Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وقال إبراهيم بن العبّاس
إما ترينى أمام القوم متّبعا، ... فقد أرى من وراء الخيل أتّبع
يوما أبيح فلا أرعى على نشب ... وأستبيح فلا أبقى ولا أدع
لا تسألى القوم عن حىّ صبحتهم ... ماذا صنعت؟ وماذا أهله صنعوا؟
وقالوا: من أحسن ما مدح به الرجل نفسه قول أعشى ربيعة
وما أنا في نفسى ولا في عشيرتى ... بمهتضم حقّى ولا قارع سنّى
ولا مسلم مولاى عند جناية ... ولا خائف مولاى من شرّ ما أجنى
وأن فؤادى بين جنبىّ عالم ... بما أبصرت عينى وما سمعت أذنى
وفضّلنى في الشّعر واللّبّ أننى ... أقول على علم وأعلم ما أعنى
فأصبحت إذ فضّلت مروان وابنه ... على الناس قد فضّلت خير أب وابن
وقال أبو هفان
لعمرى لئن بيّعت في دار غربة ... بناتى إذ ضاقت علىّ المآكل
فما أنا إلا السيف يأكل جفنه، ... له حلية من نفسه وهو عاطل
قال أبو هلال العسكرىّ: ولا أعرف في الافتخار أحسن مما أنشده أبو تمام وهو
فقل لزهير إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتّامين للمتشتّم
ولكننا نأبى الظّلام ونقتضى ... بكلّ رقيق الشفرتين مصمّم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلّم
ومن الافتخار قول السموءل بن عاديا من كلمته التى أوّلها
اذ المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
стр. 1017
وقائلة ما بال أسرة عاديا ... تنادى وفيها قلّة وحمول
تعيّرنا أمّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل
وما قلّ من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلا وكهول
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
وأنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... اذا ما رأته عامر وسلول
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منّا سيد حتف أنفه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل
تسيل على حدّ الظّباة نفوسنا ... وليست على غير الظّباة تسيل
صفونا فلم نكدر وأخلص سرّنا ... إناث أطابت حملنا وفحول
علونا الى خير الظهور وحطّنا ... لوقت الى خير البطون نزول
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
اذا سيّد منا خلا قام سيّد ... قؤول لما قال الكرام فعول
وما أخمدت نار لنا دون طارق ... ولا ذمّنا في النازلين نزيل
وأيامنا مشهورة في عدوّنا ... لها غرر معلومة وحجول
وأسيافنا في كلّ شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
معوّدة أن لا تسلّ نصالها ... فنغمد حتى يستباح قبيل
سلى إن جهلت الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عالم وجهول
فإن بنى الديّان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول
стр. 1018
وقال أبو هلال العسكرىّ من قصيدة
وما ضاع مثلى حيث حلّت ركابه ... بلى حيث ضاع المجد مثلى ضائع
ومثلى مخضوع له غير أنه ... اذا كان مجهول الفضائل خاضع
ومثلى متبوع على كل حالة ... فإن ينقلب وجه الزمان فتابع
وقال عبد الله بن المعتز
سألتكما بالله هل تعلماننى؟ ... ولا تكتما شيأ فعندكما خبرى
أأرفع نيران القرى لعفاتها ... وأصبر يوم الروع في ثغرة الثّغر؟
وأسأل نيلا لا يجاد بمثله ... فيفتحه بشرى ويختمه عذرى؟
ومن الافتخار قول بعض الشعراء، ويروى لحسّان بن ثابت من قصيدة أوّلها
أنسيم ريحك أم خيار العنبر ... يا هذه، أم ريح مسك أزفر؟
قولى لطيفك أن يصدّ عن الحشى ... سطوات نيران الأسى، ثمّ اهجرى
وانهى رماتك أن يصبن مقاتلى ... فينال قومك سطوة من معشرى
إنّا من النّفر الذين جيادهم ... طلعت على كسرى بريح صرصر
وسلبن تاجى ملك قيصر بالقنا ... واجترن باب الدّرب لابن الأصفر
كم قد ولدنا من كريم ماجد ... دامى الأظافر أو ربيع ممطر
خلقت أنامله لقائم مرهف ... ولبذل مكرمة وذروة منبر
يلقى الرماح بوجهه وبصدره ... ويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطّرف اصطبر لشبا القا ... فهدمت ركن المجد إن لم تصبر
واذا تأمّل شخص ضيف مقبل ... متسربل سر بال ثوب أغبر
أوما الى الكوماء هذا طارق ... نحرتنى الأعداء إذ لم تنحر
стр. 1019
ذكر ما قيل في الجود والكرم وأخبار الكرام
حقيقة الجود بذل المال، قال الله عزّوجلّ: (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)
وقال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله استخلص هذا الدّين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزيّنوا دينكم بهما» وقال ﷺ : «تجاوزوا عن ذنب السّخىّ فإن الله عزّوجلّ آخذ بيده كلّما عثر وفاتح له كلّما افتقر» وقال ﷺ : «الجود من جود الله تعالى فجودوا يجود الله عليكم» . «ألا إن السخاء شجرة في الجنة أغصانها متدلية فى الأرض فمن تعلق بغصن منها أدخله الجنة» . «ألا إن السخاء من الإيمان والإيمان في الجنة» . وقال علىّ بن عبد الله بن عبّاس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء. وقال بعض الحكماء: الجواد من جاد بماله وصان نفسه عن مال غيره.
وقيل لعمرو بن عبيد: ما الكرم؟ فقال: أن تكون بمالك متبرّعا، وعن مال غيرك متورّعا. ويقال: مراتب السخاء ثلاثة: سخاء وجود وإيثار، فالسخاء إعطاء الأقل وإمساك الأكثر، والجود إعطاء الأكثر وإمساك الأقل، والإيثار إعطاء الكل من غير إمساك بشىء، وهو أشرف درجات الكرم، وبه استحقّوا ثناء الله عزّوجلّ عليهم في قوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ)
. ومن كلام ينسب الى جعفر بن محمّد: لا يتمّ المعروف إلا بثلاثة: تعجيله، وتصغيره، وستره. الجود زكاة السّعادة، والإيثار على النفس موجب لاسم الكرم، وقال:
لا يستحى من بذل القليل فإن الحرمان أقلّ منه. قال بعض الشّعراء
أعط القليل ولا يمنعك قلته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
стр. 1020
وقال علىّ بن الحسين: الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بماله.
وقال الحسين بن على رضى الله تعالى عنهما: أيّها الناس من جاد ساد، ومن بخل رذل، وأن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه. وقيل ليزيد بن معاوية:
ما الجود؟ قال: أن تعطى المال من لا تعرف؛ فإنّه لا يصير اليه حتى يتخطّى من تعرف.
وقال أحمد بن محمد بن عبد ربه: لو لم يكن في الكرم، إلا أنه صفة من صفات الله تعالى، تسمّى بها فهو الكريم عزّوجلّ. وقال رسول الله ﷺ :
«إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال، قال: إن الله عزوجل قد عوّدنى بعادة أن يتفضل علىّ، وعودته أن أتفضل على عباده، وأخاف أن أقطع العادة فيقطع عنى. وقال المأمون لمحمد بن عباد المهلّبىّ: إنك متلاف، قال: منع الجود، سوء ظنّ بالمعبود. قال الله تعالى:
(وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)
. وقال أكثم بن صيفىّ حكيم العرب: ذلّلوا أخلاقكم للمطالب، وقودوها الى المحامد، وعلّموها المكارم، ولا تقيموها على خلق تذمّونه من غيركم، وصلوا من رغب اليكم وتحلّوا بالجود يكسبكم المحبة، ولا تعتقدوا البخل، تتعجلوا الفقر؛ أخذه شاعر فقال
أمن خوف فقر تعجلته ... وأخّرت إنفاق ما تجمع؟
فصرت الفقير وأنت الغنىّ ... وما كنت تعدو الذى تصنع
وكتب رجل من البخلاء الى رجل من الأسخياء يأمره بالإنفاق على نفسه ويخوّفه الفقر، فأجابه: (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا)
وإنى أكره أن أترك أمرا قد وقع لأمر لعلّه لا يقع.
стр. 1021
وكان سعيد بن العاصى يقول على المنبر: من رزقه الله رزقا حسنا، فلينفق منه سرا وجهرا، حتى يكون أسعد الناس به، فإنما يترك ما يترك لأحد رجلين، إما لمصلح، فلا يقلّ عليه شىء، وإما لمفسد، فلا يبقى له شىء. أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:
اسعد بمالك في الحياة فإنما ... يبقى خلافك مصلح أو مفسد
فاذا جمعت لمفسد لم يغنه ... وأخو الصّلاح قليله يتزيّد
وقال أبو ذرّ رضى الله عنه: لك في مالك شريكان، الحدثان، والوارث، فإن استطعت أن لا تكون أبخس الشركاء حظّا فافعل. وقال بزرجمهر الفارسىّ:
إذا أقبلت عليك الدنيا، فانفق منها، فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عليك، فانفق منها، فإنها لا تبقى؛ أخذ الشاعر هذا المعنى فقال
لا تبخلنّ بدنيا وهى مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسّرف
وإن تولّت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
وكان كسرى يقول: عليكم بأهل السخاء والشجاعة، فإنهم أهل حسن ظنّ بالله، ولو أن أهل البخل، لم يدخل عليهم من ضرّ بخلهم، ومذمّة الناس لهم، وإطباق القلوب على بغضهم، إلا سوء ظنّهم بربهم في الخلف، لكان عظيما؛ أخذه محمود الورّاق فقال
من ظنّ بالله خيرا جاد مبتدئا ... والبخل من سوء ظنّ المرء بالله
وقيل لأبى عقيل البليغ العراقىّ: كيف رأيت مروان بن الحكم عند طلب الحاجة اليه؟ قال: رأيت رغبته في الإنعام، فوق رغبته في الشكر، وحاجته الى قضاء الحاجة، أشدّ من حاجة صاحبها.
стр. 1022
وقال زياد: كفى بالبخيل عارا، أن اسمه لم يقع في حمد قطّ.
وقال أسماء بن خارجة: ما أحبّ أن أردّ أحدا عن حاجة طلبها، لأنه لا يخلو أن يكون كريما، فأصون له عرضه. أو لئيما، فأصون عرضى منه.
وقال إبراهيم بن المهدىّ: قلت لرجل من أهل الكوفة من وجوه أهلها كان لا يجفّ بيده قلم، ولا يستريح قلبه، ولا تسكن حركته في طلب حوائج الرجال، وإدخال المرافق على الضعفاء: أخبرنى عن الحالة التى خفّفت عنك النّصب، وهوّنت عليك التعب، فى القيام بحوائج الناس، ما هى؟ قال: قد والله سمعت [تغريد الطّير بالأسحار، فى فروع الأشجار، وسمعت خفق أوتار العيدان «١» ] وترجيع أصوات القيان، فما طربت من صوت قطّ، طربى من ثناء حسن، بلسان حسن، على رجل قد أحسن، ومن شكر حرّ لمنعم حرّ، ومن شفاعة محتسب، لطالب شاكر؛ قال إبراهيم: فقلت، لله أبوك! لقد حشيت كرما. وكان طلحة بن عبد الله بن عوف الزهرىّ من أجود قريش في زمانه، فقالت له امرأته: ما رأيت قوما ألأم من إخوتك، فقال لها: لمه؟ وأنّى قلت ذاك؟ فقالت: أراهم إذا أيسرت أتوك، وإذا أعسرت تركوك، قال: هذا والله كرمهم، يأتوننا في حال القوّة عليهم، ويتركوننا في حال العجز عنهم.
وحكى أن رجلا شيخا أتى سعيد بن سالم، وكلّمه في حاجة وما شاه، فوضع الشيخ زجّ عصاه التى يتوكأ عليها، على رجل سعيد حتّى أدماها، فما تأوّه لذلك، وما نهاه، فلما فارقه، قيل له: كيف صبرت على هذا منه؟ فقال: خفت أن يعلم جنايته، فينقطع عن ذكر حاجته.
стр. 1023
ذكر من انتهى اليهم الجود في الجاهلية وذكر شىء من أخبارهم
والذى انتهى اليهم الجود في الجاهلية حاتم بن عبد الله بن سعد الطائىّ، وهرم بن سنان المرّىّ، وكعب بن مامة الإيادى، وضرب المثل بحاتم وكعب، والمشهور حاتم.
وكعب هذا: هو الذى جاد بنفسه، وآثر رفيقه بالماء في المفازة، ولم يشهر له خبر غير هذا. وأما حاتم فأخباره مشهورة منها: أنه كان اذا اشتد البرد، أمر غلامه يسارا، فأوقد نارا في بقاع من الأرض، لينظر اليها من ضلّ عن الطريق، وفي ذلك يقول
أوقد فإن الليل ليل قرّ ... والريح يا واقد ريح صرّ
عسى يرى نارك من يمرّ ... إن جلبت ضيفا فأنت حرّ
قالوا: ولم يك حاتم يمسك غير سلاحه وفرسه، ثم جاد بفرسه في سنة أزمة.
قالت النوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض، واغبرّ أفق السماء، وضنّت المراضع عن أولادها، لا تبضّ بقطرة، وأيقنّا بالهلاك، فو الله، إنّى لفى ليلة صنبرة، بعيدة ما بين الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعا، عبد الله، وعدىّ، وسفانة، فقام حاتم الى الصبيّين، وقمت الى الصبيّة، فو الله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعلّلنى، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلما تهوّرت النجوم، إذا بشىء قد رفع كسر البيت، فقلت: من هذا؟ فولّى، ثم عاد آخر الليل، فقال من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عوى الذئاب، فما وجدت معوّلا إلا عليك أبا عدىّ، فقال: أعجليهم، فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل اثنين،
стр. 1024
ويمشى بجانبها أربع كأنها نعامة حولها رئالها، فقام الى فرسه، فوجأ لبّته بمدية، فخر، ثم كشط عن جلده، ودفع المدية الى المرأة، وقال: شأنك، فاجتمعنا على اللحم نشوى، ونأكل، ثم جعل يأتيهم بينا بيتا، فيقول: هبّوا عليكم بالنار، والتفع بثوبه ناحية ينظر الينا، لا والله إن ذاق منه مضغة وإنه لأحوج اليه منّا، فأصبحنا وما في الأرض إلا عظم أو حافر.
وقيل: كان مبدأ الأمر لحاتم في الجود، أنه لما ترعرع، جعل يخرج طعامه فإن وجد من يأكله معه أكله، وإن لم يجد طرحه، فلما رأى أبوه، أنه يهلك طعامه، قال له: ألحق بالإبل، فخرج إليها، فوهب له جارية، وفرسا وفلوها.
وقيل: بل هلك أبو حاتم وهو صغير، وهذه القصّة كانت مع جدّه سعد بن الحشرج، فلما أتى حاتم الإبل، طفق يبتغى الناس، فلا يجدهم، ويأتى الطريق، فلا يجد عليه أحدا، فبينا هو كذلك، إذ بصر بركب على الطريق، فأتاهم، فقالوا: يا فتى، هل من قرى؟ فقال: تسألوننى عن القرى؟ وقد ترون الإبل! وكان الذى بصر بهم، عبيد ابن الأبرص، وبشر بن أبى خازم، والنابغة الذّبيانىّ، وكانوا يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من الإبل، فقال عبيد: إنما أردنا اللبن، وكانت تكفينا بكرة، إن كنت لا بدّ متكلّفا لنا شيئا، فقال حاتم: قد عرفت، ولكن رأيت وجوها مختلفة، وألوانا متفرّقة، فظننت أن البلدان غير واحد، فأردت أن يذكر كلّ واحد منكم ما رأى، إذا أتى قومه فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها، وذكروا فضله، فقال حاتم: أردت أن أحسن اليكم، فصار لكم الفضل علىّ، وإنى أعاهد الله أن أضرب عراقيب إبلى عن آخرها، أو تقوموا اليها فتقتسموها ففعلوا! فأصاب كل واحد تسعا وثلاثين بعيرا، ومضوا على سفرهم الى النعمان، وأن أبا حاتم أو جدّه، سمع بما فعل، فقال:
стр. 1025
أين الإبل؟ فقال: يا أبت طوقتك بها طوق الحمامة مجدا وكرما، لا يزال الرجل يحمل بيث شعر أثنى به علينا عوضا من إبلك، فلما سمع أبوه ذلك، قال: أبإبلى فعلت ذلك؟ قال: نعم، قال: والله لا أساكنك أبدا، فخرج أبوه بأهله، وترك حاتما، ومعه جاريته وفرسه وفلوه. قال: فبينما حاتم يوما نائم، إذ انتبه، وحوله نحو مائتى بعير تجول وتحطم بعضها بعضا، فساقها الى قومه، فقالوا: يا حاتم، أبق على نفسك، فقد رزقت مالا، ولا تعودنّ الى ما كنت فيه من الإسراف، قال: فإنها نهب بينكم، فانتهبت؛ ثم أقبل ركب من بنى أسد ومن قيس يريدون النعمان، فلقوا حاتما، فقالوا له: إنا تركنا قومنا يثنون عليك خيرا، وقد أرسلوا اليك برسالة، قال: وما هى؟ فأنشده الأسديّون شعرا، لعبيد، وأنشده الليثيّون شعرا للنابغة، ثم قالوا: إنا لنستحى أن نسألك شيئا وإنّ لنا لحاجة، قال: وما هى؟ قالوا:
صاحب لنا راجل، فقال حاتم: خذوا فرسى هذه، فاحملوا عليها صاحبكم، فأخذوها، وربطت الجارية فلوها بثوبها، فأفلت فاتبعته الجارية لتردّه، فقال حاتم: ما لحقكم من شىء فهو لكم، فذهبوا بالفرس والفلو والجارية.
وأما هرم بن سنان، فمن أخباره: أنه آلى على نفسه أنه لا يسلّم عليه زهير إلا أعطاه فقلّ مال هرم، وكان زهير يمرّ بالنادى وفيه هرم فيقول: أنعموا صباحا ما خلا هرما، وخير القوم تركت؛ قالوا: وكان عبد الله بن جدعان، حين كبر، أخذت بنو تميم على يده، ومنعوه أن يعطى شيئا من ماله، فكان الرجل اذا أتاه يطلب منه، قال له: ادن منّى، فاذا دنا منه لطمه، ثم قال: اذهب فاطلب لطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تميم من ماله؛ وفيه يقول الشاعر
والذى إن أشار نحوك لطما ... تبع اللّطم نائل وعطاء
стр. 1026
ومن أخبار الكرام: ما حكى أنّ خالد بن عبد الله القسرىّ أمير العراق، كان يكثر الجلوس ثم يدعو بالبدر ويقول: إنما هذه الأموال ودائع العرب لا بدّ من تفرقتها، فقال ذلك مرّة، وقد وفد عليه أخوه أسد بن عبد الله من خراسان، فقام، فقال أيها الأمير إن الودائع تجمع لا تفرق، فقال: ويحك! إنها ودائع المكارم؛ وأيدينا وكلاؤها، فإذا أتانا المملق فأغنيناه، والظمآن فأرويناه، فقد أدّينا فيها الأمانة، ومرّ يزيد بن المهلّب بأعرابية في هروبه من سجن عمر بن عبد العزيز، وهو يريد البصرة، فقدّمت له عنزا فقبلها، ثم قال لابنه معاوية: ما معك من النفقة؟ قال ثمانمائة دينار، قال: ادفعها اليها! فقال له ابنه: إنك تريد الرجال، ولا تكون الرجال إلا بالمال، وهذه يرضيها اليسير، وهى بعد لا تعرفك، فقال: إن كانت ترضى باليسير، فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفنى، فأنا أعرف نفسى، ادفعها إليها، فدفعها اليها.
قال الأحنف: كثرت علىّ الدّيات بالبصرة، لما قتل مسعود، فلم أجدها في حاضرة تميم، فخرجت نحو يبرين، فسألت: من المقصود هناك؟ فأرسلت الى قبّة، فاذا شيخ جالس بفنائها، مؤتزر بشملة، محتب بحبل، فسلمت عليه، وانتسبت له، فقال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قلت: توفّى، قال: فما فعل عمر بن الخطاب الذى كان يحفظ العرب ويحوطها؟ قلت: مات، قال: فأىّ خبر فى حاضرتكم بعدهما؟ قال: فذكرت الديات التى لزمتنا للأزد وربيعة، قال:
أقم، فإذا راع قد أزاح عليه بألف بعير، فقال: خذها، ثم أراح عليه آخر بمثلها، فقال:
خذها، قلت: لا أحتاج اليها، فانصرفت بالألف، وو الله ما أدرى من هو الى الساعة.
وروى عن معن بن زائدة، قال: لما هربت من المنصور، خرجت من باب حرب، بعد أن أقمت في الشمس أياما، وخففت لحيتى وعارضى، ولبست
стр. 1027
جبّة صوف غليظة، وركبت جملا، وخرجت عليه لأمضى الى البادية، قال: فتبعنى أسود متقلد سيفا، حتى إذا غبت عن الحرس، قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض علىّ، فقلت: ما شأنك؟ فقال: أنت بغية أمير المؤمنين فقلت له: ومن أنا حتّى يطلبنى أمير المؤمنين؟ فقال معن بن زائدة فقلت: يا هذا! اتق الله وأين أنا من معن؟ فقال: دع هذا عنك، فأنا والله أعرف بك، فقلت له: فإن كانت القصة كما تقول، فهذا جوهر حملته معى، بأضعاف ما بذله المنصور، لمن جاءه بى فخذه ولا تسفك دمى، فقال: هاته، فأخرجته اليه، فنظر إليه ساعة، وقال: صدقت فى قيمته، لست قابله حتى أسألك عن شىء، فإن صدقتنى أطلقتك، فقلت: قل، فقال: إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرنى هل وهبت قطّ مالك كلّه! قلت:
لا، قال: فنصفه! قلت: لا، قال: فثلثه! قلت، لا حتى بلغ العشر فاستحييت وقلت: إنى أظن قد فعلت هذا، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا والله راجل، ورزقى على أبى جعفر، عشرون درهما، وهذا الجوهر قيمته ألف دينار، وقد وهبته لك، ووهبتك لنفسك، ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أن في الدنيا من هو أجود منك، ولا تعجبك نفسك، ولتحقّر بعد هذا كلّ شىء تفعله ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى بالعقد إلىّ، وخلّى خطام الجمل وانصرف، فقلت: يا هذا! قد والله فضحتنى، ولسفك دمى أهون علىّ مما فعلت، فخذ ما دفعته اليك، فإنى عنه في غنى، فضحك، ثم قال: أردت أن تكذّبنى في مقامى هذا، فو الله لا آخذه، ولا آخذ لمعروف ثمنا أبدا، ومضى، فو الله لقد طلبته بعد أن أمنت، وبذلت لمن جاءنى به ماشاء، فما عرفت له خبرا، وكأنّ الأرض ابتلعته، وكان سبب غضب المنصور على معن ابن زائدة: أنه خرج مع عمرو بن يزيد بن عمرو بن هبيرة وأبلى في حربه بلاء حسنا.
стр. 1028
ويقال: إن شاعرا أتى وهب بن وهب، وكان جوادا، فمدحه فهشّ وبش له وثنى له الوسادة وأضافه ورفده وحمله، فلما أراد الرّجل الرحلة، لم يخدمه أحد من غلمان وهب، فأنكر الرجل ذلك مع جميل فعله، فعاتب بعضهم، فقال له الغلام: إنّا إنّما نعين النازل على الإقامة ولا نعين الراحل على الفراق.
وكان الحارث بن هشام المخزومى في وقعة اليرموك، وبها أصيب فأثبتته الجراح، فاستسقى ماء، فأتى به، فلما تناوله، نظر الى عكرمة بن أبى جهل صريعا في مثل حاله، فردّ الإناء على الساقى، وقال: امض الى عكرمة بن أبى جهل، فمضى إليه، فأبى أن يشرب قبله، فرجع الى الحارث، فوجده ميتا، فرجع الى عكرمة، فوجده قد مات، فلم يشرب واحد منهما.
وقد وصف الناس أهل الجود والكرم بمدائح، سنذكر ما استجودناه منها.
فمن ذلك ما حكى عن أبى العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، قال: كان ببغداد فتى يجنّ ستة أشهر، فاستقبلته ببعض السكك ذات يوم، فقال: ثعلب؟
قلت: نعم، قال: فأنشدنى فأنشدته
وإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكلّ طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها ... فكذا يكون أخادم وذبائح
فضحك، ثم سكت ساعة، وقال: ألا قال؟
اذهبا بى إن لم يكن لكما عقر ... على ترب قبره فاعقرانى
وانضحا من دمى عليه فقد كا ... ن دمى من نداه لو تعلمان
ثم رآنى يوما بعد ذلك فتأمّلنى، وقال: ثعلب! قلت: نعم، قال: أنشدنى فأنشدته
стр. 1029
أعار الجود نائله ... إذا ما ماله نفدا
وإن ليثا شكا جبنا ... أعار فؤاده الأسدا
فضحك، وقال: ألا قال؟
علّم الجود النّدى حتّى إذا ... ما حكاه علّم البأس الأسد
فله الجود مقرّ بالندى ... وله الليث مقرّ بالجلد
وقال مسلم بن الوليد وهو مما يجوز إيراده في الشجاعة والكرم
يجود بالنفس إن ضنّ الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وأول من أتى بهذا المعنى علقمة بن عبدة حيث قال
تجود بنفس لا يجاد بمثلها ... فأنت بها يوم اللّقاء خصيب
وهذا مثل قول يزيد بن أبى يزيد الشيبانى: من جاد بنفسه عند اللقاء، وبماله عند العطاء، فقد جاد بنفسيه كلتيهما. قالوا: وأجود ما قيل في ذلك قول أبى العتاهية يمدح العباس بن محمد
لو قيل للعباس يا ابن محمد ... قل «لا» وأنت مخلّد ما قالها
إن السماحة لم تزل معقولة ... حتّى حللت براحتيك عقالها
وإذا الملوك تسايرت في بلدة ... كانوا كواكبها وكنت هلالها
فلم يثبه العباس، فقال
هزرتك هزّة السيف المحلّى ... فلما أن ضربت بك انثنيت
فهبها مدحة ذهبت ضياعا ... كذبت عليك فيها وافتريت
فلما سمع العباس الأبيات غضب، وقال: والله لأجهدنّ في حتفه، قال: فمرّ أبو العتاهية بإسحاق بن العباس، وقال له إسحاق: أنشدنى شيئا من شعرك فأنشده
стр. 1030
ألا أيها الطالب المستغيث ... بمن لا يفيد ولا يرفد
ألا تسأل الله من فضله ... فإن عطاياه لا تنفد
إذا جئت أفضلهم للسؤا ... ل ردّ وأحشاؤه ترعد
كأنّك من خشية للسؤا ... ل في عينه الحيّة الأسود
فقرّ الى الله من لؤمهم ... فإنى أرى الناس قد أصلدوا
وإنى أرى الناس قد أبرقوا ... بلؤم الفعال وقد أرعدوا
ثم مضى، فقيل لإسحاق: إن هذا الشعر له في أبيك، فقال إسحاق: أولى له، لم عرّض نفسه وأحوج أبا العتاهية إلى مثل هذا مع ملكه وقدرته؟
وقد أورد أبو الفرج الأصفهانىّ خبر هذه الأبيات، فقال: امتدح ربيعة الرّقّى العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس بقصيدة لم يسبق اليها حسنا، وهى طويلة يقول فيها
لو قيل للعباس: يا ابن محمّد ... قل «لا» وأنت مخلّد ما قالها
ما إن أعدّ من المكارم خصلة ... إلا وجدتك عمّها أو خالها
وإذا الملوك تسايرت في بلدة ... كانوا كواكبها وكنت هلالها
إن المكارم لم تزل معقولة ... حتّى حللت براحتيك عقالها
قال: فبعث إليه بدينارين، وكان يقدّر فيه ألفين، فلما نظر إلى الدينارين، كاد أن يجن غضبا، وقال للرسول: خذ الدينارين فهما لك على أن تردّ إلىّ الرّقعة، من حيث لا يدرى العباس؛ ففعل الرسول ذلك، فأخذها ربيعة، وأمر من كتب فى ظهرها
стр. 1031
مدحتك مدحة السيف المحلّى ... لتجرى في الكرام كما جريت
فهبها مدحة ذهبت ضياعا ... كذبت عليك فيها وافتريت
فأنت المرء ليس له وفاء ... كأنى إذ مدحتك قد زنيت
ثم دفعها إلى الرسول وقال: ضعها في الموضع الذى أخذتها منه، ففعل، فلما كان من الغد، أخذها العباس فنظر فيها، فلما قرأ الأبيات، غضب، وقام من وقته، فركب إلى الرشيد، وكان أثيرا عنده يبجله ويقدّمه، وكان قد همّ أن يخطب اليه ابنته، فرأى الرشيد الكراهة في وجهه، فقال ما شأنك؟ قال: هجانى ربيعة الرقّى، فأحضره الرشيد، وقال له: يا ماص كذا وكذا من أمّه أتهجو عمّى، وآثر خلق الله عندى؟ لقد هممت أن أضرب عنقك، فقال: يا أمير المؤمنين، والله لقد امتدحته بقصيدة ما قال أحد مثلها من الشعراء في أحد من الخلفاء، ولقد بالغت في الثناء، وأكثرت الوصف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإحضارها فعل، فلما سمع الرشيد ذلك، سكن غضبه، وأحب أن ينظر في القصيدة، فأمر العباس بإحضارها فتلكأ عليه، فقال له الرشيد: سألتك بحق أمير المؤمنين، إلا أمرت بإحضارها؟
فأحضرت، فإذا فيها القصيدة بعينها، فاستحسنها واستجادها وأعجب بها، وقال:
والله ما قال أحد من الشعراء في أحد من الخلفاء مثلها، ولقد صدق ربيعة فبرّ، ثم قال للعباس: كم أثبته عليها؟ فسكت العباس، وتغيّر لونه، وغصّ بريقه، فقال ربيعة: أثابنى عنها يا أمير المؤمنين دينارين، فتوهم الرشيد أنه قال ذلك من الموجدة عليه، فقال: بحياتى يا رقّى كم أثابك؟ فقال: وحياتك يا أمير المؤمنين ما أثابنى إلا بدينارين، فغضب الرشيد غضبا شديدا، ونظر في وجه العباس، وقال: سوءة لك! أيّة حال قعدت بك عن إثابته؟ أقلّة مال؟ فو الله لقد نولتك جهدى، أم
стр. 1032
انقطاع المال عنك؟ فو الله ما انقطعت بك، ام أصلك؟ فهو الاصل الذى لا يدانيه شىء، أم نفسك؟ لا ذنب لى، بل نفسك والله فعلت بك ذلك، حتى فضحت أجدادك وفضحتنى، وفضحت نفسك، فنكس العباس رأسه، ولم ينطق، فقال الرشيد: يا غلام، أعط ربيعة ثلاثين ألف درهم، وخلعة، واحمله على بغلة، ثم قال له: بحياتى لا تذكره في شىء من شعرك تعريضا ولا تصريحا، وفتر الرشيد عما كان قد همّ به من أن يتزوج اليه وأظهر له بعد ذلك جفاء واطراحا.
وقال محمد بن هانئ
الواهب الألف إلا أنها بدر ... والطاعن الألف إلا أنها نسق
تأتى عطاياه شتّى غير واحدة ... كما تدافع موج البحر يصطفق
وقال الرضىّ الموسوىّ
ريّان والأيام ظمآنة ... من النّدى نشوان بالبشر
لا يمسك العدل يديه ولا ... تأخذ منه نشوة الخمر
وقال أيضا
ذخائره العرف في أهله ... وخزّان أمواله السائلونا
وقال أمية بن أبى الصلت الثقفىّ يمدح عبد الله بن جدعان
أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك إن شيمتك الحياء؟
وعلمك بالأمور وأنت قرم ... لك الحسب المهذّب والسناء
كريم لا يغيّره صباح ... عن الخلق السنىّ ولا مساء
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه الثناء
стр. 1033
وقال الشمّاخ بن ضرار
نزور امرأ يعطى على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد
وأنت امرؤ، من تعطه اليوم نائلا ... بكفّك، لا يمنعك من نائل الغد
ترى الجود لا يدنى من المرء حتفه ... كما البخل والإمساك ليس بمخلد
مفيد ومتلاف، اذا ما سألته ... تهلّل، واهتزّ اهتزاز المهنّد
متى تأته تعشو الى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
قال: ولما سمع عمر رضى الله عنه هذا البيت، قال: كذب، تلك نار موسى ﵇.
وقال السرىّ الرفّاء
كالغيث والليث والهلال اذا ... أقمر بأسا وبهجة وندى
ناس من الجود ما يجود به ... وذاكر منه كلما وعدا
وقال أبو الفرج الوأواء
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين اثنين
أنت اذا جدت ضاحكا أبدا ... وهو اذا جاد باكى العين
وقال ابن نباتة السعدىّ من قصيدة
لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله ... تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل
ذكر ما قيل في الإعطاء قبل السؤال
قال سعيد بن العاصى: قبح الله المعروف، اذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فما المعروف عوض من مسألة الرجل، اذا بذل وجهه، فقلبه خائف، وفرائصه ترعد، وجبينه يرشح، لا يدرى ايرجع بنجح الطلب أم بسوء المنقلب، قد بات ليلته
стр. 1034
يتململ على فراشه، يعاقب بين شقّيه، مرّة هكذا، ومرّة هكذا، من لحاجته؟ فخطرت بباله أنا أو غيرى، فمثّل أرجاهم في نفسه، وأقربهم من حاجته، ثم عزم علىّ، وترك غيرى، قد انتقع لونه، ودهب دم وجهه، فلو خرجت له مما أملك لم أكافئه، وهو على أمن منّى عليه، اللهم فإن كانت الدنيا لها عندى حظّ فلا تجعل لى حظّا في الآخرة.
وقال أكثم بن صيفىّ: كلّ سؤال وإن قلّ، أكثر من كلّ نوال وإن جلّ.
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه لأصحابه: من كانت له إلىّ منكم حاجة، فليرفعها في كتاب، لأصون وجوهكم عن المسألة.
وقال عبد العزيز بن مروان: ما تأمّلنى رجل قط، إلا سألته عن حاجته، ثم كنت من ورائها.
وقال حبيب
عطاؤك لا يفنى ويستغرق المنى ... وتبقى وجوه الراغبين بمائها
وقال أيضا
ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهى إذا أفنيته عوض
وقالوا: من بذل اليك وجهه، فقد وفّاك حقّ نعمته.
وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: ما الجود؟ فقال: التّبرع بالمال، والعطاء قبل السؤال.
وقال أحمد بن محمد بن عبد ربّه
كريم على العلّات جزل عطاؤه ... ينيل وإن لم يعتمد لنوال
وما الجود من يعطى اذا ما سألته ... ولكنّ من يعطى بغير سؤال
стр. 1035
وقال حبيب الطائىّ
لئن جحدتك ما أوليت من كرم ... إنى لفى اللؤم أمضى منك في الكرم
أنسى ابتسامك- والألوان كاسفة- ... تبسّم الصبح، فى داج من الظّلم
رددت رونق وجهى في صفيحته ... ردّ الصّقال صفاء الصارم الخذم
وما أبالى- وخير القول أصدقه- ... حقنت لى ماء وجهى أم حقنت دمى
ذكر ما قيل في الشجاعة والصبر والإقدام
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الشجاعة غريزة يضعها الله فيمن يشاء من عباده، إن الله يحبّ الشجاع ولو على قتل حيّة» .
وقالوا: حدّ الشجاعة سعة الصدر بالإقدام على الأمور المتلفة.
وسئل بعضهم عن الشجاعة فقال: جبلّة نفس أبيّة، قيل له: فما النجدة؟ قال:
ثقة النفس عند استرسالها الى الموت، حتى تحمد بفعلها دون خوف.
وقيل لبعضهم: ما الشجاعة؟ فقال: صبر ساعة. وقال بعض أهل التجارب:
الرجال ثلاثة: فارس، وشجاع، وبطل، فالفارس: الذى يشدّ اذا شدّوا، والشجاع:
الداعى الى البراز والمجيب داعيه، والبطل: الحامى لظهور القوم اذا ولّوا.
قال يعقوب بن السكّيت في كتاب الألفاظ: العرب تجعل الشجاعة في أربع طبقات، تقول: رجل شجاع، فاذا كان فوق ذلك، قالوا: بطل، فاذا كان فوق ذلك، قالوا: بهمة، فاذا كان فوق ذلك، قالوا: اليس.
وقال بعض الحكماء: جسم الحرب: الشجاعة، وقلبها: التدبير، ولسانها:
المكيدة، وجناحها: الطاعة، وقائدها: الرفق، وسائقها: النصر.
стр. 1036
قالوا: لما ظفر المهلّب بن أبى صفرة بالخوارج، وجّه كعب بن معدان الى الحجّاج، فسأله عن بنى المهلّب، فقال: المغيرة فارسهم وسيّدهم، وكفى بيزيد فارسا شجاعا، وجوادهم وشيخهم: قبيصة، ولا يستحيى الشجاع أن يفرّ من مدرك، وعبد الملك: سمّ ناقع، وحبيب: موت زعاف، ومحمد: ليث غاب، وكفاك بالمفضّل نجدة، قال: فكيف خلّفت جماعة الناس؟ قال: خلّفتهم بخير، قد أدركوا ما أملوا، وأمنوا ما خافوا، قال: فكيف كان بنو المهلّب فيهم؟ قال:
كانوا حماة السّرح نهارا، فاذا أليلوا ففرسان البيات، قال: فأيّهم كان أنجد؟ قال:
كانوا كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفها، قال: فكيف كنتم أنتم وعدوّكم؟
قال: كنّا اذا أخذنا، عفونا، واذا اجتهدوا، اجتهدنا فيهم، فقال الحجّاج: (إنّ العاقبة للمتّقين) .
وقالوا: أشجع بيت قالته العرب قول العباس بن مرداس السلمىّ
أشدّ على الكتيبة لا أبالى ... أحتفى كان فيها أم سواها؟
وقد مدح الشعراء الشجاعة وأهلها، وأوسعوا في ذلك، فمن ذلك قول المتنبّى
شجاع كأنّ الحرب عاشقة له ... اذا زارها فدّته بالخيل والرّجل
وقال أيضا
وكم رجال بلا أرض لكثرتهم ... تركت جمعهم أرضا بلا رجل
ما زال طرفك يجرى في دمائهم ... حتى مشى بك مشى الشارب الثمل
وقال العماد الإصفهانىّ
قوم إذا لبسوا الحديد الى الوغى ... لبس الحداد عدوّهم في المهرب
المصدرون الدّهم عن ورد الوغى ... شقرا تجلّل بالعجاج الأشهب
стр. 1037
وقال أبو الفرج الببغاء
واليوم من غسق العجاجة ليلة ... والكرّ يخرق سجفها الممدودا
وعلى الصّفاح من الكفاح وصدقه ... ردع أحال بياضها توريدا
والطعن يغتصب الجياد شياتها ... والضرب يقدح في التليل وقودا
وعلى النفوس من الحمام طلائع ... والخوف ينشد صبرها المفقودا
وأجلّ ما عند الفوارس حثّها ... فى طاعة الهرب الجياد القودا
حتى إذا ما فارق الرأى الهوى ... وغدا اليقين على الظنون شهيدا
لم يغن غير أبى شجاع والعلا ... عنه تناجى النصر والتأييدا
وقال أيضا وروى للبحترىّ
من كلّ متّسع الأخلاق مبتسم ... للخطب إن ضاقت الأخلاق والحيل
يسعى به البرق، إلا أنه فرس ... فى صورة الموت إلا أنه رجل
يلقى الرماح بصدر منه ليس له ... ظهر وهادى جواد ما له كفل
وقال البحترىّ
معشر أمسكت حلومهم الأر ... ض وكادت لو لاهم أن تميدا
فإذا الجدب جاء كانوا غيوثا ... وإذا النقع ثار ثاروا أسودا
وكأنّ الإله قال لهم في ال ... حرب كونوا حجارة أو حديدا
وقال مسلم
لو أنّ قوما يخلقون منيّة ... من بأسهم كانوا بنى جبريلا
قوم إذا حمى الوطيس لديهم ... جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا
стр. 1038
وقال آخر
عقبان روع والسروج وكورها ... وليوث حرب والقنا آجام
وبدور تمّ والشوائك في الوغى ... هالاتها والسابرىّ غمام
جادوا بممنوع التلاد وجوّدوا ... ضربا تخدّ به الطّلا والهام
وتجاورت أسيافهم وجيادهم ... فالأرض تمطر والسماء تغام
وقال آخر
قوم، شراب سيوفهم ورماحهم ... فى كلّ معترك دم الأشراف
رجعت إليهم خيلهم بمعاشر ... كلّ لكلّ جسيم أمر كاف
يتحنّنون إلى لقاء عدوّهم ... كتحنّن الألّاف للألّاف
ويباشرون ظبا السيوف بأنفس ... أمضى وأقطع من ظبا الأسياف
وقال ابن حيّوس
إن ترد خبر حالهم عن قريب ... فأتهم يوم نائل أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار النقع، ... خضر الأكناف حمر النصال
ومما قيل في الصبر والإقدام
قال الله عزوجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) .
وقال رسول الله ﷺ : «لا تتمنّوا لقاء العدوّ وسلوا الله العافية فاذا لقيتموهم فاثبتوا وأكثروا من ذكر الله وإن جلبوا وضجّوا فعليكم بالصمت» .
стр. 1039
ومن كلام علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: ربّ حياة، سببها التعرّض للموت، وربّ منيّة، سبّبها طلب الحياة.
وقالوا: أجمع كلمة قيلت في الصبر قول بعضهم: الصبر مطيّة النصر.
وقال آخر: الصبر مطيّة لا تكبو، وإن عنف عليه الزمان.
وقال آخر: الصبر شرية «١» ، تثمر أرية «٢» .
وقيل للمهلّب بن أبى صفرة: إنك لتلقى نفسك في المهالك، فقال: إن لم آت الموت مسترسلا، أتانى مستعجلا، إنى لست آتى الموت من حبّه، وإنما آتيه من بغضه، وتمثّل بقول الحصين بن الحمام
تأخّرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسى حياة مثل أن أتقدّما
وهى قصيدة مشهورة منها
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدّما
نفلّق هاما من كرام أعزّة ... علينا، وهم كانوا أعقّ وأظلما
ولما رأينا الصبر قد حيل دونه ... وإن كان يوما ذا كواكب مظلما
صبرنا، وكان الصبر منا سجية ... بأسيافنا يقطعن كفّا ومعصما
ولما رأيت الودّ ليس بنافعى ... عمدت الى الأمر الذى كان أحزما
فلست بمبتاع الحياة بسبّة ... ولا مرتق من خشية الموت سلّما
وقالت العرب: الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة. وكذلك: إن من يقتل مدبرا، أكثر ممن يقتل مقبلا.
وقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه لخالد بن الوليد: احرص على الموت، توهب لك الحياة.
стр. 1040
وقالت الحكماء: استقبال الموت، خير من استدباره.
وقال العلوىّ
محرّمة أكفال خيلى على القنا ... ودامية لبّاتها ونحورها
حرام على أرماحنا طعن مدبر ... وتندقّ منها في الصدور صدورها
وقال أبو تمّام
قلّوا ولكنّهم طابوا فأنجدهم ... جيش من الصبر لا يحصى له عدد
اذا رأوا للمنايا عارضا لبسوا ... من اليقين دروعا مالها زرد
ناوا عن المصرح الأدنى فليس لهم ... إلا السيوف على أعدائهم مدد
وما زالت العرب يتمادحون بالموت قعصا، ويتسابّون بالموت على الفراش، ويقولون فيه: مات فلان حتف أنفه، وأوّل من قال ذلك رسول الله ﷺ .
ومدح أعرابىّ قوما فقال
يقتحمون الحرب كأنما ... يلقونها بنفوس أعدائهم
وقال عبد الله بن الزبير لما بلغه قتل أخيه مصعب: إن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفا ولكن قعصا بأطراف الرماح، وموتا تحت ظلال السيوف، وقال السموءل بن عادياء
وما مات منا سيّد في فراشه ... ولا ظلّ منا حيث كان قتيل
تسيل على حدّ الظّباة نفوسنا ... وليست على غير الظّباة تسيل
وقال أيضا آخر
وإنا لتستحلى المنايا نفوسنا ... ونترك أخرى مرّة ما نذوقها
стр. 1041
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه يوم صفّين، وقد قيل له: أتقائل أهل الشام بالغداة، وتظهر بالعشىّ في إزار ورداء؟ فقال: أبا لموت تخوّفوننى؟ فو الله ما أبالى، أسقطت على الموت، أم سقط الموت علىّ؛ وقال لابنه الحسن: لا تدعونّ أحدا الى المبارزة، وإن دعيت اليها فأجب، فانّ الداعى اليها باغ، وللباغى مصرع. وقال رضى الله عنه
بقية السيف أنمى عددا
يريد أن السيف اذا أسرع في أهل بيت كثر عددهم ونمى.
وقال ابن عباس رضى الله عنه: عقمت النساء أن تأتى بمثل علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، لعهدى به يوم صفّين، وعلى رأسه عمامة بيضاء، وهو يقف على شرذمة شرذمة من الناس، يحضّهم على القتال، حتى انتهى الىّ، وأنا في كنف من الناس، وفي أغيلمة من بنى عبد المطّلب، فقال: يا معشر المسلمين، تجلببوا السكينة، وكلّموا اللأمة، وأقلقوا السيوف في الأغماد، وكافحوا بالظّبا، وصلوا السيوف بالخطا، فإنكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله ﷺ ، عاودوا الكرّ، واستحيوا من الفرّ، فإنه عار في الأعقاب، ونار في الحساب، وطيبوا على الحياة أنفسا، وسيروا الى الموت سيرا سجحا «١» ، ودونكم هذا الرواق الأعظم، فاصبروا، فإن الشيطان راكب صعدته، قدّموا للوثبة رجلا، وأخّروا للنكوص أخرى، فصمدا صمدا، حتى يبلغ الحقّ أجله، والله معكم، ولن تترككم اعمالكم؛ ثم صدر عنا، وهو يقرأ (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) .
وكان معاوية بن أبى سفيان يتمثل يوم صفّين بهذه الأبيات
أبت لى شميتى وأبى بلائى ... وأخذى الحمد بالثمن الربيح
стр. 1042
وإقدامى على المكروه نفسى ... وضربى هامة البطل المشيج
وقولى كلّما جشأت لنفسى ... مكانك تحمدى أو تستريحى
لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمى بعد عن عرض صحيح
وقال قطرىّ بن الفجاءة أمير الخوارج
وقولى كلّما جشأت لنفسى ... من الأبطال ويحك لا تراعى
فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذى لك لم تطاعى
فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع
سبيل الموت غاية كلّ حىّ ... وداعيه لأهل الأرض داعى
وقال عبد الله بن رواحة الأنصارىّ
يا نفس إن لم تقتلى تموتى ... إن تسلمى اليوم فلا تفوتى
أو تبتلى فطالما عوفيت ... هذى حياض الموت قد صليت
وما تمنّيت فقد لقيت ... إن تفعلى فعلهما هديت
وإن تولّيت فقد شقيت
يريد بقوله
فإن تفعلى فعلهما هديت
فعل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبى طالب رضى الله عنهما؛ وكانا قتلا في ذلك اليوم بموته. وكان علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، يخرج كلّ يوم بصفّين حتى يقف بين الصفين وينشد
من أىّ يومىّ من الموت أفرّ ... يوم لا يقدر أم يوم قدر
فيوم لا يقدر لا أرهبه ... ثمّ من المقدور لا ينجو الحذر
стр. 1043
ومثله قول جرير من قصيدة أولها
هاج الفراق لقلبك المهتاج
منها
قل للجبان إذا تأخر سرجه ... ما أنت من شرك المنية ناجى
وقالت امرأة من عبد القيس
أبوا أن يفرّوا والقنا في نحورهم ... ولم يبتغوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
وقال حبيب بن أوس الطائىّ
فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر
وقد كان فوت الموت سهلا فردّه ... عليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر
غدا غدوة والحمد نسج ردائه ... فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهى من سندس خضر
وقال
قوم اذا لبسوا الحديد حسبتهم ... لم يحسبوا أن المنيّة تخلق
أنظر بحيث ترى السيوف لوامعا ... أبدا وفوق رءوسهم تتألّق
وقال الببغاء
يسعى الى الموت والقنا قصد ... وخيله بالرءوس تنتعل
كأنه واثق بأنّ له ... عمرا مقيما وما له أجل
وقال كعب بن مالك
نصل السيوف اذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها اذا لم تلحق
стр. 1044
ومثله لبعض بنى قيس بن ثعلبة
لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس؟ خالهم إياه يعنونا
إذا الكماة تنحّوا أن يصيبهم ... حدّ الظباة وصلناها بأيدينا
ومثله قول الآخر
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا الى أعدائنا فنقارب
ومثله قول ودّاك بن ثميل المازنىّ
مقاديم وصّالون في الرّوع خطوهم ... بكلّ رقيق الشّفرتين يمانى
اذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأىّ مكان
وقال أبو تمّام في سعة الخطو
خطو، ترى الصارم الهندىّ منتصرا ... به، من المازن الخطّىّ منتصفا
وقال آخر
كأنّ سيوفه صيغت عقودا ... تجول على الترائب والنحور
وسمر رماحه جعلت هموما ... فما يخطرن إلا في ضمير
وأجود ما قاله محدّث في الصبر قول ابن الرومىّ
أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب ... فكيف اذا ما لم يكن عنه مذهب؟
هناك يحقّ الصبر، والصبر واجب ... وما كان منه كالضرورة أوجب
فشدّ امرؤ بالصبر كفّا فإنه ... له عصمة، أسبابها لا تقضّب
هو المهرب المنجى لمن أحدقت به ... مكاره دهر ليس منهنّ مهرب
لبوس جمال جنّة من شماتة ... شفاء أسى يثنى به ويثوّب
стр. 1045
فيا عجبا للشىء هذى خلاله ... وتارك ما فيه من الحظ أعجب
وقد يتظّنى الناس أن أساهم ... وصبرهم فيهم طباع مركّب
فإنهما ليسا كشىء مصرّف ... يصرّفه ذو نكبة حين ينكب
فإن شاء أن يأسى أطاع له الأسى ... وإن شاء صبرا جاءه الصبر يجلب
وليسا كما ظنوهما بل كلاهما ... لكلّ لبيب مستطاع مسبّب
يصرّفه المختار منا فتارة ... يراد فيأتى، أو يزاد فيذهب
اذا احتجّ محتجّ على النفس لم تكد ... على قدر يمنى لها تتعتّب
وساعدها الصبر الجميل فأقبلت ... إليها له طوعا جنائب تجنب
وإن هو منّاها الأباطيل لم تزل ... تقاتل بالعتب القضاء وتغلب
فيضحى جزوعا إن أصابت مصيبة ... ويمسى هلوعا إن تعذّر مطلب
فلا يعذرنّ التارك الصبر نفسه ... بأن قيل: إن الصبر لا يتكسّب
ذكر ما قيل في وفور العقل
قال الله تعالى: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)
قال المفسرون: عبّر عن العقل بالقلب، لأنه محلّه وسكنه، وقال تعالى: (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)
، وقال تعالى: (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) .*
وقال تعالى: (هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) .
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أوّل ما خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال: وعزتى وجلالى، ما خلقت خلقا أكرم على منك، بك آخذ، وبك أعطى، وبك أثيب، وبك أعاقب» .
стр. 1046
وعنه ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى قسم العقل على ثلاثة أقسام، فمن كنّ فيه كمل عقله، ومن لم يكن فيه جزء منها، فلا عقل له» ، قيل: يا رسول الله، ما أجزاء العقل؟ قال: حسن المعرفة بالله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر على أمر الله» . وعنه ﷺ أنه قال: «ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدى صاحبه الى هدى، ويردّه عن ردّى، وما تمّ إيمان عبد ولا استقام دينه، حتى يكمل عقله» .
وعن عمر رضى الله عنه أنه قال لتميم الدارىّ: ما السؤدد فيكم؟ قال: العقل، قال: صدقت، سألت رسول الله ﷺ كما سألتك، فقال كما قلت، ثمّ قال: سألت جبريل ما السؤدد؟ فقال: العقل.
وعن عايشة رضى الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، بأى شىء يتفاضل الناس في الدنيا؟ قال: بالعقل، قلت: وفي الآخرة؟ قال بالعقل، قلت: أليس إنما يجزون بأعمالهم! فقال: «يا عايشة، وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله تعالى من العقل، فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم، وبقدر ما عملوا يجزون» .
وعن سعيد بن المسيّب: أن عمرو أبىّ بن كعب وأبا هريرة دخلوا على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، من أعلم الناس؟ قال: العاقل، قالوا:
فمن أعبد الناس؟ قال: العاقل، قالوا: فمن أفضل الناس؟ قال: العاقل، قالوا: أليس العاقل من طهرت مروءته، وظهرت فصاحته، وجادت كفّه، وعظمت منزلته؟ فقال ﵊: (وإن كلّ ذلك لمّا متاع الحياة الدّنيا والآخرة عند ربّك للمتّقين) إن العاقل هو التقىّ وإن كان في الدنيا خسيسا دنيا.
стр. 1047
وورد في الأثر: «أنّ الله تعالى أنزل على آدم ﵇ العقل والدين والحياء، فاختار العقل، فقيل للدين والحياء: ارتفعا، قالا: لا، قال: أفعصيتما أمر ربّكما؟
قالا: ما عصينا أمر ربّنا، ولكنّا أمرنا أن نتبع العقل حيث كان» .
وقال لقمان لابنه: إن غاية الشرف والسؤدد في الدنيا والآخرة، حسن العقل، لأن العبد إذا حسن عقله، غطّى ذلك عيوبه، وأصلح مساويه، ورضى عنه خالقه، وكفى بالمرء عقلا أن يسلم الناس من شرّه.
وقيل: مكتوب في حكمة آل داود ﵇: على العاقل أن يكون عالما بأهل زمانه، مالكا للسانه، مقبلا على شأنه.
وقال بعض الحكماء: كلّ شىء يعز اذا قلّ، والعقل كلّما كان أكثر كان أعز وأغلى، ولو بيع، لما اشتراه إلا العاقل لمعرفته بفضله، وأوّل شرف العقل أنه لا يشترى بالمال.
قال أبو عطاء السندىّ
فإن العقل ليس له اذا ما ... تذكّرت الفضائل من كفاء
وقالوا: العلم قائد، والعقل سائق، والنفس بينهما حرون، فاذا كان قائد بلا سائق هلكت، وان كان سائق بلا قائد أخذت يمينا وشمالا، فاذا اجتمعا أجابت طوعا أوكرها.
стр. 1048
ذكر ما قيل في حدّ العقل وماهيّته وما وصف به
وقد اختلف الحكماء، فى حد العقل، فقيل: حدّه الوقوف عند مقادير الأشياء قولا وفعلا، وقيل: النظر في العواقب، وقال المتكلمون: هو اسم لعلوم اذا حصلت للإنسان صحّ تكليفه. وقيل: العاقل من له رقيب على شهواته، وقيل:
هو من عقل نفسه عن المحارم، وقال عمرو بن العاص: أن يعرف خير الخيرين، وشرّ الشرين.
قال أبو هلال: ومن العجب أن العرب تمثّلت في جميع الخصال، بأقوام جعلوهم أعلاما فيها، فضربوا بها المثل اذا أرادوا المبالغة، فقالوا: أحلم من الأحنف، ومن قيس بن عاصم، وأجود من حاتم، ومن كعب بن مامة، وأشجع من بسطام، وأبين من سحبان، وأرمى من ابن تقن، وأعلم من دغفل، ولم يقولوا: أعقل من فلان، فلعلّهم لم يستكملوا عقل أحد، على حسب ما قال الأعرابىّ، وقد قيل له: حدّ لنا العقل، فقال: كيف أحدّه ولم أره كاملا في أحد قطّ.
وقيل لحكيم: ما جماع العقل؟ فقال: ما رأيته مجتمعا في أحد فأصفه، وما لا يوجد كاملا فلا حدّ له.
وقالوا: لكلّ شىء غاية وحدّ، والعقل لا غاية له ولا حدّ، ولكن الناس يتفاوتون فيه كتفاوت الأزهار في الرائحة والطّيب.
واختلفوا في ماهيّة العقل، كما اختلفوا في حدّه، فقال بعضهم: هو نور وضعه الله تعالى طبعا وغريزة في القلب، كالنور في العين وهو البصر، فالعقل نور في القلب، والبصر نور في العين، وهو ينقص ويزيد، ويذهب ويعود، وكما يدرك بالبصر شواهد
стр. 1049
الأمور، كذلك يدرك بالعقل كثير من المحجوب والمستور، وعمى القلب كعمى البصر، قال تعالى: (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) .
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليس الأعمى من عمى بصره، ولكن من عميت بصيرته» .
وقال عبد الله بن عمر بن معاوية عن عمر بن عتبة المعروف بالعتبىّ: العقل عقلان، عقل تفرّد الله تعالى بصنعه، وهو الأصل، وعقل يستفيده المرء بأدبه وهو الفرع، فاذا اجتمعا، قوّى كلّ واحد منهما صاحبه، تقوية النار في الظّلمة للبصر.
نظم بعض الشعراء هذا اللفظ فقال، ويروى لعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنه
رأيت العقل عقلان: ... فمطبوع ومسموع
ولا ينفع مسموع ... اذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع
وأكثر الناس على أنّ العقل في القلب، ودليله قوله عزوجلّ: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) .
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «العقل في القلب يفرق به بين الحقّ والباطل» .
وقال بعضهم: هو في الدماغ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.
وأما ما وصف به فقيل: العقل وزير رشيد، وظهير سعيد، من عصاه أرداه، ومن أطاعه أنجاه.
стр. 1050
وقال سعيد بن جبير: لم تر عيناى أجلّ من فضل عقل يتردّى به الرجل إن انكسر جبره، وإن تصدّع أنعشه، وإن ذلّ أعزّه، وإن أعوج أقامه، وإن عثر اقاله، وإن افتقر أغناه، وإن عرى كساه، وإن غوى أرشده، وإن خاف أمّنه، وإن حزن أفرحه، وإن تكلّم صدقه، وإن أقام بين أظهر قوم اغتبطوا به، وإن غاب عنهم أسفوا عليه، وإن بسط يده قالوا: جواد، وإن قبضها قالوا: مقتصد، وإن أشار قالوا: عالم، وإن صام قالوا: مجتهد، وإن أفطر قالوا: معذور.
قال بعض الشعراء
يعدّ رفيع القوم من كان عاقلا ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
وإن حلّ أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب
وقال بعض الحكماء: إذا غلب العقل الهوى، صرف المساوىء الى المحاسن، فجعل البلادة حلما، والحدّة ذكاء، والمكر فطنة، والهذر بلاغة، والعىّ صمتا، والعقوبة أدبا، والجبن حذرا، والإسراف جودا.
وقيل: لو صوّر العقل، لأضاء معه الليل، ولو صوّر الجهل، لأظلم معه النهار.
قال المتنبّى
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى الى شرف من الإنسان
وقد ندب الى صحبة العقلاء.
قال الزّهرىّ: اذا أنكرت عقلك، فاقدحه بعاقل. قال ابن زرارة: جالس العقلاء أعداء كانوا أم أصدقاء، فإنّ العقل يقع على العقل.
قال بعض الشعراء
عدوّك ذو العقل أبقى عليك ... وأبقى من الوامق الأحمق
стр. 1051
وقال آخر
لله درّ العقل من راشد ... وصاحب في اليسر والعسر
وحاكم يقضى على غائب ... قضيّة الشاهد للأمر
وإنّ شيئا بعض أحواله ... أن يفصل الخير من الشرّ
له قوّى، قد خصّه ربّه ... بخالص التقديس والطّهر
وقال آخر
إذا لم يكن للمرء عقل فإنه ... - وإن كان ذا قدر على الناس- هيّن
وإن كان ذا عقل أجلّ لعقله، ... وأفضل عقل عقل من يتبيّن
وقال آخر
العقل حلّة فخر من تسر بلها ... كانت له نشبا يغنى عن النّشب
وأفضل العقل ما في الناس كلّهم ... بالعقل ينجو الفتى من حومة العطب
وقال ابن دريد
وأفضل قسم الله للمرء عقله ... فليس من الخيرات شىء يقاربه
فزين الفتى في الناس صحّة عقله ... وإن كان محظورا عليه مكاسبه
ويزرى به في الناس قلّة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه
اذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه
وقال آخر
ما وهب الله لامرئ هبة ... أشرف من عقله ومن أدبه
هما جمال الفتى، فإن عدما ... فإنّ فقد الحياة أنفع به
стр. 1052
وقال آخر
ولم أر مثل الفقر أوضع للفتى ... ولم أر مثل المال أرفع للنّذل
ولم أر من عدم أضرّ على الفتى ... اذا عاش بين الناس من عدم العقل
ذكر ما قيل في الصدق
قال الله عزّوجلّ مبشّرا للصادقين: (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .
وقال رسول الله ﷺ : «تحرّوا الصدق، فإن الصدق يهدى الى البرّ، والبرّ يهدى الى الجنة، وإن المرء ليتحرّى الصدق، حتى يكتب صدّيقا» .
وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه قال: جاء رجل الى النبىّ ﷺ وقال: يا رسول الله، ما عمل أهل الجنّة؟ قال: الصدق، اذا صدق العبد برّ، واذا بر أمن، واذا أمن دخل الجنّة. قال: يا رسول الله ما عمل أهل النار؟
قال: الكذب، إذا كذب العبد فجر، واذا فجر كفر، واذا كفر دخل النار.
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ ، بم يعرف المؤمن؟ قال: بوقاره، ولين كلامه، وصدق حديثه. ومن كلام علىّ رضى الله عنه:
الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك.
وقال بعض الحكماء: الصدق أزين حلية، والمعروف أربح تجارة، والشكر أدوم نعمة. وقال بعضهم: رأيت أرسطا طاليس في المنام، فقلت: أىّ الكلام أحسن؟
стр. 1053
فقال: ما صدق قائله، قلت: ثمّ ماذا؟ قال: ما استحسنه سامعه، قلت: ثمّ ماذا؟
قال: كل كلام جاوز هذا فهو ونهيق الحمار بمنزله.
وقال الأحنف لابنه: يا بنىّ، يكفيك من شرف الصدق، أن الصادق يقبل قوله في عدوّه، ومن دناءة الكذب، أن الكاذب لا يقبل قوله في صديقه ولا عدوّه، لكلّ شىء حلية، وحلية المنطق الصدق يدل على اعتدال وزن العقل.
قال عامر بن الظّرب العدوانىّ في وصيّته: إنى وجدت صدق الحديث طرفا من الغيب فاصدقوا، من لزم الصدق وعوّده لسانه، فلا يكاد يتكلّم بشىء يظنّه، إلا جاء على ظنّه.
وقالوا: ما السيف الصارم، فى كفّ الشجاع، بأعزّ من الصدق.
وقيل: مرّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه، بعجوز تبيع اللبن، فقال لها: يا عجوز، لا تغشّى المسلمين، ولا تشوبى لبنك بالماء، قالت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم مرّ بها بعد ذلك، فقال يا عجوز، ألم أعهد إليك أن لا تشوبى لبنك بالماء؟ فقالت:
والله ما فعلت يا أمير المؤمنين، فتكلّمت بنت لها من داخل الخباء، فقالت: يا أمّاه، أغشّا وحنثا جمعت على نفسك؟ فسمعها عمر فأعجبته، فقال لولده: أيّكم يتزوّجها؟
فلعلّ الله أن يخرج منها نسمة طيّبة، فقال ابنه عاصم: أنا أتزوّجها يا أمير المؤمنين، فزوّجها منه، فأولدها أمّ عاصم، تزوّجها عبد العزيز بن مروان فأولدها عمر ابن عبد العزيز.
وروى أنّ بلالا لم يكذب منذ أسلم، فبلغ ذلك بعض من يحسده، فقال: اليوم أكذبه فسايره، فقال له: يا بلال ما سنّ فرسك؟ قال عظم، قال: فما جريه؟ قال:
стр. 1054
يحضر ما استطاع، قال: فأين تنزل؟ قال: حيث أضع قدمى، قال: ابن من أنت» قال ابن أبى وأمى، قال: فكم أتى عليك؟ قال: ليال وأيام، والله أعلم بعدها، قال: هيهات، أعيت فيك حيلتى، ما اتعب بعد اليوم أبدا.
ذكر ما قيل في الوفاء والمحافظة والأمانة
قال الله عزّوجلّ: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا)
. وقال تعالى:
(وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) .
وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها)
. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ) .*
وروى: أنّ رسول الله ﷺ قال لأبى بكر الصدّيق رضى الله عنه:
عليك بصدق الحديث، ووفاء العهد، وحفظ الأمانة، فإنها وصيّة الأنبياء.
كان أبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس، ختن «١» رسول الله ﷺ على ابنته زينب، تاجرا تضاربه قريش بأموالهم، فخرج الى الشام سنة الهجرة، فلما قدم، عرض له المسلمون، وأسروه، وأخذوا ما معه، وقدموا به المدينة ليلا، فلما وصلوا الفجر، قامت زينب على باب المسجد، فقالت:
يا رسول الله، قد أجرت أبا العاص وامعه، فقال رسول الله ﷺ :
قد أجرنا من أجرت ودفع اليه ما أخذوه منه، وعرض عليه الإسلام، فأبى، وخرج الى مكّة، ودعا قريشا، فأطعمهم، ثم دفع اليهم أموالهم، ثم قال: هل وفيت؟
قالوا: نعم، قد أدّيت الأمانة ووفيت، قال: اشهدوا جميعا، إنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وما منعنى أن أسلم إلا أن يقولوا: أخذ أموالنا، ثمّ هاجر، فأقرّه رسول الله ﷺ على النكاح، وتوفّى في سنة اثنتى عشرة.
стр. 1055
وقيل لمّا قوى أمر بنى العباس وظهر، قال مروان بن محمد لعبد الحميد بن يحيى كاتبه: إنّا نجد في الكتب، أن هذا الأمر زائل عنا لا محالة، وسيظهر اليك هؤلاء القوم، يعنى ولد العباس، فصر اليهم، فإنى لأرجو أن تتمكن منهم، فتنفعنى فى مخلفى، وفي كثير من أمورى، فقال: وكيف لى بعلم الناس جميعا أن هذا عن رأيك، وكلّهم يقول: إنى غدرت بك، وصرت الى عدوّك؟ وأنشد
أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لى بعذر يوسع الناس ظاهره
ثم قال
ولؤم ظاهر لا شكّ فيه ... للأئمة وعذرى بالمعيب
فلما سمع مروان ذلك، علم أنه لا يفعل، ثم قال له عبد الحميد: إن الذى أمرتنى به، لأنفع الأمرين لك، وأقبحهما بى، ولك علىّ الصبر معك، الى أن يفتح الله عليك، أو أقتل معك.
والعرب تضرب المثل في الوفاء بالسموءل بن عادياء الأزدىّ، وقيل: إنه من ولد الكاهن بن هارون بن عمران، وكان من خبره، أن امرأ القيس بن حجر، أودعه أدراعا مائة، فأتاه الحارث بن ظالم، ويقال الحارث بن أبى شمر الغسّانىّ، ليأخذها منه، فتحصّن منه السموءل، فأخذ ابنا له غلاما وناداه: إما أن أسلمت إلىّ الأدرع، وإما أن قتلت ابنك، فأبى أن يسلمها، فقتل ابنه بالسيف، ففى ذلك يقول
وفيت بأدرع الكندىّ، إنى ... اذا ما القوم قد غدروا وفيت
وأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدّم يا سموءل ما بنيت
следующие страницы →