Полный текст (13 172 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
شبّهه بالمجامع: لدخول الفراش في بطنه، وقوله: يعقد عقد الكلبة: فى عسر المفارقة، وإن فتحه غيرك جرّ نكبة عليك لسرقة ما فيه، ينام كالأمرد: لانكبابه، والقمدّ: الذكر وهو المفتاح، والجنين: الفراش، وإذا عاد إليه أشبه حرف الكاف.
وقال في اسم سعيد
يبسم عن أوّل اسمه حبّى ... ثم بثانى حروفه يسبى
ثم بحرفين لو بدا بهما ... أسدى يدا، صورة اسمها تنبى
أربعة نصفها كجملتها ... فى العدّ لم تنتقص ولم تربى
هذا وفيه اسم يوم اتّفقت ... مفاخر العجم فيه والعرب
فأعمل الفكر في تأمله ... واركب به كلّ مركب صعب
شبّه السين بالثغر، وثانيه العين وهى تسبى القلوب، والحرفان يد وهى أربعة في العدد وستّة في الصورة، وإذا أخذت السين والعين فهى أربعة وهى جملة العدد، وفيه عيد وهو يوم التفاخر بالزينة واللبوس.
وقال ابن أبى البغل الكاتب في القلم
اصمّ عن المنادى لا يجيب ... به تخبو وتشتعل الخطوب
ضئيل الجسم «أعلم» ليس تخفى ... عليه غيوب ما تخفى القلوب
تراه راجلا لا روح فيه ... ويحييه وينطقه الرّكوب
يبين لسانه مكنّ سودا ... معارفه ويخرسه المشيب
يقسّم في الورى بؤسى ونعمى ... ويحكم والقضاء له مجيب
عجبت لسطوة فيه وضعف ... وكلّ أموره عجب عجيب
أراد بقوله: أعلم: مشقوق الشّفة.
стр. 982
وقال أبو العلاء المعرّى في الملح
وبيضاء من سرّ الملاح ملكتها ... فلما قضت إربى حبوت بها صحبى
فباتوا بها مستمتعين ولم تزل ... تحثّهم بعد الطعام على الشّرب
قوله: سرّ أى خالصة، والملاح جمع ملح، والإرب: الحاجة.
وقال آخر في عودى الغناء والبخور
وما شيئان إسمهما سواء ... وأصلهما معا عند انتساب
إذا حضراك بتّ قرير عين ... بلا طعم يلذّ ولا شراب
وما أن يوجدان النفع إلّا ... بضرب أو بضرب من عذاب
معنى اسمهما سواء ظاهر، وأصلهما خشب، والضّرب الأول: ضرب العود، والثانى: من العذاب وهو الإحراق.
وقال آخر في الحرب
ما ذات شوك لها جناح ... يختطف الناس عن قريب
وهى عقيم ترى بنيها ... من بين مرد وبين شيب
يأكل بعض البنين بعضا ... طلوع شمس الى غروب
تصحيفها الداء غير شك ... قد يحسم الداء بالطبيب
والداء معكوسه مكان ... يصلح للطائر النجيب
يعرفها من يكون طبّا ... بالشعر والنحو والغريب
هذا لغز معمى في الحرب، وشوكها: السلاح، وجناحاها: جانباها، وعقيم:
لأنها لا تلد، وبنوها: رجالها. وأكلهم: قتلهم. وتصحيفها: الجرب، وعكسه:
برح.
стр. 983
وقال آخر في الثدى
وما أخوان مشتبهان جدّا ... كما اشتبه الغرابة والغراب
يضمّهما على مرّ الليالى ... وما اجتمعا ولا افترقا إهاب
لذاك وذا دموع هاملات ... ولكن كلّ دمعهما شراب
يصونهما عن الأبصار دين ... ويضرب دون نيلهما حجاب
هما: ثديا المرأة، ويضمّهما إهاب: وهو الجلد.
وقال آخر في الفخّ
وما ميّت كفّنته ودفنته ... فقام الى حىّ صحيح فأوثقه
وقال آخر وهو لغز
حلف الحبيب علىّ لا سمّيته ... فكنيته ولطفت خوف تغاضبه
ظبى! اذا ما زارنى حلّ اسمه ... قلبى وذلك من عجيب عجائبه
ويكون إن رحمته وخرمته ... وقلبته ما تشتهى من صاحبه
ويكون إن صحّفت مبدأه الذى ... أصبحت تهواه لعين مراقبه
وتراه بعد الجزم إن ميّزت في التصحيف ... مقلوبا أشدّ معائبه
وحروفها فالنصف منها جذرها ... وحساب ذلك غير متعب حاسبه
فاطلبه سادس سادس ثانيه ثا ... نيه وثالثه كذاك لطالبه
وتمامه من بعد مثل حروفه ... فى البيت صحّ اسم الحبيب لقالبه
стр. 984
هو لغز في فرحة، والترخيم: حذف الآخر، والخرم: حذف الأوّل؛ فاذا رخم وخرم وقلب بقى: حر، واذا قلبت الفاء قافا بقى: قرحة لعين المراقب، واذا صحفته مقلوبا، وجزمت آخره صار: هجر، والنصف من حروفه اثنان، وهما جذر جميع حروفه، وقوله: فاطلبه سادس سادس: يعنى البيت السادس.
وقال آخر في سلمى
سل ماهرا بالقريض والأدب ... ما اسم فتاة قعيدة النّسب
قد صرّح الشّعر باسمها فمتى ... فكّرت فيها ظفرت بالعجب
الاسم: سلمى، وهو ظاهر في أول البيت.
وقال آخر في الكرة
ومضروبة تحيا إذا ما ضربتها ... وإن تركت من شدّة الضرب ماتت
وقال أبو عبد الله بن المغلّس في السّراج
وداع الى نفسه في الظلام ... وما سمعت أذنه صوته
اذا هو بيّض وجه الطريق ... سوّد في وجهه بيته
وقال آخر في الصّدى
وساكن يسكن في الفلاة ... ليس من الوحش ولا النبات
ولا من الجنّ ولا لحيّات ... ولا الخيام الشعر والأبيات
ولا بذى جسم ولا حياة ... كلا! ولا يدرك بالصفات
بلى! له صوت من الأصوات ... يسمع في الأحيان والأوقات
стр. 985
وقال ابن المغلّس في النخلة
وقائمة أبدا لا تنام ... وما قعدت قطّ مذ قامت
تعيش إذا غسلوا رجلها ... وإن حلقوا رأسها ماتت
وقال آخر ما يقول سيدنا الشيخ: فى شىء نزل من السماء، وركض في الهواء، وخيّم في البيداء، نطق على نفسه فأفصح، وتكلّم فبيّن وأوضح، أفقر وأغنى، وأمات وأحيا، له شوارق من غير غضب، ورقصات على غير طرب، يسبق الفرس السريع، ويسبقه الطفل الرضيع، مختلف الألوان، يوجد في كلّ زمان، ما أكثر لغاته! وأعمّ في البشر ذكر صفاته! وهو خفيف ثقيل، كثير قليل، كبير صغير، طويل قصير، غال رخيص، قوىّ ضعيف، سريع بطىء، بارد حارّ، نافع ضارّ، أبيض أسود أزرق، قريب بعيد، قديم جديد، متحرّك ساكن، ظاهر باطن، يتجسّر ويتكسّر، ويتعوّج ويتدوّر، سلطانه في الشمال وبه يذلّ، وضعفه في الجنوب وبه يعزّ، نحيل يخفى جثّة الفيل في طيّه وعطفه. ويتخلّل جفن العين الرمدة برفقه ولطفه، يمشى على الحدق فلا يؤلمها، ويطأ القلوب فلا يكلمها، على أنّه يقطع الطريق، ويخيف الفريق، كم أهلك من قوم وما راق ولا سفك! يحمل ألف قنطار، ويعجز عن حمل دينار، وهو ليلىّ نهارىّ، عربىّ عجمىّ، برىّ بحرىّ، سهلىّ جبلىّ، رومىّ نوبىّ، هندىّ حبشىّ، صينىّ جاهلىّ إسلامىّ. كان مع آدم في الجنّة، وصحب نوحا في السفينة، وتوسّط النار مع إبراهيم، كم له مع موسى من خبر! ولموسى فيه من آية وأثر! حمل المسيح على غير ظهر، وما سر في برّ ولا بحر، أخرجه النبىّ ﷺ من جسده، وفرّقه على صحابته، إذا نطقت به كان بعض أحد خلفاء بنى العباس السبعة وهو ١٤٣١.
стр. 986
وقال آخر ما شىء وجهه قمر، وقلبه حجر إن علّقته ضاع، وإن أدخلته السّوق أبى أن يباع، وإن فككته دعا لك، وإن ركبت نصفه هالك، وربّما كثر أموالك، وإن حذفت آخره، وشدّدت ثانيه، أورثك الألم عند الفجر، والضجر عند العصر: هو الدّملج الفضة.
ومما يتصل بهذا الباب مسائل العويص
فمن ذلك: امرأتان التقتا برجلين قالتا لهما: مرحبا بابنينا وزوجينا وابنى زوجينا، وذلك أن كلّ واحد منهما تزوّج بأم الآخر فهما ابناهما وزوجاهما وابنا زوجيهما.
رجلان كلّ واحد منهما عمّ الآخر وابن أخيه، وذلك: أنّ كلّ واحد من أبويهما تزوّج بأم الآخر، فرزق كل واحد منهما ولدا فكل من الولدين عمّ الآخر وابن أخيه.
رجلان كل واحد منهما خال الآخر وابن أخته، وذلك: أنّ كلّ واحد من أبويهما تزوّج بابنة الآخر، فرزق كلّ واحد منهما ولدا فكلّ من ولديهما خال الآخر وابن أخته.
رجل وامرأتان هو خال أحديهما، وهى خالته وعمّ الأخرى، وهى عمّته، وذلك: أنّ جدّته أمّ أبيه تزوّجت بأخيه لأمّه وأخته لأبيه تزوّجت بأب أمّه، فولدتا بنتين فبنت أخته خالته وهو خالها، وبنت جدّته عمّته وهو عمّها، وهذا أصل الأبيات المنظومة في ذلك
ولى خالة وأنا خالها ... ولى عمّة وأنا عمّها
стр. 987
رجلان كلّ واحد منهما ابن خال الآخر وابن عمّته، وذلك: أنّ كل واحد من أبويهما تزوّج بأخت الآخر، فرزق كلّ منهما ولدا، فكل من ولديهما ابن خال الآخر وابن عمّته.
رجلان كلّ واحد منهما عمّ والد الآخر، وذلك: أنّ كلّ واحد من أبويهما تزوّج بأم أب الآخر، فكلّ من أولادهما عمّ أب الآخر.
رجلان كلّ واحد منهما عمّ أمّ الآخر، وذلك: أنّ كلّ واحد من أبويهما تزوّج بابنة ابن الآخر، فكلّ من أولادهما خال أمّ الآخر.
رجلان كل واحد منهما خال أمّ الآخر، وذلك: أن كلّ واحد من أبويهما تروّج بابنة بنت الآخر، فكلّ من أولادهما خال أمّ الآخر.
رجلان احدهما عمّ الآخر والآخر خاله، وذلك: أن رجلين تزوّج أحدهما امرأة وتزوّج الآخر ابنة ابنها، فولد لكل منهما ولد فابن الأب عمّ ابن الابن، وابن الابن من أمّ امرأة الأب؛ هو أخوها وخال ابنها.
رجلان أحدهما عمّ الآخر وخاله، والآخر ابن أخيه وابن أخته، وذلك: أن رجلا له أخ لأب وأخت لأمّ فزوّج أخاه لأبيه بأخته لأمّه فأولدها ولدا فهما كذلك.
стр. 988
القسم الثالث من الفنّ الثانى فى المدح، والهجو، والمجون، والفكاهات، والملح، والخمر، والمعاقرة، والنّدمان، والقيان، ووصف آلات الطّرب
وفيه خمسة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم فى المدح ،
وفيه ثلاثة عشر فصلا حقيقة المدح وما قيل فيه، ما قيل في الجود والكرم وأخبار الكرام، ما قيل في الإعطاء قبل السؤال، ما قيل في الشجاعة والصبر والإقدام، ما قيل في وفور العقل، ما قيل فى الصّدق، ما قيل في الوفاء والمحافظة، ما قيل في التواضع، ما قيل في القناعة والنّزاهة ما قيل في الشكر والثناء، ما قيل في الوعد والإنجاز، ما قيل في الشفاعة، ما قيل فى الاعتذار والاستعطاف.
فأمّا حقيقية المدح ،
فقد عبّر عنها الحمدونىّ في «غاية الاختصار والإيجاز» بقوله:
حقيقة المدح: وصف الموصوف بأخلاق يحمد صاحبها عليها، ويكون نعتا حميدا.
قال الله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ)
وقال عزّوجلّ: (التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ
стр. 989
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)
وروى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «أصحابى كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» وقد أوّلوا الخبر المروىّ عن رسول الله ﷺ «اذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب» قال العتبىّ هو المدح الباطل والكذب.
وأمّا مدح الرجل بما هو فيه فلا بأس به، وممّا يعضد هذا أنّ العبّاس بن عبد المطّلب وكعب بن زهير، وحسّان بن ثابت، وغيرهم؛ مدحوا رسول الله ﷺ فلم يرد أنه حثا في وجه أحد منهم ترابا.
وقيل في حثو التراب معنيان: أحدهما التغليظ في الردّ عليه، والثانى يقال له:
بفئك التراب.
وللشعراء عادة في تجاوز قدر الممدوح فوق ما يستحقّه حتى إنّ ذلك أفضى بكثير منهم الى الكفر والخروج عن الحدّ أعاذنا الله من ذلك؛ وقال أنو شروان: من أثنى عليك بما لم توله فغير بعيد أن يذمّك بما لم تحبّه. وقال وهب بن منبّه: من مدحك بما ليس فيك، فلا تأمن أن يذمّك بما ليس فيك.
وأنشد عمر بن الخطاب رضى الله عنه قول زهير بن أبى سلمى في هرم بن سنان
دع ذا! وعدّ القول في هرم ... خير الكهول وسيّد الحضر
لو كنت من شىء سوى بشر ... كنت المنوّر ليلة القدر
ولأنت أوصل من سمعت به ... لنوائل الأرحام والصّهر
ولنعم حشو الدّرع أنت اذا ... دعيت نزال ولجّ في الذّعر
فقال عمر رضى الله عنه: ذلك رسول الله ﷺ .
стр. 990
ولما حضر أبا بكر الصدّيق رضى الله عنه الوفاة؛ قالت عائشة رضى الله عنها وهو يغمض
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فنظر اليها وقال: ذاك رسول الله ﷺ .
وقال آخر
ولو كنت أرضا كنت ميثاء سهلة ... ولو كنت ليلا كنت صاحبة البدر
ولو كنت ماء كنت ماء غمامة ... ولو كنت يوما كنت تعريسة الفجر
وقال محمّد بن هانئ
أغير الذى قد خطّ في اللوح أبتغى ... مديحا له إنّى إذا لعنود
وما يستوى وحى من الله منزل ... وقافية في الغابرين شرود
وقال عمر بن الخطّاب رضى الله عنه لمتمّم بن نويرة صف لى أخاك فإنى أراك تمدحه، فقال: كان أخى يحبس المزاد بين الصّوحين في الليلة القرّة معتقلا للرمح الخطل، عليه الشّملة القلوب، يقود الفرس الحرون فيصيح ضاحكا مستبشرا:
الخطل: الطويل المضطرب، والقلوب: التى لا تنضمّ على الرّحل لقصرها.
وسأل عبد الله بن عباس صعصعة بن صوحان العبدىّ عن إخوته فقال: أما زيد فكما قال أخو عبس
فتى لا يبالى أن يكون بوجهه ... إذا نال خلّان الكرام شحوب
ثم قال: كان والله يا ابن عباس، عظيم المروءة، شريف الأبوّة، جليل القدر، بعيد الشرّ، كميش العروة، زين النّدوة، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الفكر،
стр. 991
ذاكرا لله تعالى في طرفى النّهار وزلفا من الليل، الجوع والشّبع عنده سيّان، لا منافس فى الدنيا، ولا غافل عن الآخرة، يطيل السكوت، ويديم الفكر، ويكثر الاعتبار، ويقول الحق، ويلهج الصدق، ليس في قلبه غير ربه، ولا يهمه غير نفسه، فقال ابن عبّاس: ما ظنّك برجل سبقه عضو منه الى الجنّة؟ رحم الله زيدا! فأين كان عبد الله منه؟ فقال: كان عبد الله سيّدا شجاعا، شيخا مطاعا، خيره وساع، وشره دفاع. ليّن النحيزة، أحوذىّ الغريزة، لا ينهنه منهنه عمّا أراد، ولا يركب إلّا ما اعتاد، سمام العدى، فيّاض النّدى، صعب المقادة، جزل الرّفادة. أخو إخوان، وفتى فتيان، ثم أنشد شعر حسّان بن ثابت
اذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا يرى بينها فصلا
قضى فشفى ما في النّفوس فلم يدع ... لذى إربة في القوم جدّا ولا هزلا
ودخل ضرار بن ضمرة الكنانىّ على معاوية بن أبى سفيان فقال له: صف لى عليّا فقال له: أو تعفينى؟ فقال: لا أعفيك؟ قال: أما إذ لا بدّ، فإنّه كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّيه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللّباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منا لا نكلّمه هيبة له، فان تبسّم فعن مثل لؤلؤ منظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوىّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.
стр. 992
وذكر عمرو بن معديكرب بنى سليم فقال: بارك الله على حىّ بنى سليم ما أصدق فى الهيجاء لقاءها! وأثبت في النوازل بلاءها! وأجزل في النائبات عطاءها! والله لقد قابلتهم فما أجبتهم، وهاجيتهم فما أفحمتهم، وسألتهم فما أبخلتهم.
وقال بعض العرب: فلان حتف الأقران غداة النزال، وربيع الضّيفان عشيّة النزول.
وقال آخر: فلان ليث اذا غدا، وبدر اذا بدا، ونجم اذا هدى. وسمّ إذا أردى.
ودخل على النّعمان بن المنذر بن امرىء القيس ابن عمرو بن عدىّ اللّخمىّ فحيّاه بتحيّة الملوك ثم قال: أيفاخرك ذو فائش وأنت سائس العرب، وعروة الحسب والأدب، لأمسك أيمن من يومه! ولعبدك أكرم من قومه، ولقفاك أحسن من وجهه، وليسارك أجود من يمينه، ولظنّك أصدق من يقينه ولوعدك أثلج من رفده، ولخالك أشرف من جدّه، ولنفسك أمنع من جنده، وليومك أزهر من دهره، ولفترك أبسط من شبره، ثم قال
أخلاق مجدك جلّت ما لها خطر ... فى البأس والجود بين الحلم والخفر
متوّج بالمعالى فوق مفرقه ... وفي الوغى ضيغم في صورة القمر
اذا دجا الخطب جلاه بصارمه ... كما يجلّى زمان المحل بالمطر
فتهلّل وجه النعمان سرورا، ثم أمر أن يحشى فوه درّا وكسى أثواب الرضى وكانت حباب أطواقها الذهب بقصب الزمرد. ثم قال النّعمان: هكذا فليمدح الملوك.
وذو فائش: هو سلامة بن يزيد بن سلامة من ولد يحصب بن مالك وكان النابغة
стр. 993
متّضلا به قبل اتصاله بالنّعمان، وله فيه مدائح كثيرة فاقتص الله تعالى من النّعمان ابن المنذر بعد ذلك لما حكى أنه دخل حسان بن ثابت على الجفنىّ فقال: انعم صباحا أيها الملك! السماء غطاؤك، والأرض وطاؤك، ووالدى ووالدتى فداؤك، أنّى ينافسك ابن المنذر؟ فو الله لقذالك أحسن من وجهه، ولأمّك خير من أبيه، ولظلك خير من شخصه، ولصمتك أبلغ من كلامه، ولشمالك خير من يمينه، ثم قال
قذالك أحسن من وجهه ... وأمّك خير من المنذر
ويسرى يديك اذا أعسرت ... كيمنى يديه فلا تمترى
أخذ المعنى الحسن بن هانئ فقال
بأبى أنت من غزال غرير ... بذّ حسن الوجوه حسن قفاكا
ونظر بعض الشعراء الى هذا المعنى فقال يمدح زبيدة ابنة جعفر بن أبى جعفر المنصور أم الأمين
أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطى الأكفّ من الرّغاب
فلما أنشد ذلك تبادر العبيد ليوقعوا به فقالت زبيدة: كفّوا عنه فلم يرد إلّا خيرا، ومن أراد خيرا فأخطأ خير ممّن أراد شرا فأصاب، إنّه سمع الناس يقولون: قفاك أحسن من وجه غيرك، وشمالك أندى من يمين سواك، فقدّر أن هذا مثل ذاك، أعطوه ما أمل، وعرّفوه ما جهل؛ ومثله: مدح شاعر أميرا فقال
أنت الهمام ابن الهما ... م الواسع ابن الواسعه
فقال له: من أين عرفتها؟ قال: قد جرّبتها فقال: أسوأ من شعرك، ما أتيت به من عذرك!
стр. 994
قال دخل خالد بن عبد الله العنبرىّ على عمر بن عبد العزيز لمّا ولى الخلافة فقال: يا أمير المؤمنين من تكن الخلافة قد زانته فأنت قد زيّنتها، ومن يكن شرّفته فقد شرّفتها، وأنت كما قال الشاعر
وإذا الدّر زان حسن وجوه ... كان للدّر حسن وجهك زينا
فقال عمر بن عبد العزيز: أعطى صاحبكم مقولا، ولم يعط معقولا. ولمّا دخل عبد الله المأمون بغداد تلقّاه وجوه أهلها فقال له رجل منهم: يا أمير المؤمنين! بارك الله لنا في مقدمك، وزادك في نعمتك، وشكرك على رعيّتك، تقدّمت من قبلك، وأتعبت من بعدك، وأيأست أن نعاين مثلك، أمّا فيمن مضى فلا نعرفه، وأمّا فيمن بقى فلا نرجوه، فنحن جميعا ندعولك، ونثنى عليك. خصب لنا جنابك، وعذب شرابك، وحسنت نصرتك، وكرمت مقدرتك. جبرت الفقير، وفككت الأسير، فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الشاعر
ما زلت في البذل للنوال وإط ... لاق لعان بجرمه علق
حتى تمنّى البراء أنّهم ... عندك أمسوا في القدّ والحلق
وقال رجل للحسن بن سهل: لقد صرت لا أستكثر كثيرك، وإن قليلك أكثر من كثير غيرك. وقال الرشيد لبعض الشعراء: هل أحدثت فينا شيئا؟ قال:
يا أمير المؤمنين! المديح كلّه دون قدرك، والشّعر فيك فوق قدرى. ولكنى أستحسن قول العتّابى
ماذا عسى مادح يثنى عليك وقد ... ناداك في الوحى تقديس وتطهير
فتّ الممادح إلا أن ألسننا ... مستنطقات بما تخفى الضمائير!
стр. 995
وقال رجل في خالد بن صفوان: قريع المنطق، جزل الألفاظ، عربىّ اللسان، قليل الحركات، حسن الإشارات، حلو الشمائل، كثير الطلاوة، صموتا قؤولا، يهنأ الجرب، ويداوى الدبر، ويفك المحزّ، ويطبق المفصل، لم يكن بالزمر في مروءته، ولا بالهذر في منطقه، متبوعا غير تابع، كأنّه علم في رأسه نار.
وقيل لبعض الخلفاء: إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ليستعدّ به؛ فلو أمرت به ان يصعد المنبر فجاءة لافتضح، قال: فأمر من أخذ بيده فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبىّ ﷺ ثم قال: إن لأمير المؤمنين أشباها أربعة؛ فمنها: الأسد الخادر، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر؛ فأما الأسد الخادر، فأشبه منه صولته ومضاؤه. وأما البحر الزاخر، فأشبه منه جوده وعطاؤه. وأمّا القمر الباهر، فأشبه منه نوره وضياؤه. وأما الربيع الناضر، فأشبه منه حسنه وبهاؤه، ثم نزل.
وقيل دخل رجل على المنصور فقال له تكلّم بحاجتك؛ فقال: يبقيك الله تعالى يا أمير المؤمنين! قال: تكلّم بحاجتك؛ فإنّك لا تقدر على مثل هذا المقام في كلّ حين. قال: والله يا أمير المؤمنين! ما أستقصر أجلك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك، وإن عطاءك لشرف، وإنّ سؤالك لزين، وما بامرىء بذل اليك وجهه نقص ولا شين، فأحسن جائزته وأكرمه.
وقال محمد بن مالك القرطبىّ من رسالة: ما رأيت وجها أسمح، ولا حلما أرجح، ولا سجيّة أسمح، ولا بشرا أبدى، ولا كفّا أندى، ولا غرّة أجمل، ولا فضيلة أكمل،
стр. 996
ولا خلقا أصفى، ولا وعدا أوفى، ولا ثوبا أطهر، ولا سمتا أوفر، ولا أصلا أطيب، ولا رأيا أصوب، ولا لفظا أعذب، ولا عرضا أنقى، ولا بناء أبقى، ممّا خصّ الله به ثالث القمرين، وسراج الخافقين، وعماد الثّقلين المعتصم بالله.
وقال بعض الكتّاب: إنّ من النعمة على المثنى عليك أن لا يخاف الإفراط، ولا يأمن التقصير، ولا يحذر أن يلحقه نقيصة الكذب، ولا ينتهى به المدح الى غاية، إلا وجد في فضلك عونا على تجاوزها. ومن سعادة جدّك أنّ الداعى لك لا يعدم كثرة المشايعين له، والمؤمنين معه.
وقال آخر: إنى فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر الذى لا يخفى على كلّ ناظر، وأيقنت أنى حيث انتهى بى القول الى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن الثناء عليك الى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك الى علم الناس بك.
وقال أبو عبد الله محمد بن الخباط من رقعة طويلة في المظفّر في أوّلها: حجب الله عن الحاجب المظفّر أعين النائبات، وقبض دونه أيدى الحادثات؛ فإنه مذ كان أنور من الشمس ضياء، وأكمل من البدر بهاء، وأندى من الغيث كفّا، وأحمى من الليث أنفا، وأسخى من البحر بنا، وأمضى من النصل لسانا، وأنجبه المنصور فجرى على سننه، وأدّب فأخذ بسننه، وكانت الرياسة عليه موقوفة، والسياسة اليه مصروفة، قصرت الأوهام عن كنه فضله، وعجزت الأقلام عن وصف مثله، غير أن الفضائل لا بدّ من نشرها، والمكارم لا عذر في ترك شكرها.
فهذه نبذة كافية مما ورد في المنثور فلنذكر ما ورد من المنظوم في ذلك.
стр. 997
قال أبو هلال العسكرىّ: سمعت أبا أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد يقول:
امدح بيت قالته العرب قول النابغة الذبيانىّ يمدح النّعمان بن المنذر
ألم تر أن الله أعطاك سورة؟ ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
بأنك شمس والملوك كواكب ... اذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وهو مأخوذ من قول بعض شعراء كندة مدح عمرو بن هند
تكاد تميد الأرض بالناس أن رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب
هو الشمس وافت يوم سعد فأفضلت ... على كلّ ضوء والملوك كواكب
وقال نصيب
هو البدر والناس الكواكب حوله ... وهل يشبه البدر المضىء كواكب
وقالوا: أبدع بيت قيل في المديح قول النابغة
فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقوله: «أخلاق مجدك» - الأبيات وقد تقدمت- وقد تداول الناس قول النابغة
فإنك كالليل الذى هو مدركى
فقال الفرزدق
فلو حملتنى الريح ثم طلبتنى ... لكنت كشىء أدركته مقادره
وقول النابغة أبلغ، لأن الليل أعمّ من الريح، والريح يمتنع منها بأشياء، والليل لا يمتنع منه بشىء. وأخذ سلم الخاسر قول الفرزدق فقال
فأنت كالدهر مبثوثا حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفه ... فى كلّ ناحية ما فاتك الطلب
стр. 998
وقالوا: أجود شىء قيل في الحسن مع الشجاعة من شعر المتقدّمين والمحدّثين قول أبى العتاهية يمدح الرشيد بن المهدىّ وولده
بنو المصطفى! هارون حول سريره ... فخير قيام حوله وقعود
تقلّب ألحاظ المهابة بينهم ... عيون ظباء في قلوب أسود
وقالوا: أمدح بيت قالته العرب قول أبى الطّمحان القينى
أضاءت لهم أحسابهم ووجوهم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
نجوم سماء كلّما انقضّ كوكب ... بدا كوكب يأوى اليه كواكبه
وما زال منهم حيث كان مسوّد ... تسير المنايا حيث سارت كتائبه
وهذه الأبيات من قصيدة مدح بها بجير بن أوس بن حارثة، ابن لأم الطائى، وكان أسيرا في يده، فلما مدحه بها أطلقه بعد أن جزّ ناصيته؛ وأوّل القصيدة
اذا قيل: أىّ الناس خير قبيلة؟ ... وأصبر يوما لا توارى كواكبه؛
فإنّ بنى لأم بن عمرو أرومة ... علت فوق صعب لا تنال مراتبه!
أضاءت لهم أحسابهم الأبيات.
ومثله قول ابن أبى السّمط
فتى لا يبالى المدلجون بنوره ... الى بابه أن لا تضىء الكواكب
له حاجب من كلّ أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب
ومثله قول الحطيئة
نمشى على ضوء أحساب أضأن لنا ... كما أضاءت نجوم الليل للسارى
ومثله قول الآخر
وجوه، لو انّ المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى يرى الليل ينجلى
стр. 999
وقال عيسى بن أوس يمدح الجنيد بن عبد الرحمن
الى مستنير الوجه طال بسؤدد ... تقاصر عنه الشاهق المتطاول
مدحتك بالحق الذى أنت أهله ... ومن مدح الأقوام حقّ وباطل
يعيش الندى مادمت حيّا فإن تمت ... فليس لحىّ بعد موتك طائل
وما لامرىء عندى مخيلة نعمة ... سواك وقد جادت علىّ مخائل
وقالوا: أمدح بيت قالته العرب قول الأعشى
فتى، لو ينادى الشمس ألقت قناعها ... أو القمر السارى لألقى المقالدا
وهذا من الغلو وهو مذموم عند بعضهم.
ومثله في الغلوّ قول طريح بن إسماعيل
لو قلت للسيل: دع طريقك وال ... موج عليه كالهضب يعتلج
لارتدّ أو ساخ أو لكان له ... فى جانب الأرض عنك منعرج
ومن الغلوّ قول أبى تمّام في المعتصم بالله
بيمن أبى إسحاق طالت يد العلى ... وقامت قناة الدين واشتدّ كاهله
هو البحر من أىّ النواحى أتيته ... فلجّته المعروف والجود ساحله
تعوّد بسط الكفّ حتى لو انه ... أراد انقباضا لم تطعه أنامله
ولو لم يكن في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله
وقال العسكرىّ
وكيف يبيت الجار منك على صدى؟ ... وكفّك بحر لجّة الجود ساحله
стр. 1000
وقال أبو هلال العسكرىّ يرفعه الى الأصمعىّ قال: سمعت أعرابيّا يقول: إنكم معاشر أهل الحضر، لتخطئون المعنى، إنّ أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول:
كأنه الأسد، ويصف المرأة بالحسن فيقول: كأنها الشمس، ولم لا تجعلون هذه الأشياء بهم أشبه؟ ثم قال: والله لأنشدنّك شعرا يكون لك إماما. ثم أنشدنى
اذا سألت الورى عن كلّ مكرمة ... لم تلف نسبتها إلا الى الهول
فتى حوادا أعار النّيل نائله ... فالنّيل يشكر منه كثرة النّيل
والموت يرهب أن يلقى منيّته ... فى شدّة عند لفّ الخيل بالخيل
لو عارض الشمس ألفى الشمس مظلمة ... أو زاحم الصّمّ ألجاها الى الميل
أو بارز الليل غطّته قوادمه ... دون الخوافى كمثل الليل في الليل
أمضى من النجم إن نابته نائبة ... وعند أعدائه أجرى من السيل
ومثله قول الآخر
علّم الغيث الندى حتى اذا ... ما حكاه علّم البأس الأسد
فله الغيث مقرّ بالندى ... وله الليث مقرّ بالجلد
وقال اميّة بن أبى الصلت في عبد الله بن جدعان
أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك؟ إن شيمتك الحياء
كريم لا يغيّره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء
فأرضك أرض مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لها سماء
ونحوه قوله
لكل قبيلة شرف وعزّ ... وأنت الرأس تقدم كلّ هاد
стр. 1001
وقال ابن الرومىّ
قوم يحلّون من مجد ومن شرف ... ومن غناء محلّ البيض واليلب
حلّوا محلّهما من كلّ جمجمة ... نفعا ودفعا وإطلالا على الرتب
قوم هم الرأس إذ حسّادهم ذنب ... ومن يمثّل بين الرأس والذنب
وقال أبو هلال العسكرىّ
فابشر فإنك رأس والعلى جسد ... والمجد وجه وأنت السمع والبصر
لولاك لم تك للأيّام منقبة ... تسمو اليها ولا للدهر مفتخر
وقال علىّ بن جبلة
لولا أبو دلف لم تحى عارفة ... ولم ينؤ نوء مأمول بآمال
يابن الأكارم من عدنان، قد علموا ... وتالد المجد بين العمّ والخال
وناقل الناس من عدم الى جدة ... وصارف الدهر من حال الى حال
أنت الذى تنزل الأيّام منزلها ... وتمسك الأرض عن خسف وزلزال
وما مددت مدى طرف الى أحد ... إلا قضيت بآمال وآجال
تزورّ سخطا فتمسى البيض راضية ... وتستهلّ فتبكى أوجه المال
وقالوا: أمدح بيت قالته العرب قول زهير
تراه اذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذى أنت سائله
وعاب بعضهم هذا البيت وقال: جعل الممدوح يفرح بغرض يناله، وليس هذا صفة كبير الهمة، والجيّد قول أبى نوفل عمرو بن محمد الثقفىّ
ولئن فرحت بما ينيلك إنه ... لبما ينيلك من نداه أفرح
ما زال يعطى ناطقا أو ساكتا ... حتى ظننت أبا عقيل يمزح
стр. 1002
ومثله قول أبى تمّام
أسائل نصر لا تسله فإنّه ... أحنّ الى الإرفاد منك الى الرّفد
وقالوا: أمدح بيت قالته العرب قول الحطيئة
متى تأته تعشو الى ضوء ... تجد خير نار عندها خير موقد
وقال القاسم بن حنبل
من البيض الوجوه بنى سنان ... لو انك تستضىء بهم أضاءوا
لهم شمس النهار اذا استقلّت ... ونور لا يغيّبه العماء
هم حلّوا من الشرف المعلّى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا
فلو أنّ السماء دنت لمجد ... ومكرمة دنت لهم السماء
وقالوا أيضا: أمدح بيت قيل قول الأوّل أيضا
قوم، سنان أبوهم حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بعزّهم أو مجدهم قعدوا
محسّدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله عنهم ما له حسدوا
وقالوا: أمدح بيت قاله محدّث، قول مروان بن أبى حفصة في معن ابن زائدة
بنو مطر يوم اللقاء كأنّهم ... أسود لها في غيل خفّان أشبل
هم المانعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السّماكين منزل
بها ليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأوّلهم في الجاهليّة أوّل
هم القوم، إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
стр. 1003
وقال العسكرىّ: وأنشد بعض أهل الأدب قول ابن أبى طاهر وقال: لو استعمل الإنصاف لكان هذا أحسن مدح قاله متقدّم ومتأخّر وهو
إذا أبو أحمد جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن أضأت لنا أنوار غرّته ... تضاءل النيران: الشمس والقمر
وإن مضى رأيه أو جدّ عزمته ... تأخّر الماضيان: السيف والقدر
من لم يكن حذرا من حدّ صولته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
حلو، اذا أنت لم تبعث مرارته ... فإن أمرّ فحلو عنده الصّبر
سهل الخلائق إلا أنه خشن ... لين المهزة إلا أنه حجر
لا حيّة ذكر في مثل صولته ... إن صال يوما ولا الصّمصامة الذكر
اذا الرجال طغت آراؤهم وعموا ... بالأمر ردّ اليه الرأىّ والنظر
الجود منه عيان لا ارتياب به ... إذ جود كلّ جواد عنده خبر
وقال: ومن المديح القليل النظير، قول علىّ بن محمد الأفوه
أوفوا من المجد والعلياء في قلل ... شمّ، قواعدهنّ البأس والجود
سبط اللقاء اذا شيمت مخائلهم ... بسل اللقاء اذا صيد الصناديد
محسّدون، ومن يعلق بحبلهم ... من البريّة يصبح وهو محسود
وقالوا: أمدح بيت قاله محدّث قول علىّ بن جبلة في أبى دلف
إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومختضره
فاذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدّنيا على أثره
وهى من القصائد المشهورة، وأولها ... ذاد ورد الغىّ عن صدره
وارعوى، واللهو من وطره
стр. 1004
جاء منها في مدحه
يا دواء الأرض إن فسدت ... ومجير اليسر من عسره
كلّ من في الأرض من عرب ... بين باديه الى حضره
مستعير منه مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره
إنما الدنيا أبو دلف ... ............... ....
قال العسكرىّ: ومن المديح البارع قول بشار
ألا أيها الطالب المبتغى ... نجوم السماء بسعى أمم
سمعت بمكرمة ابن العلاء ... فأنشأت تطلبها لست ثم
اذا عرض الهمّ في صدره ... لها بالعطاء، وضرب البهم
فقل للخليفة إن ... نصيحا ولا خير في المتّهم
اذا أيقظتك جسام الأمور ... فنبّه لها عمرا ثمّ نم
فتى، لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم
يحبّ العطاء وسفك الدماء ... فيغدو على نعم أو نقم
قال ومن المديح القليل النظير: قول أمامة بنت الجلّاح الكلبيّة
اذا شئت أن تلقى فتى لو وزنته ... بكلّ معدّىّ وكلّ يمانى
وفي بهم جودا وحلما وسؤددا ... وباسا، فهذا الأسود بن قنان
فتى، كالفتاة البكر، يسفر وجهه ... كأن تلالى وجهه القمران
أغرّ أبرّ ابنى نزار ويعرب ... وأوثقهم عقدا بقول لسان
وأوفاهم عهدا وأطولهم يدا ... وأعلاهم فعلا بكلّ مكان.
стр. 1005
وأضربهم بالسيف من دون جاره ... وأطعنهم من دونه بسنان
كأنّ العطايا والمنايا بكفه ... سحابان مقرونان مؤتلفان
ومن المديح البارع قول أبى تمّام
رأيت لعيّاش خلائق لم تكن ... لتكمل إلّا في اللباب المهذّب
له كرم لو كان في الماء لم يغض ... وفي البرق ما شام امرؤ برق خلّب
أخو عزمات بذله بذل محسن ... الينا ولكن عذره عذر مذنب
يهولك أن تلقاه في صدر محفل ... وفي نحر أعداء وفي قلب موكب
وما ضيق أقطار البلاد أضافنى ... اليك ولكن مذهبى فيك مذهبى
وهذى بنات المدح فاجرر ذيولها ... عليك وهذا مركب الحمد فاركب
وقد أحسن التّنوخىّ في قوله
وفتية من حمير حمر الظّبى ... بيض العطايا حين يسودّ الأمل
شموس مجد في سموات على ... وأسد موت بين غابات أسل
وقالت الخنساء في أخيها صخر
طويل النجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته أمردا
اذا القوم مدّوا بأيديهم ... الى المجد مدّ اليه يدا
فنال الذى فوق أيديهم ... من المجد ثم مضى مصعدا
فكلّفه القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
ترى الحمد يهوى الى بيته ... يرى أفضل الكسب أن يحمدا
стр. 1006
قال آخر
ومصعد هضبات المجد يطلعها ... كأنه لسكون الجأش منحدر
مازال يسبق حتى قال حاسده ... له طريق الى العلياء مختصر
وقال إبراهيم بن العبّاس
تلج السنون بيوتهم وترى لها ... عن بيت جارهم ازورار مناكب
وتراهم بسيوفهم وشفارهم ... مستشرفين لراغب أو راهب
حامين أو قارين حيث لقيتهم ... نهب العفاة ونزهة للراغب
وقال أيضا
اذا السّنة الشّهباء مدّت سماءها ... مددت سماء دونها فتحلّت
وعادت بك الريح العقيم لدى القرى ... لقاحا فدرّت عن نداك وطلّت
وقال ابن الرومىّ
كأن مواهبه في المحو ... ل آراؤه عند ضيق الحيل
فلو كان غيثا لعمّ البلاد ... ولو كان سيفا لكان الأجل
ولو كان يعطى على قدره ... لأغنى النفوس وأفنى الأمل
وقال أبو الحسن بن أبى البغل البغدادىّ يمدح أبا القاسم بن وهب وقد تقدّم ذكر بعضها لابن أبى طاهر
اذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرّته ... تضاءل النّيّران: الشّمس والقمر
وإن بدا رأيه أو جدّ عزمته ... تأخر المأضيان: السيف والقدر
стр. 1007
ينال بالظنّ ما كان اليقين به ... والشاهدان عليه العين والأثر
كأنّه وزمام الدهر في يده ... يدرى عواقب ما يأتى وما يذر
وقال ذو الرمّة
يطيب تراب الأرض إن نزلوا بها ... ويختال أن تعلو عليها المنابر
وما زلت تسمو للمعالى وتجتنى ... جنى المجد مذ شدّت عليك المآزر
الى أن بلغت الأربعين فألقيت ... اليك جماهير الأمور الأكابر
فأحكمتها لا أنت في الحكم عاجز ... ولا أنت فيها عن هدى الحقّ جائر
وقال الشّريف الرّضىّ
يا مخرس الدّهر عن مقالته ... كلّ زمان عليك متّهم
شخصك في وجه كلّ داجية ... ضحى وفي كلّ مجهل علم
وقال أبو الحسن السلامىّ
اذا زرته لم تلق من دون بابه ... حجابا ولم تدخل عليه بشافع
كماء الفرات الجمّ أعرض ورده ... لكلّ أناس فهو سهل الشرائع
تراه اذا ما جئته متهللا ... تهلّل أبكار الغيوث الهوامع
وقال محمد بن الحسين الآمدىّ
من القوم لما استغرب المجدّ غيرهم ... من الناس أمسوا منه فوق الغرائب
اذا سالموا كانوا صدور مراتب ... وإن حاربوا كانوا قلوب مواكب
جواد متى ما رامت الريح شأوه ... كبت دون مرمى خطوه المتقارب
وبحر ندى لو زاره البحر حدّثت ... عجائبه عن فعله بالعجائب
стр. 1008
وقال الأصمعى: كنت بالبادية فرأيت امرأة على قبر تبكى وتقول
فمن للسؤال ومن للنوال ... ومن للمقال ومن للخطب؟
ومن للحماة ومن للكماة ... اذا ما الكماة جثوا للرّكب؟
اذا قيل: مات أبو مالك ... فتى المكرمات قريع العرب
[فقد مات عزّ بنى آدم ... وقد ظهر النّكد بعد الطرب «١» ]
قال: فملت إليها، وسألتها عنه، فقالت: فديتك! هذا أبو مالك الحجّام، ختن أبى منصور الحائك، فما ظننت إلا أنّه من سادات العرب.
وقال العماد الأصفهانىّ
حيّيون يخفون إحسانهم ... ويعتذرون كان قد اساءوا
اذا أظلم الدهر أعدوا عليه ... وإن أظلم الخطب يوما أضاءوا
بمثلكم قد أقرّ الرجال ... فمثلكم لم تلده النّساء
وللناس من حسن أيّامكم ... بدولتكم كلّ يوم هناء
وقال ايضا
فلأطوين على أغرّ محجّل ... عرض الفلاة الى أغرّ محجّب
ليث الوغى غوث ورى غيث النّدى ... بدر النّدىّ، نعم! وصدر الموكب
واذا استوى في دسته مالت له ... أعناق كل متوّج ومعصّب
وتميت رأفته حقود عداته ... وتحلّ هيبته عقود المحتبى
إنّ الممالك ما تزال برأيه ... فى صائب وبجوده في صيّب
стр. 1009
يحبوك معتذرا اليك فيا له ... من محسن تعروه خجلة مذنب
يزهى بأصل في العلاء مخيّم ... شرفا وفرع بالكرام مطنّب
وقال أحمد بن محمد النامىّ
له سورة في البشر تقرأ في العلا ... وتثبت في صحف العطاء وتكتب
اذا ما علىّ أمطرتك سماؤه ... رأيت العلا أنواؤها تتحلّب
وأزهر يبيضّ الندى منه في الرضا ... وتحمرّ أطراف القنا حين يغضب
أمير الندى ما للندى عنك مذهب ... ولا عنك يوما للرغائب مرغب
وقال أبو حامد أحمد بن محمد الأنطاكىّ
سيّد شادت علاه له ... فى العلا آباؤه النجب
وله بيت يمدّ له ... فوق مجرى الأنجم الطّنب
حسبه بالمصطفى شرفا ... وعلىّ حين ينتسب
رتبة في العز شامخة ... قصرت عن مثلها الرتب
وقال ابن نباتة السعدىّ
يرى الشمس أمّا والكواكب إخوة ... وينظر من بدر السماء الى ترب
غنيت عن الآمال حين رأيته ... وأصبح من بين الورى كلّهم حسبى
فلم أطلب المعروف من غير كفّه ... وهل تطلب الأمطار إلا من السحب؟
وقال أبو حامد أحمد الأنطاكىّ
لو نيل بالمجد في العلياء منزلة ... لنال بالمجد أعنان السموات
يرمى الخطوب برأى يستضاء به ... اذا دجا الرأى من أهل البصيرات
فليس يلقاه إلا عند عارفة ... أو واقفا في صدور السمهريّات
стр. 1010
وقال أبو طالب المأمونىّ
قد وجدنا خطا الكلام فساحا ... فجعلنا النسيب فيك امتداحا
وأفضنا ما في الصدور ففاض المدح ... قبل النسيب فيك انفساحا
وعمدنا الى علاك فصغنا ... لصدور القريض منها وشاحا
وصدعنا في أوجه الشّعر من بيض ... مساعيك بالندى أوضاحا
كم كسير جبرته وفقير ... مستميح رددته مسمّاحا
وأمان خرس بسطت لها في القول ... حتى أعدتهنّ فصاحا
وبلاد جوامح رضتها بالعزم ... حتى أنسيتهنّ الجماحا
شهرت منك آل سامان عضبا ... ينجح السعى غربه إنجاحا
لا يذوق الإغفاء إلا رجاء ... أن يرى طيف مستميح رواحا
وقال أحمد بن محمد النامىّ
أمير العلا إن العوالى كواسب ... علاءك في الدنيا وفي جنّة الخلد
يمرّ عليك الحول، سيفك في الطّلى ... وطرفك ما بين الشكيمة واللّبد
ويمضى عليك الدهر، فعلك للعلا ... وقولك للتقوى، وكفّك للرّفد
وقال أيضا
فتى، قسّم الايّام بين سيوفه ... وبين طريفات المكارم والتلد
فسوّد يوما بالعجاج وبالردى ... وبيّض يوما بالفضائل والحمد
وقال الصاحب بن عبّاد
أيّها الآملون حطّوا سريعا ... برفيع العماد وارى الزناد
стр. 1011
فهو إن جاد ذمّ حاتم طىء ... وهو إن قال فلّ قسّ إياد
واذا ما ربا فأين زياد ... من علاه وأين آل زياد
وقال أبو طالب المأمونىّ من قصيدة
فتى ملئت بردتاه علا ... ونبلا وفضلا ومجدا وخيرا
اذا ضمّه الدّست ألفيته ... سحابا مطيرا وبدرا منيرا
وإن أبرزته وغى خلته ... حساما بتورا وليثا هصورا
وطورا معيدا وطورا مبيدا ... وطورا مجيرا وطورا أميرا
ترى في ذراه لسان المنى ... طويلا وباع الليالى قصيرا
تضمّ الأسرّة منه ذكاء ... وتحمل منه المذاكى ثبيرا
وقال أبو الطيّب المتنبى
بمشى الكرام على آثار غيرهم ... وأنت تخلق ما تأتى وتبتدع
من كان فوق محلّ الشمس موضعه ... فليس يرفعه شىء ولا يضع
وقال أبو المعالى محمد بن مسعود الأصفهانىّ شاعر الخريدة
قد حلّ في مدرج العلياء مرتبة ... مطامح الشهب عن غاياتها تقف
أغرى بوصف معاليه الورى شغفا ... لكنه والمعالى فوق ما وصفوا
إن ناصبته العدا فالدهر معتذر ... أو أنكروا فضله فالمجد معترف
وقال السلامىّ شاعر اليتيمة
يزور نائلك العافى وصارمك العاصى ... فتحويهما أيد وأعناق
فى كلّ يوم لبيت المجد منك غنى ... وثروة ولبيت المال إملاق
كم خضت من لجة للنفع زاخرة، ... ماء المنون بها- حاشاك- دفّاق
стр. 1012
وقال المتنبى
أنت الجواد بلا منّ ولا كدر ... ولا مطال ولا وعد ولا ملل
وقال أبو الفرج الببغاء
لا غيث نعماه في الورى خلّب البرق ... ولا ورد جوده وشل
جاد الى أن لم يبق نائله ... مالا ولم يبق للورى أمل
وقال محمد بن الحسن الحاتمىّ شاعر اليتيمة
ومن عوّدته المكرمات شمائلا ... فليس له عنها- ولو شاء- ناقل
وإن راسل الأعداء فالجود رسله ... اليهم وأطراف العوالى الرسائل
عظمت، فهذا الدهر دونك همة، ... وجدت فهذا القطر عندك باخل
وقال مؤيّد الدين الطغرائىّ
لو دبّ رأيك في كعوب قنا ... ما مسّها طنب ولا خلل
أو كان ضوءك للغزالة لم ... يحجب ضياء جبينها الطّفل
أو كان لطفك في الحياة لما ... طافت بها الأسقام والعلل
أنت الذى لولا علاه عفت ... طرق الهدى واستبهم السّبل
فى كلّ شعب من رويّته ... شعب ومن آرائه شعل
يرتدّ عنه جفن حاسده ... فكأنه بالنار يكتحل
وجه كيوم الصحو مبتسم ... ويد كليل الدّجن تنهمل
مسحت على الأنواء راحته ... فانساق منها العارض الهطل
إن ضنّ غيث أو خبا قمر ... فجبينه ويمينه البدل
стр. 1013
وقال ابن الرومىّ
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... فى الحادثات- اذا دجون- نجوم
فيها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم
وقال أبو الطيّب المتنبّى
قوم بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم
كأنما يولد الندى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم
اذا تولّوا عداوة كشفوا ... وإن تولّوا صنيعة كتموا
تظن من كثرة اعتذارهم ... أنهم أنعموا وما علموا
إن برقوا فالحتوف حاضرة ... أو نطقوا فالصواب والحكم
أو شهدوا الحرب لاقحا أخذوا ... من مهج الدار عين ما احتكموا
أو ركبوا الخيل غير مسرجة ... فإن أفخاذهم لها حزم
تشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها في نفوسهم شيم
أعيذكم من صروف دهركم ... فإنه في الكرام متّهم
وقال أيضا
ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيّامه فيما يريد قيام
وكلّ أناس يبتغون إمامهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام
وقال أيضا
هم المحسنون الكرّ في حومة الوغى ... وأحسن منه كرّهم في المكارم
ولولا احتقار الأسد شبّهتها بهم ... ولكنها معدودة في البهائم
стр. 1014
وقال المشوّق الشامىّ شاعر اليتيمة
يروح الى كسب الثناء ويغتدى ... اذا كان همّ الناس كسب الدراهم
وإن جلس الأقوام عن واجب الندى ... وحقّ العطايا كان أوّل قائم
يزيد ابتهاجا كلّما زار قاصد ... كأنّ به شوقا إلى كلّ قادم
وقال السلامىّ شاعرها
تشبّهه المدّاح في البأس والندى ... بمن لو رآه كان أصغر خادم
ففى جيشه خمسون ألفا كعنتر ... وأمضى وفي خزّانه ألف حاتم
وقال أبو طالب المأمونىّ من قصيدة
يعمّم بالهندىّ حين يسلّه ... أسود الوغى بالضرب فوق العمائم
فلا ملك إلا ما أقمت عروشه ... ولا غيث إلا ما أفضت لشائم
ولا تاج إلا ما تولّيت عقده ... على جبهة الملك المكنّى بقاسم
فرأيك نجم في دجى الليل ثاقب ... وعزمك غضب في طلى كلّ ناجم
وقال المشوّق الشامىّ
ما زال يبنى كعبة للعلى ... ويجعل الجود لها ركنا
حتى أتى الناس فطافوا بها ... وقبّلوا راحته اليمنى
وقال المأمونىّ من قصيدة
همام يبكّى المشرفيّة ساخطا ... ويضحك أبكار الأمانىّ راضيا
ولو أنّ بحرا يستطيع ترقّيا ... اليه لأمّ البحر جدواه راجيا
стр. 1015
ذكر ما قيل في الافتخار
قالوا: أفخر بيت قالته العرب قول جرير
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا
قال: دخل رجل من بنى سعد على عبد الملك بن مروان فقال له: ممن الرجل؟
قال: من الذين قال لهم الشاعر
اذا غضبت عليك بنو تميم،
البيت.
قال: فمن أيّهم أنت؟ قال: من الذين يقول فيهم القائل
يزيد بنو سعد على عدد الحصى ... وأثقل من وزن الجبال حلومها
قال: فمن أيّهم أنت؟ قال: من الذين يقول لهم الشاعر
بنات بنى عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غرّان
قال: فمن أيّهم أنت؟ قال: من الذين يقول لهم الشاعر
فلا وأبيك ما ظلمت قريع ... بأن يبنوا المكارم حيث شاءوا
قال: فمن أيّهم أنت؟ قال: من الذين يقول لهم الشاعر
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّى بأنف الناقة الذنبا
قال: اجلس، لا جلست، والله لقد خفت أن تفخر علىّ! وقالوا: أفخر بيت قالته العرب قول الفرزدق
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا الى الناس وقّفوا!
وقال عمرو بن كلثوم وهو أبلغ ما قاله جاهلىّ في الافتخار
ونحن الحاكمون إذا أطعنا ... ونحن العائفون اذا عصينا!
ونحن التاركون لما سخطنا ... ونحن الآخذون لما رضينا!
стр. 1016
وقال إبراهيم بن العبّاس
إما ترينى أمام القوم متّبعا، ... فقد أرى من وراء الخيل أتّبع
يوما أبيح فلا أرعى على نشب ... وأستبيح فلا أبقى ولا أدع
لا تسألى القوم عن حىّ صبحتهم ... ماذا صنعت؟ وماذا أهله صنعوا؟
وقالوا: من أحسن ما مدح به الرجل نفسه قول أعشى ربيعة
وما أنا في نفسى ولا في عشيرتى ... بمهتضم حقّى ولا قارع سنّى
ولا مسلم مولاى عند جناية ... ولا خائف مولاى من شرّ ما أجنى
وأن فؤادى بين جنبىّ عالم ... بما أبصرت عينى وما سمعت أذنى
وفضّلنى في الشّعر واللّبّ أننى ... أقول على علم وأعلم ما أعنى
فأصبحت إذ فضّلت مروان وابنه ... على الناس قد فضّلت خير أب وابن
وقال أبو هفان
لعمرى لئن بيّعت في دار غربة ... بناتى إذ ضاقت علىّ المآكل
فما أنا إلا السيف يأكل جفنه، ... له حلية من نفسه وهو عاطل
قال أبو هلال العسكرىّ: ولا أعرف في الافتخار أحسن مما أنشده أبو تمام وهو
فقل لزهير إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتّامين للمتشتّم
ولكننا نأبى الظّلام ونقتضى ... بكلّ رقيق الشفرتين مصمّم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلّم
ومن الافتخار قول السموءل بن عاديا من كلمته التى أوّلها
اذ المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
стр. 1017
وقائلة ما بال أسرة عاديا ... تنادى وفيها قلّة وحمول
تعيّرنا أمّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل
وما قلّ من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلا وكهول
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
وأنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... اذا ما رأته عامر وسلول
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منّا سيد حتف أنفه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل
تسيل على حدّ الظّباة نفوسنا ... وليست على غير الظّباة تسيل
صفونا فلم نكدر وأخلص سرّنا ... إناث أطابت حملنا وفحول
علونا الى خير الظهور وحطّنا ... لوقت الى خير البطون نزول
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
اذا سيّد منا خلا قام سيّد ... قؤول لما قال الكرام فعول
وما أخمدت نار لنا دون طارق ... ولا ذمّنا في النازلين نزيل
وأيامنا مشهورة في عدوّنا ... لها غرر معلومة وحجول
وأسيافنا في كلّ شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
معوّدة أن لا تسلّ نصالها ... فنغمد حتى يستباح قبيل
سلى إن جهلت الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عالم وجهول
فإن بنى الديّان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول
стр. 1018
وقال أبو هلال العسكرىّ من قصيدة
وما ضاع مثلى حيث حلّت ركابه ... بلى حيث ضاع المجد مثلى ضائع
ومثلى مخضوع له غير أنه ... اذا كان مجهول الفضائل خاضع
ومثلى متبوع على كل حالة ... فإن ينقلب وجه الزمان فتابع
وقال عبد الله بن المعتز
سألتكما بالله هل تعلماننى؟ ... ولا تكتما شيأ فعندكما خبرى
أأرفع نيران القرى لعفاتها ... وأصبر يوم الروع في ثغرة الثّغر؟
وأسأل نيلا لا يجاد بمثله ... فيفتحه بشرى ويختمه عذرى؟
ومن الافتخار قول بعض الشعراء، ويروى لحسّان بن ثابت من قصيدة أوّلها
أنسيم ريحك أم خيار العنبر ... يا هذه، أم ريح مسك أزفر؟
قولى لطيفك أن يصدّ عن الحشى ... سطوات نيران الأسى، ثمّ اهجرى
وانهى رماتك أن يصبن مقاتلى ... فينال قومك سطوة من معشرى
إنّا من النّفر الذين جيادهم ... طلعت على كسرى بريح صرصر
وسلبن تاجى ملك قيصر بالقنا ... واجترن باب الدّرب لابن الأصفر
كم قد ولدنا من كريم ماجد ... دامى الأظافر أو ربيع ممطر
خلقت أنامله لقائم مرهف ... ولبذل مكرمة وذروة منبر
يلقى الرماح بوجهه وبصدره ... ويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطّرف اصطبر لشبا القا ... فهدمت ركن المجد إن لم تصبر
واذا تأمّل شخص ضيف مقبل ... متسربل سر بال ثوب أغبر
أوما الى الكوماء هذا طارق ... نحرتنى الأعداء إذ لم تنحر
стр. 1019
ذكر ما قيل في الجود والكرم وأخبار الكرام
حقيقة الجود بذل المال، قال الله عزّوجلّ: (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)
وقال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله استخلص هذا الدّين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزيّنوا دينكم بهما» وقال ﷺ : «تجاوزوا عن ذنب السّخىّ فإن الله عزّوجلّ آخذ بيده كلّما عثر وفاتح له كلّما افتقر» وقال ﷺ : «الجود من جود الله تعالى فجودوا يجود الله عليكم» . «ألا إن السخاء شجرة في الجنة أغصانها متدلية فى الأرض فمن تعلق بغصن منها أدخله الجنة» . «ألا إن السخاء من الإيمان والإيمان في الجنة» . وقال علىّ بن عبد الله بن عبّاس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء. وقال بعض الحكماء: الجواد من جاد بماله وصان نفسه عن مال غيره.
وقيل لعمرو بن عبيد: ما الكرم؟ فقال: أن تكون بمالك متبرّعا، وعن مال غيرك متورّعا. ويقال: مراتب السخاء ثلاثة: سخاء وجود وإيثار، فالسخاء إعطاء الأقل وإمساك الأكثر، والجود إعطاء الأكثر وإمساك الأقل، والإيثار إعطاء الكل من غير إمساك بشىء، وهو أشرف درجات الكرم، وبه استحقّوا ثناء الله عزّوجلّ عليهم في قوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ)
. ومن كلام ينسب الى جعفر بن محمّد: لا يتمّ المعروف إلا بثلاثة: تعجيله، وتصغيره، وستره. الجود زكاة السّعادة، والإيثار على النفس موجب لاسم الكرم، وقال:
لا يستحى من بذل القليل فإن الحرمان أقلّ منه. قال بعض الشّعراء
أعط القليل ولا يمنعك قلته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
стр. 1020
وقال علىّ بن الحسين: الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بماله.
وقال الحسين بن على رضى الله تعالى عنهما: أيّها الناس من جاد ساد، ومن بخل رذل، وأن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه. وقيل ليزيد بن معاوية:
ما الجود؟ قال: أن تعطى المال من لا تعرف؛ فإنّه لا يصير اليه حتى يتخطّى من تعرف.
وقال أحمد بن محمد بن عبد ربه: لو لم يكن في الكرم، إلا أنه صفة من صفات الله تعالى، تسمّى بها فهو الكريم عزّوجلّ. وقال رسول الله ﷺ :
«إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال، قال: إن الله عزوجل قد عوّدنى بعادة أن يتفضل علىّ، وعودته أن أتفضل على عباده، وأخاف أن أقطع العادة فيقطع عنى. وقال المأمون لمحمد بن عباد المهلّبىّ: إنك متلاف، قال: منع الجود، سوء ظنّ بالمعبود. قال الله تعالى:
(وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)
. وقال أكثم بن صيفىّ حكيم العرب: ذلّلوا أخلاقكم للمطالب، وقودوها الى المحامد، وعلّموها المكارم، ولا تقيموها على خلق تذمّونه من غيركم، وصلوا من رغب اليكم وتحلّوا بالجود يكسبكم المحبة، ولا تعتقدوا البخل، تتعجلوا الفقر؛ أخذه شاعر فقال
أمن خوف فقر تعجلته ... وأخّرت إنفاق ما تجمع؟
فصرت الفقير وأنت الغنىّ ... وما كنت تعدو الذى تصنع
وكتب رجل من البخلاء الى رجل من الأسخياء يأمره بالإنفاق على نفسه ويخوّفه الفقر، فأجابه: (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا)
وإنى أكره أن أترك أمرا قد وقع لأمر لعلّه لا يقع.
следующие страницы →