← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10361–10400 · переход к 10366.

стр. 10361

قال: ولما ملك كيقباذ خاف من الروم المجاورين لبلاده، فأرسل إلى الملك الأشرف صاحب دمشق وصالحه، وتعاهد على المصافاة والتعاضد، والله أعلم. وفى سنة ثلاث وعشرين وستماية فى شعبان سار كيقباذ إلى بلاد الملك المسعود صاحب آمد، وملك عدة من حصونه. وكان صاحب آمد قد اتفق مع السلطان جلال الدين خوارزم شاه على مخالفة الأشرف صاحب دمشق، فأرسل الأشرف إلى كيقباذ بقصد آمد، فسار وفتح حصن منصور «١» وحصن سمسنكاذا وغيرهما. فلما رأى صاحب آمد ذلك راسل الملك الأشرف، وعاد إلى موافقته. فأرسل الأشرف إلى كيقباذ يعرفه الصلح وأن يعيد إلى صاحب آمد ما أخذه، فامتنع وقال: «ما أنا نائب الأشرف يأمرنى وينهانى» فأمر الأشرف عساكره بمساعدة صاحب آمد إن أصر ملك الروم على قصد محاصرته «٢» . فاجتمع العسكر الأشرفى مع صاحب آمد وساروا إلى كيقباذ وهو يحاصر قلعة الكختا، فالتقوا فى شوال فانهزم صاحب آمد ومن معه هزيمة عظيمة، وأسر كثير من أصحابه، وجرح، وملك كيقباذ قلعة الكختا.

стр. 10362

وفى سنة خمس وعشرين وستماية ملك كيقباذ أرزنكان «١» وكان صاحبها بهرام شاه قد طال ملكه بها، وجاوز ستين سنة، ولم يزل فى طاعة السلجقية ملوك الروم. فلما توفى ملك بعده ولده علاء الدين داود شاه، فأرسل إليه كيقباذ يطلبه بعسكره يسير معه إلى مدينة: أرزن «٢» الروم ليحاصرها. فحضر إليه فقبض عليه وأخذ مدينته، ثم ملك حصن كماخ «٣» ، وكان من أمنع الحصون. وقصد أرزن الروم ليأخذها من ابن عمه طغرل شاه، فاستنجد صاحبها بالأمير حسام الدين على نائب الأشرف بخلاط، وأظهر طاعة الأشرف، فسار إليه بمن عنده من العسكر خوفا أن كيقباذ إذا ملك أرزن الروم قصد خلاط وغيرها، فعاد ولم يقدم على قصدها، وتوجه إلى مدينة أنطاكية ليشتو بها والله أعلم. ذكر اجتماع كيقباذ والأشرف على حرب جلال الدين خوارزم شاه وانهزامه منهما كان سبب ذلك أن جلال الدين خوارزم شاه لما حاصر خلاط حضر إليه صاحب أرزن الروم. وهو طغرل شاه السلجقى ابن عم كيقباذ، وأطاعه وأعانه على الحصار. وكان بينه وبين ابن عمه

стр. 10363

عداوة مستحكمة فخاف كيقباذ أن السلطان جلال الدين يتوصل إلى ملك بلاده، فراسل الملك الكامل صاحب مصر «١» وهو إذ ذاك بحران، وساله أن يستدعى الملك الأشرف من دمشق، فأحضر الملك الكامل أخاه الأشرف «٢» واجتمع هو وكيقباذ، واتفقا على حرب جلال الدين. وكان عسكر كيقباذ عشرين ألف فارس وعسكر الأشرف خمسة آلاف فارس، إلا أنهم كانوا من الشجعان الذين لا يقوم أحد بحربهم. فسار جلال الدين لقتالهم والتقوا يوم السبت الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستماية بمكان من أعمال أرزنجان، فانهزم جلال الدين وعاد إلى خلاط، فأخذ من كان بها من أصحابه وفارقها، وأسر فى هذه الوقعة جماعة من أصحاب السلطان. فأمر كيقباذ بضرب أعناقهم، وأسر ابن عمه صاحب أرزن الروم، وقصد به بلده، فتسلم أرزن الروم وما معها من القلاع، وما بها من الخزائن وغيرها. فكان طغرل شاه كما قيل: «خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا اذنين» ؛ وكان هذا قد عاهد جلال الدين على أنه يملكه بعض بلاد كيقباذ، فأخذ ما بيده. واستمر كيقباذ فى الملك إلى أن توفى، وكانت وفاته فى سنة أربع وثلاثين وستماية، وملك بعده ولده.

стр. 10364

ذكر ملك غياث الدين كيخسرو ابن الملك علاء الدين كيقباذ غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق، وهو الحادى عشر من الملوك السلجقية، بالروم ملك المملكة الرومية بعد وفاة أبيه الملك كيقباذ فى سنة أربع وثلاثين وستماية. وجلس على تخت السلطنة بمدينة قونية وراسله الملوك فى الموافقة، وهى السنة التى وصل التتار فيها إلى الروم. وفى سنة خمس وثلاثين أرسل غياث الدين إلى والدة الملك العزيز مخطب بنت ابنها العزيز لنفسه، وأن يتزوج الملك الناصر صاحب حلب أخت السلطان غياث الدين. فاستقر بينهما الأمر، وعقا عقد السلطان على غازية خاتون ابنة الملك العزيز على خمسين ألف دينار. ووصل الصاحب كمال الدين بن العديم من حلب إلى السلطان. فزوج أخته من الملك الناصر على نظير هذا الصداق. فحصل الاتفاق بينهما، ثم أرسل السلطان غياث الدين إلى حلب يطلب أن تقام له الخطبة بها وتضرب السكة باسمه. فتوقفت الصاحبة والدة العزيز فى ذلك، فأشير عليها بالموافقة فأجابت إلى ذلك، وخطب له بحلب. وفى سنة إحدى وأربعين وستماية، دخل بيجو مقدم التتار إلى بلاد الروم، والتقى هو والسلطان غياث الدين فكسرهم كيخسرو، ثم عاودوا القتال فهزموه، وقتل جماعة من أصحابه، والتجأ إلى بعض المعاقل؛ ثم حصلت المهادنة على أتاوة يؤديها غياث الدين للتتار فى كل سنة.

стр. 10365

وفى سنة أربع وخمسين وستماية وصل التتار إلى بلاد الروم صحبة جرماغون وبيجو من قبل منكوفان الملك. فخرج السلطان غياث الدين لقتالهم بجميع عساكره، واستصحب حريمه ليقاتل قتال الحريم. واستشار أصحابه فيما يفعل، فكان منهم من هول عليه أمر التتار وكان غياث الدين قد زوجه والده بكرجى خاتون ابنة ملك الكرج. فلما أفضت السلطنة إليه جعل أخاها مقدما على الجيش، وكان نصرانيا، لم ينتقل عن ملته، فكرهه الأمراء وكرهوا السلطان بسببه. فلما كان فى هذا الوقت قال للسلطان غياث الدين: «ضم إلى من فى عسكرك من الكرج والفرنج، وأنا ألقى التتار بهم» . فغاظ الأمراء كلامه، وتقدم أحد أعيانهم فحلف أنه لا بد أن يلقى التتار بنفسه، ومن صحبه، وركب فى نحو عشرين ألف فارس، وتقدم إلى التتار وهم بصحراء اقشهر زنجان، وكان غياث الدين على الجبل الأقرع واسمه كوسا داغ، وهو مشرف على الوطأة التى نزل بها التتار. وسار الأمير فيمن معه، وتبعه السلطان ببقية الجيش فوجد المقدم أمامه واد قطعه السيل، فلم يستطع قطعه إلى جهة التتار، فسار مع لحف لجبل، يطلب طريقا يمكنه التوصل منه إلى التتار. فركب التتار وقصدوه ودنوا منه وراسلوه بالسهام، فأهلكوا أكثر الخيل التى معه، فكان السهم لا يقع إلا فى فرس أو فارس، فتفرقوا عند ذلك، وطلبوا النجاة لأنفسهم. وعاد السلطان غياث الدين إلى المخيم. وجهز حريمه إلى قونية، وهى دار المملكة، ومسافتها من المكان الذى هو فيه نحو شهر، فسرن صحبة أمير، ولم يحملن معهن إلا ماخف، ورجع

стр. 10366

السلطان وترك الوطاق والدهاليز والخيام منصوبة، وبها الأثقال والخزائن والذحائر وأقام التتار ثلاثة أيام لم يقدموا على دخول الوطاق ظنا منهم أنها مكيدة، ثم عبروا الوطاق واستولوا على ما فيه، ورجعوا. وتوفى غياث الدين فى هذه السنة، وخلف ثلاثة أولاد: عز الدين كيكاووش، وركن الدين قلج أرسلان وعلاء الدين كيقباذ. ذكر أحوال أولاد السلطان غياث الدين كيخسرو بعد وفاة أبيهم قال: لما توفى غياث الدين استقر أولاده الثلاثة فى السلطنة، ولم ينفرد بها أحد عن الآخر، وضربت السكة باسمهم جميعا، وخطب لهم وكان والدهم قد جعل ولاية عهده لولده علاء الدين كيقباذ بن كرجى خاتون، فاتفقوا على أن يتوجه إلى منكوقان يطلب منه الصلح والهدنة، ويقرر له أتاوة. هذا بعد أن استولى بيجو على قيسارية وأعمالها وما حولها، وصار بيده من المملكة الرومية مسافة شهر. قال: فتوجه علاء الدين كيقباذ إلى منكوقان ملك التتار ومعه الهدايا والتحف، وذلك فى سنة خمس وخمسين وستماية. وقصد الأرد «١» ومعه الأمير سيف الدين طرنطاى، وهو من أكابر الأمراء

стр. 10367

وشجاع الدين ملك السواحل. وأقام أخواه بقونية فاختلفت آراؤهما وآل أمرهما إلى القتال. فانتصر عز الدين كيكاووش واستقر بقونية بمفرده، واعتقل ركن الدين قلج أرسلان، كل ذلك وبيجو بالروم قال: ولما اعتقل قلج أرسلان، ضاق أصحابه ومنهم الصاحب شمس الدين الطغراى والأمير سيف الدين جاليش وغيرهم، ففكروا فيما يفعلون فزورّوا كتابا عن السلطان عز الدين كيكاووش إلى سيف الدين طرنطاى ورفيقه، أن يسلما إليهم السلطان علاء الدين كيقباذ، وما معهما من الهدايا والتحف، ليتوجه الصاحب بذلك إلى منكوقان، ويعود طرنطاى ورفيقه إلى قونية. وساروا بهذه الكتب الموضوعة فى إثر السلطان كيقباذ، فلحقوه وقد وصل إلى أردوباطو. فدخلوا على باطو وقالوا: «إن السلطان عز الدين كان قد أرسل أخاه ليتوجه إلى القان وأرسل معه هذين- يعنون طرنطاى ورفيقه- ثم اتضح له أنهما قد أضمرا السوء، وأن طرنطاى ضربته صاعقة فيما مضى من الزمان، فلا يصلح أن يدخل بين يدى القان «١» . ورفيقه شجاع الدين طبيب ساحر، وقد أخذ صحبته شيئا من السم القاتل ليغتال به منكوقان. فأرسلنا عوضا عنهما وأمر بردهما، فلما سمع باطو ما قاله الصاحب، أمر بإحضار طرنطاى ورفيقه وفتش ما معهما من القماش والأصناف، فكان فيه برانى أشربة وعقاقير، من جملتها السقمونيا، فأمره أن يأكل من ذلك فأكل وامتنع من السقمونيا: فظنها باطوسمّا، واستدعى الأطباء فقالوا إنها من الأدوية وآخر الأمر

стр. 10368

أن باطو خير الصاحب ورفقته بين أن يستصحبوا الهدايا إلى القان، ويكون السلطان صحبة طرنطاى ورفيقه أو العكس. فاختار الصاحب أن يكون السلطان معه والهدايا مع طرنطاى، وافترقا على. ذلك. وتوجه السلطان كيقباذ والصاحب إلى القان وتوجه طرنطاى ورفيقه بالهدايا إليه، وافترقوا فى الطريق، فكل قصد جهة. واتفقت وفاة السلطان فى طريقه، وجرت لهم خطوب يطول شرحها، آخرها أنهم وصلوا إلى القان بالأردو وتنافسوا الرياسة فى مجلسه، ثم اتفق الحال أن تكون مملكة الروم مقسومة بين الأخوين، فجعل لعز الدين كيكاووش من نهر سيواس إلى حد بلاد اشكرى «١» ، ولركن الدين قلج أرسلان من نهر سيواس إلى تخوم أرزن الروم من الجهة الشمالية المتصله ببلاد التتار. واستقر عليهما اتاوة يحملونها إلى الأردو وعاد الصاحب شمس الدين وطرنطاى ورفقتهما من عنده، فما وصلوا إلى الروم حتى دخله التتار، وكان بينهم وبين السلطان عز الدين ما نذكره إن شاء الله فى أخبار التتار. قال: ووصل الصاحب ورفقته الى الروم فى سنة سبع وخمسين وستماية، واستقرت القسمة بين الأخوين على ما قرره منكوقان، وانفرد كل منهما بما استقر له، وانضم إليه جماعة من الأمراء. ثم قدم هولاكو وملك بغداد، فاستدعاهما فسار إليه، وحضرا معه أخذ حلب، ثم عادا إلى بلادهما على القسمة التى قسمها منكوقان. فلما كان فى سنة ستين

стр. 10369

وستماية بعث هولاكو يستدعى شمس الدين يوتاش نائب السلطان عز الدين، فأرسله إليه فوصل إلى أرزنكان صحبة رسل هولاكو. فوافق وصولهم إليها عند غطاس النصارى، فخرجوا إلى الفرات بجمع كثير، ومعهم الجاثليق وقد رفعوا الصلبان على الرماح، وأعلنوا بالنواقيس والصياح، فأنكر عليهم شمس الدين، وقصد منعهم، فمنعه رسل هولاكو، وقالوا: «هذه بلاد السلطان ركن الدين فلا يحدث فيها» وسألوا الجاثليق: «كيف كان عادتكم فى أيام السلطان غياث الدين؟» فقال: «كنا نحمل له ثلاثة آلاف درهم، ونعمل ما نختار» فأخذوا منه ثلاثة آلاف درهم ومكنوه من عمل العيد كما أراد. فلما جرت هذه المفاوضة بين رسل هولاكو وشمس الدين، عاد مغضبا ورجع إلى السلطان عز الدين، وحمله على المخالفة والعصيان، فوافقه على ذلك واستولى على أكثر بلاد أخيه ركن الدين. فتوجه ركن الدين إلى هولاكو واستنصر به، فبعث معه تومانا «١» من التتار، فكسرهم عز الدين. ثم استمدوا هولاكو، فأمدهم بتومان آخر فهرب عز الدين وفارق البلاد ودخل إلى الأشكرى بالقسطنطينية، وصحبته أخواله، وهما على دين النصرانية، وثلاثة نفر من أمرائه. واستولى ركن الدين على جميع البلاد واستقل بملكها. وأما عز الدين فإنه لما وصل إلى الأشكرى أكرمه وأحسن إليه،

стр. 10370

فأقام عنده إلى سنة اثنتين وستين وستماية، فقصد الأمراء الذين كانوا معه وهم عز الدين أمير آخر، وعلى بهادر، وأمير مجلس، أن يثبوا على الأشكرى فيقتلوه، وأعلموا صاحبهم عز الدين بذلك. وقالوا له: «اكتمه عن خاليك» فلم يكتمه عنهما، وأعلمهما به، وأمرهما أن يعرفا الأشكرى بذلك، وأنه لا يركب فى اليوم الذى قصد الأمراء الفتك به فيه. فعرفاه، فقبض على الأمراء وكحلهم، وقبض على السلطان عز الدين واعتقله بقلعة من القلاع الغربية، فأقام بها إلى سنة ثمان وستين وستماية. وجمع الأشكرى أصحاب الأمراء وأتباعهم، وعرض عليهم الدخول فى دينه. فمن وافق تركه، ومن أبى كحله. فمنهم من وافق وتنصّر، ومنهم من امتنع فكحل، وعرض على رجل منهم أن يتنصر فصاح وقال: «الجنة معدة للإسلام، والنار معدة لكم» فقال: هذا رجل ثابت على دينه وأطلقه، وكتب له ورقة للطريق. وفى سنة ثمان وستين وستماية خلص السلطان عز الدين وأهله من الاعتقال، وسبب ذلك أن منكوتمر بن طغان جهز عسكر إلى اسطنبول، فأغاروا عليها، وأخذوا عز الدين من القلعة التى كان بها، وأحضروه إلى منكوتمر، فأكرمه وأحسن إليه وأقام ببلاده قرم، وتزوج بها، واستمر إلى أن توفى فى سنة سبع وسبعين وستماية.

стр. 10371

ذكر قتل السلطان ركن الدين قلج أرسلان وولاية ابنه غياث الدين كيخسرو وفى سنة ست وستين وستماية دبر البرواناه على السلطان ركن الدين، واتفق مع التتار الذين عنده على قتله ليتمكن من البلاد. فعمل وليمة واجتمع فيها التتار، واستدعوا السلطان فحضر إليهم وأكل وشرب، فقاموا إليه وخنقوه بوتر، فمات، واستقر فى الملك بعده ولده السلطان غياث الدين كيخسرو، وله من العمر أربع سنين، واستولى البرواناه على الحكم فى المملكة الرومية، والله أعلم. ذكر خبر البرواناه معين الدين سليمان وأصله وتنقله أما أصله فمن الديلم. وكان والده مهذب الدين على. حضر وهو شاب فى أيام السلطان علاء الدين كيقباذ إلى سعد الدين المستوفى بالروم، وهو إذ ذاك نافذ الحكم، فسأله أن يجرى عليه جاريا فى بعض المدارس، يكون درهما فى اليوم، يقتات به. وكان شاب جميلا وسيما من طلبة العلم، فمال إليه المستوفى فقال: «أريد أن أتخذك ولدا» وأخذه وقربه وأدناه وأحسن إليه، وزوجه بابنته ثم اتفقت وفاة المستوفى، فوصف مهذب الدين للسلطان علاء الدين بالكفاية والمعرفة والفضيلة، فقربه منه، وترشح للوزارة واستوزره

стр. 10372

وألقى إليه مقاليد الدولة، ورزق مهذب الدين ولده معين الدين سليمان المسمى بالبرواناه. وتقدم معين الدين فى الدولة السلجقية إلى أن استولى على الحل والعقد. ولم يكن للسلطان غياث الدين كيخسرو هذا معه فى السلطنة غير الاسم. ومعين الدين هذا هو والد الأمير علاء الدين على بن البرواناه، أحد أمراء الدولة الناصرية «١» . وولى القاهرة، ثم ولى نيابة دار العدل الشريف، وتقدم على الجيوش. قال: واستمر غياث الدين كيخسرو فى اسم السلطنة بالروم إلى أيام السلطان أحمد «٢» فى سنة إحدى وثمانين وستماية، فاستدعاه إلى الأردو، وعزله عن السلطنة، ورسم له بالإقامة بارزنكان، فأقام بها إلى سنة اثنين وثمانين وستماية. فدس عليه أرغون بن أبغا من خنقه بوتر فمات. ولما عزل غياث الدين فوض السلطان أحمد السلطنة فى الروم إلى السلطان مسعود ابن السلطان غياث الدين كيكاووش ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان علاء الدين كيقباذ ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان عز الدين قلج أرسلان ابن الملك

стр. 10373

مسعود ابن الملك قلج أرسلان ابن الملك سليمان ابن الملك شهاب الدولة قتلمش بن رسلان بيغو بن سلجق ملك المملكة الرومية، بعد عزل غياث الدين كيخسرو ابن ركن الدين قلج أرسلان فى أيام السلطان أحمد فى سنة إحدى وثمانين وستماية، فاستمر وليس له من الأمر شىء إلا اسم السلطنة خاصة، والحكم فى المملكة الرومية للتتار وشحانهم (جمع شحنة) . هذا آخر ما اتصل إلينا من أخبارهم إلى حين وضعنا هذا التأليف فى سنة أربع عشرة وسبعماية. فلن ذكر أخبار الدولة الأتابكية ، لأنها من فروع الدولة السلجقية، وبتمامها يتم هذا الباب إن شاء الله تعالى. ذكر أخبار الدولة الأتابكية وهذه الدولة من فروع الدولة السلجقية كان ابتداؤها أولا بحلب فى سنة تسع وسبعين وأربعماية، ثم انقطعت بقتل اقسنقر مدة ثم قامت بالموصل وحلب والشام وبمصر خطبة. وقاعدة هذه الدولة وعمادها المشار إليه من ملوكها نور الدين محمود بن زنكى. ونحن نذكر أصل هذا البيت الأتابكى وننقله إلى أن ملك نور الدين الشهيد وما انتهى إليه حال هذه الدولة إلى حين انقراضها، فنقول أصل البيت الأتابكى اقسنقر التركى.

стр. 10374

ذكر أخبار قسيم الدولة اقسنقر التركى كان تركيا من أصحاب السلطان ركن الدولة ملكشاه السلجقى، وتربى معه من صغره وهو من أترابه، واستمر فى صحبته حتى أفضت إليه السلطنة، فكان من أعيان أمرائه، واعتمد عليه فى مهماته وزاد فى علو مرتبته، فصار الوزير نظام الملك مع عظم شأنه وجلالة قدره، يتقيه ويداريه. ومما يدل على مكانته وعلو شأنه كونه لقب قسيم الدولة مع صون الألقاب والمشاححة فيها فى ذلك الوقت. ولما ملك السلطان ملكشاه مدينة حلب كما ذكرناه فى أخباره سلمها لقسيم الدولة فى سنة تسع وسبعين وأربعماية، وقيل فى سنة ثمانين، فعمرها وأحسن السيرة فيها فمال الناس إليه وأحبوه، ثم تسلم من الأمير نصر بن على بن منقذ الكنانى صاحب شيزر، اللاذقية وأفامية وكفر طاب، فأشار الوزير نظام الملك على السلطان ملكشاه أن يسلم ذلك إلى قسيم الدولة مع حماه ومنبج، فأقطعه السلطان جميع ذلك، فعظمت هيبته، وظهرت كفايته، وقمع أهل الفساد والبغى. ثم استدعاه السلطان إلى العراق فقدم متجملا بعسكر عظيم، فاستحسن ذلك منه وعظمه وأعاده إلى أعماله. وفى سنة إحدى وثمانين وأربعماية قصد اقسنقر شيزر ونهبها وعاد إلى حلب. وفى سنة ثلاث وثمانين حاصر مدينة حمص وملكها، فسار صاحبها ملاعب إلى الديار المصرية. وفى سنة أربع وثمانين ملك حصن أفامية والرحبة. واستمر قسيم الدولة كذلك إلى أن مات السلطان ملكشاه فى سنه خمس

стр. 10375

وثمانين، فجهز عند ذلك جيشا إلى تكريت فملكها. واتفق أن تاج الدولة تتش صاحب دمشق طمع بعد وفاة أخيه السلطان ملكشاه فى السلطنة، فسار من دمشق إلى حلب، فلم يمكن قسيم الدولة إلا موافقته والدخول فى طاعته. وكان من أمر تتش ما قدمناه فى أخباره، وفارقه قسيم الدولة والتحق بالسلطان بركياروق ولد صاحبه السلطان ملك شاه كما قدمنا ذكر ذلك مبينا. ذكر قتل قسيم الدولة قال: ولما فارق قسيم الدولة تتش واستمر فى خدمة السلطان بركياروق وعاد تتش إلى الشام، أمر بركياروق قسيم الدولة وبوزان صاحب حوران بالعود إلى بلادهما ليمنعا تتش من التغلب عليها، فعادا، وجمع تتش العساكر وسار نحو حلب، فاجتمع قسيم الدولة وبوزان، وأمدهما السلطان بركياروق بالأمير كربوقا صاحب الموصل. فالتقوا مع تتش بالقرب من تل السلطان على ستة فراسخ من مدينة حلب. فانهزم جيش قسيم الدولة وأخذ أسيرا، فقتله تتش صبرا، ودخل بوزان وكربوقا حلب، فحصرهما تاج الدولة تتش وفتحها وأخذهما، فقتل بوزان واعتقل كربوقا، فلم يزل إلى أن خلص فى أيام الملك رضوان بعد قتل تتش. وكان مقتل قسيم الدولة فى سنة سبع وثمانين وأربعماية. وكان ﵀ حسن السيرة والسياسة كثير الإحسان إلى رعيته فكانوا فى أيامه بين عدل غامر ورخص شامل وأمن واسع، رحمه الله تعالى.

стр. 10376

ذكر أخبار عماد الدين أتابك زنكى بن قسيم الدولة اقسنقر قال المؤرخون: لما قتل قسيم الدولة كان عمر ولده زنكى نحو عشر سنين، ولم يخلف من الذرية غيره، فاجتمع مماليك والده عليه وأصحابه. فلما خلص قوام الدين كربوقا من السجن، بعد قتل تتش فى سنة تسع وثمانين وأربعماية، وملك حران ونصيبين والوصل وماردين، وعظم شأنه وهو فى طاعة السلطان بركياروق، أحضر مماليك قسيم الدولة، وأمرهم بإحضار عماد الدين زنكى، وقال: «هو ابن أخى، وأنا أولى الناس بتربيته» فأحضروه إليه، وأقطعهم كربوقا الإقطاعات السنية واستعان بهم فى حروبه، وسار بهم إلى آمد وصاحبها من أمراء التركمان، والتقوا فهزمهم كربوقا. وهو أول مصاف حضره زنكى بعد قتل والده. ولم يزل عند كربوقا إلى أن توفى [كربوقا] فى سنة أربع وتسعين وأربعماية. وملك بعده موسى التركمانى، فقتل ولم تطل مدته. ثم ملك الموصل شمس الدولة جكرمش، وهو من مماليك السلطان ملكشاه، فاتخذ عماد الدين زنكى كالولد، فكان عنده إلى أن قتل فى سنة خمسماية. ثم ملك الموصل بعده جاولى سقاور، فاتصل به عماد الدين، وقد كبر وظهرت شهامته. ولم يزل معه حتى عصى على السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، فأرسل السلطان الأمير مودود إلى الموصل، فى سنة اثنتين وخمسماية، وأقطعه إياها، ففارقه عماد الدين وغيره من الأمراء، والتحقوا بمودود، فأكرم زنكى وشهد حروبه.

стр. 10377

ثم سار مودود إلى الشام ففتح فى طريقه قلاعا كانت للفرنج، ثم حضر عند أتابك طغرلتكين (طغتكين) صاحب دمشق وسار إلى طبرية وحاصرها، وقاتلوا قتالا شديدا، فظهر من عماد الدين زنكى شجاعة عظيمة، منها أنه كان فى نفر وخرج الفرنج من البلد، فحمل عليهم هو ومن معه فهزمهم، واستمر فى حملته وهو يظن أن أصحابه يتبعونه، فتخلفوا عنه وتقدم وحده إلى أن وصل إلى باب المدينة، وأثر رمحه فيه. وقاتل الفرنج عليه وحمى نفسه، وعاد سالما، فعجب الناس من إقدامه وسلامته. ثم عاد إلى دمشق صحبة الأمير مودود، فخرج مودود لصلاة الجمعة، فلما صلى وانصرف، فبينما هو فى صحن الجامع ويده بيد طغرلتكين وثب عليه إنسان فضربه بسكين، فحمل إلى بيت طغرلتكين فمات فى بقية يومه، وكان صائما ولم يفطر، وقتل قاتله. قال: ولما قتل كتب ملك الفرنج إلى طغرلتكين يقول: «إن أمة قتلت عميدها، فى يوم عيدها، فى بيت معبودها، حقيق على الله أن يبيدها» ثم أقطع السلطان الموصل وغيرها بعد قتل مودود للأمير جيوش بك، وسير معه ولده الملك مسعود، كما ذكرناه. ثم جهز السلطان اقسنقر البرسقى فى العساكر لقتال الفرنج، وكتب إلى عساكر الموصل وغيرها يأمرهم بالمسير معه، فساروا وفيهم عماد الدين زنكى. وكان يعرف فى عساكر العجم زنكى الشامى، فسار اقسنقر إلى الرها وإلى سميساط «١» وبلد سروج،

стр. 10378

وقاتل الفرنج وأبلى زنكى فى هذه المواقف بلاء حسنا. فعادت العساكر تتحدث بما فعله، وعاد البرسقى وأقام زنكى بالموصل مع الملك مسعود، والأمير جيوش بك، إلى أن أظهر العصيان على السلطان فى سنة أربع عشرة وخمسماية، ثم استأمن الملك مسعود لأخيه السلطان على ما قدمنا ذكر ذلك فى أخبار الدولة السلجقية. ذكر ابتداء حال عماد الدين زنكى وترقيه وتنقله فى الولايات كان ابتداء ولايته فى سنة ست عشرة وخمسماية، وذلك أن السلطان محمود أقطع الأمير اقسنقر البرسقى مدينة واسط. وأعمالها، مضافا إلى ما بيده من ولاية الموصل وشحنكية العراق وغير ذلك. فسير البرسقى إليها عماد الدين زنكى وأمره بحمايتها. فسار إليها فى شعبان وقام بحمايتها أحسن قيام، وحضر مع الخليفة المسترشد بالله قتال دبيس بن صدقة أمير الحلة. وكان لعماد الدين فى ذلك آثار حسنة، وأقام إلى أن عزل اقسنقر البرسقى عن شحنكية العراق ورجع إلى الموصل فى سنة ثمانى عشرة وخمسماية. وكان عماد الدين إذ ذاك بالبصرة قد سيره البرسقى لحمايتها. فلما توجه البرسقى إلى الموصل أرسل إليه يأمره باللحاق به، فقال لأصحابه: «قد ضجرنا مما نحن فيه بالموصل، فى كل يوم أمير جديد، ونحتاج نخدمه، وقد رأيت أن أسير إلى السلطان محمود فأكون معه» ؛ فأشاروا عليه بذلك. فسار إلى السلطان [محمود] فقدم عليه وهو بإصفهان، فأكرمه. وكان يقف عن يمين تخت السلطان إلى جانبه لا يتقدم عليه غيره، وهى منزلة والده من قبله.

стр. 10379

ثم بلغ السلطان [محمود] أن العرب تجمعت ونهبت البصرة، فأقطعها لعماد الدين زنكى، وأعاده إليها، وهذه الولاية هى أول ولاياته من قبل السلطان، فضبط عماد الدين زنكى البصرة وأعمالها وقام فيها أحسن قيام، وكف الأيدى عنها. فلما وقع الاختلاف بين السلطان محمود والخليفة المسترشد بالله، وحضر السلطان إلى بغداد وحصرها كما قدمنا ذكر ذلك، أرسل إلى عماد الدين زنكى وهو بواسط يأمره بالحضور بنفسه ومعه المقاتلة فى السفن وعلى الدواب. ففعل [عماد الدين زنكى] ذلك وجاء فى موكب عظيم فى البر والبحر، فركب السلطان للقائه، ورأى الناس من ذلك ماهالهم، وعظم عماد الدين فى أعينهم. ثم حصل الاتفاق بعد ذلك بين السلطان والخليفة كما ذكرنا. ذكر ولاية عماد الدين زنكى شحنكية العراق وفى شهر ربيع الاخر سنة إحدى وعشرين وخمسماية أسند السلطان محمود شحنكية العراق إلى الأمير عماد الدين زنكى. ومسبب دلك أن السلطان لما عزم على المسير عن بغداد إلى همذان، نظر فيمن يصلح لشحنكية العراق ممن يأمن جانبه مع الخليفة. واعتبر أعيان دولته، فلم ير فيهم من يقوم بأعباء هذا الأمر مقامه، فاستشار أصحابه فى ذلك فكل أشار عليه به [عماد الدين] وقالوا: «لا يقدر على سد هذا الخرق، وإعادة ناموس هذه الولاية، ولا يقوى نفس أحد على ركوب هذا الخطر، غير عماد الدين زنكى، ففوض إليه

стр. 10380

ولايتها، مضافا إلى ما بيده من الإقطاع. وكانت شحنكية العراق من أعظم الولايات. وسار السلطان عن بغداد وقد اطمأن من جهة العراق. ولم يطل مقام زنكى ببغداد حتى انتقل إلى ولاية الموصل. ذكر ولاية عماد الدين زنكى الموصل وأعمالها كانت ولاية عماد الدين زنكى الموصل وأعمالها فى سنة إحدى وعشرين وخمسماية. وسبب ذلك أن اقسنقر البرسقى لما قتل على ما ذكرناه، وولى بعده ابنه مسعود فى ثامن ذى القعدة سنة عشرين وخمسماية، فمات مسعود فى سنة إحدى وعشرين وهو يحاصر الرحبة. فلما مات قام بعده أخ له صغير، واستولى على البلاد جاولى مملوك أبيه، ودبر أمر الصبى وأرسل إلى السلطان يطلب تقرير أعمال الموصل على الصغير ولد اقسنقر البرسقى، وبذل الأموال الكثيرة على ذلك. وكان الرسول فى ذلك القاضى بهاء الدين على ابن القاسم الشهرزورى وصلاح الدين محمد [الباغسيانى] «١» أمير حاجب البرسقى، فسارا حتى حضرا دركاة السلطان ليخاطباه فى ذلك. وكانا يكرهان جاولى ويخافانه، ولا يرضيان بطاعته، فاجتمع صلاح الدين مع نصير الدين جغر الذى صار ينوب عن عماد الدين. فذكر له صلاح الدين ما ورد فيه، وكان بينهما صهارة. فخوفه نصير الدين من جاولى، وقبح عنده طاعته، وقرر فى نفسه أن جاولى إنما أبقاه لحاجته إليه وأنه متى أجيب إلى مطلوبه لا يبقى على أحد منهم، وحسن له المخاطبة فى ولاية عماد الدين زنكى،

стр. 10381

وضمن له الولايات والإقطاعات الكبيرة وكذلك للقاضى بهاء الدين، فقاما وركبا إلى دار الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد، واجتمعا به وقالا له: «قد علمت وعلم السلطان أن ديار الجزيرة والشام قد يمكن الفرنج منهما، وقويت شوكتهم بها، واستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدود ماردين إلى عريش مصر، ما عدا البلاد الباقية للمسلمين. وكان البرسقى بشجاعته وانقياد العساكر إليه، يكف بعض عاديتهم وشرهم، وقد زاد طمعهم منذ قتل، وولده هذا طفل صغير، ولا بد للبلاد من رجل شهم شجاع ذى رأى وتجربة، يذب عنها، ويحمى حوزتها. وقد أنهينا الحال لئلا يجرى خلل أو وهن على الإسلام والمسلمين فيختص اللوم بنا ويقال لم لا أنهيتم إلينا جلية الحال» ، فرفع الوزير قولهما إلى السلطان فاستحسنه وشكرهما عليه، وأحضرهما واستشارهما فيمن يصلح للولاية، فذكرا جماعة فيهم عماد الدين زنكى، وبذلا عنه تقربا إلى خزانة السلطان مالا جليلا، فأجاب السلطان إلى ولايته، فأحضره وولاه جميع تلك البلاد، وكتب منشورة بها، وسار عماد الدين زنكى إليها فبدأ بالبوازيج «١» ليملكها ويتقوى بها ويجعلها ظهره، لأنه خاف من جاولى أنه ربما يصده عن البلاد. ثم سار عن البوازيج إلى الموصل، فلما سمع جاولى بقربه خرج إلى لقائه ومعه سائر العسكر، وترجل عند مقابلته، وقبل الأرض بين يديه، وعاد فى خدمته إلى الموصل، فدخلها فى

стр. 10382

شهر رمضان من السنة. وأقطع جاولى الرحبة وسيره إليها، وولى نصير الدين دزداريّة قلعة الموصل وجعل إليه سائر دزدارية القلاع، وجعل صلاح الدين محمد أمير حاجب، وبهاء الدين على الشهرزورى قاضى القضاة بجميع بلاده، وزاده إقطاعا وأملاكا، وكان لا يصدر إلا عن رأيه. فلما فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جزيرة ابن عمرو بها مماليك البرسقى، فامتنعوا عليه فحصرهم وراسلهم، وبذل لهم البذول الكثيرة على التسليم، فلم يجيبوه إلى ذلك فجد فى قتالهم. «١» وكان بينه وبين البلد دجلة، فأمر الناس بإلقاء أنفسهم فى الماء، ففعلوا وعبروا سباحة وعبر بعضهم فى السفن والأكلاك، وتكاثروا على أهل الجزيرة. وكانوا قد خرجوا إلى أرض بين الجزيرة ودجلة، تعرف بالزلاقة، ليمنعوا عسكر عماد الدين، فلما رأوه قد عبر دجلة انهزموا ودخلوا البلد، وأرسلوا فى طلب الأمان، فأمنهم ودخل البلد بعسكره. ثم زادت دجلة فى تلك الليلة زيادة عظيمة لحقت سور البلد، وصارت الزلاقة مملوءة بالماء، فلو أقام بها عماد الدين تلك الليلة هلك هو وعسكره ولم يسلم منهم أحد، فأيقن الناس بسعادته. ثم سار عن الجزيرة إلى نصيبين، وكانت لحسام الدين تمرتاش ابن إيلغازى صاحب ماردين، فلما نازلها سار حسام الدين إلى ابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا

стр. 10383

فاستنجده على أتابك زنكى، فوعده النجدة بنفسه وجميع عسكره. وعاد تمرتاش إلى ماردين، وأرسل رقعة على جناح طائر إلى نصيبين، يعرف من بها من العسكر أنه وابن عمه واصلان إليهم بالعسكر الكثير لدفع زنكى عنهم، ويأمرهم بحفظ البلد خمسة أيام. فبينما أتابك زنكى فى خيمته وإذا بطائر سقط على الخيمة وهو ينظر إليه، فأمر بمسكه فمسك، فرأى فيه الرقعة فقرأها، وأمر بكتب غيرها يقول: «إننى مضيت إلى ركن الدولة وقد وعدنى النصرة بجميع العساكر وما نتأخر عن الوصول أكثر من عشرين يوما» وأمرهم بحفظ البلد هذه المدة، إلى أن يصلوا وجعلها على الطائر، وأرسله. فوصل إلى نصيبين فلما قرأ من بها الرقعة، سقط فى أيديهم، وعلموا عجزهم عن حفظ البلد هذه المدة، فأرسلوا إلى زنكى وصالحوه وسلموا إليه البلد، فبطل على داود وتمرتاش ما كانا عزما عليه. ولما ملك نصيبين سار عنها إلى سنجار، فامتنع من بها عليه ثم صالحوه وسلموها إليه، وسير منها الشحن إلى الخابور فملكه جميعه. ثم سار إلى حران وهى للمسلمين. وكانت الرها وسروج والبيرة وتلك النواحى جميعها للفرنج، وأهل حران معهم فى ضر عظيم، وضيق شديد، لخلو تلك البلاد من حامى يذب عنها. فلما قاربها خرج أهل البلد إلى لقائه، وسلموها إليه، فأرسل إلى خوستكين» صاحب الرها، وتلك البلاد وهادنه مدة يسيرة،

стр. 10384

وكان غرضه أن يتفرغ لإصلاح البلد، ويحشد، ويملك حلب والشام، ثم يقاتل الفرنج. ذكر ملك عماد الدين حلب وفى المحرم سنة اثنتين وعشرين وخمسماية، ملك عماد الدين زنكى حلب وقلعتها. وسبب ذلك أنها كانت بيد قرمان نيابة عن عز الدين مسعود بن اقسنقر البرسقى. ثم استناب بعده قتلغ فوضل إليها بعد وفاة مسعود، وتسلمها. ثم ثار به أهل المدينة وسلموها إلى سليمان بن عبد الجبار. فسير عماد الدين إليها الأمير سنقردار والأمير حسن قراقوش فى عسكر قوى، ومعهما التوقيع من السلطان لعماد الدين بالموصل والجزيرة والشام. فوصلا إلى حلب وسيرا قتلغ وابن عبد الجبار إلى عماد الدين بالموصل، فسار إليه وأقام حسن قراقوش بحلب واليا عليها. فلما وصل بدر الدولة [سليمان] بن عبد الجبار وقتلغ إلى عماد الدين أصلح بينهما، ولم يردهما إلى حلب، وسير حاجبه صلاح الدين محمد الباغسيانى فى عسكر إلى حلب، فصعد إلى قلعتها ورتب الأمور، وجعل فيها واليا. وسار عماد الدين إلى الشام فى جيوشه، فملك فى طريقه مدينة منيح وبزاعة، ووصل إلى حلب، فتلقاه أهلها، فدخلها ورتب أحوالها، وجعل رئاستها لأبى الحسن على بن عبد الرزاق.

стр. 10385

ذكر ملكه مدينة حماه وفى سنة ثلاث وعشرين ملك عماد الدين زنكى مدينة حماة. وسبب ذلك أنه أظهر أنه يريد جهاد الفرنج، وأرسل إليه تاج الملوك بورى بن أتابك طغرتكين صاحب دمشق يستنجده، ويطلب منه معونته على جهاد الفرنج، وكانوا قد حصروا دمشق. فأجاب إلى ذلك وجرّد تاج الملوك عسكرا من دمشق، وأرسل إلى ابنه سونج وهو بمدينة حماه يأمره بالنزول إلى العسكر والمسير به إلى زنكى. ففعل وساروا جميعهم فوصلوا إليه، فأكرمهم وأحسن لقاءهم، وتركهم أياما، ثم قبض على سونج بن تاج الملوك، وعلى جماعة من الأمراء والمقدمين، وأنهب خيامهم وما فيها واعتقلهم بحلب. وسار من يومه إلى حماة، فوصل إليها وهى خالية من الجند فاستولى، عليها، ورحل عنها إلى حمص. وكان صاحبها خيرخان «١» بن قراجا فى عسكر عماد الدين، وهو الذى أشار عليه بالقبض على تاج الملوك، فقبض عليه أيضا. ونزل على حمص، وطلب منه أن يأمر أصحابه وولده بحمص بتسليمها، فأرسل إليهم فلم يفعلوا، فحصرها مدة طويلة، ثم رحل عنها وعاد إلى الموصل.

стр. 10386

ذكر ملكه حصن الأثارب وهزيمة الفرنج قال: ولما فرغ عماد الدين من أمر البلاد الشامية، رجع إلى الموصل فأراح واستراح، وأمر أصحابه بالاستعداد فاستعدوا. ورجع إلى حلب وعزم على قصد حصن الأثارب، وهو فيما بين حلب وانطاكية على ثلاثة فراسخ من حلب. وكان من به من الفرنج يقاسمون أهل حلب على جميع أعمالها الغربية حتى على رحى لأهل حلب بظاهر باب الجنان، بينها وبين البلد عرض الطريق. فلما علم الفرنج بقصده جمعوا فارسهم وراجلهم واستعدوا وساروا نحوه، فتقدم إليهم والتقوا واقتتلوا واشتد القتال، فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة، وأسر كثير من فرسانهم، وقتل كثير، وتقدم إلى الحصن فنازله وفتحه عنوة، وعم من فيه بالقتل والأسر وأخربه، وجعله دكا. ثم سار إلى قلعة حارم وهى بالقرب من انطاكية فحصرها، فبذل الفرنج نصف دخل بلد حارم وهادنوه فأجابهم إلى ذلك، وعاد عنهم وقد اشتد أزر المسلمين وصار قصار الفرنج حفظ ما بأيديهم، وذلك فى سنة أربع وعشرين وخمسماية. ولما عاد إلى ديار الجزيرة ملك سرجا «١» ودارا وهما من أعمال ركن الدولة صاحب حصن كيفا.

стр. 10387

وفى سنة ست وعشرين سار عماد الدين بالعساكر من الموصل إلى العراق لنصرة السلطان مسعود بعد وفاة السلطان محمود. وكان مسعود قد كاتبه واستنجد به، فسار إليه ومعه الأمير دبيس بن صدقة فسار حتى نزل إلى البادية. وخرج الخليفة المسترشد بالله لحربه- وذلك فى سابع عشرين شهر رجب من السنة- والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فحمل عماد الدين على ميمنة الخليفة وبها جمال الدولة إقبال فهزمها، فحمل الخليفة بنفسه واشتد القتال فانهزم دبيس، وأراد عماد الدين الصبر فرأى الناس قد تفرقوا عنه فانهزم، وقتل من العسكر جماعة. ثم سار المسترشد وحاصر الموصل كما ذكرناه فى أخباره. وأن سبب ذلك أن الخليفة أرسل الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الاسفراينى الواعظ إلى عماد الدين برسالة فيها خشونة، زادها الشيخ [أبو الفتوح] زيادة ثقة بقوة الخليفة وناموس الخلافة، فقبض عليه عماد الدين وأهانه ولقبه بما يكره. فسار الخليفة فى النصف من شعبان سنة سبع وعشرين ونازل الموصل، ففارقها زنكى ببعض العسكر، وترك بعضه مع نائبه نصير الدين جقز دزدار القلعة. ووصل عماد الدين إلى سنجار وقطع الميرة عن عسكر الخليفة وتخطف من ظفر به من العسكر. وقام الحصار ثلاثة أشهر، ثم رحل الخليفة عنها ولم يظفر منها بشىء. وفى مدة الحصار ملك شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك صاحب دمشق مدينة حماة.

стр. 10388

ذكر حصره مدينة آمد وملكه قلعة الصور وفى سنة ثمان وعشرين وخمسماية اجتمع عماد الدين أتابك زنكى وتمرتاش صاحب ماردين، وحصرا مدينة آمد فأرسل صاحبها إلى داود بن سقمان صاحب حصن كيفا يستنجده، فجمع عساكره وغيرها وسار نحو آمد ليرحلهما عنها، فالتقوا على بابها، واقتتلوا فى جمادى الآخرة. فانهزم داود وقتل جماعة من عسكره. ولم يبلغ عماد الدين من آمد غرضا، فقصد قلعة الصور «١» من ديار بكر، وحصرها وضايقها، فملكها فى شهر رجب واتصل به ضياء الدين أبو سعيد الكفرتوثى «٢» فاستوزره. وكان حسن السيرة عظيم الرياسة والكفاية، والله أعلم. ذكر ملكه قلاع الأكراد الحميدية وفى سنة ثمان وعشرين وخمسماية أيضا استولى [عماد الدين زنكى] على جميع قلاع الأكراد الحميدية منها قلعة العقر وقلعة شوش «٣»

стр. 10389

وغيرهما. وكان لما ملك الموصل أقر صاحبها الأمير عيسى الحميدى على ولايتها وأعمالها، فلما حضر المسترشد الموصل حضر عيسى إليه وجميع الأكراد معه. فلما رحل المسترشد أمر عماد الدين بحصر قلاع الأكراد فحصرت مدة طويلة، وقوتل من بها إلى أن ملكت فى هذه السنة، فاطمأن حينئذ أهل السواد المجاورين لهذه القلاع، لأنهم كانوا مع الأكراد فى ضيق عظيم من نهب أموالهم. وفيها صلح أمر زنكى مع الخليفة. ذكر حصره مدينة دمشق وفى سنة تسع وعشرين وخمسماية نازل عماد الدين أتابك زنكى مدينة دمشق، وحصرها فى جمادى الأولى. وكان سبب ذلك أن صاحبها شمس الملوك كان قد كتب إليه يستدعيه ليسلم إليه البلد، فسار إليها، فقتل شمس الملوك قبل وصوله وملك أخوه شهاب الدين محمود كما ذكرناه. فاستمر فى مسيره فحاصرها. فأتاه وهو فى الحصار رسول الخليفة بالخلع، ويأمره بمصالحة صاحب دمشق والرحيل عنها فصالحهم، وخطب له بدمشق ورحل عنها لليلتين بقيتا من جمادى الأولى من السنة. وفى سنة ثلاثين وخمسماية استنصر الخليفة الراشد بالله بعماد الدين على السلطان مسعود كما ذكرناه فى أخبار الدولة العباسية فجاء إليه هو وأصحاب الأطراف إلى بغداد. وكان بين الخليفة والسلطان ما ذكرناه من غلبة السلطان مسعود ومسير الخليفة إلى

стр. 10390

الموصل مع عماد الدين، وقد شرحنا ذلك مبينا فى أخبار الدولة العباسية، فلا فائدة فى إعادته، وإنما نبهنا عليه فى هذا الموضع جريا على القاعدة. ولما خلع الراشد وبويع للمقتضى «١» لأمر الله، أرسل إليه عماد الدين محمد بن عبد الله الشهرزورى، فحضر إلى الديوان، فأمر الخليفة أن يعطى أتابك زنكى صريفين «٢» ودرب هرون وجرّى ملكا، وهى من خاص الخليفة، وزاد فى ألقابه وقال: «هذه قاعدة لم يسمح بها لأحد من زعماء الأطراف أن يكون لهم نصيب من خاص الخليفة.» فعظم بذلك شأنه، وبايع للمقتفى لأمر الله وخطب له بالموصل. ذكر غزاة العسكر الأتابكى الى بلاد الفرنج وفى شعبان سنة ثلاثين وخمسماية جهز عماد الدين أتابك زنكى عساكره مع الأمير أسوار نائبه بحلب، فقصدوا بلد الفرنج على حين غفلة منهم، وساروا نحو جهة اللاذقية، فنهبوا منها شيئا كثيرا، وقتلوا وأسروا سبعة آلاف أسير ما بين رجل وامرأة وصبى، وغنموا ماية ألف رأس من الدواب، ما بين فرس وحمار وبقر وغنم،

стр. 10391

وغنموا غير ذلك من الأقمشة والعين والحلى ما لا يدخل تحت الإحصاء وخربوا بلاد اللاذقية وما جاورها، ورجعوا بالظفر والغنيمة، والله أعلم ذكر ملكه قلعة بعرين وهزيمة الفرنج وفى سنة إحدى وثلاثين وخمسماية حصر عماد الدين زنكى حمص، وهى لصاحب دمشق، فلم ينل منها غرضا. فرحل عنها إلى بعرين «١» وهى للفرنج، فحاصرها فى شوال، وهى من أمنع الحصون وأحصنها، وزحف عليها، فجمع الفرنج فارسهم وراجلهم وساروا بملوكهم وقمامصتهم وكنودهم «٢» ليرحلوه عنها. فالتقوا واقتتلوا واشتد القتال، فأجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل ناحية، فاحتمى ملوكهم وفرسانهم بحصن بعرين لقربه، فحصرهم. فدخل القسوس والرهبان إلى بلاد الفرنج والروم وما ولاها من بلاد النصرانية مستنفرين على المسلمين، وقالوا: «إن المسلمين ليس لهم همة إلا قصد البيت المقدس» فاجتمعت ملوك النصرانية وصاروا على الصعب والذلول وقصدوا الشام، وجدّ عماد الدين فى الحصار، فقلت الأقوات عندهم، فسألوا الأمان على أن يتركهم يتوجهوا إلى بلادهم. فلم يجب إلى ذلك، إلى أن بلغه أن ملك الروم قد أقبل بجموع الفرنج والنصرانية، فآمنهم على تسليم الحصن وخمسين ألف دينار. ففعلوا ذلك. فلما فارقوا

стр. 10392

الحصن بلغهم اجتماع الروم والفرنج بسببهم، فندموا على تسليمه وفتح عماد الدين فى مقامه المعرة وكفر طاب من الفرنج. ولما فتح المعرة حضر إليه أهلها أرباب الأملاك، وطلبوا أملاكهم فطلب منهم كتبها فاعتذروا أنها عدمت عند ما ملكها الفرنج، فأمر بإحضار دفاتر الديوان بحلب، وكشف منها فمن وجد باسمه خراج فيها عن ملك سلمه إليه أو لعقبه إن كان قد مات. وأعاد الأملاك بهذه الطريق. وهذه غاية فى الإحسان وفى تسهيل البر والخير ونهاية فى العدل وفيها سار [عماد الدين] إلى دقوقا وملكها بعد قتال شديد ذكر ملكه مدينة حمص وغيرها من أعمال دمشق وفى المحرم سنة اثنتين وثلاثين وخمسماية وصل زنكى إلى حماة، وسار منها إلى بقاع بعلبك، فملك حصن المجدل «١» وسار إلى حمص وحصرها وملكها وراسله مستحفظ بانياس وأطاعه وكان لصاحب دمشق، وبعث إلى شهاب الدين محمود صاحب دمشق يخطب أمه زمرد خاتون ابنة جاولى، فتزوجها وحملت إليه.

стр. 10393

ذكر وصول ملك الروم الى الشام وملكه بزاعة وما فعله بالمسلمين كان ملك الروم صاحب القسطنطينية قد دخل إلى البلاد فى سنة إحدى وثلاثين وخمسماية، وخرج على انطاكية وسار إلى أذنه والمصيصة «١» ، وهما بيد ابن لاون الأرمنى «٢» صاحب الدروب «٣» فحصرها وملكها ورحل إلى عين زربة «٤» فملكها عنوة، وملك تل حمدون وحمل أهله إلى جزيرة قبرص، وعمر ميناء اسكندرونه ثم خرج إلى الشام فحصر مدينة انطاكية فى ذى القعدة فصالحه صاحبها ريمند الفرنجى «٥» ، فرحل عنها إلى بغراس «٦» ودخل ابن ليون فى طاعته. ثم سار إلى الشام فى سنة اثنتين وثلاثين وقصد بزاعة فحصرها وهى مدينة لطيفة على ستة فراسخ من حلب، فملكها بالأمان فى

стр. 10394

الخامس والعشرين من رجب، ثم غدر بأهلها فقتل منهم وسبى فتنصر قاضيها وجماعة من أهلها وأعيانها نحو من أربعماية نفس. وأقام الروم عشرة أيام يطلبون من اختفى، ودخنوا على من دخل المغاير، فهلكوا. ثم رحل [ملك الروم] إلى حلب ونزل على قويق «١» ومعه الفرنج الذين بساحل الشام، وكان عماد الدين يحاصر حمص فلما بلغه خبرهم، سير طائفة من العسكر ليحفظوا حلب منهم، فلما نزلوا على حلب خرج إليهم أحداث البلد وقاتلوهم قتالا شديدا، فقتل كثير من الروم وجرح كثير، وقتل بطريق عظيم القدر عندهم. فأقاموا ثلاثة أيام ورحلوا إلى قلعة الأثارب «٢» ، فخاف من بها من المسلمين فهربوا عنها فى تاسع شعبان، فملكها الروم وتركوا فيها سبايا بزاعة والأسرى، ومعهم جمع كثير من الروم يحفظونهم، وساروا. فلما سمع الأمير سوار نائب عماد الدين بحلب بذلك، سار بمن عنده من العسكر إلى الأثارب فأوقع بالروم وقتلهم وخلص الأسرى وعاد إلى حلب. وأما عماد الدين فإنه فارق حمص وسار إلى سلمية «٣» فنزلها، وعبر ثقله الفرات إلى الرقة، وأقام جريدة. وقصد الروم شيزر، وهى من أمنع الحصون وكانت للأمير أبى المعالى سلطان بن على بن منقذ الكنانى، فنازلوها وحاصروها ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقا

стр. 10395

فأرسل صاحبها إلى عماد الدين يستنجده، فسار إليه ونزل على نهر العاصى بينها وبين حماه، فكان يركب بعسكره إلى شيزر ويقفون «١» حيث يراهم الروم، ويرسل السرايا فتأخذ من ظفرت به منهم. ثم أرسل إلى ملك الروم يقول: «إنكم قد تحصنتم منى بهذه الجبال، فانزلوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقى، فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم وإن ظفرتم بى استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها» . ولم تكن له بهم قوة، وإنما كان يرهبهم بهذا القول وأشباهه، فأشار فرنج الشام على ملك الروم بقتاله وهونوا عليه أمره، فلم يفعل، وقال: «أتظنون أن ليس لهم من العسكر إلا ما ترون، إنما هو يريد أن تلقوه «٢» فيأتيه من نجدات المسلمين ما لا يحد» وكان عماد الدين يرسل إلى ملك الروم يقول إن فرنج الشام خائفون منه، ولو فارق مكانه لتخلفوا عنه. ويرسل إلى الفرنج فيقول: «إن ملك ملك الروم من الشام حصنا واحدا ملك بلادكم جميعها» . فاستشعرت كل طائفة من الأخرى. فرحل ملك الروم من شيزر فى شهر رمضان وكان مقامه عليها أربعة وعشرين «٣» يوما وترك المجانيق وآلات الحصار كما هى، فسار عماد الدين يتبع ساقة العسكر، فظفر بكثير منهم ممن تخلف.

стр. 10396

ذكر ملك عماد الدين بعلبك وفى ذى القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية ملك [عماد الدين] زنكى مدينة بعلبك وهى لصاحب دمشق. وسبب ذلك أن شهاب الدين محمود صاحب دمشق قتله غلمانه فى هذه السنة كما ذكرنا، وملك بعده أخوه جمال الدين محمد. وكانت والدة محمود زوجة عماد الدين بحلب، فوجدت لذلك وجدا عظيما وحزنت حزنا شديدا وكتبت إلى أتابك زنكى وهو بالجزيرة تعرفه بالحادثة وتطلب أن يقصد دمشق ويطلب ثأر ولدها. فبادر إلى ذلك ولم يتوقف وعبر الفرات عازما على قصد دمشق. فبلغ ذلك صاحبها فاحتاط واستعد، وسار عماد الدين إلى بعلبك فوصل إليها فى العشرين من ذى القعدة، وضيق على أهلها ونصب عليها أربعة عشر منجنيقا ترمى ليلا ونهارا. فأشرف أهلها على الهلاك، فطلبوا الأمان فأمنهم وتسلم المدينة. وبقيت القلعة وبها جماعة من شجعان الأتراك، فلما أيسوا من نصرة معين الدين أتابك صاحب دمشق- وكانت بعلبك له- فطلبوا الأمان، فأمنهم وتسلم القلعة منهم. ثم غدر بهم وصلبهم ولم ينج منهم إلا القليل. فاستقبح الناس ذلك من فعله واستعظموه وحذروه ونفروا منه. قال: ولما فتح بعلبك كان لمعين الدين بها جارية وكان يهواها، فأخذها زنكى وسيرها إلى حلب، فلم تزل بها إلى أن قتل زنكى، فسيرها نور الدين إلى معين الدين، فكانت أعظم أسباب المودة بينهما. قال:

стр. 10397

ولما فرع عماد الدين من بعلبك سار إلى دمشق فى شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وخمسماية ونزل على داريا «١» ، فقاتله أهل دمشق فكسرهم وتقدم إلى المصلى «٢» فقاتلوه مرة بعد أخرى. كل ذلك والظفر له عليهم. وأرسل إلى صاحب دمشق يبذل له بعلبك وحمص وغيرها مما يختاره من البلاد، فمال إلى تسليمها، فحذره أصحابه وخوفوه عاقبة غدره، فامتنع من الإجابة فعاد عماد الدين القتال والزحف. واتفقت وفاة جمال الدين صاحب دمشق فى ثامن شعبان، وولى بعده ابنه مجير الدين أبق، فاشتد طمع عماد الدين وزحف زحفا شديدا، فلما رأى أنابك [أنر] «٣» أن عماد الدين لا يندفع عنهم، راسل الفرنج واستنصر بهم، فاجتمعت الفرنج وعزموا على المسير لدفعه عن دمشق، فعلم عماد الدين بذلك فتوجه إلى حوران فى خامس «٤» عشر رمضان عازما على لقاء الفرنج قبل أن يجتمعوا مع الدماشقة. فلما بلغ الفرنج خبره لم يتحركوا من بلادهم، فعاد إلى حصار دمشق ونزل بعذرا «٥» شماليها فى سادس شوال، وأحرق عدة من قرى المرج والغوطة، ورحل إلى بلاده. ثم وصل الفرنج إلى دمشق، وكان معين الدين قد بذل لهم أنه يحاصر بانياس ويسلمها إليهم، وكانت فى طاعة زنكى. ففعل

стр. 10398

معين الدين ذلك وسلمها للفرنج. فلما بلغ عماد الدين ذلك رجع إلى بعلبك وفرق عساكره للإغارة على بلد حوران وأعمال دمشق. وسار جريدة، فنزل على دمشق بخواصه فى آخر الليل، ولم يعلم به أحد من أهلها. فلما أصبح الناس ورأوا عسكره ارتج البلد، واجتمع العسكر والعامة على السور، وخرجوا إليه فقاتلوه، فلم يمكنه الإقدام على القتال لتفرق عساكره، فأحجم عنهم وعاد إلى مرج راهط، وأقام ينتظر عود عسكره، فعادوا إليه وقد ملأوا أيديهم من الغنائم فلما اجتمعوا رحلوا إلى بلاده. ذكر ملكه شهرزور وأعمالها وفى سنة أربع وثلاثين وخمسماية ملك [عماد الدين زنكى] شهرزور وأعمالها وما يجاورها من الحصون، وكانت بيد قفجاق بن أرسلان تاش التركمانى. وكان حكمه نافذا على سائر التركمان، قاصيهم ودانيهم، وكلمته لا تخالف، يرون طاعته فرضا؛ وتحاماه الملوك، وأتاه التركمان من كل فج عميق. فلما كان فى هذه السنة سير أتابك عماد الدين عسكرا، فجمع قفجاق أصحابه ولقيهم، واقتتلوا فانهزم قفجاق واستبيح عسكره، وسار الجيش الأتابكى فى أعقابهم فحصروا الحصون والقلاع وبذلوا الأمان لقفجاق فسار إليهم، وانخرط فى سلك العسكر وسار فى الخدمة هو وابنه من بعده. وفى سنة خمس وثلاثين وخمسماية كان بين أتابك زنكى وبين داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا حرب شديدة انهزم فيها

стр. 10399

داود، وملك زنكى من بلاده قلعة بهمود «١» ، وأدركه الشتاء فعاد إلى الموصل. وفيها خطب له بمدينة آمد وصار صاحبها فى طاعته، وكان قبل ذلك موافقا لداود على قتال زنكى فلما رأى قوة زنكى سار معه. وفيها أغار العسكر الأتابكى من حلب على بلد الفرنج، فأخربوا ونهبوا وظفروا بسرية للفرنج، فقتلوا منهم وكان عدة من قتل سبعماية رجل. توفى ضياء الدين أبو سعيد الكفرتوثى وزير عماد الدين أتابك زنكى، وكان ﵀ حسن السيرة كريما رئيسا ذكر ملك عماد الدين زنكى قلعة آشب وغيرها من بلاد الهكارية «٢» وفى سنة سبع وثلاثين وخمسماية أرسل عماد الدين جيشا إلى قلعة آشب «٣» ، وكانت أعظم حصون الأكراد الهكارية وأمنعها، وبها أموالهم وأهلوهم» . فحصرها الجيش الأتابكى وضيق على من بها وملكها، فأمر عماد الدين بهدمها، وبنى القلعة العمادية وكانت العمادية حصنا عظيما من حصونهم فخرّبوه لكبره، لأنه كبير جدا، فعجزوا عن حفظه فخربت الآن آشب وعمرت العمادية. والعمادية

стр. 10400

نسبة إلى عماد الدين زنكى. وكان نصير الدين جقر نائب عماد الدين بالموصل قد فتح أكثر القلاع الجبلية. ذكر صلحه والسلطان مسعود وفى سنة ثمان وثلاثين وخمسماية وصل السلطان مسعود إلى بغداد على عادته، وجمع العساكر وتجهز لقصد بلاد زنكى، وكان قد حقد عليه واتهمه أنه أفسد عليه أصحاب الأطراف وحرضهم على الخروج على السلطان. فلما بلغ زنكى ذلك أرسل إلى السلطان يستعطفه ويستميله، وأرسل إليه السلطان أبا عبد الله بن الأنبارى فى تقرير القواعد، فاستقرت القاعدة على مائة ألف دينار، يحملها عماد الدين إلى السلطان ليعود عنه، فحمل منها عشرين ألف دينار أكثرها عروضا. ثم تنقلت الأحوال بالسلطان حتى احتاج إلى مدارة زنكى، فأطلق له ما بقى. ومن جيد الرأى ما فعله عماد الدين زنكى فى هذه الحادثة، فإن ولده الأكبر سيف الدين غازى كان لا يزال عند السلطان- سفرا وحضرا- بأمر والده، فأرسل إليه الآن يأمره بالهرب من عند السلطان إلى الموصل، وأرسل إلى نائبه بالموصل أن يمنع ابنه المذكور من الدخول. فلما هرب غازى أرسل إليه يأمره بالعود إلى السلطان، ولم يجتمع به، وأرسل معه رسولا إلى السلطان يقول: «إن ولدى هرب خوفا لما رأى تغير السلطان على، وقد أعدته، ولم أجتمع به فإنه مملوكك والبلاد لك» فوقع ذلك من السلطان بموقع عظيم، ومال إلى زنكى
следующие страницы →