← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10326–10365 · переход к 10331.

стр. 10326

ثم سار إلى نصيبين ففتحها عنوة وقتل من أهلها خلقا كثيرا ونهب الأموال وفعل الأفعال القبيحة، ثم سلمها إلى الأمير محمد بن شرف الدولة العقيلى. وسار يريد الموصل، وأتاه الكافى بن فخر الدولة بن جهير وكان بجزيرة ابن عمر «١» فاستوزره، والتقى بإبراهيم ابن قريش بن بدران أمير بنى عقيل «٢» فى شهر ربيع الأول. وكان إبراهيم فى ثلاثين ألفا وتتش فى عشرة آلاف، فاقتتلوا فانهزم ابراهيم والعرب، ثم اخذ أسيرا وجماعة من العرب فقتلوا صبرا، ونهبت أموالهم وما معهم من الخيل والإبل والأغنام وغيرها وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفا من السبى والفضيحة، وملك تتش بلادهم الموصل وغيرها، واستناب بها على بن شرف الدولة مسلم وهو ابن صفية عمة تتش. ذكر ملكه ديار بكر وأذربيجان وعوده الى الشام قال: ثم سار تاج الدولة تتش فى شهر ربيع الآخر فملك ميافارقين وسائر ديار بكر من ابن مروان، وسار منها إلى أذربيجان. وانتهى خبره إلى ابن أخيه بركياروق وكان قد استولى على كثير من البلاد، فسار فى عسكره ليتبع عمه، فلما تقارب العسكران

стр. 10327

اجتمع قسيم الدولة وبوزان وقالا: «نحن إنما أطعنا هذا حتى ننظر ما يكون من ابن صاحبنا وقد ظهر أمره» ففارقاه والتحقا ببركياروق فعاد تتش إلى الشام. ذكر عود تتش الى البلاد وملكه همذان وغيرها قال: ولما عاد إلى الشام أخذ فى جمع العساكر فكثرت جموعه وعظم جنده. فسار فى سنة سبع وثمانين وأربعماية عن دمشق نحو حلب لطلب السلطنة، فاجتمع قسيم الدولة اقسنقر وبوزان وأمدهما السلطان ركن الدولة بركياروق بالأمير كربوقا. فالتقوا بالقرب من تل السلطان «١» قريب حلب واقتتلوا واشتد القتال فانهزموا، وثبت قسيم الدولة فأخذ أسيرا وجىء به إلى تاج الدولة فقال له: «ما كنت تصنع بى لو ظفرت» قال: «كنت أقتلك» قال: «فأنا أحكم عليك بحكمك» فقتله صبرا. وسار نحو حلب، ودخلها وأسر بوقا وبوزان وتسلم الرها وحران. وسار إلى بلاد الجزيرة فملكها جميعها، وملك ديار بكر وخلاط. وسار إلى أذربيجان فملك جميع بلادها، ثم منها إلى همذان فملكها، واستوزر فخر الملك بن نظام الملك. ذكر انهزام بركياروق منه قال: ولما سار تتش إلى أذربيجان كان بركياروق بنصيبين فبلغه الخبر. فسار إلى قتاله ولم يكن معه غير ألف رجل، وعمه

стр. 10328

فى خمسين ألفا. فجهز إليه عمه بعض الأمراء فكبسه وهزمه ونهب سواده، فسار إلى أصفهان على ما ذكرناه فى أخباره وخطب للسلطان تاج الدولة ببغداد. ذكر قتل تاج الدولة تتش قال: ولما هزم بركياروق سار من موضع الوقعة إلى همذان، ثم سار إلى الرى وكاتب الأمراء الذين بأصفهان يدعوهم إلى طاعته، ويبذل لهم الأموال الكثيرة. وكان بركياروق مريضا بالجدرى، فأجابوه يعدونه أنهم ينحازون إليه، وهم ينتظرون ما يكون من صاحبهم. فلما عوفى بركياروق أرسلوا إلى تتش أنه ليس لك عندنا إلا السيف، وخرجوا له والتقوا بموضع قريب من الرى، وقد كثرت جموع بركياروق، فانهزم أصحاب تتش وثبت هو فى القلب فقتله أصحاب قسيم الدولة بثأر صاحبهم، والله أعلم. ذكر حال الملك رضوان وأخيه دقاق بعد قتل أبيهما تتش قال: كان تاج الدولة تتش قد أوصى أصحابه بطاعة ابنه الملك رضوان. وكتب إليه من بلد الجبل قبل المصاف الذى قتل فيه يأمره بالمسير إلى بغداد، وأن يقيم بدار المملكة. فسار فى عدد كثير منهم إيلغازى بن أرتق، والأمير وثاب بن محمود بن صالح ابن مرداس وغيرهما. فلما قارب هيت جاءه الخبر بقتل أبيه، فعاد إلى حلب ومعه والدته فملكها، وكان بها أبو القاسم بن على

стр. 10329

الخوارزمى قد سلمها تتش إليه، وحكّمه فيها وفى القلعة. ولحق برضوان زوج أمه جناح الدولة الحسين بن إيتكين، وكان مع تتش فسلم من المعركة. وكان مع رضوان أيضا أخواه الصغيران أبو طالب وبهرام فكانوا كلهم مع أبى القاسم كالأضياف لتحكمه فى البلد؛ فاستمال جناح الدولة المغاربة، وكانوا أكثر أجناد القلعة. فلما انتصف الليل نادوا بشعار الملك رضوان، واحتاطوا على أبى القاسم، وأرسل إليه الملك رضوان يطيب قلبه، فاعتذر فقبل عذره، وخطب لرضوان على منابر حلب وأعمالها، وكانت الخطبة قد دامت باسم أبيه بعد قتله نحو شهرين. وسار جناح الدولة فى تدبير الدولة أحسن سيرة، وخالف عليهم الأمير ياغى سيان «١» بن محمد بن ألب التركمانى صاحب انطاكية ثم صالحهم، وأشار على الملك رضوان بقصد ديار بكر لخلوها من وال يحفظها. فساروا جميعا وقدم عليهم من بالأطراف الذين كان تتش قد رتبهم فيها، وقصد واسروج، فسبقهم إليها الأمير سقمان بن أرتق فأخذها ومنعهم منها، وأمر أهل البلد فخرجوا إلى رضوان وتظلموا من عساكره وما يفسدونه من غلاتهم، ويسألونه الرحيل. فرحل عنهم إلى الرها، وكان بها رجل يقال له الفارقليط- كان يضمن البلد من بوزان- فقاتل قتالا شديدا ثم ملكها. وطلب ياغى سيان القلعة من رضوان فوهبها له، فتسلمها وحصنها، فهرب رجالها وأرسل إليهم أهل حران يطلبونهم ليسلموا إليهم

стр. 10330

البلد، فسمع ذلك قراجا فصلب ابن الفتى وغيره ممن اتمهم وجاء الخبر إلى رضوان وقد اختلف جناح الدولة وياغى سيان وأضمر كل منهما لصاحبه الغدر، فهرب جناح الدولة إلى حلب فدخلها، واجتمع بزوجته أم الملك رضوان. وسار رضوان وياغى إلى حلب، فسمع بدخول جناح الدولة إليها، ففارق ياغى سيان الملك رضوان وسار إلى انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمى ودخل رضوان حلب. هذا ما كان من أمر رضوان، وأما الملك دقاق بن تتش، فإنه كان قد حضر المصاف مع أبيه، فلما قتل أبوه أخذه إيتكين الحلبى- وهو من غلمان أبيه- وسار به إلى حلب، فأقام عند أخيه الملك رضوان. ثم راسله الأمير ساوتكين الخادم- متولى دمشق- سرا يدعوه ليملكه دمشق؛ فهرب من حلب. فأرسل أخوه رضوان فى طلبه عدة من الخدام فلم يدركوه، وسار حتى وصل إلى دمشق ففرح به ساوتكين الخادم وأظهر البشر لورده. فلما صار بدمشق أرسل إليه ياغى سيان يشير عليه أن ينفرد بملك دمشق عن أخيه رضوان. واتفق وصول معتمد الدولة طغتكين إلى دمشق ومعه جماعة من خواص تتش وعسكره وقد سلموا من الوقعة وكان طغتكين قد أسر ثم خلص فلما وصل إلى دمشق لقيه الملك دقاق وأرباب الدولة وبالغوا فى تعظيمه وإكرامه. وكان طغتكين زوج والدة دقاق، فمال إليه لذلك ووثق به وحكمه فى بلاده. ثم اتفقا على قتل ساوتكين الخادم فقتلاه. وسار إليه ياغى سيان من انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمى فجعله وزيرا لدقاق، وحكمه فى دولته. فصارت دمشق لدقاق وحلب لرضوان.

стр. 10331

ذكر الحرب بين الملكين رضوان وأخيه دقاق وفى سنة تسعين وأربعماية سار الملك رضوان من حلب إلى دمشق يريد الاستيلاء عليها وانتزاعها من أخيه دقاق. فلما قاربها رأى حصانتها وامتناعها، فعلم عجزه عنها. فسار إلى نابلس وإلى القدس ليأخذه، فلم يمكنه ذلك وانقطعت العساكر عنه فعاد إلى حلب ومعه ياغى سيان صاحب انطاكية وجناح الدولة وكانا قد التحقا به. ثم فارقه ياغى سيان وقصد دقاق وحسن له محاصرة أخيه بحلب. فجمع دقاق عساكره وسار ومعه ياغى سيان، فأرسل رضوان إلى سقمان بن ارتق وهو بسروج يستنجده، فأتاه فى خلق كثير من التركمان. فسار بهم رضوان نحو دقاق والتقيا بقنسرين «١» ، واقتتلا فانهزم دقاق وعسكره ونهبت خيامهم وأموالهم وعاد رضوان إلى حلب. ثم اتفقا على أن يخطب لرضوان بدمشق وأنطاكية قبل أخيه دقاق، وقيل كان ذلك فى سنة تسع وثمانين. وفى سنة تسعين وأربعماية خطب الملك رضوان فى أكثر ولايته للمستعلى بأمر الله صاحب مصر. «٢» وسبب ذلك أن جناح الدولة كان قد فارق رضوان لتغير رآه منه، وجاء إلى حمص وكانت له، فلما رأى ياغى سيان بعده عن رضوان صالحه،

стр. 10332

وجاء إلى حلب، ونزل بظاهرها وكان لرضوان منجم يقال له الحكيم أبو سعد يميل إليه، فقدمه بعد مسير جناح الدولة فحسن له مذهب العلويين. وأتته رسل المستعلى تدعوه إلى طاعته ويبذل له المال وإنفاذ الجيوش لأخذ دمشق، فخطب له بشيزر وجميع أعمال ولايته سوى أنطاكية، وقلعة حلب، والمعرة «١» ، وكانت الخطبة أربع جمع. ثم حضر إليه سقمان بن أرتق وياغى سيان فأنكرا ذلك واستعظماه فأعاد الخطبة العباسية. وسار ياغى سيان إلى انطاكية فلم يقم بها غير ثلاثة أيام حتى وصل الفرنج إليها وحصروها وملكوها فى سنة إحدى وتسعين وأربعماية على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار المستعلى صاحب مصر. ذكر ملك دقاق مدينة الرحبة وفى شعبان سنة ست وتسعين وأربعماية ملك الملك دقاق مدينة الرحبة؛ وكانت بيد قايماز أحد مماليك السلطان ألب أرسلان، استولى عليها لما قتل كربوقا، فسار دقاق وطغتكين «٢» أتابكه إليه وحصراه، ثم رحلا عنه. فاتفقت وفاته فى صفر من هذه السنة، وقام مقامه غلام تركى اسمه حسن، وخطب لنفسه وخاف من الملك دقاق، فاستظهر لنفسه وأخذ جماعة من أعيان

стр. 10333

البلد وصادرهم وحبس آخرين، فسار دقاق إليه وحاصره، فسلم العامة البلد واعتصم هو بالقلعة فأمنه دقاق وسلمها له فتسلمها وأقطعه إقطاعا كثيرا بالشام، وقرر الرحبة وجعل فيها من يحفظها وعاد إلى دمشق. ذكر وفاة الملك دقاق وملك ولده ثم أخيه كانت وفاته فى شهر رمضان سبع وتسعين وأربعماية. ولما توفى خطب أتابكه طغرتكين لولد له صغير عمره سنة واحدة، ثم قطع خطبته وخطب لبلتاش «١» ابن تتش عم هذا الطفل فى ذى الحجة وله من العمر اثنتا «٢» عشرة سنة. ثم أشار عليه طغرتكين بقصد الرحبة فخرج إليها وملكها، وعاد فمنعه من دخول البلد، فمضى إلى حصون له. وأعاد طغرتكين خطبة الطفل ولد دقاق، وقيل إن والدة بلتاش خوفته من طغرتكين وقالت له: إنه زوج أم دقاق، وهى لا تتركه حتى يقتلك ويستقيم الملك لولد ابنها، فخاف. ثم حسن له من [كان] «٣» يحسد طغرتكين مفارقة دمشق وقصد بعلبك وجمع الرجال والاستنجاد بالفرنج، والعود إلى دمشق وأخذها من طغرتكين. فخرج من دمشق سرا فى سنة ثمان وتسعين وأربعماية مع صغر سنه، ولحقه الأمير إيتكين الحلبى وهو صاحب بصرى، فعاثا فى ناحية حوران ولحق بهما من كان يريد الفساد، وراسلا بغدوين ملك الفرنج «٤»

стр. 10334

يستنجدانه، فأجابهما إلى ذلك. فسارا إليه واجتمعا به، وقررا معه القواعد، وأقاما عنده، فلم يريا منه إلا التحريض على الإفساد فى أعمال دمشق وتخريبها. فلما يئسا من نصرته فارقاه وتوجها فى البرية إلى الرحبة فملكها بلتاش «١» وعاد عنها، واستقام أمر طغرتكين بدمشق، واستبد بالأمر وأحسن إلى الناس ونشر فيهم العدل. هذا ما كان من أمر ملوك دمشق ثم انتقل مكلها إلى طغرتكين وأولاده من بعده على ما نذكره إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا لملوك حلب السلجقية ومن ملكها بعدهم إلى أن ملكها أتابك زنكى بن اقسنقر. ذكر أخبار ملوك حلب قد قدمنا أن حلب كانت بيد الملك رضوان بن تتش، فلم تزل بيده إلى أن توفى فى سنة سبع وخمسماية. وكانت أموره غير مشكورة فإنه قتل (أخويه) «٢» أبا طالب وبهران وكان يستعين فى كثير من أموره بالباطنية لقلة تدبيره. فلما مات ملك بعده ابنه تاج الملوك ألب أرسلان الأخرس، وعمره ست عشرة سنة. ولم يكن أخرس، وإنما كان فى لسانه حبسه وتمتمة وأمه بنت ياغى سيان الذى كان صاحب أنطاكية. قال: ولما ملك تاج الملوك سلك سنة أبيه فى قتل إخوته فقتل

стр. 10335

أخوين له وهما شقيقه ملكشاه، ومبارك لأبيه، واستولى على أمور دولته لؤلؤ الخادم، فلم يكن لتاج الملوك معه فى السلطنة غير اسمها، ومعناها للؤلؤ. ولم تطل مدته فى الملك، فإن غلمانه قتلوه فى سنة ثمان وخمسماية، وأقاموا بعده أخاه سلطان شاه بن رضوان، فكان مع لؤلؤ كعادة أخيه. فلما كان فى سنة إحدى عشرة وخمسماية- وقيل سنة عشر- قتل لؤلؤ المستولى على الأمر. وكان سبب قتله أنه أراد قتل سلطان شاه كما فعل بأخيه، ففطن غلمان سلطان شاه لذلك، فبادروه بالقتل. وولى أتابكة سلطان شاه بعده شمس الخواص يارقتاش، فبقى شهرا وعزلوه، وولى بعده أبو المعالى بن الملحى الدمشقى ثم عزلوه وصادروه. فخاف أهل حلب من الفرنج فسلموا البلد إلى الأمير نجم الدين إيلغازى بن أرتق وانقرضت الدولة السلجقية من حلب، والله أعلم. ذكر أخبار من ملك حلب بعد انقراض الدولة السلجقية منها ملكها الأمير نجم الدين إيلغازى بن أرتق باتفاق أهلها فى سنة إحدى عشرة وخمسماية، فتسلمها. وكان له مع الفرنج وقائع كثيرة وحروب يطول شرحها. واستناب بحلب ولده سليمان، فخالفه وعصى عليه. فى سنة خمس عشرة وخمسماية وكان عمره إذ ذاك عشر سنين، فبلغ والده الخبر، فسار مجدا فلم يشعر إلا وقد هجم البلد وقبض على من كان حسن لابنه العصيان، وقتلهم. وكان منهم إنسان من أهل حماة من بيت قرناص، كان إيلغازى قد قدمه على أهل حلب وجعل إليه الرئاسة فجازاه بذلك،

стр. 10336

فقطع يديه ورجليه وسمله [فمات] «١» . وأراد قتل ولده فمنعته رقة الوالد، واستناب بحلب سليمان شاه ابن أخيه عبد الجبار بن أرتق، ولقبه بدر الدولة، وعاد إلى ماردين؛ فلم تزل حلب بيده، إلى أن توفى فى سنة ست عشرة وخمسماية بميافارقين. وبقى سليمان بحلب إلى أن استولى عليها، ابن عمه بلك بن بهرام بن أرتق؛ وبقيت بيد بلك إلى أن قتل فى سنة ثمان عشرة وخمسماية وهو يحاصر منبج «٢» ، وكان قد قبض على صاحبها حسان البعلبكى، وملك المدينة وحاصر القلعة، فأتاه سهم فقتله وكان حسام الدين تمرتاش ابن إيلغازى مع عمه بلك، فحمله مقتولا إلى ظاهر حلب، فتسلمها فى العشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمانى عشرة، واستولى عليها، وجعل فيها نائبا يثق به، وعاد إلى ماردين. وكان يحب الدعة والرفاهية، فلما عاد إلى ماردين ملك حلب اقسنقر البرسقى صاحب الموصل بمكاتبة من أهلها، لأن الفرنج كانوا حاصروهم وضيقوا عليهم، فكتبوا إليه يستنجدونه، فحضر بعساكره، فرحل الفرنج عنها، وملكها فى ذى الحجة سنة ثمانى عشرة، فكانت بيده إلى أن قتل فى سنة عشرين وخمسماية على يد الباطنية. وملك بعده ابنه عز الدين مسعود إلى أن توفى فى سنة إحدى وعشرين وخمسماية، فبقيت بيد نائبه قومان، ثم استناب بعده بها قتلغ، فوصل إليها بعد وفاة مسعود، وتسلمها فى الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وخمسماية، فظهر منه بعد

стр. 10337

أيام جور عظيم وظلم شديد، ومديده إلى أموال الناس. وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق- الذى كان صاحبها قديما- فأطاعه أهلها، وقبضوا على أصحاب قتلغ الذين بالمدينة فى شوال من السنة، وحاصروه فى القلعة. فسمع الفرنج بذلك فتقدموا إلى المدينة، فصولحوا بمال حتى رحلوا عنها. وداموا على حصار قتلغ بالقلعة إلى منتصف ذى الحجة، ثم ملكها عماد الدين زنكى بن اقسنقر، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة الأتابكية. هذا ما كان من أمر حلب، فلنذكر أخبار دمشق. ذكر أخبار من ملك دمشق بعد انقراض السلجقية منها الى أن ملكها نور الدين محمود بن زنكى أول من ملكها معتمد الدولة ظهير الدين طغرتكين، وقيل فيه طغركين وطغدكين. استولى على دمشق كما قدمناه فى سنة سبع وتسعين وأربعماية، واستقل بالأمر منذ فارقها الملك بلتاش بن تتش وكان لطغرتكين مع الفرنج وقائع كثيرة فى سنين عديدة يطول شرحها، أضربنا عن ذكرها لأنها لم تسفر عن فتح بلد ولا أسر ملك وملك طغرتكين بصرى فى سنة تسع وتسعين وأربعماية، وكانت بيد إيتكين الحلبى، فلما صار مع السلطان الملك بلتاش كما ذكرنا سلمها أهلها لطغرتكين، فتسلمها وأحسن إليهم، واستمر فى ملك دمشق إلى سنة اثنتين وعشرين وخمساية، فتوفى فى ثامن عشر صفر منها، وكان عاقلا خيرا، كثير الغزو والجهاد للفرنج، حسن

стр. 10338

السيرة فى رعيته، مؤثرا للعدل فيهم. ولما توفى ملك بعده ابنه والله أعلم. ذكر أخبار تاج الملوك بورى بن أتابك طغرتكين ملك دمشق بعد وفاة أبيه فى ثامن عشر صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسماية بوصية من أبيه له بالملك. وكان أكبر أولاده، فلما ملك أقر وزير والده- وهو أبو على طاهر بن سعيد المزدغانى- على وزارته. ذكر أخبار الاسماعيلية وقتل الوزير المزدغانى كان بهرام مقدم الإسماعيلية قد هرب قديما من بغداد إلى الشام بعد قتل أخيه إبراهيم الإسدابادى، وملك قلعة بانياس، وجعل خليفته بها يدعو الناس إلى مذهبه، فكثروا وانتشروا؛ وملك عدة حصون منها القدموس وغيره، وهى الآن تعرف بقلاع الإسماعيلية، من الأعمال المضافة إلى المملكة الطرابلسية. وكان بوادى (التيم) من أعمال بعلبك أرباب مذاهب مختلفة منهم النصيرية الدرزية والمجوس وغيرهم، وأميرهم اسمه الضحاك، فسار إليهم بهرام فى سنة اثنتين وعشرين وخمسماية وقاتلهم، فخرج إليه الضحاك فى ألف رجل، وكبس عسكره وقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتل بهرام فيمن قتل، وانهزم من بقى وأتوا بانياس على أقبح صورة. وكان بهرام قد استخلف على بانياس رجلا من

стр. 10339

أعيان أصحابه اسمه إسمعيل، فقام مقامه، وجمع شمل من سلم من أصحابه، وبث دعاته فى البلاد، وساعده الوزير المزدغانى وعاضده وأقام المزدغانى بدمشق عوض بهرام إنسانا اسمه أبو الوفا، فقوى أمره على شأنه، وكثر أتباعه حتى صار هو المستولى على دمشق، وحكم أكثر من حكم صاحبها تاج الملوك. ثم إن المزدغانى راسل الفرنج ليسلم إليهم مدينة دمشق ويسلموا إليه مدينة صور، واستقر الأمر بينهم على ذلك، وتقرر الميعاد فى يوم جمعة عينوه، وقرر المزدغانى مع الإسماعيلية أن يحتاطوا على أبواب الجامع فى ذلك اليوم، فلا يمكنوا أحدا من الخروج منه، لتجيىء الفرنج ويملكوا البلد. فاتصل الخبر بتاج الملوك. فاستدعى الوزير المزدغانى فحضر إليه فلما خلا به قتله وعلق رأسه على باب القلعة، ونادى فى [الناس] «١» بقتل الباطنية، فقتل منهم ستة آلاف؛ وذلك فى منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسماية. فخاف إسماعيل متولى بانياس عند ذلك من الناس أن يثوروا به وبأصحابه، فسلم بانياس إلى الفرنج، وانتقل إليهم هو ومن معه، فلقوا شدة عظيمة وهوانا ومات إسمعيل فى أوائل سنة أربع وعشرين وخمسماية. ذكر حصار الفرنج دمشق وانهزامهم قال: ولما بلغ الفرنج ما كان من قتل المزدغانى عظمت المصيبة عليهم، واجتمعوا بجملتهم، صاحب القدس وصاحب انطاكية وصاحب

стр. 10340

طرابلس وغيرهم من ملوك الفرنج وقمامصتهم ومن وصل إليهم فى البحر فكانوا فى ألفى فارس. وأما الراجل فلا يحصى كثرة، وساروا إلى دمشق لمحاصرتها، فبلغ ذلك تاج الملوك، فجمع العرب والتركمان فاجتمع معه ثمانية آلاف فارس، ووصل الفرنج إلى دمشق فى ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين فنازلوها، وأرسلوا سراياهم إلى أعمالها لجمع الميرة والإغارة. فبلغ تاج الملوك أنهم ساروا إلى حوران، فسير أميرا من أمرائه اسمه شمس الخواص فى جمع من المسلمين، فلقوا الفرنج وقاتلوهم قتالا شديدا، كان الظفر للمسلمين وقتل الفرنج فلم يفلت منهم غير مقدمهم فى أربعين رجلا، وأخذوا [أخذ المسلمون] ما معهم وكان عشرة آلاف دابة موقرة، وثلثماية أسير، وعادوا إلى دمشق بالظفر والغنيمة. فألقى الله الرعب فى قلوب الفرنج فرحلوا شبه المنهزمين، وأحرقوا ما تعذر عليهم حمله من سلاح وغيره، وتبعهم المسلمون يقتلون من تخلف منهم. وكان نزولهم ورحيلهم فى ذى الحجة. وفى سنة أربع وعشرين استوزر تاج الملوك الرئيس أبا الدوّاد المفرج بن الحسن بن الصوفى. وفى سنة خمس وعشرين وخمسماية ثار الباطنية بتاج الملوك. فجرحوه جرحين فبرأ أحدهما وبقى الآخر، فاشتد عليه فى شهر رجب سنة ست وعشرين وخمسماية فأضعفه وأسقط قوته فمات، فى الحادى والعشرين من الشهر. وكانت مدة إمارته أربع سنين وخمسة أشهر وأياما، وكان كثير الجهاد مقداما فأقام فى حروبه مقام أبيه وفاق عليه ولما مات قام بعده ولده إسمعيل بوصية منه.

стр. 10341

ذكر أخبار شمس الملوك اسماعيل ابن تاج الملوك بورى بن طغرتكين ملك دمشق بعد وفاة أبيه فى الحادى والعشرين من شهر رجب سنة ست وعشرين وخمسماية. وكان والده قد أوصى له بالملك ولولده الآخر شمس الدولة محمد بمدينة بعلبك وأعمالها. فنفذت وصيته وقام بتدبير الأمر بين يدى شمس الملوك الحاجب فيروز شحنة دمشق- وهو صاحب أبيه- واعتمد عليه، وابتدأ أمره بالرفق بالرعية، والإحسان إليهم. قال: وبلغ شمس الملوك أن أخاه شمس الدولة صاحب بعلبك استولى على حصنى اللبوة والراس واستمال من بهما وتسلمهما، وجعل فيهما من الجند من يحفظهما. فراسله فى ذلك وتلطف معه وقبح عليه فعله، وطلب إعادتهما إليه، فامتنع. فتجهز بعساكره فى آخر ذى الحجة من السنة وقصد جهة الشمال، ثم عطف مغربا، فلم يشعر من بحصن اللبوة إلا وقد نزل عليهم، وزحف لوقته فلم يتمكنوا من نصب منجنيق ولا غيره، فراسلوه فى طلب الأمان، فأمنهم وتسلم الحصن من يومه. وسار إلى حصن الراس وفعل به كذلك، وتسلمه وجعل فيهما من يحفظهما. ثم رحل إلى بعلبك وحصرها وبها شمس الدولة وقد استعد، فوالى الزحف حتى ملك البلد بعد قتال شديد. وتحصن شمس الدولة فنازله فراسله فى طلب الأمان وأن يقره على ما أوصى له به والده، فأجابه إلى ذلك وعاد إلى دمشق.

стр. 10342

ذكر ملكه قلعة بانياس وفى سنة سبع وعشرين وخمسماية ملك شمس الملوك قلعة بانياس من الفرنج. وسبب ذلك أن الفرنج استضعفوه وطمعوا فيه. وكانت قد تقررت بينهم هدنة، فقصدوا نقضها، ومدوا أيديهم إلى أموال جماعة من تجار دمشق بمدينة بيروت، فشكا «١» التجار ذلك إلى شمس الملوك، فراسل الفرنج فى إعادة ما أخذوه، فلم يردوا شيئا. فجمع العساكر وتأهب ولم يعلم أحدا بمقصده. ثم سار فى آخر المحرم من السنة ونزل على بانياس فى صفر. وزحف زحفا متتابعا. وقرب من سور المدينة وترجل بنفسه، وتبعه الناس فوصلوا إلى السور ونقبوه، ودخلوا البلد عنوة، والتجأ من كان فيه من جند الفرنج إلى الحصن، فقتل كثير من الفرنج بالبلد وقاتل من بالقلعة قتالا شديدا، ثم ملك القلعة بالأمان فى رابع صفر وعاد إلى دمشق. ذكر ملكه مدينة حماة وفى شوال سنة سبع وعشرين وخمسماية ملك شمس الملوك مدينة حماة وهى لأتابك زنكى بن اقسنقر،. وذلك أنه لما ملك قلعة بانياس أقام بدمشق إلى شهر رمضان، وسار إلى حماة فى العشر الأخر منه. وكان قد بلغه أن الخليفة

стр. 10343

المسترشد بالله قد حضر إلى الموصل، فطمع فى البلاد لتغير الخليفة على زنكى، فحصر حماة وقاتل من بها يوم العيد، وملك البلد فى اليوم الثانى قهرا، وطلب من به الأمان فأمنهم، وحصر القلعة، واستولى عليها وعلى ما بها من الذخائر، وسار منها إلى قلعة شيزر، وبها صاحبها ابن منقذ، فحصرها ونهب بلدها. فراسله صاحبها وسار معه بمال، فعاد إلى دمشق فى ذى القعدة من السنة. وفى تاسع شهر ربيع الآخر وثب على شمس الملوك بعض مماليك جده طغرتكين، فضربه بسيف فلم يصنع فيه شيئا، وتكاثر عليه مماليك شمس الدولة فمسكوه، فقرره ما الذى حمله على ما فعل، فقال: «أردت راحة المسلمين من شرك وظلمك» فلم يزل يضرب حتى أقر على جماعة أنهم وضعوه على ذلك، فقتلهم من غير تحقيق، وقتل أخاه سونج، فعظم ذلك على الناس، ونفروا عنه وأنفوه. ذكر ملكه شقيف تيرون ونهبه بلد الفرنج وفى سنة ثمان وعشرين وخمسماية سار إلى شقيف تيرون «١» وهو فى الجبل المطل على بيروت وصيدا، وكان فى يد الضحاك بن جندل رئيس وادى التيم قد تغلب عليه وامتنع به واحتمى على المسلمين والفرنج. فسار إليه [شمس الملوك] وملكه فى المحرم من هذه السنة؛ فعظم أخذه على الفرنج، لأن الضحاك كان لا يتعرض إلى شىء من بلادهم المجاورة له، فجمع الفرنج جموعهم فساروا إلى بلد حوران

стр. 10344

يخربون أمهات الضياع. فسار إليهم [شمس الملوك] ونزل بإزائهم وجرت بينهم مناوشة عدة أيام، ثم نهض ببعض عسكره وجعل بقيتهم قبالة الفرنج. وسار وقصد بلاد طبرية والناصرة وعكا وما جاورها من البلاد، والفرنج لا يشعرون به، فقتل وخرب وأحرق وسبى وامتلات أيدى المسلمين من الغنائم، فبلغ الفرنج خبره، فرجعوا إلى بلادهم، وعاد هو على غير الطريق الذى سلكه، فوصل سالما وراسله الفرنج فى تجديد الهدنة. ذكر مقتل شمس الملوك وملك أخيه شهاب الدين محمود وفى شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وخمسماية، قتل شمس الملوك إسمعيل. وسبب ذلك أنه كان قد ركب طريقا شنيعا من الظلم ومصادرات العمال وغيرهم من أهل البلد وأعيانه، وبالغ فى العقوبات، وظهر منه بخل زائد ودناءة نفس. ثم ظهر عنه أنه كاتب عماد الدين زنكى ليسلم إليه دمشق ويحثه على سرعة الوصول، وأخلى المدينة من الذخائر والأموال، ونقل ذلك إلى صرخد وتابع الرسل إلى زنكى يحثه على الوصول ويقول: إن أهملت المجىء سلمت البلد إلى الفرنج. فامتغص أصحاب أبيه وجده منه، وذكروا الحال لوالدته فساءها وأشفقت منه ووعدتهم بالراحة من هذا الأمر. ثم ارتقب غفلة غلمانه وأمرت غلمانها بقتله فقتلوه. وأمرت بإلقائه فى موضع من الدار ليشاهده غلمانه، فلما رأوه سروا بمقتله. وأمه زمود خاتون ابنة جاولى، وهى التى بنت المدرسة بظاهر دمشق المطلة على وادى الشقراء، ونهر بردى. هذا أحد ما قيل فى قتله.

стр. 10345

وقيل كان سبب مقتله أن والده كان له صاحب اسمه يوسف بن فيروز، وكان متمكنا منه حاكما فى دولته ثم فى دولة ولده هذا، فاتهم بأم شمس الملوك. وبلغه الخبر فهم بقتل يوسف فهرب منه إلى تدمر، وتحصن بها وأظهر الطاعة لشمس الملوك. وأراد [شمس الملوك] ، قتل أمه، فبلغها الخبر فقتلته خوفا على نفسها، والله أعلم. وكان مولده فى سابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسماية، فتكون مدة حياته اثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر، ومدة ملكه سنتين وتسعة أشهر وأياما. ذكر أخبار شهاب الدين محمود ابن تاج الملوك بورى بن طغرتكين ملك دمشق بعد مقتل أخيه شمس الملوك فى شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وخمسماية. وحلف له الناس واستقر له الأمر ثم وصل أتابك زنكى إلى دمشق ونازلها فى أول جمادى الأولى من السنة، فبينما هو يحاصر [دمشق] إذ ورد عليه رسول الخليفة المسترشد بالله بالخلع ويأمره بصلح صاحب دمشق والرحيل عنها، فصالحه، وخطب له بدمشق مع صاحبها، وفارق البلد لليلتين بقيتا من الشهر. ذكر ملكه مدينة حمص وفى الثانى والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وخمسماية، تسلم شهاب الدين محمود مدينة حمس وقلعتها. وذلك أن أصحابها

стр. 10346

أولاد الأمير خرخان بن قراجا «١» الوالى عليها من قبلهم ضجروا من كثرة تعرض عسكر زنكى إليها وإلى أعمالها، وتضييقهم على من بها، فراسلوا شهاب الدين فى تسليمها، فأجابهم، وسار إليها وتسلمها، وسلم إليهم تدمر، وأقطع حمص لمملوك جده معين الدين أنر «٢» وجعل فيها نائبا عنه ممن يثق به من أعيان أصحابه، وعاد إلى دمشق ثم ملكها أتابك زنكى فى سنة اثنتين وثلاثين وخمسماية، وتزوج زمرد خاتون والدة شهاب الدين لتحكمها بدمشق، وظن أنه تملك البلد باتصاله بها، فلم يتهيأ له ملكها. قال: واستمر ملك شهاب الدين محمود إلى سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية، فقتل على فراشه فى شوال منها، قتله ثلاثة من خواصه كانوا يبيتون عنده فقتلوه ليلا، وخرجوا من القلعة فنجا أحدهما وقتل الاخران. ذكر ملك جمال الدين محمد ابن تاج الملوك بورى بن طغرتكين ملك دمشق بعد مقتل أخيه شهاب الدين محمود فى شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية. وذلك أن محمود لما قتل، كتب معين الدين أنر إلى جمال الدين صاحب بعلبك بالخبر، واستدعاه ليملكه

стр. 10347

البلد، فجاء مسرعا وجلس لعزاء أخيه، وخلف الجند وفوض أمر دولته إلى معين الدين أنر، وزاده فى علو مرتبته، وأقطعه بعلبك، وزوجه بأمه. قال: ولما اتصل بزمرد خاتون قتل ابنها محمود كتبت إلى زوجها أتابك زنكى وهو بالجزيرة أن ينهض فى طلب ثار ابنها، فسار مسرعا وملك بعلبك عنوة فى ذى الحجة سنة ثلاث وثلاثين، وحصر دمشق فى سنة أربع وثلاثين، وبذل لمعين الدين حمص وبعلبك وغير ذلك على أن يسلم إليه دمشق فلم يوافق، فجد فى الحصار. فبينما هو يحاصرها مرض جمال الدين محمد ومات فى ثامن شعبان منها، فطمع زنكى حينئذ فى البلد ووالى الزحف والقتال. قال: ولما مات جمال الدين ولى بعده ولده. ذكر أخبار مجير الدين ابق ابن جمال الدين محمد بن بورى ابن طغرتكين ملك دمشق بعد وفاة أبيه فى ثامن شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسماية، وهى إذ ذاك محاصرة، فقام بتدبير دولته معين الدين مدبر دولة أبيه. وداوم زنكى الحصار وضيق على أهل البلد، فعند ذلك راسل أنر الفرنج واستدعاهم لنصرته، وإعانته على حرب زنكى. وبذل لهم بذولا من جملتها أن يحاصر بانياس ويسلمها إليهم. وخوفهم أن زنكى إن ملك دمشق قصدهم وغزاهم. فاجتمعوا وعزموا على المسير إلى دمشق، فاتصل ذلك بزنكى فتوجه إلى حوران

стр. 10348

وقصد غزو الفرنج وذلك فى منتصف شهر رمضان. فبلغ خبره الفرنج فأقاموا ببلادهم، فعاد إلى حصار دمشق ثم نزل بعذرا «١» فى سادس شوال، وأحرق عدة ضياع من المرج والغوطة، وعاد إلى بلاده. ووصل الفرنج إلى دمشق فى ميعاد أنر، بعد رحيل زنكى فسار معهم إلى بانياس وحصرها وأخذها وسلمها للفرنج. ولما فعل ذلك عاد زنكى لمحاصرة دمشق فقاتله أهلها، فرحل عنهم. ثم اتفق قتل عماد الدين زنكى فى سنة إحدى وأربعين وخمسماية، فسار مجير الدين ابق إلى بعلبك وحصرها وبها نجم الدين أيوب، فخاف أن أولاد زنكى لا يمكنهم إنجاده فى عاجل الحال، فصالحه وسلم القلعة إليه، وأخذ منه إقطاعا ومالا، وملكه عدة قرى من بلد دمشق. وانتقل نجم الدين أيوب إلى دمشق وسكنها، وأقام بها، واستمرت دمشق بيد مجير الدين إلى أن ملكها نور الدين محمود بن زنكى فى سنة تسع وأربعين وخمسماية على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخباره. ولما ملكها [نور الدين] تحصن مجير الدين بالقلعة، فراسله فى تسليمها وبذل له إقطاعا من جملته مدينة حمص، فأجاب إلى ذلك، وسلم القلعة وتسلم الإقطاع، وسار إلى حمص. ثم راسل أهل دمشق بعد ذلك على أن يسلموها إليه. فعلم نور الدين به،

стр. 10349

وأخذ منه حمص وعوضه عنها بالس «١» فلم يرض بها، وسار إلى بغداد وابتنى بها دارا بالقرب من النظامية. وتوفى بها. هذا ما كان من أخبار ملوك دمشق على سبيل الاختصار، وإنما أوردنا أخبارهم فى هذا الموضع على سبيل الاستطراد، ولئن تكون أخبارهم متتابعة. فلنرجع إلى أخبار الملوك السلجقية، ولنذكر ملوك الروم منهم. ذكر أخبار الملوك السلجقية أصحاب قوينة واقتصرا «٢» وملطية ودقوقا من الروم أول من ملك منهم شهاب الدولة قتلمش بن أرسلان بيغو ابن سلجق . وكان ابتداء أمره أنه عصى على السلطان طغرل بك فى سنة ثلاث وخمسين وأربعماية، وملك قلعة كردكوه وامتنع بها، وأخذ أموالا كانت حملت من خوارزم إلى السلطان. فسير إليه طغرلبك جيشا فهزمه مرة بعد اخرى. فلما مات طغرلبك أظهر [شهاب الدين قتلمش] العصيان على ألب أرسلان ابن جغربيك «٣» داود، وجمع جموعا كثيرة، وقصد الرى ليستولى عليها عند ما بلغه وفاه طغرلبك، فسار إليه السلطان ألب أرسلان والتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر قتلمش، وفر هو لقصد كردكوه.

стр. 10350

فوجد ميتا غير مقتول، كما ذكرنا ذلك فى أخبار ألب أرسلان فى سنة ست وخمسين وأربعماية ولما مات ملك بعده ابنه سليمان. ذكر أخبار الملك سليمان ابن شهاب الدولة قتلمش وهو الثانى من الملوك السلجقية بالروم ، ملك ما كان بيد أبيه بعد وفاته فى سنة ست وخمسين وأربعمائة. ذكر فتح مدينة أنطاكية وفى سنة سبع وسبعين وأربعماية سار سليمان من بلاده، وقصد الشام وملك مدينة انطاكية، وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلثماية. وكان سبب ملكه إياها أن صاحبها الفزدرؤس الرومى «١» كان قد سار عنها إلى بلاد الروم، ورتب فى انطاكية شحنة وكان الفزدرؤس كثير الإساءة إلى أهل البلد وإلى جنده، حتى أنه حبس ابنه، فاتفق ابنه والشحنة على تسليم البلد إلى سليمان، فكاتبوه يستدعونه فركب فى البحر ومعه ثلثماية فرس وكثير من الرجالة، وخرج منه وسار فى جبال وعرة ومضايق شديدة حتى وصل إليها فى وقت الموعد، فنصب السلاليم وصعد باتفاق من الشحنة وابن صاحبها، فملكها فى شعبان من السنة. وقاتله أهل البلد فهزمهم مرة بعد أخرى، وقتل كثيرا منهم، ثم عفا

стр. 10351

عنهم، وتسلم القلعة وأخذ من الأموال ما لا يحصى كثرة، وأحسن إلى الرعية وعدل فيهم، وأرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره بالفتح فأظهر الفرح بذلك وهنأ الناس. قال: ولما فتحها أرسل إليه شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب حلب يطلب منه حمل ما كان صاحب انطاكية يحمله إليه، ويخوفه معصية السلطان. فأجابه أن صاحب انطاكية كان كافرا يحمل الجزية عن رأسه وأصحابه، وأنا مسلم والخطبة والسكة فى بلادى للسلطان، وهذا الفتح إنما فتحته بسعادته وكاتبته به. فنهب شرف الدولة بلد انطاكية، ونهب سليمان بلد حلب، فلقيه أهل السواد، فشكوا إليه من نهب عسكره. فقال لهم: «أنا كنت أشد كراهة لما جرى، ولكن صاحبكم أحوجنى إلى ما فعلت، فلم تجر عادتى بنهب مال مسلم. ولا أخذ ما حرمته الشريعة» وأمر أصحابه بإعادة ما نهب على أصحابه، فأعادوه. ثم جمع شرف الدولة الجموع وسار لقتال سليمان. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر شرف الدولة وقتل هو؛ وذلك فى يوم الجمعة لست بقين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعماية. ذكر قتل الملك سليمان قتلمش قال: ولما قتل سليمان بن شرف الدولة، أرسل إلى مقدم حلب يطلب تسليمها له، فأنفذ إليه مالا، واستهمله إلى أن يكاتب السلطان ملكشاه. وأرسل المقدم إلى تتش صاحب دمشق يعده بتسليمها إليه، فسار تتش إلى حلب. فعلم سليمان بذلك،

стр. 10352

فسار نحوه والتقوا وقاتلوا، فانهزم أصحاب سليمان وثبت هو فى القلب. فلما عاين الهلكة. قتل نفسه بسكين، وقيل بل قتل فى المعركة، واستولى تتش على معسكره، وذلك فى سنة تسع وسبعين وأربعماية. وكان سليمان قد أرسل جثة شرف الدولة مسلم فى صفر سنة ثمان وسبعين على بغل، ملفوفة فى إزار إلى حلب، وطلب من أهلها تسليمها إليه، فأرسل تتش جثة سليمان فى صفر من السنة التى تليها على تلك الهيئة، وطلب منهم تسليمها. ولما قتل ملك بعده ببلاد الروم ولده والله أعلم. ذكر أخبار قلج أرسلان بن سليمان وهو الثالث من الملوك السلجقية بالروم . ملك بعد قتل أبيه فى صفر سنة تسع وسبعين وأربعماية، واستمر فى المملكة الرومية وملك الموصل فى سنة خمسماية. وذلك أن صاحبها جكزمش كان قد حاصره جاولى سقاووا «١» ، وأسره ومات فى أسره. فكتب أصحاب جكرمش إلى الأمير صدقة، وإلى قسيم الدولة اقسنقر البرسقى، وإلى قلج أرسلان، يستدعون كل واحد منهم إليها، ليسلموا إليه الموصل، فامتنع صدقة، وسار قلج أرسلان. فلما وصل إلى نصيبين رحل جاولى عن الموصل، واتفق وصول البرسقى وهو شحنة بغداد إلى الموصل، ونزل بالجانب الشرقى بعد رحيل جاولى وفى ظنه أنه يملك البلد، فلم يخرج إليه

стр. 10353

أحد من أهلها ولا راسلوه بكلمة واحدة، فعاد فى بقية يومه. وأرسل أصحاب جكرمش وأهل الموصل إلى قلج أرسلان واستحلفوه لهم، فحلف، وحلفهم على الطاعة له والمناصحة، وسار إلى الموصل وملكها لخمس بقين من شهر رجب سنة خمسماية، وأسقط خطبة السلطان وخطب لنفسه بعد الخليفة، وأحسن إلى العسكر وخلع على ولد جكرمش وأخذ القلعه، من غزغلى «١» مملوك جكرمش وجعل عليها دزدارا، ودفع الرسوم المحدثة فى الظلم، ونشر العدل وتألف الناس، وقال: «من سعى إلى بأحد قتلته» فلم يسع إليه أحد بأحد. ذكر قتل الملك قلج أرسلان وملك ولده الملك مسعود كان مقتله فى العشرين من ذى القعدة من سنة خمسماية. وذلك أنه لما فارق جاولى الموصل سار إلى الرحبة وملكها بعد حصار وقتال، فلما أحكم الملك قلج أمر الموصل، سار عنها لقتال جاولى، وجعل ابنه ملكشاه فى دار الإمارة بالموصل، وسنّه إحدى عشرة «٢» سنة، وجعل معه أميرا يدبره وجماعة من العسكر. وكانت عدة عسكره أربعة آلاف فارس بالعدد الكاملة والخيل الجيدة. فسمع عسكره بقوة جاولى وكثرة أتباعه وجنده، فاختلفوا، فكان أول من خالف عليه إبراهيم بن ينال صاحب آمد «٣» ، وكان معه لما فتح

стр. 10354

الموصل. ففارق خيامه وأثقاله وعاد من الخابور «١» إلى بلده ثم فارقه غيره. فعمل قلج فى المطاولة لما بلغه من قوة جاولى وكثر جموعه، وأرسل فى طلب عساكره من الروم. وكان فى جملة عسكر جاولى الملك رضوان صاحب حلب، فاغتنم جاولى قلة أصحاب قلج فقاتله قبل وصول عسكره، واقتتلوا قتالا شديدا، فحمل قلج بنفسه وانهزم أصحابه. فلما رأى قلج انهزم عسكره ألقى نفسه فى الخابور، وحمى نفسه بالنشاب، فانحدر به الفرس إلى ماء عميق، وغرق، فظهر بعد أيام، فدفن بالسليمانية وهى قرية من قرى الخابور. وسار جاولى ودخل الموصل وأرسل ملكشاه بن قلج إلى السلطان محمد. قال: وملك بعده ولده الملك مسعود بن قلج، [وهو الرابع من الملوك السلجقية ببلاد الروم .] وأقام فى الملك إلى سنة إحدى وخمسين وخمسماية، فتوفى فيها. ولم أقف من أخباره على شىء أورده له، وملك بعده ولده. ذكر أخبار الملك عز الدين قلج أرسلان بن مسعود ابن قلج ارسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق وهو الخامس من الملوك السلجقية ببلاد الروم . ملك بعد وفاة والده فى سنة إحدى وخمسين وخمسماية. وكان ذا سياسة، وعدل وافر، وهيبة عظيمة، وله غزوات كثيرة إلى بلاد الروم. وكان له من بلاد الروم قونية وأعمالها واقصرا وسيواس

стр. 10355

وملطية وغير ذلك. وكان له عدة أولاد، فلما كبرت سنه فرق بلاده على أولاده فى حياته، وملك نحو تسع «١» وعشرين سنة. ذكر تسليمه البلاد لبنيه وبنى أخيه وما جعل لكل منهم قال المؤرخ: لما ضعف الملك عز الدين قلج أرسلان هذا عن القيام بوظائف الملك لكبر سنه، أفرد البلاد لأولاده وأولاد أخيه وسلم لكل واحد منهم جهة، فسلم إلى ابنه ركن الدين سليمان دوقاط، وإلى ابنه غياث الدين كيخسرو قونية، ولولده محى الدين أنقره- وتسمى أنكورية- ولولده معز الدين قيصر شاه ملطية، ولولده مغيث الدين طغرل شاه أبلستين، ولولده نور الدين محمود قيسارية، ولولده قطب الدين سيواس وأقصرا، ولولد أخيه نكسار، ولولد أخيه أماسيا. هذه أمهات البلاد، ويضاف إلى كل جهة ما تجاورها. ثم ندم على ذلك وأراد أن يجمع جميع المملكة لولده الأكبر قطب الدين، وخطب له ابنة الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب مصر ليتقوى به، فلما اتصل ذلك ببقية أولاده امتنعوا من طاعته، وأزالوا حكمه عنهم، فكان يتردد بينهم على سبيل الزيارة، ثم توجه إلى ولده غياث الدين [كيخسرو] «٢» صاحب قونية. فخرج إليه وقبل الأرض بين يديه واستبشر بقدومه. واتمر بأمره. فقال له: «أريد أن أسير إلى ولدى محمود صاحب

стр. 10356

قيسارية، وآخذها منه» فسار هو وولده كيخسرو، وحصرا محمود، فمرض قلج أرسلان، وتوفى فى منتصف شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسماية فعاد كيخسرو إلى بلده، واستقر كل واحد منهم على ما بيده من البلاد. ذكر قتل نور الدين محمود واستيلاء قطب الدين على قيسارية ووفاته واستيلاء ركن الدين سليمان على سائر المملكة قال: كان قطب الدين صاحب أقصرا وسيواس إذا توجه من أحدهما إلى الأخرى يجعل طريقه على قيسارية، ويجتمع بأخيه نور الدين محمود صاحبها، ويظهر له المودة. فاطمأن له محمود. وكان الأمير اختيار الدين حسن أحد أمراء والده يحذره عاقبة طمأنينته لأخيه، فنزل قطب الدين فى بعض الأحيان بظاهر قيسارية وجاء نور الدين إليه فقتله، ورمى برأسه إلى أصحابه، وتسلم البلد بعد أن امتنع من بها عليه، ثم قتل الأمير اختيار الدين حسن وكان من أكابر الأمراء الديانين، وألقاه فى الطريق، فجاء كلب ليأكل من لحمه، فثار الناس وقالوا: «لا سمعا ولا طاعة هذا أمير كبير فى الإسلام، وبنى مدرسة للعلم، وله صدقات دارة، ولا نتركه نأكله الكلاب» فأمر عند ذلك بدفنه، فدفن فى مدرسته. ثم مرض قطب الدين ومات، فسار أخوه ركن الدين سليمان صاحب دوقاط إلى سيواس، وهى تجاوره، فملكها ثم ملك قيسارية أقصرا.

стр. 10357

ثم سار بعد ذلك إلى قونية، وبها أخوه غياث الدين فحصره بها. وملكها، ففارقها غياث الدين إلى الشام. ثم عاد إلى الروم وسار إلى القسطنطينية، ثم ملك البلاد على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وسار ركن الدين بعد ذلك إلى نكسار وأماسيا فملكها من ابنى عمه، وملك ملطية فى شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسماية، وفارقها أخوه معز الدين قيصر شاه، وسار إلى الملك العادل أبى بكر» وكان زوّجه ابنته. فاجتمع لركن الدين سليمان ملك جميع البلاد التى كانت بيد إخوته وأولاد عمه إلا أنقره، فإنها امتنعت عليه لحصانتها، فجعل عليها من عسكره من يحصرها، فحوصرت ثلاث سنين كوامل وتسلمها فى سنة ستماية، وعوض أخاه محى الدين عنها قلعة فى أطراف بلاده، وحلف له عليها، فسار محى الدين إليها فجهز فى إثره من قتله. ذكر وفاة ركن الدين سليمان وملك ولده قلج أرسلان قال: ولما غدر بأخيه محى الدين صاحب أنكورية وقتله، لم يمهله الله ، فمرض بالقولنج، بعد قتله لخمسة أيام، ومات فى سبعة أيام، وكانت وفاته فى سادس ذى القعدة سنة ستماية. وكان قيما بأمر الملك، شديدا على الأعداء، إلا أن الناس كانوا ينسبونه إلى فساد فى اعتقاده، وأنه يقول بقول الفلاسفة. وكان كل من رمى بهذا المذهب يأوى إليه، لكنه كان يستر ذلك عن الناس، ولا يتظاهر به.

стр. 10358

قال: ولما مات اجتمع الناس بعده على ولده قلج أرسلان، وملكوه عليهم وكان صغير السن، فبقى إلى بعض سنة إحدى وستماية. ذكر ملك غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قلتمش بن أرسلان بيغو بن سلجق، بلاد الروم من ابن أخيه، وهو الثانى من ملوك السلجقية بالروم ملك المملكة الرومية فى شهر رجب، سنة إحدى وستماية. وذلك أن ركن الدين سليمان لما أخذ منه قونية، كما قدمناه، قصد الشام إلى الملك الظاهر غازى بن صلاح الدين صاحب حلب، فلم يجد عنده قبولا، فسار من عنده وتنقل فى البلاد إلى أن سار إلى القسطنطينية،، فأحسن إليه ملك الروم وأكرمه وأقطعه إقطاعا، فأقام عنده وتزوج بابنة بعض البطارقة الأكابر. وكان للبطريق قلعة من قلاع القسطنطينية، فلما ملك الفرنج قسطنطينية «١» ، هرب غياث الدين إلى [حميه] «٢» ، بالقلعة، فنزل عنده وقاسمه فيما هو فيه وقنعا بها فلما مات أخوه فى سنة ستماية كما ذكرناه، وملك ولده قلج أرسلان، فخالف عليه بعض الأمراء الأكابر وكان من الترك، فأنف أن يملك صغيرا، فراسل غياث الدين فحضر إليه فى جمادى الأولى، واجتمع معه بعض العسكر وتوجه إلى قونية وبها قلج أرسلان بن أخيه، فخرج له بعض عسكرها

стр. 10359

فهزموه وبقى حيران ولا يدرى ما يصنع، ولا أين يتوجه. فقصد بلدة صغيرة من بلاد قونية يقال لها أو كرم، فقدر الله أن أهل مدينة أقصرا وثبوا على واليها، فأخرجوه منها ونادوا بشعار غياث الدين. فلما وصل الخبر أهل قونية قال أهلها: «نحن أولى بذلك منهم، لأنه كان حسن السيرة فينا» فنادوا باسمه، وأخرجوا من عندهم، واستدعوه، فملك المدينة وقبض على ابن اخيه، وملك البلاد أجمع فى ساعة واحدة، فسبحان من إذا أراد أمرا هيأ أسبابه. وحضر إليه أخوه قيصر شاه الذى كان صاحب ملطية، فلم يجد عنده قبولا، فأعطاه شيئا وأمره بمفارقة البلاد، فعاد إلى الرها، واستتب الملك لكيخسرو وأعظم شأنه، والله أعلم. ذكر ملكه مدينة أنطاكية وفى ثالث شعبان سنة ثلاث ستماية ملك الملك غياث الدين كيخسرو مدينة أنطاكية بالأمان، وكانت للروم. وكان قد حصرها قبل هذا التاريخ وهدم عدة أبرجة من سورها، وأشرف على فتحها عنوة، فاستنجد من بها من الروم بفرنج جزيرة قبرص، فوصل إليها جماعة منهم فيئس منها وفارقها وترك طائفة من أصحابه بالقرب منها فى الجبال التى بينها وبين بلاده، وأمرهم بقطع الميرة عنها. فضاق أهلها فطلبوا من الفرنج الخروج لدفع المسلمين عن مضايقتهم، فظنوا أنهم يريدون إخراجهم من المدينة. فوقع الخلف بينهم، فأقتتلوا فأرسل الروم إلى المسلمين يطلبونهم ليتسلموا البلد، فوصلوا إليهم واجتمعوا

стр. 10360

معهم على قتال الفرنج، فانهزم الفرنج منهم واعتصموا بالحصن. فأرسل المسلمون يطلبون كيخسرو، فجاء من قونية وحصر الفرنج وتسلم الحصن. واستمر غياث الدين كيخسرو فى الملك إلى أن توفى سنة سبع وستماية وملك بعده ولده الملك الغالب عز الدين كيكاووش «١» بن كيخسرو، وملك كيكاووش هذا بعض بلاد حلب، وانتزعت منه، واستمر فى المملكة الرومية إلى سنة ست عشرة وستماية، فتوفى ولم يكن له ولد فملك بعده أخوه. ذكر ملك علاء الدين كيقباذ بن غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق وهو العاشر من ملوك السلجقية بالروم ملك بعد وفاة أخيه فى سنة ست عشرة وستماية، وكان أخوه كيكاووش قد اعتقله لما ملك، وأشار عليه أصحابه بقتله فلم يفعل. فلما مات كيكاووش أخرج الجند كيقباذ وملكوه عليهم. وقيل إنه لما اشتدت علة كيكاووش أخرجه من الاعتقال، وحلف له العساكر. قال: ولما ملك كيقباذ خالف عمه مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان صاحب أرزن الروم؛ ومغيث الدين هذا هو الذى أمر ولده أن ينتصر وزوجه ملكة الكرج، وأقام معها مدة، فهويت غيره من مماليكها فرآه معها، فأنكر ذلك عليها، فاعتقلته. ومات مغيث الدين هذا فى سنة اثنتين وعشرين وستماية، وملك بعده ابنه.

стр. 10361

قال: ولما ملك كيقباذ خاف من الروم المجاورين لبلاده، فأرسل إلى الملك الأشرف صاحب دمشق وصالحه، وتعاهد على المصافاة والتعاضد، والله أعلم. وفى سنة ثلاث وعشرين وستماية فى شعبان سار كيقباذ إلى بلاد الملك المسعود صاحب آمد، وملك عدة من حصونه. وكان صاحب آمد قد اتفق مع السلطان جلال الدين خوارزم شاه على مخالفة الأشرف صاحب دمشق، فأرسل الأشرف إلى كيقباذ بقصد آمد، فسار وفتح حصن منصور «١» وحصن سمسنكاذا وغيرهما. فلما رأى صاحب آمد ذلك راسل الملك الأشرف، وعاد إلى موافقته. فأرسل الأشرف إلى كيقباذ يعرفه الصلح وأن يعيد إلى صاحب آمد ما أخذه، فامتنع وقال: «ما أنا نائب الأشرف يأمرنى وينهانى» فأمر الأشرف عساكره بمساعدة صاحب آمد إن أصر ملك الروم على قصد محاصرته «٢» . فاجتمع العسكر الأشرفى مع صاحب آمد وساروا إلى كيقباذ وهو يحاصر قلعة الكختا، فالتقوا فى شوال فانهزم صاحب آمد ومن معه هزيمة عظيمة، وأسر كثير من أصحابه، وجرح، وملك كيقباذ قلعة الكختا.

стр. 10362

وفى سنة خمس وعشرين وستماية ملك كيقباذ أرزنكان «١» وكان صاحبها بهرام شاه قد طال ملكه بها، وجاوز ستين سنة، ولم يزل فى طاعة السلجقية ملوك الروم. فلما توفى ملك بعده ولده علاء الدين داود شاه، فأرسل إليه كيقباذ يطلبه بعسكره يسير معه إلى مدينة: أرزن «٢» الروم ليحاصرها. فحضر إليه فقبض عليه وأخذ مدينته، ثم ملك حصن كماخ «٣» ، وكان من أمنع الحصون. وقصد أرزن الروم ليأخذها من ابن عمه طغرل شاه، فاستنجد صاحبها بالأمير حسام الدين على نائب الأشرف بخلاط، وأظهر طاعة الأشرف، فسار إليه بمن عنده من العسكر خوفا أن كيقباذ إذا ملك أرزن الروم قصد خلاط وغيرها، فعاد ولم يقدم على قصدها، وتوجه إلى مدينة أنطاكية ليشتو بها والله أعلم. ذكر اجتماع كيقباذ والأشرف على حرب جلال الدين خوارزم شاه وانهزامه منهما كان سبب ذلك أن جلال الدين خوارزم شاه لما حاصر خلاط حضر إليه صاحب أرزن الروم. وهو طغرل شاه السلجقى ابن عم كيقباذ، وأطاعه وأعانه على الحصار. وكان بينه وبين ابن عمه

стр. 10363

عداوة مستحكمة فخاف كيقباذ أن السلطان جلال الدين يتوصل إلى ملك بلاده، فراسل الملك الكامل صاحب مصر «١» وهو إذ ذاك بحران، وساله أن يستدعى الملك الأشرف من دمشق، فأحضر الملك الكامل أخاه الأشرف «٢» واجتمع هو وكيقباذ، واتفقا على حرب جلال الدين. وكان عسكر كيقباذ عشرين ألف فارس وعسكر الأشرف خمسة آلاف فارس، إلا أنهم كانوا من الشجعان الذين لا يقوم أحد بحربهم. فسار جلال الدين لقتالهم والتقوا يوم السبت الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستماية بمكان من أعمال أرزنجان، فانهزم جلال الدين وعاد إلى خلاط، فأخذ من كان بها من أصحابه وفارقها، وأسر فى هذه الوقعة جماعة من أصحاب السلطان. فأمر كيقباذ بضرب أعناقهم، وأسر ابن عمه صاحب أرزن الروم، وقصد به بلده، فتسلم أرزن الروم وما معها من القلاع، وما بها من الخزائن وغيرها. فكان طغرل شاه كما قيل: «خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا اذنين» ؛ وكان هذا قد عاهد جلال الدين على أنه يملكه بعض بلاد كيقباذ، فأخذ ما بيده. واستمر كيقباذ فى الملك إلى أن توفى، وكانت وفاته فى سنة أربع وثلاثين وستماية، وملك بعده ولده.

стр. 10364

ذكر ملك غياث الدين كيخسرو ابن الملك علاء الدين كيقباذ غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق، وهو الحادى عشر من الملوك السلجقية، بالروم ملك المملكة الرومية بعد وفاة أبيه الملك كيقباذ فى سنة أربع وثلاثين وستماية. وجلس على تخت السلطنة بمدينة قونية وراسله الملوك فى الموافقة، وهى السنة التى وصل التتار فيها إلى الروم. وفى سنة خمس وثلاثين أرسل غياث الدين إلى والدة الملك العزيز مخطب بنت ابنها العزيز لنفسه، وأن يتزوج الملك الناصر صاحب حلب أخت السلطان غياث الدين. فاستقر بينهما الأمر، وعقا عقد السلطان على غازية خاتون ابنة الملك العزيز على خمسين ألف دينار. ووصل الصاحب كمال الدين بن العديم من حلب إلى السلطان. فزوج أخته من الملك الناصر على نظير هذا الصداق. فحصل الاتفاق بينهما، ثم أرسل السلطان غياث الدين إلى حلب يطلب أن تقام له الخطبة بها وتضرب السكة باسمه. فتوقفت الصاحبة والدة العزيز فى ذلك، فأشير عليها بالموافقة فأجابت إلى ذلك، وخطب له بحلب. وفى سنة إحدى وأربعين وستماية، دخل بيجو مقدم التتار إلى بلاد الروم، والتقى هو والسلطان غياث الدين فكسرهم كيخسرو، ثم عاودوا القتال فهزموه، وقتل جماعة من أصحابه، والتجأ إلى بعض المعاقل؛ ثم حصلت المهادنة على أتاوة يؤديها غياث الدين للتتار فى كل سنة.

стр. 10365

وفى سنة أربع وخمسين وستماية وصل التتار إلى بلاد الروم صحبة جرماغون وبيجو من قبل منكوفان الملك. فخرج السلطان غياث الدين لقتالهم بجميع عساكره، واستصحب حريمه ليقاتل قتال الحريم. واستشار أصحابه فيما يفعل، فكان منهم من هول عليه أمر التتار وكان غياث الدين قد زوجه والده بكرجى خاتون ابنة ملك الكرج. فلما أفضت السلطنة إليه جعل أخاها مقدما على الجيش، وكان نصرانيا، لم ينتقل عن ملته، فكرهه الأمراء وكرهوا السلطان بسببه. فلما كان فى هذا الوقت قال للسلطان غياث الدين: «ضم إلى من فى عسكرك من الكرج والفرنج، وأنا ألقى التتار بهم» . فغاظ الأمراء كلامه، وتقدم أحد أعيانهم فحلف أنه لا بد أن يلقى التتار بنفسه، ومن صحبه، وركب فى نحو عشرين ألف فارس، وتقدم إلى التتار وهم بصحراء اقشهر زنجان، وكان غياث الدين على الجبل الأقرع واسمه كوسا داغ، وهو مشرف على الوطأة التى نزل بها التتار. وسار الأمير فيمن معه، وتبعه السلطان ببقية الجيش فوجد المقدم أمامه واد قطعه السيل، فلم يستطع قطعه إلى جهة التتار، فسار مع لحف لجبل، يطلب طريقا يمكنه التوصل منه إلى التتار. فركب التتار وقصدوه ودنوا منه وراسلوه بالسهام، فأهلكوا أكثر الخيل التى معه، فكان السهم لا يقع إلا فى فرس أو فارس، فتفرقوا عند ذلك، وطلبوا النجاة لأنفسهم. وعاد السلطان غياث الدين إلى المخيم. وجهز حريمه إلى قونية، وهى دار المملكة، ومسافتها من المكان الذى هو فيه نحو شهر، فسرن صحبة أمير، ولم يحملن معهن إلا ماخف، ورجع
следующие страницы →