← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وقال آخر لله درّ العقل من راشد ... وصاحب في اليسر والعسر وحاكم يقضى على غائب ... قضيّة الشاهد للأمر وإنّ شيئا بعض أحواله ... أن يفصل الخير من الشرّ له قوّى، قد خصّه ربّه ... بخالص التقديس والطّهر وقال آخر إذا لم يكن للمرء عقل فإنه ... - وإن كان ذا قدر على الناس- هيّن وإن كان ذا عقل أجلّ لعقله، ... وأفضل عقل عقل من يتبيّن وقال آخر العقل حلّة فخر من تسر بلها ... كانت له نشبا يغنى عن النّشب وأفضل العقل ما في الناس كلّهم ... بالعقل ينجو الفتى من حومة العطب وقال ابن دريد وأفضل قسم الله للمرء عقله ... فليس من الخيرات شىء يقاربه فزين الفتى في الناس صحّة عقله ... وإن كان محظورا عليه مكاسبه ويزرى به في الناس قلّة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه اذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه وقال آخر ما وهب الله لامرئ هبة ... أشرف من عقله ومن أدبه هما جمال الفتى، فإن عدما ... فإنّ فقد الحياة أنفع به

стр. 1052

وقال آخر ولم أر مثل الفقر أوضع للفتى ... ولم أر مثل المال أرفع للنّذل ولم أر من عدم أضرّ على الفتى ... اذا عاش بين الناس من عدم العقل ذكر ما قيل في الصدق قال الله عزّوجلّ مبشّرا للصادقين: (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) . وقال رسول الله ﷺ : «تحرّوا الصدق، فإن الصدق يهدى الى البرّ، والبرّ يهدى الى الجنة، وإن المرء ليتحرّى الصدق، حتى يكتب صدّيقا» . وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه قال: جاء رجل الى النبىّ ﷺ وقال: يا رسول الله، ما عمل أهل الجنّة؟ قال: الصدق، اذا صدق العبد برّ، واذا بر أمن، واذا أمن دخل الجنّة. قال: يا رسول الله ما عمل أهل النار؟ قال: الكذب، إذا كذب العبد فجر، واذا فجر كفر، واذا كفر دخل النار. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ ، بم يعرف المؤمن؟ قال: بوقاره، ولين كلامه، وصدق حديثه. ومن كلام علىّ رضى الله عنه: الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك. وقال بعض الحكماء: الصدق أزين حلية، والمعروف أربح تجارة، والشكر أدوم نعمة. وقال بعضهم: رأيت أرسطا طاليس في المنام، فقلت: أىّ الكلام أحسن؟

стр. 1053

فقال: ما صدق قائله، قلت: ثمّ ماذا؟ قال: ما استحسنه سامعه، قلت: ثمّ ماذا؟ قال: كل كلام جاوز هذا فهو ونهيق الحمار بمنزله. وقال الأحنف لابنه: يا بنىّ، يكفيك من شرف الصدق، أن الصادق يقبل قوله في عدوّه، ومن دناءة الكذب، أن الكاذب لا يقبل قوله في صديقه ولا عدوّه، لكلّ شىء حلية، وحلية المنطق الصدق يدل على اعتدال وزن العقل. قال عامر بن الظّرب العدوانىّ في وصيّته: إنى وجدت صدق الحديث طرفا من الغيب فاصدقوا، من لزم الصدق وعوّده لسانه، فلا يكاد يتكلّم بشىء يظنّه، إلا جاء على ظنّه. وقالوا: ما السيف الصارم، فى كفّ الشجاع، بأعزّ من الصدق. وقيل: مرّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه، بعجوز تبيع اللبن، فقال لها: يا عجوز، لا تغشّى المسلمين، ولا تشوبى لبنك بالماء، قالت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم مرّ بها بعد ذلك، فقال يا عجوز، ألم أعهد إليك أن لا تشوبى لبنك بالماء؟ فقالت: والله ما فعلت يا أمير المؤمنين، فتكلّمت بنت لها من داخل الخباء، فقالت: يا أمّاه، أغشّا وحنثا جمعت على نفسك؟ فسمعها عمر فأعجبته، فقال لولده: أيّكم يتزوّجها؟ فلعلّ الله أن يخرج منها نسمة طيّبة، فقال ابنه عاصم: أنا أتزوّجها يا أمير المؤمنين، فزوّجها منه، فأولدها أمّ عاصم، تزوّجها عبد العزيز بن مروان فأولدها عمر ابن عبد العزيز. وروى أنّ بلالا لم يكذب منذ أسلم، فبلغ ذلك بعض من يحسده، فقال: اليوم أكذبه فسايره، فقال له: يا بلال ما سنّ فرسك؟ قال عظم، قال: فما جريه؟ قال:

стр. 1054

يحضر ما استطاع، قال: فأين تنزل؟ قال: حيث أضع قدمى، قال: ابن من أنت» قال ابن أبى وأمى، قال: فكم أتى عليك؟ قال: ليال وأيام، والله أعلم بعدها، قال: هيهات، أعيت فيك حيلتى، ما اتعب بعد اليوم أبدا. ذكر ما قيل في الوفاء والمحافظة والأمانة قال الله عزّوجلّ: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) . وقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) . وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) . وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ) .* وروى: أنّ رسول الله ﷺ قال لأبى بكر الصدّيق رضى الله عنه: عليك بصدق الحديث، ووفاء العهد، وحفظ الأمانة، فإنها وصيّة الأنبياء. كان أبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس، ختن «١» رسول الله ﷺ على ابنته زينب، تاجرا تضاربه قريش بأموالهم، فخرج الى الشام سنة الهجرة، فلما قدم، عرض له المسلمون، وأسروه، وأخذوا ما معه، وقدموا به المدينة ليلا، فلما وصلوا الفجر، قامت زينب على باب المسجد، فقالت: يا رسول الله، قد أجرت أبا العاص وامعه، فقال رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت ودفع اليه ما أخذوه منه، وعرض عليه الإسلام، فأبى، وخرج الى مكّة، ودعا قريشا، فأطعمهم، ثم دفع اليهم أموالهم، ثم قال: هل وفيت؟ قالوا: نعم، قد أدّيت الأمانة ووفيت، قال: اشهدوا جميعا، إنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وما منعنى أن أسلم إلا أن يقولوا: أخذ أموالنا، ثمّ هاجر، فأقرّه رسول الله ﷺ على النكاح، وتوفّى في سنة اثنتى عشرة.

стр. 1055

وقيل لمّا قوى أمر بنى العباس وظهر، قال مروان بن محمد لعبد الحميد بن يحيى كاتبه: إنّا نجد في الكتب، أن هذا الأمر زائل عنا لا محالة، وسيظهر اليك هؤلاء القوم، يعنى ولد العباس، فصر اليهم، فإنى لأرجو أن تتمكن منهم، فتنفعنى فى مخلفى، وفي كثير من أمورى، فقال: وكيف لى بعلم الناس جميعا أن هذا عن رأيك، وكلّهم يقول: إنى غدرت بك، وصرت الى عدوّك؟ وأنشد أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لى بعذر يوسع الناس ظاهره ثم قال ولؤم ظاهر لا شكّ فيه ... للأئمة وعذرى بالمعيب فلما سمع مروان ذلك، علم أنه لا يفعل، ثم قال له عبد الحميد: إن الذى أمرتنى به، لأنفع الأمرين لك، وأقبحهما بى، ولك علىّ الصبر معك، الى أن يفتح الله عليك، أو أقتل معك. والعرب تضرب المثل في الوفاء بالسموءل بن عادياء الأزدىّ، وقيل: إنه من ولد الكاهن بن هارون بن عمران، وكان من خبره، أن امرأ القيس بن حجر، أودعه أدراعا مائة، فأتاه الحارث بن ظالم، ويقال الحارث بن أبى شمر الغسّانىّ، ليأخذها منه، فتحصّن منه السموءل، فأخذ ابنا له غلاما وناداه: إما أن أسلمت إلىّ الأدرع، وإما أن قتلت ابنك، فأبى أن يسلمها، فقتل ابنه بالسيف، ففى ذلك يقول وفيت بأدرع الكندىّ، إنى ... اذا ما القوم قد غدروا وفيت وأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدّم يا سموءل ما بنيت

стр. 1056

وفيه يقول الأغشى كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... فى جحفل كسواد الليل جرّار الأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدّار قد سامه خطّتى خسف فقال له: ... قل ما بدا لك إنى سامع حار فقال: ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظّ لمختار فحار غير طويل ثم قال له: ... أقتل أسيرك إنّى مانع جارى ومن وفاء العرب، ما فعله هانىء بن مسعود الشّيبانىّ، حتى جرّ ذلك يوم ذى قار، وكان من خبره: أن النعمان بن المنذر لما خاف كسرى، وعلم أنه لا منجأ منه ولا ملجأ، رأى أن يضع يده في يده، فأودع ماله وأهله عند هانىء*، ثمّ أتى كسرى فقتله، وأرسل الى هانىء يطالبه بوديعة النعمان، وقال له: إن النعمان كان عاملى، فابعث الىّ بوديعته، وإلا بعثت اليك بجنود تقتل المقاتلة وتسبى الذّرّية، فبعث اليه هانىء: أن الذى بلغك باطل، وإن يكن الأمر كما قيل، فأنا أحد رجلين، إما رجل استودع أمانة، فهو حقيق أن يردّها على من استودعه إياها، ولن يسلّم الحرّ أمانته، أو رجل مكذوب عليه، وليس ينبغى للملك أن يأخذه بقول عدوّ، فبعث كسرى اليه الجنود، وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، وبعث معه الكتيبة الشّهباء والأساورة «١» ، فلما التقوا، قام هانىء بن مسعود، وحرّض قومه على القتال، وجرى بينهم حروب كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، وسنذكرها إن شاء الله في وقائع العرب، فانتصر هانىء وانهزمت الفرس، وكانت وقعة مشهورة، قيل: وكان مرداس في سجن عبيد الله بن زياد بن أبيه، فقال له السجّان: أنا أحبّ أن أوليك حسنة، قال: فإن أذنت لك في الانصراف الى دارك أفتدلج علىّ؟ قال: نعم، فكان يفعل ذلك به،

стр. 1057

فلما كان ذات يوم، قتل بعض الخوارج صاحب شرطة ابن زياد، فأمر أن يقتل من في السجن من الخوارج، وكان مرداس إذ ذاك خارجا، فقال له أهله: اتّق الله في نفسك، فإنك مقتول إن رجعت، فقال: ما كنت لألقى الله غادرا، وهذا جبّار، ولا آمن أن يقتل السجّان، فرجع وقال للسجّان: قد بلغنى ما عزم صاحبك عليه من قتل أصحابنا، فبادرت لئلا يلحقك منه مكروه، فقال له السجّان: خذ أىّ طريق شئت، فانج بنفسك. خرج سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلّب الى بعص جبابين «١» الشام، وإذا بامرأة جالسة عند قبر تبكى، فجاء سليمان ينظر اليها، فقال لها يزيد، وقد عجب سليمان من حسنها: يا أمة الله، هل لك في أمير المؤمنين؟ فنظرت إليهما، ثم نظرت الى القبر، وقالت فإن تسألانى عن هواى فإنه ... بحوماء هذا القبر يافتيان وإنى لأستحييه والتّرب بيننا ... كما كنت أستحييه وهو يرانى ومن أحسن الوفاء، ما حكى عن نائلة بنت القرافصة زوج عثمان بن عفّان رضى الله عنه: أن معاوية خطبها فردّته، وقالت: ما يعجب الرجال منّى؟ قالوا: ثنايا فكسرت ثناياها، وبعثت بها الى معاوية، فكان ذلك مما رغّب قريشا في نكاح نساء كلب. وامرأة هدبة لما قتل زوجها، قطعت أنفها وشفتيها، وكانت جميلة الوجه، لئلا يرغب فيها. وحيث ذكرنا الوفاء والمحافظة، فلنذكر بيعة خليفة ويمين، ذكرها بعض أهل الأدب فى تصنيفه، وهى: تبايع عبد الله الإمام أمير المؤمنين، بيعة طوع وإيثار ورضا واختيار واعتقاد وإضمار وإعلان وإسرار وإخلاص من طويتك وصدق من نيتك،

стр. 1058

وانشراح من صدرك، وصحة من عزيمتك، طائعا غير مكره، ومنقادا غير مجبر، مقرّا بفضلها، مذعنا بحقها، ومعترفا ببركتها، ومعتدّا بحسن عائدتها، وعالما بما فيها، وفي توكيدها من صلاح الكافّة، واجتماع كلمة الخاصّة والعامّة، ولمّ الشّعث، وأمن العواقب، وسكون الدّهماء، وعزّ الأولياء، وقمع الأعداء، على أن فلانا عبد الله وخليفته المفترض عليك طاعته، الواجب على الأمة إمامته وولايته، اللازم لهم القيام بحقه، والوفاء بعهده، لا تشكّ فيه، ولا ترتاب به، ولا تداهن من أمره، ولا تميل، ولكنك ولىّ أوليائه، وعدوّ أعدائه، من خاصّ وعامّ، وقريب وبعيد، وحاضر وغائب، متمسك في بيعته بوفاء العهد، وذمّة العقد، سريرتك مثل علانيتك، وضميرك فيه وفق ظاهرك، على أن إعطاءك هذه البيعة من نفسك، وتوكيدك إياها فى عنقك، لفلان أمير المؤمنين، على سلامة من قلبك، واستقامة من عزمك، واستمرار من هواك ورأيك، على أن لا تتأوّل عليه فيها، ولا تسعى في نقض شىء منها، ولا تقعد عن نصرة له في الرخاء والشدّة، ولا تدع النّصح له في كل حال راهنة وحادثة، حتى تلقى الله موفيا بها، مؤدّيا للأمانة فيها، إذ كان الذين يبايعون ولاة الأمر وخلفاء الله في الأرض (إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ) عليك بهذه البيعة التى طوّقتها عنقك، وبسطت لها يدك، وأعطيت ما شرط عليك فيها، من وفاء، ونصح، وموالاة، ومشايعة، وطاعة، وموافقة، واجتهاد، ومبالغة؛ عهد الله إن عهده كان مسئولا، وما أخذ الله على أنبيائه ورسله ﵈، وعلى من أخذ من عباده من وكدات مواثيقه، ومحكمات عهوده، وعلى أن تتمسك بها، فلا تبدل، وتستقيم، فلا تميل، وإن نكثت هذه البيعة، وبدّلت شرطا من شروطها، أو عفيت رسما من رسومها، أو غيّرت

стр. 1059

حكما من أحكامها، معلنا أو مسرّا، محتالا او متأولا، أو زغت عن السبيل التى يسلكها من لا يحتقر الأمانة، ولا يستحلّ الغدر والخيانة، ولا يستجيز حلّ العقود والعهود، فكلّ ما تملكه من عين أو ورق، أو آنية أو عقار أو سائمة أو زرع أو ضرع أو غير ذلك من صنوف الأملاك المعتقدة، والأموال المدّخرة، صدقة على المساكين، يحرّم عليك أن ترجع شيئا من ذلك الى مالك، بحيلة من الحيل، على وجه من الوجوه، أو سبب من الأسباب، أو مخرج من مخارج الإيمان، فكلّ ما تفيده عمرك من مال يقلّ خطره أو يجلّ فتلك سبيله الى أن تتوفاك [منيتك، أو يأتيك «١» أجلك، وكل مملوك لك اليوم من ذكر وأنثى أو تملكه الى آخر أيامك أحرار سائبون لوجه الله تعالى، ونساؤك يوم يلزمك الحنث وما تتزوّج بعدهن مدة بقائك طوالق ثلاثا، طلاق الحرج والسنّة لا مثنويّة فيها ولا رجعة، وعليك المشى الى بيت الله الحرام، ثلاثين حجّة حافيا راجلا، لا يرضى الله منك إلا بالوفاء بها، ولا يقبل الله صرفا ولا عدلا، وخذلك يوم تحتاج اليه، وبرّأك من حوله وقوّته، وألجأك الى حولك وقوّتك والله عزوجلّ بذلك شهيد (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) * وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ. ذكر ما قيل في التواضع قال الله ﵎: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) . وقال الله تعالى لنبيه ﷺ : (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) . وقال قتادة في تفسير قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) قال: هم المتواضعون. وكان رسول الله ﷺ يأكل على الأرض متواضعا.

стр. 1060

وقال أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ يعود المريض ويتبع الجنائز ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار، ولقد رأيته يوم حنين على حمار، خطامه ليف. وقال ﷺ : «إن العفو لا يزيد العبد إلا عزّا فاعفوا يعزّكم الله، وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماء فتصدّقوا يزدكم الله» . وقال عروة ابن الزبير: التواضع أحد مصايد الشرف، وفي لفظ «سلّم الشرف» . وقال جعفر بن محمد: رأس الخير التواضع، فقيل له: وما التواضع؟ فقال: أن ترضى من المجلس بدون شرفك وأن تسلّم على من لقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقّا. وعن على رضى الله تعالى عنه ولم يذكر المراء فيه وزاد فيه: وتكره الرياء والسمعة. وقيل: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة، وقيل: التواضع نعمة لا يفطن لها الحاسد، وقيل: التواضع كالوهدة يجتمع فيها قطرها وقطر غيرها. وقال عبد الله بن المعتز: متواضع العلماء أكثرهم علما، كما أن المكان المنخفض أكثر الاماكن ماء. وكان يحيى بن خالد يقول: لست أرى أحدا تواضع في إمارة إلا وهو في نفسه اكبر مما نال من سلطانه. ومن التواضع المأثور ما روى: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه مرّ ويده على المعلّى بن الجارود فلقيته امرأة من قريش، فقالت له: يا عمر، فوقف لها، فقالت له: كنا نعرفك مرّة عميرا ثم صرت بعد عمير عمر ثم صرت بعد عمر أمير المؤمنين فاتق الله يابن الخطّاب، فانظر في أمور الناس، فإنّه من خاف الوعيد، قرب عليه

стр. 1061

البعيد، ومن خاف الموت، خشى الفوت، فقال لها المعلّى، إيّها، إليك يا أمة الله لقد ابكيت أمير المؤمنين، فقال له عمر أتدرى من هذه؟ ويحك! هذه خولة بنت حكيم التى سمع الله قولها من سمائه، فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدى به. وقال عدىّ بن أرطاة لإياس بن معاوية: إنك لسريع المشية، قال: ذلك أبعد من الكبر وأسرع الى الحاجة. وقال عمر رضى الله عنه وقد قيل له مثل هذا: أنجح للحاجة وأبعد من الكبر. أما سمعت قوله عزوجل؟ (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) . وقد مدح الشعراء أهل التواضع، فمن ذلك قول أبى تمّام حبيب متبذّل في القوم وهو مبجّل ... متواضع في الحىّ وهو معظّم وقال آخر متواضع والنّبل يحرس قدره ... وأخو النباهة بالنباهة ينبل وقال البحترىّ دنوت تواضعا وعلوت مجدا ... فشأناك انحدار وارتفاع كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشّعاع وقال أبو محمد التيمىّ تواضع لما زاده الله رفعة ... وكلّ رفيع قدره متواضع وقال آخر دنوت تواضعا وعلوت قدرا ... ففيك تواضع وعلوّ شان

стр. 1062

ذكر ما قيل في القناعة والنزاهة جاء في تفسير قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) أن المراد بالحياة الطيبة: القناعة. وقال رسول الله ﷺ : «القناعة مال لا ينفد» . وقال ﵇: «ما عال من اقتصد» . ومن كلام على رضى الله عنه: كفى بالقناعة ملكا، وبحسن الخلق نعيما. وقال جعفر بن محمد: ثمرة القناعة الراحة. وقال على بن موسى: القناعة تجمع الى صيانة النفس، وعز القدرة طرح مؤونة الاستكثار والتعبّد لأهل الدنيا، ولا ملك طريق القناعة إلا رجلان، إما متقلّل يريد أجر الآخرة، أو كريم يتنزّه عن آثام الدنيا. وقال الراضى: القانع يعيش آمنا مطمئنا مستريحا مريحا، والشّره لا يعيش إلا تعبا نصبا في خوف وأذى. وقال بعض الحكماء: عزّ النزاهة أحبّ الىّ من فرح الفائدة، والصبر على العسرة أحبّ الىّ من احتمال المنّة. وقال أبو ذؤيب الهذلىّ والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ الى قليل تقنع وقال سالم بن وامضة غنى النفس ما يكفيك في سدّ فاقة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا وقال أبو هلال العسكرى ألا إنّ القناعة خير مال ... لذى كرم يروح بغير مال

стр. 1063

وإن يصبر فإن الصبر أولى ... بمن عثرت به نوب الليالى تجمّل إن بليت بسوء حال ... فإن من التجمل حسن حال ذكر ما قيل في الشكر والثناء قال الله ﵎: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) فالشكر مما يوجب الزيادة. وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: لا يزهّدك في المعروف من لا يشكرك عليه، فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشىء منه، وقد يدرك من شكر الشاكر، أكثر مما أضاع الكافر، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) *. ومما تعزيه الفرس الى إسفنديار: الشكر أفضل من النعمة لأنه يبقى وتلك تفنى. وقال موسى بن جعفر: المعروف لا يفكّه إلا المكافأة أو الشكر، وقال: قلّة الشكر تزهّد في اصطناع المعروف. وقيل: إذا قصرت يدك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر. وقيل: للشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان، ومكافأة اليد. قال الشاعر أفادتكما النّعماء منّى ثلاثة ... يدى ولسانى والضمير المحجّبا وقال يحيى بن زياد الحارثىّ بن كعب حلفت بربّ العيس تهوى بركبها ... الى حرم ما عنه للناس معدل لما يبلغ الإنعام في النفع غاية ... على المرء إلا مبلغ الشكر أفضل ولا بلغت أيدى المنيلين بسطة ... من الطّول إلا بسطة الشكر أطول

стр. 1064

ولا ثقلت في الوزن أعباء منّة ... على المرء إلا منّة الشكر أثقل فمن شكر المعروف يوما فقد أتى ... أخا العرف من حسن المكافاة من عل وقال رجل من غطفان الشكر أفضل ما حاولت ملتمسا ... به الزيادة عند الله والناس وقال أبو بجيلة شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقى ... وما كلّ من أوليته نعمة يقضى ونبّهت لى ذكرى وما كان خاملا ... ولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض وقال آخر سأشكر عمرا ما تراخت منيّتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلّت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت رأى خلّتى من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت وقال أبو تمام كم نعمة منك تسربلتها ... كأنها طرّة برد قشيب من اللواتى إن ونى شاكر ... قامت لمسديها مقام الخطيب وقال أبو عيينة بن محمد بن أبى عتبة المهلّبىّ ياذا اليمينين قد أوليتنى مننا ... تترى هى الغاية القصوى من المنن ولست أسطيع من شكر أجىء به ... إلا استطاعة ذى جسم وذى بدن لو كنت أعرف فوق الشكر منزلة ... أوفى من الشكر عند الله في الثّمن أخلصتها لك من قلبى مهذّبة ... حذوا على مثل ما أوليت من حسن

стр. 1065

قالوا وأجود ما قيل في عظم النعمة وقصور الشكر من قديم الشّعر قول طريح ابن إسماعيل سعيت ابتغاء الشكر فيما صنعت لى ... فقصّرت مغلوبا وإنّى لشاكر لأنك تولينى الجميل بداهة ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر فأرجع مغبوطا وترجع بالّتى ... لها أوّل في المكرمات وآخر وقال دعبل هجرتك لا عن جفوة وملالة ... ولا لقلى أبطأت عنك أبا بكر ولكنّنى لما رأيتك راغبا ... فأفرطت في برّى عجزت عن الشكر فملآن «١» لا آتيك إلا تعذّرا ... أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر وقال البحترىّ هاتيك أخلاق إسماعيل في تعب ... من العلا والعلا منهنّ في تعب أبث شكرى فأمسى منك في نصب ... أقصر فمالى في جدواك من أرب لا أقبل الدهر نيلا لا يقوم له ... شكرى ولو كان يسديه إلىّ أبى لما سألتك وافانى نداك على ... أضعاف شكرى فلم أظفر ولم أخب وقال أيضا إنى هجرتك إذ هجرتك وحشة ... لا العود يذهبها ولا الإبداء أخجلتنى بندى يديك فسوّدت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء وقطعتنى بالجود حتّى إنّنى ... متخوّف أن لا يكون لقاء صلة غدت للناس وهى] قطيعة ... عجبا وبرّ راح وهو جفاء ليواصلنّك ركب شعر سائر ... يرويه فيك لحسنه الاعداء

стр. 1066

حتى يتمّ لك الثناء مخلّدا ... أبدا كما تمت لك النّعماء فتظلّ تحسدك الملوك الصّيدبى ... وتظلّ تحسدنى بك الشعراء وقال الحسن بن هانىء قد قلت للعباس معتذرا ... من عظم شكريه ومعترفا أنت امرؤ جلّلتنى نعما ... أوهت قوى شكرى فقد ضعفا لا تسدينّ إلىّ عارفة ... حتّى أقوم بشكرها سلفا وقال الحسين بن الضحّاك للواثق من أبيات ... إذا كنت من جدواك في كلّ نعمة فلا كنت إن لم أفن عمرى بشكركا وقال البحترىّ إذا أنا لم أشكر لنعماك جاهدا ... فلا نلت نعمى بعدها توجب الشّكرا وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إنى لشاكر أمسه ووليّه ... فى يومه ومؤمّل عنه غدا وقال آخر وكيف أنساك؟ لا نعماك واحدة ... عندى ولا بالذى أوليت من قدم وقال عبد الأعلى بن حمّاد: دخلت على المتوكّل، فقال لى: قد هممنا أن نصلك، فتدافعت الأمور، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد بلغنى عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: من لم يشكر للهمّة، لم يشكر للنعمة، وأنشدته قول الباهلىّ لأشكرنّك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشىء بالقدر المحتوم مصروف

стр. 1067

وقال ابن الرومىّ كم من يد بيضاء قد أسديتها ... تثنى إليك عنان كلّ وداد شكر الإله صنائعا أوليتها ... سلكت مع الأرواح في الأجساد وقال آخر وأحسن ما قال امرؤ فيك مدحة ... تلاقت عليها منّة وقبول وشكر كأن الشمس تعنى بنشره ... ففى كلّ أرض مخبر ورسول ومن كلام الحسن بن وهب: من شكر لك على درجة رفعته اليها، أو ثروة أفدته إيّاها، فإن شكرى لك على مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق أمسكته، وقمت بين التّلف وبينه، ولكل نعمة من نعم الدنيا حدّ ينتهى إليه، ومدى توقف عليه، وغاية من الشكر يسمو اليها الطرف، خلا هذه النعمة التى فاتت الوصف، وطالت الشكر، وتجاوزت كلّ قدر، وأتت من وراء كلّ غاية، وردت عنّا كيد العدوّ، وأرغمت أنف الحسود، نلجأ منها الى ظلّ ظليل، وكنف كريم، فكيف يشكر الشاكر، وأين يبلغ جهد المجهود. وقال الشريف الرضىّ ألبستنى نعما على نعم ... ورفعت لى علما على علم وعلوت بى حتّى مشيت على ... بسط من الأعناق والقمم فلأشكرنّ يديك ما شكرت ... خضر الرّياض مصانع الدّيم فالحمد يبقى ذكر كلّ فتى ... ويبين قدر مواقع الكرم والشكر مهر للصنيعة إن ... طلبت مهور عقائل النّعم

стр. 1068

وقال أبو الحسن الكاتب المغربىّ سأشكر نعماك التى انبسطت بها ... يدى ولسانى فهو بالمجد ينطق وأثنى بما أوليتنى من صنيعة ... ومن منّة تغدو علىّ وتطرق وكلّ امرىء يرجو نداك موفّق ... وكلّ امرىء يثنى عليك مصدّق وقال ابن رشيق القيروانىّ خذ ثناء عليك غبّ الأيادى ... كثناء الرّبى على الأمطار سقط الشكر وهو موجب نعما ... ك سقوط الأنواء بالأثمار ومن المنعمين من رأى أن الشكر بإظهار النعمة، أبلغ منه بالنطق باللسان، وعاقب على ذلك بالحرمان. فمن ذلك مارواه أبو هلال العسكرىّ يسنده الى العتبىّ قال: أراد جعفر بن يحيى حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعىّ، فدفع الى خادم له كيسا فيه ألف دينار وقال: إنى سأنزل في رجعتى الى الأصمعىّ، ثم سيحدثنى ويضحكنى، فاذا ضحكت، فضع الكيس بين يديه، فلما رجع، ودخل إليه، رأى حبّا «١» مكسور الرّأس، وجرّة مكسورة العنق، وقصعة مشعبة، وجفنة أعشارا، ورآه على مصلّى بال، وعليه برنكان «٢» أجرد، فغمز غلامه أن لا يضع الكيس بين يديه، فلم يدع الأصمعى شيئا ممّا يضحك الثّكلان والغضبان إلا أورده عليه فلم يتبسم، ثمّ خرج، فقال لرجل يسايره: من استرعى الذئب ظلم، ومن زرع السّبخة حصد الفقر، إنى والله لما علمت أن هذا يكتم المعروف بالفعل، ما حفلت بنشره له باللسان، وأين يقع مديح اللسان

стр. 1069

من آثار العيان؟ إن اللسان قد يكذب، والحال لا تكذب، ولله در نصيب حيث يقول فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ثم قال: أعلمت أن ناووس أبرويز، أمدح لأبرويز من زهير لآل سنان؟ وقالت الحكماء: لسان الحال، أصدق من لسان الشكوى. وقد أجاد ابن الرومىّ في هذا المعنى فقال حالى تبوح بما أوليت من حسن ... فكلّ ما تدعيه غير مردود كلّى هجاء، وقتلى لا يحلّ لكم ... فما يداويكم منّى سوى الجود وقالوا: شهادات الأحوال، أعدل من شهادات الرجال. ذكر ما قيل في الوعد والإنجاز روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وعد المؤمن كأخذ باليد» . وقال الحسن بن على رضى الله عنهما: الوعد مرض في الجود، والإنجاز دواءه. ومن كلامه: المسئول حرّ حتّى يعد، ومسترقّ بالوعد حتى ينجز. وقال الزّهرىّ: حقيق على من أزهر بالوعد، أن يثمر بالفعل. وقال مسلم بن الوليد عن أبيه قال: سألت الفضل بن سهل حاجة، فقال: أشرّفك اليوم بالوعد، وأحبوك غدا بالإنجاز، فإنى سمعت يحيى بن خالد يقول: المواعيد شبكة من شباك الكرام، يصيدون بها محامد الأحرار، ولو كان المعطى لا يعد، لارتفعت مفاخر إنجاز الوعد، ونقص فضل صدق المقال. وقال الأبرش الكلبىّ لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، لا تصنع إلىّ معروفا حتى تعدنى، فإنه لم يأتنى منك سيب على غير وعد، إلا هان علىّ قدره، وقلّ منّى

стр. 1070

شكره، فقال له هشام: لئن قلت ذلك، لقد قال سيّد أهلك أبو مسلم الخولانىّ: أنجع المعروف في القلوب، وأبرده على الأكباد، معروف منتظر من وعد لا يكدّر بالمطل. وكان يحيى بن خالد لا يقضى حاجة إلا بوعد. وقالت أعرابيّة لرجل: مالك تعطى ولا تعد، فقال: مالك والوعد؟ قالت ينفسح به البصر، وينشر فيه الأمل، وتطيب بذكره النفس، ويرخى به العيش، وتربح به المدح بالوفاء. قيل: كلّم منصور بن زياد يحيى بن خالد في حاجة لرجل فقال: عده عنّى قضاءها، قال: وما يدعوك أعزّك الله الى العدة مع وجود القدرة؟ فقال يحيى: هذا قول من لا يعرف موضع الصنائع من القلوب، إن الحاجة إن لم تتقدمها بوعد ينتظر به نجحها؛ لم تتجاذب الأنفس بسرورها، ولم تتلذذ بتأميلها، وإن الوعد تطعّم، والإنجاز طعام، وليس من فاجأه طعام، كمن وجد رائحته، وتمطّق له وتطعّمه، ثم طعمه، فدع الحاجة تحتّم بالوعد، ليكون لها عند المصطنع اليه حسن موقع، ولطف محلّ. وقال عيسى بن ماهان: إنى أحبّ أن أهب بلا وعد، وأحبّ أن أعد، لأخرج من جملة المخلفين، وأدخل في عدد الوافين، ويؤثر عنّى كرم المنجزين، فإن من سبق فعله وعده، وصف بكرم فرد، وسقط عنه جميع ما ذكرت. قال ذكر العباس المأمون فقال: إنه ألقح معروفه عندى بالوعد، ونتجه بالنّجح، وأرضعه بالزيادة، وشيّبه بالتعهد، وهرّمه باستتمامه من جهاته، وهنأه «١» بترك الامتنان به.

стр. 1071

وشكا رجل جعفر بن يحيى لأبيه: أنه وعده وعدا ومطله به، فوقّع: يا بنىّ، أنتم معاقل الأحرار ومظانّ المطالب ومعادن الشكوى، فكونوا سواء في الأقوال والأفعال، فإن الحرّ، يدّخر وعد الحر ويعتقده وينفقه قبل ملكته، فإن أخفق أمله، كان سببا لذمّه واتّهامه وسوء ظنّه، حتّى يوارى قبح ذلك حسن يقينه، فأنجز الوعد، وإلا فأقصر القول، فإنه أعذر والسلام. قال: كلّم المأمون في الحسين بن الضحّاك الخليع أن يردّ عليه رزقه، فقال: أليس هو القائل في الأمين فلا فرح المأمون بالملك بعده ... ولا زال في الدّنيا طريدا مشردا فما زالوا يتلطفون معه في القول، إلى أن أذن له أن ينشده، فأنشده أبن لى فإنى قد ظمئت الى الوعد ... متى تنجز الوعد المؤكّد بالعهد؟ أعيذك من صدّ الملوك وقد ترى ... تقطّع أنفاسى عليك من الوجد فما لى شفيع عند حسنك غيره ... ولا سبب إلا التمسك بالودّ أيبخل فرد الحسن فرد صفاته ... علىّ وقد أفردته بهوى وحدى رأى الله عبد الله خير عباده ... فملّكه والله أعلم بالعبد فقال له المأمون: هذه بتلك، وقد عفونا عنك فقال: يا أمير المؤمنين، فأتبع عفوك إحسانك، فأمر بردّ أرزاقه عليه، وكانت في كلّ شهر خمسمائة دينار، فقال المأمون: لولا أنى نويت عفوا عنه، وجعلت ذلك وعدا له من قبل، ما فعلته، وإنما ذكر الوعد في تشبيبه يذكرنيه. وقال بعض ملوك العجم: البخل بعد الوعد، يضعف قبحه على البخل قبله، فما قولك في أمر، البخل أحسن منه؟

стр. 1072

وقال بعض الشعراء ولى منك موعود طلبت نجاحه ... وأنت امرؤ لا تخلف الدهر موعدا وعوّدتنى أن لا تزال تظلّنى ... يد منك قد قدّمت من قبلها يدا فلو أن محدا أو ندى أو فضيلة ... تخلّد شيئا كنت أنت المخلّدا وقال بشار وعد الكريم يحثّ نائله ... كالغيث يسبق رعده مطره وقال ابن الرومىّ يتخطّى العداة عمدا الى البذ ... ل كسحّ الحيا بلا إيماض ذكر ما قيل في الشفاعة قال الله عزّوجلّ: (مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها) . وقال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تعالى يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن عمره، فيقول له: جعلت لك جاها، فهل نصرت به مظلوما، أو قمعت به ظالما، أو أعنت به مكروبا» ؟ وقال ﷺ : «أفضل الصدقة أن تعين بجاهك من لا جاه له» وقال: «الخلق عيال الله، فأحبّهم اليه، أنفعهم لعياله» . وقال: «الشفيع جناح الطلب» . وقيل: قصد ابن السمّاك الواعظ رجلا في حاجة لرجل سأله الشفاعة فيها، فقال ابن السّماك: إنى أتيتك في حاجة، وأن الطالب والمطلوب اليه عزيزان إن قضيت الحاجة، وذليلان إن لم تقض، فاختر لنفسك عزّ البذل، على ذلّ المنع، واختر لى عزّ النّجح، على ذلّ الردّ، فقضى حاجته.

стр. 1073

قال أبو تمام واذا امرؤ أسدى اليك ضنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله وقال رجل لبعض الملوك: إن الناس يتوسّلون اليك بغيرك، يسألون معروفك، ويشكرون غيرك، وأنا أتوسّل اليك بك، ليكون شكرى لك لا لغيرك. قال بعض الشعراء إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ودّ يكون بشافع ذكر ما قيل في الاعتذار والاستعطاف رأيت جماعة من أهل الأدب قد ألحقوا الاعتذار والاستعطاف بالمدح، كالحمدونىّ فى تذكرته، وغيره، فلذلك أضفته اليه، وجعلته من فصوله. قال الله عزّوجلّ: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) . وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من اعتذر اليه أخوه المسلم، فلم يقبل، لم يرد على الحوض» . وقال علىّ رضى الله عنه: أولى الناس بالعفو، أقدرهم على العقوبة. وقال: العفو زكاة الظّفر. وقال: اذا قدرت على عدوّك، فاجعل عفوك عنه شكر المقدرة عليه. وقال الحسن بن علىّ رضى الله عنهما: لا تعاجل الذنب بالعقوبة، واجعل بينهما للاعتذار طريقا. وقال: أوسع ما يكون الكرم بالمغفرة، اذا ضاقت بالذنب المعذرة. وقال جعفر بن محمد الصادق: شفيع المذنب إقراره، وتوبة المجرم الاعتذار. وقالوا ما أذنب من اعتذر، ولا أسى من استغفر.

стр. 1074

وأوصى بعض الحكماء ولده فقال: يا بنىّ لا يعتذر اليك أحد من الناس، كائنا من كان، فى أى جرم كان، صادقا كان أو كاذبا، إلا قبلت عذره، فكفاك بالاعتذار برّا من صديقك، وذلّا من عدوّك. قال بعض الشعراء فإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر وقال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرىّ: الاعتذار ذلّة، ولا بدّ منه، لأن الإصرار على الذنب، فيما بينك وبين خالقك هلكة، وفيما بينك وبين صديقك فرقه، وعند سائر الناس مثلبة وهجنة، فعليك به، اذا واقعت الذنب، وقارفت الجرم، ولا تستنكف من خضوعك وتذلّلك فيه، فربما استثير العزّ من تحت الذلة، واجتنى الشرف من شجرة النذلة، وربّ محبوب في مكروه، والمجد شهد يجتنى من حنظل. قال: ومما خصّ به الاعتذار أنّ الحقّ لا يثبت لباطله، والحقيقة لا تقوم مع تخييله وتمويهه، وأنّ ردّه لا يسع مع الكذب اللائح في صفحاته. وقالوا: لا عذر فى ردّ الاعتذار، والمعتذر من الذنب، كمن لا ذنب له، وهذه خصلة لا يشركه فيها غيره. قال بعضهم: كنت بحضرة عبيد الله بن سليمان، فوردت عليه رقعة من جعفر ابن توّابة، نسختها: قد فتحت للمظلوم بابك، ورفعت عنه حجابك، فأنا أحاكم الأيّام الى عدلك، وأشكو صروفها الى فضلك، وأستجير من لؤم غلبتها بكرم قدرتك، وحسن ملكتك، فإنها تؤخّرنى اذا قدّمت، وتحرمنى اذا قسّمت، فإن

стр. 1075

أعطت أعطت يسيرا، وإن ارتجعت ارتجعت كثيرا، ولم أشكها الى أحد قبلك، ولا أعددت الانتصاف منها إلا الى فضلك، ولى مع ذمام المسألة لك، وحقّ الظّلام اليك، ذمام تأميلك، وقدم صدق في طاعتك، والذى يملأ من النّصفة يدى، ويفرغ الحقّ علىّ، حتى تكون لى محسنا، وأكون بك الى الأيام مقرّبا، أن تخلطنى بخواصّ خدمك الذين نقلتهم من حدّ الفراغ الى الشغل، ومن الخمول الى النباهة والذّكر، فإن رأيت أن تعذّبنى فقد استعديت اليك، وتنصرنى فقد عذت بك، وتوسع لى كنفك فقد أويت اليه، وتسمنى بإحسانك فقد عوّلت عليه، وتستعمل يدى ولسانى فيما يصلحان له من خدمتك، فقد درست كتب أسلافك وهم القدوة في البيان، واستضأت بآرائهم، واقتفوت آثارهم اقتفاء جعلنى بين وحشىّ الكلام وأنيسه، ووقفنى منه على جادة متوسطة، يرجع اليها العالى، ويلحق بها المقصّر التالى، فعل إن شاء الله. قال: فعل إن شاء الله! قال: فجعل عبيد الله يرددها ويستحسنها؛ ثم قال: هذا أحقّ بديوان الرسائل. ومن الاستعطاف: ما حكى أن محمد بن الحنفيّة، جرى بينه وبين أخيه الحسين، كلام افترقا بسببه متغاضبين؛ فلما وصل محمد الى منزله، كتب الى الحسين رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن لك شرفا لا أبلغه، وفضلا لا أدركه، أبونا علىّ، لا أفضلك فيه ولا تفضلنى، وأمّى امرأة من بنى حنيفة، وأمّك فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ولو كان ملء الأرض نساء مثل أمى ما وفين بأمّك، فاذا قرأت رقعتى هذه فالبس رداءك ونعليك وتعال لتترضّانى، وإياك أن أسبقك الى هذا الفضل الذى أنت أولى به منى والسلام. فلبس الحسين رداءه ونعليه وجاء الى محمد وترضّاه.

стр. 1076

وقيل: وقّع جعفر بن يحيى في رقعة معتذرا: قد تقدمت طاعتك ونصيحتك، فإن ثبت منك هفوة فلن تغلب سيئة حسنتين. وقال شاعر إرض للسائل الخضوع وللقا ... رف ذنبا مذلّة الإعتذار قال أبو هلال العسكرىّ: لم يرو عن أحد قبل النابغة الذبيانىّ في الاعتذار شعر؛ فمن أجود ما روى له فيه، قوله حين سعى به المنخّل اليشكرىّ الى النّعمان، وزعم أنه غشى المتجرّدة حظيّة النعمان، وذلك حين وصفها النابغة في شعره فقال واذا لمست، لمست أخثم جاثما ... متحيّزا بمكانه ملء اليد واذا طعنت، طعنت في مستهدف ... رابى المحبّسة بالعبير مقرمد واذا نزعت، نزعت من مستحصف ... نزع الحزوّر بالرّشاء المحصد فقال المنخّل للنعمان: هذا وصف من ذاقها، فوقر ذلك في نفس النعمان، ثم وفد عليه رهط من بنى سعد بن زيد مناة من بنى قريع، فأبلغوه أن النابغة ما يزال يذكرها ويصف منها، فأجمع النعمان على الإيقاع بالنابغة، فعرّفه بذلك عصام حاجب النعمان، وهو الذى قيل فيه نفس عصام سوّدت عصاما فانطلق النابغة الى آل غسّان وكانوا قتلوا المنذر ولد النعمان، فزادهم لحاق النابغة بهم حشمة؛ ثم اتصلت بالنعمان كثرة مدائح النابغة لهم، فحسدهم عليه وأمّنه وراسله فى المصير اليه، فأتاه وجعل يعتذر ممّا قذف به ومن مدحه لآل غسّان فقال حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب

стр. 1077

لئن كنت قد بلّغت عنى جناية ... لمبلغك الواشى أغشّ وأكذب ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث! أىّ الرجال المهذب؟ فأن أك مظلوما، فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى، فمثلك يعتب يقول: مثلك يعفو ويحسن وإن كان عاتبا، وفي كرمك ما يفعل ذلك، ولك العتبى والرجوع الى ما تحبّ، ومنه قوله أيضا للنعمان أتانى أبيت اللّعن! أنك لمتنى ... وتلك التى تستكّ منها المسامع مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع فبتّ كأنّى ساورتنى ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السمّ ناقع لكلّفتنى ذنب امرىء وتركنه ... كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع الى أن قال فإن كنت لا ذو الضّغن عنى مكذّب ... ولا حلفى على البراءة نافع ولا أنا مأمون بشىء أقوله ... وأنت بأمر لا محالة وقع فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك وسع وقال أيضا أنبئت أن أبا قابوس أوعدنى ... ولا قرار على زار من الأسد مهلا، فداء لك الأقواء كلّهم، ... وما أثمّر من مال ومن ولد لا تقذفنّى بركن لا كفاء به ... وإن تأثّفك «١» الأعداء بالرّفد ما قلت من سيىء ممّا أتيت به ... اذا فلا رفعت سوطى الى يدى قال: فخلع عليه النعمان خلع لرضى، وكنّ حبرات خضرا مطّرقّة بالجوهر.

стр. 1078

قال العسكرىّ: ولم يسلك أحد طريقته فأحسن فيها كإحسان البحترىّ، فمن اعتذاراته قوله في قصيدته التى أوّلها لوت بالسلام بنانا خضيبا قال منها فديناك من أىّ خطب عرى ... ونائبة أو شكت أن تنوبا وإن كان رأيك قد حال فيّ ... وأوليتنى بعد شرّ قطوبا يريبنى الشىء تأتى به ... وأكبر قدرك أن أستريبا وأكره أن يتمادى علىّ سبيل اغترار ... فألقى شعوبا أكذّب نفسى بأن قد سخطت ... وما كنت أعهد ظنّى كذوبا ولو لم تكن ساخطا لم أكن ... أذمّ الزمان وأشكو الخطوبا أيصبح ودّى في ساحتي ... ك طرقا «١» ومرعاى محلا جديبا وما كان سخطك إلا الفراق ... أفاض الدموع وأشجى القلوبا ولو كنت أعرف ذنبا لما كا ... ن خالجنى الشك في أن أتوبا سأصبر حتى ألاقى رضاك ... إما بعيدا وإما قريبا أراقب رأيك حتى يصحّ ... وأنظر عطفك حتى يثوبا وقوله عذيرى من الأيّام رنّقن مشربى ... ولقّيننى نحسا من الطير أشأما وأكسبننى سخط امرىء بتّ موهنا ... أرى سخطه ليلا مع الصبح مظلما تبلّج عن بعض الرضى، وانطوى على ... بقية عتب شارفت أن تصرّما اذا قلت يوما: قد تجاوز حدّها ... تلبّث في أعقابها وتلوّها وأصيد إن نازعته الطرف رده ... قليلا، وإن راجعته القول جمجما

стр. 1079

ثناه العدا عنى، فأصبح معرضا ... ووهّمه الواشون حتى توهّما وقد كان سهلا واضحا فتوعّرت ... رباه، وطلقا ضاحكا فتجهّما أمتّخذ عندى الإساءة محسن ... ومنتقم منى امرؤ كان منعما ومكتسب فيّ الملامة ماجد ... يرى الحمد غنما والملامة مغرما يخوّفنى من سوء رأيك معشر ... ولا خوف إلا أن تجور وتظلما أعيذك أن أخشاك من غير حادث ... تبيّن، أو جرم إليك تقدما الست الموالى فيك نظم قصائد ... هى الأنجم اقتادت مع الليل أنجما؟ أعد نظرا فيما تسخطت، هل ترى ... مقالا دنيئا أو فعالا مذمّما؟ وكان رجائى أن أؤوب مملّكا ... فصار رجائى أن أؤوب مسلّما حياء فلم يذهب بى الغىّ مذهبا ... بعيدا، ولم أركب من الأمر معظما ولم أعرف الذنب الذى سؤتنى له ... فأقتل نفسى حسرة وتندّما ولو كان ما خبّرته أو ظننته ... لما كان غروا أن ألوم وتكرما أذكّرك العهد الذى ليس سؤددا ... تناسيه، والودّ الصحيح المسلّما وما حمل الركبان شرقا ومغربا ... وأنجد في أعلى البلاد وأتهما أقرّ بما لم أجنه متنصّلا ... اليك، على أنى إخالك ألوما لى الذنب معروفا. فإن كنت جاهلا ... به، فلك العتبى علىّ وأنعما ومثلك، إن أبدى الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمّما وقال سعيد بن حميد لم آت ذنبا، فإن زعمت بأن ... أتيت ذنبا، فغير معتمد قد تطرف الكفّ عين صاحبها ... فلا يرى قطعها من الرشد

стр. 1080

وقال آخر وكنت اذا ما جئت أدنيت مجلسى ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر فمن لى بالعين التى كنت مرّة ... الىّ بها في سالف الدهر تنظر؟ وقال آخر اغتفر زلّتى لتحرز فضل ال ... عفو عنى ولا يفوتك أجرى لا تكلنى الى التوسّل بالعذ ... ر لعلّى أن لا أقوم بعدرى وقال بعض فضلاء الأندلس إنى جنيت ولم يزل أهل النهى ... يهبون للجانين ما يجنونه ولقد جمعت من الذنوب فنونها ... فاجمع من الصفح الجميل فنونه من كان يرجو عفو من هو فوقه ... فليعف عن ذنب الذى هو دونه الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الثانى فى الهجاء ، وفيه أربعة عشر فصلا ما قيل في الهجاء ومن يستحقّه. ما قيل في الحسد. ما قيل في السعاية والبغى. ما قيل في الغيبة والنميمة. ما قيل في البخل واللؤم وأخبار البخلاء واحتجاجهم.

стр. 1081

ما قيل في التطفيل ويتّصل به أخبار الأكلة والمؤاكلة. ما قيل في الجبن والفرار. ما قيل في الحمق والجهل. ما قيل في الكذب. ما قيل في الغدر والخيانة. ما قيل في الكبر والعجب. ما قيل في الحرص والطمع. ما قيل في الوعد والمطل. ما قيل في العىّ والحصر. ذكر ما قيل في الهجاء ومن يستحقه قال الله تعالى: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) فهذه رخصة لمن ظلم فى الانتصار. وقال حسّان بن ثابت الأنصارىّ يردّ على أبى سفيان بن الحارث ألا أبلغ أبا سفيان عنى ... مغلغلة «١» فقد برح الخفاء هجوت محمّد، فأجبت عنه، ... وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء

стр. 1082

لنا في كلّ يوم من معدّ ... سباب أو قتال أو هجاء لسانى صارم لا عيب فيه ... وبحرى لا تكدّره الدّلاء فإنّ أبى ووالدتى وعرضى ... لعرض محمّد منكم وقاء ويستحقّ الهجاء من اتصف بسوء الخصال، واتسم بأخلاق الأرذال والأنذال، وجعل اللؤم جلبابه وشعاره، والبخل وطاءه ودثاره، وسأذكر جماع ما اتصفوا به من سوء الفعال، وأسّسوا بنيانهم عليه من قبح الخلال. قال بعض الحكماء: أربعة من علامات اللؤم: إفشاء السرّ، واعتقاد الغدر، وغيبة الأحرار، وإساءة الجوار. وسأل عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف عن خلقه، فتلكأ عليه وأبى أن يخبره فأقسم عليه فقال: حسود، كنود، حقود، فقال عبد الملك: ما في إبليس شرّ من هذه الخلال؛ فبلغ ذلك خالد بن صفوان فقال: لقد انتحل الشرّ بحذافيره، ومرق من جميع خلال الخير، وتأنق في ذمّ نفسه، وتجرّد في الدلالة على لؤم طبعه، وأفرط في إقامة الحجّة على كفره، وخرج من الخلال الموجبة رضى ربّه. قال أبو تمام تأنّست بذميم الفعل طلعته ... تأنّس المقلة الرمداء بالظلم وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «أربعة، من كنّ فيه فهو منافق، من اذا حدّث كذب، واذا وعد أخلف، واذا عاهد غدر، واذا أؤتمن خان» . وقالوا: اللئيم كذوب الوعد، خؤون العهد، قليل الرفد، وقالوا: اللئيم اذا استغنى بطر، واذا افتقر قنط، واذا قال أفحش، واذا سئل بخل، وإن سأل ألحّ، وإن

стр. 1083

أسدى اليه صنيع أخفاه، وإن استكتم سرّا أفشاه، فصديقه منه على حذر، وعدوّه منه على غرر «١» . وإنّ للشعراء والبلغاء في الذّم والهجاء نظما ونثرا سنورد منه طرفا، ونشرح ما يجعل ضوء النهار على المقول فيه سدفا «٢» . فمن ذلك ما قاله أحمد بن يوسف الكاتب في بنى سعيد بن مسلم بن قتيبة: محاسنهم مساوىء السّفل، ومساوئهم فضائح الأمم، وألسنتهم معقودة بالعىّ، وأيديهم معقولة بالبخل، وأعراضهم أعراض الذمّ؛ فهم كما قيل لا يكثرون وإن طالت حياتهم ... ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا وذمّ أعرابى قوما فقال هم أقلّ الناس ذنوبا الى أعدائهم، وأكثرهم تجرؤا على أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على الفحشاء. وذمّ أعرابىّ قوما فقال: قوم سلخت أقفاؤهم بالهجاء، وذبغت جلودهم باللؤم، فلباسهم في الدنيا الملامة، وفي الآخرة الندامة. وكان عيسى بن فرخان شاه يتيه على أبى العيناء حال وزارته، فلما صرف عن الوزارة لقى أبا العيناء في بعض السكك فسلّم عليه سلاما خفيفا، فقال أبو العيناء لقائده: من هذا؟ قال: أبو موسى، فدنا منه حتّى أخذ بعنان بغلته وقال: لقد كنت أقنع بإيمائك دون بنانك، وبلحظك دون لفظك، الحمد لله على ما آلت اليه حالك، فلئن كانت أخطأت فيك النعمة، لقد أصابت فيك النقمة؛ ولئن كانت الدنيا أبدت صفحاتها بالإقبال عليك، لقد أظهرت محاسنها بالإدبار عنك، ولله المنّة

стр. 1084

إذ أغنانا عن الكذب عليك، ونزّهنا عن قول الزور فيك، وقد والله أسأت حمل النعمة، وما شكرت حقّ المنعم؛ ثم أطلق يده من عنانه، ورجع الى مكانه فقيل له: يا أبا عبد الله! لقد بالغت في السّبّ؛ فما كان الذنب؟ قال: سألته في حاجة أقلّ من قيمته، فردّنى عنها بأقبح من خلقته. قال بعض الأعراب: نزلت بذاك الوادى فإذا ثياب أحرار على أجسام عبيد، إقبال حظهم، إدبار حظ الكرام؛ ألمّ بهذا المعنى شاعر فقال أرى حللا تصان على رجال ... وأعراضا تذال ولا تصان يقولون الزمان به فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزمان وسئل بعض البلغاء عن رجل فقال: هو صغير القدر، قصير الشّبر، ضيّق الصدر، لئيم النّجر «١» ، عظيم الكبر، كثير الفخر. وذمّ أعرابىّ رجلا فقال: هو عبد البدن، حرّ الثياب، عظيم الرّواق، صغير الأخلاق، الدهر يرفعه، ونفسه تضعه. وقال آخر: فلان غثّ في دينه، قذر في دنياه، رثّ في مروءته، سمج في هيئته، منقطع الى نفسه، راض عن عقله، بخيل بما أنعم الله عليه، كتوم لما آتاه الله من فضله، حلّاف لجوج، إن سأل ألحف، وإن وعد أخلف، لا ينصف الأصاغر، ولا يعرف حقّ الأكابر. وترجم الفتح بن عبد الله القيسىّ صاحب قلائد العقيان في كتابه عن أبى بكر بن ماجة المعروف بابن الصائغ فقال: هو رمد جفن الدّين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا، وهجر مفروضا ومسنونا، فما يشرع، ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا

стр. 1085

يشرع، ناهيك به من رجل ما تطهّر من جنابه، ولا أظهر مخيلة إنابه، ولا استنجى من حدث، ولا أسجى فؤاده موارى في جدث، ولا أقرّ ببارئه ومصوّره، ولافرّ عن تباريه في ميدان تهوّره، الإساءة اليه أجدى من الإحسان، والبهيمة أهدى عنده من الإنسان، نظر في تلك التعاليم، وفكّر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم، ونبذه وراء ظهره، ثانى عطفه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن يكون له عند الله ﵎ فيئة، وحكم للكواكب بالتدبير، واجترم على الله اللطيف الخبير، واجترأ عند سماع النهى والإيعاد، واستهزأ بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) فهو يعتقد أن الزمان دور، وأن الإنسان نبات له نور، حمامة تمامه، واختلافه فطامه، قد محى الإيمان من قلبه فما له فيه رسم، ونسى الرحمن لسانه فما يمرّ له عليه اسم، وانتمت نفسه للضلال وانتسبت، ونفت يوما تجزى فيه كلّ نفس بما كسبت، فقصر عمره على طرب ولهو، واستشعر كل كبر وزهو، وهو يعكف على سماع التلاحين، ويقف عليها كلّ حين، يعلن بذلك الاعتقاد، ولا يؤمن بشىء قادنا الى الله فى أسلس مقاد، مع منشإ وخيم، ولؤم أصل وخيم «١» ، وصورة شوّهها الله وقبحها، وطلعة لو رآها كلب لنبحها، وقدارة يؤذى البلاد نفسها، ووضارة يحكى الحداد دنسها وفند لا يعمر إلا كنفه، ولدد لا يقوّم إلا الصّفاد جنفه «٢» . وكتب أحمد بن يوسف: أما بعد فإنى لا أعرف للمعروف طريقا أوعر من طريقه إليك، لأنه يحصل منك بين حسب دنىء، ولسان بذىء، وجهل قد ملك عليك طباعك، فالمعروف لديك ضائع، والشكر عندك مهجور، وإنما غايتك في المعروف أن تحوّره، وفي وليّه أن تكفّره.

стр. 1086

ومما قيل في الهجاء من النظم فمن ذلك قول جرير وهو أهجى بيت قالته العرب فغضّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا ولو وضعت فقاح بنى نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا وقال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه: هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر ودّوا أنهم افتدوا منه بأموالهم، وشعر لم يسرّهم به حمر النّعم فقال أسماء بن خارجة: نحن يا أمير المؤمنين! قال: وما قيل فيكم: قال: قول الحارث بن ظالم وما قومى بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشّعر الرّقابا فو الله يا أمير المؤمنين! إنى لألبس العمامة الصفيقة فيخيّل إلىّ أن شعر قفاى قد بدا منها، وقول قيس بن الخطيم هممنا بالإقامة يوم سرنا ... مسير حذيفة الخير بن بدر فما يسرّنا أنّ لنا بها أو به حمر النّعم، فقال هانىء بن قبيصة النّميرىّ: أولئك نحن يا أمير المؤمنين! قال: ما قيل فيكم؟ قال قول جرير فغضّ الطّرف إنك من نمير والله لوددنا أننا افتديناه بأملاكنا، وقول زياد الأعجم لعمرك ما رماح بنى نمير ... بطائشة الصّدور ولا قصار فو الله ما يسرّنا به حمر النّعم قال العسكرىّ وذكر أن جريرا لما قال والتّغلبىّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا.

стр. 1087

قال: قلت فيهم بيتا لو طعن أحدهم في استه لم يحكّها! وقالوا: مرت امرأة ببنى نمير فتغامزوا إليها فقالت: يا بنى نمير! لم تعملوا بقول الله ولا بقول الشاعر، يقول الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) ويقول الشاعر فغضّ الظّرف إنّك من نمير فحجلوا؛ وكان النّميرىّ إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من نمير، فصار يقول: من بنى عامر بن صعصعة. قال العسكرىّ: ولو قيل إنّ أهجى بيت قالته العرب قول الفرزدق لم يبعد وهو ولو ترمى بلؤم بنى كليب ... نجوم الليل ما وضحت لسارى ولو يرمى بلؤمهم نهار ... لدنّس لؤمهم وضح النّهار وما يغدو عزيز بنى كليب ... ليطلب حاجة إلا يحار ومثله قول الآخر ولو أنّ عبد القيس ترمى بلؤمها ... على الليل لم تبد النجوم لمن يسرى وقالوا: أهجى بيت قالته العرب قول الأعشى تبيتون في المشتا ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا وهذا البيت من أبيات ولها سبب نذكره الآن في هذا الموضع وإن كان خارجا عن مكانه وذلك: أن عامر بن الطّفيل بن مالك وعلقمة بن علائة تنازعا الزعامة فقال عامر: أنا أفضل منك! وهى لعمّى ولم يمت، وعمّه عامر بن مالك بن جعفر ابن كلاب وكان قد أهتر وسقط، وقال علقمة: أنا أفضل منك! أنا عفيف، وأنت

стр. 1088

عاهر، وأنا وفىّ وأنت غادر، وأنا ولود وأنت عاقر، وأنا أدنى الى ربيعة، فتداعيا الى هرم بن قطنة؛ ليحكم بينهما فرحلا اليه ومع كل واحد منهما ثلاثمائة من الإبل، مائة يطعمها من تبعه، ومائة يعطيها للحاكم، ومائة تعقر إذا حكم؛ فأبى هرم بن قطنة أن يحكم بينهما مخافة الشّرّ وأبيا أن يرتحلا؛ فخلا هرم بعلقمة وقال له: أترجو أن ينفّرك رجل من العرب على عامر فارس مضر؛ أندى الناس كفّا، وأشجعهم لقاء، لسنان رمح عامر أذكر في العرب من الأحوص، وعمّه ملاعب الأسنة، وأمّه كبشة بنت عروة الرّحال، وجدّته أم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضّحياء، وأمك من النّخع، وكانت أمّه مهيرة، وأمّ علاثة أخيذة من النّخع، ثم خلا بعامر فقال له: أعلى علقمة تفخر؟ أنت تناوئه؛ أعلى بن عوف بن الأحوص؛ أعفّ بنى عامر وأيمنهم نقيبة، وأحلمهم وأسودهم وأنت أعور عاقر مشئوم! أما كان لك رأى يزعك عن هذا! أكنت تظنّ أن أحدا من العرب ينفّرك عليه؟ فلما اجتمعا وحضر الناس للقضاء قال: أنتما كركبتى الجمل فتراجعا راضيين. قال العسكرىّ: والصحيح أنه توارى عنهما ولم يقل شيئا فيهما ولو قال: أنتما كركبتى الجمل لقال كل واحد منهما: أنا اليمنى، فكان الشرّ حاضرا؛ قال وسأله عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعد ذلك بحين: لمن كنت حاكما لو حكمت؟ فقال: أعفنى يا أمير المؤمنين! فلو قلتها لعادت جذعة. فقال عمر: صدقت! مثلك فليحكم. قال فارتحلوا عن هرم لما أعياهم نحو عكاظ فلقيهم الأعشى منحدرا من اليمن، وكان لمّا أرادها قال لعلقمة: اعقد لى حبلا فقال: أعقد لك من بنى عامر! قال: لا يغنى عنّى قال: فمن قيس! قال: لا، قال: فما أنا بزائدك، فأتى عامر بن الطفيل فأجاره من أهل السماء والأرض فقيل له: كيف تجيره من أهل السماء؟ قال: إن مات

стр. 1089

وديته، فقال الأعشى لعامر: أظهر أنكما حكّتمانى ففعل؛ فقام الأعشى فرفع عقيرته (أى صوته) فى الناس فقال حكّمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر لا يأخذ الرّشوة في حكمه ... ولا يبالى خسر الخاسر علقم لا لست الى عامر الناقض ... الأوتار والواتر واللابس الخيل بخيل اذا ... ثار عجاج الكبّة الثائر إن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بنى عامر ساد وألفى رهطه سادة ... وكابرا سادوك عن كابر قال وشدّ القوم في أعراض الإبل المائة فعقروها وقالوا: نفّر عامر، وذهبت بها الغوغاء، وجهد علقمة أن يردّها فلم يقدر على ذلك، فجعل يتهدّد الأعشى فقال أتانى وعيد الحوص من آل عامر ... فيا عبسه عمرو لو نهيت الأحاوصا فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمّكم ... وبحرك ساج لا يوارى الدّعا مصا كلا أبويكم كان فرعا دعامة ... ولكنّهم زادوا وأصبحت ناقضا تبيتون في المشتا ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا يراقبن من جوع خلال مخافة ... نجوم العشاء العاتمات الغوامصا رمى بك في أخراهم تركك النّدى ... وفضّل أقواما عليك مراهصا فعضّ حديد الأرض إن كنت ساخطا ... بفيك وأحجار الكلاب الرّواهصا قال فبكى علقمه لما بلغه هذا الشعر وكان بكاؤه زيادة عليه في العار، والعرب تعيّر بالبكاء؛ قال مهلهل يبكى علينا ولا نبكى على أحد ... ونحن أغلظ أكبادا من الإبل

стр. 1090

وقال جرير بكى دوبل لا يرقىء الله دمعه ... ألا إنما يبكى من الذّل دوبل قال عبد الملك بن مروان لأمية: مالك وللشاعر إذ يقول إذا هتف العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الشدائد فقال: أصابه حدّ من حدود الله فأقمته عليه قال: فهلّا درأته عنه بالشّبهات؟ قال: كان أهون علىّ من أن أعطّل جدّا من حدود الله فقال: يا بنى أمية! أحسابكم أحسابكم، أنسابكم أنسابكم، لا تعرضوا للفصحاء فإن للشعر مواسم لا يزيدها الليل والنهار إلا جدّة، والله ما يسرّنى أنى هجيت ببيت الأعشى حيث يقول: تبيتون في المشتا الخ ولى الدنيا بحذافيرها ولو أن رجلا خرج من عرض الدنيا كان قد أخذ عوضا لقول ابن حرثان على مكثريهم حقّ من يعتريهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل وهذا البيت لزهير. وقالوا أهجى بيت قالته العرب قول الحضيئة؟؟ في الزّبرقان بن بدر دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى ولهذا الشعر حكاية نذكرها في أخبار الحطيئة في البخلاء. وقيل: أتفق جماعة من الشعراء على أن أهجى بيت قالته العرب، قول الفرزدق في جرير أنتم قرارة كلّ معدن سوءة ... ولكلّ سائلة تسيل قرار أخذه أبو تمام فقال وكانت زفرة ثم اطمأنت ... كذاك لكل سائلة قرار
следующие страницы →