Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.
стр. 10291
كانوا بنواحى الغوطة»
فأخذوه وحملوه إلى تاج الملوك صاحب دمشق، فحبسه عنده، فسمع أتابك زنكى خبره، فأرسل إليه يطلبه منه ويتهدده إن لم يرسله إليه، فأرسله إليه، فأحسن إليه زنكى إحسانا لم يسمع بمثله، وكان قد ظن أنه يهلكه فأقام عنده وانحدر معه إلى العراق (والله اعلم) .
وفى سنة أربع وعشرين وخمسماية خرج الملك مسعود بن محمد من خراسان وكان عند عمه السلطان سنجر ووصل إلى ساوه. فسار السلطان من بغداد إلى همذان، وفى ظنه أن مسعود يخالفه على عادته. فلما وصل إلى كرمان وصل إليه أخوه الملك مسعود وخدمه، فأقطعه كنجه وأعمالها.
ذكر وفاة السلطان محمود وشىء من اخباره وملك ابنه داود
كانت وفاته بهمذان فى شوال سنة خمس وعشرين وخمسماية وكان له من العمر نحو سبع «٢» وعشرين سنة، وكانت مدة سلطنته ثلاث عشرة سنة «٣» وتسعة أشهر وعشرين يوما وكان حليما كريما عاقلا، يسمع ما يكره فلا يعاقب عليه مع القدرة، قليل الطمع
стр. 10292
فى أموال الناس، عفيفا عنها، كافا لأصحابه عن الظلم والتطرق إلى أموال رعيته.
ونقل بعض المؤرخين أن الأموال ضاقت فى آخر أيامه حتى عجزوا فى بعض الأيام عن إقامة وظيفة الفقاعى، فدفعوا له بعض صناديق الخزانة فباعها وصرف ثمنها فى حاجته. ولما توفى والد السلطان محمد خلف ثمانية آلاف ألف دينار، سوى المصوغات والجواهر وأصناف الثياب وغير ذلك، فآل الأمر فى أيام محمود إلى هذه الغاية. قال: وطلب يوما من سابور الخادم الخازن غالية «١» ، فشكا «٢» إليه الإقلال واستمهله. ثم أحضر إليه بعد مدة ثلاثين مثقالا، فقال له السلطان وكان خازن أبيه: «كم كان فى خزانة السلطان والدى من الغالية؟» فقال: «كان فى قلعة أصفهان منها فى أوانى الذهب والفضة والبلور المحكم والصينى ما يقارب ماية وثمانين رطلا، ومعنا فى خزانة الصحبة ما يقارب ثلاثين رطلا» فجعل يتعجب من ذلك ويقول لمن حضر: اعجبوا من التفاوت بين هذه الأيام وتلك» .
وكان له من الأولاد. محمدشاه ولى السلطنة، وملكشاه وليها أيضا، وجفرى شاه، وداود ووزراؤه ربيب الدولة أبو منصور وزير والده. ثم نظام الدين كمال الملك أبو طالب على بن أحمد السميرمى، صفى أمير المؤمنين إلى أن قتل كما ذكرناه. واستوزره بعده شمس الدين عثمان بن نظام الملك إلى أن قتله فى سنة سبع
стр. 10293
عشرة وخمسماية. واستوزر الوزير القوام أبا القاسم على بن الناصر النساباذى، وقبض عليه فى شهر رجب سنة عشرين. واستوزر شرف الدين أنوشروان بن خالد، ثم استعفى من الوزارة وأعيد الوزير أبو القاسم.
قال: ولما توفى السلطان محمود جلس ابنه داود فى السلطنة باتفاق من الوزير أبى القاسم، وأتابكه اقسنقر الأحمديلى، وخطب له فى جميع بلاد الجبل [وأذربيجان] «١» . ولما اطمأن الناس وسكنوا سار الوزير بأمواله إلى الرى ليأمن بها حيث هى للسلطان سنجر.
وكان سبب خوفه أنه قبل وفاة السلطان محمود خاف من جماعة من الأمراء وأعيان الدولة منهم: عين الدولة أبو نصر أحمد بن حامد المستوفى، والأمير أنوشتكين المعروف بشير كير. وولده عمر وهو أمير حاجب، فقبض عليهم. فأما عين الدولة فإنه أرسله إلى مجاهد الدين بهروز فحبسه بتكريت، ثم قتل بها، وأما شير كير وولده.
فقتلهما فى جمادى الآخرة.
ذكر أخبار السلطان غياث الدنيا والدين أبى الفتح مسعود بن ملكشاه وما كان من أمره، وخروجه من السلطنة وسلطنة أخيه السلطان طغرل، وعوده اليها
وقد رأيت من قدم أخبار السلطان طغرل على أخبار أخيه السلطان مسعود ثم ذكر سلطنة مسعود بعدها. وليس كذلك لأن السلطان
стр. 10294
طغرل ما تسلطن إلا بعد حرب السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر، ومسعود لم يحارب عمه سنجر بعد أن خطب له بالسلطنة فتعين بهذا أن السلطان مسعود تقدمه فى السلطنة وقد بدأت بأخبار السلطان مسعود وجعلت أخبار السلطان طغرل مندمجة فى أخبار السلطان مسعود وبينتها بالتراجم الدالة عليها لأن السلطان مسعود تسلطن قبله وعاش بعده.
ذكر ما اتفق للسلطان مسعود مع أخيه الملك سلجق شاه وداود بن محمود واستقرار السلطنة بالعراق لمسعود
قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه المترجم بالكامل: لما توفى السلطان محمود بن محمد، وخطب لولده الملك داود ببلاد الجبل أذربيجان سار الملك داود من همذان فى ذى القعدة سنة خمس وعشرين وخمسماية إلى زنكان «١» ؛ فأتاه الخبر بمسير عمه. السلطان مسعود من جرجان، وأنه وصل إلى تبريز واستولى عليها. فسار الملك داود إليه، وحصره بها وجرى بينهما قتال إلى سلخ المحرم سنة ست وعشرين، ثم اصطلحا وتأخر الملك داود مرحلة، وخرج السلطان مسعود من تبريز، واجتمعت عليه العساكر وسار إلى همذان وكانت رسل الملك داود تقدمت إلى بغداد فى طلب الخطبة، فأجاب المسترشد بالله إن الحكم فى الخطبة للسلطان سنجر، فمن أراد
стр. 10295
خطب له. وأرسل الخليفة إلى السلطان سنجر أن لا يأذن فى الخطبة لأحد، وأنه ينبغى أن تكون الخطبة له وحده دون بنى أخيه، فوقع ذلك منه موقعا حسنا. ثم إن السلطان مسعود كاتب عماد الدين أتابك زنكى صاحب الموصل وغيرها يستنجده ويطلب مساعدته فوعده بالنصر، فقويت نفسه بذلك على طلب السلطنة.
قال: ثم إن السلطان «١» سلجق شاه بن محمد ساربه أتابكه قراجا الساقى صاحب بلاد فارس وخوزستان فى عسكر كثير إلى بغداد، فوصل إليها قبل وصول أخيه السلطان مسعود، ونزل بدار السلطنة، فأكرمه الخليفة واستخلفه لنفسه. ثم [وصل رسول السلطان] «٢» يطلب الخطبة لنفسه ويتهدد إن منعها، فلم يجبه المسترشد إلى ما طلب، فسار حتى نزل عباسية «٣» الخالص. فبرز عسكر الخليفة وعسكر سلجق شاه قراجا الساقى نحو مسعود، وقد عزموا على حربه، فأتاهم الخبر بوصول عماد الدين زنكى إلى المعشوق «٤» ، فعبر قراجا الساقى فى أكثر العساكر إلى الجانب الغربى وسار فى يوم وليلة إلى المعشوق، والتقى هو وزنكى فهزمه الساقى وأسر جماعة من أصحابه، وانهزم زنكى إلى تكريت، وسار إلى الموصل.
стр. 10296
قال: وسار السلطان مسعود من العباسية المالكية «١» ، وحصلت المناوشة بين عسكره وعسكر أخيه سلجق شاه ودامت يومين، فأرسل سلجق شاه إلى قراجا يستحثه فى العود، فعاد مسرعا. فلما علم مسعود بهزيمة زنكى رجع إلى ورائه، وأرسل إلى الخليفة يعرفه وصول السلطان سنجر إلى الرى، وأنه عازم على قصد الخليفة وغيره، ويقول: «إن رأيتم أن نتفق على قتاله ودفعه عن العراق [ويكون العراق] «٢» لوكيل الخليفة فأنا موافق على ذلك» . وترددت الرسائل بينهم، فوقع الاتفاق على أن يكون العراق لوكيل الخليفة، والسلطنة لمسعود وسلجق شاه ولى عهده، وتحالفوا على ذلك.
ودخل السلطان مسعود بغداد ونزل بدار السلطنة ونزل سلجق شاه بدار الشحنكية، وذلك فى جمادى الأولى سنة ست وعشرين وخمسماية.
ذكر الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجرشاه وهزيمة مسعود وسلطنة طغرل
قال: ولما وصل الخبر بوفاة السلطان محمود إلى عمه السلطان سنجرشاه، سار عن خراسان إلى بلاد الجبال «٣» ومعه الملك طغرل ابن السلطان محمد، وكان قد لازمه، فوصلا إلى الرى ثم إلى همذان، فاتصل الخبر المسترشد بالله والسلطان مسعود ومن
стр. 10297
قال: ولما تمت الهزيمة على مسعود، نزل السلطان سنجر وأحضر قراجا الساقى وسبه ووبخه وقال له: «يا مفسد، أى شىء كنت ترجو بقتالى» قال: «كنت أرجو أن أقتلك وأقيم سلطانا أحكم عليه» . فقتله صبرا، وأرسل إلى السلطان مسعود يستدعيه، فحضر إليه فأكرمه، وعاتبه على عصيانه ومخالفته وأعاده إلى كنجه.
وأجلس الملك طغرل ابن أخيه محمد فى السلطنة، وخطب له فى جميع البلاد، واستوزر له الوزير: أبا القاسم النساباذى وزير السلطان محمود، وعاد إلى خراسان.
ذكر الحرب بين السلطان طغرل بن محمد وبين أخيه الملك داود بن محمود
قال: لما توجه السلطان سنجر إلى خراسان عصى الملك داود بن محمود على عمه السلطان طغرل وجمع العساكر، وسار إلى همذان فى مستهل شهر رمضان سنة ست وعشرين وخمسماية. فخرج إليه السلطان طغرل، وعبى كل منهما أصحابه، والتقوا فوقع الخلف فى عسكر داود، فهرب أتابكه اقسنقر الأحمديلى، وتبعه الناس، وبقى الملك داود متحيرا إلى أوائل ذى الحجة منها فقدم بغداد هو وأتابكه الأحمديلى.
стр. 10298
ذكر عود السلطان مسعود [بن محمد] «١» الى السلطنة وانهزام طغرل
قال: لما سمع السلطان مسعود انهزام داود، وأنه قصد بغداد، سار هو أيضا إلى بغداد فى سنة سبع وعشرين وخمسماية. فلما قاربها لقيه داود ودخل فى خدمته إلى بغداد، ونزل بدار السلطنة فى صفر، وخاطب فى الخطبة، فأجيب إلى ذلك، وخطب له ولداود بعده. ودخلا إلى الخليفة فأكرمهما وخلع على مسعود فى يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الأول من السنة. وكانت الخلع سبع دراريع مختلفات الأجناس والألوان والسابعة سوداء، وتاجا مرصعا بالجوهر والياقوت، وطوق ذهب وسراويل، وقلده بسيفين وعقد له لواءين بيده، وسلم إليه داود بن أخيه وأوصاه به مشافهة.
ووقع الاتفاق على مسير مسعود وداود إلى أذربيجان، وأرسل الخليفة معهما عسكرا فساروا.
وملك مسعود سائر بلاد أذربيجان، وهرب من بها من الأمراء مثل قراسنقر وغيره، وتحصن كثير منهم بمدينة أردبيل «٢» ، فقصدهم مسعود وحصرهم بها وقتل منهم مقتلة عظيمة، وانهزم الباقون. ثم سار بعد ذلك إلى همذان لمحاربة أخيه الملك طغرل فاستولى عليها فى شعبان. ولما استقر بها قتل اقسنقر الأحمديلى،
стр. 10299
قتله الباطنية. وسار طغرل حتى بلغ قم «١» ، ثم عاد إلى أصفهان وأراد أن يتحصن بها، فسار إليه مسعود ليحاصره بها فرحل طغرل إلى بلاد فارس. واستولى مسعود على أصفهان، وفرح أهلها به، ثم سار منها نحو فارس، فوصل إلى موضع بقرب البيضا «٢» ، فاستأمن إليه أمير من أمراء أخيه طغرل معه أربعماية فارس، فأمنه فخاف طغرل من عسكره أن يلتحقوا بأخيه، فانهزم وقصد الرى.
قال: ولما تم على طغرل ماتم من الهزيمة، قال لوزيره أبى القاسم النساباذى: «قد علمت أنه ماتم علىّ هذا الخذلان إلا لظلمك للعباد فقال له: «لا تقلق، قد أمرت أهل ألموت بقتل اقسنقر وسائر أعدائك وهم فاعلون» فأمر به فضرب وصلب، فانقطع به الحبل، فقطع إربا إربا، وطيف بأعضائه فى كل بلد عضو، وكان قتله بأصفهان.
واستمر طغرل حتى أتى الرى فى ثلاثة آلاف فارس، وسار الملك مسعود فى طلبه فلحقه بموضع يقال له ذكراور، فوقع بينهما مصاف هناك، فانهزم طغرل ووقع عسكره فى أرض قد نضب عنها الماء، وهى وحل، فأسر منهم جماعة فأطلقهم مسعود، ولم يقتل فى هذا المصاف إلا نفر يسير. وكان هذا المصاف فى ثامن عشر شهر رجب سنة سبع وعشرين وخمسماية، ورجع الملك مسعود إلى همذان.
стр. 10300
ذكر عود الملك طغرل الى الجبل وانهزام السلطان مسعود
وفى سنة ثمان وعشرين وخمسماية عاد الملك طغرل إلى بلاد الجبل فملكها؛ وسبب ذلك أن السلطان مسعود لما عاد من حربه، بلغه عصيان داود ابن أخيه بأذربيجان، فسار إليه وحصره بقلعة روندر «١» واشتغل بحصره، فجمع الملك طغرل العساكر، واستمال بعض أمراء السلطان مسعود، وتقدم لفتح البلاد وفتحها أولا فأولا، وكثرت عساكره، فقصد مسعود. فلما قارب قزوين سار مسعود نحوه، ولما تدانا العسكران انهزم السلطان مسعود وذلك فى أواخر شعبان من السنة، فأرسل إلى الخليفة المسترشد بالله فى القدوم إلى بغداد فأذن له. وكان نائبه بأصفهان النفيس «٢» السلاحى ومعه الملك سلجق شاه، فلما سمعا بانهزام مسعود قصدا بغداد فنزل سلجق شاه بدار السلطان فأكرمه الخليفة وأنفذ إليه عشرة آلاف دينار، ثم قدم مسعود إلى بغداد، وأكثر أصحابه على الجمال لعدم الخيل، فأرسل إليه الخليفة ما يحتاج إليه من الخيل والخيام والسلاح والثياب وغير ذلك، ونزل بدار السلطنة، وذلك فى منتصف شوال من السنة. وأقام طغرل بهمذان فعاجلته المنية.
стр. 10301
ذكر وفاة الملك طغرل وملك أخيه السلطان مسعود بلد الجبل
كانت وفاته بهمذان فى المحرم سنة تسع وعشرين وخمسماية ومولده فى المحرم سنة ثلاث وخمسماية. وكان عاقلا خيرا عادلا، محسنا إلى الرعية قريبا منهم. وكان قبل وفاته قد خرج يريد السفر لقتال أخيه مسعود، فدعا له الناس فقال: «ادعو لخيرنا للمسلمين» وكان له من الأولاد أرسلان شاه، ولى السلطنة، ومحمد ألب أرسلان لم يلها. وزراؤه: الوزير قوام الدين النساباذى وزير السلطان محمود إلى أن قتله، ثم استوزر شرف الدين على بن رجا. قال: ولما توفى وصل الخبر بموته أخيه السلطان مسعود، فسار من وقته نحو همذان، وأقبلت العساكر إليه ودخلت فى طاعته، واستقل بالسلطنة بعده.
وفى هذه السنة وقع بين الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود، والتقوا واقتتلوا، فانهزمت عساكر الخليفة ثم قتل على ما قدمناه فى أخبار الدولة العباسية.
ذكر قتل الأمير دبيس بن صدقة
وفى سنة تسع وعشرين وخمسماية قتل السلطان مسعود الأمير دبيس بن صدقة وهو على باب سرادقه بظاهر مدينة خوى. أمر غلاما أرمنيا بقتله، فقام على رأسه وهو ينكت الأرض بإصبعه فضرب عنقه وهو لا يشعر. وكان صدقة يعادى المسترشد كما
стр. 10302
ذكرناه، فلما قتل المسترشد ظن صدقة أن الدنيا قد صفت له، فما لبث بعده. وهذه عادة الدنيا يتبع صفاها كدرها، وجودها ضررها كما قيل.
إن الليالى لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان
قال: ولما قتل دبيس كان ابنه صدقة بالحلة، فاجتمع إليه مماليك أبيه وأصحابه وكثر جمعه، وبقى بها إلى أن قدم السلطان بغداد فى سنة إحدى وثلاثين، فقصده وأصلح حاله معه، ولزم بابه.
ذكر اجتماع الأطراف على حرب السلطان مسعود وخروجهم عن طاعته
وفى سنة ثلاثين وخمسماية اجتمع كثير من أصحاب الأطراف على الخروج عن طاعة السلطان [مسعود] . فسار الملك داود ابن أخى السلطان فى عسكر أذربيجان إلى بغداد، فوصل إليها فى رابع صفر ونزل بدار السلطنة. ووصل بعده عماد الدين زنكى صاحب الموصل.
ووصل الأمير برنقش بازدار صاحب قزوين وغيرها؛ والنفيس الكبير [صاحب أصفهان وصدقة بن دبيس] «١» صاحب الحلة وغيرهم. فجعل الملك داود فى شحنكية بغداد برنقش بازدار، وقطعت خطبة السلطان مسعود وخطب لداود، فسار السلطان مسعود إلى بغداد، فتفرقت تلك الجيوش وسار الخليفة وزنكى إلى الموصل
стр. 10303
وخلع الراشد، وبويع المقتضى على ما قدمنا ذكره فى أخبار الدولة العباسية..
وفى سنة ثلاثين وخمسماية عزل السلطان وزيره شرف الدين أنوشروان بن خالد واستوزر كمال الدين أبا البركات بن سلمة الدر كزينى وهو من خراسان.
وفيها أرسل السلطان قراسنقر بعساكر كثيرة فى طلب الملك داود، فسار وأدركه عند مراغة، فالتقيا واقتتلا قتالا شديدا، فانهزم داود إلى خوزستان، فاجتمع عليه هناك كثير من التركمان وغيرهم، فبلغت عدتهم عشرة آلاف فارس، فقصد بهم تستر «١» وحاصرها. وكان عمه السلطان سلجق شاه ابن السلطان محمد بواسط، فأرسل إلى أخيه السلطان مسعود يستنجده ويستمده، فأمده بالعساكر، فسار إلى داود وهو يحاصر تستر، فالتقوا فانهزم سلجق شاه.
وفى سنة إحدى وثلاثين وخمسماية أذن السلطان مسعود للعساكر التى عنده ببغداد فى العود إلى بلادهم، وذلك فى المحرم منها. وسبب ذلك أنه بلغه أن الراشد بالله المخلوع فارق الموصل. قال: وزوج ابنته للأمير صدقة بن دبيس بن صدقة، وتزوج الخليفة المقتضى بفاطمة أخت السلطان فاطمأن السلطان عند ذلك وفرق العساكر.
стр. 10304
ذكر الحرب بين السلطان مسعود والملك داود ومن معه من الأمراء
وفى سنة اثنتين وثلاثين وخمسماية كانت الحرب بينهم، وسبب ذلك أن الراشد بالله المخلوع فارق الموصل وسار نحو أذربيجان فوصل إلى مراغة. وكان الملك داود بن محمود والأمير منكبرس صاحب فارس والأمير بوزابه نائبه بخوزستان، والأمير عبد الرحمن طغايرك على خوف ووجل من السلطان. فتجمعوا كلهم ووافقوا الراشد على الاجتماع معه ليكونوا يدا واحدة ويردوه إلى الخلافة فأجابهم إلى ذلك، إلا أنه لم يجتمع معهم. ووصل الخبر إلى السلطان وهو ببغداد، فسار عنها فى شعبان، والتقوا واقتتلوا، فانهزم الملك داود، وأسر الأمير منكبرس فقتل صبرا بين يدى السلطان وتفرقت عساكر السلطان مسعود فى النهب واتباع من انهزم، وكان بوزابه وعبد الرحمن طغايرك على نشز من الأرض، فرأيا السلطان وقد تفرقت عساكره، فحملا عليه، فلم يثبت لهما وانهزم، وقبض بوزابه على جماعة من الأمراء منهم صدقة بن دبيس صاحب الحلة وأتابك قراسنقر صاحب أذربيجان وعنتر بن أبى العساكر، وتركهم عنده. فلما بلغه قتل صاحبه منكبرس قتلهم جميعا وصار العسكران مهزومين، وهذا من عجيب الاتفاق.
وقصد السلطان مسعود أذربيجان وقصد الملك داود همذان، ووصل إليها الراشد بعد الوقعة واختلفت آراء الجماعة، فمنهم
стр. 10305
عز الملك. وضاقت الأمور على السلطان، فاستقطع البلاد على غير رضاه، ولم يبق له غير اسم السلطنة.
وفيها توفيت زبيدة خاتون زوجة السلطان مسعود، وهى ابنة السلطان بركياروق، فتزوج مسعود بعدها سفرى ابنة دبيس بن صدقة فى جمادى الأولى وتزوج أيضا ابنة قاروت، وهو من البيت السلجقى.
وفيها أيضا قتل السلطان [مسعود] ابن البقش السلاحى شحنة بغداد لظلمه وعسفه للناس، وجعل شحنة العراق مجاهد الدين بهروز، فأحسن السيرة.
وفى سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية قدم السلطان مسعود إلى بغداد فى فصل الشتاء، وصار يشتو «١» بالعراق ويصيف بالجبال. ولما قدمها أزال المكوس وكتب الألواح بإزالتها، ووضعت على أبواب الجوامع وفى الأسواق. وتقدم إلى الجند أن لا ينزل أحد منهم فى دار عامى إلا من اذن له، فكثر الدعاء له والثناء عليه.
وفى سنة تسع وثلاثين وخمسماية قبض السلطان على وزيره البروجردى، واستوزر بعده المرزبان أبا عبد الله بن نصر الأصفهانى وسلم إليه البروجردى، فاستخرج منه الاموال، ومات مقبوضا عليه.
стр. 10306
ذكر اتفاق بوزابة وعباس على الخروج عن طاعة السلطان مسعود
وفى سنة أربعين وخمسماية سار بوزابة صاحب فارس وخوزستان فى عساكره إلى قاشان، ومعه الملك محمد ابن السلطان محمود، واتصل بهم الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد، واجتمع بوزابه والأمير عباس صاحب الرى، واتفقا على الخروج عن طاعة السلطان وملكا كثيرا من بلاده. فأتاه الخبر وهو ببغداد ومعه الأمير عبد الرحمن طغايرك- وهو الحاكم فى دولته- وكان ميله إليهما. فسار السلطان عن بغداد فى شهر رمضان. فلما تقابل العسكران ولم يبق إلا القتال، لحق سليمان شاه بأخيه السلطان مسعود، وشرع عبد الرحمن فى تقرير الصلح على القاعدة التى أرادوها. وأضيف إلى عبد الرحمن ولاية أذربيجان وارّانية على ما بيده، وصار أبو الفتح بن دارست وزير السلطان مسعود، [وهو وزير بوزابه] «١» وصار السلطان معهم تحت الحجر.
ذكر قتل عبد الرحمن طغايرك وعباس صاحب الرى
وفى سنة إحدى وأربعين وخمسماية قتل السلطان مسعود الأمير عبد الرحمن طغايرك أمير حاجب دولته والحاكم عليها، وكان لم يبق للسلطان معه غير الاسم وكان سبب قتله أنه لما ضيق على السلطان
стр. 10307
وحجر عليه واستبد بالأمر دونه وأبعد خواصه عنه، فكان ممن أبعد عنه بك أرسلان المعروف بخاص بك، وكان السلطان قد رباه وقربه فأبعده عنه وحجبه، وصار لا يراه. وكان فى خاص بك عقل وتدبير وجودة قريحة، فاستقر بينه وبين السلطان قتل عبد الرحمن.
فاستدعى خاص بك من يثق به وتحدث معهم، فكلهم خاف الإقدام عليه إلا رجل اسمه زنكى- وكان جاندارا- فإنه بذل من نفسه أن يلقاه ويبدأه بالقتل، ووافق خاص بك على ذلك جماعة من الأمراء فبينما عبد الرحمن فى موكبه بظاهر جنزه «١» ، إذ ضربه زنكى الجاندار على رأسه بمقرعة حديد كانت فى يده، فسقط إلى الأرض وأجهز عليه خاص بك، وأعانه جماعة ممن كان واطأه من الأمراء.
وبلغ السلطان الخبر وهو ببغداد، ومعه الأمير عباس صاحب الرى وعسكره أكثر من عسكر السلطان، فأنكر الأمير عباس ذلك وتألم له، فداراه السلطان ولطف به، ثم استدعاه فى بعض الأيّام.
فلما عبر إليه، منع أصحابه من الدخول وعدل به إلى حجرة، وقيل له: اخلع الزردية، وكان لا يزال يلبسها، فقال: إن لى مع السلطان أيمانا وعهودا، فلكموه وخرج عليه غلمان أعدوا له، فتشاهد وخلع الزردية وألقاها فضربوه بالسيوف، واحتزوا رأسه، وألقوه إلى أصحابه، ثم ألقوا جسده ونهبت خيامه. وكان مقتله فى ذى القعدة.
وكان من غلمان السلطان محمود حسن السيرة ودفن بالجانب الغربى ثم أرسلت ابنته وحملته إلى الرى ودفنته هناك.
стр. 10308
قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل: ومن الاتفاق العجيب أن العبادى كان يعظ يوما فحضره عباس فأسمع [العبادى] بعض من حضر المجلس، ورمى بنفسه نحو الأمير عباس، فضربه أصحابه خوفا عليه، لأنه كان شديد الاحتراس من الباطنية، لا يفارق لبس الزردية ومعه الغلمان الأجلاد، فقال له العبادى: «يا أمير كم ذا الاحتراز، والله لئن قضى عليك بأمر لتحلن أنت بيدك أزرار الزردية، فينفذ القضاء فيك» فكان كما قال كان السلطان قد استوزر ابن دارسست وزير بوزابة كارها، فلما كان الآن استعفى وسأل العزل والعود إلى صاحبه فعزله وقرر معه أن يصلح له بوزابه ويزيل ما عنده من الاستشعار بسبب قتل عبد الرحمن وعباس.
وفيها حبس السلطان مسعود أخاه سليمان شاه بقلعة تكريت، والله أعلم.
ذكر قتل الأمير بوازبة
قال: ولما اتصل بالأمير بوزابة قتل عباس جمع عساكر فارس وخوزستان وسار إلى أصفهان فحصرها وسير عسكرا آخر إلى همذان، وعسكرا ثالثا إلى قلعة الباهلى «١» ثم سار هو عن أصفهان
стр. 10309
وراسل السلطان مسعود فى الصلح فلم يجبه؛ وسار مجدا فالتقيا بمرج قراتكين «١» واقتتل العسكران، فانهزمت ميمنة السلطان وميسرته واقتتل القلبان أشد قتال وأعظمه، وصبر الفريقان فسقط بوزابة عن فرسه بسهم أصابه. وقيل بل كبابه فرسه فأخذ أسيرا، وحمل إلى السلطان فقتل بين يديه، وانهزم أصحابه،. وبلغت هزيمة ميمنة السلطان وميسرته إلى همذان. وقتل من الفريقين خلق كثير. وكانت هذه الحرب من أعظم الحروب الكائنة بين الأعاجم.
وكانت فى سنة اثنتين وأربعين والله أعلم.
ذكر الخلف بين السلطان وجماعة من الأمراء ووصولهم الى بغداد وما كان منهم
وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسماية فارق السلطان مسعود جماعة من الأمراء الأكابر وهم: ايلدكز المسعودى صاحب كنجة وأرانية «٢» ، وتبر الحاجب، وطرنطاى المحمودى شحنة واسط، وابن طغايرك وغيرهم.
وكان سبب ذلك ميل السلطان إلى [خاص بك] ، واطراحه لهم فخافوا أن يفعل بهم كما فعل بعبد الرحمن وعباس وبوزابة، ففارقوه وساروا نحو العراق. فلما بلغوا حلوان خاف الناس ببغداد وأعمال
стр. 10310
العراق، وغلت الأسعار وأرسل الخليفة إليهم العبادى الواعظ فلم يرجعوا، ووصلوا إلى بغداد فى شهر ربيع الآخر، ومعهم الملك محمد ابن السلطان محمود، فنزلوا بالجانب الشرقى.
ووقع القتال بين الأمراء وعامة بغداد ومن بها من العسكر عدة وقعات، فانهزم الأمراء من العامة فى بعض الأيّام خديعة ومكرا، فلما تبعوهم عطفوا عليهم وقتلوهم، فأصيب أهل بغداد بما لم يصابوا بمثله وتفرق العسكر بالمحال الغربية، وأخذوا من أهلها الأموال الكثيرة ونهبوا بلد دجيل «١» وغيره، وأخذوا النساء والولدان ثم اجتمع الأمراء ونزلوا مقابل التاج «٢» وقبلوا الأرض أمام الخليفة المقتفى، وترددت الرسائل بينهم وبين الخليفة إلى آخر النهار، وعادوا إلى خيامهم ثم تفرقوا وفارقوا العراق.
هذا كله والسلطان ببلد الجبل، والرسل بينه وبين عمه سنجر تتردد. وكان سنجر يلومه على تقدمه خاصبك [خاص بك] ويتهدده أن يزيله عن السلطنة إن لم يبعده، وهو يغالط ولا يفعل. فسار السلطان سنجر إلى الرى، وسار السلطان مسعود إلى خدمته واسترضاه فسكن. وكان اجتماعهما فى سنة أربع وأربعين وخمسماية.
стр. 10311
ذكر وفاة السلطان مسعود
كانت وفاته بهمذان فى شهر رجب سنة سبع وأربعين وخمسماية ومرض بحمى حادة نحو أسبوع ومات، ودفن بمدرسة جمال الدين إقبال الجمدار. وكان مولده فى ذى القعدة سنة اثنتين وخمسماية، فيكون عمره أربعا «٣» وأربعين سنة وثمانية أشهر، ومدة سلطنته منذ وقع اسم السلطنة عليه إحدى وعشرين سنة وشهورا، بما فى ذلك من أيام أخيه السلطان طغرل. وكان ﵀ حسن الأخلاق والسيرة كريما عفيفا عن أموال الرعية من أصلح الملوك سيرة، وألينهم عريكة. ولما مات زالت سعادة البيت السلجقى بموته، ولم يقم له بعده قائمة، فكأنه المعنى بقول الشاعر:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
ذكر سلطنة ملكشاه بن محمود بن محمد طبر بن ملكشاه والقبض عليه
قال المؤرخ: كان السلطان مسعود قبل موته قد استدناه وقربه وأقره عنده، وعهد إليه بالسلطنة بعده. فلما توفى السلطان خطب الأمير خاصبك بن بلنكرى لملكشاه بالسلطنة باتفاق الأمراء، ورتب الأمور وقررها بين يديه، وأذعنت له جميع العساكر بالطاعة.
وكان ملكشاه شريبا خميرا، لا يصحو ساعة واحدة، كثير الاشتغال
стр. 10312
باللهو، فاجتمع الأمراء على خلعه وتولية السلطنة محمد بن محمود فخلعوه وقبض عليه خاصبك واعتقله بمرج همذان فتراخى مستحفظوه فهرب، ولم يطلب ولا علم له خبر فكانت مدة سلطنته شهرين أو ثلاثة. وقال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه: إنه توجه إلى أصفهان وكثرت جموعه، وكتب إلى بغداد فى طلب الخطبة لنفسه، فوضع الوزير عون الدين بن هبيرة خصيا كان خصيصا به يقال له أغلبك الكوهزاتينى «١» فمضى إلى بلاد العجم واشترى جارية من قاضى همذان بألف دينار، وباعها من ملكشاه ووضعها لتسمه، ووعدها بمواعيد كثيرة، فسمته فى لحم مشوى. فمات فى سنة خمس وخمسين وخمسماية، وجاء الطبيب فأعلم أصحابه أنه مات بسم، فقررت الجارية فأقرت. ولما مات خرج أهل البلد أصحابه وخطبوا لسليمان شاه بن محمد والله أعلم.
ذكر سلطنة محمد بن محمود
هو أبو شجاع محمد بن محمود ابن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان محمد جغرى بيك داود بن ميكائيل بن سلجق. ومحمد هذا فى طبقة محمود ومسعود ابنى محمد طبر، وقيل هو محمد بن محمود بن محمد طبر أخو ملكشاه الذى ذكرناه آنفا.
قال: ولما قبض خاصبك على ملكشاه أرسل إلى محمد وهو بخوزستان وكان عمه السلطان سنجر قد ملكه إياها، واستدعاه ليسلطنه،
стр. 10313
وسير إليه الأمير مشيد الدين وكاتبه الزنجانى، وكان قصد خاصبك أنه إذا حضر عنده قبض عليه وخطب لنفسه بالسلطنة. فلما اجتمعا بمحمد حسنا له قتل خاصبك إذا استقر فى السلطنة، وقالا له ان أمرك لا يتم إلا بقتله. وعادا إلى خاصبك وأخبراه أن محمدا قد حلف له، وسار محمد من خوزستان إلى همذان فى عدة يسيرة، فتلقاه خاصبك وخدمه وأجلسه على تخت المملكة، وذلك فى أوائل صفر سنة ثمان وأربعين وخمسماية، وخطب له بالسلطنة، وبالغ فى خدمته، وحمل إليه هدايا عظيمة جليلة المقدار.
ولما كان فى اليوم الثانى أو الثالث من جلوسه، استدعى خاصبك ليشاوره فجاء إليه ومعه زنكى الجاندار، وهما قتلة عبد الرحمن طغايرك فقتلهما جميعا، وألقى رأسيهما إلى أصحابهما، فتفرقوا ولم ينتطح فيها عنزان. ووجد فى خزانة خاصبك ألف وسبعماية ثوب من الديباج لون العنابى خاصة، سوى أنواع الثياب الأطلس والمصور وغير ذلك. وطلب له كفن فلم يقدر عليه، حتى جبى له من سوق العسكر.
قال وكان أيدغدى التركمانى- المعروف بشملة- مع خاصبك لما استدعاه السلطان، فنهاه عن الدخول إليه فلم يرجع إلى قوله، فلما قتل خاصبك مضى هو إلى خوزستان.
قال: وكان خاصبك صبيا تركمانيا، اتصل بالسلطان مسعود تقدم عنده على سائر الأمراء.
قال: ولما قتل السلطان خاصبك أشار عليه وزيره جلال الدين
стр. 10314
ابن الوزير قوام الدين أن يبعث برأس خاصبك إلى الأميرين صاحبى أذربيجان، ففعل. فلما وصل الرأس إليهما أكبرا ذلك، وعزما على إخراج سليمان شاه عليه.
ذكر سلطنة سليمان شاه بن محمد طبر بن ملكشاه
قال: لما أخرج سليمان شاه من محبسه بقزوين اتصل به الأمير مظفر الدين بن ألب أرغو أو أخرجه معه إلى زنجان واتصل به الأمير شمس الدين ايلدكز والأمير آق سنقر بعسكريهما، وأخذاه من زنجان ومضيا إلى همذان فأجفل منهما محمد إلى أصفهان.
وجلس سليمان شاه على سرير السلطنة بهمذان، وأخذ فى الشرب واللهو فكان لا يصحو، وكذلك وزيره فخر الدين أبو طاهر القاشانى فلما رأى أيلدكز ذلك عزم على الرجوع فعاد إلى بلاده، ورجع نصرة الدين آق سنقر إلى أعماله. ثم اجتمع الأمراء مع نصير الدين أرسلان وقرروا أن ينتقلوا إلى مرج قراتكين ويتركوه بهمذان، ويقبضوا على وزيره. وكان مع سليمان شاه تباتكين بن خوارزم شاه وأخوه يوسف وأختهما زوجته والغالبة على أمره، فجاءت إليه ليلا وهو معرس على ابنة ملك الكرج، وأخبرته باجتماع الأمراء بالمرج، واتفاقهم على القبض عليه وعلى وزيره، فهرب بها وبأخويها ليلا، وترك خاتون الكرجية؛ وأصبح الأمراء فما علموا أين راح ولا كيف ذهب.
стр. 10315
ذكر عود السلطان محمد من أصفهان الى مقر ملكه
قال: لما فارق همذان وصل إلى أصفهان كاتب أمراء الأطراف فأتى إليه الأمير إينانج صاحب الرى فقويت به يده، واتفق رجوع أيلدكز فسار السلطان محمد إلى همذان، فدخلها فى سنة ثمان وأربعين وخمسماية، واستقامت له المملكة.
وفى سنة تسع وأربعين عزم الخليفة المقتفى على قطع دعوة الترك من بغداد، وفعل ما قدمنا ذكره فى أخبار المقتفى من إخراج الشحنة مسعود البلالى الخادم منها؛ وتقوية الخليفة لوزيره عون الدين بن هبيرة، وما أقطعه من الإقطاعات، وما حازه الخليفة من ملك العراق من أقصى الكوفة إلى حلوان ومن تكريت إلى عبادان.
قال: ولما عاد السلطان بعد هرب سليمان شاه، راسل الخليفة فى الخطبة فامتنع، واجتمع عند السلطان الأمراء الذين انقطعت أرزاقهم من بغداد، وسألوه فى الرحيل معهم إليها. وكان يرجع إلى عقل ودين، فاستمهلهم حتى يكاتب الخليفة كرة ثانية، فامتنعوا وقالوا: «نحن نكفيك أمره» فوافقهم فتأهبوا وخرجوا وعليهم مسعود البلالى الذى أخرجه الخليفة من بغداد، وأخذوا معهم لفيفا من التركمان، وساقوا مواشيهم وأغنامهم ليقاتلوا عليها. وكانت تكريت قد بقيت بيد مسعود البلالى، وملكشاه بن سلجق معتقل بها وأرسلان شاه بن طغرل، فلما احتاج هذا الجمع إلى ملك يضم شملهم اجتمعوا على إخراج أرسلان شاه بن طغرل. فأخرجوه وركبوه ووصلوا به إلى نواحى العراق، وأرهبوا على الناس.
стр. 10316
وخرج الخليفة بعسكره وجنوده متوشحا بالبردة، وبيده القضيب، وعلى مقدمته وزيره عون الدين بن هبيرة. وخيم الخليفة على مرحلتين، من بغداد وتقابلا قريبا من شهر والخليفة ينتظر البداية. فظن مسعود البلالى أنه إنما ترك البداية بالحرب خورا فبدأه، وركب الجيشان والتقيا، وكانت وقعة عظيمة انهزم فيها الملك أرسلان بن طغرل ووصل إلى أرانية، واستقر عند شمس الدين أيلدكز زوج أمه. وغنم الخليفة وعسكره معسكرهم وأغنام التركمان وذراريهم والترك، وقتلوا فى كل واد. وعاد الخليفة إلى بغداد فى أواخر سنة تسع وأربعين وخمسماية.
قال: ولما رجع العسكر إلى السلطان محمد عاتبهم، وقال: لقد أتيتم بعثرات لا تقال، وأفسدتم هيبتنا عند الخليفة، وأخرجتم أرسلان بن طغرل وما حفظتموه، وقد صار عند أيلدكز، وصار الخليفة لنا خصما. ولم يستقم للملوك السلجقية بعدها ببغداد سلطنة.
стр. 10317
ذكر وصول سليمان شاه بن محمد طبر الى بغداد وخروجه بالعساكر وحربه هو والسلطان محمد وهزيمته وحصار السلطان محمد بغداد ورجوعه
وفى سنة خمسين وخمسماية وصل السلطان سليمان شاه إلى بغداد مستنجدا بالخليفة المقتفى على السلطان محمد، فلم يلقه الوزير عون الدين بل لقيه ابنه عز الدين محمد. فلما أخبره ابن الوزير سلام أمير المؤمنين عليه ترجل وقبل الأرض ودخل بغداد.
فلما وصل إلى باب النوبى من القصر، أنزلوه ليقبل العتبة، فقبلها وما قبلها قبله ملك سلجقى ولا ديلمى. وأنزله الخليفة بدار السلطنة وخطب له على المنابر، ولم ينعته بالسلطان ولا بالمعظم «١» وجهز معه الخليفة جيشا كثيفا، واستوزر له شرف الدين الخراسانى وسار سليمان شاه بالجيوش إلى أذربيجان ثم إلى أرانية ثقة أن يخرج معه شمس الدين ايلدكز. وتحرك السلطان محمد إليه من همذان، والتقوا؛ فانهزم سليمان وعاد إلى بغداد على طريق الدربند، فقبض عليه على كورجك، واعتقله بقلعة الموصل وذلك فى شعبان سنة إحدى وخمسين وخمسماية. وتجهز السلطان محمد بقصد بغداد، فوصل إليها فى ذى القعدة من السنة، وقد جمع الجيوش
стр. 10318
العساكر وحاصرها، وكان الخليفة قد حصن بغداد بالمجانيق والرجال والسفن وغير ذلك، واستمر الحصار والحرب إلى سنة اثنتين وخمسين وجرت فى خلال هذه المدة وقائع كثيرة يطول شرحها كان آخرها أنه وقع الاختلاف بين أصحاب السلطان فهزمتهم جيوش الخليفة ونهبوا أثقالهم، ولم تفلح السلجقية بعدها مع الخلفاء.
ذكر وفاة السلطان محمد بن محمود وما اتفق بعد وفاته
قال الشيخ جمال الدين أبو الحسن على بن أبى المنصور ظافر ابن حسين الأزدى فى أخبار الدولة. أنه توفى فى سنة خمس وخمسين وخمسماية، وقال: ولم أعرف له عقبا فأذكره وقرض الدولة السلجقية بوفاته. وقال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل أنه توفى سنة أربع وخمسين بباب همذان، وكان مولده فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسماية، وأنه لما حضرته الوفاة أحضر أمواله وجواهره وخصاياه ومماليكه ونظر إليها من طيارة وبكى، وقال:
«هذه العساكر والأموال والمماليك وغيرها لم تغن عنى مقدار ذرة ولا يزيدون فى أجلى ذرة» وفرق من ذلك شيئا كثيرا وكان كريما عادلا كثير التأنى فى أموره. وكان له ولد صغير فسلمه إلى اقسنقر الأحمديلى وقال له: «أنا أعلم أن العساكر لا تطيع هذا الطفل وهو وديعة عندك فارحل به إلى بلادك» فرحل به إلى مراغة. فلما مات مختلف الأمراء فطائفة طلبوا ملكشاه وأخاه وطائفة طلبوا سليمان شاه عمه وهم الأكثر، وطائفة طلبوا أرسلان الذى مع ايلدكز فأما ملكشاه فإنه سار من خوزستان ومعه دكلا صاحب فارس وشملة
стр. 10319
التركمانى وغيرهما، فوصل إلى أصفهان فسلمها إليه ابن الخجندى وجمع له مالا أنفقه عليه وأرسل إلى العساكر بهمذان يدعوهم إلى طاعته فلم يجيبوه لعدم الاتفاق ولأن أكثرهم كان يريد سليمان شاه.
ذكر مسير سليمان شاه بن محمد طبر الى همذان
وفى سنة خمس وخمسين وخمسماية سار سليمان شاه من الموصل إلى همذان وكان معتقلا بها كما قدمناه؛ فلما مات السلطان محمد بن محمود. أرسل أكابر الأمراء من همذان إلى أتابك قطب الدين مودود بن زنكى صاحب الموصل فى طلبه منه ليولوه السلطنة، فاستقرت القاعدة بينهم أن يكون سليمان شاه هو السلطان وقطب الدين ودود أتابكه وجمال الدين وزير قطب الدين وزيره؛ وتحالفوا على ذلك وجهزه قطب الدين بما يحتاج إليه من الأموال والخيول وغير ذلك. فلما قارب بلاد الجبل أقبلت العساكر إليه أرسالا فاجتمع عسكر عظيم فخافهم قطب الدين مودود على نفسه؛ وعاد إلى الموصل.
فلما فارقه قطب الدين لم ينتظم أمره وقبض العسكر على سليمان شاه بباب همذان فى شوال سنة ست وخمسين وخمسماية.
ذكر سلطنة أرسلان شاه ابن الملك طغرل ابن محمد طبر
قال: لما قبض الأمراء على سليمان شاه فى شوال خطبوا لأرسلان شاه، وهو الذى كان قد تزوج أيلدكز بأمه، ثم خطب له فى سنة
стр. 10320
ثمان وخمسين بقومس وبسطام ودامغان «١» . وذلك أن المؤيد صاحب نيسابور فتح هذه الجهات وخطب بها لأرسلان شاه فأرسل إليه الخلع فلبسها المؤيد؛ ودام ملك أرسلان شاه إلى سنة ثلاث وسبعين وخمسماية، فتوفى ولم أقف من أخباره على شىء فأذكره. وذلك أن الدولة السلجقية كانت قد ضعفت وبقى ملوكها يقتصرون على حفظ ما بأيديهم دون التطلع إلى ما سواه. ولما مات أرسلان شاه خطب بعده لولده طغرل.
ذكر أخبار السلطان طغرل بن أرسلان شاه ابن طغرل بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان
خطب له بالسلطنة ببلاد الجبل بعد وفاة أبيه أرسلان شاه فى سنة ثلاث وسبعين وخمسماية، ونحن نذكر ما ظفرنا به من أخباره على سبيل التلخيص والاختصار:
ذكر الحرب بين طغرل وجيوش الخليفة الناصر لدين الله وظفره بهم
وفى سنة أربع وثمانين وخمسماية جهز الخليفة الناصر لدين الله عسكرا كثيفا؛ وجعل المقدم على الجيش وزيره جلال الدين عبيد الله بن يونس، وسيرهم لمساعدة قزل على كف السلطان طغرل عن البلاد.
стр. 10321
فسار العسكر فى ثالث صفر إلى أن قارب همذان، وخرج طغرل إليهم، والتقوا واقتتلوا فى ثامن شهر ربيع الأول عند همذان، فانهزمت عساكر بغداد ولم تثبت، وأخذ أصحابه ما كان مع الوزير من خزانة وغيرها وعاد إلى همذان.
ذكر اعتقال طغرل وخلاصه وما كان من أمره الى أن قتل، وانقراض الدولة السلجقية
قال: واتفق أن قزل أرسلان بن أيلدكز ظفر بالسلطان طغرل، واعتقله، ولم أظفر بتاريخ اعتقاله «١» ولا كيفيته «٢» فأذكره، إلا أنه لم يزل فى اعتقاله إلى أن مات قزل أرسلان فى سنة ثمان وثمانين وخمسماية، فخرج طغرل من حبسه بعد قزل واجتمع عليه جماعة والتقى هو و [قتلغ اينانج] «٣» بن البهلوان بن ايلدكز، فانهزم اينانج إلى الرى، وملك طغرل همذان وغيرها؛ فأرسل قتلغ اينانج إلى علاء الدين خوارزم شاه تكش يستنجده، فسار إليه فلما تقاربا ندم قتلغ اينانج على استدعائه خوارزم شاه وخاف على نفسه فمضى
стр. 10322
بين يديه؛ وتحصن فى قلعة له، فوصل خوارزم شاه إلى الرى وملكها، وفتح قلعة طبرك «١» فراسله طغرل واصطلحا.
ذكر مقتل السلطان طغرل وانقراض الدولة السلجقية
كان مقتله فى الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة تسعين وخمسماية؛ وسبب ذلك أنه قصد الرى فأغار على من به من أصحاب خوارزم شاه تكش وفر منه قتلغ اينانج بن البهلوان، فراسل خوارزم شاه يسأله النصر مرة ثانية. واتفق وصول رسول الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو من طغرل ويطلب منه قصد بلاده ومعه منشور بإقطاعه البلاد. فسار خوارزم شاه لقتاله. فلما سمع طغرل بذلك كانت عساكره متفرقة فما أمهل حتى يجمعها، بل سار فيمن معه وكان يدل بشجاعته؛ فالتقى العسكران بالقرب من الرى؛ فحمل طغرل بنفسه فى وسط عسكر خوارزم شاه، فأحاطوا به وألقوه عن فرسه، وقتلوه وحملوا رأسه إلى خوارزم شاه، فأنفذ الرأس إلى بغداد فنصبها بباب النوبى. وملك خوارزم شاه جميع تلك البلاد وانقرضت الدولة السلجقية من العراق والجبال وخراسان، ولم يبق من البيت السلجقى إلا من هو ببلاد الروم، على ما نذكره بعد ذكر الملوك السلجقية بالشام إن شاء الله.
وكانت مدة هذه الدولة منذ خطب لداود فى شهر رجب سنة ثمان وعشرين وأربعماية؛ ماية سنة وإحدى وستين سنة وثمانية
стр. 10323
أشهر وأياما. ومدتها بالعراق منذ خطب للسلطان طغرل بك ببغداد فى الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربعماية، وإلى أن قطعت عند إخراج مسعود البلالى الشحنة من بغداد فى شهور سنة تسع وأربعين وخمسماية؛ ماية سنة وستين. فلن ذكر أخبار الملوك السلجقية بالشام .
ذكر أخبار الملوك السلجقية بالشام وحلب
[ذكر أخبار الملوك السلجقية بالشام]
وأول من ملك منهم السلطان تاج الدولة
تتش بن ألب أرسلان محمد بن جغربيك داود بن ميكائيل بن سلجق وهو أخو ملكشاه وكان السلطان ملكشاه قد أقطعه الشام وما يفتحه من تلك النواحى فى سنة سبعين وأربعماية، فجاء إلى حلب وحصرها ولحق أهلها مجاعة شديدة. وكان معه جماعة كثيرة من التركمان فأنفذ إليه الأقسيس «١» صاحب دمشق يستنجده على العساكر المصرية، لأنها كانت قد حاصريه بدمشق من قبل أمير الجيوش بدار الجمالى، فسار إلى نصرة الأقسيس. فلما سمع العسكر المصرى بقربه فارقوا البلد وعادوا إلى مصر، وخرج الأقسيس يلتقيه عند سور دمشق، فاغتاظ منه تتش كونه لم يتقدم فى تلقيه، وعاتبه، فاعتذر بأمور لم يقبلها منه، فقبض عليه تتش فى الوقت وقتله، وملك دمشق
стр. 10324
وأحسن السيرة فى أهلها، وعدل فيهم، وذلك فى سنة إحدى وسبعين وأربعماية وقيل فى سنة اثنتين وسبعين.
وفى سنة أربع وسبعين افتتح تاج الدولة [تتش] انطرطوس بعض الحصون الساحلية وعاد إلى دمشق. وفى سنة تسع وسبعين وأربعماية كانت الحرب بينه وبين سليمان بن قتلمش السلجقى صاحب الروم وانطاكية، فهزم عسكره وقتله على ما نذكره إن شاء الله فى أخبار سليمان. وملك تتش مدينة حلب خلا القلعة، فكتب العتابى إلى السلطان ملكشاه يستدعيه، فوصل إليها وفارقها تتش كما قدمنا ذكره.
ذكر استيلائه على حمص وغيرها من ساحل الشام
كان تاج الدولة تتش قد توجه إلى أخيه السلطان ملكشاه إلى بغداد فى سنة أربع وثمانين، وجاء إليه أيضا زعماء الأطراف، فلما أذن لهم فى العود أمر [ملكشاه] اقسنقر صاحب حلب، وتوران صاحب الرها، أن يسيرا فى خدمة أخيه [تتش] بعساكرهما إلى أن يستولى على ما هو للمستنصر العلوى صاحب مصر بساحل الشام من البلاد؛ ويتوجها معه إلى مصر ليملكها.
فساروا فى سنة خمس وثمانين، ونزل [تتش] على حمص وحصرها وبها صاحبها ملاعب، وكان الضرر به وبأولاده عظيما على المسلمين، فحصروا البلد وضيقوا على من به وملكه تتش، وأخذ ملاعب وولديه.
стр. 10325
ثم سار إلى قلعة عرقة، وهى بالقرب من طرابلس فملكها وملك أفامية، ثم نازل طرابلس وبها جلال الملك بن عمار، فراسل [ابن عمار] اقسنقر وحمل إليه ثلاثين ألف دينار وتحفا بمثلها وعرض عليه المناشير التى بيده من السلطان بالبلد والتقدم إلى النواب بتلك البلاد بمساعدته، والتحذير من محاربته فقال اقسنقر لتتش: «أنا لا أقاتل من هذه المناشير بيده» ورجل من الغد، فرحل تاج الدولة وعاد بوزان إلى بلاده، والله أعلم.
ذكر ما تقوله فى طلب السلطنة
قال: لما بلغ تاج الدولة تتش قدوم أخيه السلطان ملك شاه إلى بغداد توجه من دمشق إلى خدمته،، فلما وصل إلى هيت «١» أتاه الخبر بموته، فاستولى على هيت وعاد إلى دمشق. فتجهز لطلب السلطنة، وجمع العساكر وأخرج الأموال وسار إلى حلب وبها قسيم الدوله اقسنقر، فصالحه قسيم الدولة وأتبعه لما علم من اختلاف أولاد صاحبه، وأرسل إلى ياغى سيان صاحب أنطاكية وإلى بوزان صاحب الرها وحران يشير عليهما بطاعة تاج الدولة، حتى يروا ما يكون من أولاد ملكشاه، ففعلوا ذلك وصاروا معه وخطبوا له فى بلادهم.
وقصد تتش الرحبة فملكها فى المحرم سنة ست وثمانين وأربعماية،
стр. 10326
ثم سار إلى نصيبين ففتحها عنوة وقتل من أهلها خلقا كثيرا ونهب الأموال وفعل الأفعال القبيحة، ثم سلمها إلى الأمير محمد بن شرف الدولة العقيلى. وسار يريد الموصل، وأتاه الكافى بن فخر الدولة بن جهير وكان بجزيرة ابن عمر «١» فاستوزره، والتقى بإبراهيم ابن قريش بن بدران أمير بنى عقيل «٢» فى شهر ربيع الأول.
وكان إبراهيم فى ثلاثين ألفا وتتش فى عشرة آلاف، فاقتتلوا فانهزم ابراهيم والعرب، ثم اخذ أسيرا وجماعة من العرب فقتلوا صبرا، ونهبت أموالهم وما معهم من الخيل والإبل والأغنام وغيرها وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفا من السبى والفضيحة، وملك تتش بلادهم الموصل وغيرها، واستناب بها على بن شرف الدولة مسلم وهو ابن صفية عمة تتش.
ذكر ملكه ديار بكر وأذربيجان وعوده الى الشام
قال: ثم سار تاج الدولة تتش فى شهر ربيع الآخر فملك ميافارقين وسائر ديار بكر من ابن مروان، وسار منها إلى أذربيجان.
وانتهى خبره إلى ابن أخيه بركياروق وكان قد استولى على كثير من البلاد، فسار فى عسكره ليتبع عمه، فلما تقارب العسكران
стр. 10327
اجتمع قسيم الدولة وبوزان وقالا: «نحن إنما أطعنا هذا حتى ننظر ما يكون من ابن صاحبنا وقد ظهر أمره» ففارقاه والتحقا ببركياروق فعاد تتش إلى الشام.
ذكر عود تتش الى البلاد وملكه همذان وغيرها
قال: ولما عاد إلى الشام أخذ فى جمع العساكر فكثرت جموعه وعظم جنده. فسار فى سنة سبع وثمانين وأربعماية عن دمشق نحو حلب لطلب السلطنة، فاجتمع قسيم الدولة اقسنقر وبوزان وأمدهما السلطان ركن الدولة بركياروق بالأمير كربوقا. فالتقوا بالقرب من تل السلطان «١» قريب حلب واقتتلوا واشتد القتال فانهزموا، وثبت قسيم الدولة فأخذ أسيرا وجىء به إلى تاج الدولة فقال له: «ما كنت تصنع بى لو ظفرت» قال: «كنت أقتلك» قال: «فأنا أحكم عليك بحكمك» فقتله صبرا. وسار نحو حلب، ودخلها وأسر بوقا وبوزان وتسلم الرها وحران. وسار إلى بلاد الجزيرة فملكها جميعها، وملك ديار بكر وخلاط. وسار إلى أذربيجان فملك جميع بلادها، ثم منها إلى همذان فملكها، واستوزر فخر الملك بن نظام الملك.
ذكر انهزام بركياروق منه
قال: ولما سار تتش إلى أذربيجان كان بركياروق بنصيبين فبلغه الخبر. فسار إلى قتاله ولم يكن معه غير ألف رجل، وعمه
стр. 10328
فى خمسين ألفا. فجهز إليه عمه بعض الأمراء فكبسه وهزمه ونهب سواده، فسار إلى أصفهان على ما ذكرناه فى أخباره وخطب للسلطان تاج الدولة ببغداد.
ذكر قتل تاج الدولة تتش
قال: ولما هزم بركياروق سار من موضع الوقعة إلى همذان، ثم سار إلى الرى وكاتب الأمراء الذين بأصفهان يدعوهم إلى طاعته، ويبذل لهم الأموال الكثيرة. وكان بركياروق مريضا بالجدرى، فأجابوه يعدونه أنهم ينحازون إليه، وهم ينتظرون ما يكون من صاحبهم. فلما عوفى بركياروق أرسلوا إلى تتش أنه ليس لك عندنا إلا السيف، وخرجوا له والتقوا بموضع قريب من الرى، وقد كثرت جموع بركياروق، فانهزم أصحاب تتش وثبت هو فى القلب فقتله أصحاب قسيم الدولة بثأر صاحبهم، والله أعلم.
ذكر حال الملك رضوان وأخيه دقاق بعد قتل أبيهما تتش
قال: كان تاج الدولة تتش قد أوصى أصحابه بطاعة ابنه الملك رضوان. وكتب إليه من بلد الجبل قبل المصاف الذى قتل فيه يأمره بالمسير إلى بغداد، وأن يقيم بدار المملكة. فسار فى عدد كثير منهم إيلغازى بن أرتق، والأمير وثاب بن محمود بن صالح ابن مرداس وغيرهما. فلما قارب هيت جاءه الخبر بقتل أبيه، فعاد إلى حلب ومعه والدته فملكها، وكان بها أبو القاسم بن على
стр. 10329
الخوارزمى قد سلمها تتش إليه، وحكّمه فيها وفى القلعة. ولحق برضوان زوج أمه جناح الدولة الحسين بن إيتكين، وكان مع تتش فسلم من المعركة. وكان مع رضوان أيضا أخواه الصغيران أبو طالب وبهرام فكانوا كلهم مع أبى القاسم كالأضياف لتحكمه فى البلد؛ فاستمال جناح الدولة المغاربة، وكانوا أكثر أجناد القلعة. فلما انتصف الليل نادوا بشعار الملك رضوان، واحتاطوا على أبى القاسم، وأرسل إليه الملك رضوان يطيب قلبه، فاعتذر فقبل عذره، وخطب لرضوان على منابر حلب وأعمالها، وكانت الخطبة قد دامت باسم أبيه بعد قتله نحو شهرين.
وسار جناح الدولة فى تدبير الدولة أحسن سيرة، وخالف عليهم الأمير ياغى سيان «١» بن محمد بن ألب التركمانى صاحب انطاكية ثم صالحهم، وأشار على الملك رضوان بقصد ديار بكر لخلوها من وال يحفظها. فساروا جميعا وقدم عليهم من بالأطراف الذين كان تتش قد رتبهم فيها، وقصد واسروج، فسبقهم إليها الأمير سقمان بن أرتق فأخذها ومنعهم منها، وأمر أهل البلد فخرجوا إلى رضوان وتظلموا من عساكره وما يفسدونه من غلاتهم، ويسألونه الرحيل. فرحل عنهم إلى الرها، وكان بها رجل يقال له الفارقليط- كان يضمن البلد من بوزان- فقاتل قتالا شديدا ثم ملكها. وطلب ياغى سيان القلعة من رضوان فوهبها له، فتسلمها وحصنها، فهرب رجالها وأرسل إليهم أهل حران يطلبونهم ليسلموا إليهم
стр. 10330
البلد، فسمع ذلك قراجا فصلب ابن الفتى وغيره ممن اتمهم وجاء الخبر إلى رضوان وقد اختلف جناح الدولة وياغى سيان وأضمر كل منهما لصاحبه الغدر، فهرب جناح الدولة إلى حلب فدخلها، واجتمع بزوجته أم الملك رضوان. وسار رضوان وياغى إلى حلب، فسمع بدخول جناح الدولة إليها، ففارق ياغى سيان الملك رضوان وسار إلى انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمى ودخل رضوان حلب.
هذا ما كان من أمر رضوان، وأما الملك دقاق بن تتش، فإنه كان قد حضر المصاف مع أبيه، فلما قتل أبوه أخذه إيتكين الحلبى- وهو من غلمان أبيه- وسار به إلى حلب، فأقام عند أخيه الملك رضوان.
ثم راسله الأمير ساوتكين الخادم- متولى دمشق- سرا يدعوه ليملكه دمشق؛ فهرب من حلب. فأرسل أخوه رضوان فى طلبه عدة من الخدام فلم يدركوه، وسار حتى وصل إلى دمشق ففرح به ساوتكين الخادم وأظهر البشر لورده. فلما صار بدمشق أرسل إليه ياغى سيان يشير عليه أن ينفرد بملك دمشق عن أخيه رضوان.
واتفق وصول معتمد الدولة طغتكين إلى دمشق ومعه جماعة من خواص تتش وعسكره وقد سلموا من الوقعة وكان طغتكين قد أسر ثم خلص فلما وصل إلى دمشق لقيه الملك دقاق وأرباب الدولة وبالغوا فى تعظيمه وإكرامه. وكان طغتكين زوج والدة دقاق، فمال إليه لذلك ووثق به وحكمه فى بلاده. ثم اتفقا على قتل ساوتكين الخادم فقتلاه.
وسار إليه ياغى سيان من انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمى فجعله وزيرا لدقاق، وحكمه فى دولته. فصارت دمشق لدقاق وحلب لرضوان.
следующие страницы →