Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10466–10505 · переход к 10471.
стр. 10466
عمه جيشا مقدمه جقر التركى، فهرب هندوخان عن خراسان، وسار إلى غياث الدين ملك غزنة يستنجده على عمه. فأكرمه وأحسن إليه وأقطعه أقطاعا، وأوعده النصرة، ودخل جقر مدينة مرو وبها والده هندوخان وأولاده، فأرسلهم، إلى خوارزم مكرمين، ثم راسل جقر غياث الدين صاحب غزنة فى الانضمام إليه ومفارقة الخوارزمية، فأطمعه ذلك فى البلاد، وجهز أخاه شهاب الدين لقصد خراسان، والاستيلاء على ما بها من بلاد خوارزم شاه. فسار فى جمادى الأولى سنة سبع وتسعين، وملك مرو وسلمها غياث الدين إلى هندوخان بن ملكشاه، وملك سرخس، وملك طوس، وملك نيسابور وبها على شاه أخو السلطان خوارزم شاه، فسلمه إلى أخيه شهاب الدين على ما قدمناه فى أخبار الدولة الغورية.
ذكر ملك خوارزم شاه وما كان الغورية قد ملكوه من بلاده
كان سبب ذلك أن شهاب الدين الغورى بعد أن ملك ما ملك من بلاد خوارزم شاه، توجه إلى الهند، بعد أن رتب فى كل بلد من نوابه من يحفظه ويقوم بمصالحه فلما توجه إلى الهند راسل خوارزم شاه غياث الدين وعاتبه، وقال فى جملة رسالته: إننى كنت أظن أنك تنصرنى على من يقصد التطرق إلى بلادى من ملوك الخطا وغيرهم، فحيث لم تفعل فلا أقل أن لا تؤذينى فى ملكى. وطلب منه إعادة ما أخذه من بلاده. وقال: ومتى لم تفعل انتصرت عليك بالخطا
стр. 10467
وغيرهم من الأتراك، إن عجزت عن استرجاع بلادى، إلى غير ذلك من الكلام فأخذ غياث الدين يغالطه فى الجواب ويكرر الرسائل، وهو ينتظر خروج شهاب الدين من الهند، فإن غياث الدين كان يعجز عن ملاقاته لما به من النقرس، فجمع علاء الدين العساكر وسار فى منتصف ذى الحجة سنة سبع وتسعين وتوجه إلى مرو، فلما قاربها هرب منها ابن أخيه هندوخان بن ملكشاه وتوجه إلى غياث الدين، وملكها خوارزم شاه، وسار إلى نيسابور وبها علاء الدين محمد الغورى صهر غياث الدين، وهو الذى كان يلقب ضياء الدين، فقاتله قتالا شديدا. وطال مقام خوارزم شاه، فراسله غير مرة فى تسليم البلد وهو لا يجيب، رجاء أن يصله المدد من غياث الدين فلما طال عليه الحصار وأيس من وصول الأمداد إليه، راسل فى طلب الأمان لنفسه ولمن معه من الغورية، فأجابه إلى ذلك وتسلم البلد، وأحسن إلى علاء الدين ومن معه.
ثم سار خوارزم شاه إلى سرخس وبها الأمير زنكى فحصره أربعين يوما، فضاقت الميرة على أهل البلد، فراسله زنكى أن يتأخر عن باب البلد ليفارقها هو ومن معه، واعتذر أنه لا يمكنه الاجتماع به لقرب نسبه من غياث الدين، فتأخر خوارزم شاه عن المدينة وأبعد. فخرج زنكى، وأخذ من الغلات والأقوات والأحطاب التى كانت فى العسكر ما يحتاج إليه، وعاد إلى البلد وأخرج منه من كان ضاق به الأمر، فندم خوارزم شاه على موافقته، ورحل عن البلد، وترك عليه جماعة من أمرائه يحاصرونه. فلما سار خوارزم شاه
стр. 10468
عن سرخس قصد نائب الغورية بالطالقان «١» أن يكبس العسكر الخوارزمى المحاصر لسرخس. وكتب بذلك إلى زنكى؛ فشعر الخوارزميون بذلك ففارقوا سرخس، فأدركهم نايب الطالقان، وأوقع بهم، وقتل أمير علمهم، وكسر كوساتهم «٢» ، فانقطع صوتها عن العسكر، ولم يروا الأعلام، فانهزموا، ونال الغورية منهم منالا عظيما قتلا وأسرا.
فلما اتصل هذا الخبر بخوارزم شاه، عاد إلى خوارزم، وكتب إلى غياث الدين وراسله فى الصلح، فأجابه عن رسالته مع أمير كبير من الغورية يقال له الحسن بن محمد المرغنى، ومرغن من قرى العور، فقبض عليه خوارزم شاه، وكان أخوه عمر بن محمد المرغنى نائب الغورية بهراة. وسار خوارزم شاه إلى هراة بمكاتبة بعض أمرائها، فنمى خبر من كاتبه إلى المرغنى، فأمسكهم، وأقام خوارزم شاه يحاصر المدينة أربعين يوما، ثم رجع عنها لما بلغه عود شهاب الدين الغورى من الهند وذلك بعد مصالحة أميرها المرغنى على مال حمله إليه.
ولما عاد شهاب الدين من الهند بلغه ما فعله خوارزم شاه فى غيبته، وما ملكه من بلاد خراسان، فسار إلى خراسان، فانتهى إلى بلخ ثم إلى باميان وإلى مرو، عازما على حربه. فالتقت أوائل عسكريهما،
стр. 10469
فاقتتلوا قتالا شديدا، وتوجه خوارزم شاه شبه المنهزم، وتوجه شهاب الدين إلى طوس فشتا «١» بها وهو على عزم المسير لمحاصرة خوارزم، فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين، فعاد إلى هراة وجلس للعزاء واستخلف بطوس محمد بن جريك «٢» ، فجهز خوارزم شاه من عساكره من حصر طوس فجرى بينهم وبين النايب بها حروب كثيرة، آخرها أن النايب بها سأل الأمان لنفسه فأمنه منغور «٣» التركى- وهو مقدم العسكر الخوارزمى- فلما خرج إلى العسكر قتلوه، وأخذوا ما معه، وملكوا طوس. واتصل هذا الخبر بشهاب الدين الغورى فعظم عليه، وترددت الرسائل بينه وبين خوارزم شاه، فلم يحصل بينهما اتفاق.
ثم قصد شهاب الدين غزو الهند على عادته، فاستعمل على هراة ابن أخيه ألب غازى، وقلد الملك علاء الدين محمد بن على الغورى بمدينة فيروزكوه «٤» وبلد الغور، وولاه حرب خراسان. وتوجه إلى الهند، فقصد خوارزم شاه مدينة هراة وحاصرها. وذلك فى شهر رجب سنة ستماية. واستمر إلى سلخ شعبان، وكثرت القتلى بين العسكرين، فراسل خوارزم شاه ألب غازى أن يخرج إليه ويخدمه خدمة سلطانية ليرحل عنه، فلم يجبه إلى ذلك ثم اتفق
стр. 10470
مرض ألب غازى، واشتد به فخاف أن يشتغل بمرضه، فيملك البلد فأجاب إلى ذلك، واستحلفه على الصلح، وأهدى له هدية جليلة، وخرج من البلد ليخدمه، فسقط إلى الأرض، فمات ولم بشعر به أحد. وارتحل خوارزم شاه إلى سرخس فأقام بها.
قال: ولما اتصل الخبر بشهاب الدين عاد من الهند، وقصد خوارزم، فراسله خوارزم شاه فى العود، وتهدده إن لم يعد بحرب هراة، ومنها إلى غزنة، فعاد عليه جوابه أن خوارزم تجمعنا. وكان خوارزم شاه قد سار من سرخس إلى مرو، ونزل بظاهرها، فلما أتاه جواب شهاب الدين فرق عساكره وأحرق جميع ما معه من العلوفات ورحل يسابق شهاب الدين إلى خوارزم فسبقه إليها، وقطع الطريق التى تسلكها الغورية بإجراء المياه فيها، فتعذر على شهاب الدين سلوكها، وأقام فى إصلاحها أربعين يوما حتى أمكنه الوصول إلى خوارزم. والتقى العسكران بسوقرا، ومعناه الماء الأسود، وجرى بينهم قتال شديد، كثرت فيه القتلى من الطائفتين، فأرسل خوارزم شاه إلى الأتراك الخطا يستنجدهم على الغورية، وهم حينئذ ملوك ما وراء النهر، فاستعدوا وساروا إلى بلاد الغورية، فبلغ شهاب الدين خبر مسيرهم، فعاد عن خوارزم.
وكان من أمره مع الخطا وقتالهم وهزيمته منهم ما قدمناه فى أخباره وذلك فى صفر سنة إحدى وستماية، فلا فائدة فى إعادته فى هذا الموضع. ولم تطل مدة شهاب الدين بعد ذلك فإنه فتل فى أوائل شعبان سنة اثنتين وستماية، فاستولى خوارزم شاه حينئذ على ما نذكره بخراسان وغيرها
стр. 10471
ذكر استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية بخراسان
كان سبب ذلك أن شهاب الدين الغورى لما قتل كما ذكرنا استقر الملك بعده لغياث الدين بن غياث الدين أخيه ووقع من الاختلاف بين الغورية وافتراقهم ما ذكرناه فى أخبارهم، واتفق أن الحسين بن [خرميل] «١» والى هراة كاتب خوارزم شاه فى الانتماء إليه والخروج عن طاعة الغورية. وشرع يغالط فى الخطبة بهراة لغياث الدين وهو ينتظر وصول العسكر الخوارزمى إليه، فراسله غياث الدين، فى الخطبة له، وجهز إليه الخلع فلبسها ابن خرميل وأصحابه ووعد بالخطبة له فى يوم الجمعة. فلما كان فى يوم الجمعة قرب العسكر الخوارزمى من هراة فطالبه رسل غياث الدين بالخطبة، فقال نحن فى أشغل من ذلك بقرب هذا العدو.
ولما وصل العسكر الخوارزمى تلقاهم ابن خرميل وأنزلهم بظاهر هراة، وجهز إليهم الإقامات، فقالوا قد رسم لنا خوارزم شاه أن نطيعك ولا نخالف أمرك، فشكرهم على ذلك. ثم بلغه أن خوارزم شاه نزل على بلخ وحاصرها، وأن صاحبها قاتله بظاهر البلد، وأنه نزل على أربعة فراسخ منها، فاستدل ابن خرميل بذلك على عجزه.
وندم على مراسلته، وقال للعسكر إن خوارزم شاه قد صالح غياث الدين والمصلحة أن ترجعوا، فرجعوا. واتفق أن غياث الدين
стр. 10472
بلغه ما فعله ابن خرميل، فاحتاط على إقطاعه وقبض على من يلوذ به، فوصل الخبر إليه بذلك فأعاد العسكر الخوارزمى بعد رحيله بيومين وسلم لهم البلد، وأخرج من كان بها من العورية، ومن يميل إليهم، ثم ملك خوارزم شاه مدينة بلخ فى سلخ ربيع الأول سنة ثلاث وستماية صلحا، بعد حروب كثيرة بينه وبين عماد الدين. وخلع خوارزم شاه عليه، وأقره بالبلد ثم سار عنها إلى جرزبان «١» ، وبها على بن أبى على، فراسله وآيسه من نجدة غياث الدين، فنزل عنها وسلمها له، وتوجه إلى غياث الدين وسلّم خوارزم شاه جرزبان إلى ابن خرميل فإنها كانت أقطاعه، ثم قبض على عماد الدين صاحب بلخ وسيره إلى خوارزم، واستناب ببلخ جقر التركى.
ذكر ملكه ترمذ وتسليمها للخطا
قال: ثم سار خوارزم شاه من مدينة بلخ إلى ترمذ مجدا، وبها ولد عماد الدين صاحب بلخ، فراسله فى تسليمها، ووعده الخير، واعتذر من إرسال أبيه إلى خوارزم أنه أنكر منه حاله، وأنه سيره مكرما، فرأى ابن عماد الدين أن خوارزم شاه قد حاصره من جانب والخطا حاصروه من جانب، فضعفت نفسه وسلم البلد، بعد أن استحلف خوارزم شاه على الوفاء له. ولما تسلم خوارزم شاه البلد، سلمها للخطا خديعة منه ليتمكن من ملك خراسان.
стр. 10473
وفى سنة اثنتين وستماية، سار من عسكر خوارزم شاه عشرة آلاف فارس إلى بلد الجبل، فوصلوا أرزنكان، وكان صاحبها أيتغمش قد اشتغل بحرب صاحب أريل ومراغه، فاغتنموا خلو البلاد وأفسدوا وقتلوا ونهبوا، ثم عاد أيتغمش فاوقع بهم، فانهزم الخوارزميون، وأخذهم السيف من كل جانب.
ذكر ملكه الطالقان
قال: ولما سلم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا سار إلى [اندخوى] «١» وكان النايب بها عن غياث الدين سونج أمير شكار، فاستماله خوارزم شاه، فأبى إلا القتال، وبرز لقتاله فالتقوا بالقرب من الطالقان. فلما تقابل العسكران حمل سونج بمفرده حتى قارب عسكر خوارزم شاه، وألقى نفسه إلى الأرض، ورمى سلاحه، وقبل الأرض، وسأل العفو عنه. فذمه خوارزم شاه وسبه، وأخذ ما بالطالقان من مال وسلاح ودواب، وأنفذه إلى غياث الدين مع رسول، وأراد بذلك التقرب إليه وملاطفته. واستناب بالطالقان بعض أصحابه، ووصل رسول غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا.
قال: وتوجه ابن خرميل نائب خوارزم شاه بهراة إلى اسفزار «٢» فى صفر سنة ثلاث وستماية. وكان صاحبها قد توجه إلى غياث الدين
стр. 10474
فحصرها وتسلمها فى شهر ربيع الأول من السنة بالأمان. ولما أخذها أرسل إلى صاحب سجستان يدعوه إلى طاعة خوارزم شاه، والخطبة له ببلاده، فأجابه إلى ذلك وخطب له.
ذكر أسر خوارزم شاه وخلاصه
وفى سنة أربع وستماية عبر السلطان علاء الدين خوارزم شاه نهر جيحون لقتال الخطا. وسبب ذلك أنهم كانت قد طالت مدتهم ببلاد تركستان وما وراء النهر، وثقلت وطأتهم على الناس. وكان لهم فى كل مدينة نائب يجبى لهم الأموال وهم يسكنون الخركاهات «١» على عادتهم قبل الملك. وكان مقامهم بنواحى أوزكند «٢» وبلاساغون «٣» وكاشغر «٤» . فاتفق أن سلطان سمرقند وبخارى ويلقب قان قانان ومعناه سلطان السلاطين، وهو من أولاد الملوك الخانية عريق فى الإسلام والملك، أنف من تحكم الكفار الخطا على المسلمين، فأرسل إلى خوارزم شاه يحثه على قصد الخطا وقتالهم، وأنه يكون معه عليهم، ويحمل إليه ما يحمله إليهم، ويخطب له ببلاده،
стр. 10475
ويضرب السكة باسمه، وحلف له على ذلك، وسير إليه أكابر بخارى وسمرقند. فاستوثق خوارزم شاه منه وأخذ فى إصلاح بلاده وتقرير النواب بها، وصالح غياث الدين محمود الغورى على ما بيده ثم جمع العساكر وسار إلى خوارزم، وتجهز منها وعبر جيحون.
واجتمع بسلطان سمرقند، فاجتمع الخطا، وجاء إليه. وكان بينهم حروب كثيرة تارة له وتارة عليه، ودامت على ذلك مدة، فاقتتلوا فى بعض الأيام فانهزم عسكره، وقتل منهم وأسر جماعة، فكان من أسر خوارزم شاه، أسر هو وابن شهاب الدين مسعود وهو من أكابر أمرائه، أسرهما رجل واحد. ووصلت العساكر الخوارزمية إلى خوارزم وقد فقدوا السلطان فاتصل الخبر بكزلك «١» خان والى نيسابور وكان إذ ذاك يحاصر هراه بعد قتل ابن خرميل على ما نذكره، ففارق هراه وتوجه إلى نيسابور وكان خوارزم شاه لما ملكها من الغورية خرب سورها فشرع فى إصلاحه وشحنها بالجند واستكثر من الميرة وعزم على الاستيلاء على خراسان، إن صح له فقد السلطان. واتصل خبر خوارزم شاه بأخيه على شاه وهو بطبرستان فدعا لنفسه وقطع خطبة أخيه واستعد لطلب السلطنة.
هذا ما كان من أولئك، وأما خوارزم شاه فأنه لما أسر قال له ابن شهاب الدين مسعود: «المصلحة أن تصير خادما لى فى هذه المدة لأتحيل فى خلاصك» فصار خوارزم شاه يخدمه، ويقف بين.
стр. 10476
يديه، ويلبسه قماشه، ويطويه إذا قلعه، ويقدم له الطعام، ويعامله معاملة الغلمان. فقال الذى أسرهما لابن مسعود: «أرى هذا يخدمك» فقال: «هو غلامى» قال: «فمن أنت» قال: «أنا فلان» فأكرمه الخطاى وعظمه وقال له: «لولا أن القوم قد عرفوا بمكانك عندى أطلقتك» فشكره ابن مسعود وأعقله أياما وقال له: «إنى أخاف أن يرجع المنهزمون فلا يرانى أهلى معهم، فيظنون إننى قتلت، فيقتسمون مالى فأهلك، وأحب أن تقرر علىّ ما تريد من المال، أحمله إليك، فقرر عليه مالا وقال: «أريد أن تأمر رجلا عاقلا من أصحابك يذهب بكتابى إلى أهلى، ويخبرهم بعافيتى، ويحضر معه المال» ثم قال:
إن أصحابك لا يعرفون أهلنا، وهذا غلامى أنا أثق به، ويصدقه أهلى بسلامتى. فأذن الخطاى فى إرساله، فجهزه وأرسل معه عدة من الفرسان يحمونه، فسار حتى قارب خوارزم، وعاد الفرسان ووصل خوارزم شاه إلى خراسان، فاستبشروا به وضربت البشائر وبلغه ما فعله أخوه بطبرستان وكذلك خان بنيسابور. فأما كزلك خان فإنه لما بلغه وصوله أخذ أمواله وأهله وأصحابه وهرب صوب العراق؛ وأما على شاه فهرب إلى غياث الدين الغورى فأكرمه. ودخل خوارزم شاه إلى نيسابور، وأصلح أمرها، وجعل فيها نائبا وأما ابن مسعود فإن الخطاى قال له: «قد عدم خوارزم شاه فهل عندك شىء من خبره» قال: «هو أسيرك» قال: فلم لا أعلمتنى به حتى كنت أبالغ فى خدمته وأسير بين يديه إلى ملكه؟» قال: خفت عليه منك. فسار الخطائى وابن مسعود إلى خوارزم شاه فأكرمهما إكراما كثيرا وبالغ فى الإحسان إليهما.
стр. 10477
ذكر قتل الحسين بن خرميل وحصرهراه وملك فيروزكوه والفور
كان سبب ذلك أن خوارزم شاه لما سار إلى بلاد الخطا ساءت سيرة من بهراة «١» من العسكر الخوارزمى، وتعدوا على الرعية.
فقبض ابن خرميل النايب بهراة عليهم وحبسهم. وكتب بذلك إلى خوارزم شاه، فعظم ذلك عليه، وما أمكنه الإنكار عليه لبعده عن البلاد، فكتب إليه يستصوب رأيه فيهم، ويأمره بإنقاذه، إليه لاحتياجه إلى الجند. وقال: «قد أمرت عز الدين جلدك بن طغرل أن يكون عندك لعقله وحسن سيرته، وأرسل إلى جلدك أن يحتال وفى القبض على ابن خرميل» فسار جلدك فى ألفى فارس إلى هراه، فخرج إليه ابن خرميل، فنهاه الوزير المعروف بخواجا الصاحب، كان قد حنكته التجارب، وقال: «أخشى عليك أن تكون مكيدة» فخالفه وخرج للقاء جلدك، فلما التقيا ترجلا للسلام؛ فحال جلدك بين ابن خرميل وأصحابه وأمسكه، فانهزم أصحابه ودخلوا مدينة هراة، وأعلموا الصاحب بذلك، فأغلق الأبواب وامتنع على جلدك، فقدم ابن خرميل إلى السور، وخاطب الوزير فى فتح الباب، فامتنع وأظهر شعار غياث الدين الغورى، فعندها قتل جلدك ابن خرميل، وكتب إلى خوارزم شاه يعلمه بذلك، فأنفذ خوارزم شاه إلى كزلك خان والى نيسابور، وإلى أمير الدين صاحب زوزن «٢» يأمرهما
стр. 10478
بالمسيرة إلى هراة وحصارها، فسارا فى عشرة آلاف فارس، فعجزا عنها وقال الوزير: «ما أسلمها إلا لخوارزم شاه، إذ أعاد هذا كله قبل أسر خوارزم شاه» . فلما أسر وشاع عدمه فارقها كزلك خان إلى نيسابور كما ذكرنا، واستمر من سواه على حصارها فلما عاد خوارزم شاه ودخل إلى نيسابور كما ذكرنا، سار منها إلى هراة، وأحسن إلى العسكر الذى استمر على حصارها وشكرهم، وطلب تسليمها فامتنع الوزير وقال: لا أسلمها إلا إلى غياث الدين. ثم اتفقت فتنة بهراة بين الوزير والجند، فكتب إلى خوارزم شاه من البلد، فزحف عليها وهدم برجين من أبراجها، وأهلها قد اشتغلوا بالفتنة الكائنة بين الوزير والجند، فملكها خوارزم شاه وقبض على الوزير وقتله وذلك فى سنة خمس وستماية. وأصلح حال البلد وسلمه إلى خاله أمير ملك، وهو من أعيان أمرائه، وأمره بالمسير إلى غياث الدين محمود الغورى بفيروزكوه، وأن يقبض عليه وعلى أخيه على شاه بن تكش، ويأخذ فيروزكوه. فسار إلى فيروزكوه، فاتصل الخبر بصاحبها غياث الدين محمود، فبذل الطاعة وسأل الأمان، فأمنه ونزل غياث الدين إليه، فقبض أمير ملك عليه وعلى على شاه أخى خوارزم شاه، وكتب إلى خوارزم شاه بذلك، فأمره بقتلهما فقتلا فى يوم واحد، وذلك فى سنة خمس وستماية. وانقرضت الدولة الغورية بقتل غياث الدين هذا واستقامت خراسان لخوارزم شاه.
стр. 10479
ذكر عوده الى بلاد الخطا وظفره بهم وأسر مقدمهم وملكه ما وراء النهر
قال: ولما استقر ملك خراسان للسلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد، جمع العساكر وعبر نهر جيحون، وجمع الخطا جمعا عظيما، وكان المقدم عليهم طاينكوه، وهو شيخ دولتهم والقائم مقام الملك فيهم، وكان عمره قد تجاوز ماية سنة، وله خبرة بالحروب.
فاجتمع خوارزم شاه- هو وصاحب سمرقند- والتقوا هم والخطا، وذلك فى سنة ست وستماية. فجرى بينهم حروب كان الظفر فيها لخوارزم شاه وانهزم الخطا وقتل منهم وأسر خلقا كثيرا. فكان ممن أسر مقدمهم طاينكوه، فأكرمه خوارزم شاه وأجلسه معه، ثم جهزه إلى خوارزم. وقصد خوارزم شاه بلاد ما وراء النهر، فملكها مدينة بعد أخرى حتى بلغ أوزكند «١» ، فجعل نوابه فيها على عادة الخطا وعاد إلى خوارزم، ومعه سلطان سمرقند. وكان من أحسن الناس صورة، فكان أهل خوارزم يتجمعون حتى ينظروا «٢» إليه، فزوجه خوارزم شاه ابنته، ورده إلى سمرقند، وبعث معه شحنة يكون بها على عادة الخطا.
стр. 10480
ذكر غدر صاحب سمرقند بالخوارزميين
قال: ولما عاد صاحب سمرقند إليها ومعه الشحنة، أقام معه سنة، فرأى صاحب سمرقند من سوء سيرة الخوارزميين ماندم بسببه على مفارقة الخطا، فأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه، ويعود إلى طاعته، وأمر بقتل كل من بسمرقند من الخوارزمية، ممن كان بها قديما وحديثا، وأخذ أصحاب خوارزم شاه، فكان يجعل الرجل منهم قطعتين ويعلقهم فى الأسواق كما يعلق القصاب اللحم. ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته- ابنه خوارزم شاه- فأغلقت الأبواب، ووقفت بجواريها، ومانعت عن نفسها، وأرسلت إليه تقول: «أنا امرأة وقتل مثلى قبيح عليك، وما فعلت معك من الإساءة ما استوجب ذلك منك، ولعل تركى أحمد عاقبة، فاتق الله.» فتركها ووكل بها من يمنعها من التصرف فى نفسها.
ووصل الخبر إلى خوارزم شاه، فعظم عليه، وأمر بقتل كل من بخوارزم من الغرباء، فمنعته أمه من ذلك، وقالت: «هذا بلد قد أتاه الناس من أقطار الأرض ولم يرض كلهم بما كان من هذا الرجل.» فأمر بقتل أهل سمرقند فمنعته من ذلك أيضا، فتركهم.
وأمر عساكره بالتجهز إلى ما وراء النهر، وسيرهم أرسالا، فعبروا جيحون، وعبر هو فى آخرهم، وسار حتى نزل على سمرقند. وأنفذ إلى صاحبها يقول: قد فعلت ما لم يفعله مسلم، واستحللت من دماء المسلمين ما لم يقدم عليه غيرك من مسلم ولا كافر، والآن عفا الله
стр. 10481
عما سلف، فاخرج من البلاد وامض إلى حبث شئت. فامتنع من ذلك، فأمر خوارزم شاه بالزحف على سمرقند، فلم يكن بأسرع من أن فتح البلد، وأمر أن لا يتطرق إلى الغرباء بسوء، وأذن لأصحابه فى نهب البلد، وقتل أهله، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام. فيقال أنهم قتلوا من أهل سمرقند مايتى ألف إنسان، وسلم الدرب الذى فيه الغرباء، فلم يعدم منهم أحد، ثم أمر بالكف عن النهب والقتل.
ثم زحف إلى القلعة فرأى صاحبها ماملأ قلبه هيبة ورعبا، فطلب الأمان فلم يجبه خوارزم شاه إلى ذلك، وزحف على القلعة وملكها، وقتل صاحبها صبرا. وقتل معه جماعة من أقاربه، ولم يترك أحدا ممن ينسب إلى الخانية. ورتب فيها وفى سائر البلاد نوابه ولم يبق لغيره بها حكم.
ذكر الواقعة التى أفنت الخطا
وهذه الواقعة قد اختلف فى إيرادها ابن الأثير الجزرى فى تاريخه المترجم بالكامل، وشهاب الدين محمد المنشى فى التاريخ الجلالى، ونحن الآن نذكر فى هذا الموضع ما نقله ابن الأثير، ونذكر فى أخبار الدولة الجنكزخانية ما نقله المنشى. وإتما نبهنا على ذلك فى هذا الموضع لئلا يقف عليه متأمل فيرى فى النقل الاختلاف فيظن أن ذلك عن سهو أو غلط أو التباس.
فأما ما حكاه ابن الأثير فإنه قال: لما فعل خوارزم شاه بالخطا ما فعل- يعنى من هزيمتهم وأسر مقدمهم طاينكوه- مضى من سلم
стр. 10482
منهم إلى ملكهم، فإنه لم يكن قد شهد الحرب، فاجتمعوا عنده.
وكانت طائفة عظيمة من التتار قد خرجوا من بلادهم حدود الصين ونزلوا وراء بلاد تركستان، وكان بينهم وبين الخطا حروب كثيرة وعداوة. فلما بلغهم ما فعله خوارزم شاه بعساكر الخطا قصدوهم مع ملكهم كشليخان «١» فأرسل ملك الخطا إلى خوارزم شاه يقول: «أما ما كان منك من أخذ بلادنا وقتل رجالنا فمعفو عنه، وقد أتانا من هذا العدو مالا قيل لنا به، فإن انتصروا علينا وملكوا البلاد، فلا دافع لهم عنك، والمصلحة أن تسير إلينا بعساكرك وتنصرنا على قتالهم، ونحن نحلف لك أننا إذا ظفرنا بهم لا نتعرض لما بيدك من البلاد، ونقنع بما فى أيدينا.» وأرسل إليه كشليخان يقول: «إن هؤلاء الخطا أعداؤك وأعداؤنا، فساعدنا عليهم، ونحلف لك أننا إذا انتصرنا عليهم لا نقرب بلادك، ونقنع بالمواضع التى ينزلونها، والمراعى التى يرعونها.» فأجاب كل منهما: «إننى معك على خصمك،» وسار بعساكره إلى أن نزل قريبا من الموضع الذى يتصافون «٢» ، فيه ولم يخالطهم مخالطة يعلمون بها أنه مع أحد منهم على الآخر، فكانت كل طائفة منهم تظن أنه معها.
والتقى التتار والخطا فانهزم الخطا منهم هزيمة عظيمة، فعند ذلك مال خوارزم شاه على الخطا، وجعل يقتل منهم ويأسر وينهب، فلم يسلم منهم إلا طائفة يسيرة مع ملكهم، فى موضع من نواحى
стр. 10483
بلاد الترك، تحيط بها جبال يتعذر الوصول إليها إلا من جهة واحدة، فتحصنوا بها، وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة. وصاروا فى عسكره فأنفذ خوارزم شاه إلى كشليخان ملك التتار يمت عليه «١» بأنه ساعده، ولولا ذلك ما تمكن من الخطا. فاعترف له بذلك مدة، ثم أرسل إليه يطلب منه المقاسمة على بلاد الخطا. وقال: «كما أن نحن اتفقنا على إبادتهم ينبغى أن نقتسم بلادهم،» فقال: «ليس لك عندى إلا السيف، ولستم بأقوى منه شوكة، ولا أعز ملكا، فإن رضيت بالمسالة وإلا سرت إليك وفعلت بك شرا مما فعلت بهم» وتجهز كشليخان ونزل بالقرب من خوارزم شاه، فعلم خوارزم شاه أنه لا طاقة له به، فكان يراوغه، فإذا سار إلى موضع قصد خوارزم شاه أهله وأثقالهم، فينهبها، وإذا سارت طائفة منهم عن مكانهم سار فأوقع بهم. فأرسل إليه كشليخان يقول: «ليس هذا فعل الملوك وإنما هو فعل اللصوص، فإن كنت سلطانا كما تقول فيجب أن نلتقى، فإما تهزمنى وتملك البلاد التى بيدى، أو أفعل أنا بك ذلك. فكان خوارزم شاه يغالطه فى الجواب، ولا يصمم على حربه، ولكنه أمر أهل الشاش «٢» وفرغانة وأسفيجاب «٣» وكاشان، وما حول ذلك من المدن التى لم يكن فى الدنيا أنزه منها ولا أحسن عمارة، بالجلاء
стр. 10484
منها واللحاق ببلاد الإسلام، ثم خربها جميعا خوفا من التتار أن يملكوها.
ثم اتفق خروج جنكزخان التمرجى ملك التتار على كشليخان، فاشتغل بقتاله عن قتال خوارزم شاه، فخلا وجهه، وعاد من بلاد ما وراء النهر إلى خراسان.
ذكر ملك خوارزم شاه كرمان ومكران من السند
قال: كان من جملة نواب خوارزم شاه تاج الدين أبو بكر نايبه بمدينة زوزن. وكان تاج الدين هذا فى ابتداء أمره جمّالا، يكرى الجمال للأسفار، ثم صار على جمال خوارزم شاه، فرأى منه جلدا وأمانة، فقدمه إلى أن صار من أعيان أمراء عسكره، ثم ولاه مدينة زوزن. وكان ذا عقل وسياسة، فقال يوما لخوارزم شاه: «إن بلاد كرمان مجاورة لبلدى، فلو أضاف السلطان إلىّ عسكرا لملكتها فى أسرع وقت» فسير معه عسكرا فمضى إلى كرمان، فقاتل صاحبها [حرب] «١» بن محمد بن أبى الفضل، وملكها فى أسرع وقت، وسار منها إلى نواحى مكران، فملكها إلى السند من حدود كابل، وسار إلى هرمز مدينة على ساحل بحر مكران، فأطاعه صاحبها وخطب بها لخوارزم شاه، وخطب له
стр. 10485
بقلهات «١» وبعض عمان، وذلك فى سنة إحدى عشرة وستماية أو ما يقاربها.
ذكر ملكه غزنة وأعمالها
قال: ولما استولى خوارزم شاه على عامة بلاد خراسان، وملك باميان»
وغيرها، أرسل إلى تاج الدين الدز صاحب غزنة، وهو الذى ملكها من الغورية، وهو من مماليكهم، أن يخطب له، ويضرب السكة باسمه، ويسير إليه قبلا، ليصالحه ويقر بيده غزنة. واستشار تاج الدين أمراءه فى ذلك فأشاروا به، وكان الحاكم على دولته والمتصرف فيها خوشداشه قتلغ تكين وهو النايب عنه بغزنة، فكان ممن أشار بذلك، فخطب لخوارزم شاه بغزنة، وضرب السكة باسمه، واستقر ذلك. ثم مضى تاج الدين الدز إلى الصيد، فأرسل قتلغ تكين إلى خوارزم شاه يستدعيه ليسلم إليه غزنة، فسار مجدا، وسبق خبره، وتسلم غزنة والقلعة من قتلغ تكين، وقتل من بها من عسكر الغورية، فوصل الخبر إلى صاحبها تاج الدين الدز فهرب هو ومن معه إلى لهاوور «٣» .
стр. 10486
وأقام خوارزم شاه بغزنة، فلما تمكن أحضر قتلغ تكين، وسأله كيف كانت حاله مع الدز، فأخبره أنه كان الحاكم على دولته، والمتصرف فى الحكم وغيره، وكان يعرف ذلك، وإنما أراد إقامة الحجة عليه. فلما انتهى حديثه قال [خوارزم] شاه له: «إذا كنت ما رعيت الحق لمن أنت وهو من بيت واحد، وقد حكمك فى ملكه وصرفك فيه، فكيف تفعل مع ابنى إذا تركته عندك؟» وأمر بالقبض عليه، وأخذ منه أموالا جمة حملها على ثلاثين دابة وأربعماية مملوك، ثم قتله. وترك ولده جلال الدين بغزنة فى جماعة من عساكره وأمرائه وكان ملكه لها فى سنة ثنتى عشرة وستماية، وقيل سنة ثلاث عشرة.
ذكر عزمه على المسير الى العراق وقصد بغداد، ومراسلته فى طلب آل سلجق ببغداد وما أجيب به
قال شهاب الدين محمد المنشى فى تاريخه: لما عظم أمر السلطان [خوارزم شاه] وتجلت له الدنيا فى أرفع ملابسها وأشرقت شمس دولته من أكرم مطالعها، واستملئت جريدة ديوان الجيش على ما يقارب أربعمائة ألف فارس، سمت همته إلى طلب ما كان لبنى سلجوق من الحكم والملك ببغداد، وترددت الرسل فى ذلك مرارا «١» فلم يجبه الخليفة إلى مراده لعلمه بما بين يديه من الشواغل عما وراء
стр. 10487
النهر وبلاد الترك. قال: وحكى القاضى فخر الدين عمر بن سعد الخوارزمى- وكان عند السلطان من ذوى الحظوة والاختصاص- وقد أرسله إلى بغداد مرارا، قال: كان آخر رسالاتى إليها مطالبة الديوان بما ذكرناه، فأبوا ذلك وأنكروه كل الإنكار، وقالوا: إن اختلاف الدول، وتقلب الدهر، وتغلب الخارجى على بغداد، وتسحب الإمام القائم بأمر الله منها إلى مدينة عانة، وانتصاره بطغرلبك ابن ميكائيل هو الذى اقتضى تحكم بنى سلجوق فى بغداد، «١» وإلا فليس يحسن أن يكون مع الزمان على أكتاف الخلافة محتكم يأمر فيها كيف شاء بما سر وساء، وليس فيما أنعم الله عليه به من الممالك الواسعة والأقاليم المتباعدة المتشاسعة غنية عن الطمع فى ملك أمير المؤمنين، ومشاهد آبائه الراشدين، قال: وأصحب فى عوده الشيخ شهاب الدين السهروردى «٢» ﵀ مدافعا، وواعظا وازعا، عما كان السلطان يلتمسه.
وتراجعت المراسلات فى المعنى وتكررت، فكانت غير مجدية، وانضاف إلى ذلك كثرة استهانتهم بالسبيل الذى كان للسلطان فى طريق مكة، حتى بلغه تقديمهم سبيل صاحب الإسماعيلية جلال الدين الحسن على سبيله.
стр. 10488
قال المنشى: وسمعت القاضى فخر الدين المذكور يقول: إن الشيخ شهاب الدين لما دخل على السلطان، وعنده من حسن الاعتقاد برفيع منزلته، وعالى قدره، وتقدمه فضلا على مشايخ عصره، ما أوجب تخصيصه بمزيد الإكرام عن سائر الرسل الواردة عليه من الديوان، فوقف قائما فى صحن الدار ثم أذن له فى الدخول.، فلما استقر المجلس بالشيخ قال: إن من سنة الداعى للدولة القاهرة أن يقدم على أداء الرسالة حديثا من أحاديث النبى ﷺ ، تيمنا وتبركا، فأذن له السلطان فى ذلك، وجثا على ركبتيه أدبا عند سماع الحديث. فذكر الشيخ حديثا معناه التحذير من أذية بنى العباس، فلما فرغ من رواية الحديث قال السلطان: «أنا وإن كنت رجلا تركيا قليل المعرفة باللغة العربية، لكنى فهمت معنى ما ذكرته من الحديث، غير أننى ما أذيت أحدا من ولد العباس، ولا قصدتهم بسوء، وقد بلغنى أن فى محابس أمير المؤمنين منهم خلقا مخلدين «١» ، يتناسلون بها، ويتوالدون، فلو أعاد الشيخ الحديث بعينه على مسامع أمير المؤمنين كان أولى وأنفع وأجدى وأنجع.» فقال الشيخ: إن الخليفة اذا بويع فى مبدأ خلافته على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاده، فإن أفضى اجتهاده إلى حبس شرذمة لإصلاح أمة، لا يقدح ذلك فى طريقته المثلى. وطال الكلام «٢» ، وعاد الشيخ والوحشة قائمة على ساقها. واتفق بعد ذلك قتل الاسماعيلية
стр. 10489
أغلمش الأتابكى، وكان ينوب عن السلطان بالعراق، فركب يلتقى الحاج عند منصرفهم من الحج. قفز عليه باطنى فى زىّ حاج فقتله، وانقطعت حينئذ خطبة السلطان بالعراق فحركه ذلك إلى المسير لإعادتها.
ذكر مسيره الى العراق وما اتفق له
قال: ولما قتل أغلمش، وكان يقيم رسمى الخطبة والطاعة للسلطان بالعراق، طمع الأتابك أزبك بن محمد صاحب أران وأذربيجان، وسعد بن زنكى «١» صاحب فارس فيه فنهضا إليه لعلمهما ببعد السلطان، وأنه فى أعماق بلاد الترك. فرحل أزبك ودخل أصفهان بمواطأة من أهلها، وملك سعد الرى وقزوين وسمنان «٢» وما تاخم ذلك وداناه. فانتهى الخبر إلى السلطان وهو بسمرقند، فاختار من العساكر ماية ألف، وترك معظم عساكره مع أمرائه بما وراء النهر وثغور الترك. فلما وصل إلى قومس اختار ممن استصحبه معه اختيارا ثانيا، ونهض فى اثنى عشر ألف فارس وسار مجدا فسبق خبره إلى جبل برزك وهى كورة من كور الرى، وسعد بظاهرها.
فلما رأى سعد أوائل الخيل قد أقبلت، ظن أنهم من الأزبكية «٣»
стр. 10490
المنازعين له فى ملك العراق، فركب بنفسه وعسكره وصدق القتال.
فلما شاهد السلطان جده أمر بنشر الجتر «١» . وكان ملفوفا فنشر، فحين تحقق أصحاب سعد أن الجيش جيش السلطان ولوا الأدبار ونزل سعد فقبل الأرض، فأخذ وكتف وأحضر بين يدى السلطان فأمر بالاحتياط عليه، وحمله على بعل حتى وصل إلى همذان، وقضى وطره من أزبك على ما سنذكره.
وأما الأتابك أزبك صاحب أران وأذربيجان فإنه لما سمع ماحل بسعد من الأسر والإهانة «٢» ، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يبق له هوى العود إلى ملكه، وقنع من العنيمة بالإياب. فركب وأعد السير إلى أن قارب همذان، وهو يظن أن السلطان بالرى. فلما بقى على مرحلة من همذان، بلغه أن السلطان بها، فسقط فى يده، وتحير لا يعرف طريق الرى. فاستشار أصحابه، فأشار بعضهم بعوده إلى أصفهان، وأشار بعضهم بالمبادرة إلى أذربيجان جريدة، وترك أثقاله. وأشار عليه وزيره ربيب الدين أبو القاسم بن على بالتحصن بقلعة قزوين، وكانت قريبة منه، وهى من أمهات قلاع الأرض، ومشاهير حصونها، فلم يوافقه. واجتمع رأيه أن وجه أثقاله وخزائنه ومعظم حاشيته مع الملك نصرة الدين محمد بن تتشتكين «٣»
стр. 10491
صوب تبريز، واستصحب من خواصه زهاء مائتى فارس، وأخذ بهم نحو أذربيجان فى المسالك الوعرة والجبال الصعبة. ووجه الوزير ربيب الدين إلى السلطان برسالة، يعتذر إليه، فوقع الأمير دكجك السلحدار على أثقاله ومن معها، فهزمهم وتبعهم إلى ميانج «١» وهى كورة من كور أذربيجان على حافة النهر الأبيض، وأسر الملك نصرة الدين ومعظم من معه، وانتهبت الخزائن والأثقال، ووجد الوزير ربيب الدين فى الطريق فساقه فى جملة الأسرى إلى المخيم، فلم يصدق فى رسالته، واعتقد أنه زورها عند أسره. قال: وبقى فى كل يوم يساق الأتابك سعد ونصرة الدين والوزير ربيب الدين إلى الميدان بهمذان فيهانون والسلطان يلعب بالأكرة إذلالا لهم، ولم يزالوا كذلك إلى أن عاد نصير الدين دولتيار وهو متولى منصب الطغرا «٢» للسلطان، وهو من المناصب الجليلة. غير أنه دون كتابة الإنشا فى بيت الخوارزمشاهية وفوقها عند السلاجقة وكان السلطان قد بعثه رسولا إلى الأتابك أزبك، بعد هربه يأمره بإقامة رسمى الخطبة والسكة باسمه فى عامة مملكته، وأن يحمل فى كل سنة إلى الخزانة السلطانية أتاوة معلومة، فجعل بالسكة والخطبة، وخطب للسلطان على منابر أذربيجان وأران، إلى ما يلى دربند شروان وسير إلى السلطان من الهدايا والتحف والألطاف جملة طائلة، وسلم
стр. 10492
قلعة قزوين إلى نواب السلطان، واعتذر فى أمر الأتاوة أن الكرج استضعفوا جانبه، واستولوا على أطراف بلاده، وهذه حاله والبلاد بما تثمر من الأموال، فكيف إذا انقسمت، وحمل منها أتاوة؟.
فقبل السلطان عذره فى ذلك، ورضى منه بالسكة والخطبة، وبعث إلى الكرج رسولا من جهته يقول: إن بلاد الأتابك أزبك صارت من جملة بلادنا، وهى كأحد ممالكنا، وحذرهم من الوصول إليها وقصدها، فعاد رسول السلطان من الكرج، ومعه رسولهم مصحوبا بالتقادم. هذا ما كان من أمر أزبك.
وأما الملك نصرة الدين فإنه كان يحضر إلى الميدان فى كل يوم كما ذكرنا. فنظر السلطان إليه فى بعض الأيام فاذا بأذنيه حلقتان كبيرتان مجوفتان فى غلظ السوار، فسأله عن ذلك فقال: إن السلطان ألب أرسلان. السلجقى لما غز الكرج ونصره الله عليهم وأسر أمراءهم من عليهم، وأطلقهم، وأمر أن يشنقوا كل واحد منهم بحلقتين، يكتب عليهما اسسه، فلما تطاولت المدة ووهت قواعد الدولة السلجقية خلع أولئك ربقة الطاعة، ما خلا جدى فإنه أسلم وسلمت بلاده وأعقابه، ببركتى الإسلام والوفاء فرق له السلطان، وأمر بإطلاقه، وخلع عليه، وغير الحلقتين، وكتب عليهما اسمه، وأمر له بتوقيع بما كان تحت يده من البلاد التى ورثها أبا عن جد مثل مدينتى أبهر «١» وفراوى «٢» بقلاعهما وأعمالهما وأضاف إليه مدينة
стр. 10493
سراة وهى أقرب المدن إليه مما يملكه أزبك، وخلع عليه خلعة ملوكية.
وأما الأتابك سعد الدين زنكى صاحب فارس فإن السلطان أطلقه وتسلم قلعتى اصطخر «١» واسكناباد وسلمها السلطان إلى المؤيد الحاجب، وزوّج الأتابك سعد بامرأة من بيت والدته، وشرط عليه أن يحمل فى كل سنة إلى الخزانة ثلث الخراج من بلاده، وأعاده بالخلع والتشاريف، وكان ولده نصرة الدين أبو بكر لما بلغه أسر والده انتصب مكانه واستمال قلوب الأمراء وبذل الأموال فأطاعوه. فلما أطلق الأتابك سعد، ووصل إلى شيراز- وهى كرسى مملكته- امتنع ولده من تسليم الملك. فبينما نصرة الدين دات يوم فى داره لم يرعه إلا وقد فتح عليه الباب، ودخل حسام الدين تكين باش «٢» - وهو أكبر مماليك الأتابك والمقدم فى دولته- والأتابك وراه وبيده سيف مجرد، فضرب به وجه ابنه ضربة أثرت فى وجهه، وححز بينهما اختلاط الفريقين، فأمر الأتابك بالقبض على ابنه، فقبض عليه واعتقله مدة ثم أطلقه وعظم حال حسام الدين عنده ورقاه إلى درجة الملوكية، هذا ما كان من أمره.
стр. 10494
ذكر قصد السلطان بغداد وما رتبه من أحوال مملكته وعوده بعد مسيره
قال شهاب الدين محمد المنشى: ثم عزم السلطان على قصد بغداد، ورتب أحوال مملكته، وأظهر الناموس. فمن ذلك أنه ضرب نوبة الإسكندر على ما قدمناه، ومنها أنه سير الملك تاج الملك بلكان خان «١» صاحب أترار إلى مدينة نسا «٢» ليقيم بها، وسير إلى خوارزم برهان الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز البخارى المعروف بصدر جيهان «٣» ، رئيس الحنفية ببخارى وخطيبها. قال: ولعله بعد من الملوك والأكابر، وكان تحت يده ستة آلاف فقيه. ومنها
стр. 10495
أنه قسم الملك بين أولاده، وعين لكل واحد منهم بلادا، ففوض خوارزم وخراسان ومازندران إلى ولى عهده قطب الدين أزلاغ شاه، واختار لتواقيعه طرة من غير تلقيب، وهى السلطان أبو المظفر ازلاغ شاه ابن السلطان محمد ناصر أمير المؤمنين. وإنما خصصه بولاية العهد دون جلال الدين اتباعا لرأى أمه تركان خاتون. وفوض ملك غزنة وباميان والغوروبست «١» وتكياباذ وزمين «٢» وما يليها من الهند إلى ولده الملك جلال الدين منكبرتى، واستوزر له الصدر شمس الملك شهاب الدين الهروى، واستناب عنه كريره «٣» ملك، واستصحب جلال الدين معه، وفوض ملك كرمان وكيش ومكران لولده غياث الدين [بيرشاه] «٤» واستوزر له الصدر تاج الدين ابن كريم الشرق النيسابورى، وسلم ملك العراق إلى ولد، ركن الدين غور شايجى واستوزر له عماد الملك محمد بن الشديد الساوى واختار لتواقيعه من الطرة السلطان المعظم ركن الدنيا والدين أبو الحارث غور شايجى ابن السلطان الأعظم محمد قسيم أمير المؤمنين.
стр. 10496
قال: ولما رتب هذه القواعد وقرر هذا النظام عزم على قصد بغداد وسير أمامه من العساكر ما غصت به البيداء فضاقت برحبها، وسار وراءهم إلى أن علا عقبة سراباد. وكان قد قسم نواحى بغداد وهو بهمذان أقطاعا وعملا، وكتب بها توقيعات، فسقط عليه بالعقبة ثلج عظيم، فأهلك خلقا كثيرا من الجيش وتلفت الأثقال، فرجع السلطان منها، وتطير من قصد بغداد، وكان ذلك فى سنة أربع عشرة وستماية. قال: ولما رجع السلطان إلى نيسابور أتاه الخبر بوفاة مؤيد الملك قوام الدين والى كرمان ونايبه بها، فملّك السلطان ولده غياث الدين بيرشاه كرمان وكيش ومكران فسار إليها واستقام أمره بها.
ذكر عود السلطان إلى بلاد ما وراء النهر ووصول رسل التتار إليه وما اتفق من الحوادث
قال: ثم عاد السلطان عند منصرفه من العراق إلى ما وراء النهر ووصل إلى سمرقند، فوافته بعد ذلك رسل جنكزخان ملك التتار وهم محمود الخوارزمى وعلى خواجه البخارى ويوسف بن كنكا الأترارى «١» مصحوبين بمجلوبات الترك من نقر المعادن ونصب الختو ونوافج المسك وأحجار اليشب والثياب التى تسمى طرقوا وتتخذ من وبر الجمال البيض يباع الثوب منها بخمسين دينارا
стр. 10497
وأكثر. وكانت الرسالة تشتمل على طلب المسالمة والموادعة، وقالوا له: إن الخان الكبير يسلم عليك ويقول: ليس يخفى علىّ عظم شأنك وسعة سلطانك، ولقد علمت بسطة ملكك ونفاذ حكمك فى أكثر أقاليم الأرض، وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجب، وأنت عندى مثل أعز أولادى وغير خاف عنك أيضا أننى ملكت الصين وما يليها من بلاد الترك وقد أذعنت لى قبايلهم وأنت أخبر الناس أن بلادى مثارات العساكر ومعادن الفضة وأن فيها لغنية عن طلب غيرها فإن رأيت أن تفتح للتجار فى الجهتين سبيل التردد، عمت المنافع وشملت الفوائد.
قال المنشى: فلما سمع السلطان الرسالة صرف الرسل، ثم استدعى محمود الخوارزمى ليلا بمفرده، وقال له: أنت رجل خوارزمى، ولا بد لك من موالاة فينا وسبيل إلينا، ووعده بالإحسان إن صدقه فيما يسأله عنه، وأعطاه جوهرة نفيسة من معضدته علامة للوفاء بما وعده، وشرط عليه أن يكون عينا له على جنكزخان. فأجابه إلى ذلك رغبة أو رهبة ثم قال: «أصدقنى فيما يقول جنكزخان أنه ملك الصين واستولى على مدينة طوغاج «١» أصادق فيما يقول أم كاذب؟» قال: «بل صادق ومثل هذا الأمر لا يخفى» .
ثم قال له: «أنت تعرف ممالكى وبسطتها وعساكرى وكثرتها، فمن هذا اللعين حتى يخاطبنى بالولد «٢» ؟ وما مقدار ما معه من
стр. 10498
العساكر؟» فلما شاهد محمود الخوارزمى آثار الغيظ على وجه السلطان أعرض عن النصح، وقال: ليس عسكره بالنسبة إلى عسكرك إلا كفارس فى خيل، أو دخان جنح ليل.
ثم أجاب السلطان إلى المهادنة واستقر الحال على المسالمة إلى أن وصل من بلاد التثار تجار إلى أترار وهم عمر خواجه الأترارى، والجمال المراغى «١» ، وفخر الدين البخارى «٢» وأمين الدين الهروى وكان ينال خان «٣» ابن خال السلطان ينوب عن السلطان بأترار فشرهت نفسه فى أموال أولئك التجار «٤» ، فكاتب السلطان يقول:
[إن] «٥» هؤلاء القوم قد جاءوا إلى أترار فى زى التجار وليسوا بتجار، وإنما هم أصحاب أخبار، وإنهم إذا خلوا بأحد من العوام يهددونه، ويقولون إنكم لفى غفلة عما وراءكم، وسيأتيكم ما لا قبل لكم به فأذن له السلطان فى الاحتياط عليهم إلى أن يرى فيهم رأيه، فقبض ينال خان عليهم، وانقطع خبرهم، وأخذ ما كان معهم من الأموال والأمتعة ثم وردت رسل جنكزخان بن كفرج بغرا كان أبوه من
стр. 10499
أمراء السلطان تكش ومعه رجلان يقولون للسلطان: «إنك قد كتبت خطك وأمانك للتجار أن لا تتعرض إليهم، وقد غدرت ونكثت، والغدر قبيح على الملوك، فإن زعمت أن الذى ارتكبه ينال خان كان من غير أمرك فسلمه إلىّ لأجازيه على فعله، وإلا فأذن بالحرب» فلم يرسل ينال خان، وظن أنه إن لاطف جنكزخان، أطمعه، وأمر بقتل رسله، فقتلوا. فيالها من قتلة هدرت دماء الإسلام، وأجرت بكل قطرة سيلا من الدم الحرام. فعند ذلك تجهز جنكزخان لقصده.
ذكر ما اعتمده السلطان من سوء التدبير لما قصده التتار
كان أول ما اعتمده من سوء التدبير لنفاذ حكم العلى القدير أنه لما بلغه خبر التتار وقصدهم البلاد، عزم أن يبتنى سورا على مدينة سمرقند على كبرها ودورها، على ما قيل اثنى عشر فرسخا، ثم يشحنها بالرجال، لتكون سدا بينه وبين الترك. ففرق عماله فى سائر أقاليم مملكته، وأمرهم أن يستسلفوا خراج سنة خمس عشر وستماية برسم عمارة السور، فجبى خراجا كاملا وأعجله التتار فلم يتمكن من عمارته، ثم بعث الحياة مرة ثانية إلى سائر الممالك، وأمرهم بجباية خراج ثالث فى سنتهم، وهى سنة أربع عشرة وستماية، وأن يستخدم بذلك رجالة ورماة، يستخدم من كل بلد بقدر ما يتحصل من المال. ثم فرق عساكره بمدن ما وراء النهر وبلاد الترك فترك ينال خان بأترار فى عشرين ألف فارس
стр. 10500
وقتلغ خان فى جماعة أخرى فى عشرة آلاف فارس بشهر كنت، «١» والأمير اختيار الدين كشكى أمير آخور، واغل حاجب الملقب باينانج خان فى ثلاثين ألف فارس ببخارى، وطغاينجان «٢» خاله وأمراء الغور فى أربعين ألف فارس بسمرقند وفخر الدين حبش النسوى وعسكر سجستان بترمذ، وبلخمورخان بوخش «٣» وأبا محمد خال أبيه ببلخ. ولم يترك بلدا مماوراء النهر خاليا من عسكر كبير فكان ذلك من أعظم الأسباب التى استولى بها جنكزخان على البلاد الإسلامية، ولو جمع عساكره ولقى التتار لهزمهم.
ولما شارف جنكزخان تحوم البلاد الإسلامية تباشر صوب أترار، واستولى عليها «٤» بعد قتال، وأحضر ينال خان بين يديه، وأمر بسبك الفضة، وقلبها فى أذنيه وعينيه فمات. ثم استولى جنكزخان على البلاد وتحيل حتى أوقع بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وبين أمه وأخواله.
стр. 10501
ذكر ما وقع بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وأمه وأخواله من الاختلاف بحيلة تمت بجنكزخان عليهم وما فعلته والدته من القتل ومفارقة خوارزم وما آل اليه أمرها
كان سبب ذلك أن جنكزخان لما ملك أترار، أحضر نايب الوزارة بها، وهو بدر الدين العميد، واتفق معه على أن زور كتبا على لسان الأمراء أقارب والدة السلطان إلى جنكزخان، يبذلون له الدخول فى طاعته، ويقولون: «إنا تسحبنا من بلاد الترك بعشائرنا ومن يلوذ بنا إلى السلطان، رغبة فى خدمة والدته، فما نصرناه على كافة ملوك الأرض، وذلت له الجبابرة وخضعت له الرقاب فها هو الآن تغيرت نيته فى حق والدته، عتوا منه وعقوقا، وهى تأمرنا بخذلانه، فنحن على انتظار وصولك واتباع أمرك.» وكان هذا تدبير نايب الوزارة المذكور «١» . وسلم جنكزخان الكتب إلى بعض خواصه، وأمره أن يتوجه بها إلى السلطان، ويظهر له أنه قد هرب من صاحبه إليه، ففعل ذلك. فلما وصل إلى السلطان ووقف على الكتب لم يشك فى صحة ذلك، ونفر من هؤلاء «٢» الأمراء، ونأى عنهم وبدد شملهم.
стр. 10502
فلما فعل ذلك بأقارب والدته تركان خاتون غضبت لذلك، وكتب جنكزخان إليها على يد دانشمند الحاجب- وهو من خواصه- وهى إذ ذاك بخوارزم، يقول: «قد عرفت مقابلة ابنك حقوقك بالعقوق، وقد قصدته بمواطأة من أمرائه، ولست بمعترض إلى ما تحت يدك من البلاد، وأسلم لك خوارزم وخراسان وما يتاخمهما من قاطع جيحون. فكان جوابها عن هذه الرسالة أن خرجت عن خوارزم، واستصحبت ما أمكنها من حرم السلطان وصغار أولاده ونفايس خزائنه، وأمرت بقتل من كان بخوارزم من الملوك المعتقلين وأبناء الملوك وأكابر الصدور، فقتلت زهاء اثنين وعشرين «١» نفسا منهم إبنا السلطان غياث الدين الغورى وابن طغرل السلجقى وعماد الدين صاحب بلخ وابنه بهرام شاه صاحب ترمذ وعلاء الدين صاحب باميان، وجمال الدين عمر صاحب وخش وابنا «٢» صاحب سقتاق من بلاد الترك، وبرهان الدين محمد وصدر جهان وأخوه «٣» افتخار جهان وابناه ملك الإسلام وعزيز الإسلام واستصحبت معها عمرخان صاحب يازر «٤» فصحبها إلى بلاده، وخدمها أتم خدمة، حتى إذا قاربت تخوم يازر خافت أن يفارقها، فأمرت بضرب عنقه فقتل صبرا.
وسارت بمن معها إلى قلعة ايلال من قلاع مازندران، فأقامت بها
стр. 10503
وذلك فى سنة خمس عشرة وستماية؛ وأمرت بتحصين القلعة، فحصنت؛ ثم حوصرت أربعة أشهر فكان من الاتفاق العجيب أن القلعة نفذ ماؤها، وكانت العادة أن تلك القلعة دائمة الأنواء، فقدر الله أن صحت السماء فى زمن الحصار حتى نفذ الماء، فألجأها ذلك إلى طلب الأمان، فأجيبت إليه، ونزلت من القلعة ومعها الوزير محمد بن صالح. وذكر أنها لما نزلت من القلعة فاضت الصهاريج فى هذا اليوم، حتى نزل السيل من باب القلعة وحملت تركان خاتون أسيرة إلى جنكزخان. قيل أنه انتهى حالها إلى أن كانت تحضر سماط جنكزخان وتحمل منه فى كل وقت ما يقوتها مدة بعد أن حكمت فى أكثر البلاد على ما نذكره.
وأما صغار أولاد ابنها الذين كانوا معها فقتلوا عن آخرهم إلا أصغرهم فإنه ترك عند جدته مدة ثم قتل بعد ذلك خنقا. هذا ما كان من الذكور. وأما الإناث فزوجوا بالمرتدة إلا سلطان خان «١» - التى كانت امرأة صاحب سمرقند- أخذها دوشى خان واصطفاها لنفسه هذا ما كان من أمرها وأمر من معها بعد وفاة ابنها، فلنذكر شيئا من أخبارها وما كان لها من الحكم فى دولة ابنها..
كانت تركان خاتون والدة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد من قبيلة بياووت «٢» وهى فرع من فروع يمك، وهى بنت
стр. 10504
خان جنكش، ملك من ملوك الترك وتزوج بها السلطان تكش.
ولما انتقل الملك إلى ابنها أتته قبائل يمك ومن يجاورها من الترك فكثر بهم، واستظهر بمكانهم وتحكمت هى بهذا السبب فى الممالك، فلم يملك السلطان إقليما إلا وأفرد لخاصتها منه ناحية جليلة. ولقبت عند ارتفاع شأنها بخداوند جهان، معناه صاحبة العالم. وكانت [ذات] «١» مهابة ورأى. وإذا رفعت الظلامات إليها حكمت فيها على قانون العدل والإنصاف، غير أنها كانت [جسورا] «٢» على سفك الدماء، وكان لها خيرات وسبلات فى البلاد قال المنشى: وكان لها من كتاب الإنشاء سبعة من مشاهير الفضلاء وسادات الأكابر وإذا ورد عنها وعن السلطان توقيعان مختلفان فى قضية واحدة لم ينظر إلا فى التاريخ فيعمل بالآخر منهما فى سائر الأقاليم. وكان طغرا تواقيعها عصمة الدنيا والدين ألغ تركان ملكة نساء العالمين، وعلامتها اعتصمت بالله وحده، وكانت تكتبها بقلم غليظ، وتجود الكتابة فيها بحيث يعسر أن يزور عنها، فلنرجع إلى أخبار السلطان.
стр. 10505
ذكر ما اتفق للسلطان بعد أن ملك التتار البلاد إلى أن توفى
قال: لما ملك جنكزخان أترار، ملك بعدها بخارى ثم سمرقند، فاتصل الخبر بالسلطان وهو مقيم بحدود كتلف «١» وأندخوذ «٢» ينتظر وصول الجموع المتفرقة إليه من الجهات. فلما اتصل خبر ملك جنكزخان بخارى بالسلطان، عبر جيحون وقد أيس من بلاد ما وراء النهر، وفارقه إلى التتار من الأتراك عشيرة أخواله زهاء سبعة آلاف من الخطايية، واتصل علاء الدين صاحب قندز وغيره بجنكزخان وأخذ الناس فى التخاذل والتسلل، فلما اتصلت هذه الجموع بجنكزخان عرفوه بمكان السلطان وبما هو عليه من الوجل.
وبما داخله من الخوف فعند ذلك جرّد يمنويّة «٣» وسبطى «٤» بهادر فى ثلاثين ألف فارس فعبروا النهر صوب خراسان ورحل السلطان من حافة جيحون إلى نيسابور، وتسلل عنه الناس فلم يقم بنيسابور إلا ساعة من نهار، ثم سار حتى أتى العراق فنزل بمرج دولت أباد.
وهى من أعمال همذان وأقام أياما يسيرة ومعه زهاء عشرين ألف فارس فلم يرعه إلا صيحة الغارة وإحداق خيول التتار به، فغاتهم بنفسه، وشمل القتل جل أصحابه، ونجا السلطان فى نفر يسير
следующие страницы →