← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.

стр. 10431

وقيل بل سقاه ياقوت الأسدى فى شراب، فعظم موته على سائر الناس، وحزنوا لفقده حزنا شديدا. قال ابن الاثير: ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوى، فاستفتى الفقيه علاء الدين الكاشانى وأفتاه بجواز شربها، فقال: «إن كان الله قد قرب أجلى أيؤخره شرب الخمر» فقال: لا والله فقال: «والله لا لقيت الله تعالى وقد استعملت ما حرمه على» ومات ﵀ ولم يشربها. ولما أيس من نفسه أحضر الأمراء والأجناد فى الثالث والعشرين من شهر رجب وأوصاهم بتسليم البلد لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل، واستحلفهم على ذلك. فقال بعض أصحابه إن عز الدين ملك الموصل وله ما يكفيه، ولو أوصيت بها لابن عمك عماد الدين زنكى فإنه تربية والدك، وزوج أختك، وليس له غير سنجار. فقال: «إن هذا لم يغب عنى، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد يمكن وتغلب على عامة البلاد الشامية، ومتى كانت حلب لعماد الدين عجز عن حفظها وعز الدين يحفظها، وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام فاستحسن الناس ذلك منه، وعجبوا من جودة رأيه مع صغر سنه، وأن مرضه لم يشغله عن حسن اختياره. ثم مات ﵀. وكان عفيف اليد والفرج واللسان، لا يعرف له شىء مما يتعاطاه الملوك والشباب، حسن السيرة، عادلا فى رعيته. وبوفاته انقرض عقب نور الدين المذكور.

стр. 10432

ولنرجع إلى ذكر ملوك الموصل الذين ملكوا بعد وفاة سيف الدين غازى بن عماد الدين زنكى. ذكر أخبار قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى بن أقسنقر ملك الموصل بعد وفاة أخيه سيف الدين غازى فى أواخر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسماية. وذلك أنه لما مات سيف الدين غازى اجتمعت كلمة الوزير جمال الدين الأصفهانى وزين الدين على أمير الجيش على تولية قطب الدين طلبا للسلامة، فاستحلفوه وحلفوا له وركبوه إلى دار السلطان، وأطاعه سائر البلاد التى كانت تحت يد أخيه. وتزوج الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين. وكان سيف الدين غازى قد تزوجها ولم يدخل بها، فنزوجها قطب الدين وهى أم أولاده الملوك. قال: ولما قطب الدين كان نور الدين بحلب، وهو أكبر منه، فكاتبه بعض الأمراء وطلبوه، فسار إليهم، وقصد انتزاع الملك من أخيه قطب الدين، ثم اتفقا وعاد نور الدين إلى حلب، وشهد قطب الدين بعض الحروب مع أخيه نور الدين؛ كما ذكرناه فى أخبار نور الدين.

стр. 10433

ذكر القبض على الوزير جمال الدين محمد بن على ابن منصور الأصفهانى ووفاته وشىء من أخباره وسيرته وفى سنة ثمان وخمسين وخمسماية قبض قطب الدين على الوزير جمال الدين واعتقله، فتوفى فى اعتقاله فى شعبان سنة تسع وخمسين [ولعمرى ما كان يستحق أن يعتقل، وهو الذى عمل على إثبات الملك فى البيت الأتابكى بعد قتل الشهيد أتابك زنكى، على ما قدمنا فى أخبار سيف الدين غازى] «١» قال بن الأثير الجزرى ﵀ فى تاريخه الكامل: حكى لى إنسان صوفى يقال له أبو القاسم؛ كان مختصا بخدمته فى الحبس، قال: «لم يزل مشغولا فى محبسه بأمر آخرته، وكان يقول كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر، فلما أن مرض قال لى فى بعض الأيام: يا أبا القاسم إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفنى» قال: «فقلت فى نفسى قد اختلط عقله» فلما كان الغد أكثر السؤال عنه، وإذا طائر أبيض لم أر مثله قد سقط، فقلت: «قد جاء الطائر» فاستبشر ثم قال: «جاء الحق» وأقبل على الشهادة، وذكر الله تعالى إلى أن توفى. فلما توفى طار ذاك الطائر، فعلمت أنه رأى شيئا فى معناه» . ودفن بالموصل عند فتح [الكرامى] «٢» رحمة الله عليهما نحو

стр. 10434

سنة، ثم نقل إلى المدينة، فدفن بالقرب من حرم النبى ﷺ فى رباط بناه لنفسه. وقال لأبى القاسم: «بينى وبين أسد الدين شيركوه عهد من مات منا قبل صاحبه حمله إلى المدينة فدفنه بها فى التربة التى عملها، فإذا أنا مت فامض إليه وذكره» . فلما توفى سار أبو القاسم إلى شيركوه فى المعنى، فقال له شيركوه: «كم تريد» فقال «أريد أجرة جمل يحمله، وجمل يحملنى وزادى» فانتهره وقال: «مثل جمال الدين يحمل هكذا إلى مكة» وأعطاه مالا صالحا ليحمل معه جماعة يحجون عن جمال الدين، وجماعة يقرءون بين يدى تابوته إذا حمل وإذا أنزل عن الجمل. فإذا وصل إلى مدينة يدخل أولئك القراءون ينادون للصلاة عليه، فيصلى عليه فى كل بلد يجتاز بها، وأعطاه أيضا مالا للصدقة فصلى عليه فى تكريت وبغداد والحلة فيد «١» ومكة والمدينة، وكان يجتمع له فى كل بلد من الخلق ما لا يحصى، ولما أراد الصلاة عليه بالحلة صعد شاب على موضع مرتفع وأنشد بأعلا صوته: سرى نعشه «٢» فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله يمر على الوادى فتنشنى «٣» رماله ... عليه وبالنادى فتثنى أرامله فلم ير باكيا أكثر من ذلك اليوم، وطافوا به حول الكعبة، وصلوا

стр. 10435

عليه بالحرم الشريف، وبين قبره وقبر النبى ﷺ خمسة عشر ذراعا. وأما سيرته ﵀ فكان [الوزير جمال الدين محمد بن على] أسخى الناس وأكثرهم بذلا للمال، رحيما بالخلق متعطفا عليهم عادلا فيهم، فمن أعماله الحسنة أنه جدد بناء مسجد الخيف «١» بمنى وغرم عليه أموالا كثيرة، وبنى الحجر بجانب الكعبة، وزخرف الكعبة وأذهبها وعملها بالرخام. ولما أراد ذلك أرسل إلى المتقى لأمر الله هدية جليلة، وطلب منه ذلك، وأرسل إلى الأمير عيسى أمير مكة هدية كبيرة، وخلعا ثنية، منها عمامة شراها بثلثماية دينار، حتى مكنه من ذلك. وعمر أيضا المسجد الذى على جبل عرفات، والدرج الذى يصعد فيها إليه، وكان الناس يلقون شدة فى صعودهم. وعمل بعرفات أيضا مصانع للماء، وأجرى الماء إليها عن نعمان فى طرق معمولة تحت الأرض. وأخرج على ذلك مالا كثيرا وكان يجرى الماء فى المصانع فى كل سنة أيام الحج. وبنى سورا على مدينة النبى ﷺ . وعلى فيد. وكان يخرج على باب داره فى كل يوم للصعالك والفقراء ماية دينار أميرى؛ هذا سوى الإدرارات والتعهدات للأئمة والصالحين وأرباب البيوت. ومن أبنيته العجيبة التى لم ير الناس مثلها الجسر الذى

стр. 10436

بناه على دجلة عند جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص والكلز فقبض قبل أن تكمل عمارته وبنى أيضا جسرا كذلك على النهر المعروف بالأرفاد، وبنى الربط. وقصده الناس من أقطار الأرض. وكانت صدقاته وصلاته من أقاصى خراسان إلى حدود اليمن، وكان يشترى الأسرى فى كل سنة بعشرة آلاف دينار، هذا من الشام حسب، سوى ما يشترى من الكرج. وقال ابن الأثير: أيضا حكى لى والدى عنه قال كثيرا ما كنت أرى جمال الدين إذا قدم إليه الطعام يأخذ منه ومن الحلوى ويتركه فى خبز بين يديه. فكنت أنا ومن يراه نظن أنه يحمله إلى أم ولده على. فاتفق أنه فى بعض السنين جاء إلى الجزيرة مع قطب الدين، وكنت أتولى ديوانها، وحمل جاريته أم ولده إلى دارى لتدخل الحمام، فبقيت فى الدار أياما. فبينما أنا عنده فى الخيام، وقد أكل الطعام فعل كما كان يفعل. ثم تفرق الناس فقمت فقال: «اقعد» فقعدت. فلما خلا المكان قال لى: «قد آثرتك اليوم على نفسى، فإننى فى الخيام ما يمكننى أن أفعل ما كنت أفعله. خذ هذا الخبر واحمله أنت فى كمك فى هذا المنديل، واترك الحماقة من رأسك، وعد إلى بيتك، فإذا رأيت فى طريقك فقيرا يقع فى نفسك أنه مستحق، فاقعد أنت بنفسك وأطعمه هذا الطعام» قال: ففعلت ذلك، وكان معى جمع كثير ففرقتهم فى الطريق لئلا يرونى أفعل ذلك، وبقيت فى غلمانى، فرأيت فى موضع إنسانا أعمى وعنده أولاد له وزوجته، وهم من الفقر على حال شديد، فنزلت عن دابتى إليهم وأخرجت الطعام وأطعمتهم إياه. وقلت للرجل تجيىء غدا بكرة إلى دار فلان، أعنى دارى- ولم أعرفه نفسى- فإننى آخذ لك

стр. 10437

من صدقة جمال الدين شيئا. ثم ركبت إليه العصر، فلما رآنى قال: «ما الذى فعلت فى الذى قلت لك» فأخذت أذكر له شيئا يتعلق بدولتهم فقال: «ليس عن هذا أسألك، إنما أسألك عن الطعام الذى سلمته إليك» فذكرت له الحال ففرح، ثم قال: «بقى أنك قلت للرجل يجىء إليك هو وأهله فتكسوهم وتعطيهم دنانير وتجرى لهم كل شهر دنانير» قال: فقلت له: «قد قلت للرجل يجى إلى» فازداد فرحا وفعل للرجل ما قال. ولم يزل يصل إليه رسمه حتى قبض. قال: وله من هذا كثير. فمن ذلك أنه تصدق بثيابه من على بدنه فى بعض السنين التى تعذرت فيها الأقوات. ولما وقفت على ترجمته لهجت بالترحم عليه، وقرأت ختمة شريفة فى شهر رمضان سنة أربع عشرة وسبعماية وسألت الله تعالى أن يسطر ثوابها فى صحيفة حسناته، وقررت ذلك على نفسى فى كل سنة فى شهر رمضان وأرجو أن لا أقطعها ما لم أنس ذلك، رحمه الله تعالى. ذكر فراق زين الدين الموصل وتحكم قطب الدين وفى سنة ثلاث وستين وخمسماية فارق زين الدين على بن بكتكين النايب عن قطب الدين خدمته، وسار إلى أربل. وكان هو الحاكم فى الدولة وأكثر البلاد بيده، ومنها أربل وبها أهله وأولاده وخزانته، وشهرزور وجميع القلاع التى معها، وجميع بلاد الهكارية وبلد الحمدية، وتكريت وسنجار، وحران، وقلعة الموصل هو بها. وكان قد أصابه طرش ثم عمى، فما عزم على

стр. 10438

مفارقة الموصل إلى بيته بأربل، سلم جميع ما كان بيده من البلاد إلى قطب الدين، وبقى معه أربل خاصة. وكان شجاعا عاقلا حسن السيرة سليم القلب ميمون النقيبة، ما انهزم من حرب قط. وكان كريما كثير العطاء للجند وغيرهم، فمن عطاياه أن الحيص بيص الشاعر قد امتدحه بقصيدة، فلما أراد إنشادها قال له: «أنا لا أعرف ما تقول ولكنى أعلم ما تريد» وأمر له بخمسمائة دينار وخلعة وفرس فكان مجموع ذلك بألف دينار. ولم يزل بأربل إلى أن مات بها فى هذه السنة. ولما فارق زين الدين قلعة الموصل سلمها قطب الدين إلى فخر الدين عبد المسيح وحكمه فى البلاد، فعمر القلعة وكانت خرابا لأن زين الدين كان قليل الالتفات إلى العمارة. وسار عبد المسيح سيرة شديدة وسياسة عظيمة وكان خصيا أبيض من مماليك أتابك زنكى. ذكر وفاة قطب الدين مودود وملك ولده سيف الدين غازى كانت وفاة قطب الدين مودود بن زنكى بالموصل فى ذى الحجة سنة خمس وستين وخمسماية، وقيل فى شوال منها. وكان مرضا حمى حادة فكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وشهورا. وكان من أحسن الملوك سيرة، وأعفهم عن أموال الرعية، كثير الإنعام والإحسان إليهم، محبوبا إلى كبيرهم، وصغيرهم عطوفا على شريفهم ووضيعهم، كريم الأخلاق. ولما مات رحمه الله تعالى ملك بعده ولده سيف الدين غازى.

стр. 10439

ذكر أخبار سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى ملك الموصل وما كان بيد والده قطب الدين بعد وفاته فى ذى الحجة أو شوال سنة خمس وستين وخمسماية؛ بوصية من أبيه. وكان والده قد أوصى بالملك بعده لولده الأكبر عماد الدين زنكى، فعرف عبد المسيح رأيه عنه. فلما كان فى اليوم الثانى استخلف سيف الدين غازى، فاستقر فى الملك بعد وفاة أبيه، واستولى عبد المسيح على المملكة. ولم يكن لغازى معه غير الاسم، فاتصل ذلك بنور الدين محمود، فأزعجه وأنف منه وكبر لديه، فسار إلى الموصل سنة ست وستين ودخلها من غير قتال. وكان الجند والعوام قد كاتبوه فى تسليم البلد إليه. فلما علم بذلك عبد المسيح كاتبه أيضا وسأله الأمان، فأمنه وقال: «لا سبيل أن يكون بالموصل» ؛ ونقله إلى الشام ودخل نور الدين الموصل فى ثالث عشر جمادى الأولى.، وأقر سيف الدين غازى على الموصل، وولى القلعة خادما يقال له سعد الدين كمشتكين، وجعله دزدارا ثم عاد إلى الشام ﵀. ذكر ملك سيف الدين غارى البلاد الجزيرية كان سبب ذلك أن عمه الملك العادل نور الدين قد استدعاه بعساكر الموصل وديار الجزيرة وغيرها لقصد الغزاة فسار سيف الدين غازى وجعل على مقدمته سعد الدين كمشتكين. فلما كانوا ببعض

стр. 10440

الطريق، وافاهم الخبر بوفاة نور الدين، فهرب سعد الدين جريدة، واستولى غازى على بركه وثقله وموجوده. وعاد إلى نصيبين فملكها، وأرسل الشحن إلى الخابور، واستولى عليه وأقطعه. وسار إلى حران فحصرها عدة أيام، وبها قايماز الحرانى مملوك نور الدين، فأطاعه بعد امتناع على أن تكون حران له. فلما نزل إليه، قبض عليه سيف الدين غازى، وسار إلى الرها فحصرها وملكها، وبها خادم خصى أسود لنور الدين، فسلمها وطلب عوضها قلعة الزعفران من أعمال جزيرة ابن عمر، فأعطيها ثم أخذت منه، ثم انتهى حاله إلى أن استعطى ما يقوم به. وسير سيف الدين إلى الرقة، فملكها وملك سروج وجميع بلاد الجزيرة، إلا قلعة جعبر لحصانتها، ورأس عين لأنها كانت لقطب الدين صاحب ماردين. وعاد عبد المسيح إلى خدمة سيف الدين من سيواس، وحسن لسيف الدين العبور إلى الشام ليملكه، فأشار عليه عز الدين محمود- وهو من أكابر الأمراء- أن يقتصر على ما بيده، فرجع إليه وعاد إلى الموصل، وذلك فى سنة تسع وستين وخمسماية ذكر حصره أخاه زنكى بسنجار وفى سنة سبعين وخمسماية فى شهر رمضان حصر سيف الدين غازى أخاه عماد الدين زنكى بسنجار. وكان سبب ذلك أن الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين كتب إلى [ابن عمه] سيف الدين

стр. 10441

[غازى] «١» يستحثه على الوصول إليه ليدفع الملك الناصر صلاح الدين يوسف عن حلب، فجمع سيف الدين غازى العساكر، وكاتب [أخاه] عماد الدين فى اللحاق به. وكان صلاح الدين قد كاتبه وأطمعه فى الملك، فامتنع عماد الدين بسبب ذلك. فجهز سيف الدين العساكر مع أخيه عز الدين مسعود إلى الشام. وتوجه هو [سيف الدين] لحصار أخيه بسنجار، فحصرها، وبينما هو كذلك، إذ أتاه الخبر بانهزام أخيه مسعود من صلاح الدين، فراسل حينئذ أخاه عماد الدين وصالحه على ما بيده، ورحل إلى الموصل. ثم كان بين سيف الدين وبين الملك الناصر [صلاح الدين] ما نذكره فى أخبار الملك الناصر من هزيمة غازى فى سنة إحدى وسبعين. ورجع [سيف الدين] إلى الموصل. وعزل عز الدين زلفندار «٢» استعمل مكانه فى إمارة الجيش مجاهد الدين قايماز. وفى سنة اثنتين وسبعين وخمسماية عصى شهاب الدين محمد بن مروان «٣» صاحب شهرزور على سيف الدين غازى وكان قبل ذلك فى طاعته، فراسله فى معاودة الطاعة. فعاد وحضر إلى الخدمة

стр. 10442

ذكر وفاة سيف الدين غازى كانت وفاته فى ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسماية وكان مرضه السل، فطال به، ثم أدركه سرنيام «١» فمات، وعمره نحوا من ثلاثين سنة، وكانت مدة ولايته عشر سنين وشهورا وكان حسن الصورة تام القامة أبيض اللون. وكان عاقلا وقورا قليل الالتفات إذا ركب وإذا جلس ولم يذكر عنه فى نفسه ما ينافى العفاف. وكان شديد الغيرة لا يدخل دوره غير الخدام الصغار فإذا كبر أحدهم منعه. وكان لا يحب سفك الدماء ولا أخذ الأموال على شحه وجبنه. ولما اشتد مرضه أوصى بالملك لولده معز الدين سنجرشاه، وكان عمره حينئذ اثنتى عشرة «٢» سنة، فخاف على الدولة من ذلك، لتمكن صلاح الدين يوسف بالشام، وامتنع عز الدين مسعود من الموافقة والأيمان. فأشار الأمراء أن يكون الملك بعده لعز الدين مسعود أخيه. ففعل، وجعل لولده سنجرشاه جزيرة ابن عمر وقلاعها، وجعل قلعة الحميدية لولده الصغير ناصر الدين كسك «٣»

стр. 10443

ذكر ملك عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى ملك الموصل بعد وفاة أخيه سيف الدين غازى فى ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسماية، وقام بتدبير دولته مجاهد الدين قايماز. وفى سنة سبع وسبعين كانت وفاة الملك الصالح اسماعيل، وأوصى بحلب لعز الدين مسعود كما ذكرناه فى أخباره. فكاتبه الأمراء بذلك واستدعوه لتسليمها. فسار إليها ومعه مجاهد الدين قايماز، فدخلها فى العشرين من شعبان منها وأقام بحلب عدة شهور ثم سار إلى الرقة. ذكر تسليم حلب الى عماد الدين زنكى وأخذ سنجار عوضا عنها قال: ولما فارق عز الدين مسعود حلب ووصل إلى الرقة، جاءته رسل أخيه عماد الدين زنكى صاحب سنجار يطلب منه أن يسلم إليه مدينة حلب ويأخذ سنجار، فلم يجب إلى ذلك، فراسله مرة أخرى وألح فى طلبها، وقال متى لم تسلم إلى حلب وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين، فأشار [الأمراء] «١» بتسليمها إليه فسلمها له، وتسلم سنجار، وعاد إلى الموصل.

стр. 10444

ذكر القبض على مجاهد الدين قايماز وفى جمادى الأولى سنة تسع وسبعين وخمسمائة قبض عز الدين مسعود على نائبه مجاهد الدين قايماز. ولما قصد القبض عليه لم يقدم عليه مفاجأة لقوة مجاهد الدين، فأظهر المرض وانقطع عن الركوب فدخل إليه مجاهد الدين وحده، وكان خصيصا به لا يمنع من الدخول على النساء. فقبض عليه وركب لوقته إلى القلعة. واحتوى على أموال وقايماز وخزائنه، وولى زلفندار قلعة الموصل وجعل شرف الدين أحمد بن أبى الخير- وهو ابن أمير حاجب العراق- أمير حاجب، وحكمه فى دولته. وكانت أربل وأعمالها تحت حكم مجاهد الدين، ومعه فيها زين الدين يوسف بن زين الدين على، وهو صبى صغير. وتحت حكمه أيضا جزيرة ابن عمر وهى لمعز الدين سنجرشاه ابن سيف الدين غازى، وهو صبى أيضا؛ وبيده شهرزور وأعمالها ونوابه بها، ودقوقا، وقلعة عقر الحميدية ونائبه بها. ولم يكن مع عز الدين إلا الموصل خاصة وقلعتها لمجاهد الدين «١» . فلما قبض امتنع صاحب أربل عن الطاعة، واستبد صاحب الجزيرة وأرسل الخليفة من حصر دقوقا وأخذها، ولم يحصل لعز الدين غير شهرزور والعقر، وصارت أربل والجزيرة أضر شىء عليه وأرسل صاحب أربل إلى الملك الناصر صلاح الدين بالطاعة له، وقوى طمع الملك الناصر فى الموصل لما قبض على مجاهد الدين، فلما

стр. 10445

رأى عز الدين ما حصل من الضرر والفساد بسبب قبض مجاهد الدين، قبض على شرف الدين أحمد الحاجب وزلفندار، عقوبة لهما كونهما حسنا له القبض على قايماز. ذكر اطلاق مجاهد الدين قايماز وما كان من العجم وانهزامهم قال: وفى المحرم سنة ثمانين وخمسماية أطلق عز الدين مسعود مجاهد الدين قايماز، وذلك بشفاعة شمس الدين بن البهلوان صاحب همذان وبلاد الجبل. ولما أطلقه سيره إلى ابن البهلوان وإلى أخيه قزل يستنجدهما على صلاح الدين. فبدأ فى مسيره بقزل وهو صاحب أذربيجان، فلم يمكنه من المضى إلى شمس الدين، وقال: «مهما يختار أنا أفعله» وجهز معه ثلاثة آلاف فارس، وساروا نحو أربل ليحصروها. فلما قاربوها أفسدوا فى البلاد وخربوها، وسبوا وأخذوا النساء قهرا، ولم يقدر مجاهد الدين على منعهم. وسار إليهم زين الدين يوسف صاحب أربل فى عسكره، فلقيهم وهم قد تفرقوا للنهب، فانتهز الفرصة وقاتل من لقى منهم، فهزمهم وتمت الهزيمة على العجم، وغنم الإربليون أموالهم ودوابهم وسلاحهم، وعاد العجم إلى بلادهم، وعاد مجاهد الدين إلى الموصل، وكان يقول: مازلنا ننتظر العقوبة من الله على سوء فعل العجم» .

стр. 10446

ذكر وفاة عز الدين مسعود كانت وفاته فى التاسع والعشرين من شعبان سنة تسع وثمانين وخمسمائة. ودفن بالمدرسة التى أنشأها بالموصل مقابل دار المملكة وبقى فى مرضه ما يزيد على عشرة أيام لا ينطق إلا بالشهادتين وتلاوة القرآن والاستغفار. وكانت مدة ملكه ثلاثا وعشرين سنة وسبعة أشهر إلا أياما. وكان خيّر الطبع كثير الخير والإحسان وزيارة الصلحاء وبرهم. وكان حليما قليل المعاقبة كثير الحياء لا يكلم جلساءه إلا وهو مطرق. وما قال فى شيئ سئله «لا» ولبس خرفه التصوف «١» بمكة، وكان يلبسها فى كل ليلة، ويخرج إلى مسجد بناه فى داره فيصلى فيه نحو ثلث الليل، ﵀. وملك بعده ولده نور الدين أرسلان شاه بن مسعود، وقام بتدبير دولته فى ابتدائها مجاهد الدين قايماز مدبر دولة والده، واستمر نور الدين أرسلان شاه فى الملك إلى سنة سبع وستماية، فتوفى فى أوائل شهر ربيع منها، ودفن فى مدرسته التى أنشأها مقابل داره بالموصل. وكانت علته قد طالت، وكانت مدة ملكه سبع عشرة «٢» سنة وأحد عشر شهرا. وكان بينه وبين الملك

стр. 10447

العادل بن أيوب مخالفة، ثم اتفاق ومصاهرة. وكان شهما شجاعا ذا سياسة للرعايا شديدا على أصحابه مانعا من تعدى بعضهم على بعض. ولما مات ملك بعده ولده الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى. وكان والده قد حلّف له العساكر وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكى قلعة عقر الحميدية» وقلعة سوس وأمر أن يتولى تدبير دولة القاهر فتاه بدر الدين لؤلؤ، فقام بتدبير الدولة والنظر فى مصالحهما. واستمر الملك القاهر فى الملك إلى سنة خمس عشرة وستماية، فتوفى فى ليلة الأثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول منها، فكانت ولايته سبع سنين وتسعة أشهر. وكان كريما قليل الطمع فى أموال رعيته مقبلا على أمرائه. وملك بعده ولده نور الدين أرسلان شاه بن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه ملك الموصل، بوصية من أبيه. وكان عمره يوم ذاك عشر سنين. وجعل الوصى عليه والمدبر لدولته بدر الدين لؤلؤ فقام أحسن قيام وراسل الملوك أصحاب الأطراف المجاورين له، وطلب منهم تجديد العهد لنور الدين على القاعدة التى كانت اتفقت بينهم وبين أبيه، فوافقوه. وكتب إلى الديوان العزيز، فجاءته الخلع والتقليد من الخليفة بولاية نور الدين. ونظر بدر الدين فى أمور الدولة فلم يلبث نور الدين إلى أن توفى فى هذه السنة.

стр. 10448

ولما مات استحلف بدر الدين لؤلؤ العساكر لأخيه ناصر الدين محمود بن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه، وله من العمر ثلاث سنين. واستمر بدر الدين لؤلؤ فى تدبير الدولة، فتجدد طمع عز الدين زنكى بن مسعود ومظفر الدين عمّيه فى ملك الموصل لصغر سنة، فجمعا الرجال وتجهزا للحركة، وقصدا أطراف الموصل بالنهب والفساد، فخرج إليهم بدر الدين لؤلؤ بعساكر الموصل، والتقوا، فكانت الهزيمة على العسكر البدرى، وعاد إلى الموصل وتبعه مظفر الدين، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك واستقر كل واحد على ما بيده. ثم ملك عماد الدين قلعة كواشى «١» وهى من أحسن قلاع الموصل. ثم مات ناصر الدين محمود بعد مدة يسيرة، واستقر بدر الدين لؤلؤ بملك الموصل، وتلقب بالملك الرحيم ودامت أيامه إلى أن توفى فى سنة سبع وخمسين وستماية، فكانت مدة ملكه نحو أربعين سنة، وملك بعده أولاده، فكان الذى استقل بملك الموصل من أولاده الملك الصالح ركن الدين إسمعيل، قتله التتار فى سنة تسع وخمسين وستماية، وملك ولده الملك المجاهد سيف الدين إسحاق بلاد الجزيرة؛ وملك الملك المظفر علاء الدين على سنجار. ولما استولى التتار على هذه الممالك وصل هؤلاء إلى الديار المصرية المحروسة فى أيام السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وجهزهم صحبة فى أيام السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وجهزهم صحبة الخليفة المستنصر بالله؛ فكان من أمره وأمرهم ما ذكرناه ونذكره

стр. 10449

إن شاء الله تعالى؛ فلنرجع إلى ذكر أخبار عماد الدين زنكى بن مودود. ذكر أخبار عماد الدين زنكى بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى بن اقسنقر إستقر ملكه بسنجار بعد وفاة أبيه واستقلال أخويه سيف الدين غازى ثم عز الدين مسعود بملك الموصل، ثم تعوض عماد الدين بحلب عن سنجار كما قدمنا ذكره فى أخبار عز الدين مسعود. ثم أخذ الملك الناصر يوسف منه حلب، وعوضه عنها بسنجار وربض الخابور والرقة، على ما نبينه إن شاء الله فى أخبار الملك الناصر فاستقر ملكه أخيرا بسنجار وما معها فى سنة تسع وسبعين وخمسماية ولم يزل بها إلى أن توفى فى المحرم سنة أربع وتسعين وخمسماية وكان عادلا حسن السيرة فى رعيته عفيفا عن أموالهم، كثير التواضع، يحب أهل العلم والدين، ويجلس معهم، ويرجع إلى آرئهم إلا أنه كان شديد البخل. ولما مات ملك بعده ولده قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكى. وتولى تدبير دولته مجاهد الدين برنقش مملوك أبيه، وكان دينا خيرا عادلا حسن السيرة. واستمر ملك قطب الدين بسنجار إلى سنة ست عشرة وستماية، فتوفى فى ثامن صفر منها. وكان كريما حسن السيرة فى رعيته كثير الإحسان إليهم. وكان قد سلم الأمور إلى نوابه.

стр. 10450

ولما مات ملك بعده ابنه عماد الدين شاهان شاه بن محمد. ولما ملك سار بعد شهور إلى تلعفر «١» ، وهى فى مملكته فدخل عليه أخوه عمر بن محمد فى جماعة فقتلوه. وملك عمر بن محمد- وهو فروخ شاه- فبقى بسنجار إلى أن أخذها الملك الأشرف فى سنة سبع عشرة وستماية، وعوضه عنها الرقة. وهو آخر من ملك سنجار من البيت الأتابكى، فكانت مدة ملكهم لها أربعا وتسعين سنة. وتوفى بعد أخذها منه بقليل. فلنذكر أخبار أولاد غازى. ذكر أخبار معز الدين سنجرشاه ابن سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى ملك جزيرة ابن عمر بعد وفاة والده فى صفر سنة ست وسبعين وخمسماية. وكان كثير الأذى لعمه عز الدين مسعود، فحاصره مسعود فى سنة سبع وثمانين أربعة أشهر، واستقرت القاعدة بينهما على أن يكون لكل منهما نصف أعمال الجزيرة، وتكون الجزيرة بيد سنجرشاه فى جملة النصف. ودام ملكه بالجزيرة إلى أن قتل.

стр. 10451

ذكر مقتله وملك ولده معز الدين محمود كان قتله فى سنة خمس وستماية على يد ولده غازى. وسبب ذلك أن سنجرشاه كان سى السيرة فى رعيته وأولاده وجنده وغيرهم، فكان من جملة ما اعتمده مع أولاده أنه بعث ابنيه «١» محمودا وسودودا إلى قلعة فرح «٢» من بلد الزوزان «٣» وأخرج ابنه غازى إلى دار بالمدينة أسكنه بها ووكل به من يمنعه من التصرف وكانت الدار إلى جانب بستان لبعض الرعية فكان يدخل إليها من البستان الحيات والعقارب وغير ذلك من الحشرات، فاصطاد غازى حية وسيرها إلى أبيه لعله يرق له ويعطف عليه، فلم يزده إلا تماديا وإصرارا. فعندها أيس من خيره وأعمل الحيلة حتى نزل من الدار، ووضع إنسانا كان يخدمه أظهر أنه غازى، وخرج من بلاد الجزيرة وقصد الموصل. فشاع الخبر أن غازى قد توجه إلى الموصل وهو مختلف بالجزيرة ما خرج منها، ثم أعمل الحيلة وتسلق فنزل إلى دار أبيه، فستر عليه سرارى والده لبغضهم فى أبيه. ثم اتفق أن والده شرب فى بعض الأيام وسكر ودخل الخلاء، فضربه ابنه غازى هذا بسكين فقتله، ثم ذبحه وتركه ملقى وقعد يلعب مع الجوارى. .

стр. 10452

فخرج بعض الخدم الصغار إلى باب الدار وأعلم أستاذ الدار بالخبر فأحضر أعيان الدولة، وعرفهم الأمر وأغلق الأبواب على غازى واستحلف الناس لمحمود بن سنجرشاه ودخل على غازى فمانع عن نفسه ثم قتلوه ورمى على باب الدار، وأكلت الكلاب بعضه ودفن باقيه. ووصل محمود إلى البلد وملك ولقب معز الدين لقب أبيه. وغرّق الجوارى اللوائى اتفقن مع غازى على قتل أبيه فى دجلة. ثم قتل محمود أخاه مودودا بعد مدة يسيرة. ثم استقرت هذه الممالك الجزيرية وغيرها فى يد بدر الدين لؤلؤ وهو الملقب بالملك الرحيم، وملك أولاده من بعده إلى أن استولى عليها التتار فى سنة سبع وخمسين وستماية. هذا ملخص ما وصل الينا من أخبار هذه الدولة فلنذكر ما عداها.

стр. 10453

الباب الحادى عشر من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار الدولة الخوارزمية والدولة الجنكزخانية الدولة الخوارزمية هى من أعظم الدول الإسلامية والدولة الجنكزخانية هى دولة التتار وإنما جمعناهما فى باب واحد لتعلق كل دولة منهما بالأخرى، ولأن الدولة الخوارزمية انقرضت عند قيام الجنكزخانية، وغلبة جنكزخان التمرجى على البلاد على ما نشرح ذلك إن شاء الله تعالى فى مواضعه.

стр. 10454

ذكر أخبار الدولة الخوارزمية وابتداء أمر ملوكها وظهورهم وما استولوا عليه من البلاد والأقاليم وما كان بينهم وبين الملوك من الحروب والوقائع وهذه الدولة هى من جملة فروع الدولة السلجقية لأن أصل البيت الخوارزمى من مماليك أحد أمراء الدولة السلجقية، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى. ولنبدأ بذكر ابتداء أمر ملوكها. وأول من نبغ منهم وترشح للولايات وما وليه وكيف تنقلت بهم الحال إلى أن ملكوا أقاصى البلاد وأدانيها وما آل إليه أمرهم إلى حين انقراض دولتهم، فنقول: أول من نبغ منهم خوارزم شاه محمد بن انوشتكين «١» ولى خوارزم من قبل أمير (داذ) «٢» حبشى متولى خراسان فى شهر رجب سنة تسعين وأربعماية وأبوه انوشتكين مملوك الأمير تلكاتك «٣» أحد أمراء السلجقية، إشتراه من رجل من غرشستان «٤» . وكان

стр. 10455

حسن الطريقة كامل الأوصاف فكبر وعلا محله، وولد له محمد هذا، فانتشأ أحسن نشأة، وتعلم وتدرب، وتقدم بنفسه كما قيل: نفس عصام سودت عصاما. ولحظته العناية الأزلية لظهور ما هو كامن فى الغيب. وكان سبب ولايته خوارزم أنه لما ولى أمير داذ حبشى خراسان كان خوارزم شاه البلخى قد قتل «١» فنظر الأمير حبشى فيمن يوليه خوارزم، فوقع اختياره على محمد هذا، فولاه خوارزم، ولقبه خوارزم شاه على عادة ولاة خوارزم فقصر أوقاته على معدلة ينشرها ومكرمة يفعلها، وقرب أهل العلم والدين، فازداد ذكره حسنا وظهر اسمه، وعلا محله فلما ملك السلطان سنجرشاه السلجقى خراسان أفر محمد على ولاية خوارزم وظهرت كفايته فعظم محله عند السلطان سنجر، واصطلى حرب الأتراك بنفسه، وهزمهم ودام فى ولاية خوارزم إلى أن توفى فى سنة [إحدى وعشرين وخمسمائة «٢» وولى بعده ولده اتستز بن محمد. ذكر أخبار خوارزم شاه اتسز بن محمد ولى خوارزم من قبل السلطان سنجر بعد وفاة أبيه. وكان قد انتشأ فى حياة أبيه، وقاد الجيوش، وقصد بلاد الأعداء وقاتلهم

стр. 10456

وملك مدينة منقشلاغ «١» . فلما مات أبوه ولاه السلطان بعده، فأفاض العدل، وأمن البلاد، فأحبه السلطان سنجر وقربه وأدناه وعظمه واعتضد به، واستصحبه معه فى أسفاره وحروبه؛ فظهرت- كفايته فزاده تقدما وتقريبا. ولم يزل عنده فى هذه النزلة إلى أن فسد ما بينهما واقتتلوا على ما نذكره. ذكر الحرب بين خوارزم شاه اتسز والسلطان سنجر السلجقى، واستيلاء سنجر على خوارزم، وما كان من أمر اتسز الى أن استقر الصلح بينه وبين السلطان سنجر وكانت الحرب بينهما فى سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية. وسبب ذلك أن السلطان بلغه أن خوارزم شاه أتسز قد عزم على الخروج من طاعته والامتناع عليه، فقصد خوارزم بعساكره فلما قاربها جمع أتسز عساكره وخرج لقتاله. والتقوا، فلم يكن له قبل بعساكر سنجر لكثرتها، فانهزم هو ومن معه وقتل من أصحابه خلق كثير، وقتل له ولد، فوجد اتسز عليه وجدا عظيما. ولما انهزم السلطان اتسز ملك سنجر خوارزم وأقطعها لابن أخيه سليمان شاه بن محمد على ما قدمناه فى أخبار الدولة السلجقية. ثم عاد السلطان إلى مرو فجمع خوارزم شاه أصحابه ورجع إلى خوارزم فأعانه أهلها على ملكها، ففارقها سليمان شاه ومن معه، ورجع إلى

стр. 10457

عمه السلطان سنجر، واستحكمت العداوة بين السلطان سنجر وأتسز، وعلم أتسز أنه لا قبل له به، فكاتب ملك الخطا «١» بما وراء النهر، وحثه على المسير لقتال السلطان سنجر وأطمعه فى ملك بلاده. فسار ملك الخطا فى ثلثماية ألف فارس، وكان من انهزام سنجر، وملك الخطا ما وراء النهر ما قدمنا ذكره فى أخبار سنجر، وذلك فى سنة ست وثلاثين وخمسماية. ولما تمت الهزيمة على سنجر استولى خوارزم شاه اتسز على البلاد وقصد خراسان فوصل إلى سرخس «٢» فى شهر ربيع الأول من السنة ورحل منها إلى مرو الشاهجان «٣» ، فنزل بظاهر البلد واستدعى الفقهاء والأعيان، فثار عامة مرو، وقتلوا بعض أصحاب خوارزم شاه وأخرجوهم من البلد، وأغلقوا أبوابه واستعدوا للامتناع، فقاتلهم، ودخل البلد فى سابع عشر الشهر، وقتل جماعة كثيرة من أعيان البلد، وعامتهم واستصحب جماعة من فقهائها معه، وسار فى شوال إلى نيسابور فخرج إليه جماعة من العلماء والفقهاء والزهاد، وسألوه أن لا يفعل بأهل نيسابور ما فعل بأهل مرو. فأجابهم

стр. 10458

إلى ذلك، وأخذ أموال أصحاب السلطان جميعها، وقطع خطبة سنجر وخطب لنفسه، وسير جيشا إلى أعمال بيهق «١» فقاتلوا أهلها خمسة أيام ثم ساروا ينهبون البلاد. واستمرت حال خوارزم شاه أتسز إلى سنة ثمان وثلاثين وخمسماية فجمع السلطان عساكره وسار إلى خوارزم، فتحصن أتسز بها، وجمع عساكره ولم يخرج من المدينة. وكان القتال يقع بينهما من وراء السور. ثم راسل السلطان فعفا عنه وبذل له الأموال، فأجابه إلى ذلك على قاعدة استقرت بينهما، وعاد سنجر إلى مرو واستقر خوارزم شاه بخوارزم، إلى أن مات وكانت وفاته فى تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمسماية. وكان قد أصابه فالج فعالجه الأطباء منه فلم يبرأ فاستعمل أدوية شديدة الحرارة بغير رأى الأطباء، فاشتد مرضه وضعفت قوته فمات. ولهج عند موته بقوله تعالى: «ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ» «٢» وكان حسن السيرة، كافا عن أموال رعيته، محبوبا إليهم. ولما توفى ملك بعده أحد أولاده، فقتل نفرا من أعمامه وسمل أخا له، فمات بعد ثلاثة أيام، وقيل بل قتل نفسه. وملك بعده أيل «٣» أرسلان بن اتسز بن محمد، وأرسل إلى السلطان سنجر، وبذل له الطاعة والانقياد لأمره. فكتب له منشورا بولاية خوارزم،

стр. 10459

وسير إليه الخلع فى شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وخمسماية، وذلك بعد هرب سنجر من أمر الغزو، وعوده إلى مرو واستقرار ملكه. فأمن أيل أرسلان بهذه الولاية واستمر إلى سنة ثمان وستين وخمسماية فتوفى بعد عوده من قتال الخطا. ولما مات ملك بعده ولده السلطان شاه. ذكر ملك سلطان شاه محمود بن ايل أرسلان ابن اتسز بن محمد، واخراجه من الملك، وملك أخيه علاء الدين تكش لما مات ايل أرسلان ملك بعده ولده سلطان شاه محمود، ودبرت والدته المملكة والعساكر. وكان ابنه الأكبر علاء الدين تكش مقيما بجند «١» وكان والده أقطعها له، فأنف من تولية أخيه الصغير وتقديمه عليه، وقصد ملك الخطا بما وراء النهر، واستمده على أخيه، وأطمعه فى الأموال والذخاير، فجهز معه جيشا كثيفا. فلما قارب خوارزم، خرج منها سلطان شاه وأمه، وسارا إلى المؤيد صاحب نيسابور واستنجداه. ودخل علاء الدين تكش خوارزم وملكها بغير قتال. ولما اجتمع السلطان شاه وأمه بالمؤيد أهديا له هدايا جليلة، وأطمعاه فى الذخائر والأموال، فجمع جيوشه وسار حتى بقى من

стр. 10460

خوارزم على عشرين فرسخا، فتقدم إليهم تكش بعساكره، فانهزم المؤيد، ثم أخذ أسيرا وجىء به إلى خوارزم شاه تكش، فقتل بين يديه صبرا. وهرب سلطان شاه إلى دهستان. «١» فقصده تكش، وافتتح المدينة عنوة، وهرب سلطان شاه منها، وأخذت أمه فقتلها تكش، وعاد إلى خوارزم وتوجه سلطان شاه إلى غياث الدين ملك الغز فأكرمه وعظمه. قال: ولما ثبت قدم علاء الدين فى الملك ترادفت عليه رسل ملك الخطا بالتحكم فى بلاده، وطلب الأموال والمقترحات، لأنهم رأوا أنهم هم الذين ملكوه، فأنفت نفسه من ذلك، وداخلته حمية الإسلام والملك، فقتل أحد أقارب ملك الخطا، وأمر وجوه أهل خوارزم أن يقتل كل رجل منهم واحدا من الخطا ففعلوا. ونبذ عهد ملك الخطا. فبلغ ذلك سلطان شاه، فسار إلى ملك الخطا، واستنجده على أخيه وزعم أن أهل خوارزم معه، وأنه إذا وصل إليهم سلموا إليه البلد، فجهز معه جيشا كثيفا من الخطا، فسار بهم وحصر خوارزم، فأمر تكش بإجراء ماء جيحون عليهم، فكادوا يغرقون، فرحلوا عن البلد ولم يبلغوا منها غرضا، وندموا على قصدهم خوارزم. ولم يزل سلطان شاه مشردا فى البلاد، تارة عند الخطا، وتارة عند غياث الدين، وكرة يغار بالخطا على مرو وسرخس إلى أن مات فى شهر رمضان سنة تسع وثمانين وخمسماية.

стр. 10461

ذكر ملك تكش مدينة بخارى من ملك الخطا وفى سنة أربع وتسعين وخمسماية جهز ملك الخطا جيشا كثيفا لحصر خوارزم، فحصروها. فكان خوارزم شاه يخرج إليهم فى كل ليلة، ويقتل منهم خلقا كثيرا، حتى أتى على أكثرهم، فدخل من بقى منهم إلى بلادهم. ورحل تكش فى آثارهم، وقصد مدينة بخارى فنازلها، ففاتله أهلها مع الخطا، وانتهى حالهم فى نكايته أنهم أخذوا كلبا أعور وألبسوه قباء وقلنسوة وقالوا هذا خوارزم شاه وكان تكش أعور- وطافوا بالكلب على السور، ثم رموه بالمنجنيق، وقالوا للعسكر هذا ملككم. ثم ملك تكش البلد عنوة بعد أيام يسيرة وعفا عن أهله، وأحسن إليهم وفرق فيهم مالا كثيرا، وأقام بها مدة ثم عاد إلى خوارزم.. وفى سنة خمس وتسعين وخمسماية وصلت الخلع من جهة الخليفة إلى خوارزم شاه تكش ولولده قطب الدين محمد والتقليد بما بيده من البلاد، فلبسا الخلع، واشتغل تكش بقتال الملاحدة «١» فافتتح قلعة على باب قزوين تسمى أرسلان [كشاى] «٢» وانتقل

стр. 10462

إلى حصار الموت. ثم عاد إلى خوارزم، وأمر ولده قطب الدين بحصار قلعة نرشيش «١» من حصون الملاحدة، فحصرها فأذعنوا له بالطاعة وصالحوه على ماية ألف دينار، ففارقها وأجابهم إلى الصلح لما بلغه من مرض أبيه. ورحل عنها، وعاد إلى خوارزم فمات والده قبل وصوله إليه. ذكر وفاة خوارزم شاه تكش كانت وفاته فى العشرين من شهر رمضان سنة ست وتسعين وخمسماية بشهر ستانه «٢» بين نيسابور وخوارزم. وكان قد سار من خوارزم لقصد خراسان وبه مرض الخوانيق، فاشتد مرضه ومات. ولما اشتد به المرض أرسل من معه إلى ولده قطب الدين يستدعونه، فوصل بعد وفاة أبيه، وتولى الملك، ولقب بلقب أبيه علاء الدين خوارزم شاه، وأمر بحمل أبيه إلى خوارزم، فحمل إليها ودفن فى تربة كان قد عملها فى المدرسة التى بناها، وكان عادلا سن السيرة وله معرفة وعلم. وكان حنفى المذهب ويعرف الأصول رحمه الله تعالى.

стр. 10463

ذكر أخبار السلطان علاء الدين أبى الفتح محمد ابن علاء الدين تكش بن ألب أرسلان بن أتسز ابن محمد بن أنوشتكين وهو الذى عظم من ملوك هذه الدولة شأنه، وكثرت جيوشه وأعوانه، وشاع بين الملوك ذكره، وعم الممالك نهيه وأمره، واجتمع فى ملكه ما افترق لغيره من الممالك، وتسهل لديه ما شسع على من سواه من المسالك، ودان لطاعته ملوك الأقطار، فتساوى عنده الآمر والمأمور، والمملوك والمالك. قال شهاب الدين محمد بن أحمد بن على المنشى النسوى. «١» فى تاريخه، أنه ضم إلى ما ورثه من أبيه من ملك خراسان وخوارزم والعراق ومازندران «٢» ؛ وضم إلى هذه الواسطة كرمان ومكران وكيش وسجستان وبلاد الغور وغزنة وباميان «٣» إلى ما يليها من الهند بأغوارها وأنجادها، والسيوف مهملة فى أغمادها، والعواتق

стр. 10464

معطلة فى نجادها، ملكها بالهيبة عفوا صفوا، وملك عن الخطاية «١» وغيرهم من ملوك الترك، وقروم «٢» ما وراء النهر ما يقارب أربعماية مدينة. وخطب له على منابر فارس وأران «٣» وأذربيجان إلى مايلى در بند شروان. قال: واشتملت جريدة ديوان الجيش على ما يقارب أربعماية ألف فارس، فلما عظم شأنه وتمكن سلطانه تطاول إلى طلب ملك آل سلجوق والحكم ببغداد، وتكررت مراسلاته إلى الخليفة فلم يجب إلى ذلك، فاحتفل بهذا الأمر، فكان من جملة ذلك أن بطل النوب الخمس التى كانت تضرب على أبواب الملوك فى أوقات الصلوات الخمس على عادة من تقدمه «٤» ، وجعلها إلى أولاد السلاطين يضربونها فى الأقاليم التى سماها لهم على أبواب دور السلطنة واختص هو بضرب نوبة الاسكندر ذى القرنين- وهى عند طلوع

стр. 10465

الشمس وعند غروبها- واستعمل بهذه النوبة سبعا «١» وعشرين دبدبة من الذهب ورصعها بأنواع الجواهر؛ وكذلك جمع ما يحتاج إليه من الآلات. ونص فى أول يوم اختاره لضربها على سبعة وعشرين ملكا من أكابر الملوك وأولاد السلاطين ليسمع بذلك. وكان منهم ابن طغرل السلجقى، وأولاد غياث الدين صاحب الغور وغزنة والهند، والملك علاء الدين صاحب باميان والملك تاج الدين صاحب بلخ، وولده الملك الأعظم صاحب ترمذ «٢» ، والملك سنجر صاحب بخارى، وأشباه هؤلاء وأعوزه لتمام سبعة وعشرين ملكا فكملهم بابن أخيه أدبزخان «٣» ، ووزير الدولة نظام الملك ناصر الدين محمد بن صالح، فهؤلاء الذين ضربوها فى اليوم الذى اختير لضربها فشغله عن ملك بغداد حادثة التتار، وهى الداهية العظمى؛ على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وها نحن نذكر سياقه أخباره وابتداء سلطنته فنقول: كان ابتداء ملكه بعد وفاة أبيه فى العشر الآخر من شهر رمضان سنة ست وتسعين وخمسماية. ولما ملك استدعى أخاه على شاه ابن تكش عن إصفهان، فسار إليه فنهب أهل إصفهان خزانته. فلما وصل إلى أخيه ولاه حرب خراسان والتقدم على جندها وسلم إليه نيسابور. قال وكان هندوخان ابن أخيه ملكشاه بن تكش، فخاف عمه محمد فهرب منه بعد أن نهب كثيرا من خزائن جده تكش عند وفاته، فإنه كان معه وسار إلى مرو وجمع جموعا كثيرة، فسير إليه

стр. 10466

عمه جيشا مقدمه جقر التركى، فهرب هندوخان عن خراسان، وسار إلى غياث الدين ملك غزنة يستنجده على عمه. فأكرمه وأحسن إليه وأقطعه أقطاعا، وأوعده النصرة، ودخل جقر مدينة مرو وبها والده هندوخان وأولاده، فأرسلهم، إلى خوارزم مكرمين، ثم راسل جقر غياث الدين صاحب غزنة فى الانضمام إليه ومفارقة الخوارزمية، فأطمعه ذلك فى البلاد، وجهز أخاه شهاب الدين لقصد خراسان، والاستيلاء على ما بها من بلاد خوارزم شاه. فسار فى جمادى الأولى سنة سبع وتسعين، وملك مرو وسلمها غياث الدين إلى هندوخان بن ملكشاه، وملك سرخس، وملك طوس، وملك نيسابور وبها على شاه أخو السلطان خوارزم شاه، فسلمه إلى أخيه شهاب الدين على ما قدمناه فى أخبار الدولة الغورية. ذكر ملك خوارزم شاه وما كان الغورية قد ملكوه من بلاده كان سبب ذلك أن شهاب الدين الغورى بعد أن ملك ما ملك من بلاد خوارزم شاه، توجه إلى الهند، بعد أن رتب فى كل بلد من نوابه من يحفظه ويقوم بمصالحه فلما توجه إلى الهند راسل خوارزم شاه غياث الدين وعاتبه، وقال فى جملة رسالته: إننى كنت أظن أنك تنصرنى على من يقصد التطرق إلى بلادى من ملوك الخطا وغيرهم، فحيث لم تفعل فلا أقل أن لا تؤذينى فى ملكى. وطلب منه إعادة ما أخذه من بلاده. وقال: ومتى لم تفعل انتصرت عليك بالخطا

стр. 10467

وغيرهم من الأتراك، إن عجزت عن استرجاع بلادى، إلى غير ذلك من الكلام فأخذ غياث الدين يغالطه فى الجواب ويكرر الرسائل، وهو ينتظر خروج شهاب الدين من الهند، فإن غياث الدين كان يعجز عن ملاقاته لما به من النقرس، فجمع علاء الدين العساكر وسار فى منتصف ذى الحجة سنة سبع وتسعين وتوجه إلى مرو، فلما قاربها هرب منها ابن أخيه هندوخان بن ملكشاه وتوجه إلى غياث الدين، وملكها خوارزم شاه، وسار إلى نيسابور وبها علاء الدين محمد الغورى صهر غياث الدين، وهو الذى كان يلقب ضياء الدين، فقاتله قتالا شديدا. وطال مقام خوارزم شاه، فراسله غير مرة فى تسليم البلد وهو لا يجيب، رجاء أن يصله المدد من غياث الدين فلما طال عليه الحصار وأيس من وصول الأمداد إليه، راسل فى طلب الأمان لنفسه ولمن معه من الغورية، فأجابه إلى ذلك وتسلم البلد، وأحسن إلى علاء الدين ومن معه. ثم سار خوارزم شاه إلى سرخس وبها الأمير زنكى فحصره أربعين يوما، فضاقت الميرة على أهل البلد، فراسله زنكى أن يتأخر عن باب البلد ليفارقها هو ومن معه، واعتذر أنه لا يمكنه الاجتماع به لقرب نسبه من غياث الدين، فتأخر خوارزم شاه عن المدينة وأبعد. فخرج زنكى، وأخذ من الغلات والأقوات والأحطاب التى كانت فى العسكر ما يحتاج إليه، وعاد إلى البلد وأخرج منه من كان ضاق به الأمر، فندم خوارزم شاه على موافقته، ورحل عن البلد، وترك عليه جماعة من أمرائه يحاصرونه. فلما سار خوارزم شاه

стр. 10468

عن سرخس قصد نائب الغورية بالطالقان «١» أن يكبس العسكر الخوارزمى المحاصر لسرخس. وكتب بذلك إلى زنكى؛ فشعر الخوارزميون بذلك ففارقوا سرخس، فأدركهم نايب الطالقان، وأوقع بهم، وقتل أمير علمهم، وكسر كوساتهم «٢» ، فانقطع صوتها عن العسكر، ولم يروا الأعلام، فانهزموا، ونال الغورية منهم منالا عظيما قتلا وأسرا. فلما اتصل هذا الخبر بخوارزم شاه، عاد إلى خوارزم، وكتب إلى غياث الدين وراسله فى الصلح، فأجابه عن رسالته مع أمير كبير من الغورية يقال له الحسن بن محمد المرغنى، ومرغن من قرى العور، فقبض عليه خوارزم شاه، وكان أخوه عمر بن محمد المرغنى نائب الغورية بهراة. وسار خوارزم شاه إلى هراة بمكاتبة بعض أمرائها، فنمى خبر من كاتبه إلى المرغنى، فأمسكهم، وأقام خوارزم شاه يحاصر المدينة أربعين يوما، ثم رجع عنها لما بلغه عود شهاب الدين الغورى من الهند وذلك بعد مصالحة أميرها المرغنى على مال حمله إليه. ولما عاد شهاب الدين من الهند بلغه ما فعله خوارزم شاه فى غيبته، وما ملكه من بلاد خراسان، فسار إلى خراسان، فانتهى إلى بلخ ثم إلى باميان وإلى مرو، عازما على حربه. فالتقت أوائل عسكريهما،

стр. 10469

فاقتتلوا قتالا شديدا، وتوجه خوارزم شاه شبه المنهزم، وتوجه شهاب الدين إلى طوس فشتا «١» بها وهو على عزم المسير لمحاصرة خوارزم، فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين، فعاد إلى هراة وجلس للعزاء واستخلف بطوس محمد بن جريك «٢» ، فجهز خوارزم شاه من عساكره من حصر طوس فجرى بينهم وبين النايب بها حروب كثيرة، آخرها أن النايب بها سأل الأمان لنفسه فأمنه منغور «٣» التركى- وهو مقدم العسكر الخوارزمى- فلما خرج إلى العسكر قتلوه، وأخذوا ما معه، وملكوا طوس. واتصل هذا الخبر بشهاب الدين الغورى فعظم عليه، وترددت الرسائل بينه وبين خوارزم شاه، فلم يحصل بينهما اتفاق. ثم قصد شهاب الدين غزو الهند على عادته، فاستعمل على هراة ابن أخيه ألب غازى، وقلد الملك علاء الدين محمد بن على الغورى بمدينة فيروزكوه «٤» وبلد الغور، وولاه حرب خراسان. وتوجه إلى الهند، فقصد خوارزم شاه مدينة هراة وحاصرها. وذلك فى شهر رجب سنة ستماية. واستمر إلى سلخ شعبان، وكثرت القتلى بين العسكرين، فراسل خوارزم شاه ألب غازى أن يخرج إليه ويخدمه خدمة سلطانية ليرحل عنه، فلم يجبه إلى ذلك ثم اتفق

стр. 10470

مرض ألب غازى، واشتد به فخاف أن يشتغل بمرضه، فيملك البلد فأجاب إلى ذلك، واستحلفه على الصلح، وأهدى له هدية جليلة، وخرج من البلد ليخدمه، فسقط إلى الأرض، فمات ولم بشعر به أحد. وارتحل خوارزم شاه إلى سرخس فأقام بها. قال: ولما اتصل الخبر بشهاب الدين عاد من الهند، وقصد خوارزم، فراسله خوارزم شاه فى العود، وتهدده إن لم يعد بحرب هراة، ومنها إلى غزنة، فعاد عليه جوابه أن خوارزم تجمعنا. وكان خوارزم شاه قد سار من سرخس إلى مرو، ونزل بظاهرها، فلما أتاه جواب شهاب الدين فرق عساكره وأحرق جميع ما معه من العلوفات ورحل يسابق شهاب الدين إلى خوارزم فسبقه إليها، وقطع الطريق التى تسلكها الغورية بإجراء المياه فيها، فتعذر على شهاب الدين سلوكها، وأقام فى إصلاحها أربعين يوما حتى أمكنه الوصول إلى خوارزم. والتقى العسكران بسوقرا، ومعناه الماء الأسود، وجرى بينهم قتال شديد، كثرت فيه القتلى من الطائفتين، فأرسل خوارزم شاه إلى الأتراك الخطا يستنجدهم على الغورية، وهم حينئذ ملوك ما وراء النهر، فاستعدوا وساروا إلى بلاد الغورية، فبلغ شهاب الدين خبر مسيرهم، فعاد عن خوارزم. وكان من أمره مع الخطا وقتالهم وهزيمته منهم ما قدمناه فى أخباره وذلك فى صفر سنة إحدى وستماية، فلا فائدة فى إعادته فى هذا الموضع. ولم تطل مدة شهاب الدين بعد ذلك فإنه فتل فى أوائل شعبان سنة اثنتين وستماية، فاستولى خوارزم شاه حينئذ على ما نذكره بخراسان وغيرها
следующие страницы →