Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10396–10435 · переход к 10401.
стр. 10396
ذكر ملك عماد الدين بعلبك
وفى ذى القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية ملك [عماد الدين] زنكى مدينة بعلبك وهى لصاحب دمشق. وسبب ذلك أن شهاب الدين محمود صاحب دمشق قتله غلمانه فى هذه السنة كما ذكرنا، وملك بعده أخوه جمال الدين محمد. وكانت والدة محمود زوجة عماد الدين بحلب، فوجدت لذلك وجدا عظيما وحزنت حزنا شديدا وكتبت إلى أتابك زنكى وهو بالجزيرة تعرفه بالحادثة وتطلب أن يقصد دمشق ويطلب ثأر ولدها. فبادر إلى ذلك ولم يتوقف وعبر الفرات عازما على قصد دمشق. فبلغ ذلك صاحبها فاحتاط واستعد، وسار عماد الدين إلى بعلبك فوصل إليها فى العشرين من ذى القعدة، وضيق على أهلها ونصب عليها أربعة عشر منجنيقا ترمى ليلا ونهارا. فأشرف أهلها على الهلاك، فطلبوا الأمان فأمنهم وتسلم المدينة. وبقيت القلعة وبها جماعة من شجعان الأتراك، فلما أيسوا من نصرة معين الدين أتابك صاحب دمشق- وكانت بعلبك له- فطلبوا الأمان، فأمنهم وتسلم القلعة منهم. ثم غدر بهم وصلبهم ولم ينج منهم إلا القليل. فاستقبح الناس ذلك من فعله واستعظموه وحذروه ونفروا منه.
قال: ولما فتح بعلبك كان لمعين الدين بها جارية وكان يهواها، فأخذها زنكى وسيرها إلى حلب، فلم تزل بها إلى أن قتل زنكى، فسيرها نور الدين إلى معين الدين، فكانت أعظم أسباب المودة بينهما. قال:
стр. 10397
ولما فرع عماد الدين من بعلبك سار إلى دمشق فى شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وخمسماية ونزل على داريا «١» ، فقاتله أهل دمشق فكسرهم وتقدم إلى المصلى «٢» فقاتلوه مرة بعد أخرى.
كل ذلك والظفر له عليهم. وأرسل إلى صاحب دمشق يبذل له بعلبك وحمص وغيرها مما يختاره من البلاد، فمال إلى تسليمها، فحذره أصحابه وخوفوه عاقبة غدره، فامتنع من الإجابة فعاد عماد الدين القتال والزحف. واتفقت وفاة جمال الدين صاحب دمشق فى ثامن شعبان، وولى بعده ابنه مجير الدين أبق، فاشتد طمع عماد الدين وزحف زحفا شديدا، فلما رأى أنابك [أنر] «٣» أن عماد الدين لا يندفع عنهم، راسل الفرنج واستنصر بهم، فاجتمعت الفرنج وعزموا على المسير لدفعه عن دمشق، فعلم عماد الدين بذلك فتوجه إلى حوران فى خامس «٤» عشر رمضان عازما على لقاء الفرنج قبل أن يجتمعوا مع الدماشقة. فلما بلغ الفرنج خبره لم يتحركوا من بلادهم، فعاد إلى حصار دمشق ونزل بعذرا «٥» شماليها فى سادس شوال، وأحرق عدة من قرى المرج والغوطة، ورحل إلى بلاده.
ثم وصل الفرنج إلى دمشق، وكان معين الدين قد بذل لهم أنه يحاصر بانياس ويسلمها إليهم، وكانت فى طاعة زنكى. ففعل
стр. 10398
معين الدين ذلك وسلمها للفرنج. فلما بلغ عماد الدين ذلك رجع إلى بعلبك وفرق عساكره للإغارة على بلد حوران وأعمال دمشق.
وسار جريدة، فنزل على دمشق بخواصه فى آخر الليل، ولم يعلم به أحد من أهلها. فلما أصبح الناس ورأوا عسكره ارتج البلد، واجتمع العسكر والعامة على السور، وخرجوا إليه فقاتلوه، فلم يمكنه الإقدام على القتال لتفرق عساكره، فأحجم عنهم وعاد إلى مرج راهط، وأقام ينتظر عود عسكره، فعادوا إليه وقد ملأوا أيديهم من الغنائم فلما اجتمعوا رحلوا إلى بلاده.
ذكر ملكه شهرزور وأعمالها
وفى سنة أربع وثلاثين وخمسماية ملك [عماد الدين زنكى] شهرزور وأعمالها وما يجاورها من الحصون، وكانت بيد قفجاق بن أرسلان تاش التركمانى. وكان حكمه نافذا على سائر التركمان، قاصيهم ودانيهم، وكلمته لا تخالف، يرون طاعته فرضا؛ وتحاماه الملوك، وأتاه التركمان من كل فج عميق. فلما كان فى هذه السنة سير أتابك عماد الدين عسكرا، فجمع قفجاق أصحابه ولقيهم، واقتتلوا فانهزم قفجاق واستبيح عسكره، وسار الجيش الأتابكى فى أعقابهم فحصروا الحصون والقلاع وبذلوا الأمان لقفجاق فسار إليهم، وانخرط فى سلك العسكر وسار فى الخدمة هو وابنه من بعده.
وفى سنة خمس وثلاثين وخمسماية كان بين أتابك زنكى وبين داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا حرب شديدة انهزم فيها
стр. 10399
داود، وملك زنكى من بلاده قلعة بهمود «١» ، وأدركه الشتاء فعاد إلى الموصل.
وفيها خطب له بمدينة آمد وصار صاحبها فى طاعته، وكان قبل ذلك موافقا لداود على قتال زنكى فلما رأى قوة زنكى سار معه.
وفيها أغار العسكر الأتابكى من حلب على بلد الفرنج، فأخربوا ونهبوا وظفروا بسرية للفرنج، فقتلوا منهم وكان عدة من قتل سبعماية رجل.
توفى ضياء الدين أبو سعيد الكفرتوثى وزير عماد الدين أتابك زنكى، وكان ﵀ حسن السيرة كريما رئيسا
ذكر ملك عماد الدين زنكى قلعة آشب وغيرها من بلاد الهكارية «٢»
وفى سنة سبع وثلاثين وخمسماية أرسل عماد الدين جيشا إلى قلعة آشب «٣» ، وكانت أعظم حصون الأكراد الهكارية وأمنعها، وبها أموالهم وأهلوهم»
. فحصرها الجيش الأتابكى وضيق على من بها وملكها، فأمر عماد الدين بهدمها، وبنى القلعة العمادية وكانت العمادية حصنا عظيما من حصونهم فخرّبوه لكبره، لأنه كبير جدا، فعجزوا عن حفظه فخربت الآن آشب وعمرت العمادية. والعمادية
стр. 10400
نسبة إلى عماد الدين زنكى. وكان نصير الدين جقر نائب عماد الدين بالموصل قد فتح أكثر القلاع الجبلية.
ذكر صلحه والسلطان مسعود
وفى سنة ثمان وثلاثين وخمسماية وصل السلطان مسعود إلى بغداد على عادته، وجمع العساكر وتجهز لقصد بلاد زنكى، وكان قد حقد عليه واتهمه أنه أفسد عليه أصحاب الأطراف وحرضهم على الخروج على السلطان. فلما بلغ زنكى ذلك أرسل إلى السلطان يستعطفه ويستميله، وأرسل إليه السلطان أبا عبد الله بن الأنبارى فى تقرير القواعد، فاستقرت القاعدة على مائة ألف دينار، يحملها عماد الدين إلى السلطان ليعود عنه، فحمل منها عشرين ألف دينار أكثرها عروضا. ثم تنقلت الأحوال بالسلطان حتى احتاج إلى مدارة زنكى، فأطلق له ما بقى. ومن جيد الرأى ما فعله عماد الدين زنكى فى هذه الحادثة، فإن ولده الأكبر سيف الدين غازى كان لا يزال عند السلطان- سفرا وحضرا- بأمر والده، فأرسل إليه الآن يأمره بالهرب من عند السلطان إلى الموصل، وأرسل إلى نائبه بالموصل أن يمنع ابنه المذكور من الدخول. فلما هرب غازى أرسل إليه يأمره بالعود إلى السلطان، ولم يجتمع به، وأرسل معه رسولا إلى السلطان يقول: «إن ولدى هرب خوفا لما رأى تغير السلطان على، وقد أعدته، ولم أجتمع به فإنه مملوكك والبلاد لك» فوقع ذلك من السلطان بموقع عظيم، ومال إلى زنكى
стр. 10401
ذكر ملكه بعض ديار بكر
وفى سنة ثمان وثلاثين وخمسماية سار عماد الدين زنكى إلى ديار بكر، فملك بها عدة حصون منها مدينة طنزة «١» ومدينة أسعرد «٢» ومدينة المعدن التى يعمل بها النحاس، ومدينة حيزان «٣» وحصن الرونق «٤» ، وحصن قطليس «٥» ، وحصن باناسا «٦» وحصن ذى القرنين وغير ذلك. وأخذ من بلاد ماردين مما هو بيد الفرنج حملين والموزر «٧» وتل موزر «٨» وغيرها من حصون شبختان «٩» ، ورتب أمور الجميع وجعل فيها من يحفظها. وقصد مدينة آمد وحانى. «١٠»
فحصرهما وأقام بتلك الناحية. وفيها سير عسكرا إلى مدينة عانة من أعمال الفرات فملكها.
стр. 10402
ذكر فتح الرها وغيرها من بلاد الجزيرة مما هو بيد الفرنج
وفى سادس جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمسماية فتح عماد الدين أتابك زنكى مدينة الرها من حصون الفرنج الجزيرية.
وكان ضررهم قد عم بلاد الجزيرة، ووصلت غاراتهم إلى أدانيها وأقاصيها، وبلغت آمد ونصيبين ورأس عين والرقة وكانت مملكة الفرنج بهذه الديار من قريب ماردين إلى الفرات مثل الرها وسروج والبيرة وسن بن عطير «١» وحملين والموزر والقرادى وغير ذلك.
وكانت هذه الأعمال وغيرها مما هو غرب الفرات لجوسلين «٢» الفرنجى، وكان صاحب رأى الفرنج والمقدم على عساكرهم، لما فيه من الشجاعة والمكر وكان عماد الدين يعلم أنه متى قصد حصرها اجتمع من الفرنج بها من يمنعها ويتعذر عليه ملكها لما هى عليه من الحصانه، فاشتغل بديار بكر ليوهم الفرنج أنه غير متفرغ إلى قصد بلادهم. فاطمأنوا وفارق جوسلين الرها وعبر الفرات إلى بلاده الغربية. فبلغ أتابك زنكى ذلك فنادى فى العسكر بالرحيل إلى الرها وجمع الأمراء عنده وقدم الطعام وقال: «لا يأكل معى على مائدتى هذه إلا من يطعن معى غدا فى باب الرها.» فلم يتقدم غير أمير واحد وصبى لا يعرف، لما يعلمو من إقدام زنكى وشجاعته، وأن أحدا لا يقدر على مساواته فى الحرب. فقال الأمير لذلك الصبى:
стр. 10403
«ما أنت فى هذا المقام» فقال أتابك زنكى: «دعه فو الله إنى أرى وجهه لا يتخلف عنى.»
وسار والعسكر معه فوصل إلى الرها، فكان عماد الدين أول من حمل على الفرنج والصبى معه، وحمل فارس من الفرنج على زنكى عرضا فاعترضه ذلك الأمير فطعنه فقتله، وسلم زنكى.
ونازل البلد وقاتل عليه ثمانية وعشرين يوما وملكه عنوة، وملك القلعة، ونهب الناس الأموال، وقتلوا الرجال، وسبوا الذرية والنساء.
فلما رأى عماد الدين البلد أعجبه ورأى أن تخريب مثله لا يجوز فى السياسة، فنودى بالعسكر برد ما أخذوه من الرجال والنساء والأطفال إلى بيوتهم، ورد ما غنموه من أثاثهم وأمتعتهم، فردوا ذلك وعاد البلد إلى حالته الأولى، وجعل فيه عسكرا يحفظه وتسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التى كانت بيد الفرنج شرقى الفرات ما عدا البيرة لحصانتها.
وحكى ابن الأثير ﵀ فى تاريخه الكامل قال: حكى لى بعض العلماء بالأنساب والتواريخ، قال: كان صاحب صقلية قد أرسل سرية إلى طرابلس الغرب وتلك الأعمال فنهبوا وقتلوا. وكان عند صاحب صقلية رجل مسلم كان يكرمه ويحترمه، ويرجع إلى قوله، ويقدمه على من عنده من القسوس والرهبان، حتى كان أهل ولايته يقولون إنه مسلم بهذا السبب. ففى بعض الأيام كان جالسا فى منظرة يشرف على البحر، وإذا بموكب لطيف قد أقبل وأخبر من فيه أن عسكره دخلوا بلاد الإسلام وظفروا وغنموا وقتلوا. وكان المسلم
стр. 10404
إلى جانبه، وقد أعفى فقال له الملك: «يا فلان ألا تسمع إلى ما يقولون» قال: «لا» قال: «إنهم يخبرون بكذا وكذا، أين كان محمد عن تلك البلاد وأهلها.» قال: «كان قد غاب عنهم وشهد فتح الرها، فقد فتحها المسلمون الآن» فضحك من هناك من الفرنج فقال الملك:
«لا تضحكوا فما يقول والله إلا الحق» فوصل بعد أيام الخبر من فرنج الشام بفتحها. قال ابن الأثير: وحكى لى جماعة من أهل الدين والصلاح أن إنسانا صالحا رأى الشهيد زنكى فى منامه فقال له:
«ما فعل الله بك» قال: «غفر لى بفتح الرها» .
ذكر مقتل نصير الدين جقر، وولاية زين الدين على كورجك
كان مقتله فى ذى القعدة تسع وثلاثين وخمسماية. وسبب ذلك أنه كان ينوب عن عماد الدين أتابك زنكى بالموصل وسائر الأعمال التى شرقى الفرات. وكان الملك ألب أرسلان المعروف بالخفاجى ولد السلطان محمود عند زنكى. وكان يظهر للخلفاء والسلطان مسعود وأصحاب الأطراف أن هذه البلاد لهذا الملك.
وكان ألب أرسلان فى هذه السنة بالموصل، ونصير الدين يحضر إلى خدمته فى كل يوم، فحسن له بعض المفسدين طلب الملك وقالوا له: «إن قتلت نصير الدين ملكت الموصل وغيرها، ولا يبقى مع أتابك زنكى فارس واحد» فمال إلى ذلك. فلما دخل نصير الدين إليه وثب إليه من عنده فقتلوه، وألقوا رأسه إلى أصحابه، ظنا
стр. 10405
منهم أنهم يتفرقون ويخرج الملك ويملك البلاد، فلما رأى أصحابه الرأس قاتلوا من بالدار مع الملك واجتمع معهم الخلق الكثير، فدخل القاضى تاج الدين يحيى بن الشهرزورى إلى الملك ألب أرسلان وخدعه، وكان فيما قاله حين رآه منزعجا: «يا مولانا لم تحرد من هذا الكلب؟ هو وأستاذه «١» مماليكك، الحمد لله الذى أراحنا منه ومن صاحبه على يديك» ثم قال له: «وما الذى يقعدك فى هذه الدار؟
قم لتصعد إلى القلعة وتأخذ الأموال والسلاح وتملك البلد وتجمع الجند وليس دون البلاد بعد الموصل مانع» فقام معه وركب وأصعده إلى القلعة، فلما قاربها أراد من بها من النقيب والأجناد القتال، فتقدم إليهم القاضى تاج الدين فقال: «افتحوا الباب وتسلموه وافعلوا ما أردتم» ففتحوا الباب ودخل الملك والقاضى إلى القلعة ومعهما من أعان على قتل نصير الدين. فلما صاروا بالقلعة سجنوا كلهم إلا القاضى.
وبلغ الخبر عماد الدين وهو يحاصر قلعة البيرة، وقد أشرف على فتحها، فخاف أن تختلف البلاد الشرقية بعد قتل نصير الدين، ففارق البيرة وأرسل زين الدين على بن بكتكين «٢» إلى قلعة الموصل واليا على ما كان نصير الدين يتولاه. وسار عماد الدين عن لبيرة، فخاف من بها من الفرنج أن يعود إليهم. فسلموها لصاحب
стр. 10406
ماردين. وملكها المسلمون. فإن لم يكن عماد الدين زنكى فتحها فهو سبب فتحها.
ذكر مقتل عماد الدين زنكى
كا مقتله ﵀ لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسماية. وذلك أنه كان يحاصر قلعة جعبر، وكانت بيد سالم بن مالك العقيلى منذ سلمها السلطان ملكشاه إلى أبيه، عوضا عن قلعة حلب كما تقدم فى أخبار السلجقية. فحاصرها عماد الدين الآن وأقام عليها إلى هذا التاريخ، فدخل عليه نفر من مماليكه فقتلوه غيلة، وهربوا إلى القلعة ولم يشعر أصحابه. فلما صعد أولئك النفر إلى القلعة صاح من بها بالعسكر، وأعلموهم بقتل صاحبهم، فبادر أصحابه إليه فأدركوه وبه رمق. ثم مات رحمه الله تعالى وكان عمره نحوا من أربع «١» وستين سنة، ومدة ملكه منذ ولى الموصل وإلى أن قتل عشرين سنة.
وكان حسن الصورة أسمر اللون، وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته، عظيم السياسة لا يقدر القوى معه على ظلم الضعيف وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابا من الظلم، وتنقل الولاة، ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلات بأهلها وغير أهلها. وكان ينهى أصحابه عن اقتناء الأملاك ويقول: «مهما كانت البلاد لنا فأى حاجة لكم إلى أملاك؟ فإن خرجت عن أيدينا فالأملاك تذهب معها، ومتى
стр. 10407
صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية، وتعدوا عليهم، وغصبوهم أملاكهم، والإقطاعات تفنى أصحاب السلطان عنها» «١» وخلف من الأولاد سيف الدين غازى وهو أكبر أولاده ونور الدين محمود وهو الملك العادل، وقطب الدين مودود، وهو أبو الملوك بالموصل، ونصير الدين أمير أميران. فانقرض عقب سيف الدين من الذكور والإناث، ونور الدين من الذكور، وبقى فى عقب قطب الدين على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: ولما قتل أتابك زنكى كان ولده نور الدين محمود معه، فأخذ خاتمه من يده وسار إلى حلب فملكها. وسنذكر أخباره مفصلة بعد سيف الدين غازى، والله أعلم.
ذكر ملك سيف الدين غازى ابن الشهيد عماد الدين أتابك زنكى
قال: لما قتل أتابك زنكى كان الملك ألب أرسلان ابن السلطان محمود معه، فاجتمعت العساكر عليه وكان الحاكم على دولة زنكى والمدبر لها من أرباب الأقلام جمال الدين محمد بن على بن منصور الإصفهانى شبه الوزير، ومعه الحاجب صلاح الدين محمد بن أيوب الباغسيانى فاتفقا على حفظ الملك لأولاد صاحبهم عماد الدين وتحالفا على ذلك، وركبا إلى خدمة الملك ألب أرسلان، وخدماه،
стр. 10408
وضمنا له فتح البلاد، وقالا له: «إن أتابك زنكى إنما كان الناس يطيعونه لأنه كان نائبك» فقبل منهما ذلك وظن صدقهما ومناصحتهما وقربهما، وأرسلا إلى زين الدين على بن مظفر الدين صاحب اربل بالموصل يعرفانه «١» بوفاة الشهيد ويأمرانه «٢» أن يرسل إلى ابنه سيف الدين غازى ليحضر إلى الموصل، وكان بشهرزور وهى إقطاعه من قبل أبيه، ففعل ذلك ووصل إلى الموصل. وأشار جمال الدين على الملك بإرسال الحاجب صلاح الدين إلى حلب ليدبر أمر نور الدين فأمره بالمسير إليها فسار، وكانت حماه إقطاعه، وانفرد جمال الدين الملك ألب أرسلان فقصد به الرقة، واشتغل بالشرب واللهو واستمال جمال الدين العسكر، وحلفهم لسيف الدين غازى، وصار يأمر من تخلف بالمسير إلى الموصل هاربا من الملك، وبقى جمال الدين يسير بالملك من الرقة إلى سنجار، ويخذله ويطعمه، وما زال حتى انتهى به إلى الموصل. وأرسل الأمير عز الدين الدبيسى إلى الملك فى عسكر، والملك فى نفر يسير، فأخذه وأدخله الموصل، فكان آخر العهد به. فاستقر أمر سيف الدين بالموصل واستوزر جمال الدين وأرسل إلى السلطان مسعود فى إمرة الموصل فأمره على البلاد، وأرسل له الخلع. وكان سيف الدين قد تقدمت له خدمة على السلطان مسعود ولازمه سفرا وحضرا فى أيام زنكى.
قال: ولما استتب الأمر لسيف الدين غازى بالموصل عبر إلى الشام لينظر فى أمور البلاد، ويقرر قاعدة بينه وبين أخيه نور الدين،
стр. 10409
ولما عبر الفرات لم يحضر نور الدين إليه وخافه فراسله واستماله بحسن سياسته، فاستقرت الحال بينهما أن يجتمعا خارج العسكر السيفى، وكل منهما فى خمسمائة فارس. فسار نور الدين يوم الميعاد من حلب بهذه العدة، وسار سيف الدين من معسكره فى خمسة فوارس، فلما رآه نور الدين ترجل وقبل الأرض، وأعاد أصحابه فاجتمعا وتحالفا واتفقا أحسن اتفاق، واستقر نور الدين بحلب وما معها، وسيف الدولة بالموصل وما معها.
ذكر حصر الفرنج دمشق وما فعله سيف الدين غازى
وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسماية وصل ملك الألمان «١» فى جمع كثير من الفرنج وعزم على ملك الشام، وظن أنه يملكه لا محالة لكثرة أصحابه، واجتمع عليه من بالشام والسواحل من الفرنج. ووصل إلى دمشق وحاصرها، ونزل الميدان الأخضر، فأيقن أهلها بخروجها عن الإسلام. وكان ملكها يوم ذاك مجير الدين أبق بن محمد ابن بورى بن طغرتكين، وليس له من الأمر شىء والحكم فى البلد لأتابكه معين الدين [أنر] مملوك جد أبيه، فأرسل إلى سيف الدين غازى يستنجده، فجمع عساكره والعساكر الحلبية، وسار إلى دمشق، فخافه الفرنج. ثم راسل فرنج الساحل وأوعدهم بحصر بانياس، فاجتمعوا بملك الألمان وقالوا له: «إن هذا ملك بلاد المشرق
стр. 10410
قد قدم» وخوفوه عاقبة أمره، فرحل ملك الألمان إلى بلاده، وتسلم الفرنج بانياس، كما وقع الاتفاق عليه، وعاد سيف الدين إلى الموصل.
ذكر وفاة سيف الدين غازى ابن عماد الدين زنكى
كانت وفاته فى أواخر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسماية بالموصل لمرض حاد، ودفن بمدرسته التى بناها بالموصل. فكانت ولايته ثلاث سنين وشهرا وعشرين يوما، وعمره نحوا من أربع «١» وأربعين سنة. وخلف ولدا ذكرا رباه عمه نور الدين محمود أحسن تربية، وزوجه بابنة عمه قطب الدين، ولم تطل مدته، ومات فى عنفوان «٢» شبابه، وانقرض عقب غازى بوفاته.
قال: وكان سيف الدين غازى يمد لعسكره فى كل يوم سماطا كبيرا، طرفى النهار يكون فى سماطه للغذاء مائة رأس من الغنم، وأمر الأجناد أن يركبوا بالسيوف والدبابيس، فاقتدى به أصحاب الأطواف وهو أول من حمل على رأسه السنجق من عمال الأطراف، وبنى المدرسة الأتابكية العتيقة بالموصل، ووقفها على طائفتى الشافعية والحنفية، وبنى رباط الصوفية بالموصل. ولم تطل أيامه حتى يفعل ما فى نفسه من وجوه البر، ﵀. وسنذكر إن شاء الله تعالى من ملك الموصل بعده إذا انقضت أخبار الشهيد نور الدين وولده.
стр. 10411
ذكر أخبار الملك العادل نور الدين أبى القاسم محمود ابن أتابك عماد الدين أبى سعيد زنكى بن أقسنقر
قد ذكرنا أنه لما مات والده ﵀ فى شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسماية، توجه بخاتمه إلى حلب وملكها، وذكرنا أيضا ما كان بينه وبين أخيه سيف الدين غازى ﵀، وما اتفقا عليه، فلنذكر من أخباره خلاف ذلك. ولنبدأ بغزواته وفتوحاته؛ ثم نذكر ما استولى عليه من الممالك وغير ذلك.
ذكر الغزوات والفتوحات النورية وما استنقذة من أيدى الفرنج
ذكر عصيان مدينة الرها وفتحها الفتح الثانى ونهبها
قال: لما قتل أتابك زنكى كان جوسكين الفرنجى صاحب الرها فى ولايته وهى تل باشر، فراسل عامة أهل الرها من الأرمن وحملهم على العصيان والامتناع على المسلمين، فأجابوه إلى ذلك. فسار فى عساكره إلى الرها وملك البلد، وامتنعت عليه القلعة بمن فيها فسار نور الدين، وجد السير إليها. فلما قاربها هرب جوسكين عنها، وعاد إلى بلده، ودخل نور الدين البلد. ونهب المدينة، وسبى أهلها، فخلت منهم ولم يبق بها إلا القليل، وذلك فى سنة إحدى وأربعين وخمسماية. وفى سنة اثنتين وأربعين وخمسماية،
стр. 10412
فتح [نور الدين] مدينة ارتاح «١» بالسيف، ونهبها وحصر ما يوله «٢» وبصر فوث «٣» وكفر لاثا «٤» ، وكان الفرنج بعد قتل أتابك زنكى قد طمعوا وظنوا أنهم يستردون ما أخذ منهم فخاب ظنهم.
ذكر فتح حصن العريمة
وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسماية فتح حصن العريمة، وهو من أعمال طرابلس. وكان ملك الألمان لما سار عن دمشق وجه إلى العريمة ولد ألفتش «٥» صاحب ظليطه، وهو من أولاد أكابر ملوك الفرنج. وكان جده هو الذى فتح طرابلس، فملك العريمة، وأظهر أنه يريد أخذ طرابلس من القمص، فأرسل القمص إلى نور الدين، وإلى معين الدين صاحب دمشق أن يقصدا حصن العريمة ويملكاه.
فسار نور الدين من حلب ومعين الدين من دمشق واستمدا سيف الدين غازى، فأمدهما بعسكر كثيف مع الأمير عز الدين الدبيسى صاحب جزيرة ابن عمر. فنازلوا الحصن، وحصروه وبه ولد ألفتش، فاستسلم من به بعد متناع، وملكه المسلمون، وأخذوا كل من فيه من فارس وراجل وصبى وامرأة. وكان ولد ألفتش ممن أسر وأخربوا الحصن ثم عادوا
стр. 10413
ذكر انهزام الفرنج بيغرا «١»
وفى سنة ثلاث وأربعين أيضا، اجتمع الفرنج لقصد حلب:
فسار إليهم الملك العادل نور الدين بعسكره، فالتقوا بيغزى، واقتتلوا قتالا شديدا، أجلت الحروب عن ظفر الملك العادل، وانهزام الفرنج وأسر جماعة من مقدميهم. ولم ينج من ذلك الجمع إلا اليسير. وأرسل نور الدين من الغنيمة والأسارى إلى أخيه سيف الدين وإلى الخليفة ببغداد وإلى السلطان مسعود وغيرهم. وفى هذه الوقعة يقول ابن القيسرانى من قصيدة أولها.
يا ليت أن الصد مصدود ... أو لا، فليت النوم مردود
جاء منها
وكيف لا يثنى على عيشنا المحم ... ود والسلطان محمود
وصارم الإسلام لا ينثنى ... إلا وشلو الكفر مقدود
مكارم لم تك «٢» موجودة ... إلا ونور الدين موجود
وكم له من وقعة يومها ... عند ملوك الكفر مشهود
стр. 10414
ذكر قتل البرنس صاحب أنطاكية
وفى سنة أربع وأربعين وخمسماية، غزا نور الدين بلاد الفرنج، من ناحية انطاكية وقصد حصن حارم «١» وهو للفرنج، وحصره وخرب ربضه، ونهب سواده ثم رحل إلى حصن إنب «٢» فحصره، فاجتمعت الفرنج لقتاله مع البرنس، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الفرنج وقتل البرنس «٣» وجماعة كثيرة من أصحابه، وأسر خلق كثير. وكان البرنس من عتاة الفرنج. ولما قتل ملك بعده انطاكية ابنه بيمند»
، ثم غزاهم نور الدين غزوة ثانية، فقتل وأسر، وكان ممن أسر البرنس الثانى زوج أم بيمند صاحب انطاكية. وكان قتل البرنس [ريموند] عظيما عند الطائفتين وأكثر الشعراء مدح نور الدين بهذا الظفر، فكان ممن قال فيه ابن القيسرانى الكاتب قصيدته المشهورة وهى:
هذى العزائم لاما تدعى القضب ... وذى المكارم لا ما قالت الكتب
وهذه الهمم اللائى متى خطبت «٥» ... تعثرت خلفها الأشعار والخطب
صافحت يابن عماد الدين ذروتها ... براحة للمساعى درنها تعب «٦»
стр. 10415
ما زال جدّك يبنى كل شاهقة ... حتى بنى قبة أوتادها الشهب
أغرت سيوفك بالإفرنج «١» راجفة ... فؤاد روميّة الكبرى لها يجب
ضربت كبشهم منها بقاصمة ... أودى بها «٢» الصلب وانحطت لها الصلب
طهرت أرض الأعادى من دمائهم ... طهارة كل سيف عندها جنب
ذكر فتح حصن أفامية
وفى سنة خمس وأربعين وخمسماية فتح الملك العادل نور الدين حصن أفامية من الفرنج، وهو مجاور شيزر وحماة، وهو من أحصن القلاع وأمنعها، فاجتمع الفرنج من الساحل وساروا نحوه ليرحلوه، فلم يصلوا إلا وقد ملكه وملأه من الذخائر والسلاح وشحنة بالرجال. وسار عنه فى طلب الفرنج، فعدلوا عن طريقه وسألوه الهدنة، وعاد مظفرا منصورا.
ذكر أسر جوستكين وفتح بلاده
كان نور الدين قد جمع عساكره فى سنة ست وأربعين وخمسماية وسار إلى بلاد جوستكين الفرنجى وهى شمالى حلب، وعزم على محاصرتها. وكان جوستكين فارس الفرنج وطاغيتهم، صاحب رأى وشجاعة، فجمع وأكثر، وسار نحو نور الدين والتقوا واقتتلوا،
стр. 10416
فكانت الهزيمة على المسلمين، وقتل كثير منهم. وأسر سلحدار نور الدين فيمن أسر، فأخذ جوستكين سلاحه، وأرسله إلى الملك مسعود قلج صاحب الروم، وقال: «هذا سلاح زوج ابنتك وسآتيك بعده بما هو أعظم منه» فأهم نور الدين ذلك وعظم عليه، وعلم أنه لا يتمكن من جوستكين فى حرب، لأنه إما أن يحارب أو يحتمى بحصونه. فجعل عليه العيون من التركمان، ووعدهم إن أسروه وأتوا به أو برأسه بمواعيد كثيرة. فرصدوه إلى أن خرج إلى الصيد، وأسروه فصالحهم على مال يؤديه إليهم، فسير فى إحضار المال إليهم فجاء بعضهم إلى أبى بكر بن الداية، نائب نور الدين بحلب، وأخبره بالقضية. فسير عسكرا مع من حضر إليه بالخبر، وكبس التركمان وأخذوا جوستكين أسيرا. وكان من أعظم الفتوحات:
وأصيبت النصرانية كافة بأسرها «١» ولما أسر سار نور الدين إلى قلاعه فملكها، وهى تل باشر وعين تاب وإعزاز وتل خالد وقورس والراوندان وبرج الرصاص وحصن البادة وكفر سود، وكفر لاثا، ودلوك، ومرعش، ونهر الجوز، وغير ذلك من أعماله فى مدة يسيرة. واجتمع الفرنج فى سنة سبع وأربعين، وحشدت الفارس والراجل وساروا نحو نور الدين وهو بدلوك، فلما قربوا منه رجع إليهم واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر له وقتل وأسر منهم. وعاد إلى دلوك فملكها. وكان نور الدين إذا فتح حصنا من هذه الحصون شحنه بما يحتاج إليه من الرجال والسلاح والذخائر وغيرها.
стр. 10417
ذكر حصر قلعة حارم وفتحها
وفى سنة إحدى وخمسين وخمسماية حصر نور الدين قلعة حارم وشدد الحصار، فصالحه الفرنج على نصف أعمال حارم، وصالحهم ورحل عنهم ثم فتحها فى شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسماية.
ذكر ملكه بانياس وما قرره على طبرية وأعمالها
وفى سنة تسع وخمسين ملك حصن بانياس، وكان بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسماية، كما قدمنا. فنازله، فجمع الفرنج لقصده، فلم يكمل جمعهم إلا وقد ملك الحصن وشحنه بالرجال والذخائر، ثم شاطر الفرنج على أعمال طبرية، وقرروا له على الأعمال التى لم يشاطرهم عليها فى كل سنة ما لا يحملونه إليه، والله أعلم.
ذكر فتح المنيطرة
والمنيطرة فيما بين طرابلس وبعلبك وهى الآن من الأعمال المضافة إلى المملكة الطرابلسية. فلما كان فى سنة إحدى وستين وخمسماية، سار نور الدين إليها جريدة، وملكها وأعجل الفرنج عن الاجتماع لرده، وسبى وغنم، فجاء الفرنج بعد أن ملكها فأيسوا منها، ورجعوا عنها، والله أعلم.
стр. 10418
ذكر فتح صافيثا وعريمة
وفى سنة اثنتين وستين وخمسماية جمع نور الدين العساكر وسار إليه أخوه قطب الدين من الموصل واجتمعا على حمص، فدخل بالعساكر إلى بلاد الفرنج بالساحل واجتاز على حصن الأكراد «١» ، فأغاروا ونهبوا وسبوا. وقصدوا عرقة «٢» فنازلوها وحصروها، وحصروا حلبة وأخذوها وخربوها. وسارت عساكر المسلمين فى بلادهم يمينا وشمالا تغير وتخرب، وفتحوا العريمة، وصافيثا، وعادوا إلى حمص فصاموا بها شهر رمضان، وكان الفرنج فى سنة ثمان وأربعين قد كبسوا عسكر نور الدين بالبقيعة على حين غفلة من العسكر، فنالوا من المسلمين منالا عظيما، فجعل نور الدين فى مقابلة ذلك فتح حارم وبانياس والمنيطرة وصافيثا وعريمة وتخريب بلادهم، وأدرك ثأره عن غير بعد.
ثم سار بعد شهر رمضان إلى بانياس، وقصد العبور إلى بيروت، فجرى بين العسكر اختلاف أوجب رجوعه. وأعطى قطب الدين فى هذه السنة الرقة، وأعاده إلى بلده. هذا ما فتحه ﵀ من بلاد الفرنج، فلنذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلامية.
стр. 10419
ذكر ما استولى عليه من البلاد الاسلامية
فى سنة أربع وأربعين وخمسماية، استولى الملك العادل [نور الدين] على سنجار، وكانت بيد أخيه قطب الدين، ملكها بعد وفاة سيف الدين غازى، ثم حصل الاتفاق بينهما على أن يكون نور الدين صاحب حلب وحمص والرحبة والشام؛ وقطب الدين بالموصل وديار الجزيرة، وسلم سنجار لأخيه قطب الدين، وأخذ نور الدين ما كان من الذخائر بسنجار، وكانت كثيرة جدا، وعاد إلى حلب وقد حصل الاتفاق بينه وبين أخيه.
ذكر ملكه مدينة دمشق
وفى سنة تسع وأربعين وخمسماية ملك دمشق من مجير الدين أبق بن محمد بن بورى بن طغرلتكين. وسبب قصده لها أن الفرنج ملكوا فى السنة التى قبل هذه السنة مدينة عسقلان، واستولوا على تلك النواحى، فلم يتمكن نور الدين من غزوهم ودفعهم، لأن دمشق تحول بينه وبينهم. ولم تمكنه مفاجأة صاحبها لعلمه أنه إن سار إليها راسل صاحب دمشق الفرنج واستنجد بهم. وكان قد استقر لهم ضريبة على دمشق تحمل إليهم فى كل سنة، ويحضر رسلهم لقبضها، فزاد استيلاؤهم إلى أن أخذوا كل من فيها من الغلمان والجوارى، بحيث أنهم يطلبون الغلام أو الجارية ويخيروه، فان أختار الرجوع إليهم أخذوه، اختار مولاه أو امتنع؛ وان اختار
стр. 10420
المقام عند مواليه تركوه. فأهم ذلك نور الدين، وخاف أن الفرنج متى استولت على دمشق ملكوا الشام أجمع، فأخذ فى إعمال الحيلة وراسل مجير الدين صاحبها وهاداه وداهنه واستماله. وبقى يوقع بينه وبين أمرائه، فكتب إليه يقول: «إن فلانا الأمير قد كاتبنى فى تسليم دمشق» فقبض عليه مجير الدين حتى اختل أمر عسكره وضعف. ثم راسل نور الدين الأحداث من الأمراء بدمشق، ووعدهم الجميل فمالوا إليه ووعدوه بتسليمها له، فسار إليها. فلما نازلها كاتب مجير الدين الفرنج وبذل لهم بعلبك ليمنعوا نور الدين عنه، فحشدوا فارسهم وراجلهم، فلم يتكامل جمعهم إلا وقد ملك نور الدين دمشق، سلمها له الأمراء، ودخلها من الباب الشرقى. وتحصن صاحبها بالقلعة، فبذل له نور الدين حمص، فرضى وسلم القلعة وسار إلى حمص، ثم عوضه عن حمص مدينة بالس فامتنع، وتوجه إلى بغداد ومات بها.
وفى سنة اثنتين وخمسين، ملك نور الدين حصن شيزر من آل منقذ وكانت الزلزلة قد هدمت أسواره فعمرها والله أعلم.
ذكر ملكه بعلبك
وفى سنة اثنتين وخمسين وخمسماية ملك بعلبك وقلعتها.
وكانت بيد إنسان يقال له ضحاك البقاعى، منسوب إلى البقاع البعلبكى، كان صاحب دمشق قد ولاه إياها، فلما ملك نور الدين دمشق لم تمكنه مشاححته لقربه من الفرنج، فطاوله إلى الآن وملكها منه.
стр. 10421
ذكر ملكه قلعة جعبر
وفى سنة أربع وستين وخمسماية ملك [نور الدين] قلعة جعبر من صاحبها شهاب الدين مالك بن على بن مالك العقيلى وكانت بيده وبيد آبائه كما تقدم. وكان السبب فى ملكه لها أن صاحبها سار إلى الصيد، فأسره بنو كلاب «١» وجاؤوا به إلى نور الدين فى شهر رجب سنة ثلاث وستين، فاعتقله نور الدين وأكرمه فى اعتقاله.
وأخذ فى طلبها باللين، فلم يوافق على إعطائها ثم أخذه بالشدة فلم يوافق، فسير الجيوش لحصرها، فحوصرت مدة فلم يظفر منها بطائل، فعاود صاحبها بالملاطفة، وعوضه عنها سروج وأعمالها والملاحة التى من بلد حلب وباب بزاعه. وعشرين ألف دينار معجلة.
فقبل العوض وسلم القلعة. وهذه القلعة فى عصرنا هذا إلى سنة أربع عشرة وسبعماية خرابا لا باب عليها والله أعلم.
ذكر ملكه الديار المصرية
وفى سنة أربع وستين وخمسماية ملك أسد الدين شيركوه الديار المصرية بجيوش الملك العادل نور الدين، وهى السفرة الثالثة له إليها من قبل نور الدين ونذكر ذلك مفصلا فى أخبار الدولة الأيوبية، ودامت الخطبة بها للملك العادل مدة حياته، وصدرا من أيام ولده الملك الصالح إسمعيل.
стр. 10422
ذكر ملكه الموصل
وفى سنة ست وستين وخمسماية ملك الموصل بعد وفاة أخيه قطب الدين، وأقر عليها سيف الدين غازى بن قطب الدين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار غازى. وأطلق نور الدين سائر المكوس بالموصل وبسائر البلاد. وجاءته الخلع من الخليفة المتسنصر بالله، فلبسها، ثم خلعها على سيف الدين غازى ابن أخيه. وأمر ببناء الجامع النورى بالموصل، فبنى وأقام بالموصل عشرين يوما وعاد إلى الشام.
ذكر وفاته ﵀ وشىء من أخباره وسيرته
كانت وفاة الملك العادل نور الدين محمود فى حادى عشر شوال سنة تسع وستين وخمسماية، بعلة الخوانيق، ولقب بعد موته بالشهيد. ومولده فى سنة إحدى عشرة وخمسماية، فيكون عمره نحوا من ثمان «١» وخمسين سنة، ومدة ملكه منذ وفاة أبيه ثمانيا وعشرين سنة وستة أشهر وستة أيام. ومن العجب أنه ركب إلى الميدان الأخضر بدمشق فى ثانى شوال، ونصب فيه قبقا «٢» ،
стр. 10423
فسايره الأمير همام الدين مودود، وقال له: «أترى هل نكون ههنا فى مثل هذا اليوم من العام المقبل؟» فقال له نور الدين: «لا تقل هكذا، قل هل نكون ههنا بعد شهر؟ فإن السنة بعيدة» ورجع إلى القلعة، وختن ابنه وأصابته العلة، فمات بعد عشرة أيام.
ومات الأمير همام الدين قبل استكمال الحول. ودفن نور الدين بقلعة دمشق، ثم نقل إلى مدرسته التى بناها بجوار سوق الخواصين بدمشق وقبره هناك مشهور.
وأما سيرته وأفعاله رحمه الله تعالى فانه أفرغ وسعه فى الجهاد، واستنقذ من أيدى الفرنج ما ذكرناه. وكان ثابتا فى حروبه، وبنى المدارس والمساجد والربط والبيمارستان والخانات والطرق والجسور، وجدد القنى وأصلحها، وأوقف الوقوف على معلمى الخط لتعليم الأيتام، وعلى سكان الحرمين الشريفين، وأقطع أمراء العرب الإقطاعات حتى كفوا عن التعرض إلى الحاج. وبنى أسوار المدن والحصون التى هدمتها الزلزلة التى ذكرناها فى أخبار الدولة العباسية.
وكان ﵀ مواظبا على الصلاة فى الجماعة، حريصا على فعل الخير، عفيف البطن والفرج، مقتصدا فى الإنفاق والمطاعم والملابس، لم تسمع منه كلمة فحش فى رضاه ولا فى سخطه وعاقب على شرب الخمر قال الشيخ عز الدين أبو الحسن على بن عبد الكريم الجزرى المعروف بابن الأثير ﵀: «قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين
стр. 10424
ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه» قال: وكان ﵀ لا يفعل فعلا إلا بنية حسنة. كان بالجزيرة رجل من الصالحين العباد، وكان نور الدين يكاتبه ويراسله فيرجع إلى قوله، فبلغه أن نور الدين يدمن اللعب بالأكرة «١» فكتب إليه يقول: «ما كنت أظنك تلهو وتلعب وتعذب الخيل لغير فائدة» فكتب إليه نور الدين بخطه يقول: «والله ما يحملنى على اللعب بالكرة اللهو والبطر، إنما نحن فى ثغر، العدو قريب منا، وبينما نحن جلوس إذ يقع الصوت فنركب فى الطلب ولا يمكننا أيضا ملازمة الجهاد ليلا ونهارا شتاء وصيفا. إذ لا بد من الراحة للجند ومتى تركنا الخيل على مرابطها صارت حماما لا قدرة لها على إدمان السير فى الطلب، ولا معرفة لها بسرعة الانعطاف فى الكر والفر فى المعركة فنحن نركبها ونروضها بهذا اللعب، فيذهب حمامها، وتتعود سرعة الانعطاف والطاعة لراكبها فى الحرب. فهذا والله الذى بعثنى على اللعب بالكرة» .
قال: وحكى عنه أنه حمل إليه من مصر عمامة من القصب الرفيع مذهبة، فلم يحضرها عنده، فوصفت له، فلم يلتفت إليها؛ فبينما هم معه فى حديثها إذ جاءه رجل صوفى فأمر له بها. فقيل له إنها لا تصلح لهذا الرجل، ولو أعطى غيرها كان أنفع له. فقال:
«أعطوها له، فانى أرجو أن أعوض عنها فى الآخرة» فسلمت إليه.
قيل والذى أعطيها شيخ الصوفية عماد الدين بن حمويه، فبعثها إلى همذان، فبيعت بألف دينار.
стр. 10425
قالوا وكان عارفا بالفقه على مذهب أبى حنيفة، وسمع الحديث وأسمعه، وكان يعظم الشريعة المطهرة، ويقف عند أحكامها، فمن ذلك أنه كان يلعب بالكرة عند دمشق، فرأى إنسانا يحدث آخر ويومئ إليه بيده، فأرسل يسأله عن حاله، فقال: «لى مع الملك العادل حكومة، وهذا غلام القاضى ليحضره إلى مجلس الحكم يحاكمنى على الملك الفلانى» فلما قيل ذلك له ألقى الجوكات من يده وخرج من الميدان وتوجه إلى القاضى كمال الدين بن الشهرزورى وأرسل إليه يقول: «انى قد جئت فى محاكمه فاسلك معى ما تسلكه مع غيرى.» فلما حضرا، ساوى خصمه وحاكمه، فلم يثبت قبله حق، وثبت الحق لنور الدين. فعند ذلك أشهد على نفسه أنه وهب الملك للذى حاكمه، وقال: «كنت أعلم أن لاحق له عندى، وإنما حضرت معه لئلا يظن بى أنى ظلمته، فحيث ظهر أن الحق لى، وهبته له» .
قال: وهو أول من بنى دار الكشف وسماها دار العدل. وكان يجلس فيها فى الأسبوع يومين، وعنده القاضى والفقهاء لفصل الحكومات بين القوى والضعيف. وكان شجاعا حسن الرأى والمكيدة فى الحرب، عارفا بأمور الأجناد. وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين. وتركشين «١» ، وباشر القتال بنفسه. وكان يقول:
«طالما تعرضت للشهادة فلم أدركها» .
قال: ومن أحسن الآراء ما كان يفعله مع أجناده. كان إذا توفى
стр. 10426
أحدهم وخلف ولدا، أقر الإقطاع عليه: فإن كان كبيرا استبد بتدبير نفسه، وإن كان صغيرا رتب معه رجلا عاقلا يثق إليه يتولى أمره إلى أن يكبر. فكان الأجناد يقولون هذه أملاكنا يرثها الولد عن الوالد، فنحن نقاتل عليها، وكان ذلك سببا عظيما للنصر فى المشاهد والحروب. قال: وبنى أسوار مدن الشام وقلاعها، فمنها حلب وحماه وحمص ودمشق وبارين وشيزر ومنيج، وغيرها من القلاع والحصون، وأخرج عليها الأموال الكثيرة التى لا تسمح النفوس بمثلها. وبنى المدارس بحلب وحماه ودمشق وغيرها. وبنى الجوامع فى كثير من البلاد، فمنها جامعه بالموصل، إليه النهاية فى الحسن والإتقان وفوض عمارته والخرج عليه للشيخ عمر الملا، وكان من الصالحين. فقيل له إنه لا يصلح لمثل هذا العمل، فقال:
«إذا وليت بعض أصحابى من الأجناد والكتاب، أعلم أنه يظلم فى بعض الأوقات، فلا يقى عمارة الجامع بظلم رجل مسلم، وإذا وليت هذا الشيخ غلب على ظنى أنه لا يظلم، فإن ظلم كان الاثم عليه لا على» وبنى أيضا بمدينة حماه جامعا على نهر العاصى من أحسن الجوامع وأنزهها، وجدد فى غيرها من عمارة الجوامع ما كان قد تهدم بسبب زلزلة وغيرها. وبنى البيمارستانات فى البلاد، ومن أعظمها وأشهرها البيمارستان الذى بناه بدمشق، وقفه على كافة المسلمين من غنى وفقير، وبنى الربط والخانقاهات «١» للصوفية، ووقف عليها الوقوف الكثيرة، وأدر عليهم الإدرارات الصالحة.
стр. 10427
قال: وكان قد ضبط ناموس الملك إلى غاية لا مزيد عليها، فكان يلزم الأجناد بوظائف الخدمة، ولا يجلس عنده أمير من غير أن يأمره بالجلوس، إلا نجم الدين أيوب، وأما من عداه كأسد الدين شيركوه وغيره، فإنهم كانوا يقفون حتى يأمرهم بالجلوس. وكان مع ذلك إذا دخل عليه الفقير والصوفى والفقيه يقوم له ويجلسه إلى جانبه. وكان إذا أعطى أحدهم شيئا يقول إن هؤلاء لهم فى بيت المال حق، فإذا قنعوا منا ببعضه فلهم المنة علينا.
ولم يزل الناس معه فى غاية الأمن والخير والبركة والنمو والإحسان والعدل والبر وإظهار السنة وقمع البدعة إلى أن توفى إلى رحمة الله تعالى.
ذكر أخبار الملك الصالح اسماعيل ابن الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين أتابك زنكى بن أقسنقر
ملك بعد وفاة والده فى حادى عشر شوال سنة تسع وستين وخمسماية. وحلف له الأمراء وأطاعه الناس فى سائر البلاد وخطب له الملك الناصر صلاح الدين يوسف بالديار المصرية. ولم يكن الملك الصالح إذ داك قد بلغ الحلم. وتولى تربيته الأمير شمس الدين محمد بن المقدم. قال العماد الأصفهانى الكاتب: وورد كتاب صلاح الدين بالثال الفاضلى معزيا للملك الصالح وفى آخره:
«وأما العدو خذله الله تعالى فوراءه من الخادم من يطلبه طلب ليل لنهاره، وسيل لقراره، إلى أن يزعجه من مجاثمه، ويستوقفه عن مواقف مغانمه، وذلك من أقل فروض البيت الكريم، وأيسر
стр. 10428
لوازمه. أصدر هذه الخدمة يوم الجمعة رابع عشر ذى القعدة وهو اليوم الذى أقيمت فيه الخطبة بالاسم الكريم، وصرح فيه بذكره فى الموقف العظيم، والجمع الذى لا لهو فيه ولا تأثيم، وأشبه يوم الخادم أمسه فى الخدمة، وفيما لزمه من حقوق النعمة، وجمع كلمة الإسلام عالما أن الجماعة رحمة» .
قال: ولما بلغ سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود وفاة عمه، استبشر لذلك، ونادى بالموصل بالفسحة فى الشرب واللهو. وكان الخبر قد أتاه وهو سائر إلى خدمة عمه نور الدين، فإنه كان قد استدعاه بالجيوش، فعاد وهرب سعد الدين كمشتكين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار سيف الدين غازى مبينا. قال: ولما اتفق ذلك منه لم يكتب الجماعة الذين فى خدمة الملك الصالح إلى صلاح الدين يوسف بالخبر، خوفا أنه إذا بلغه ذلك أقصدهم، واستولى على الملك الصالح وأبعدهم، فشق ذلك عليه وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: وأقام الملك الصالح بدمشق وجماعة الأمراء عنده لم يمكنوه من المسير إلى حلب، لئلا يغلبهم عليه شمس الدين بن الداية، ويختص بخدمته، فإنه كان من أكبر الأمراء النورية. ولما وصل كمشتكين من الموصل إلى حلب أحسن إليه الأمير شمس الدين بن الداية، وأكرمه، وجهزه إلى دمشق لإحضار الملك الصالح منها إلى حلب، وجهز معه العساكر. فلما قارب دمشق سير الأمير شمس الدين محمد بن المقدم عسكرا إليه، فهزموه. ونهبوا ما معه،
стр. 10429
فعاد إلى حلب منهزما، فأخلف عليه ابن الداية عوض ما أخذ منه ثم نظر أمراء دمشق المصلحة، فعلموا أن مسيره إلى حلب أجود من مقامه بدمشق. فأرسلوا إلى ابن الداية يطلبون سعد الدين كمشتكين ليأخذ الملك الصالح، فجهزه إليهم، فسار إلى دمشق فى المحرم سنة سبعين وخمسماية، فأخذ الملك الصالح وعاد به إلى حلب.
فلما وصل إليها، قبض سعد الدين على ابن الداية وإخوته، وعلى الرئيس ابن الخشاب رئيس حلب، ومقدم الأحداث بها.
واستبد سعد الدين بتربية الملك الصالح، فخاف ابن المقدم وغيره من الأمراء بدمشق أن سعد الدين يسير إليهم ويفعل بهم كما فعل بابن الداية، فراسل سيف الدين غازى بن مودود فى الحضور من الموصل ليتسلم دمشق فخشى غازى أن تكون مكيدة فلم يحضر، فراسله سعد الدين، واتفق الحال على أن يستقر بيده ما استولى عليه من الأعمال الجزيرية. فقال أمراء دمشق: حيث صالح سيف الدين، لم يبق له مانع من المسير إلى دمشق. فراسلوا الملك الناصر صلاح الدين فى الحضور من مصر ليتسلمها. فوصل إليها، وتسلمها، وملك حمص وحماه وبعلبك. ولم يقطع خطبة الملك الصالح، وأظهر أنه إنما حضر لخدمته، واسترجاع ما استولى عليه سيف الدين غازى وغيره من الأعمال الجزيرية. ثم كان بينه وبين العسكر الحلبى من الحروب ما نذكره فى أخبار الدولة الأيوبية، إلى أن أحوجوه إلى الاستقلال بالأمر والخطبة لنفسه وملك البلاد.
стр. 10430
ذكر مقتل سعد الدين كمشتكين وحصر الفرنج حارم
وفى سنة ثلاث وسبعين وخمسماية قبض الملك الصالح على سعد الدين، وهو المتولى على أمر دولته، والحاكم فيها. وسبب ذلك أن أبا صالح بن العجمى كان من أكابر حلب، وكان مقدما عند نور الدين، وتقدم عند ولده وأطاعه الناس، وكثرت أتباعه، فوثبت عليه بعض الباطنية بالجامع فقتله، فنسب ذلك لسعد الدين فوشوا به عند الملك الصالح، فقبض عليه. وكانت حارم اقطاعه، فامتنع من بها من تسليمها فسيره الملك الصالح تحت الاستظهار ليأمر أصحابه بتسليمها؛ فأمرهم فلم يرجعوا إلى قوله، وعذب وهم ينظرون إليه إلى أن مات تحت العقوبة. فبلغ الفرنج ذلك، فنازلوا قلعة حارم ونصبوا عليها المجانيق، فصالحهم الملك الصالح على مال ففارقوها، وتسلمها بعد حصار ثان، ورتب فيها من المماليك النورية من يحفظها.
ذكر وفاة الملك الصالح اسماعيل
كانت وفاته لخمس بقين من رجب سنة سبع وسبعين وخمسماية. وابتدأت علته فى تاسع الشهر، وكان مرضه القولنج ومات وله من العمر تسع عشرة سنة. وقيل فى سبب وفاته إن علم الدين سليمان بن جندر «١» سقاه فى عنقود عنب وهو فى الصيد؛
стр. 10431
وقيل بل سقاه ياقوت الأسدى فى شراب، فعظم موته على سائر الناس، وحزنوا لفقده حزنا شديدا.
قال ابن الاثير: ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوى، فاستفتى الفقيه علاء الدين الكاشانى وأفتاه بجواز شربها، فقال: «إن كان الله قد قرب أجلى أيؤخره شرب الخمر» فقال: لا والله فقال: «والله لا لقيت الله تعالى وقد استعملت ما حرمه على» ومات ﵀ ولم يشربها.
ولما أيس من نفسه أحضر الأمراء والأجناد فى الثالث والعشرين من شهر رجب وأوصاهم بتسليم البلد لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل، واستحلفهم على ذلك. فقال بعض أصحابه إن عز الدين ملك الموصل وله ما يكفيه، ولو أوصيت بها لابن عمك عماد الدين زنكى فإنه تربية والدك، وزوج أختك، وليس له غير سنجار. فقال: «إن هذا لم يغب عنى، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد يمكن وتغلب على عامة البلاد الشامية، ومتى كانت حلب لعماد الدين عجز عن حفظها وعز الدين يحفظها، وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام فاستحسن الناس ذلك منه، وعجبوا من جودة رأيه مع صغر سنه، وأن مرضه لم يشغله عن حسن اختياره. ثم مات ﵀.
وكان عفيف اليد والفرج واللسان، لا يعرف له شىء مما يتعاطاه الملوك والشباب، حسن السيرة، عادلا فى رعيته. وبوفاته انقرض عقب نور الدين المذكور.
стр. 10432
ولنرجع إلى ذكر ملوك الموصل الذين ملكوا بعد وفاة سيف الدين غازى بن عماد الدين زنكى.
ذكر أخبار قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى بن أقسنقر
ملك الموصل بعد وفاة أخيه سيف الدين غازى فى أواخر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسماية. وذلك أنه لما مات سيف الدين غازى اجتمعت كلمة الوزير جمال الدين الأصفهانى وزين الدين على أمير الجيش على تولية قطب الدين طلبا للسلامة، فاستحلفوه وحلفوا له وركبوه إلى دار السلطان، وأطاعه سائر البلاد التى كانت تحت يد أخيه. وتزوج الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين. وكان سيف الدين غازى قد تزوجها ولم يدخل بها، فنزوجها قطب الدين وهى أم أولاده الملوك.
قال: ولما قطب الدين كان نور الدين بحلب، وهو أكبر منه، فكاتبه بعض الأمراء وطلبوه، فسار إليهم، وقصد انتزاع الملك من أخيه قطب الدين، ثم اتفقا وعاد نور الدين إلى حلب، وشهد قطب الدين بعض الحروب مع أخيه نور الدين؛ كما ذكرناه فى أخبار نور الدين.
стр. 10433
ذكر القبض على الوزير جمال الدين محمد بن على ابن منصور الأصفهانى ووفاته وشىء من أخباره وسيرته
وفى سنة ثمان وخمسين وخمسماية قبض قطب الدين على الوزير جمال الدين واعتقله، فتوفى فى اعتقاله فى شعبان سنة تسع وخمسين [ولعمرى ما كان يستحق أن يعتقل، وهو الذى عمل على إثبات الملك فى البيت الأتابكى بعد قتل الشهيد أتابك زنكى، على ما قدمنا فى أخبار سيف الدين غازى] «١» قال بن الأثير الجزرى ﵀ فى تاريخه الكامل: حكى لى إنسان صوفى يقال له أبو القاسم؛ كان مختصا بخدمته فى الحبس، قال: «لم يزل مشغولا فى محبسه بأمر آخرته، وكان يقول كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر، فلما أن مرض قال لى فى بعض الأيام: يا أبا القاسم إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفنى» قال: «فقلت فى نفسى قد اختلط عقله» فلما كان الغد أكثر السؤال عنه، وإذا طائر أبيض لم أر مثله قد سقط، فقلت: «قد جاء الطائر» فاستبشر ثم قال: «جاء الحق» وأقبل على الشهادة، وذكر الله تعالى إلى أن توفى. فلما توفى طار ذاك الطائر، فعلمت أنه رأى شيئا فى معناه» .
ودفن بالموصل عند فتح [الكرامى] «٢» رحمة الله عليهما نحو
стр. 10434
سنة، ثم نقل إلى المدينة، فدفن بالقرب من حرم النبى ﷺ فى رباط بناه لنفسه. وقال لأبى القاسم: «بينى وبين أسد الدين شيركوه عهد من مات منا قبل صاحبه حمله إلى المدينة فدفنه بها فى التربة التى عملها، فإذا أنا مت فامض إليه وذكره» .
فلما توفى سار أبو القاسم إلى شيركوه فى المعنى، فقال له شيركوه:
«كم تريد» فقال «أريد أجرة جمل يحمله، وجمل يحملنى وزادى» فانتهره وقال: «مثل جمال الدين يحمل هكذا إلى مكة» وأعطاه مالا صالحا ليحمل معه جماعة يحجون عن جمال الدين، وجماعة يقرءون بين يدى تابوته إذا حمل وإذا أنزل عن الجمل. فإذا وصل إلى مدينة يدخل أولئك القراءون ينادون للصلاة عليه، فيصلى عليه فى كل بلد يجتاز بها، وأعطاه أيضا مالا للصدقة فصلى عليه فى تكريت وبغداد والحلة فيد «١» ومكة والمدينة، وكان يجتمع له فى كل بلد من الخلق ما لا يحصى، ولما أراد الصلاة عليه بالحلة صعد شاب على موضع مرتفع وأنشد بأعلا صوته:
سرى نعشه «٢» فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله
يمر على الوادى فتنشنى «٣» رماله ... عليه وبالنادى فتثنى أرامله
فلم ير باكيا أكثر من ذلك اليوم، وطافوا به حول الكعبة، وصلوا
стр. 10435
عليه بالحرم الشريف، وبين قبره وقبر النبى ﷺ خمسة عشر ذراعا.
وأما سيرته ﵀ فكان [الوزير جمال الدين محمد بن على] أسخى الناس وأكثرهم بذلا للمال، رحيما بالخلق متعطفا عليهم عادلا فيهم، فمن أعماله الحسنة أنه جدد بناء مسجد الخيف «١» بمنى وغرم عليه أموالا كثيرة، وبنى الحجر بجانب الكعبة، وزخرف الكعبة وأذهبها وعملها بالرخام. ولما أراد ذلك أرسل إلى المتقى لأمر الله هدية جليلة، وطلب منه ذلك، وأرسل إلى الأمير عيسى أمير مكة هدية كبيرة، وخلعا ثنية، منها عمامة شراها بثلثماية دينار، حتى مكنه من ذلك. وعمر أيضا المسجد الذى على جبل عرفات، والدرج الذى يصعد فيها إليه، وكان الناس يلقون شدة فى صعودهم. وعمل بعرفات أيضا مصانع للماء، وأجرى الماء إليها عن نعمان فى طرق معمولة تحت الأرض. وأخرج على ذلك مالا كثيرا وكان يجرى الماء فى المصانع فى كل سنة أيام الحج. وبنى سورا على مدينة النبى ﷺ . وعلى فيد.
وكان يخرج على باب داره فى كل يوم للصعالك والفقراء ماية دينار أميرى؛ هذا سوى الإدرارات والتعهدات للأئمة والصالحين وأرباب البيوت. ومن أبنيته العجيبة التى لم ير الناس مثلها الجسر الذى
следующие страницы →