← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10116–10155 · переход к 10121.

стр. 10116

منذ خطب له ثانيا، سبع عشرة سنة وشهرين، ومنذ وصل إليها ست عشرة سنة وأحد عشرة شهرا، وكانت أيامه كثيرة الوهن والاضطراب، وضعفت المملكة في أيامه، وقد تقدم ما يدل على ذلك، وكان كثير الصدقة، وزيارة الصّالحين والمشاهد، وكان يمشى حافيا قبل وصوله إلى كلّ مشهد نحوا من فرسخ. أولاده: الملك العزيز أمير الأمراء أبو منصور، توفى بديار بكر في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وعمره ثلاث وثلاثون سنة. وزراؤه: أبو سعد عبد الواحد بن على بن ماكولا، ثم نكبه، واستوزر أخاه أبا على الحسن، ثم عزله، واستوزر أبا القاسم بن ماكولا، وهو أخوهما، ثم استوزر عميد الملك أبو سعيد عبد الرحيم، واستوزر غير هؤلاء، والله أعلم. ذكر أخبار السلطان شاهنشاه هو أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة أبى شجاع فناخسرو بن بهاء الدولة أبى نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، ملك بعد وفاة والده سلطان الدولة، كرمان، وفارس، وخوزستان، ثم ملك الحضرة ببغداد، بعد وفاة عمّه جلال الدولة. على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 10117

ذكر ابتداء ملكه لما توفى والده سلطان الدولة في شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة بشيراز، كان هو بالأهواز، فطلبه الأوحد أبو محمّد بن مكرم ليملك البلاد، وكان هواه معه، وهوى الأتراك مع عمه أبى الفوارس بن بهاء الدولة صاحب كرمان، فكاتبوه أيضا يطلبونه إليهم، فتأخر أبو كاليجار، وسبقه عمه أبو الفوارس إليها، فملكها، وكان أبو المكارم ابن أبى محمد بن مكرم قد أشار عليه ابنه، لما رأى الاختلاف، أن يسير إلى مكان يأمن فيه على نفسه، فلم يقبل قوله، ففارقه، وقصد البصرة، فلما ملك أبو الفوارس طالبه الجند بحق البيعة، فأحالهم على ابن مكرم، وألزمه بإيصال [المال «١» ] إليهم، فتضجر من ذلك، فقبض أبو الفوارس عليه وقتئذ، فلما سمع ابنه بقتله صار مع الملك أبى كاليجار وأطاعه، وتجهز الملك أبو كاليجار، وقام بأمره أبو مزاحم صندل الخادم مربيه، وساروا بالعساكر إلى فارس، فبعث أبو الفوارس عسكرا مع وزيره أبى منصور الحسن بن على البشنوى لقتاله، فوصل أبو كاليجار والوزير فتهاون به؛ لكثرة عساكره، فأتوه وهو نائم، وقد تفرق عسكره في البلد، لابتياع ما يحتاجون إليه، وكان جاهلا بالحرب، فلما شاهد أعلام أبى كاليجار شرع الوزير يرتب العسكر، وقد داخلهم الرعب، فحمل عليهم أبو كاليجار، فانهزموا وغنم أموالهم، فلما انتهى خبر الهزيمة إلى أبى الفوارس سار إلى كرمان، ودخل أبو كاليجار شيراز، وملك فارس.

стр. 10118

ذكر عودة أبى الفوارس الى فارس واخراجه قال: ولما ملك أبو كاليجار البلاد، ودخل شيراز، وجرى على الدّيلم الشيرازيّة من عسكره ما أخرجهم عن طاعته، وتمنّوا أنهم كانوا قتلوا مع عمه، ثم إن عسكر أبى كاليجار شغبوا عليه، وطالبوه بالمال فأظهر ديلم شيراز ما في نفوسهم من الحقد، فعجز عن المقام معهم، فسار عن شيراز إلى النونبدجان، ولقى شدّة في طريقه، ثم فارقها لشدّة حرّها، ووخامة هوائها إلى شعب بوّان، فأقام به، وهو أحد متنزهات الدنيا الأربع، ولما سار عن شيراز أرسل الدّيلم الشيرازيّون إلى أبى الفوارس يحثّونه على الوصول إليهم، فسار إليهم وتسلّم. شيراز، وقصد أبا كاليجار بشعب بوّان، ثم استقر بينهما الصلح، على أن يكون لأبى الفوارس كرمان وفارس، ولأبى كاليجار خوزستان، وعاد أبو الفوارس إلى شيراز، وسار أبو كاليجار إلى أرّجان، ثم إن وزيره أبى الفوارس صادر الناس، وأفسد قلوبهم، واجتاز به مال لأبى كاليجار ولمن معه من الديلم، فأخذه، فحينئذ حثّ العادل ابن ماقيه «١» صندلا الخادم على العود إلى شيراز، فعادت الحال إلى أشدّ ما كانت عليه، ثم خرج كل واحد، من أبى الفوارس وأبى كاليجار، والتقوا، واقتتلوا، فانهزم أبو الفوارس إلى دارابجرد «٢» ، وملك أبو كاليجار فارس، وعاد أبو الفوارس فجمع الأكراد، فاجتمع له نحو عشرة

стр. 10119

آلاف مقاتل، والتقوا واقتتلوا نحو البيضاء، واصطخر، فانهزم أبو الفوارس ومن معه، وسار إلى كرمان، واستقر ملك أبى كاليجار بفارس، فى سنة سبع عشرة وأربعمائة، وفي أثناء ذلك خطب لأبى كاليجار ببغداد، بعد وفاة مشرف الدولة، كما قدمناه فى أخبار جلال الدولة، وفي سنة ثمانى عشرة وأربعمائة استقر الصلح بين أبى كاليجار، وعمه أبى الفوارس صاحب كرمان، على أن تكون كرمان لأبى الفوارس وبلاد فارس لأبى كاليجار، ويحمل لعمّه في كلّ سنة عشرين ألف دينار، وفوّض أبو كاليجار أمور دولته إلى العادل ابن ماقية، فأجابه بعد امتناع، وشرط عليه ألا يعارض فيما يفعله، وفي سنة تسع عشرة وأربعمائة توفى أبو الفوارس صاحب كرمان، فاستولى أبو كاليجار على كرمان. ذكر ملك أبى كاليجار العراق وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ملك العراق، وذلك بعد وفاة عمه جلال الدولة، وذلك أن جلال الدولة «١» لما مات كان ولده الأكبر الملك العزيز بواسط، فكاتبه الأجناد بالطاعة، وشرطوا عليه تعجيل ما جرت به العادة من حقّ البيعة، فتردّدت الرسائل بينهم في مقدار المال، فلم يكن عنده ما يعطيه لهم، وبلغ خبر موته الملك أبا كاليجار، فكاتب القوّاد والأجناد ورغّبهم في المال، وبكثرته وتعجيله، فمالوا إليه، وعدلوا عن الملك العزيز، وأرسل الأموال،

стр. 10120

وفرقّها على الجند وأولادهم ببغداد، وأرسل إلى الخليفة عشرة آلاف دينار، ومعها هدايا كثيرة، فخطب له ببغداد في صفر سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ولقّبه الخليفة محيى الدين، وسار إلى بغداد في مائة فارس من أصحابه؛ ليلا مخافة الأتراك، فلما وصل إلى النعمانيه لقيه دبيس بن مزيد، ودخل إلى بغداد في شهر رمضان، ومعه وزيره ذو السعادتين أبو الفرج بن محمد بن جعفر بن محمد بن فسابخس «١» وزينت بغداد لقدومه، وخلع على أصحاب الجيوش، وهم البساسيرى والنشاودى «٢» والهمام أبو البقاء، وجرى من ولاة العرض تقديم لبعض الجند وتأخير، فشغب بعضهم، وقتلوا واحدا من ولاة العرض بمرأى من الملك أبى كاليجار، واستمر ملكه إلى سنة أربعين وأربعمائة فتوفى بمدينة [خناب] «٣» من كرمان، فى رابع جمادى الأولى منها، وقد عزم على المسير إلى كرمان، وكان عمره أربعين سنة وشهورا، ومدة ملكه، منذ ملك فارس بعد وفاة أبيه، أربعا وعشرين سنة وسبعة أشهر، بما في ذلك من مدة الحرب بينه وبين عمه أبى الفوارس، ومنذ ملك العراق بعد عمه جلال الدولة أربع سنين وشهرين ونيّفا وعشرين يوما، ولما توفى نهب الأتراك الذين بالعسكر الخزائن والسلاح والدوابّ، وانتقل ولده أبو منصور فلا ستون إلى مخيّم الوزير أبى منصور، وأراد الأتراك نهبها، فمنعهم الديلم،

стр. 10121

وعاد العسكر إلى شيراز، فملكها الأمير أبو منصور، وكان ﵀ منصفا للتجار في معاملاتهم، يربحون عليه الأرباح الكثيرة، مع بخله العظيم، وخلف بقلعة اصطخر تسعة وعشرين ألف بدرة ورقا، وأربعمائة بدرة عينا، سوى الجواهر والثياب. أولاده: الملك الرحيم أبو نصر أبو منصور فلا ستون. أبو طالب كامروا- أبو المظفر بهرام- أبو على «١» كيخسروشاه، وثلاثة بنين أصاغر. وزيره: العادل أبو منصور بهرام. ذكر ملك الملك الرحيم أبى نصر هو أبو نصر خسرو فيروز بن أبى كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة فناخسروا بن بهاء الدولة أبى نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة ابن ركن الدولة، وهو آخر ملوك الدولة البويهية، وعليه انقرضت دولتهم، وكان ملكه ببغداد بعد وفاة أبيه كاليجار، وذلك أنه لما ورد الخبر بوفاته إلى بغداد، وبها ولده أبو نصر هذا أحضر الجند واستحلفهم، وراسل الخليفة القائم بأمر الله، فى الخطبة لنفسه وتلقيبه بالملك الرحيم، تردّدت الرسائل في ذلك إلى أن أجابه الخليفة إلى الخطبة، ولم يجبه إلى اللّقب، وقال: لا يجوز أن يلقّب أحد بأخص صفات الله ، واستقر ملكه بالعراق وخوزستان والبصرة، وكان بالبصرة أخوه أبو على كيخسرو واستولى أبو منصور على شيراز، فسير

стр. 10122

إليه الملك الرحيم أخاه أبا سعيد في عسكر، فملكوا شيراز، وقبضوا على أبى منصور ووالدته، وذلك في شوال سنة أربعين وأربعمائة، وخطب للملك الرّحيم بشيراز، ثم خالفه أهلها بعد ذلك، وصاروا مع أخيه أبى منصور، وكان بينهم حروب ووقائع يطول شرحها، ولم يزل الملك الرحيم في الملك إلى أن قطعت خطبته، عند وصول السّلطان طغرلبك السّلجقى إلى بغداد، فخطب له بها بعد الخليفة، ثم بعده للملك الرحيم، بشفاعة الخليفه إلى السلطان طغرلبك- ثم قبض طغرلبك على الملك الرحيم «١» ، وقطعت خطبته، لخمس بقين من شوال، وقيل في سلخ شهر رمضان سنة سبع وأربعين، وسيره السلطان إلى الرىّ، واعتقله في قلعتها، فمات في سنة خمسين وأربعمائة وانقطعت الدولة البويهية من بغداد بزوال ملكه. وكان ملكه سبع سنين وشهورا، وبلغ من العمر أربعا وعشرين سنة وشهورا. وزراؤه: الوزير أبو السعادات، وأبو الفرج بن فسانجس، وابنه الوزير أبو الغنائم، والوزير أبو الحسن على بن عبد الرحيم. جامع أخبار ملوك بنى بويه عدة من ملك منهم ستة عشر ملكا وهم عماد الدولة أبو الحسن على بن بويه. ركن الدولة أبو على الحسن معز الدولة أبو الحسن أحمد عز الدولة بختيار بن معز الدولة. عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو شاهنشاه. وفيه يقول المتنى: أبو شجاع بفارس عضد الدولة ... فناخسرو شاهنشاه.

стр. 10123

مؤيّد الدولة أبو منصور بويه ركن الدولة. فخر الدولة وفلك الأمة أبو الحسن على بن ركن الدولة مجد الدولة، وكنف الأمة أبو طالب رستم بن فخر الدولة، وهؤلاء الثلاثة لم يملكوا العراق- صمصام الدولة أبو كاليجار المرزبان بن عضد الدولة- شرف الدولة أبو الفوارس شيرذيل «١» بن عضد الدولة بهاء الدولة وضياء الدولة أبو نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة [سلطان الدولة أبو شجاع فناخسرو بن بهاء الدولة] «٢» مشرف الدولة بن بهاء الدولة- جلال الدولة أبو طاهر فيروز خسرو بن بهاء الدولة- الملك شاهنشاه أبو كاليجار «٣» المرزبان بن سلطان الدولة. الملك الرحيم أبو نصر، وملك منهم أيضا شمس الدولة أبو طاهر بن فخر الدولة، ملك همذان ثم استولى على الجبل، وأبو الفوارس بن بهاء الدولة صاحب كرمان. ومدة ملكهم منذ استولى عماد الدولة على أصفهان لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وإلى أن انقطعت خطبة الملك الرحيم لخمس بقين من شوال سنة سبع وأربعين وأربعمائة، مائة سنة وخمس وعشرون سنة «٤» وأحد عشر شهرا وأربعة عشر يوما. ومنذ ملك معزّ الدولة بغداد، ولقبه الخليفة المستكفى بالله العباسى، ولقب إخوته بالألقاب التى ذكرناها، ونقش أسماءهم على السكّة لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة

стр. 10124

أربع وثلاثين وثلاثمائة وإلى هذا التاريخ، مائة سنة وثلاث عشرة سنة وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما. وكان لهم في غالب الأوقات من الأقاليم: سجستان، وطبرستان، وجرجان، دعوة وخطابة، وسكة، وكرمان، والرى، وأصفهان، وهمذان، وبلاد فارس، وخوزستان، والعراق، والموصل، وديار بكر، وما يليها، وجميع عمان، وانقرضت دولتهم كأن لم تكن، فسبحان الدائم الذى لا يزول ملكه، ولا يفنى دوامه، . وحيث ذكرنا الدولة البويهية، وأخبار ملوكها. فلنذكر أخبار الدولة السلجقية. ذكر أخبار الدولة السلجقية وابتداء أمر «١» ملوكها وكيف تنفلت بهم الحال، الى أن استولوا على البلاد، وما حازوه من الأقاليم والممالك، وغير ذلك من أخبارهم كان ابتداء ظهور «٢» هذه الدولة في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وملوكها هم الذين ينسب إليهم القبة والطير. يقال: إنهم اتخذوا ذلك تبركا بالطائر الذى يقال إنه إذا وقع ظله على أحد من البشر سعد سعادة عظيمة، وقيل: إن ظله وقع على أبيهم سلجق، فكان من أمره ما نذكره، وقد اختلف في انتسابهم إلى أى قبيلة، فمن الناس من ذهب إلى أنهم من التركمان، ومنهم من يقول إنهم من الترك، وفي أخبارهم

стр. 10125

ما يدل على أنهم من الأتراك. وأول من نبغ من ملوك هذه الدولة [طغرلبك أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجق بن يقاق] وعلا قدره، وطار اسمه، واستولى على البلاد، وقاتل الملوك، وحاز الممالك ونعت بالسلطنة: طغرلبك أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجق بن يقاق. وطغرلبك: بضم الطاء المهملة، وسكون الغين المعجمة، وضم الراء، وسكون اللام، وفتح الباء الموحدة وبعدها كاف. ولنبدأ بذكر آبائه، وابتداء أمرهم على سبيل التلخيص والاختصار، لتكون أخبارهم سياقة، يتلو بعضها بعضا. فأما يقاق «١» ، وقيل فيه دقاق، ومعنى يقاق: الفوس الجديدة، فكان رجلا تركيا شهما، صاحب رأى وتدبير، وهو أول من دخل في دين الإسلام، وكان مقدم طائفته من الأتراك، ومرجعهم إليه، لا يخالون له قولا، وكان ملك الترك في زمانه «٢» بيغوا يتدبر برأيه، ويقتدى بمشورته، ويستصحبه في حروبه، فيقال: إن بيغو جمع عساكره، وأرادوا المسير إلى بلاد الإسلام، فنهاه يقاق عن ذلك، وطال الخطاب بينهما، فأغلظ له ملك الأتراك في الكلام، فلطمه يقاق فشجّ رأسه فثاربه خدم بيغو، وأرادوا قتله، فمانع عن نفسه، واجتمع من أصحابه من مانع عنه، ثم صلح الأمر بينهما، فكان يقاق عند بيغو إلى أن مات. وخلف ولده سلجق.

стр. 10126

ذكر أخبار سلجق بن يقاق «وسلجق» بتفخيم الجيم؛ لتكون بين السين والجيم، ورأيت جماعة من المؤرخين أثبتوا في اسمه واوا، فقالوا: «سلجوق» . قال ابن الأثير: وإثبات الواو في اسمه غلط، والصواب سلجق. قال: ولما توفى والده يقاق، ظهر على سلجق مخايل النجابة، وأمارات التقدم، فقرّبه ملك الترك، وفوّض إليه تدبير العساكر، ولقّبه سباشى «١» ، ومعناه: [قائد] «٢» الجيش، فكانت امرأة الملك تحذّره منه، وتخوّفه عاقبة أمره، لما رأت من انقياد أصحابه إليه، وطاعة الناس له، وأغرته بقتله، فبلغ سلجق الخبر، فسار بجماعتة ومن يطيعه، والتحق بملك الخانية: شهاب الدولة هارون بن [إيلك خان] «٣» ، ملك ما وراء النهر، فأمدّه شهاب الدولة بجيش كثيف، ليغزو بلاد كفار الترك، فاستشهد في بعض حروب الكفار، وقيل: بل توفى بجند ودفن بها، قال ابن الأثير في تاريخه الكامل: إنه لما فارق بيغو أقام بنواحى جند، وأدام غزو كفار الترك، وكان ملك الترك يأخذ الخراج من المسلمين في تلك الديار، فطرد سلجق عمّاله عنها، ثم استنجد به بعض ملوك السامانية على هارون بن [إيلك خان] الخان؛ لأنه كان

стр. 10127

قد استولى على بعض بلاده، فأرسل إليه سلجق ابنه أرسلان، فى جمع من أصحابه، فقوى بهم السامانى على هارون، واستعاد ما كان أخذه من بلاده، وعاد أرسلان إلى أبيه. قال: ولما توفّى سلجق كان له من العمر مائة وسبع سنين، وخلف من الأولاد: أرسلان، وميكائيل، وموسى، فغزا ميكائيل بعض بلاد كفار الترك، وباشر القتال بنفسه، فاستشهد في سبيل الله، وقيل بل مات في حبس السلطان محمود بن سبكتكين؛ لأنه طلبه أن يكون فى جملة أصحابه، فامتنع من ذلك، فقبض عليه، واعتقله، فمات فى اعتقاله، والله تعالى أعلم. وخلف ميكائيل من الأولاد طغرلبك محمد، وجغرى بك داوود، وبيغو، فأطاعهم عشائرهم، وانقادوا لأمرهم، فنزلوا بالقرب من بخارى، على عشرين فرسخا منها، فخافهم أميرها، فأساء جوارهم، وقصد الإيقاع بهم، فانتموا إلى بغراخان ملك تركستان، واجتمعوا به، وأقاموا عنده، واستقرّ الأمر بين طغرلبك وأخيه جغرى بك داوود، أنهما لا يجتمعان عند بغراخان، وإنما يحضر أحدهما، ويقيم الآخر في أهله؛ خوفا منه أن يقبض عليهما معا، فاجتهد بغراخان في اجتماعهما، فلم يتهيأ له، فقبض على طغرلبك، فسار داود في عشائره ومن معه، وقصد بغراخان وقاتله وهزمه، وخلّص أخاه وانصرفوا إلى «جند» ، وهى بقرب بخارى. وأما أرسلان بن سلجق أخو ميكائيل فإن إيلك خان لما ملك مملكة السامانية، بما وراء النهر، ومنها بخارى، أعظم محلّ أرسلان، وكان

стр. 10128

على تكين في جيش أرسلان خان أخو إيلك خان، فهرب ولحق ببخارى، واستولى عليها، واتفق مع أرسلان بن سلجق، وقوى أمرهما، فقصدهما «١» إيلك خان أخو أرسلان خان، وقاتلهما، فهزماه، وبقيا ببخارى، وكان على تكين يكثر معارضة يمين الدولة محمود بن سبكتكين، فيما يجاوره من البلاد، ويقطع الطريق على رسله إلى ملوك الترك، فلما عبر محمود نهر جيحون هرب على تكين من بخارى، ودخل أرسلان بن سلجق وجماعته إلى المفازة «٢» ، فكاتبه محمود واستماله ورغّبه، فأتاه، فقبض عليه لوقته، وسجنه ونهب خركاهاته، واستشار فيما يفعل بقومه وعشيرته، فأشار أرسلان الجاذب «٣» بقطع أباهيمهم حتى لا يرموا النشاب، أو يغرقوا في نهر جيحون، فقال له: ما أنت إلا قاسى القلب، ثم أمر بهم، فعبروا نهر جيحون، وفرقهم في نواحى خراسان، ووضع عليهم الحرج، فجار العمال عليهم، وامتدت الأيدى إلى أموالهم وأولادهم، فانفصل منهم ألفا رجل، وساروا إلى كرمان، ومنها إلى أصفهان، وجرى بينهم وبين صاحبها علاء الدولة بن «٤» كاكويه حرب، فساروا من أصفهان إلى أذربيجان. هؤلاء جماعه أرسلان، وأما أولاد أخوته «٥» : فإن تكين صاحب

стр. 10129

بخارى أعمل الحيلة في الظفر بهم؛ فراسل يوسف بن موسى بن سلجق وهو ابن عم طغرلبك، واستماله، وطلب منه الحضور عنده، فأتاه، ففوّض إليه على تكين التقدم على جميع الأتراك الذين في ولايته، وأقطعه إقطاعا كبيرا، ولقبه بالأمير اينانج بيغو «١» وقصد بذلك أن يعينه على أولاد عمه وأن يأخذ بعضهم ببعض، فعلم يوسف مراده، فلم يطعه في ذلك، فلما رأى أن مكيدته لم تؤثّر، ولا يبلغ بها غرضا، أمر بقتله، فقتله ألب قرا، أحد أمراء على تكين، فعظم ذلك على طغرلبك، وداوود وعشائره، فلبسوا ثياب الحداد، وجمعا من الأتراك ما قدرا على جمعه؛ لطلب ثأر ابن عمّهم، وجمع على تكين جيوشه، والتقوا، واقتتلوا، فانهزم عسكر على تكين. «٢» ، وذلك في سنة عشرين وأربعمائة، ثم قصدا ألب قرا قاتل يوسف بن عمّهما، فقتلاه في سنة إحدى وعشرين، وأوقعا بطائفة من عسكر على تكين، فقتلا منهم نحو ألف رجل، فجمع على تكين عساكره، ومن حمل السلاح من أصحابه، وتبعهم خلق كثير من أهل البلاد، وقصدوا السلجقية من كل جانب، وأوقعوا بهم وقعة عظيمة، وسبوا كثيرا من نسائهم، فألجأتهم الضرورة إلى العبور إلى خراسان، فلما عبروا جيحون، كتب إليهم خوارزم شاه هارون بن التونتاش «٣» ، يستدعيهم إليه؛ ليكونوا يدا واحدة، فساروا إليه، واجتمعوا بظاهر خوارزم، فى سنة ست وعشرين وأربعمائة، واطمأنوا

стр. 10130

إليه فغدر بهم، وأكثر فيهم القتل والنهب، فساروا إلى مفاذة نسا، «١» وقصدوا مرو في هذه السنة، وذراريهم «٢» ، ونساؤهم في الأسر. ذكر ما اتفق بين طغرلبك وداود وبين السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين قال: ولما اتفق لهم مع خوارزم شاه هارون ما ذكرناه، راسلوا الملك مسعود- وهو بطبرستان- يطلبون منه الأمان، وأن يكونوا في خدمته، ويدفعوا الطائفة التى تفسد في بلاده، ويكونوا من أعظم أعوانه، فقبض على الرسل، وجهز عسكرا جرارا مع حاجبه بكتغدى، وغيره من الأمراء، فالتقوا عند نسا في شعبان سنة ست وعشرين وأربعمائة، فانهزم السلجقية، وغنم العسكر المسعودى أموالهم وأثقالهم، فجرى بين العسكر منازعة على الغنائم أدت إلى القتال بينهم، فقال داود لأصحابه: إن العسكر الآن قد اطمأن، واستقر والرأى أن نقصدهم، لعلنا نبلغ منهم غرضا، فعاد ووافق وصولهم إليهم، وهم فيما وقع بينهم من الاختلاف، وقتال بعضهم بعضا، فأوقعوا لهم، وقتلوا منهم، وأسروا، فاستردّوا ما أخذوه، وعاد المنهزمون من المعسكر المسعودى إلى نيسابور، فندم مسعود على ردّه السلجقية، عند بذلهم الطاعة، وعلم أن هيبتهم قد تمكنت في قلوب عساكره، فأرسل إليهم يتهددهم ويتوعدهم، فقال طغرلبك لإمام

стр. 10131

صلواته: أكتب إليه: «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ... - إلى- قَدِيرٌ» «١» ، ولا تزد على ذلك، ففعل، فلما ورد الجواب على مسعود، كتب إليهم يعدهم المواعيد الجميلة وسيّر إليهم الخلع، وأمرهم بالرحيل إلى آمل الشط، وهى مدينة على نهر جيحون، وأقطع دهشان لداود، ونسا لطغرلبك، وفراوه «٢» لبيغو، ولقب كلّ واحد منهم «٣» بالدّهقان، فاستخفّوا بالرسول والخلع، ثم قالوا له: لو علمنا أن السلطان يبقى علينا إذا قدر لأطعناه، وكلنا نعلم أنه متى قدر علينا أهلكنا، فنحن لا نطيعه، ثم أرسلوا إليه يخادعونه بإظهار الطاعة له، وسألوه إطلاق عمهم أرسلان بن سلجق، فأجابهم إلى ذلك، وأحضره عنده ببلخ، وأفرج عنه وأمره بمراسلة بنى أخيه يأمرهم بالكفّ عن الشر، والدخول في الطاعة، ففعل أرسلان، وأرسل إليهم مع الرسول أشفا، فلما جاء الرسول إليهم، وأدى الرسالة، وسلّم إليهم الإشفى نفروا واستوحشوا، وعادوا إلى ما كانوا عليه من الشر، فأعاد الملك مسعود عمهم أرسلان إلى الحبس، وسار إلى غزنة وقصد السلجقية بلخ، ونيسابور، وطوس، وجوزجان، وأقام داود بمدينة مرو، وانهزمت العساكر المسعودية من السلجقية مرة بعد أخرى، واستولى الرعب عليهم، هذا والملك مسعود يغزو الهند، والكتب تصل إليه بأخبار السلجقية وهو لا يجيب عنها، ولا يلوى على ما فيها لاشتغاله بما هو أهم عنده من ذلك، وهو غزو الهند، وفتح قلاعهم، على ما قدمناه في أخبار الدولة الغزنويه.

стр. 10132

ذكر ابتداء الدولة السلجوقية واقامة الخطبة لطغرلبك وداود كان سبب ذلك أن وزراء السلطان مسعود، وأهل دولته، لما كرروا عليه القول وواصلوا «١» الرسل إليه، يعرفونه ما آل إليه أمر السلجقية، ويحذرونه عاقبة توانيه فيهم، جهز جيشا كثيفا مع حاجبه سباشى، ومرداويج بن بسو «٢» ، فأقام سباشى بهراه ونيسابور، ثم أغار على مرو وبها داود، فانهزم داود بين يديه، وتبعه العسكر المسعودى، فعطف داود عليه، وحمل على صاحب جوزجان «٣» ، فقتله، فانهزم عسكر مسعود، وعاد دواد إلى مرو، فأحسن إلى أهلها، وخطب لنفسه فيها في أول جمعة من شهر رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وهى أول خطبة أقيمت لهم، ولقب في الخطبة بملك الملوك، وقويت نفوس السلجقية وزاد طمعهم في البلاد، ثم التقى العسكر المسعودى بعد ذلك، والسلجقية، وباشر سباشى الحرب بنفسه، واقتتلوا على باب سرخس. فى شعبان سنة ثمان وعشرين، فانهزم سباشى أقبح هزيمة، وتبعه داود إلى طوس يأخذ أصحاب سباشى باليد، وكفوا عن القتل، وغنموا أموالهم، فكانت هذه الواقعة هى التى أوجبت ملك السلجقية خراسان، ودخلوا قصبات البلاد، فدخل طغرلبك نيسابور، وسكن الشادياخ «٤» ، وخطب له فيها في شعبان، ولقّب بالسلطان المظفر وبثوا النواب في النواحى،

стр. 10133

وسار داود إلى هراة، وتوجه سباشى إلى غزنة، فاضطر مسعود إلى المسير إلى خراسان، وجمع من العساكر ما يضيق بها الفضا، وفرق فيهم الأموال، وسار من غزنة، ومعه من الفيلة عدد كثير، فوصل إلى بلخ، فقصده داود، ونزل قريبا منها، ودخلها يوما جريدة، على حين غفلة من العسكر، فأخذ الفيل الكبير الذى على باب الملك «١» مسعود، وعدة جنائب، فعظم قدره في نفوس الناس وازدادت، هيبته في قلوب العسكر، ثم سار مسعود من بلخ في مستهل شهر رمضان سنة تسع وعشرين، ومعه ألف فارس سوى الأتباع، وسار إلى جوزجان، فأخذ واليها الذى كان للسلجقية، فصلبه، وسار منها، فوصل إلى مرو الشاهجان، وسار داود إلى سرخس، واجتمع بأخويه طغرلبك وبيغو، فراسلهم مسعود في الصلح، فتوجه إليه بيغو بالجواب، فأكرمه مسعود وخلع عليه، وكان مضمون رسالته: «إنا لا نثق بمصالحتك بعد ما فعلناه من هذه الأفعال، التى كل فعل منها موبق مهلك» ، وآيسوه من الصلح، فسار مسعود من مرو إلى هراة، وقصد داود مرو، فامتنع أهلها من تسليمها. فحاصرهم سبعة أشهر، وملكها، فسقط في يد مسعود، وسار من هراة إلى نيسابور ثم إلى سرخس، وكلما اتبع السلجقية إلى مكان ساروا منه إلى غيره، ولم يزل كذلك حتى أدركه الشتاء، فأقام بنيسابور ينتظر الربيع، فلما جاء الربيع اشتغل مسعود بلهوه وشربه، حتى انقضى فصل الربيع، فلما جاء الصيف عاتبه أصحابه على إهماله أمر السلجقية، وعدم مناجزتهم الحرب، فسار من نيسابور في طلبهم، فدخلت السلجقيه البرية،

стр. 10134

وتبعهم مرحلتين، وقد ضجر عسكره من التعب والكلال، فنزل الملك مسعود منزلا قليل الماء، فاقتتل عسكره على الماء، ونهب بعضهم بعضا، فعلم داود بماهم فيه، فرجع عليهم، فولّوا منهزمين لا يرجع بعضهم على بعض، وثبت مسعود، ثم انهزم في نحو مائة فارس، حتى أتى غرشستان «١» وغنم السلجقية من المعسكر المسعودى ما لا يدخل تحت الإحصاء، فقسم داود ذلك على أصحابه، وآثرهم على نفسه، ونزل في سرادق مسعود، وجلس على كرسيه، ثم أطلق الأسرى، ووضع خراج سنة كاملة. ذكر ملك داود وطغرلبك وبيغو نيسابور وبلخ وهراة قال: وسار طغرلبك إلى نيسابور، فملكها في أواخر سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، فقيل إنه أكل لوزينجا، فقال: هذا ططماج «٢» طيب، إلا أنه لا ثوم فيه، ورأى أصحابه الكافور، فأكلوا منه، وقالوا: هذا ملح مرّ، واستولى السلجقية حينئذ على جميع البلاد، فسار بيغو إلى هراة، فدخلها، وسار داود إلى بلخ، وبها [ألتونتاش] «٣» الحاجب واليا عليها لمسعود، فراسله داود في تسليم البلد إليه، وعرفه عجز صاحبه عن نصرته، فحبس ألتونتاش رسله، فنازله داود، وحصر المدينة، فأرسل ألتونتاش إلى مسعود وهو بغزنه يعرفه الحال،

стр. 10135

وما هو فيه من ضيق الحصار، فجهز مسعود العساكر الكثيرة، فجاءت طائفة منهم إلى الرّخّج، وبها جمع من السلجقية، فقاتلوهم، فانهزمت السلجقية، وقتل منهم ثمانمائة رجل وأسر كثير، وخلا ذلك الصقع منهم، وسارت طائفة إلى هراة وبها بيغو، فقاتلوه، ودفعوا عنها، ثم جهز مسعود ولده مودودا وسيّره في عسكر كبير مددا لهذا العسكر، فسار عن غزنه في سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة، فلما قاربوا بلخ سيّر داود طائفة من عسكره، فأوقعوا بطلائع مودود، فانهزمت الطلائع، وتبعهم عسكر داود، فلما أحس بهم عسكر مودود رجعوا إلى ورائهم، فلما اتصل هذا الخبر بألتونتاش صاحب بلخ أطاع داود وسلم إليه البلد، ووطىء بساطه، ثم اتفق قتل السلطان مسعود في سنة اثنتين وثلاثين، وملك بعده أخوه محمد، ثم قتل مودود بن مسعود، فتمكن السلجقية. ذكر ملك طغرلبك جرجان وطبرستان وفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ملك طغرلبك جرجان وطبرستان، وسبب ذلك أن أنوشروان بن «١» منوجهر بن قابوس بن وشمكير صاحبها قبض على أبى كاليجار بن ويهان القوهى صاحب جيشه، وزوج أمه، فعلم طغرلبك عند ذلك أنه لا مانع له، ولا دافع من البلاد، فسار إليها، وقصد جرجان، ومعه مرداويج بن بسّو، فلما نازلها فتح له مستحفظها أبوابها، فدخلها، وقرر على أصحابها مائة ألف دينار

стр. 10136

صلحا، وسلم البلد لمرداويج، وقرر عليه في كل سنة خمسين ألف دينار، عن جميع الأعمال، وعاد إلى نيسابور، وقصد مرداويج بن بسو أنو شروان «بسارية» ، فاصطلحا على أن ضمن له أنو شروان ثلاثين ألف دينار، وأقيمت الخطبة لطغرلبك في سائر البلاد، وتزوج مرداويج بوالدة أنو شران، وتمكن، وبقى أنو شروان يتصرف بأمر مرداويج، لا يخالفه في شىء ألبته، وملك خوارزم في سنة أربع وثلاثين من شاه ملك ابن على، وكان في طاعة مودود صاحب غزنة. ذكر مسير ابراهيم ينال «١» الى الرى وهمذان وإبراهيم ينال هو أخو طغرلبك لأمه. قال: ولما ملك إخوته خراسان سار هو إلى الرى، فملكها في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، ثم سار عنها إلى البلاد المجاورة لها، ثم انتقل [بروجرد] ، «٢» فملكها، ثم قصد همذان، وكان بها أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة، ففارقها إلى سابور خواست، ونزل إبراهيم عليها، وأراد دخولها، فقال له أهلها: إن كنت تريد منا الطاعة، وما يطلبه السلطان من الرعية، فنحن باذلوه، وداخلون تحته، فاطلب أولا هذا المخالف عليك الذى كان عندنا، يعنون كرشاسف، فإنا لا نأمن عوده إلينا؛ فإذا ظفرت به كنّالك، فكف عنهم، وسار إلى كرشاسف بعد أن أخذ من أهل البلد مالا، فلما قارب «٣» سابور، خواست

стр. 10137

تحصّن منه كرشاسف بالقلعة، وملك إبراهيم البلد قهرا ونهبه، ثم عاد إلى الرى، وذلك في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. ذكر خروج طغرلبك الى الرى وملكه بلد الجبل قال: ولما فرغ طغرلبك من خوارزم، وجرجان، وطبرستان خرج من خراسان إلى الرى، وغيرهما من بلاد الجبل، وسار أخوه إبراهيم ينال إلى سجستان، وأخذ طغرلبك قلعة طبرك من مجد الدولة بن بويه، وأقام عنده مكرّما، وأمر طغرلبك بعمارة الرىّ، وكانت قد خربت، فوجد في دار الإمارة مراكب ذهب مجوهرة، وبرنيتين من الصينى [مملوءتين] «١» ، وأمولا كثيرة، وسار إلى قزوين، وحصرها، فوقع الصلح على ثمانين ألف دينار، ودخل صاحبها في طاعته، وأطاعه ملك الديلم، وحمل إليه مالا وعروضا، وأطاعه غيره من الملوك، وأرسل سرية إلى أصفهان، وبها أبو منصور [فرامرز «٢» ] الدولة، فأغارت وعادت سالمة، وخرج طغرلبك من الرى، وقصد أصفهان، فصالحه صاحبها، وصانعه بمال، وسار إلى همذان، فملكها من صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة، وسار معه إلى أبهر وزنجان، وطلب منه طغرلبك تسليم قلعة كنكور، فأرسل إلى من بها ليسلموها، فامتنعوا، فقال له طغرلبك: ما امتنعوا إلا بأمرك ورأيك، فاصعد إليهم، وأقم

стр. 10138

معهم، ولا تفارق موضعك حتى آذن لك» ، واستناب بهمذان ناصر العلوى. وفي سنة خمس وثلاثين وصل إلى طغرلبك رسول الخليفة القائم بأمر الله، وهو أقضى القضاه أبو الحسن على الماوردى، فتلقاه طغرلبك على أربعة فراسخ، إجلالا لرسالة الخليفة، وذكر طاعته للخليفة، ووقوفه عند أوامره. وفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة استوزر السلطان طغرلبك أبا القاسم على بن عبد الله الجوينى، وهو أول وزير وزر له. وفي سنة سبع وثلاثين أمر السلطان طغرلبك أخاه إبراهيم ينال بالخروج إلى بلاد الجبل، فسار من همذان، «١» وقصد كرمان، وبها كرشاسف بن علاء الدولة، ففارقها خوفا، ودخلها إبراهيم، وملكها، وسار إلى الدينور، فملكها، وملك [قرميسين] «٢» فى شهر رجب بعد حصار وقتال، وملك الصيمرة في شهر شعبان ونهبها، وأوقع بالأكراد المجاورين لهما، ثم سار إلى حلوان، فنهبها، وأحرقها. ذكر ملك ينال قلعة كنكور وغيرها وفي سنة تسع وثلاثين وأربعمائة سار إبراهيم إلى قلعة كنكور، وبها عكبر بن فارس، صاحب كرشاسف، فامتنع عكبربها إلى أن فقدت ذخائره وفنيت الأقوات، فعند ذلك أعمل الحيلة، وعمد

стр. 10139

إلى بيوت الطعام التى بالقلعة فملأها ترابا وحجارة، وسدّ أبوابها، ونشر من داخل الأبواب شيئا من الطعام، وعلى رأس التراب والحجارة مثل ذلك، وراسل إبراهيم في تسليم القلعة إليه، على أن يؤمنه على من بها من الرجال، وما بها من الأموال، فامتنع إبراهيم من ترك المال، فأخذ عكبر رسول إبراهيم، وطوّفه على بيوت الطعام، فرآها مملوءة وظنها «١» طعاما، وقال له: قل لصاحبك إننى لم أرسل إليه خوفا من المطاولة، ولا إشفاقا من نفاد الميرة، ولكنى أحببت الدخول في طاعته، فإن بذل لى الأمان على ما طلبته لى، وللأمير كرشاسف وأمواله، ولمن بالقلعة، سلمتها إليه، وكفيته مؤنة المقام، فلما عاد الرسول إلى إبراهيم، وأخبره بما رأى وسمع، أجابه إلى ما طلب، ونزل عكبر، فلما تسلّم إبراهيم القلعة تبينت له مكيدته، وعاد إلى همذان، وسيّر جيشا عليهم [نسيب] «٢» له اسمه أحمد، وسلم إليه سرجاب «٣» ابن أبى السؤل؛ ليفتح به قلاعه، وكان الأكراد الملاذية قد قبضوا عليه، وسلّموه لإبراهيم ينال، قبل ذلك، فسار به أحمد إلى قلعة كلكان، فامتنعت عليه، فسار إلى قلعة «٤» دردبلوه، فحصرها، وامتدت طائفة ممن معه إلى تلك الأعمال، فنهبوها، ووصلوا إلى الدسكرة «٥» ، وباجسرى، والهارونية، وقصر سابور، وجميع

стр. 10140

تلك الأعمال، ونهبوها، فوصل الخبر إلى بغداد، فارتاع أهلها، ثم سار إبراهيم ينال إلى السيروان، فحصر القلعة، وضيّق على من بها، وأرسل سرّية نهبت البلاد، وانتهت إلى عشرة فراسخ من تكريت، ثم تسلم السيروان من مستحفظها بعد أن أمنه، واستخلف عليها رجلا من أصحابه، وانصرف إلى حلوان، وعاد إلى همذان. ذكر غزو ابراهيم ينال الروم وفي سنة أربعين وأربعمائة غزا إبراهيم الروم، فظفر وغنم وأسر وسبى، وكان سبب: ذلك أن خلقا كثيرا من الغز مما وراء النهر، قدموا عليه، فقال لهم: إن بلادى تضيق عن مقامكم، والقيام بما تحتاجون إليه، والرأى أن تمضوا إلى غزو الروم، وتجاهدوا فى سبيل الله تعالى، وتغنموا وأنا سائر في أثركم، فساروا بين يديه وتبعهم، فوصلوا إلى ملازكرد، وأرزن الروم، وقاليقلا، وبلغوا طرابزون «١» ، وتلك النواحى كلها، ولقيهم عسكر عظيم

стр. 10141

للروم [والأنجاز] «١» ، يبلغون خمسين ألفا، فاقتتلوا وكانت بينهم عدة وقائع، تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، ثم كان الظفر للمسلمين. فأكثروا القتل في الروم، وأسروا جماعة كثيرة من بطارقتهم. وممن أسر قاريط «٢» ملك الأنجاز، فبذل في نفسه ثلاثمائة ألف دينار، وهدايا بمائة ألف دينار، فلم يجبه إلى ذلك، ولم يزل يجوس خلال تلك الديار وينهبها، إلى أن بقى بينه وبين القسطنطنية خمسة عشر يوما، واستولى المسلمون على تلك النواحى، وغنموا ما فيها، وسبوا أكثر من مائة ألف رأس، وأخذوا من الدواب، والبغال، «٣» والأموال ما لا يقع عليه الإحصاء، قيل: إن الغنائم حملت على عشرة آلاف عجلة، وإنه كان في جملة الغنيمة تسعة عشر ألف درع. والله أعلم. ذكر الوحشة بين طغرلبك وأخيه ابراهيم ينال والاتفاق بينهما وفي سنة إحدى وأربعين وأربعمائة استوحش إبراهيم من أخيه السلطان طغرلبك؛ وكان سبب ذلك أن: طغرلبك طلب من أخيه إبراهيم أن يسلم إليه مدينة همدان، والقلاع التى بيده في بلد الجبل، فامتنع من ذلك، واتهم وزيره أبا يعلى «٤» فى السعى بينهما،

стр. 10142

فقبض عليه وضربه، وسمل إحدى عينيه، وقطع شفتيه، وجمع جمعا، والتقى مع السلطان طغرلبك، وكان بينهما قتال، فانهزم إبراهيم، وسار طغرلبك في أثره، وملك جميع قلاعه وبلاده، وتحصّن إبراهيم بقلعة [سرماج] «١» ، فحصره طغرلبك بها، فملكها في أربعة أيام، وكانت من أحصن القلاع، واستذل ينال منها، وأرسل إلى [نصر] «٢» الدولة بن مروان يطلب منه إقامة الخطبة له في بلاده، فأطاعه، وخطب له في سائر ديار بكر، وراسل ملك الروم السلطان طغرلبك، وأرسل إليه هديّة عظيمة، وطلب منه المعاهدة، فأجابه إلى ذلك، وأرسل ملك الروم إلى ابن مروان يسعى في فداء ملك الأنجار، فأرسل نصر الدولة إلى السلطان شيخ الإسلام أبا عبد الله ابن بهران «٣» فى معناه، فأطلعه بغير فداء، فعظم ذلك عنده، وعند ملك الروم، وأرسل إليه هدايا عظيمة، فقيل: إنه أرسل إليه ألف ثوب من الديباج، وخمسمائة ثوب من أصناف الحرير، وخمسمائة رأس من الكراع، إلى غير ذلك، وأنفذ إليه مائتى ألف دينار، ومائة لبنة من الفضة، وثلاثمائة مهرى، وثلاثمائة حمار مصرية، وألف عنز بيض الشعور، سود العيون والقرون، وأنفذ إلى البزمرون عشرة أمناء

стр. 10143

مسكا، وعمر مسجد القسطنطينية، الذي بناه مسلمة بن عبد الملك، وعمر منارته، وجعل فيها القناديل، وعلّق في محرابه «١» قوسا، ونشابه، وأقيمت فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك، فدان له الناس حينئذ، وعظم شأنه، وتمكن ملكه، فكانت الدولة السّلجقية في زيادة، والبويهية في نقص، قال: وأما إبراهيم ينال فإنه لما نزل إلى أخيه طغرلبك أكرمه، وأحسن إليه، ورد عليه كثيرا مما أخذ منه، وخيره بين أن يقطعه بلادا يسير إليها، وبين أن يقيم معه، فاختار الإقامة معه. ذكر ملك طغرلبك أصفهان كان قد حاصرها في سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، فلم يظفر منها بطائل، ثم اصطلح هو وصاحبها أبو منصور فرامرز «٢» بن علاء الدولة، على مال يحمله إلى السلطان طغرلبك، ويخطب له بأصفهان، وأعمالها، ثم حصل بعد ذلك من صاحبها تلون، فكان يطيعه تارة ويعصيه تارة، ويطيع الملك الرحيم بن بويه، فجاء «٣» السلطان إليها في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وحاصرها سنة، وتسلمها في سنة ثلاث وأربعين، واستطابها، وجعلها دار مقامه، ونقل ما كان له بالرى من الذخائر والأموال والسلاح إليها، وخرب

стр. 10144

قطعة من سورها، وقال: إنما يحتاج إلى الأسوار من تضعف قدرته، وأما من حصنه عساكره وسيفه، فلا حاجة به إليها. ذكر استيلاء ألب أرسلان على مدينة فسا وفي سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة سار ألب أرسلان بن داود جغرى بك من مدينة مرو بخراسان إلى بلاد فارس، وأخذ «١» فى مسيره على المفازة من غير علم عمه طغرلبك، فوصل إلى مدينة فسا، فانصرف النائب بها من بين يديه، ودخلها ألب أرسلان، وقتل من الديلم نحو ألف رجل، وعددا كثيرا من العامة، ونهبوا ما مقداره ألف ألف دينار، وأسر ثلاثة آلاف إنسان، وعاد إلى خراسان، ولم يلبث مع عمه طغرلبك. والله أعلم بالصواب. ذكر استيلاء طغرلبك على أذربيجان، وغزو الروم وفي سنة ست وأربعين وأربعمائة سار السلطان طغرلبك إلى أذربيجان، فقصد تبريز، وصاحبها الأمير أبو منصور وهشوذان ابن محمد الراوى «٢» ، فأطاعه، وخطب له، وحمل إليه ما أرضاه، وأعطاه ولده رهينة، وكذلك فعل معه سائر ملوك تلك النواحى، بذلوا له الطاعة والخطبة، وانقاد العساكر إليه، فأبقى بلادهم عليهم، وأخذ رهائنهم، وسار إلى أرمينية، وقصد «ملازكرد» من الروم،

стр. 10145

فحصرها، ونهب ما جاورها من البلاد، وخرّبها، وأثر في بلاد الروم أثارا عظيمة، ونال منهم من النهب والأسر والقتل شيئا كثيرا، ثم عاد إلى أذربيجان عند دخول الشتاء، وعاد إلى الرى، والله أعلم. ذكر دخول السلطان طغرلبك الى بغداد والخطبة له بها، وانقراض الدولة البويهية كان دخوله إليها يوم الإثنين لخمس بقين من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان سبب ذلك أن المظفّر أبا الحارث ألب أرسلان التركى، المعروف بالبساسيرى، عظم أمره بالعراق، وطار اسمه في الآفاق، واستولى على البلاد، وعظمت هيبته في قلوب العباد، وخافه أمراء العرب، وخطب له على منابر العراق، ولم يبق لبنى بويه معه إلا مجرّد الاسم، ووقع بينه وبين الخليفة القائم بأمر الله، من الوحشة ما قدمناه، فى أخبار الدولة العباسية، حتى بلغ الخليفة أنه يريد القبض عليه، فعند ذلك كاتب الخليفة السلطان طغرلبك، وهو بنواحى الرىّ يستنصر به، ويحثه على المسير إلى بغداد، وكان طغرلبك قد عاد إلى الرىّ، بعد عوده من غزو الروم، فرتب أمور الرى، وعاد إلى همذان في المحرّم من السنة، وأظهر أنه يريد الحجّ، وإصلاح طريق مكة، والمسير إلى الشام ومصر، وإزالة ملك المستنصر العبيدى عنها، وسار إلى حلوان، وانتشر أصحابه في طريق خراسان، فأجفل الناس إلى غربىّ بغداد، وأخرج الأتراك خيامهم إلى ظاهرها، وسمع الملك الرّحيم بقرب

стр. 10146

السلطان طغرلبك من بغداد، فأصعد من واسط إليها، وفارقه البساسيرى بمراسلة الخليفة في معناه، كما ذكرناه، ووصل الملك الرحيم إلى بغداد، وأرسل طغرلبك إلى الخليفة يبالغ في إظهار الطاعة والعبودية، وإلى الأتراك البغداديين يعدهم الجميل والإحسان، فأنكروا ذلك ونفروا منه، وراسلوا الخليفة، وقالوا: إنا فعلنا بالبساسيرى ما فعلناه، وهو كبيرنا ومقدمنا اتباعا لأمر أمير المؤمنين، ووعدنا أمير المؤمنين برد هذا الخصم، ونراه قد قرب منا، ولم يمنع من المجىء، وسألوا التقدم إليه في العود، فغولطوا في الجواب، وكان رئيس الرؤساء يؤثر مجيئه، ويختار انقراض الدولة البويهية، ثم وصل الملك الرحيم إلى بغداد، وأرسل إلى الخليفة يظهر العبودية، وسأل تقرير قاعدته مع طغرلبك، وكذلك سأل من معه من الأمراء، فأجيبوا بأن المصلحة أن تدخل الأجناد خيامهم، من ظاهر بغداد، وينصبوها «١» بالحريم، ويرسلوا رسولا إلى طغرلبك يبذلون له الطاعة والخطبة، فأجابوا إلى ذلك، وراسلوه، فأجابهم إلى ما سألوه، ووعدهم الإحسان إليهم، وتقدم الخليفة إلى الخطباء بجوامع بغداد بالخطبة للسلطان طغرلبك، فخطب له لثمان بقين من شهر رمضان من السنة، وأرسل طغرلبك يستأذن الخليفة في دخول بغداد، فأذن له، وخرج وزير الخليفة، وروساء بغداد وأعيانها، وأمر الملك الرحيم للقائه، واستحلفه «٢» الوزير للخليفة، وللملك الرحيم، ودخل بغداد في يوم الإثنين لخمس بقين من شهر رمضان، ونزل بباب

стр. 10147

الشماسية ومعه ثمانية عشر فيلا، ودخل عسكره بغداد للامتياز، وشراء ما يريدونه من أهلها، وأحسنوا معاملتهم، فلما كان الغد، وهو يوم الثلاثاء، جاء بعض العسكر إلى باب الأزج، وأخذوا واحدا من أهله، فطلبوا منه تبنا، وهو لا يفهم عنهم ما يريدون، فاستغاث عليهم، وصاح العامة لهم، ورجموهم، وسمع الناس الصياح، فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرلبك، فارتج البلد من أقطاره وأقبلوا من كل جهة، وقتل من الغز من وجد فى محال بغداد إلا أهل الكرخ، فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز بأذية بل حموهم: وخرج عامّة بغداد، ومعهم جماعة من العسكر، يقصدون العسكر السلطانى، ولم يركب الملك الرحيم، ودخل أعيان أصحابه إلى دار الخليفة، وأقاموا بها نفيا للتهمة عن أنفسهم، ظنا منهم أن ذلك ينفعهم، وأما عسكر السلطان طغرلبك، فإنهم لما رأوا فعل العامّة وظهورهم من البلد قاتلوهم، ففل من الفريقين خلق كثير، وانهزمت العامة، ونهب الغز بعض الدروب، ونقل الناس أموالهم إلى باب النوبى، وأرسل طغرلبك من الغز إلى الخليفة يعتب، وينسب ما جرى إلى الملك الرحيم وأصحابه، ويقول: «إن حضروا برئت ساحتهم، وإن تأخروا عن الحضور تيقّنت أن الذى جرى كان بوضعهم» ، فتقدم الخليفة إلى الملك الرحيم وأصحابه يقصد السلطان، فركبوا إليه، وأرسل الخليفه معهم رسولا يبرئهم عند السلطان، فلما وصلوا إلى جهة السلطان، أمر بالقبض على الملك الرحيم ومن معه، فقبضوا كلهم في آخر شهر رمضان، وحبسو، ثم حمل الملك الرحيم إلى قلعة السيروان، وأرسل الخليفة إلى السلطان ينكر

стр. 10148

ما جرى، من قبض الملك الرحيم وأصحابه (ونهب) «١» بغداد، ويقول: «إنهم خرجوا إليك بأمرى، وأمانى، فإن أطلقتهم، وإلا فأنا أفارق بغداد» ، فأطلق بعضهم، وأخذ جميع إقطاعات عسكر الملك الرحيم، وأمرهم بالسعى في أرزاق يحصّلونها لأنفسهم، فتوجّه كثير منهم إلى البساسيرى، ولزموه، فكثر جمعه، وكان من أمره ما قدمناه وأمر طغرلبك بأخذ أموال الأتراك البغداديين وانتشر الغز في سواد بغداد، فنهبوا من الجانب الغربى من تكريت إلى النيل «٢» ، ومن الجانب الشرقى إلى النهروانات «٣» ، وأسافل الأعمال، فأسرفوا في النهب حتى بلغ ثمن الثور ببغداد خمسة قراريط. إلى عشرة، والحمار بقيراطين إلى خمسة، وخرب السواد، وأجلى أهله عنه، وضمن السلطان طغرلبك البصرة، والأهواز من هزار سب بن [تنكر] «٤» بن عياض بثلاثمائة ألف وستين ألف دينار، وأقطعه أرّجان، وأمره أن يخطب لنفسه بالأهواز، دون الأعمال التى ضمنها، وأقطع الأمير أبا على بن أبى كاليجار الملك قرميسين وأعمالها، وأمر أهل الكرخ أن يؤذّنوا في مساجدهم سحرا للصبح: «الصلاة خير من النوم» ، وأمر بعمارة دار الملك، فعمرت وزيد فيها، وانتقل إليها في شوال.

стр. 10149

ذكر مسير السلطان الى الموصل وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة سار السلطان طغرلبك إلى الموصل؛ وسبب ذلك، أنه لما أقام ببغداد عم الناس ضرر عسكره، وضاقت عليهم أرزاقهم ومنازلهم، فأرسل إليه الخليفة القائم بأمر الله يذكر له ما الناس فيه من الجور والظلم، ويعظه، ويقول: إن أزلت ذلك وإلا فتعين الخليفة على الإنبراح من بغداد، فقال السلطان لوزيره الكندرى «١» : «بكّر إلى الخليفة واعتذر له بكثرة العساكر والعجز عن تمهيدهم، وضبطهم، فلما كان تلك الليلة رأى السلطان في منامه رسول الله ﷺ وكأنه عند الكعبة وهو يسلم على النبى ﷺ ، والنبى معرض عنه، وقال: يحكّمك الله في بلاده وعباده، فلا تراقبه فيهم، ولا تستحيى من جلالة الله ، فى سوء معاملتهم، وتغتر بإمهاله عند الجور عليهم، فاستقيظ فزعا، وأحضر عميد الملك الوزير، وذكر له ما رآه، وأرسله إلى الخليفة يعرفه أنه مقابل ما رسم به بالسمع والطاعة، وأخرج الجند من دور العامّة، وأمر أن يظهر من كان مختفيا، وأزال التوكيل عمّن كان وكل به، وعزم على الرحيل، وأتاه خبر البساسيرى، والوقعة التى كانت بينه وبين قريش بن بدران، صاحب الموصل، على ما قدمناه

стр. 10150

فى أخبار القائم بأمر الله، فتجهز، وسار عن بغداد، فى عاشر ذى الحجة «١» من السنة، ومعه خزائن السلاح والمجانيق، وكان مقامه ببغداد ثلاثة عشر شهرا وأياما، لم يلق الخليفة فيها، وسار إلى [البوازيج] «٢» وأقام بها حتى أتاه ياقوتى بالعساكر، فى سنة سبع وأربعين، فسار بهم إلى الموصل، وسير هزار سب بألف فارس اختارهم من العسكر، فدخل البرية، وأوقع بالعرب، وعاد إلى السّلطان، فعندها أرسل نور الدولة دبيس بن مزيد، وقريش بن بدران صاحب الموصل، يسألان هزار سب أن يتوسط لهما عند السلطان طغرلبك، فسعى في ذلك، فأجابه إليه في حقهما دون البساسيرى، فتوجّه البساسيرى عند ذلك إلى الرّحبة، وتبعه الأتراك البغداديون، ومقبل بن المقلد، وجماعة من عقيل، ثم سار السلطان إلى ديار بكر، التى هى لابن مروان، ووصل إلى جزيرة ابن عمر، فأرسل إليه بن مروان يذكر ما هو بصدده من حفظ ثغور المسلمين، وما يعانيه من مجاهدة الكفار، وبذل ما يصلح، ثم وصل إبراهيم ينال إلى السلطان، فلما وصل أرسل هزار سب إلى نور الدولة بن مزيد، وقريش، يعرّفهما وصوله، ويحذرهما منه، فسار من جبل سنجار إلى الرحبة، فلم يلتفت البساسيرى إليهما، فانحدر نور الدولة إلى بلد العراق، وأقام قريش عند البساسيرى

стр. 10151

بالرحبة، وشكى قتلمش بن عم السلطان ما لقى من أهل سنجار في العام الماضى، عند انهزامه من البساسيرى، وأنهم قتلوا رجاله، فسيّر العساكر إليهما، فصعد أهل سنجار على السّور، وسبّوا السلطان، وأخرجوا جماجم القتلى وقلانسهم، وجعلوها على القصب، ففتحها السلطان عنوة، وقتل أميرها علىّ بن «١» مرحا، وخلقا كثيرا من رجالها، وسبى نساءهم، وسأل إبراهيم ينال في الباقين، فتركهم السلطان، وسلّمها هى والموصل إلى أخيه إبراهيم ينال. والله أعلم بالصواب. ذكر عودة السلطان الى بغداد قال: وكان عود السلطان إلى بغداد، فى سنة تسع وأربعين، فخرج رئيس الرؤساء إلى لقائه، وأبلغه سلام الخليفة، واستيحاشه، فقبّل الأرض، وقدم رئيس الرؤساء جاما من ذهب فيه جواهر، وألبسه فرجية جاءت معه من عند الخليفة، فلبسها، ووضع العمامة على مخدّته، فقبل السلطان الأرض، ولم يمكن أصحابه من النزول فى دور الناس، وطلب الاجتماع مع الخليفة فأذن له في ذلك، وجلس الخليفة يوم السبت لخمس بقين من ذى القعدة من السنة جلوسا عاما، وحضر وجوه عسكر السلطان، وأعيان بغداد، وحضر السلطان والخليفة جالس على سرير عال من الأرض، نحو سبعة أذرع، وعليه بردة النبى ﷺ ، وبيده القضيب الخيزران، فقبل

стр. 10152

السلطان الأرض ويد الخليفة، وأجلس على كرسى، فقال الخليفة لرئيس الرؤساء: قل له إن أمير المؤمنين شاكر لسعيك، حامد لفعلك، مستأنس بقربك، وقد ولّاك جميع ما ولّاه الله من بلاده، ورد إليك مراعاة عباده، فاتّق الله فيما ولّاك، واعرف نعمته عليك في ذلك، واجتهد في نشر العدل، وكف الظلم، وإصلاح الرعية، فقبّل الأرض، وأمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه، فقام إلى موضع لبسها فيه، وعاد فقبل يد الخليفة، ووضعها على عينيه، وخاطبه الخليفة بملك المشرق والمغرب، وأعطى العهد، وخرج، فأرسل إلى الخليفة هدية كبيرة، منها خمسون ألف دينار، وخمسون مملوكا أتراكا، من أجود ما يكون بخيولهم وسلاحهم، وغير ذلك من الثياب، وغيرها. ذكر مفارقة ابراهيم ينال الموصل وما كان من أمره الى أن قتل وفي سنة خمسين وأربعمائة فارق إبراهيم ينال الموصل، وتوجه نحو بلاد الجبل، فنسب السلطان رحيله إلى [العصيان] «١» وأرسل إليه يستدعيه، وبعث الفرجية التى خلعها عليه الخليفة، وكتب الخليفة أيضا إليه كتابا، فرجع إبراهيم إلى السلطان، وهو ببغداد، فخرج الوزير الكندرى «٢» لاستقباله، وأرسل الخليفة إليه الخلع، ولما فارق إبراهيم الموصل استولى عليها البساسيرى، كما قدمناه،

стр. 10153

فسير السلطان إليها جريدة في ألفى فارس، وكان قد فرق عساكره بسبب النوروز، ففارقها البساسيرى ومن معه، فسار السلطان إلى نصيبين، ليتبع آثارهم، ويخرجهم من البلاد، ففارقه أخوه إبراهيم ينال، وسار نحو همذان، فوصل إليها، لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة، وقد قيل: إن المستنضر كاتبه، وكاتب البساسيرى، وأطمعه في السلطنة والبلاد، ففعل ذلك، وسار السلطان في أثره، وهو في قلّة من العسكر، وكان إبراهيم قد اجتمع له كثير من الأتراك، وحلف لهم أنه لا يصالح أخاه طغرلبك، ولا يكلّفهم المسير إلى العراق، فلم يقو السلطان «١» له، وأتى إلى إبراهيم محمد، وأحمد ابنا أخيه [أرتاش] «٢» في خلق كثير، فازداد بهم قوة، وازداد طغرلبك ضعفا، فانزاح بين يديه إلى الرى، وكاتب ألب أرسلان، وياقوتى [وقاورد] «٣» بك أولاد أخيه، وكان داود قد مات على ما نذكره، وملك بعده ابنه أرسلان خراسان، واستدعاهم، فقدموا إلى عمّهم طغرلبك بالعساكر الكثيرة، فلقى إبراهيم بالقرب من الرى، فانهزم إبراهيم، ومن معه، وأخذ أسيرا هو، ومحمد، وأحمد ابنا أخيه، فأمر السلطان به، فخنق بوترقوسه في تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين، وقتل ولدى أخيه، وفي أثناء هذه السنة عند اشتغال السلطان طغرلبك بحرب أخيه إبراهيم، استولى

стр. 10154

البساسيرى على بغداد، وأخرج الخليفة منها، وكان ما قدمناه في أخبار القائم بالله، وكان إبراهيم ينال قد خرج على أخيه مرارا، وهو يقدر عليه، ويعفو عنه، وإنما قتله في هذه الواقعة لأنه علم أن الذى جرى على الخليفة كان بسببه، ولما فرغ طغرلبك من أمر أخيه، عاد إلى العراق، وأعاد الخليفة إلى بغداد، وكان ما قدمناه من مقتل البساسيرى. ذكر وفاة جغرى «١» بك داود صاحب خراسان، وملك ابنه ألب أرسلان كانت وفاته في شهر رجب سنة إحدى وخمسين، وقيل في صفر سنة اثنين وخمسين وأربعمائة، وعمره نحو سبعين سنة، كان له خراسان، وكان حسن السيرة معترفا بنعمة الله عليه، شاكرا عليها؛ فمن ذلك أنه أرسل إلى طغرلبك مع عبد الصمد قاضى سرخس، يقول: قد بلغنى إخرابك للبلاد التى فتحتها وملكتها، وجلاء أهلها عنها، وهذا ما لا خفاء به في مخالفة أمر الله تعالى، فى بلاده وعباده، وأنت تعلم ما فيه من سوء السمعة، وإيحاش الرعية، وقد علمت أننا لقينا أعداءنا، ونحن في «٢» ثلاثين رجلا، وهم في ثلاثمائة، فغلبناهم، ثم كنا في ثلاثمائة، وهم في ثلاثة آلاف، فغلبناهم، ثم كنا في ثلاثة آلاف، وهم في ثلاثين ألفا، فدفعناهم، وقاتلنا بالأمس شاه ملك،

стр. 10155

وهو في أعداد كثيرة فقهرناه، وأخذنا مملكتة بخوارزم، وهرب بين أيدينا إلى خمسمائة فرسخ من موضعه، فظفرنا به، وأسرناه، وقتلناه، واستولينا على ممالك خراسان، وسجستان، وصرنا ملوكا متبوعين، بعد أن كنا أصاغر تابعين، وما تقتضى نعم الله علينا أن نقابلها بهذه المقابلة، فقال طغرلبك: قل له في الجواب: يأخى أنت ملكت خراسان، وهى بلاد عامرة، فخربتها، ووجب عليك مع استقرار قدمك عمارتها، وأنا وردت بلادا أخربها من تقدمنى، واجتاحها من كان قبلى، فما أتمكن من عمارتها، والأعداء محيطة بها، والضرورة تقود إلى طرقها بالعساكر، فلا يمكن دفع مضرتهم عنها. ولداود مناقب كثيرة، وكان له من الأولاد: ألب أرسلان، وياقوتى، وسليمان، وقاورد بك. ولما مات ملك بعده ابنه ألب أرسلان، وتزوج طغرلبك بزوجة أخيه داود، وهى والدة سليمان، ووصّى له بالملك بعده، وفي سنة اثنين وخمسين توفيت زوجة السلطان طغرلبك، فوجد عليها وجدا شديدا، ونقل تابوتها إلى الرى. ذكر زواج السلطان طغرلبك بابنة الخليفة وفي سنة أربع وخمسين وأربعمائة عقد السلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر الله، وكانت الخطبة تقدّمت في سنة ثلاث وخمسين، مع أبى سعيد «١» قاضى الرى، فانزعج الخليفة من ذلك،
следующие страницы →