مرارا كثيرة أخاطر فيها بملكى ونفسى، فإذا ظفرت أعدت له بلاده، ولم أقبل منه ما قيمته درهم واحد، كلّ ذلك طلبا لحسن الذكر، ومحافظة على الفتوة، تريد أن تمنّ على بدرهمين أنفقتهما «٢» على، وعلى أولاد أخى، ثم تطمع في ممالكهم، وتهددنى بقتلهم؟ فعاد الرسول، ووصل ابن العميد، فحجبه ركن الدولة، وتهدّده بالهلاك، وأنفذ إليه يقول: والله لا تركتك وذلك الفاعل- يعنى عضد الدولة-[تجتهدان] «٣» جهدكما، ثم لا أخرج إليكما إلا في ثلاثمائة جمّازة، وعليها الرجال، ثم أثبتوا إن شئتم، فو الله لا أقاتلكما «٤» إلا بأقرب الناس إليكما، وكان ركن الدولة يقول: أننى أرى أخى معزّ الدولة في المنام كل ليلة يعضّ على أنامله، ويقول: يا أخى هكذا، أضمنت لى أن تخلفنى في ولدى، ثم أن الناس سعوا لابن العميد، وتوسّطوا له عند ركن الدولة، وقالوا إنما [تحمّل] «٥» ابن العميد هذه الرسالة ليجعلها طريقا إلى الخلاص من عضد الدولة، والوصول إليك لتأمر بما تراه، فأذن له في الحضور عنده، واجتمع به وضمن إعاده بختيار عضد

стр. 10065

الدولة إلى فارس، وتقرير بختيار، فردّه إلى عضد الدولة فعرّفه جليّة الحال، فأجاب عضد الدولة إلى العود إلى فارس، وأعاد بختيار، وخلع عليه، وشرط عليه أن يكون نائبا عنه بالعراق، ويخطب له، وجعل أخاه أبا إسحاق أمير الجيش، وردّ عليهم جميع ما كان لهم، وسار إلى فارس في شوال من السنة، وأمر أبا الفتح بن العميد وزير أبيه أن يلحقه بعد ثلاثه أيام، فلما سار عضد الدولة أقام ابن العميد عند بختيار، وتشاغلا باللذات، واتفقا في الباطن أنه إذا مات ركن الدولة سار إليه ووزر له، فاتّصل ذلك بعضد الدولة، وكان سبب هلاك ابن العميد، واستقر بختيار ببغداد، ولم يف لعضد الدولة، ولما ثبت ملك بختيار أنفذ ابن بقية من خلفه له، وحضر عنده، وأكد الوحشة بينه وبين عضد الدولة، واستمال ابن بقية الأجناد إليه، وجبى كثيرا من الأموال إلى خزائنه، وقوى أمره. هذا ما كان من أمر بختيار. وأما ما كان من أمر الفتكين فإنه سار إلى التتار، واستولى على دمشق، وأخذها من ريان خادم المعزّ لدين الله العلوى صاحب مصر، وخطب بها للطائع لله في شعبان، وأقطع البلاد، وكثر جمعه، وتوفّرت أمواله، وكاتب المعزّ بالانقياد إليه، فطلبه إلى الحضور عنده ليخلع عليه، فلم يجبه، فتجهّز المعزّ وقصده، فمات، وولى بعده العزيز، فطمع الفتكين، واستولى على بعض بلاد الساحل، فجهز إليه العزيز العساكر مع جوهر، فحصر دمشق، فاستنجد الفتكين بالحسن بن أحمد القرمطى، فأتاه، ففارق جوهر البلد بعد أن أقام عليها سبعة أشهر، فتبعه الفتكين والقرامطة، فأدركوه

стр. 10066

بظاهر الرملة، فاقتتلوا، ثم حصل اتفاقهم على تخلية «١» سبيل جوهر، فسار إلى مصر، فخرج العزيز بجموعه، وقاتل الفتكين وأسره، وأحسن إليه، ونقله معه إلى مصر، وأنزله عند قصره، وحكمه في دولته، فتكبر على وزيره يعقوب بن كلس، فوضع عليه من سقاه سما، فمات. والله أعلم. ذكر مقتل عز الدولة بختيار بن معز الدولة وشىء من أخباره كان مقتله في ثامن عشر شوال سنه سبع وستين وثلاثمائة، وسبب ذلك أنه كان بينه، وبين ابن عمّه عضد الدولة بن ركن الدولة ما قدمناه، وقام عمه ركن الدولة في نصرته حتى أعاده، فلما مات ركن الدولة في سنة ست وستين سار عضد الدولة إلى العراق وكان بينه وبين بختيار واقعة، واصطلحا بعد ذلك، ثم سار عضد الدولة في هذه السنة، واستولى على بغداد كما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره، وخرج بختيار من بغداد بما زوده به عضد الدولة، وقصد الشام، ومعه حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان، فلما صارا بعكبرا حسّن له حمدان قصد الموصل، وأطمعه فيها، وقال: هى خير من الشام وأسهل، فسارا نحو الموصل، وكان عضد الدولة قد حلّفه أنه لا يقصد ولايه أبى تغلب بن حمدان لمودة كانت بينهما، فنكث وقصدها، فلما صار إلى تكريت أتته رسل أبى تغلب تسأله أن يقبض على أخيه حمدان، ويسلمه إليه، وإذا فعل ذلك سار معه

стр. 10067

بنفسه وعساكره إلى العراق، وقاتل عضد الدولة، وأعاده إلى ملك بغداد، فقبض بختيار عند ذلك على حمدان، وسلمه لرسل أخيه، وسار بختيار إلى الحديثة «١» ، واجتمع بأبى تغلب، وسارا جميعا نحو العراق، وكان مع أبى تغلب نحوا من عشرين ألف مقاتل، وبلغ ذلك عضد الدولة، فسار من بغداد نحوهما، والتقوا بقصر [الجصّ] «٢» بنواحى تكريت، فهزمهما عضد الدولة، وأسر بختيار، وجىء به إلى عضد الدولة، فلم يأذن له بالدخول عليه، وأمر بقتله، واستقر ملك عضد الدولة. وكان عمر بختيار ستا وثلاثين سنة، ومدّة ملكه أحد عشر سنة وستة شهور. أولاده: إعزاز الدولة المرزبان أبو عبد الله الحسين، أبو العباس سلار، أبو القاسم، أبو نصر شاهفرون، أبو محمد سهلان. وزراؤه: أول من وزر له: أبو الفضل العباس بن الحسين إلى أن قبض عليه في سنة تسع وخمسين، فاستوزر أبا الفرج محمد ابن العباس، ثم قبض عليه في شهر رجب سنة ستين، واستوزر أبا طاهر محمد بن بقية، وأقام إلى أن قبض عليه بعد انهزامه من عضد الدولة في الكرّة الثانية، وسمله، ثم صلبه عضد الدولة بعد أن رماه تحت أرجل الفيلة.

стр. 10068

حجابه: إبراهيم بن إسماعيل قتل في الوقعة، وأما المرزبان ابن عز الدولة، وعماه: عمدة الدولة إبراهيم، وأبو طاهر محمد، فإنهم وصلوا إلى دمشق والتجئوا إلى غلامهم الفتكين، وشهدوا معه حرب القائد جوهر بعسقلان، ثم حضروا الواقعة الكا؟؟؟ ئنة بين الفتكين والعزيز، فقتل محمد، وأسر المرزبان عمه إبراهيم، والفتكين، ومنّ عليهم العزيز، واستخدمهم إلى أن توفى المرزبان بمصر في سنة ست وتسعين وثلاثمائة في أيام الحاكم، وتوفى إبراهيم في أيامه أيضا لليلتين خلتا من من شهر ربيع الأول سنة أربعمائة بعد أن نعت بعزيز الدولة الحاكمية. ذكر أخبار عضد الدولة هو أبو شجاع فناخسرو عضد الدولة تاج الملة شاهنشاه بن ركن الدولة أبى على الحسن بن بويه. اجتمع له من الممالك ما تفرق لأبيه وعميه، وقد قدمنا أن عمه عماد الدولة بن بويه جعله ولى عهده، وذلك لأربع عشرة بقيت من جماد الأولى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة «١» ، فأول ما ظهر من أفعاله بعد وفاة عمه ببلاد فارس أنه استولى على حصن ابن «٢» عمارة المتوسط لمدينة هرو، وهى مدينة على ساحل البحر الهندى من أعمال فارس قد بنيت على مصّب الماء تجمع المراكب المنكسره، والبضائع الغارقة، فيستعين أهلها بذلك، وأهل هذا الحصن ينسبون إلى معد

стр. 10069

يكرب، ثم إلى الجلندى بن كركر يتوارثونه لم ينتزع منهم، ولم تفتح عنوة، ولا صلحا قبلها. ذكر بن جوقل في كتابه: أن صاحب هذا الحصن هو الملك المذكور وفي القرآن في قوله تعالى: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» «١» . ولم يباشر عضد الدولة الحصار بنفسه، وإنما بعث عليا بن الحسين السيفى في جيش إلى الحصن، فحاصره برهة من الدهر حتى استعزل صاحبه، وهو أبو طالب بن رضوان بن جعفر بالأمان، وتسلم الحصن بما فيه، وفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة بعث إلى عمان عسكرا مع عسكر لعمه معز الدولة، ففتحها، ثم بعد ذلك «كرمان» فى شهر رمضان سنة سبع وخمسين وأقطعها ولده أبا الفوارس، وأطاعه صاحب سجستان، ونقش السكة باسمه، وأقام له الخطبة. ثم ملك قلعة بردسير «٢» وهى مثوى آل اليسع، ولما عاد من كرمان فتح جبال القفص، وهذه البلاد لها جبل وسهل. فأهل السهل يعرفون: بالمنوجان وهو اسم البلاد، وأهل الجبل يعرفون: بالقفص، والبلوص، وهم قبائل وشعوب، وبلادهم هذه في طرف كرمان مما يلى فارس، ثم جرت لجيشه معهم بعد ذلك وقائع كان الظفر فيها لأصحاب عضد الدولة، وفي أثناء حروب جيشه لهم حصل استيلاء «٣» عضد الدولة على هرموز،

стр. 10070

وبلاد التيز، ومكران «١» فى سنة ستين وثلاثمائة، ثم سألوا الأمان على إقامة الصلوات، وايتاء الزكاة، والاجتهاد في الطاعة، واجتناب إخافة السبيل فأمسهم. قال المؤرخ: ثم سار عسكره، ومقدمة كوركير إلى أمة من ورائهم يقال لهم الخرّميّة «٢» ، والحاسكية فهزمهم، وقتل منهم خلقا، وأسر مقدميهم، وجماعة من رؤسائهم، وأنفذهم إلى شيراز، وتوطأت هذه البلاد مدة، ثم كان بينهم، وبين العسكر العضدى وقعة لإحدى عشرة ليلة يقيت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ودامت إلى غروب الشمس، فانجلى ذلك اليوم عن قتل أكثر مقاتليهم «٣» ، والإحاطة بحريمهم، وذراريهم، ولم يبق منهم إلا اليسير، ثم كان بين عضد الدولة، وبين عز الدولة بختيار ابن معز الدولة ما قدمناه في أخبار بختيار [فى سنة «٤» أربع وستين وثلاثمائة، فلا مائدة في إعادته، فلما مات والده ركن الدولة في] سنة ست وستين وثلاثمائة قصد العراق في تلك السنة، فخرج عز الدولة لقتاله، والتقوا، واقتتلوا في ذى القعدة من السنة، فالتحق بعض أصحاب بختيار بعضد الدولة، فانهزم بختيار، واحتوى عضد الدولة على ماله، ومال وزيره ابن بقية، وسير عضد الدولة جيشا إلى البصرة، فملكها.

стр. 10071

ذكر القبض على أبى الفتح بن العميد وفي سنة ست وستين وثلاثمائة قبض عضد الدولة على أبى الفتح بن العميد وزير أبيه وسمل إحدى عينيه، وقطع أنفه، وكان سبب ذلك أنه لما فارق عضد الدولة بغداد كما ذكرناه في أيام بختيار، أمر ابن العميد أن يلحقه بعد ثلاث، فخالفة، ووافق عز الدولة، ووعده أن يلحق به إذا مات ركن الدولة، ثم صار يكاتبه بأشياء يكرهها عضد الدولة، وكان لابن العميد نائب يعرض كتبه على عز الدولة، وذلك النائب يكاتب عضد الدولة بما يكتبه ابن العميد بختيار ساعة بساعة، فلما ملك عضد الدولة بعد موت أبيه كتب إلى أخيه مؤيد الدولة بالرى يأمره بالقبض على ابن العميد، وعلى أهله، وأصحابه، ففعل ذلك، وكان أبو الفتح ليلة قبضه قد أمسى مسرورا، فأحضر ندماءه، والمغنين، وأظهر من آلات الذهب والفضة والزجاج، وأنواع الطيب ما ليس لأحد مثله، وشربوا وعمل شعرا، وغنى له به، وهو: دعوت المنى ودعوت العلى ... فلما أجابا دعوت القدح وقلت لأيام شرخ الشباب: ... إلىّ فهذا أوان الفرح إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح وشرب ليلته على هذا الشعر إلى أن سكر، وقام، وقال لغلمانه: اتركوا المجلس على ما هو عليه لنصطبح غدا، وقال لندمائه بكروا غدا لنصطبح، ولا تتأخروا، فانصرف الندماء، ودخل هو إلى بيت

стр. 10072

منامه، فلما كان وقت السحر استدعاه مؤيد الدولة، فقبض عليه، وأرسل إلى داره، فأخذ جميع ما فيها، ومن جملته ذلك المجلس بما فيه. ذكر استيلاء عضد الدولة على العراق كان استيلاؤه على بغداد في سنة سبع وستين، وذلك أنه سار إلى العراق، وأرسل إلى عزّ الدولة ابن عمه يدعوه إلى طاعته، وأن يتوجّه من العراق إلى أى جهة أحب، فأجاب إلى ذلك، وسار عن بغداد، وكان من خبره، ومقتله ما قدمناه، ولما قدم عضد الدولة إلى بغداد نزل بباب الشمّاسية في يوم الخميس لسبع خلون من شهر ربيع الآخر من السنة، وتلقاه الخليفة الطائع لله في البحر قبل ذلك بيومين، ثم دخل إلى دار الخلافة في يوم الأحد لتسع خلون من جمادى الأولى «١» منها، وقبل الأرض بين يدى الخليفة الطائع لله، فخلع عليه، وتوّجه، وطوّقة، وسوّره، وقلّده ما وراء داره «٢» ، وعقد له لواءين: أحدهما: على المشرق، والآخر: على المغرب، وأرخى إحدى ذؤابتيه منظومة بالجوهر، وزاد في لقبه تاج الملّة:، وكان وزن السوادين، والطوق: ألفين وخمسمائة مثقال. قال أبو اسحاق الصبانى، وكان في غرة التاج وجوانبه من الجوهر، وأحجار الياقوت الأحمر ما يتجاوز إحصاؤها التثمين، أو يحدها التقويم، وطرح بين يديه

стр. 10073

من نشار الذهب والورق شىء كثير على الأنطاع حتى صار كالبيدر، وقرىء عهده بين الخليفة، ولم يجر بذلك عادة، وأخذ الخليفة الذؤابة للرخاة، فعقدها بيده، وذلك بمسألة تقدمت من عضد الدولة، وقلّده الخليفة سيفا ثانيا وركب من مراكب الخليفة بركب الذهب، وبين يديه آخر مثله، والجيش بين يديه، وخلفه مشاة إلى أن خرج من باب الخاصة، فسار الجيش أمامه، واستقر ملكه ببغداد، خطب له بها، ولم يخطب لملك قبله ببغداد، وضرب على بابه ثلاث نوب، ولم تجر بذلك عادة. قال: ولما دخل إلى بغداد أرسل إلى بختيار يطلب منه وزيره محمد بن بقية، فسمله «١» بختيار، وأنفده إليه، فأمر عضد الدولة بالقائه بين قوائم الفيلة، فوطئته حتى مات، وصلب على رأس الجسر في شوال، فرثاه أبو الحسن الأنبارى بقوله: علوّ في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات وقد ذكرنا الأبيات في باب المراثى، وبقى ابن بقية مصلوبا إلى أيام صمصام الدولة، فأنزل عن جذعه، ودفن، ولما استقر ملك عضد الدولة ببغداد، أتاه الخبر أن عزّ الدولة بختيارا قد نقض العهد، واجتمع هو وابن حمدان، واتفقا على حربه، فخرج إليهما، فكان من أمرهما ما قدمناه في أخبار بختيار، وأخبار الدولة الحمدانية.

стр. 10074

ذكر استيلاء عضد الدولة على ملك بنى حمدان قال: ولما انهزم أبو تغلب في الحرب التى قدمناها مع عز الدولة، سار إلى الموصل، فسار عضد الدولة نحوه، فملكها في ثانى عشر ذى القعدة سنة سبع وستين، وملك ما يتصل بها، فظن أبو تغلب أنه يفعل كما فعل غيره يقيم يسيرا ثم يضطرّ إلى المصالحة، ويعود، فكان عضد الدولة أحزم من ذلك، وذلك أنه لما قصد الموصل حمل معه الميرة والعلوفات، وأقام بالموصل، وبثّ سراياه في طلب أبى تغلب، فأرسل أبو تغلب يسأل أن يضمن البلاد منه، فلم يحبه إلى ذلك، وقال: هذه البلاد أحبّ إلى من العراق، فسار أبو تغلب إلى نصيبين، فسير عضد الدولة سريّة استعمل عليها حاجبه طغان إلى «جزيرة ابن عمر» ، وسرية في طلب أبى تغلب، وعليها أبو طاهر محمد على طريق «سنجار «١» » ، فسار أبو تغلب مجدا إلى ميّافارقين «٢» ، ثم منها إلى بدليس «٣» ، واستولى عضد الدولة على ميّافارقين، وديار مضر «٤» ، وغيرها من بلاد الجزيرة، وذلك في سنة ثمان وستين وثلاثمائة، ثم عاد إلى بغداد في سلخ ذى القعدة من السنة، واستخلف على أعمال أبى أبى تغلب بن حمدان أبا الوفا طاهر محمد، وفي سنة تسع وستين

стр. 10075

فى شهر رجب جهز عضد الدولة جيشا إلى بنى شيبان، وكانوا قد أكثروا الغارات، والفساد في البلاد، وعجز الملوك عن طلبهم، وكانوا قد عقدوا بينهم وبين أكراد شهر زور «١» مصاهرات، وكانت شهرزور ممتنعة على الملوك، فأمر عضد الدولة عسكره بمنازلتها لتنقطع أطماع بنى شيبان عن التحصن بها، فاستولى أصحابه عليها، وملكوها فهرب بنو شيبان، وسار العسكر في طلبهم، وأوقعوا بهم وقعة عظيمة قتل فيها من بنى شيبان خلق كثير، ونهبت أموالهم، ونساؤهم، وأسر منهم ثمانمائة أسير حملوا إلى بغداد. ذكر عمارة عضد الدولة بغداد، وما فعله من وجوه البر وفي سنة تسع وستين وثلاثمائة شرع عضد الدولة في عمارة بغداد وكانت قد خربت لتوالى الفتن فيها، وعمّر مساجدها، وأسواقها، وأدرّ الأموال على الأئمة، والمؤذّنين، والفقهاء، والغرباء، والضعفاء، وألزم أصحاب الأملاك الخراب بعمارتها، وجدّد مادثر من الأنهار، وأعاد حفرها، وتسويتها وأطلق مكوس الحجّاج، وأصلح الطرق من العراق إلى مكة، وأطلق الصلات لأهل البيوتات، والشرف، والضعفاء المجاورين بمكة والمدينة، وفعل مثل ذلك بمشهد على، والحسين، وأجرى الجرايات على الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، والمفسرين، والنحاة، والشعراء والأطباء، والحسّاب، والمهندسين،

стр. 10076

وأذن لوزيره نصر بن هارون، وكان نصرانيا بعمارة البيع، والديرة، وإطلاق الأموال لفقرائهم. ذكر قصد عضد الدولة «١» أخاه فخر الدولة، وأخذ بلاده قال: وفي هذه السنة سار عضد الدولة إلى بلاد الجبل، فاحتوى عليها، وسبب ذلك أن عز الدولة بختيارا كان يكاتب فخر الدولة بعد موت ركن الدولة يدعوه إلى الاتفاق معه على عضد الدولة، فأجابه إلى ذلك، واتفقا عليه، وعلم عضد الدولة بذلك، فكتمه إلى الآن، فلما خلا وجهه من أعدائه كاتبه يعاتبه على ما كان منه، ويستميله، فأجاب جواب المناظر المناوىء، وكان رسول عضد الدولة إليه خواشاده؛ وهو من أكابر أصحابه، فاستمال أصحاب فخر الدولة، وضمن لهم الإقطاعات، وأخذ عليهم العهود، فلما عاد إلى عضد الدولة برز من بغداد، وقدم جيوشه يتلو بعضها بعضا، فخرج إليه أصحاب فخر الدولة، وانضموا إلى عسكره، وخرج فخر الدولة من همذان هاربا إلى جرجان، والتجأ إلى شمس المعالى قابوس بن وشمكير، فأمنه، وأوآه، وحمل إليه فوق ما في نفسه، وشركه فيما تحت يده من ملك وغيره، وملك عضد الدولة ما كان بيد أخيه فخر الدولة: همذان، والرى، وما بينهما من البلاد، وسلم ذلك لأخيه مؤيد الدولة وجعله نائبه في تلك النواحى، ثم عرج عضد الدولة على ولاية حسنويه «٢» ،

стр. 10077

فقصد نهاوند «١» ، والدينور ففتحهما «٢» وعدة قلاع، وأخذ ما فيها من ذخائر حسنوية، وكانت جليلة المقدار، وأصاب عضد الدولة في هذه السفرة صرع، كان قد حدث به وهو بالموصل، فكتمه، وصار كثير النسيان لا يذكر الشىء إلا بعد جهد كبير، وبقى الصرع يعاوده إلى أن قتله على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر ملك عضد الدولة بلد الهكارية وفي هذه السنة سير عضد الدولة جيشا إلى الأكراد الهكّارية بأعمال الموصل، فأوقع بهم، وحصر قلاعهم، وطال مقام الجند في حصرها، وكان من بالحصون من الأكراد ينتظرون نزول الثلج ليرحل العسكر عنهم، فقدر الله تعالى أن الثلج تأخر نزوله في تلك السنة، فطلبوا الأمان، فأجيبوا إليه، وسلّموا القلاع ونزلوا إلى الموصل مع العسكر، فلم يفارقوا أعمالهم غير يوم واحد حتى نزل الثلج، ثم أن مقدم الجيش غدر بالهكّارية، وقتلهم على جانبى الطريق من معلثايا «٣» إلى الموصل نحو خمسة فراسخ. والله أعلم بالصواب. ذكر وفاة عضد الدولة وشىء من أخباره وسيرته كانت وفاته ببغداد في ثامن شوال سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة، وذلك أنه اشتد به ما كان يعتاده من الصرع، وضعفت قوته عن دفعه،

стр. 10078

فخنقه، فمات، ودفن بمشهد على بن أبى طالب رضى الله عنه، وجلس ابنه صمصام الدّولة للعزاء، وأتاه الخليفة الطائع لله، فعزّاه به، وكان عمر الدولة سبعا وأربعين سنة، مدة سلطنته بالعراق خمس سنين وستة شهور، وأما مدة ملكه ببلاد فارس منذ وفاة عمّه عماد الدولة وإلى أن توفى هو: ثلاث وثلاثون سنة وأربعة أشهر وواحد وعشرون يوما «١» . قال: ولما حضرته الوفاة لم ينطلق لسانه بغير قول الله تعالى: «ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ» «٢» ، وكان عاقلا حسن السياسة، شديد الهيبة، بعيد الهمة ثاقب الرأى محبا للفضائل وأهلها، باذلا في مواضع العطاء، مانعا في أماكن الحزم، ناظرا في عواقب الأمور، وكان له شعر حسن فمنه قوله- وقد أرسل إليه أبو تغلب بن حمدان يعتذر من مساعدته لبختيار، ويطلب الأمان- فقال عضد الدولة: أأفاق حين وطئت ضيق خناقة ... يبغى الأمان وكان يبغى صارما فلأركبنّ عزيمة عضدّية ... تاجية تدع الأنوف رواغما وقال أبياتا، فمنها بيت لم يفلح بعده، وهى: ليس شرب الكاس إلا في المطر ... وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى ... ناعمات «٣» فى تضاعيف الوتر

стр. 10079

مبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدّولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب «١» القدر. ومن أخباره أنه كان في قصره جماعة من الغلمان يحمل إليهم مشاهراتهم من الخزانة، فأمر أبا نصر خواشاذه أن يتقدم بصرف جوامكهم إلى نقيبهم في شهر، وقد بقى منه ثلاثة أيام، قال أبو نصر: فأنسبت ذلك أربعة أيام، سألنى عضد الدولة عن ذلك، فاعتذرت بالنسيان، فأغلظ لى، فقلت: أمس استهل الشهر، والساعة يحمل المال، وما هذا مما يوجب شغل القلب، فقال: المصيبة بما لا نعلم من الغلط أكبر منها في التفريط، أما تعلم أنا إذا أطلقنا لهم ما لهم قبل محّله كان الفضل لنا عليهم، وإذا أخّرنا عنهم ذلك حتى استهلّ الشهر الآخر حضروا عند عارضهم «٢» ، وطالبوه، فيعدهم، ثم يحضرون في اليوم الثانى، فيعدهم، ثم يحضرون في اليوم الثالث، ويبسطون ألسنتهم، فتضيع المنّة، وتحصل الجرأة، وتكون إلى الخسارة أقرب منا إلى الربح، وكان لا يعوّل في الأمور إلا على الكفاءة، ولا نجعل للشفاعات طريقا إلى معارضة ما ليس «٣» من جنس الشافع، ولا فيما يتعلق به.

стр. 10080

حكى أن مقدّم جيشه أسفار بن كردويه شفع في بعض أنباء العدول ليتقدّم عند القاضى بسماع البيّنة بتزكيته، وتعديله، فقال له: «ليس هذا من أشغالك، إنما الذى يتعلق بك الخطاب في زيادة قائد، ونقل رتبة جندى، وما يتعلق بهم، وأما الشهادة وقبولها، فهى إلى القاضى وليس لنا، ولا لك الكلام فيه، ومتى عرف القضاة من إنسان ما تجوز معه قبول شهادته، فعلوا ذلك بغير شفاعة» ، وكان ﵀ يخرج كل سنة أموالا كثيرة للصدقة، والبر في سائر البلاد، ويأمره بتسليم ذلك إلى القضاة، ووجوه الناس ليصرفوه إلى مستحقه، وكان يوصل إلى العمال المتعطلين ما يقوم بهم، ويحاسبهم به إذا عملوا، وكان محبا للعلوم وأهلها، مقرّبا لهم، محسنا إليهم وكان يجلس معهم، ويعارضهم في المسائل، فقصده العلماء من كل بلد، وصنفوا له الكتب منها: الإيضاح في النحو، ومنها الحجّة في القراآت، ومنها الملكى في الطلب، والتاجى في التاريخ إلى غير ذلك، وعمل المصالح العامة في سائر البلاد كالبمارستان «١» والقناطر، فمن جملة ما عمره: المدينة التى سماها «كرد فناخسرو» ، وهى على دون الفرسخ من شيراز، وساق إليها الماء من عين كانت على أربع فراسخ منها، وبدأ بالعمارة في يوم الأحد لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، قال الصابى: بلغت النفقة عليها عشرين ألف ألف درهم، ومن غريب عمائره: السكر «٢» الذى

стр. 10081

أنشأه على النهر المعروف بالكر «١» اصطخر، وحرمه «٢» على عشرة فراسخ من قصبة شيراز، وهو شاذروان «٣» عظيم، ينحط الماء من رءوس الجبال ويجتمع عليه، وينحط إلى أغوار كانت قفار او مهامه، فلما تم له ذلك بنى في تلك الأراضى ثلاثمائة قرية، ونقل إليها الفلاحين، وسماها رستاق فناخسرو، وصار في مقدار خراج بلاد فارس. قال الصابى: وانتهت النفقة عليه ألفى ألف دينار، واجتمع لعضد الدولة من الممالك سجستان، وكرمان، وجرجان، وطبرستان، والرى وأصفهان، وهمذان، وسائر بلاد أذربيجان، وبلاد فارس، وعمان، والعراق «٤» ، والموصل، وديار مصر، وديار بكر، والجزيرة، وكان مع ما فعله من الخير والبر أحدث في آخر أيامه رسوما جائرة في المساحة، والضرائب، وكان يتوصّل إلى أخذ المال بكل طريق، وكان يرفع «٥» إليه من الأعمال في كل سنة بعد ما رتّبه من الصّلات، والإدرارات، وجهات البر إثنان وثلاثون ألف ألف دينار. أولاده: شرف [الدولة] «٦» أبو الفوارس شيرزيل، صمصام الدولة أبو كاليجار المرزيان، بها، الدولة أبو نصر خسرو فيروز، وقيل فيروزشاه، تاج الدولة أبو الحسين أحمد، وهو أديب آل بويه،

стр. 10082

أبو طاهر فيروزشاه، أبو دلف سهلان توفى في حياته. وزراؤه: الأستاذ الجليل أبو القاسم المطهر بن «١» عبد الله إلى أن قتل نفسه في سنة تسع وستين، وهو يحاصر البطيحة، وبهاء الحسن بن عمران بن شاهين، فاستوزر الأستاذ أبا منصور نصر بن هارون النصرانى الشيرازى المشهور بعلو الطبقة في الحساب. حجابه: أبو على اليتمى، أبو حرب طغان، أبو الفتح المظفر ابن محمود، أبو القاسم سعد بن محمد الشاسى وغيرهم. فلنذكر بقية من في طبقة عضد الدولة. ذكر أخبار مؤيد الدولة أبى منصور بويه ابن ركن الدولة بن بويه كان مؤيد الدولة شقيقا لعضد الدولة. وأمهما جارية تركية، وكان نائبا عن أبيه بأصفهان عند خروج عضد الدولة منها إلى بلاد فارس، فلما توفى والده مضى إلى الرى، وتسلمها، وتسلم سائر البلاد المقررة له بوصية أبيه، وهى قزوين، وزنجان، وقم، وقاجان، وأبهر، وما والاها مضافا إلى الرى، وأصفهان، وكان لا يبرم أمرا إلا برأى أخيه عضد الدولة، ولما وقع بين عضد الدولة وبين أخيه فخر الدولة ما ذكرناه، وأخذ بلاده من يده سلمها لمؤيد الدولة نيابة عنه، وندبه إلى المسير إلى طبرستان، وجرجان لانتزاعهما من يد قابوس بن وشمكير، فسار إليهما. وانتزعهما منه، ثم اتفقت

стр. 10083

وفاة عضد الدولة، وأقام مؤيد الدولة بعده في البلاد إلى أن توفى بجرجان في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، فكانت مدة ملكه بعد وفاة أبيه سبع سنين، وستة أشهر، وأياما. ولده: أبو النصر. وزرآؤه: ذو الكفايتين أبو الفتح بن العميد إلى أن قبض عليه بأمر أخيه عضد الدولة كما ذكرناه، وقطع يده، وأنفه، ثم قتله بعد مصادرته، واستوزر بعده الصاحب الجليل أبا القاسم إسماعيل بن عباد، وكان يلبس القباء استخفافا بالوزارة، وانتسابا إلى الجندية، وإنما عرف ابن عباد بالصاحب «١» لصحبته لابن العميد. ذكر أخبار فخر الدولة وفلك الأمة «٢» أبى الحسن على بن ركن الدولة بن بويه وفخر الدولة هذا هو أوسط أولاد ركن الدولة يلى عضد الدولة فى السن، وأمه ابنة الحسن بن الفيرزان أحد ملوك الديلم، فجمع المملكة من الطرفين، وكان والده ركن الدولة قد جعل له همذان، والدينور، [والأيغارين] «٣» ، ونهاوند، وما والى ذلك من بلاد الجبل. ولما وقع بينه وبين أخيه عضد الدولة ما ذكرناه من ميله مع ابن عمه عز الدولة بختيار على أخيه عضد الدولة، أرسل عضد الدولة جيشا مع أبى الفتح المظفر الحاجب، وتلاه بجيش آخر. ثم عززهما بجيش

стр. 10084

ثالث، ثم سار هو بنفسه، فالتحق به بعض أصحاب فخر الدولة، وكاتبه عبيد «١» الله بن محمد حمدويه، فعلم فخر الدولة أنه لا قبل له بما دهمه، ففارق بلاده، وسار في خواص غلمانه إلى «هوسم» «٢» من بلاد الجبل، والتحق بعلى بن الحسين العلوى، ثم انتقل من «هوسم» إلى جرجان، والتجأ إلى قابوس بن وشمكير، وكان عنده مكرما إلى أن توفى عضد الدولة، ثم توفى مؤيد الدولة بجرجان، فضبطها الصاحب بن عباد بالعساكر. وجمع القواد واستشارهم، وقرر الأمر لفخر الدولة، ثم خاف افتراق الأجناد، فأجلس أبا العباس خسرو فيروز على سرير المملكة، وكاتب فخر الدولة سرا يستدعيه، فسار عن نيسابور إلى جرجان، فدخل الصاحب على خسرو فيروز، وقال له: هذ أخوك، وأكبر منك قد وصل، وميل الأجناد إليه أكثر من ميلهم لك، وحسّ له الخروج للقائه، فخرج إليه، وتلقّاه، وتسلّم فخر الدولة الملك، وبالغ في إكرام الصاحب، وعرف له حقّ جميله، وحسن تدبيره، ونعته بكافى الكفاة، مضافا إلى الصاحب الجليل، واحتوى فخر الدولة على ممالكه التى كانت بيده، وما كان بيد أخيه مؤيد الدولة، وممكلة قابوس بن وشمكير، ودخل أخوه خسرو فيروز في طاعته، ثم سأل فخر الدولة الخليفة الطائع لله أن يضيف إلى نعته نعتا آخر، فنعنه بفلك الأمّة، واستمر في المالك إلى أن توفى في شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فكانت مدة ملكه

стр. 10085

الأول منذ وفاة والده إلى أن انهزم من أخيه عضد الدولة ثلاث سنين وشهورا، ومملكته الثانية من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين إلى شعبان سنة سبع وثمانين أربعة عشر سنة تقريبا، وكان شاعرا بارعا، فمن شعره «١» ما ذكره الثعالبى: أدر الكأس علينا ... أيها الساقى لنشرب «٢» من شمول مثل شمس ... فى فم الندمان تغرب شربت منها فحالت «٣» ... قمرا يلثم كوكب ورد خديها «٤» جنىّ ... لكن الناطور «٥» عقرب فإذا ما لذعت فال ... بريق درياق مجرّب وكان له من الأولاد: مجد الدولة أبو طالب رستم. شمس الدولة أبو طاهر صاحب همذان. عين الدولة أبو شجاع بويه. أبو منصور صاحب أصفهان. وزراؤه: أبو عمر سيد بن المرزبان إلى أن نكبه، واستوزر عبيد الله بن محمد بن حمدويه إلى أن استأمن إلى عضد الدولة، ثم استوزر الصاحب الجليل كافى الكفاة أبا القاسم بن عياد إلى أن
следующие страницы →