Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.
стр. 10081
أنشأه على النهر المعروف بالكر «١» اصطخر، وحرمه «٢» على عشرة فراسخ من قصبة شيراز، وهو شاذروان «٣» عظيم، ينحط الماء من رءوس الجبال ويجتمع عليه، وينحط إلى أغوار كانت قفار او مهامه، فلما تم له ذلك بنى في تلك الأراضى ثلاثمائة قرية، ونقل إليها الفلاحين، وسماها رستاق فناخسرو، وصار في مقدار خراج بلاد فارس. قال الصابى: وانتهت النفقة عليه ألفى ألف دينار، واجتمع لعضد الدولة من الممالك سجستان، وكرمان، وجرجان، وطبرستان، والرى وأصفهان، وهمذان، وسائر بلاد أذربيجان، وبلاد فارس، وعمان، والعراق «٤» ، والموصل، وديار مصر، وديار بكر، والجزيرة، وكان مع ما فعله من الخير والبر أحدث في آخر أيامه رسوما جائرة في المساحة، والضرائب، وكان يتوصّل إلى أخذ المال بكل طريق، وكان يرفع «٥» إليه من الأعمال في كل سنة بعد ما رتّبه من الصّلات، والإدرارات، وجهات البر إثنان وثلاثون ألف ألف دينار.
أولاده: شرف [الدولة] «٦» أبو الفوارس شيرزيل، صمصام الدولة أبو كاليجار المرزيان، بها، الدولة أبو نصر خسرو فيروز، وقيل فيروزشاه، تاج الدولة أبو الحسين أحمد، وهو أديب آل بويه،
стр. 10082
أبو طاهر فيروزشاه، أبو دلف سهلان توفى في حياته.
وزراؤه: الأستاذ الجليل أبو القاسم المطهر بن «١» عبد الله إلى أن قتل نفسه في سنة تسع وستين، وهو يحاصر البطيحة، وبهاء الحسن بن عمران بن شاهين، فاستوزر الأستاذ أبا منصور نصر بن هارون النصرانى الشيرازى المشهور بعلو الطبقة في الحساب.
حجابه: أبو على اليتمى، أبو حرب طغان، أبو الفتح المظفر ابن محمود، أبو القاسم سعد بن محمد الشاسى وغيرهم. فلنذكر بقية من في طبقة عضد الدولة.
ذكر أخبار مؤيد الدولة أبى منصور بويه ابن ركن الدولة بن بويه
كان مؤيد الدولة شقيقا لعضد الدولة. وأمهما جارية تركية، وكان نائبا عن أبيه بأصفهان عند خروج عضد الدولة منها إلى بلاد فارس، فلما توفى والده مضى إلى الرى، وتسلمها، وتسلم سائر البلاد المقررة له بوصية أبيه، وهى قزوين، وزنجان، وقم، وقاجان، وأبهر، وما والاها مضافا إلى الرى، وأصفهان، وكان لا يبرم أمرا إلا برأى أخيه عضد الدولة، ولما وقع بين عضد الدولة وبين أخيه فخر الدولة ما ذكرناه، وأخذ بلاده من يده سلمها لمؤيد الدولة نيابة عنه، وندبه إلى المسير إلى طبرستان، وجرجان لانتزاعهما من يد قابوس بن وشمكير، فسار إليهما. وانتزعهما منه، ثم اتفقت
стр. 10083
وفاة عضد الدولة، وأقام مؤيد الدولة بعده في البلاد إلى أن توفى بجرجان في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، فكانت مدة ملكه بعد وفاة أبيه سبع سنين، وستة أشهر، وأياما.
ولده: أبو النصر.
وزرآؤه: ذو الكفايتين أبو الفتح بن العميد إلى أن قبض عليه بأمر أخيه عضد الدولة كما ذكرناه، وقطع يده، وأنفه، ثم قتله بعد مصادرته، واستوزر بعده الصاحب الجليل أبا القاسم إسماعيل بن عباد، وكان يلبس القباء استخفافا بالوزارة، وانتسابا إلى الجندية، وإنما عرف ابن عباد بالصاحب «١» لصحبته لابن العميد.
ذكر أخبار فخر الدولة وفلك الأمة «٢» أبى الحسن على بن ركن الدولة بن بويه
وفخر الدولة هذا هو أوسط أولاد ركن الدولة يلى عضد الدولة فى السن، وأمه ابنة الحسن بن الفيرزان أحد ملوك الديلم، فجمع المملكة من الطرفين، وكان والده ركن الدولة قد جعل له همذان، والدينور، [والأيغارين] «٣» ، ونهاوند، وما والى ذلك من بلاد الجبل.
ولما وقع بينه وبين أخيه عضد الدولة ما ذكرناه من ميله مع ابن عمه عز الدولة بختيار على أخيه عضد الدولة، أرسل عضد الدولة جيشا مع أبى الفتح المظفر الحاجب، وتلاه بجيش آخر. ثم عززهما بجيش
стр. 10084
ثالث، ثم سار هو بنفسه، فالتحق به بعض أصحاب فخر الدولة، وكاتبه عبيد «١» الله بن محمد حمدويه، فعلم فخر الدولة أنه لا قبل له بما دهمه، ففارق بلاده، وسار في خواص غلمانه إلى «هوسم» «٢» من بلاد الجبل، والتحق بعلى بن الحسين العلوى، ثم انتقل من «هوسم» إلى جرجان، والتجأ إلى قابوس بن وشمكير، وكان عنده مكرما إلى أن توفى عضد الدولة، ثم توفى مؤيد الدولة بجرجان، فضبطها الصاحب بن عباد بالعساكر. وجمع القواد واستشارهم، وقرر الأمر لفخر الدولة، ثم خاف افتراق الأجناد، فأجلس أبا العباس خسرو فيروز على سرير المملكة، وكاتب فخر الدولة سرا يستدعيه، فسار عن نيسابور إلى جرجان، فدخل الصاحب على خسرو فيروز، وقال له: هذ أخوك، وأكبر منك قد وصل، وميل الأجناد إليه أكثر من ميلهم لك، وحسّ له الخروج للقائه، فخرج إليه، وتلقّاه، وتسلّم فخر الدولة الملك، وبالغ في إكرام الصاحب، وعرف له حقّ جميله، وحسن تدبيره، ونعته بكافى الكفاة، مضافا إلى الصاحب الجليل، واحتوى فخر الدولة على ممالكه التى كانت بيده، وما كان بيد أخيه مؤيد الدولة، وممكلة قابوس بن وشمكير، ودخل أخوه خسرو فيروز في طاعته، ثم سأل فخر الدولة الخليفة الطائع لله أن يضيف إلى نعته نعتا آخر، فنعنه بفلك الأمّة، واستمر في المالك إلى أن توفى في شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فكانت مدة ملكه
стр. 10085
الأول منذ وفاة والده إلى أن انهزم من أخيه عضد الدولة ثلاث سنين وشهورا، ومملكته الثانية من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين إلى شعبان سنة سبع وثمانين أربعة عشر سنة تقريبا، وكان شاعرا بارعا، فمن شعره «١» ما ذكره الثعالبى:
أدر الكأس علينا ... أيها الساقى لنشرب «٢»
من شمول مثل شمس ... فى فم الندمان تغرب
شربت منها فحالت «٣» ... قمرا يلثم كوكب
ورد خديها «٤» جنىّ ... لكن الناطور «٥» عقرب
فإذا ما لذعت فال ... بريق درياق مجرّب
وكان له من الأولاد: مجد الدولة أبو طالب رستم. شمس الدولة أبو طاهر صاحب همذان. عين الدولة أبو شجاع بويه. أبو منصور صاحب أصفهان.
وزراؤه: أبو عمر سيد بن المرزبان إلى أن نكبه، واستوزر عبيد الله بن محمد بن حمدويه إلى أن استأمن إلى عضد الدولة، ثم استوزر الصاحب الجليل كافى الكفاة أبا القاسم بن عياد إلى أن
стр. 10086
توفى في صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، ولم ير أحد سعد بعد وفاته كما كان في حياته غيره، وذلك أنه لما توفى غلّقت له مدينة الرى، واجتمع الناس على باب قصره، وحضر فخر الدولة، وسائر القواد مشاة مغيّرى الزىّ، فلما خرج نعشه من الباب صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة، وقبّلوا كلهم الأرض، ومشى فخر الدولة فيها، وجلس العزاء أياما، واستوزر بعده أبا على حموله «١» .
هذه الطبقة الثانية من بنى بويه، فلنذكر الطبقة الثالثة:
ذكر أخبار مجد الدولة، وكنف الأمة أبى طالب رستم بن فخر الدولة بن ركن الدولة بن بويه
لما توفى والده فخر الدولة اجتمع الأجناد على تولية ولده المذكور، ونعته القادر بالله بهذين النعتين، وكان عمره عند وفاة أبيه أربع سنين، فدبّرت والدته ابنة المرزبان المعروف بالسلار الأمر، ثم بلغ مبلغ الرجال، فلم يكن له من اللذات غير التمتع بالنساء، والنظر في الدفاتر، والاشتعال بالعلوم، ثم توفيت أمه، فورد محمود بن سبكتكين، فقبض عليه، ثم استولى بعد ذلك ابنه أبو كالنجار على الرى إلى أن أتته الغزّ في سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة، فاستولوا على الرىّ وتحصن هو بقلعة طبرك «٢» ، ثم استنزل منها، وأما شمس الدولة أبو طاهر بن فخر الدولة، فإنه كان على أيام أخيه بهمذان،
стр. 10087
ثم استولى على الجبل، وتوفى في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وقام بعده ابنه سماء الدولة.
ولنرجع لأخبار عضد الدولة ونجعل التراجم لمن ملك العراق وخدم الخلفاء، ونورد في أخباره وقائع من سواه:
ذكر أخبار «١» صمصام الدولة
وهو أبو كالنجار المرزبان بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه.
لما توفى عضد الدولة اجتمع القوّاد والأمراء على ولده أبى كالنجار المرزبان، فبايعوه، وولوه الإمارة، وركب الخليفة الطائع لله، وعزاه، ولقبه، وقال له: «نضر الله وجه الماضى، وجعلك الخلف الباقى، وصيّر التعزية بعده لك لا بك، والخلف عليك لا منك» . قال: ولما رجع «٢» خلع على أخويه أبى الحسين أحمد، وأبى طاهر فيروزشاه وأقطعهما فارس، وأمرهما بالجد في المسير ليسبقا أخاهما شرف الدولة «٣» أبا الفوارس شيرذيل إلى شيراز، وكان عند وفاة أبيه بكرمان، فلما وصلا إلى أرّجان أناهما الخبر بوصول شرف الدولة إلى شيراز، فعاد إلى الأهواز، وملك شرف الدولة بلاد فارس، وقبض على نصر بن هارون النصرانى وزير أبيه، وقتله لأنه كان يسىء صحبته أيام أبيه، وخطب شرف الدولة لنفسه، وتلقب بتاج الدولة، وقطع خطبة أخيه صمصام الدولة، وأظهر مشافقته، وفرّق الأموال، وجمع الرجال، وملك البصرة،
стр. 10088
وأقطعها أخاه أبا الحسين، فلما اتّصل ذلك بصمصام الدولة سيّر جيشا، واستعمل عليهم الأمير أبا الحسن على بن ونقش حاجب عضد الدولة، فجهز تاج الدولة عسكرا، واستعمل عليهم أبا الأعز دبيس بن عفيف الأسدى، فالتقيا بظاهر «قرقوب» «١» ، واقتتلوا، فانهزم عسكر صمصام الدولة، وأسر ابن ونقش مقدم الجيش، فاستولى حينئذ أبو الحسين بن عضد الدولة على الأهواز، ورامهرمز وطمع في الملك، وكانت هذه الواقعة في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين، وفي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ملك شرف الدولة الأهواز من أخيه أبى الحسين، وملك البصرة من أخيه أبى طاهر، وقبض عليه، فراسله أخوه صمصام الدولة، فاستقر الأمر على أن يخطب لشرف الدولة بالعراق قبل صمصام الدولة، وفي خلال مسير الرسل وعودهم ملك شرف الدولة واسط، وغيرها، وكاتبه القواد، فرجع عن الصلح، وعزم على قصد بغداد. والله أعلم.
ذكر ملك شرف الدولة أبى الفوارس شيرذيل بن عضد الدولة العراق، والقبض على صمصام الدولة
وفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة سار شرف الدولة من الأهواز إلى واسط، وملكها، فاستشار صمصام الدولة أصحابه في قصد أخيه شرف الدولة، فنهوه عن ذلك، وحذروه منه، فلم يرجع إليهم، وسار في طيار إليه، فلما وصل إليه لقيه شرف الدولة، وأكرمه، وطيب قلبه، ثم
стр. 10089
قبض عليه بعد قيامه من عنده، وأرسل إلى بغداد من احتاط على دار المملكة، وسار فوصل إلى بغداد في شهر رمضان، ونزل بالشقيقى، ومعه صمصام الدولة، ثم سيره إلى بلاد فارس، واعتقله بقلعة هناك، فكانت إمارة صمصام الدولة بالعراق ثلاث سنين وأحد عشر شهرا.
وكان صمصام الدولة كريم النفس ندىّ الكف إلا أنه كثرت في أيامه الخوارج، وعم الغلاء، فاستنفذ ذلك أمواله، ولم يتعدّ أمره العراق.
وزراؤه: أول من وزر له. أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن سعدان ثمانية عشر شهرا، فاعتقله، ثم اشترك في الوزارة بين أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف، وأبى الحسن بن برمويه، وكان قد أخصاه بعد أولاده إلياس بن كرمان، فأقاما شهرين، ويومين بعد أن انفرد عبد العزيز بالوزارة ثلاثة أشهر، واتفقت فتنة، فانهزم عبد العزيز إلى الأهواز، وقتل ابن برمويه، وفيها يقول بشير بن هارون:
وزارة قد أثخنت كل عين ... مقسومة الرتبة في ساقطين
هذا بلا ذقن ولا عارض ... وذا بلا رأى ولا خصيتين
ومن أعاجيب أحاديثنا ... ما ذكره قد شاع في الخافقين
أنا نرى الخصى بلا لحية ... والناقص المجبوب ذا لحيتين
ثم «١» استوزر بعدهما الأستاذ أبا الريان أحمد بن محمد سبعة أشهر، وتسعة أيام، وقبض عليه، وقتله، ثم استوزر أبا عبد الله بن الهيثم، وأبا الفتح محمد بن فارس شركة، فأقاما بقية أيامه
стр. 10090
إلى أن ملك شرف الدولة، فقبض على أبى الفتح، وصادره، وأعاد بن الهيثم إلى ديوان النفقات. والله أعلم بالصواب.
ذكر سمل صمصام الدولة
وفي سنة تسع وسبعين وثلاثمائة سمل صمصام الدولة، وكان سبب ذلك أن نحريرا الخادم، كان يشير على أخيه شرف الدولة بقتله، وهو يعرض عن ذلك، فاتفق أنّ شرف الدولة اعتّل، فقال له نحرير: إن الدّولة مع صمصام الدولة على خطر، وإذا لم تقتله، فاسمله، فأرسل في ذلك محمدا الشيرازى الفرّاش، فمات شرف الدولة قبل وصوله إلى صمصام الدولة، فلما وصل الفرّاش إلى القلعة لم يقدم على سمله فاستشار أبا القاسم العلاء بن الحسن الناظر هناك، فأشار بسمله، فسمله، فكان صمصام الدولة يقول: ما أعمانى إلا العلاء، فإنه أمضى في حكم سلطان قد مات، ثم كان لصمصام الدّولة دولة بعد دولة. سنذكرها إن شاء الله تعالى، ولم يمنعه العمى مما قدر له.
ذكر وفاة شرف الدولة وشىء من أخباره
كانت وفاته ببغداد في مستهل جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وقيل في ثانيه، وكانت علته الاستسقاء وحمل إلى مشهد على ابن أبى طالب رضى الله عنه، فدفن به، فكانت إمارته ست سنين، وسبعة أشهر ملك فيها بغداد سنتين، وثمانية أشهر، وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة، وخمسة أشهر، ونفذ أمره بين خراسان، والموصل،
стр. 10091
ودياربكر، والعراق، وخوزستان، وفارس، وكرمان، وسراة عمان من غير إراقة دم، ولا إنفاق مال، وكان يحب الخير، وينفر من الشر، وأزال عن الناس التأويلات، والمصادرات، وكان كريما سخيّا يحب الشعر ويثيب عليه، قال أبو اسحاق الصانى: وكانت جماله في سفره ثلاثة عشر ألف رأس، وكان له من المماليك الأتراك ألفان، ومائتا مملوك، وكان له من الخدم ستمائة، ولما اشتدّت علّته أرسل ولده أبا على إلى بلاد فارس، وأصحبه الخزائن، والعدد، وجماعة كثيرة من الأترك. قال: ولما أيس أصحاب شرف الدّولة منه اجتمع عليه أعيانهم، وسألوه أن يسند الملك إلى من يراه، فقال: أنا فى شغل عما تدعوننى إليه، ثم مات.
ولده: الأمير أبو على.
وزرآؤه: أبو القاسم العلاء بن الحسن، ثم اعتقله مدة وأطلقه واستنابه «١» ببلاد فارس. واستوزر أبا محمد علىّ بن العباس، واستوزر بعده أبا منصور محمد بن الحسن بن صالحان إلى أن توفى ﵀.
ذكر ملك بهاء الدولة وضياء الملة «٢»
هو أبو نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه ملك بعد وفاة أخيه شرف الدّولة في ثانى جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وكان سبب ملكه أنه لما مرض شرف الدّولة أشير
стр. 10092
عليه أن يستنيبه إلى أن يشفى من مرضه، فاستنابه، فقبل النيابة بعد امتناع منه، فلما مات شرف الدولة جلس بهاء الدولة للعزاء، وركب الطائع إليه، وعزاه، وخلع عليه خلع السلطنة، وأقر أبا منصور الحسن بن صالحان على وزارته.
ذكر قيام صمصام الدولة ببلاد فارس
قد ذكرنا ما كان من أمره، والقبض عليه، وسمله، فلما مات شرف الدولة إضطرب أمر الديلم، ووقع بينهم وبين الأتراك، فأنزلوا صمصام الدولة من قلعة شيراز، وحمله غلامه سعادة على كتفه، وبايعه الديلم، وانقادوا لأمره، فعند ذلك بايع الأتراك أبا على بن شرف الدولة، ولقبوه شمس الدولة، وقمر الملة «١» .
ذكر مسير أبى على بن شرف الدولة الى بلاد فارس، وما كان بينه وبين عمه صمصام الدولة، وعودة الى بهاء الدولة، وقتله
قد ذكرنا أن شرف الدولة لما اشتدت علته جهز ابنه أبا على إلى فارس، ومعه والدته، وجواريه، وسيّر معه الأموال، والجواهر، والسلاح، فلما بلغ البصرة أناة الخبر بوفاة أبيه، فسيّر ما معه في البحر إلى أرّجان، وسار مجدّا حتى وصل إليها، واجتمع معه من بها من الأتراك، وسار مجدّا نحو شيراز، وكاتبهم متولّيها، وهو
стр. 10093
أبو القاسم العلاء بن الحسن بالوصول إليها ليسلمها إليهم، وكان صمصمام الدولة، ومن معه قد ساروا إلى سيراف «١» ، ووقعت الفتنة بها بين الأتراك، والديلم، فخرج الأمير أبو على إلى معسكر الأتراك ونزل معهم، فاجتمع الديلم، وقصدوا داره ليأخذوه، ويسلموه إلى صمصام الدولة، فرأوه قد انتقل إلى الأتراك، فكشفوا القناع، وجرى بينهم قتال، ثم سار أبو على والأتراك إلى فسا «٢» ، فاستولوا عليها وأخذوا ما بها من الأموال، وقتلوا من بها من الديلم، وسار أبو على إلى أرّجان، وعاد الأتراك إلى شيراز، فقاتلوا من بها من الديلم الذين مع صمصمام الدولة، ونهبوا البلد، وعادوا إلى أبى على بأرّجان وأقاموا معه «٣» مديده، ثم وصل رسول من بهاء الدولة إلى أبى على، وطيب قلبه، وأرسل إلى الأتراك الذين معه سرا واستمالهم إلى نفسه وأطمعهم، فحسنوا لأبى على المسير إلى بهاء الدولة، فسار إليه، فلقيه بواسط في منتصف جمادى الآخرة سنة ثمانين وثلاثمائة، فأكرمه، ثم قبض عليه بعد ذلك وقتله، وتجهز بهاء الدولة للمسير إلى الأهواز لقصد بلاد فارس.
стр. 10094
ذكر مسير بهاء الدولة الى الأهواز، والصلح بينه وبين صمصام الدولة
قال: وسار بهاء الدّولة إلى خوزستان، فأتاه نعى أخيه أبى طاهر، وكان مع صمصام الدولة، فجلس للعزاء، ورحل إلى أرّجان، واستولى عليها، وأخذ ما فيها من الأموال التى جمعها صمصام الدولة بقلعتها، وكانت ألف ألف دينار قاشانية، وثمانية آلاف ألف درهم عدليه، ومن الجواهر، والثياب ما لا يحصى قيمته، ففرّق ذلك على الجند، ولم يبق منه إلا القليل، ثم سارت مقدمته، وعليها العلاء بن الفضل إلى النوبندجان «١» ، وبها عسكر صمصام الدولة، فهزمهم وبث أصحابه فى نواحى فارس، فسيّر صمصام الدولة عسكرا، وعليهم فولاذ ابن ما «٢» بدار، فواقعهم، فانهزم أصحاب بهاء الدولة، وعادوا إليه، ثم ترددت الرسائل بين صمصام الدولة، وبهاء الدولة في الصلح، فاستقر على أن يكون لصمصام الدولة فارس، وأرّجان، ولأخيه بهاء الدولة خوزستان، والعراق، وأن يكون لكل واحد منهما إقطاع في ملك الآخر، وحلفا على ذلك، وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز، ثم إلى بغداد، وفي سنة ثمانين وثلاثمائة أيضا قبض بهاء الدولة على وزيره أبى منصور بن صالحان، واستوزر أبا نصر سابور بن أردشر،
стр. 10095
وكان المدبّر لدولة بهاء الدولة أبا الحسن «١» بن المعلم، وأبيه الحكم، وفي سنة إحدى وثمانين قبض بهاء الدولة على الخليفة الطائع لله، وبايع القادر بالله كما ذكرناه في أخبار الدولة العبّاسية، وفيها قبض على وزيره أبى نصر سابور، واستوزر أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف وقبض على أبى نصر خواشاذه، وأبى عبد الله بن طاهر، وفي سنة اثنتين وثمانين قبض بهاء الدّولة على أبى الحسن بن المعلم، وكان قد استولى على الأمور كلها، وخدمه الناس كلّهم حتى الوزراء، فأساء السيرة، فشغب الجند، وشكوا منه، وطلبوا تسليمه إليهم، فراجعهم بهاء الدولة، ووعدهم أنه يكف يده، فلم يقبلوا ذلك، فقبض عليه، وعلى جميع أصحابه، فلم يرجع الجند، فسلّمه إليهم، فسقوه السمّ مرتين، فلم يؤذه، فخنقوه، ودفنوه، وقبض على وزيره أبى القاسم لأنه اتهم بمباطنة الجند في أمر ابن المعلم، واستوزر أبا نصر سابور، وأبا منصور بن صالح جميعا، وفي سنة ثلاث وثمانين شعب الجند على بهاء الدولة، ونهبوا دار الوزير سابور، واختفى منهم، واستعفى ابن صالحان من الأنفراد بالوزارة، فأعفى، واستوزر أبا القاسم على بن أحمد، ثم هرب إلى البطيحة، وعاد سابور إلى الوزارة بعد أن أصلح الديلم.
стр. 10096
ذكر ظهور أولاد بختيار، واعتقالهم، وقتل بعضهم
وفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ظهر أولاد عز الدولة بختيار بن معز الدولة من محبسهم، واستولوا على القلعة التى كانوا معتقلين بها، وكان سبب اعتقالهم أن شرف الدولة كان أحسن إليهم بعد وفاة والده عضد الدولة، وأطلقهم، وأنزلهم بشيراذ، وأقطعهم، فلما مات شرف الدولة حبسوا في قلعة ببلاد فارس، فاستمالوا مستحفظها، ومن معه من الديلم، فأفرجوا عنهم، فأنفدوا إلى أهل تلك النواحى، فاجتمعوا تحت القلعة، فبلغ ذلك صمصام الدولة، فسيّر إلى القلعة جيشا، فتفرق ذلك الجمع، وحصر جيشه القلعة، وراسل «١» مقدم الجيش وجوه الدّيلم سرّا، واستمالهم، ففتحوا القلعة، فملكها أصحاب صمصام الدولة، وأخذوا أولاد بختيار، وكانوا ستة، فأمر صمصام الدولة بقتل اثنين، وحبس أربعة.
ذكر مقتل صمصام الدولة
كان مقتله في ذى الحجة سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وسبب ذلك أن جماعة كثيرة من الدّيلم استوحشوا منه لأنه أمر بعرضهم، وإسقاط من ليس بصحيح النسب، فأسقط منهم ألف رجل، واتفق [أن] «٢» أبا القاسم، وأبا نصر ابنى عز الدولة بختيار بن معز الدولة خدعا الموكّلين
стр. 10097
بالقلعة، فأفرجوا عنهما، فجمعا لفيفا من الأكراد، واتّصل بهما الذين أسقطوا من الخدمة من رجال الديلم، وقصدوا أرّجّان، فاجتمعت عليها العساكر، فتجهز صمصام الدولة ولم يكن عنده من يدبره، فأسار عليه أصحابه بالصّعود إلى القلعة التى على باب شيراز، والامتناع بها، فرّاد الصّعود إليها، فمنعه مستحفظها، فأشار بعض أصحابه عليه بقصد الأكراد، والتقوا بهم، فخرج بخزائنه، وأمواله، فنهبه أصحابه، وأرادوا قتله، فهرب وسار إلى «الدودمان» على مرحلتين من شيراز، فقبض عليه رئيسها طاهر، وبلغ أبو نصر الخبر، فبادر إلى شيراز، ودخلها وأخذ صمصام الدولة ابن طاهر، فقتله، وقال: هذه سنة سنها أبوك يعنى ما كان من قتل عضد الدوله بختيار، وكان عمر صمصام الدولة يوم قتل خمسا وثلاثين سنة.
وسبعة أشهر، ومدة إمارته بفارس تسع سنين، وثمانية أشهر.
وكان كريما حليما، وسلمت والدته لبعض قواد الديلم، فقتلها، وبنى عليها دكّة في داره، فلما ملك بهاء الدولة فارس أخرجها، ودفنها فى تربة بنى بوية.
وزراؤه في مملكته الثانية: العلاء بن الحسن، ثم قبض عليه، واستوزر أبا القاسم المعمر بن الحسين الزنجى نحوا من سنة، ثم قبض عليه، واعتقله، وأعاد العلاء، ثم بعثه إلى الأهواز، فمات، فاستوزر أبا الطيّب الفرحان بن شيراز، وأنفذه إلى الأهواز، فأقام إلى أن قتل صمصام الدولة.
стр. 10098
ذكر ملك بهاء الدولة فارس وخوذستان وكرمان
قال: ولما قتل صمصام الدولة؛ استولى ابنا بختيار على بلاد فارس وكاتبا [أبا على بن أستاذ «١» هرمز] وهو بالأهواز يأمرانه بأخذ البيعة لهما، واليمين، فخافهما أبو على، ثم راسله بهاء الدّولة يستميله، ويعد الدّيلم الخير والإحسان، فأجابوه إلى الدخول في طاعته، وأنفذوا جماعة من أعيانهم إلى بهاء الدولة، واستوثقوا منه، وكتبوا إلى أصحابهم المقيمين بالسوس بصورة الحال رجاء أن يخرجوا إلى طاعته، فخرجوا بالسلاح، وقاتلوه قتالا شديدا، فضاق بذلك درعا، فقيل له: إن عادة الدّيلم أن يشتد قتالهم عند الصلح لئلا يظن بهم العجز، ثم كفوا عن القتال، وأرسلوا من يحلفه «٢» لهم، ونزلوا إلى خدمته، واختلط العسكران، وساروا إلى الأهواز، فقرر أبو على ابن اسماعيل أمورها، وقسم الإقطاعات بين الأتراك والديلم، ثم ساروا إلى رامهرمز، فاستولوا عليها، وعلى أرّجان، وغيرها من بلاد خوزستان، وسار أبو على إلى شيراز، فنزل بظاهرها، فحاربه ابنا بختيار، فلما اشتدت الحرب مال بعض أصحابهما إليه، ودخل بعض أصحابه البلد، ونادوا بشعار بهاء الدولة فهرب ابنا بختيار، فأما أبو نصر فإنه لحق ببلاد الدّيلم، وأما أبو القاسم، فلحق ببدر بن حسنويه الكردىّ، ثم قصد البطيحه، ولما ملك أبو على بشيراز كتب إلى بهاء الدولة بالفتح
стр. 10099
فسار إليها، وأمر بنهب قرية الدودمان، وإحراقها، وقتل من كان بها من أهلها، وأخرج أخاه صمصام الدولة، وجدّد أكفانه ودفنه، ثم سيّر عسكرا مع أبى الفتح أستاذ هرمز إلى كرمان، ففتحها، وأقام نائبا عن بهاء الدولة، وذلك في سنة تسع وثمانين.
ذكر وفاة عميد الجيوش، وولاية فخر الملك العراق
وفي سنة إحدى وأربعمائة توفى عميد الجيوش أبو على أستاذ هرمز ببغداد، وكانت ولايته بها ثمانى سنين وأربعة أشهر وسبعة عشر يوما، وكان من حجاب عضد الدولة وجعله في خدمة ابن صمصام الدولة، فلما قتل اتصل بخدمة بهاء الدولة، فجعله نائبه ببغداد، ولما مات استعمل بهاء الدولة مكانه فخر الملك أبا غالب، فوصل إلى بغداد في ذى الحجة من ذى السنة.
ذكر وفاة بهاء الدولة
كانت وفاته بأرّجان في عاشر جمادى «١» الآخرة سنة ثلاث وأربعمائة، وكان مرضه تتابع الصرع مثل مرض أبيه، وحمل إلى مشهد على بن طالب رضى الله عنه، ودفن عند قبر أبيه عضد الدولة، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وتسعة أشهر ونصف شهر، ومدة ملكه أربعا وعشرين سنة، وأياما.
أولاده: سلطان الدولة أبو شجاع فنّاخسروا. مشرق الدولة
стр. 10100
أبو على «١» . جلال الدولة أبو طاهر. قوام الدولة أبو الفوارس.
وزراؤه: أبو منصور بن صالحان أحد وزراء أخيه شرف الدولة، وزر له عشرة أشهر وأياما، ثم أبو نصر سابور بن أردشير أحد عشر شهر، ثم قبض عليه في سنة ثمانين، واستوزر أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف، وأبا القاسم على بن أحمد الأبرهونى، ثم قبضه، وأعاد سابور، ثم أشرك بينه وبين ابن صالحان، ثم استوزر أبا العباس عيسى ستة عشر يوما. واستوزر الموفق عبد الملك أبا على الحسن بن محمد بن إسماعيل سنتين وشهرين، وقلد بعده عميد الجيوش الصاحب، واستوزر بعده فخر الملك «٢» وزير الوزراء الكامل ذا الجلالين»
أبا الغالب محمد بن خلف، وهو أعظم من وزر للديلم على الإطلاق، بعد أبى الفضل بن العميد، وابن عباد.
ذكر ملك سلطان الدولة
هو أبو شجاع فاخسرو بن بهاء الدولة «٤» بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه. كانت ولايته بعد وفاة أبيه، فى عاشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعمائة، ولما ولى سار من أرّجان إلى شيراز، وولّى أخاه جلال الدولة البصرة، وأخاه أبا الفوارس كرمان، وكان القادر بالله قد ولاه العهد
стр. 10101
بسؤال أبيه، فلما مات والده قام مقامه، ودخل بغداد، وأعطى كلّ غلام من أشرافها سبعين دينارا ودست ثياب، فأكثروا عليه بالمطالبات، فضجر، وفارق بغداد، وتوجّه إلى الأهواز.
ذكر قتل فخر الملك، ووزارة ابن سهلان
وفي سنة ست وأربعمائة قبض سلطان الدولة على نائبه بالعراق ووزيره فخر الملك «١» أبى غالب، وقتله في سلخ شهر ربيع الأول، فكانت نيابته بالعراق خمس سنين وأربعة أشهر واثنى عشر يوما، وكان حسن الولاية والآثار، ووجد له ألف ألف دينار عينا، سوى ما نهب، وقيمة العروض، وكان القبض عليه بالأهواز.
حكى ابن علمكان «٢» ، وكان من أكابر القواد قال: قتل إنسان ببغداد، فكانت زوجته تكتب إلى فخر الملك تتظلم وتتشكّى، وهو لا يلتفت إليها، فلقيته يوما فقالت له: تلك الرقاع التى كنت أكتبها إليك صرت أكتبها إلى الله تعالى، فلم يمض على ذلك غير قليل حتى قبض هو وابن علمكان، فقال له فخر الملك: قد برز جواب رقاع تلك المرأة. ولما قبض على فخر الملك استوزر سلطان الدولة أبا محمد الحسن ابن سهلان، ولقب عميد أصحاب الجيوش، وفي ثمان وأربعمائة ضعف أمر الديلم ببغداد، وطمع فيهم العامة، فانحدروا إلى واسط،
стр. 10102
فخرج عليهم عامّتها وأتراكها فقاتلوهم، فدفع الديلم عن أنفسهم، وقتلوا من أتراك واسط، وعامّتها جماعة كثيرة، وعظم أمر العيّارين ببغداد فأفسدوا، ونهبوا.
ذكر ولاية ابن سهلان العراق
وفي سنة تسع وأربعمائة استعمل سلطان الدولة أبا محمد الحسن ابن سهلان على العراق في المحرم، فسار، وأوقع في طريقه بالعرب، ولما وصل واسط وجد الفتن بها قائمة، فأصلحها، وقتل جماعة من أهلها، وورد عليه الخبر باشتداد الفتن ببغداد، فسار إليها، فدخلها في أواخر شهر ربيع الآخر، فهرب منه العيّارون [ونفى] «١» جماعة من العبّاسيين وغيرهم، ونفى أبا عبد الله محمد بن النعمان فقيه الشيعة، وأنزل الديلم أطراف الكرخ وباب البصرة، ولم تكن له عادة بالنزول هناك، ففعلوا من الفساد ما لم يشاهد مثله، فمن ذلك أن رجلا من المستورين أغلق بابه عليه خوفا منهم، وانقطع بداره، فلما كان في أول يوم من شهور رمضان خرج لبعض شأنه وقد أطمأن لتعظيم الشهر، وكفّ الناس فيه عن الفساد، فرآهم على حال عظيم من الفساد وشرب الخمور، فأراد الرجوع إلى داره، فمنعوه وأكرهوه على الدخول معهم إلى دار من دورهم، وألزموه بشرب الخمر، فامتنع، فصبوها في فيه قهرا، وقالوا له: قم إلى هذه المرأة فافعل بها، فامتنع فألزموه، فدخل معها إلى بيت في الدار، وأعطاها دراهم، وقال لها:
стр. 10103
هذا أول يوم من شهر رمضان، والمعصية فيه تتضاعف، وأحب أن تخبريهم أنى فعلت، فقالت: لا، ولا كرامة، ولا عزازة، أنت تصون دينك عن الزنا في هذا الشهر، وأنا أريد أن أصون أمانتى ولسانى عن الكذب فيه، فصارت هذه الحكاية سائرة في بغداد، ثم إن أبا محمد بن سهلان أفسد قلوب الأتراك والعامة، فانحدروا إلى واسط، فلقوا بها سلطان الدولة، فشكوه إليه فسكنهم، ووعدهم أن يتوجه إلى بغداد ويصلح الحال، وكتب إلى ابن سهلان يستقدمه، فخافه، فهرب إلى بنى حقاجة، ثم إلى الموصل، ثم إلى الأنبار ثم سار إلى البطيحة.
ذكر ملك مشرف «١» الدولة أبى على بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه العراق
كان استيلاء مشرف «٢» الدولة على العراق في سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وكان سبب ذلك أن الجند شغبوا على سلطان الدولة، ومنعوه من الحركة، وأرادوا ترتيب مشرف «٣» الدولة أخيه في الملك، فأشير على سلطان الدولة بالقبض عليه، فلم يمكنه من «٤» ذلك، وأراد سلطان الدولة الانحدار إلى واسط، فقال له الجند: إما أن تجعل عندنا ولدك، أو أخاك مشرف الدولة. فراسل
стр. 10104
أخاه مشرف الدولة بذلك، فامتنع، ثم أجابه بعد معاودة، ثم اتفقا، واجتمعا ببغداد، واستقر بينهما أنهما لا يستخدمان ابن سهلان، وفارق سلطان الدولة بغداد، وقصد الأهواز، واستخلف أخاه مشرف الدولة بها، فلما انحدر سلطان الدولة ووصل تستر استوزر ابن سهلان، فاستوحش مشرف الدولة، فانفذ سلطان الدولة ابن سهلان ليخرج أخاه مشرف الدولة من العراق، فجمع مشرف «١» الدولة عسكرا كثيرا، منهم أتراك واسط، وأبو الأعز دبيس بن على بن مزيد، ولقى ابن سهلان عند واسط، فانهزم ابن سهلان، وتحصّن بواسط، فحصره مشرف «٢» الدولة وضيّق عليه، حتى بيع كرّ «٣» الحنطة بألف دينار قاشانية، وأكل الناس حتى الكلاب، فاستخلف ابن سهلان مشرف الدولة، وسلم إليه البلد، وخرج إليه، فخوطب حينئذ مشرف الدولة. وذلك في ذى الحجة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وحضر إليه الديلم الذين كانوا بواسط، وصاروا معه، فحلف لهم وأقطعهم، فلما اتصل الخبر بسلطان الدولة سار عن الأهواز إلى أرجان، وقطعت خطبته من العراق، وخطب لمشرف الدولة ببغداد، فى أول المحرم سنة ثنتى عشرة وأربعمائة، وقبض على الوزير ابن سهلان، وكحله؛ فلما سمع سلطان الدولة بذلك ضعفت نفسه، وسار إلى الأهواز في أربعمائة فارس، فقلت عليهم الميرة؛ فنهبوا السواد في طريقهم، فاجتمع الأتراك الذين بالأهواز، وقاتلوا أصحاب سلطان الدولة، ونادوا بشعار مشرف الدولة.
стр. 10105
قال: ولما خطب لمشرف الدولة طلبوا منه «١» أن ينحدروا إلى بيوتهم بخوزستان، فأذن لهم، وأمر وزيره أبا غالب بالانحدار معهم، فقال له: إن فعلت خاطرت بنفسى، ولكن أبذلها في خدمتك، ثم انحدر بالعسكر، فلما وصل إلى الأهواز نادى الديلم بشعار سلطان الدولة، وهجموا على أبى غالب، فقتلوه، فسار الأتراك الذين كانوا معه إلى طراد بن دبيس، ولما بلغ سلطان الدولة قتله اطمأن، وقويت نفسه، وأنفذ ابنه إلى الأهواز، فملكها.
ذكر الصلح بين سلطان الدولة وأخيه مشرف «٢» الدولة
وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة حصل الإنفاق والصلح بينهما، على أن يكون العراق جميعه لمشرف الدولة، وفارس وكرمان لسلطان الدولة، وحلف كل منهما لصاحبه.
ذكر الخلف بين مشرف الدولة والأتراك وعزل الوزير ابن المغربى «٣»
وفي سنة خمس عشرة وأربعمائة تأكدت الوحشة بين الأثير عنبر الخادم، ومعه الوزير ابن المغربى وبين الأتراك؛ فاستأذن الأثير
стр. 10106
والوزير مشرف الدولة في الانتزاح إلى بلد يأسنان فيه على أنفسهما، فقال: وأنا والله أسير معكما؛ فساروا جميعا، ومعهم جماعة من مقدّمى الديلم إلى السندية «١» ، وبها قرواش «٢» ، ثم ساروا إلى أوانا، فعظم ذلك على الأتراك، فراسلوه، واعتذروا، فكتب إليهم الوزير يقول: إننى تأملت ما لكم من الجامكيات. فإذا هى ستمائة ألف دينار، وعلمت دخل بغداد، فإذا هو أربعمائة ألف دينار، فإن أسقطتم مائة ألف تحملت الباقى، فقالوا: نحن نسقطها، فاستشعر منهم الوزير، فهرب إلى قرواش، فكانت وزارته عشرة أشهر وخمسة أيام، فلما أبعد خرج الأتراك، وسألوا مشرف الدولة، والأثير في الانحدار معهم، فأجابهم إلى ذلك.
ذكر وفاة سلطان الدولة
كانت وفاته بشيراز في شوال سنة خمسة عشرة وأربعمائة، وكان عمره اثنين وثلاثة سنة وخمسة أشهر، وخمسة أيام، ومملكة بالحضرة، وإمارته ببلاد فارس، وخوزستان، وكرمان ثنتى عشرة سنة، وأربعة أشهر وثلاثة أيام.
وزراؤه: فخر الملك أبو غالب بن خلف إلى أن قتله بالأهواز، واستوزر أبا محمد الحسن بن الفضل بن سهلان، واستوزر ذا السعادتين أبا غالب الحسن بن منصور، ثم استوزر أبا الفتح
стр. 10107
عبد الحكيم بن إبراهيم بن الخصيب [وقبض «١» عليه] واستوزر أبا محمد الحسن بن محمد بن بابشاد من أهل رامهرمز. ولما مات، ولى بعده ابنه أبو كاليجار المرزبان، على ما نذكره، بعد عمه.
ذكر وفاة مشرف الدولة
كانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة وأربعمائة، وعمره ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر، وملكه خمس سنين، وخمسة وعشرون يوما، وكان ملكا عادلا، كثير الخير، قليل الشر، حسن السيرة.
وزراؤه: ذو السعادتين أبو غالب الحسن بن منصور، ثم عزله، واستوزر مؤيد الملك زعيم الكفاة مجد المعالى أبا على الحسن في سنة خمس عشرة وأربعمائة، ثم استوزر أبا قاسم بن المغربى.
ذكر سلطنة جلال الدولة
هو أبو طاهر فيروز خسرو بن بهاء الدولة خسرو فيروز بن عضد الدولة ابن ركن الدولة بن بويه. ملك بعد وفاة أخيه «٢» مشرف الدولة، فى شهر ربيع الأول سنة سته عشر وأربعمائة، [وكان عند «٣» وفاته بالبصرة] ،
стр. 10108
وكان أبوه قد رتبه بها في حياته، فلما مات مشرف الدولة خطب له ببغداد، وطلب فلم يصعد إليها، وإنما بلغ واسط، وأقام بها، ثم عاد إلى البصرة، فقطعت خطبته، وخطب لابن «١» أخيه أبى كاليجار ابن سلطان الدولة في شوال، وهو حينئذ صاحب خوزستان، فلما اتّصل ذلك بجلال الدولة أصعد إلى بغداد، فانحدر عسكرها ليرده عنها، وقاتلوه ونهبوا بعض خزائنه، فعاد إلى البصرة، وأرسلوا إلى الملك أبى كالنجار ليحضر إلى بغداد، فوعدهم بذلك، ولم يمكنه. لأن الحرب كانت بينه وبين عمه أبى الفوارس صاحب كرمان، وانقطعت خطبة جلال الدولة إلى سنة ثمان عشرة وأربعمائة، ثم عاد إلى السلطنة، وكان سبب ذلك أن الأتراك كانوا قد طمعوا في الناس ببغداد، وصادروهم، وأخذوا أموالهم، وعظم الخطب، وزاد الشر، وأحرقت المنازل، والدروب، والأسواق، وطمع العيّارون، والعامة، فكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره كما يفعل السلطان بمن يصادره، ووقعت الحرب بين العامّة والجند، فظفر الجند بهم، ونهبوا الكرخ وغيره، وذلك في سنة سبع عشرة، فلما رأى القوادّ وعقلاء الجند أن الملك أبا كاليجار لا يصل إليهم، وأن البلاد قد خربت، وطمع فيهم المجاورون لهم من الأعراب والأكراد، وقصدوا دار الخلافة، وراسلوا الخليفة القادر بالله، واعتذروا من انفرادهم بالخطبة لجلال الدولة أوّلا، وردّهم له ثانيا، وبالخطبة لأبى كالنجار، وقالوا:
إن أمير المؤمنين صاحب الأمر ونحن العبيد، وقد أخطأنا، ونسأل
стр. 10109
العفو، ولا يدّلنا ممّن- يجمع كلمتنا، وسألوا أن يرسل الخليفه إلى جلال الدولة ليصعد إلى بغداد، ويملكه ويجمع الكلمة، وأن يحلفه رسول الخليفة، فأجابهم الخليفه إلى ما سألوا، وراسله هو وقواد الجند في الإصعاد، واليمين للخليفة، ولهم، فحلف لهم، وأصعد إلى بغداد، وانحدر الأتراك إليه، فلقوه في الطريق، ووصل بغداد فى ثالث شهر رمضان سنة ثمانى عشرة وأربعمائة، ونزل بالنجمى، فركب الخليفة في الطيّار، وانحدر لتلقيه، فلما رآه جلال الدولة، قبل الأرض بين يديه، ثم دخل جلال الدولة إلى دار المملكة، وأمر بضرب النّوب الخمس على بابه في أوقات الصلوات، فراسله الخليفة في قطعها، فقطعها غضبا، ثم أذن له الخليفة في إعادتها ففعل:
ذكر شغب الأتراك ببغداد على جلال الدولة
وفي سنة تسع عشرة وأربعمائة ثار الأتراك ببغداد على جلال الدولة، وطالبوا الوزير أبا على بن ماكولا بمالهم من المعلوم، ونهبوا داره ودور كتاب جلال الدولة، وحواشيه، حتى المغنّين، والمخنثين، ونهبوا صياغات أخرجها جلال الدولة، ليضربها دنانير ودراهم، ويغرقها فيهم، وحصروا جلال الدولة في داره، ومنعوه الطعام والماء حتى شرب أهله ماء البئر، وأكلوا ثمرة البستان، فسألهم أن يمكنوه من الانحدار، فتأخروا له ولأهله، فجعل بين الدار وبين السفن سرادقا «١»
стр. 10110
لتجتاز حرمه فيه، لئلا يراهم العامة والأجناد، فقصد بعض الأتراك السرادق، فظن جلال الدولة أنهم يريدون الحريم، فصاح بهم، وقال:
بلغ من أمركم إلى الحريم؟ وتقدم إليهم وبيده طبر، «١» فصاح صغار الغلمان، والعامة: جلال الدولة يا منصور؛ ونزل أحدهم عن فرسه، وأركبه إياه، وقبلوا الأرض بين يديه، فرجعوا إلى منازلهم، ولم تمض عشرة أيام حتى عادوا، وشعبوا؛ فباع جلال الدولة فرشه، وثيابه، وخيامه، وفرق أثمان ذلك فبهم، فسكنوا، وضعف حال جلال الدولة، وقلت الأموال عنده، وطمع القواد فيه، حتى انتهى حاله في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة في شهر رجب أن أخرج دوابه من الاصطبل، وهى خمس عشرة دابة وسيّبها في الميدان، بغير سايس، ولا حافظ، ولا علف، فقيل: إنه فعل ذلك لأمرين: أحدهما: عدم العلف عنده، والثانى: أن الأتراك كانوا يلتمسون دوابه يطلبونها منه، فضجر من ذلك، فأخرجها، وقال: هذه دوابى، خمسة لمركوبى، والباقى لأصحابى، وفرق حواشيه، وفراشيه، وأتباعه، وأغلق باب داره لانقطاع جاريه فثارت فتنة لذلك بين العامة والجند، وعظم الأمر، وظهر العيّارون ببغداد.
стр. 10111
ذكر وثوب الجندبه واخراجه من بغداد وعوده اليها
وفي سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة في شهر ربيع الأول، تجددت الفتنة بين جلال الدولة وبين الأتراك، فأغلق بابه، فجاء الأتراك ونهبوا داره، وسلبوا الكتّاب، وأرباب الديوان ثيابهم، وطلبو الوزير أبا إسحاق السهيلى، فهرب، وخرج جلال الدولة إلى عكبرا، فى شهر ربيع الآخر، وخطب الأتراك ببغداد للملك أبى كاليجار، وأرسلوا إليه يطلبونه وهو بالأهواز، فمنعه العادل بن ماقيه «١» من الإصعاد إلى أن يحضر بعض قوادهم، فلما رأوا إمتناعه من الوصول إليهم، أعادوا خطبة جلال الدولة، وساروا إليه، وسألوه العود إلى بغداد، فعاد بعد ثلاثة وأربعين يوما.
واستوزر أبا القاسم بن ماكولا، ثم عزله، واستوزر بعده عميد الملك أبا سعيد عبد الرحيم، فوزر أياما ثم استتر. وسبب ذلك أن جلال الدوله تقدم إليه بالقبض على أبى المعمّر إبراهيم بن الحسين البسامى طمعا في ماله عليه، وجعله في داره فقبض فثار الأتراك، وقصدوا دار الوزير، وضربوه، وأخرجوه من داره حافيا، ومزقوا ثيابه وعمامته، وأخذوا خواتيمه فدميت إصبعه، وكان جلال الدوله في الحمام، فخرج فزعا لينتظر ما الخبر، فوجد الوزير فقبل الأرض، وذكر ما فعل به، فقال له جلال الدولة أنا ابن بهاء الدولة، وقد فعل في أكثر من
стр. 10112
هذا، ثم أخذ من البسامى ألف دينار، وأطلقه، واختفى الوزير.
وفي سنة أربع وعشرين وأربعمائة في شهر رمضان شغب الجند على جلال الدولة، وقبضوا عليه، وأخرجوه من داره، ثم سألوه ليعود إليها فعاد، وسبب ذلك أنه استقدم الوزير أبا القاسم من غير أن يعلموا، فاستوحشوا من ذلك، واجتمعوا وهجموا عليه في داره، وأخرجوه إلى مسجد هناك، فوكلوا به فيه، وأسمعوه ما يكره، ونهبوا بعض ما في داره، فجاء بعض القواد في جماعة من الجند، وأعاده إلى داره، فنقل جلال الدولة حرمه» وما فضل في داره بعد النهب، إلا الجانب الغربى، ونزل بدار المرتضى، وعبر الوزير معه، ثم راسله الجند، وقالوا نريد أن تنحدر عنا إلى واسط، وأنت ملكنا، وتترك عندنا بعض أولادك الأصاغر، فأجابهم إلى ذلك، وأرسل سرا إلى الغلمان الأصاغر، واستمالهم، وإلى كل واحد من الأكابر واستماله، وقال: إنما وثوقى بك وسكوتى إليك، فمالوا إليه ودخلوا عليه، وقبلوا الأرض بين يديه، وسألوه العود إلى داره، فعاد وحلف لهم على الإخلاص، والإحسان إليهم، وحلفوا له على المناصحة.
وفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة عاد الجند إلى الشغب وثاروا به وأرادوا إخراجه من بغداد، فاستمهلهم ثلاثة أبام، فلم يملهوه، ورموه بالآجر، فأصابه بعضه، فاجتمع الغلمان، وردّهم عنه، فخرج من باب لطيف، وركب في سماريّة متنكّرا، وصعد راجلا منها إلى دار المرتضى بالكرخ، ثم سار إلى رافع بن الحسين بتكريت، وكسّر الأتراك باب داره، ودخلوها، ونهبوها، وخلعوا كثيرا من صاجها وأبوابها، فأرسل الخليفة إليهم، وسكنهم، وأعاده إلى بغداد. والله أعلم.
стр. 10113
ذكر الفتنة بين جلال الدولة، وبارسطغان، وقتل بارسطغان
وفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة كانت الفتنة بينهما، وكان بارسطغان من أكابر الأمراء، ويلقب حاجب الحجاب، وكان سبب الفتنة: أن جلال الدّولة نسبه إلى فساد الأتراك، والأتراك نسبوه إلى أخذ الأموال؛ فخاف على نفسه، فالتجأ إلى دار الخلافة، وذلك في شهر رجب سنة سبع وعشرين، فمنع الخليفة منه، وأرسل بارسطغان إلى الملك أبى كاليجار يحثه على طلب ملك العراق، فأرسل أبو كاليجار جيشا فوصلوا إلى واسط وأخرجوا منها الملك العزيز بن جلال الدولة، فأصعد إلى أبيه، فعند ذلك كشف بارسطغان القناع، وانضمّ إليه أصاغر المماليك، ونادوا بشعار أبى كاليجار، وأخرجوا جلال الدّولة من بغداد، فسار إلى أوانا «١» ومعه البساسيرى، وأرسل بارسطغان إلى الخليفة في الخطبة لأبى كاليجار، فامتنع واحتج بعهود جلال الدولة، فأكره الخطباء على الخطبة لأبى كاليجار، ففعلوا، وسار الأجناد الواسطيّون إلى باب بارسطغان، وكانوا معه، ثم عاد جلال الدّولة إلى الجانب الغربى ببغداد، ومعه قراوش بن المقلّد العقيلى ودنيس بن على «٢» بن مزيد الأسدى، وخطب له بالجانب الغربى، ولأبى كاليجار بالجانب الشرقى، ثم سار جلال الدولة إلى الأنبار، وسار قرواش إلى الموصل، ووصل الخبر إلى بارسطغان بعود
стр. 10114
أبى كاليجار إلى فارس، ففارقه الدّيلم الذين كانوا نجدة له، فضعف أمره، فرفع ماله وحرمه إلى دار الخلافة، وانحدر إلى واسط، وعاد جلال الدولة إلى بغداد، وأرسل البساسيرى والمرشد وبنى خفاجة في إثر بارسطغان، ومعهم جلال الدولة ودبيس، فلحقوه بالخيزرانية، فقاتلوه، فسقط عن فرسه، فأسر وجىء به إلى جلال الدولة، فقتله، وكان عمره نحوا من سبعين سنة، فضعف أمر الأتراك، وطمع فيهم الأعراب، واستولوا على إقطاعهم.
ذكر الصلح بين جلال الدولة وأبى كاليجار
وفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة وقع الصّلح بين جلال الدّولة، وأبى كاليجار، والاتفاق، وزال الخلف بعد أن كان بين عساكرهما حرب قبل ذلك، فاتفقا الآن، وكان الرسل في الصلح أقضى القضاة أبا الحسن الماوردى، وأبا عبد الله المردوستى، وغيرهما، وتزوّج أبو منصور بن على أبى كاليجار بابنة جلال الدولة، وكان الصداق خمسين ألف دينار قاشانيه. والله أعلم.
ذكر مخاطبة جلال الدولة بملك الملوك
وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله أن يخاطب بملك الملوك، فامتنع، ثم أجاب إذا أفتى الفقهاء بجوازه، فأفتى قاضى القضاة أبو الطيب «١» الطبرى،
стр. 10115
والقاضى أبو عبد الله الصيمرى «١» ، والقاضى ابن البيضاوى، بجواز ذلك، ومنع منه أقضى القضاة أبو الحسن على بن محمد بن حبيب الماوردى الشافعى، وجرى بينه وبين من أفتى بجوازه مراجعات، فخطب لجلال الدولة بملك الملوك، وكان الماوردى من أخص الناس بجلال الدولة، وهو يتردّد إلى دار الملك في كل يوم، فلما أفتى بالمنع انقطع، ولزم بيتة من شهر رمضان إلى يوم عيد النحر، استدعاه جلال الدّولة، فحضر خائفا، فأدخل عليه وحده، فقال له:
قد علم الناس أنك من أكثر الفقهاء مالا وجاها وقربا منا، وقد خالفتهم فيما وافق هواى «٢» ، ولم تفعل ذلك إلا لعدم المحاباة منك واتّباع الحق، وقد بان لى موضعك من الدين، ومكانك من العلم، وجعلت جزاء ذلك إكرامك، بأن أدخلتك إلىّ وحدك، وجعلت إذن الحاضرين إليك ليتحققوا عودى إلى ما تحبّ، فشكره ودعا له، وأذن لكلّ من حضر للخدمة بالانصراف «٣» ، والله أعلم.
ذكر وفاة جلال الدولة
كانت وفاته ببغداد سادس شعبان سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وكان مرضه ورما في كبده، وكان مولده في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وكانت مدة عمره إحدى وخمسين سنة، ومدة ملكه ببغداد
стр. 10116
منذ خطب له ثانيا، سبع عشرة سنة وشهرين، ومنذ وصل إليها ست عشرة سنة وأحد عشرة شهرا، وكانت أيامه كثيرة الوهن والاضطراب، وضعفت المملكة في أيامه، وقد تقدم ما يدل على ذلك، وكان كثير الصدقة، وزيارة الصّالحين والمشاهد، وكان يمشى حافيا قبل وصوله إلى كلّ مشهد نحوا من فرسخ.
أولاده: الملك العزيز أمير الأمراء أبو منصور، توفى بديار بكر في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وعمره ثلاث وثلاثون سنة.
وزراؤه: أبو سعد عبد الواحد بن على بن ماكولا، ثم نكبه، واستوزر أخاه أبا على الحسن، ثم عزله، واستوزر أبا القاسم بن ماكولا، وهو أخوهما، ثم استوزر عميد الملك أبو سعيد عبد الرحيم، واستوزر غير هؤلاء، والله أعلم.
ذكر أخبار السلطان شاهنشاه
هو أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة أبى شجاع فناخسرو بن بهاء الدولة أبى نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، ملك بعد وفاة والده سلطان الدولة، كرمان، وفارس، وخوزستان، ثم ملك الحضرة ببغداد، بعد وفاة عمّه جلال الدولة.
على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 10117
ذكر ابتداء ملكه
لما توفى والده سلطان الدولة في شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة بشيراز، كان هو بالأهواز، فطلبه الأوحد أبو محمّد بن مكرم ليملك البلاد، وكان هواه معه، وهوى الأتراك مع عمه أبى الفوارس بن بهاء الدولة صاحب كرمان، فكاتبوه أيضا يطلبونه إليهم، فتأخر أبو كاليجار، وسبقه عمه أبو الفوارس إليها، فملكها، وكان أبو المكارم ابن أبى محمد بن مكرم قد أشار عليه ابنه، لما رأى الاختلاف، أن يسير إلى مكان يأمن فيه على نفسه، فلم يقبل قوله، ففارقه، وقصد البصرة، فلما ملك أبو الفوارس طالبه الجند بحق البيعة، فأحالهم على ابن مكرم، وألزمه بإيصال [المال «١» ] إليهم، فتضجر من ذلك، فقبض أبو الفوارس عليه وقتئذ، فلما سمع ابنه بقتله صار مع الملك أبى كاليجار وأطاعه، وتجهز الملك أبو كاليجار، وقام بأمره أبو مزاحم صندل الخادم مربيه، وساروا بالعساكر إلى فارس، فبعث أبو الفوارس عسكرا مع وزيره أبى منصور الحسن بن على البشنوى لقتاله، فوصل أبو كاليجار والوزير فتهاون به؛ لكثرة عساكره، فأتوه وهو نائم، وقد تفرق عسكره في البلد، لابتياع ما يحتاجون إليه، وكان جاهلا بالحرب، فلما شاهد أعلام أبى كاليجار شرع الوزير يرتب العسكر، وقد داخلهم الرعب، فحمل عليهم أبو كاليجار، فانهزموا وغنم أموالهم، فلما انتهى خبر الهزيمة إلى أبى الفوارس سار إلى كرمان، ودخل أبو كاليجار شيراز، وملك فارس.
стр. 10118
ذكر عودة أبى الفوارس الى فارس واخراجه
قال: ولما ملك أبو كاليجار البلاد، ودخل شيراز، وجرى على الدّيلم الشيرازيّة من عسكره ما أخرجهم عن طاعته، وتمنّوا أنهم كانوا قتلوا مع عمه، ثم إن عسكر أبى كاليجار شغبوا عليه، وطالبوه بالمال فأظهر ديلم شيراز ما في نفوسهم من الحقد، فعجز عن المقام معهم، فسار عن شيراز إلى النونبدجان، ولقى شدّة في طريقه، ثم فارقها لشدّة حرّها، ووخامة هوائها إلى شعب بوّان، فأقام به، وهو أحد متنزهات الدنيا الأربع، ولما سار عن شيراز أرسل الدّيلم الشيرازيّون إلى أبى الفوارس يحثّونه على الوصول إليهم، فسار إليهم وتسلّم.
شيراز، وقصد أبا كاليجار بشعب بوّان، ثم استقر بينهما الصلح، على أن يكون لأبى الفوارس كرمان وفارس، ولأبى كاليجار خوزستان، وعاد أبو الفوارس إلى شيراز، وسار أبو كاليجار إلى أرّجان، ثم إن وزيره أبى الفوارس صادر الناس، وأفسد قلوبهم، واجتاز به مال لأبى كاليجار ولمن معه من الديلم، فأخذه، فحينئذ حثّ العادل ابن ماقيه «١» صندلا الخادم على العود إلى شيراز، فعادت الحال إلى أشدّ ما كانت عليه، ثم خرج كل واحد، من أبى الفوارس وأبى كاليجار، والتقوا، واقتتلوا، فانهزم أبو الفوارس إلى دارابجرد «٢» ، وملك أبو كاليجار فارس، وعاد أبو الفوارس فجمع الأكراد، فاجتمع له نحو عشرة
стр. 10119
آلاف مقاتل، والتقوا واقتتلوا نحو البيضاء، واصطخر، فانهزم أبو الفوارس ومن معه، وسار إلى كرمان، واستقر ملك أبى كاليجار بفارس، فى سنة سبع عشرة وأربعمائة، وفي أثناء ذلك خطب لأبى كاليجار ببغداد، بعد وفاة مشرف الدولة، كما قدمناه فى أخبار جلال الدولة، وفي سنة ثمانى عشرة وأربعمائة استقر الصلح بين أبى كاليجار، وعمه أبى الفوارس صاحب كرمان، على أن تكون كرمان لأبى الفوارس وبلاد فارس لأبى كاليجار، ويحمل لعمّه في كلّ سنة عشرين ألف دينار، وفوّض أبو كاليجار أمور دولته إلى العادل ابن ماقية، فأجابه بعد امتناع، وشرط عليه ألا يعارض فيما يفعله، وفي سنة تسع عشرة وأربعمائة توفى أبو الفوارس صاحب كرمان، فاستولى أبو كاليجار على كرمان.
ذكر ملك أبى كاليجار العراق
وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ملك العراق، وذلك بعد وفاة عمه جلال الدولة، وذلك أن جلال الدولة «١» لما مات كان ولده الأكبر الملك العزيز بواسط، فكاتبه الأجناد بالطاعة، وشرطوا عليه تعجيل ما جرت به العادة من حقّ البيعة، فتردّدت الرسائل بينهم في مقدار المال، فلم يكن عنده ما يعطيه لهم، وبلغ خبر موته الملك أبا كاليجار، فكاتب القوّاد والأجناد ورغّبهم في المال، وبكثرته وتعجيله، فمالوا إليه، وعدلوا عن الملك العزيز، وأرسل الأموال،
стр. 10120
وفرقّها على الجند وأولادهم ببغداد، وأرسل إلى الخليفة عشرة آلاف دينار، ومعها هدايا كثيرة، فخطب له ببغداد في صفر سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ولقّبه الخليفة محيى الدين، وسار إلى بغداد في مائة فارس من أصحابه؛ ليلا مخافة الأتراك، فلما وصل إلى النعمانيه لقيه دبيس بن مزيد، ودخل إلى بغداد في شهر رمضان، ومعه وزيره ذو السعادتين أبو الفرج بن محمد بن جعفر بن محمد بن فسابخس «١» وزينت بغداد لقدومه، وخلع على أصحاب الجيوش، وهم البساسيرى والنشاودى «٢» والهمام أبو البقاء، وجرى من ولاة العرض تقديم لبعض الجند وتأخير، فشغب بعضهم، وقتلوا واحدا من ولاة العرض بمرأى من الملك أبى كاليجار، واستمر ملكه إلى سنة أربعين وأربعمائة فتوفى بمدينة [خناب] «٣» من كرمان، فى رابع جمادى الأولى منها، وقد عزم على المسير إلى كرمان، وكان عمره أربعين سنة وشهورا، ومدة ملكه، منذ ملك فارس بعد وفاة أبيه، أربعا وعشرين سنة وسبعة أشهر، بما في ذلك من مدة الحرب بينه وبين عمه أبى الفوارس، ومنذ ملك العراق بعد عمه جلال الدولة أربع سنين وشهرين ونيّفا وعشرين يوما، ولما توفى نهب الأتراك الذين بالعسكر الخزائن والسلاح والدوابّ، وانتقل ولده أبو منصور فلا ستون إلى مخيّم الوزير أبى منصور، وأراد الأتراك نهبها، فمنعهم الديلم،
следующие страницы →