Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.
стр. 10501
ذكر ما وقع بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وأمه وأخواله من الاختلاف بحيلة تمت بجنكزخان عليهم وما فعلته والدته من القتل ومفارقة خوارزم وما آل اليه أمرها
كان سبب ذلك أن جنكزخان لما ملك أترار، أحضر نايب الوزارة بها، وهو بدر الدين العميد، واتفق معه على أن زور كتبا على لسان الأمراء أقارب والدة السلطان إلى جنكزخان، يبذلون له الدخول فى طاعته، ويقولون: «إنا تسحبنا من بلاد الترك بعشائرنا ومن يلوذ بنا إلى السلطان، رغبة فى خدمة والدته، فما نصرناه على كافة ملوك الأرض، وذلت له الجبابرة وخضعت له الرقاب فها هو الآن تغيرت نيته فى حق والدته، عتوا منه وعقوقا، وهى تأمرنا بخذلانه، فنحن على انتظار وصولك واتباع أمرك.» وكان هذا تدبير نايب الوزارة المذكور «١» . وسلم جنكزخان الكتب إلى بعض خواصه، وأمره أن يتوجه بها إلى السلطان، ويظهر له أنه قد هرب من صاحبه إليه، ففعل ذلك. فلما وصل إلى السلطان ووقف على الكتب لم يشك فى صحة ذلك، ونفر من هؤلاء «٢» الأمراء، ونأى عنهم وبدد شملهم.
стр. 10502
فلما فعل ذلك بأقارب والدته تركان خاتون غضبت لذلك، وكتب جنكزخان إليها على يد دانشمند الحاجب- وهو من خواصه- وهى إذ ذاك بخوارزم، يقول: «قد عرفت مقابلة ابنك حقوقك بالعقوق، وقد قصدته بمواطأة من أمرائه، ولست بمعترض إلى ما تحت يدك من البلاد، وأسلم لك خوارزم وخراسان وما يتاخمهما من قاطع جيحون. فكان جوابها عن هذه الرسالة أن خرجت عن خوارزم، واستصحبت ما أمكنها من حرم السلطان وصغار أولاده ونفايس خزائنه، وأمرت بقتل من كان بخوارزم من الملوك المعتقلين وأبناء الملوك وأكابر الصدور، فقتلت زهاء اثنين وعشرين «١» نفسا منهم إبنا السلطان غياث الدين الغورى وابن طغرل السلجقى وعماد الدين صاحب بلخ وابنه بهرام شاه صاحب ترمذ وعلاء الدين صاحب باميان، وجمال الدين عمر صاحب وخش وابنا «٢» صاحب سقتاق من بلاد الترك، وبرهان الدين محمد وصدر جهان وأخوه «٣» افتخار جهان وابناه ملك الإسلام وعزيز الإسلام واستصحبت معها عمرخان صاحب يازر «٤» فصحبها إلى بلاده، وخدمها أتم خدمة، حتى إذا قاربت تخوم يازر خافت أن يفارقها، فأمرت بضرب عنقه فقتل صبرا.
وسارت بمن معها إلى قلعة ايلال من قلاع مازندران، فأقامت بها
стр. 10503
وذلك فى سنة خمس عشرة وستماية؛ وأمرت بتحصين القلعة، فحصنت؛ ثم حوصرت أربعة أشهر فكان من الاتفاق العجيب أن القلعة نفذ ماؤها، وكانت العادة أن تلك القلعة دائمة الأنواء، فقدر الله أن صحت السماء فى زمن الحصار حتى نفذ الماء، فألجأها ذلك إلى طلب الأمان، فأجيبت إليه، ونزلت من القلعة ومعها الوزير محمد بن صالح. وذكر أنها لما نزلت من القلعة فاضت الصهاريج فى هذا اليوم، حتى نزل السيل من باب القلعة وحملت تركان خاتون أسيرة إلى جنكزخان. قيل أنه انتهى حالها إلى أن كانت تحضر سماط جنكزخان وتحمل منه فى كل وقت ما يقوتها مدة بعد أن حكمت فى أكثر البلاد على ما نذكره.
وأما صغار أولاد ابنها الذين كانوا معها فقتلوا عن آخرهم إلا أصغرهم فإنه ترك عند جدته مدة ثم قتل بعد ذلك خنقا. هذا ما كان من الذكور. وأما الإناث فزوجوا بالمرتدة إلا سلطان خان «١» - التى كانت امرأة صاحب سمرقند- أخذها دوشى خان واصطفاها لنفسه هذا ما كان من أمرها وأمر من معها بعد وفاة ابنها، فلنذكر شيئا من أخبارها وما كان لها من الحكم فى دولة ابنها..
كانت تركان خاتون والدة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد من قبيلة بياووت «٢» وهى فرع من فروع يمك، وهى بنت
стр. 10504
خان جنكش، ملك من ملوك الترك وتزوج بها السلطان تكش.
ولما انتقل الملك إلى ابنها أتته قبائل يمك ومن يجاورها من الترك فكثر بهم، واستظهر بمكانهم وتحكمت هى بهذا السبب فى الممالك، فلم يملك السلطان إقليما إلا وأفرد لخاصتها منه ناحية جليلة. ولقبت عند ارتفاع شأنها بخداوند جهان، معناه صاحبة العالم. وكانت [ذات] «١» مهابة ورأى. وإذا رفعت الظلامات إليها حكمت فيها على قانون العدل والإنصاف، غير أنها كانت [جسورا] «٢» على سفك الدماء، وكان لها خيرات وسبلات فى البلاد قال المنشى: وكان لها من كتاب الإنشاء سبعة من مشاهير الفضلاء وسادات الأكابر وإذا ورد عنها وعن السلطان توقيعان مختلفان فى قضية واحدة لم ينظر إلا فى التاريخ فيعمل بالآخر منهما فى سائر الأقاليم. وكان طغرا تواقيعها عصمة الدنيا والدين ألغ تركان ملكة نساء العالمين، وعلامتها اعتصمت بالله وحده، وكانت تكتبها بقلم غليظ، وتجود الكتابة فيها بحيث يعسر أن يزور عنها، فلنرجع إلى أخبار السلطان.
стр. 10505
ذكر ما اتفق للسلطان بعد أن ملك التتار البلاد إلى أن توفى
قال: لما ملك جنكزخان أترار، ملك بعدها بخارى ثم سمرقند، فاتصل الخبر بالسلطان وهو مقيم بحدود كتلف «١» وأندخوذ «٢» ينتظر وصول الجموع المتفرقة إليه من الجهات. فلما اتصل خبر ملك جنكزخان بخارى بالسلطان، عبر جيحون وقد أيس من بلاد ما وراء النهر، وفارقه إلى التتار من الأتراك عشيرة أخواله زهاء سبعة آلاف من الخطايية، واتصل علاء الدين صاحب قندز وغيره بجنكزخان وأخذ الناس فى التخاذل والتسلل، فلما اتصلت هذه الجموع بجنكزخان عرفوه بمكان السلطان وبما هو عليه من الوجل.
وبما داخله من الخوف فعند ذلك جرّد يمنويّة «٣» وسبطى «٤» بهادر فى ثلاثين ألف فارس فعبروا النهر صوب خراسان ورحل السلطان من حافة جيحون إلى نيسابور، وتسلل عنه الناس فلم يقم بنيسابور إلا ساعة من نهار، ثم سار حتى أتى العراق فنزل بمرج دولت أباد.
وهى من أعمال همذان وأقام أياما يسيرة ومعه زهاء عشرين ألف فارس فلم يرعه إلا صيحة الغارة وإحداق خيول التتار به، فغاتهم بنفسه، وشمل القتل جل أصحابه، ونجا السلطان فى نفر يسير
стр. 10506
من خواصه إلى بلد الجبل ثم منها إلى الاستنداد «١» وهى أمنع ناحية من نواحى مازندران ذات دربندات ومضايق ثم منها إلى حافة البحر وأقام عند الغرضة بقرية من قراها، يحضر إلى المسجد فيصلى به إمام القرية الصلوات الخمس ويقرأ له القرآن، وهو يبكى وينذر النذور ويعاهد الله تعالى بإقامة العدل. ولم يزل كذلك إلى أن كبسه التتار فحين هجموا الضيعة ركب السلطان المركب وخاضت خلفه طائفة منهم فلم يدركوه.
قال شهاب الدين المنشى: حدثنى غير واحد ممن كان مع السلطان فى المركب قال: كنا نسوق المركب بالسلطان وبه من علة ذات الجنب ما آيسه من الحياة وهو يظهر الاكتئاب، ويقول لم يبق لنا مما ملكناه من أقاليم الأرض قدر ذراعين. فلما وصل الجزيرة «٢» سر بذلك سرورا تاما وأقام بها فريدا طريدا والمرض يزداد به. وكان فى أهل مازندران ناس يتقربون إليه بالمأكول والمشروب وما يشبهه، فقال فى بعض الأيام: أشتهى أن يكون عندى فرس يرعى حول خيمتى هذه- وقد ضربت له خيمة صغيرة- فلما سمع تاج الدين حسن وكان من جملة سرهنكيته «٣» أهدى إليه فرسا أصفر قال: وكانت
стр. 10507
جشارات خيله تنيف على ثلاثين ألف جشار متفرقة فى ممالكه ويدل على ذلك ما قاله الأمير اختيار الدين أكبر أمير أخورية السلطان؛ وكان قد ضم إليه ثلاثين ألف فارس، فكان يقول: إن المرتب معى ثلاثون ألف فارس ولو شئت جعلتها ستين ألفا من غير أن أتكلف صرف دينار أو درهم، وذلك أننى أستدعى من كل جشار «١» من جشارات خيل السلطان جوبانا واحدا فينيفوا على ثلاثين ألفا، فانظر إلى ما بين الحالتين فى الكثرة والقلة والعزة والذلة.
قال: وكان من حمل إليه شيئا من المأكولات وغيره فى تلك الأيام كتب له توقيعا بمنصب جليل وإقطاع طايل فربما كان الرجل يتولى كتابة التوقيع لنفسه لعدم من يكتب عند السلطان. وكانت هذه التواقيع تسمى التواقيع الجزيرية، وكلها برسالة جلال الدين.
فلما ظهر أمر جلال الدين أحضرت إليه التواقيع فأمضاها بكمالها ومن كان معه منديل أو سكين علامة من السلطان بإقطاع أو غيره قبلها جلال الدين وأمضى حكمها.
ذكر وفاة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش
كانت وفاته بالجزيرة فى سنة سبع عشرة وستماية. وذلك أنه لما استقر بها اشتدت به علة ذات الجنب فمات وغسله شمس الدين محمود بن يلاغ الجاوش ومقرب الدين مهتر مهتران «٢» مقدم
стр. 10508
الفراشين، ولم يكن عنده ما يكفن فيه فكفنه شمس الدين محمود المذكور بقميصه، ودفن بالجزيرة فكانت مدة سلطنته إحدى وعشرين سنة، وكان له من الأولاد خمسة وهم جلال الدين منكبرتى، وقطب الدين أزلاغ شاه، وآق شاه، وركن الدين غورشايجى- وكان بالعراق- وغياث الدين بيرشاه وفيه يقول المنشى:
أذل «١» الملوك وصاد القروم ... وصيّر كل عزيز ذليلا
وحف الملوك به خاضعين ... وزفوا إليه رعيلا رعيلا
فلما تمكن من أمره ... وصارت له الأرض إلا قليلا
وأوهمه العز أن الزمان ... إذا رامه ارتد عنه كليلا
أتته المنية مغتاظة ... وسليت عليه حساما صقيلا
فلم تغن عنه حماة الرجال ... ولم يجد قيل عليه فتيلا «٢»
كذا يفعل الله بالشامتين ... ويفنيهم الدهر جيلا فجيلا
هذا ما اتفق للسلطان؛ وأما التتار الذين ساقوا خلفه فإنهم خربوا البلاد وسفكوا الدماء واستولوا على الممالك وساووا فى القتل بين المملوك والممالك، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم. فلنذكر الآن أخبار أولاد السلطان علاء الدين محمد وما كان من أمرهم بعد وفاة أبيهم ونورد أخبارهم فى جملة أخبار أخيهم السلطان جلال الدين فإنه الملك المشار إليه منهم.
стр. 10509
ذكر أخبار السلطان جلال الدين منكبرتى
وقيل فيه منكوبرتى ابن السلطان علاء الدين أبى الفتح محمد ابن تكش بن ألب أرسلان بن اتسز بن محمد بن انوشتكين.
ملك بعد وفاة أبيه فى سنة سبع عشرة وستماية، وذلك أن والده السلطان لما اشتد مرضه بالجزيرة خلع قطب الدين أزلاغ شاه من ولاية العهد وفوضها للسلطان جلال الدين بحضور أخويه أزلاغ شاه وآق شاه. وقال: إن عرى السلطنة قد انفصمت والدولة قد وهت قواعدها وتهدمت، وهذا العدو قد تأكدت أسبابه وتشبثت بالممالك أظفاره، وتعلقت أنيابه، وليس يأخذ بثارى منه إلا ولدى منكوبرتى وهأنا موليه ولاية العهد فعليكما بطاعته والانخراط فى سلك تباعته.
وشد سيفه بيده فى وسط جلال الدين ثم مات بعد ثلاثة أيام.
قال: ولما دفن السلطان بالجزيرة ركب جلال الدين البحر ومعه أخواه «١» ومعهم زهاء سبعين نفسا لقصد خوارزم، فلما قاربوها التقوهم منها بالدواب والأسلحة والأعلام، وتباشر الناس بمقدمهم واجتمع عندهم من العساكر ممن أضمرته البوادى ونقضتهم المجالس والنوادى زهاء سبعة آلاف فارس، أكثرهم البياووتية ومقدمهم توخى بهلوان الملقب بقتلغ خان، فمالوا إلى أزلاغ شاه للقرابة التى بينهم، وعزموا على القبض على جلال الدين وقتله أو سمله. فعلم إينانج خان بما دبروه، فأعلم بذلك جلال الدين وأشار عليه بالرحيل
стр. 10510
فرحل صوب خراسان فى ثلثماية فارس، مقدمهم دمر ملك «١» وقطع المفازة الحاجزة بين خوارزم وخراسان وهى ست عشرة «٢» مرحلة فى أيام قلايل، وتخلص منها إلى بلد نسا «٣» . وكان جنكزخان لما بلغه عود أولاد السلطان إلى خوارزم وجه إليها عسكرا كثيفا وتقدم إلى من بخراسان من عساكره بالتفرق على حافات تلك البرية مترصدين فضربوا على البرية المذكورة حلقة من تخوم مرو إلى حدود شهرستان، حتى إذا هم أولاد السلطان بالمسير إلى خراسان عند إزعاجهم من خوارزم يقبضون عليهم. وكان بحافة برية نسا منهم سبعماية فارس فلما خرج جلال الدين من البرية صادفهم أمامه، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر فيه لجلال الدين عليهم، فعمهم بالقتل وغنم ما معهم، ولم يفلت منهم إلا الشارد. وهذا أول مصاف كان بين جلال الدين وبينهم فتقوى بما غنمه منهم ووصل إلى نيسابور.
وأما أخواه «٤» فإنهما أقاما بعده بخوارزم ثلاثة أيام؛ وأتاهم الخبر بحركة التتار فخرجا بمن معهما مجفلين إلى صوب خراسان.
فلما انتهوا إلى مرج سابغ «٥» ونزلوا به، وافتهم الأخبار أن طائفة من التتار أقبلت فى طلبهم، فركب أزلاغ شاه ومن معه ورحل والتتار
стр. 10511
فى طلبه إلى استوى «١» بلد خيوشان «٢» فأدركه التتار بقرية تسمى فرست «٣» ، فوقف لهم واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر لأزلاغ شاه عليهم، فسروا بذلك وظنوا أنه لم يكن من التتار بتلك الناحية غير هذه الطائفة التى انهزمت، واستقروا بتلك المنزلة، فلم يرعهم إلا وخيول التتار قد أحدقت بهم إحداق الأطواق بالأعناق فثوى اليسر عسرا وترادف النصر كسرا، فكانوا إن شاء الله كما قيل:
تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهى من سندس خضر
فاستشهد أزلاغ شاه وآق شاه ومن معهما وعاد التتار برأسيهما وقد نصبوهما على الرماح.
ذكر مسير جلال الدين من نيسابور الى غزنة
قال: وأقام جلال الدين بنيسابور شهرا يتابع الرسل إلى الجهات فى الاحتشاد والاستمداد، إلى أن علم التتارية فأسرعوا نحوه وأعجلوه عن مراده، فخرج من نيسابور فى من انضوى إليه من الخوارزمية، إلى أن وصل إلى القلعة القاهرة وهى التى بناها مؤيد الملك صاحب كرمان بزوزن، فهم أن يتحصن بها فبعث إليه عين الملك ختن مؤيد
стр. 10512
الملك- وهو مستحفظها- يحذره ذلك، ويقول: إن ملكا «١» لا يحسن به أن يتحصن بقلعة ولو بنيت على قرن الفرقد أو هامة الجوزاء بل أعلا وأبعد، وحصون الملوك متون الحصن، وما للضراغم وللمدن ولو تحصنت بالقلعة لأفنت التتار أعمارهم إلى أن ينالوا الغرض.
فأمر جلال الدين بإحضار ما فى القلعة من الذهب فأحضر، وفرق أكياسه على من صحبه من خواصه، وفارق القاهرة، وجد السير إلى تخوم بست، فأعلم أن جنكزخان مقيم بالطالقان «٢» بجيوش عظيمة، فتحير فى أمره لا يدرى ما يصنع. ثم خاطر بنفسه واستمر فى السير، فبلغه أن أمين ملك وهو ابن خالة متولى هراة ومقطعها بالقرب منه، وقد أخلى هراة ومعه زهاء عشرة آلاف فارس، والأتراك الذين سلموا من النكبة، فبعث جلال الدين إليه يعلمه بقربه ويحثه على سرعة الوصول إليه، فاجتمعوا واتفقا على كبس التتار الحاصرين قلعة قندهار «٣» فنهضا إليهم وأوقعا بهم فلم يسلم من التتار إلا من وصل بخبرهم إلى جنكزخان وهم نفر يسير، فأخبروه بما تم على عسكره، فغضب لذلك. وساق جلال الدين حتى أتى غزنة وكان بها كربر ملك ينوب عنه منذ جعلها والده له كما قدمناه، وقد ضبطها. فوصل إليها جلال الدين فى سنة ثمانى عشرة
стр. 10513
وستماية، فسر الناس بوصوله واتصل به سيف الدين بغراق «١» الخلجى وأعظم ملك صاحب بلخ، ومظفر ملك صاحب الأيغانية والحسن قزلق وهم فى زهاء ثلاثين ألف فارس ومعه عسكره وعسكر أمين ملك مثلها.
ذكر الحرب بين جلال الدين وتولى خان بن جنكزخان وانهزام التتار وقتل تولى خان
قال المنشى: ولما بلغ جنكزخان ما حل بعسكره بقندهار، جرد ابنه تولى خان فى عسكر كثيف، فاستقبله جلال الدين بنية فى الجهاد قوية وهمة فى الإسلام أبية. فلما تراءى الجمعان حمل بنفسه على قلب تولى خان، فبدد نظامه ونثر تحت قوائم الخيل أعلامه وألجأه فى الانهزام وإسلام المقام، وتحكمت فيهم سيوف الانتقام وقتل تولى خان «٢» فيمن قتل، وكثر الأسر فى التتار حتى كان الفراشون يحضرون أساراهم إلى بين يديه فيدقون الأوتاد فى آذانهم تشفيا بهم، وكانت شرذمة من التتار قد حاصرت قلعة ولخ وضايقتها فلما بلغهم ما حل بأولئك رجعوا عنها.
стр. 10514
ذكر الحرب بين جلال الدين وجنكزخان وانهزام جلال الدين
قال: ولما عاد من سلم من المعركة إلى جنكزخان قام بنفسه وعساكره لقصد حرب جلال الدين. واتفق أن العساكر الخلجية فارقوا جلال الدين فى ذلك الوقت صحبة سيف الدين بغراق وأعظم ملك ومظفر ملك.
وسبب ذلك أنهم لما كسروا التتار زاحمهم الأتراك فيما أفاء الله عليهم من الغنائم، فاتفق أن بعض الأتراك الأرمينية نازع أعظم ملك فى فرس من خيل التتار. وطال بينهما التنازع فضربه التركى بمقرعة، فاشمأزت لذلك نفوسهم ونفرت قلوبهم وفارقوا جلال الدين، واجتهد على ردهم فأبوا ذلك. ولما بلغه أن جنكزخان قد قاربه بجيوشه علم أنه لا طاقة له بملاقاته بعد مفارقة هذه الجيوش له، فرأى أن يتأخر إلى حافة ماء السند ثم يستأنف مكاتبة من فارقه، فإن رجعوا إليه لقى جنكزخان بهم وبمن معه من الأتراك. فعاجله جنكزخان عن إمضاء ما دبره؛ وكان جلال الدين قد أصابه قولنج شديد عند خروجه من غزنة ولم ير مع ذلك الجلوس فى المحفة، وركب الفرس تجلدا، فمن الله عليه بالعافية، فورد عليه الخبر أن مقدمة جنكزخان نزلت بجردين فركب ليلا وكبس المقدمة فقتلهم ولم يفته إلا من نجا به فرسه. فلما بلغ جنكزخان هذا الخبر هاله، وجاء جلال الدين إلى حافّة ماء السند، وصاق عليه الوقت عما كان يثق به من جمع المراكب واسترجاع الكتايب، ووصل مركب واحد فأمر بتعبير والدته وحرمه ومن ضمته الدور وحجبته الستور، فانكسر المركب قبل عبورهم.
стр. 10515
ووصل جنكزخان فلقبه جلال الدين واقتتلوا قتالا شديدا فحمل جلال الدين بنفسه على قلب جنكزخان فمزقه، وانهزم جنكزخان وكادت الدائرة تكون عليهم، لولا أن جنكزخان كان قد كمن كمينا فيه عشرة آلاف فارس فخرجوا على ميمنة جلال الدين- وفيها أمين ملك- فكسروها وطرحوها على القلب، فتبدد نظامه، وتزعزعت عن الثبات أقدامه، وانجلت المعركة عن قتلى مصرعين فى الدماء، وغرقى غاطسين فى الماء، فكان الرجل يأتى إلى الماء يهوى بنفسه فى تياره وهو يعلم أنه غريق لا محالة. وأسر ولد جلال الدين وهو ابن سبع أو ثمانى سنين فقتل بين يدى جنكزخان.
قال: ولما عاد جلال الدين إلى حافة ماء السند كثبرا رأى والدته أم ولده وجماعة من حرمه يصحن بأعلى أصواتهن: بالله عليك اقتلنا وخلصنا من الأسر، فأمر بهن فغرقن. فهذه من عجائب البلايا ونوادر المصايب والرزايا. وأما العساكر الخلجية المفارقة لجلال الدين فاستنزلهم جنكزخان بعد فراغه من جلال الدين من عصم الجبال والحصون، وقتلهم أجمعين.
ذكر حال جلال الدين بعد عبوره ماء السند
قال: ولما وصل جلال الدين إلى حافة ماء السند اقتحم بفرسه ذلك الماء العظيم، فخلص إلى البر، وخلص معه أربعة آلاف رجل من عسكره حفاة عراة، وفيهم ثلثماية فارس كانوا قد تقدموا جلال الدين (ومعهم) من خواصه ثلاثة نفر وهم قلبرس بهادر وقابقح
стр. 10516
وسعد الدين على الشربدار «١» ، ورمى بهم الماء إلى جهة بعيدة عن القوم ولم يعلموا ما كان منه، فاتصل بهم فى اليوم الثانى.
قال: وكان فى الزردخانا «٢» الجلالية «٣» شخص يعرف بجمال الزراد، وقد انتبذ قبل الوقعة بما كان له من المال إلى بعض الجهات، فوصل إذ ذاك بمركب فيه ملبوس ومأكول، فوقع ذلك عند جلال الدين موقعا عظيما وولاه أستاذ داريته «٤» ، ولقبه اختيار الدين.
قال: ولما علم زانه شنزه صاحب جبل الجودى بما كان من أر جلال الدين وانهزامه، وأنه فى قلة من أصحابه، ركب فى ألف فارس وخمسة آلاف راجل. فقصد جلال الدين عبور الماء إلى جهة التتار ويختفى بمن يسلم معه فى الغياض ويعيشون «٥» بالغارات، لعلمه أن الجنود إن ظفروا به قتلوه وقتلوا من معه. فحين تواتروا على ذلك توجهت الرجالة لهذا القصد، وتأخر عنهم جلال الدين بمن معه من أصحاب الخيل على رسم الترك، فجاء زانه شنزه، ومعه
стр. 10517
أعيان أصحابه وخيالته. فلما رأى جلال الدين حمل عليه بمن معه، فلما قاربه رماه جلال الدين بسهم فى صدره فقتله وانهزم عسكره وتحمل جلال الدين فيما غنمه من خيله وعدته، وما أفاء الله عليه من أمواله وأسلحته.
قال: ولما سمع قمر الدين نائب قباجة بدبدبة وساقون، تقرب إلى جلال الدين بهدايا جليلة وألطاف، وفى جملتها الدهلين، فوقع ذلك من جلال الدين موقعا عظيما «١» .
ذكر ما كان بين جلال الدين وقباجة «٢» من وفاق وخلاف
قال: ثم بلغ جلال الدين أن بنت أمين ملك سلمت من الغرق إلى أوجاهى من مدن قباجة، فراسله جلال الدين يذكر أنها تمت له بقرابة، وأن نساءه غرقن وطلبها، فتقدم قباجة بتجهيزها إليه وجهز معها هدايا تليق بجلال الدين. فقبل جلال الدين ذلك منه وانتظم بينهما الصلح وأمنت البلاد إلى أن قضت الفرقة وتأكدت أسباب الوحشة وسبب ذلك أن شمس الملك شهاب الدين ألب، كان السلطان علاء الدين قد استوزره لجلال الدين، فرمته الوقعة إلى قباجة،
стр. 10518
فأمنه وآواه وأحسن إليه. واعتقد قباجة أن جلال الدين قتل، فاسترسل مع شمس الملك فى أمور كان الحزم يقضى إخفاءها عنه، فلما تحقق سلامة جلال الدين استوحش من شمس الملك وندم على ما كان قد أبداه له، ولما بلغ جلال الدين أن شمس الملك عنده استدعاه، فحمل قباجة التوهم منه على قتله فقتله، لما كان قد أودعه من أسرار خشى إذاعتها. ومن ذلك أن قرن خان بن أمين ملك كانت الوقعة طرحته إلى مدينة كلور «١» من مدن قباجة، فشرهت نفوس عامتها إلى سلبه، فقتل وحمل إلى قباجة من سلبه درة كانت فى أذنه فأخذها، فحقد جلال الدين ذلك عليه وأسره فى نفسه إلى أن اتصل بخدمته جماعة من الأمراء المفارقين لخدمة أخيه غياث الدين بمن معهم من العسكر، فقويت نفسه بهم وقصد مدينة كلور فحاصرها وداوم القتال والزحف بنفسه فأصابته نشابة فى يده، ولم يفتر فى القتال ليلا ولا نهارا حتى ملكها وملك مقاتلتها ثم رحل منها إلى قلعة برنوزج فحاصرها وباشر القتال بنفسه وأصابته هناك نشابة أخرى، فألحق برنوزج بأختها وتأكدت الوحشة بهذه الأسباب بينه وبين قباجة. ولما رأى قباجة أن بلاده تطوى شيئا فشيئا فزع إلى الاحتشاد، فركب فى زهاء عشرة آلاف فارس، وأنجده شمس الدين ايلتتمش «٢» ببعض عساكره، فعلم جلال الدين بخبره
стр. 10519
ونيته ليلا، وأحاط بعسكره فأعجلهم عن الركوب، فانهزم قباجة بنفسه ومن نجا به فرسه، وترك العسكر شاغرا بما فيه من الخيام والخزائن والعدد المتوفرة، فاحتوى جلال الدين على ذلك.
ذكر الحوادث بعد كسر جلال الدين قباجة وما جرى بينه وبين شمس الدين ايلتتمش
قال: لما كسر جلال الدين قباجة نزل على نهاوور «١» وكان بها ابن لقباجة «٢» وقد عصى على والده وتغلب عليها، فأقرها جلال الدين عليه على مال يحمله فى كل سنة ومال يعجله. ورحل صوب سيستان وبها فخر الدين السلارى واليا عليها من جهة قباجة، فتلقاه بالطاعة، وسلم إليه مفاتيحها، فجبى المال ثم رحل عنها صوب أوجا فحاصرها أياما، وقاتله أهلها فقتل من الفريقين خلق كثير، ثم صالحوه على مال حمل إليه. ورحل صوب خانسر «٣» وكان ملكها من أتباع شمس الدين فخرج طائعا للخدمة الجلالية. فألقى بها عصى القرار ليريح من معه، فأتاه الخبر أن إيلتتمش قاصده فى ثلاثين ألف فارس ومائة ألف راجل وثلثماية فيل، فخرج جلال الدين نحوه مجدا، وقدم أمامه جهان بهلوان أزبك باين- وهو من حماة الأبطال-
стр. 10520
فساق، وخالفه يزك شمس الدين، فتوسط أزبك عسكر شمس الدين فهجم على جماعة منهم، فقتل منهم وحضر إلى جلال الدين من أخبره بذلك الجمع الكثير ثم ورد عليه برسول إيلتتمش فى طلب الموادعة ويقول: «ليس بخفى علىّ ما وراءك من عدو الدين، وأنت سلطان المسلمين وابن سلطانهم، ولست استحل أن أكون عليك عونا، ولا يليق بمثلى أن يجرد السيف فى وجه مثلك، إلا لضرورة الدفع، وإن رأيت أن أزوجك ابنتى لتزول الوحشة وتتأكد الثقة بينى وبينك فافعل» .
فمال جلال الدين إلى ذلك وأصحب رسوله باثنين من أصحابه، يزيدك بهلوان وسنقرجق طايسى، فمضيا إليه وأقاما لديه وترادفت الأخبار على جلال الدين أن ايلتتمش وقباجة وسائر ملوك الهند قد تآمروا على أن بمسكوا على جلال الدين حافة ماء خجنير، فعظمت إذ ذاك بليته وفترت فى وجوه العزائم نيته، ورأى أن الزمان حزّب عليه أحزابا ومتى سد للحوادث بجهده بابا فتح عليه أبوابا، فاستشار نصحاءه فى ذلك، فأشار عليه الذين وردوا من العراق وهم الذين انفصلوا من أخيه غياث الدين أن يقصد العراق وينتزعه من يد أخيه، وأشار عليه جهان بهلوان أزبك باين بلزوم بلاد الهند خشية من جنكزخان واستضعافا لملوك الهند، فحمله شغفه بحب الممالك الموروثة والحكم فيها على قصد العراق، فاستناب جهان بهلوان على ما كان يملكه من بلاد الهند، والحسن قزلق على ما قد نجا من بلاد الغور وغزنة من صدمات التتار، فاستمر جهان بهلوان فيما ولاه إلى سنة
стр. 10521
سبع وعشرين وستماية، ثم طرد عنها ووصل إلى العراق على ما نذكره فى موضعه؛ واستمر قزلق إلى حين وفاته.
ذكر طلوع جلال الدين من الهند ووصوله الى كرمان وما جرى له من الحوادث الى أن ملك العراق
كان عوده من الهند فى سنة إحدى وعشرين وستماية. قال شهاب الدين محمد المنشى: قاسى جلال الدين ومن معه من رذايا الأرواح المتخلصة من مشتجر الرياح فى البوادى، القاطعة بين كرمان والهند، شدائد نستهم سائر الكرب، وأوردتهم بأجمعهم سواقى العطب. وقد أوعزتهم فى تلك القفار علالات الشفاه «١» ، وبلالات الأفواه، فضلا عن الأقوات، فكان الرجل يتنفس عند هبوب السموم كتنفس المحموم. قال: فتخلص إلى كرمان فى أربعة آلاف، فيهم ركّاب أبقار وحمر. وكان بها براق الحاجب ينوب عن أخيه غياث الدين بيرشاه. وبراق هذا كان حاحبا لكورخان ملك الخطايية، ورد رسولا على السلطان مبدأ المكاشفة بينهما، فمنعه أن يعود إلى مرسله رغبة فيه، ثم اتصل بخدمة غياث الدين.
فلما وصل جلال الدين أقام بكراشير «٢» - وهى دار المملكة- شهرا ثم أحس أن براقا قد أضمر الغدربه، فقصد جلال الدين
стр. 10522
القبض عليه واستشار فى ذلك، فأشار أورخان بالقبض عليه، وأن يواليه مملكة كرمان ويستظهر بها على غيرها من الممالك. وخالفه فى هذا الرأى شمس الملك على بن أبى القاسم المعروف بخواجه جهان، وقال: هذا أول من بذل الطاعة من نواب الأطراف، وولاة البلاد، وليس كل أحد يتحقق غدره ومكيدته، فمتى عوجل نفرت القلوب واشمأزت النفوس وتبدلت الأهواء، وتغيرت النيات والآراء.
فرحل جلال الدين إلى صوب شيراز، وورد عليه الأتابك علاء الدولة صاحب يزد، مذعنا بالطاعة، وقدم له تقادم كثيرة فكتب له توقيعا بتقرير بلاده عليه. وكان الأتابك سعد صاحب فارس قد استوحش من أخيه غياث الدين لإساءة سبقت، فرغب جلال الدين فى إصلاحه لنفسه، وسير الوزير شرف الملك إليه خاطبا ابنته، فأسرع إلى الإجابة والانقياد وزوجه ابنته وحملها إليه فاستظهر جلال الدين بمصاهرته ثم تقدم من شيراز إلى أصفهان، فخرج إليه القاضى ركن الدين مسعود بن صاعد بأحسن اللقاء، قال: ولما بلغ غياث الدين توسط جلال الدين فى بلاده، ركب إليه فى جموعه فى زهاء ثلاثين ألف فارس، فرجع جلال الدين حين سمع بقربه وقد أيس مما طمحت إليه نفسه، وسير إلى غياث الدين أدك أمير أخور؛ وكان من دهاة خواصه، يقول: «إن الذى قاسيته بعد السلطان من الشدايد الفادحة، لو عرضت على الجبال لأشفقن منها واستثقلتها فأبين أن يقبلنها، وحين ضاقت على الأرض بما رحبت، وانتفضت يدى عما ورثت وكسبت، وكنت قصدتك لأستريح عندك أياما وحيث علمت أن ليس عندك للضيف إلا ظبى
стр. 10523
السيف، ورجعت بظمأ من الشوق عن المناهل.» وسير إليه سلب تولى خان بن جنكزخان وفرسه وسيفه. فلما سمع غياث الدين الرسالة انصرف إلى الرى، وتفرقت عساكره فى المصايف.
قال: وكان جلال الدين سير صحبة رسوله عدة خواتيم، وأمره بإيصالها إلى جماعة من الأمراء علامات منه، يستميلهم ويمنيهم الإحسان، فمنهم من تناول الخاتم وسكت وأجاب إلى الانقطاع إليه أو التقاعد عن نصرة غياث الدين، ومنهم من سارع إلى غياث الدين فناوله الخاتم، فعند ذلك أمر بالقبض على الرسول المذكور والاحتياط عليه. وبادر إلى خدمة جلال الدين، أبو بكر ملك- وهو من بنى أخواله- وذكر له أن القلوب مجتمعة على محبته، فركب جلال الدين فى ثلاثة آلاف ضعاف، وجد السير حتى وافى غياث الدين وأعجله عن التدبير. فلما أتاه النذير ركب فرس النوبة إلى قلعة سلوقان، ودخل جلال الدين خيمته وبها بكلواى والدة غياث الدين، فاستوفى لها أدب الخدمة، وشرط التعظيم والحرمة وأنكر انزعاج غياث الدين وإخلاءه «١» مكانه، وذكر لها إشفاقه عليه. فسيرت إليه من سكن روعته، فعاد إلى خدمة أخيه جلال الدين ونزل جلال الدين فى منزلة السلطان، وأتته الأمراء واستعفوا مما كان منهم، فأقبل عليهم وعاملهم بالإحسان. ثم جاءه من كان بخراسان والعراق ومازندران من المتغلبين. فمنهم من حسنت سيرته فى أيام الفتنة، فأقره وأعاده إلى مكانه، ومنهم من ساءت طريقته فأذيق
стр. 10524
وبال طغيانه، وتفرقت الوزراء والعمال فى الأطراف فضبطوها بتواقيع جلال الدين.
ذكر مسيره صوب خوزستان
ولما تمكن السلطان جلال الدين من أخيه غياث الدين، وصار معه كأحد أمرائه، توجه نحو خوزستان، وشتى بها، ووجه من هناك ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود العارض النسوى رسولا إلى الديوان العزيز. وكان من قبل ذلك قد جرد جهان بهلوان إيلجى برسم اليزك، فصادف المذكور عسكرا من عساكر الديوان وعربان خفاجة، فأوقع بهم وأخرق الهيبة، وهتك الحرمة، فعادوا إلى بغداد على وجه غير مرضى، وأحضرت طائفة منهم إلى المخيم الجلالى، فأطلقوا. ووصل ضياء الملك بعد الحادثة إلى بغداد فطال مقامه، وأرجف الناس به إلى أن ملك السلطان مراغة، فأذن له فى العود بوفور الحظ من الإنعام.
قال: ولما انجلى الشتاء رحل السلطان نحو أذربيجان، فلما أشرف على دقوقا صعد أهلها السور وشتموه، لما بلغهم من شنه الغارات على بلاد الديوان، فغاظه ذلك وأمر بالزحف عليها، فلم تكن إلا حملة واحدة حتى ملكوا البلد ووضعوا السيف فى أهلها.
ثم سار نحو أذربيجان. فلما حاذى جبال همذان أتاه إيغان طايسى «١» من أذربيجان، وانتظم فى الخدمة.
стр. 10525
ذكر ملكه أذربيجان ومراغة
قال: ولما انتظم أيغان طايسى فى الخدمة رحل السلطان صوب أذربيجان، فلما قاربها ورد على شرف الملك كتب من أهل مراغة، حاثين عزائم السلطان بالمسير إليها لضعف الأتابك صاحبها عن دفع الكرج. فساق إليها ودخلها من غير مدافع، وأقام بها أياما.
ووجه من هناك القاضى مجير الدين عمر بن أسعد الخوارزمى رسولا إلى ملك الروم وملك الشام ومصر بكتب تتضمن تملكه بلاد أذربيجان وقلعه ما تشبثت بها من أنياب الكرج، وإعلامهم أنه نوى أن يغزو الكرج.
ثم رحل من مراغة صوب أذربيجان، وهى أرض معشبة ذات مياه جارية، وقد خرب التتار مدينتها، فأقام بها أياما والناس يمتارون من تبريز وبها بنت طغرل بن أرسلان زوجة الأتابك أزبك، فلم يمنعوهم. وجاءه من أهل تبريز من أطمعه فى ملكها، فسار نحوها، وأحاط بها من كل جانب، فخرج إليه الرئيس نظام الدين ابن أخى شمس الدين الطغرائى، وكان متحكما فيها، يملك رقاب أهلها موالاة له ولأسلافه. وتقدم إلى الأمراء بترتيب آلات الحصار من المحانيق والذبابات والسلاليم، فأخذوا فى ترتيب ذلك. فلما كان بعد سبعة أيام خرج إليه رسول من جهة بنت السلطان طغرل فى طلب الأمان لها ولجواريها وخدمها، على أموالهم ودمائهم، وعلى أن تكون مدينة خوى مفردة باسمها. فأجاب إلى ذلك، وتسلم تبريز، وذلك فى سنة اثنتين وعشرين وستماية، وسير معها خادميه تاج الدين قليج وبدر الدين هلال، فأوصلاها إليها بمن معها من أتباعها. وولى السلطان رياسة تبريز للرئيس نظام الدين.
стр. 10526
ذكر كسر السلطان الكرج
قال: ولما ملك السلطان أذربيجان اجتمع الكرج بموضع يعرف بكربى- من حدود دوين «١» - فى ستين ألفا، وقد قلقوا لمجاورته، وقصدوا باجتماعهم أعلامه بما هم عليه من الكثرة والقوة، لعله يرغب فى مهادنتهم. فلما بلغ السلطان اجتماعهم توجه نحوهم فيمن حضر من عساكره، وقد كان أكثرهم تفرقوا إلى إقطاعاتهم بالعراق وغيره.
فحين وصل إلى شاطئ نهر أرس، «٢» وجد هناك أمراء الترك ومقدمهم جهان بهلوان ايلجى، فأعلموه بأن العدو بالقرب منهم، وأن فيهم كثرة، فكان جوابه عن ذلك عبوره إلى المخاضة بفرسه، وتبعته العساكر. فلما انتهى إلى كربى رأى الكرج وقد نزلوا على نشزعال، فلم يتقدموا، إليه وبات ليلته وعليه الحرس حتى الصباح، وقال لأصحابه: إن هؤلاء قصدهم المطاولة. وأمر بالحملة عليهم من كل جهة، فحملوا عليهم صاعدين إليهم، فبادرت ميسرة السلطان بالصعود، وفيهم غياث الدين أخوه وأورخان وأيغان طايسى وغيرهم، فحمل عليهم شلوة- وكان من فرسان الكرج المشهورين- والتقى
стр. 10527
الفريقان برأس الجبل، فولت الكرج، وقتل منهم زهاء أربعة آلاف، ووقف السلطان على التل، والكرج تساق إليه، وتبع المسلمون من انهزم من الكرج. قال المنشى: حكى شمس الدين القمى، وكان من حجاب الأتابك أزبك- قال: «أرسلنى صاحبى إلى الكرج أيام استيلائهم، فخاشننى شلوة فى الكلام، حتى قال وددت أن يكون على- يعنى ابن أبى طالب (رضى الله عنه «١» - باقيا فى زمانى، لأريه من سطوتى ما ينسى يومى بدر وحنين» فلما كان فى هذه الوقعة نزل إلى الأرض ولطخ وجهه بالدم، ونام بين القتلى. فحدث ابن داية غياث الدين وهو صبى به، فأخرجه وأحضره إلى السلطان مكتوفا فأمنه. قال: ووجه السلطان ملك الخواص تاج الدين قليج إلى تبريز بجماعة من أمرائهم الأسرى ورؤوس القتلى. وساق من المعركة إلى مدينة دوين فزحف عليها وافتتحها فى الوقت.
ذكر عوده من دوين الى تبريز وتركه الميمنة ببلاد الكرج
قال: لما حصل للسلطان ما ذكرناه من النصر والظفر والفتوح، بث غيارته إلى أخريات بلاد أبخاز وفى نفسه قصد تفليس، فورد عليه كتاب من شرف الملك بتبريز يذكر فيه أن شمس الدين الطغرائى وابن أخيه الرئيس نظام الدين قد تآمرا «٢» على الفتك به والعصيان
стр. 10528
على السلطان، وكان ذلك إفكا وزورا وكذبا، افتراه من كان يلوذ بشرف الملك من نوابه وخواصه. وذلك أن الطغرائى كان دينا، منصفا، حسن السيرة، ذابا عن الرعية، لا يمكن من الحيف عليهم، تارة بالشفاعة، وطورا بالتوبيخ والتشنيع؛ ونواب شرف الملك يكرهون ذلك. فلما وقف على الكتاب عزم على العود إلى تبريز، وأحضر أمراء الميمنة بباب سرادقه، وخرج إليهم بعض الحجاب، وقال: السلطان يقول لكم: «إنا قد تحققنا تقصيركم فى المصاف، واتفاقكم على أن تولوا وجوهكم إن حمل الكرج عليكم، وحيث وهب الله لنا النصر والظفر، فقد عفونا عنكم ما تحققناه، على أن تقيموا ببلادها فتقلبوها بغاراتكم ظهرا لبطن إلى أن تعود إليكم» .
فضمنوا له ذلك، وأقاموا ثلاثة أشهر يشنون عليها الغارات إلى أن أخلوها قتلا وسبيا، ورخصت المماليك الكرجية، حتى أن المملوك منها يباع بدينارين أو ثلاثة.
قال: ورجع السلطان إلى تبريز، وكان رجوعه فى شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وستماية، وأحضر شرف الملك إلى بين يديه من الأوباش من شهد على الطغرائى وابن أخيه بما كان أنهاه عنهما.
فأمر بالقبض عليهما. فأما الرئيس فقتل فى الوقت وترك بالشارع طريحا، وأما الطغرائى فحبس وصودر على ما ينيف على ماية ألف دينار كان الذى وصل منها إلى الخزانة السلطانية دون الثلاثين ألفا، ثم حمل من تبريز إلى مراغة محتاطا عليه. هذا وشرف الملك يعمل الحيلة
стр. 10529
على قتله حتى أخذ خاتم السلطان بذلك، وأراد الله تعالى إبقاءه «١» فضن «٢» النائب بمراغة بقتله، فأعانه بالخيل وهربا جميعا وسارا إلى أربل ومنها إلى بغداد. وحج فى سنة خمس وعشرين فلما ازدحم الناس حول الكعبة وقف تحت الميزاب وعلى رأسه مصحف، والحاج من الأقاليم وقوفا، والذى كان يتولى ركب السلطان فيهم، وقال:
«أيها الناس، قد أجمع المسلمون كافة أن ليس لله فى أرضه مقام «٣» أشرف من هذا المقام، ولا يوم «٤» أجل من هذا اليوم، ولا كتاب «٥» أعظم من هذا الكتاب، وأنا حالف بهذه الثلاثة أن الذى نسبنى إليه شرف الملك ما كان إلا إفكا مفترى» . وغلظ بما تغلظ به أيمان البيعة فى البراءة، وتفرق الناس إلى بلادهم وتحدث بذلك كل طائفة.
وتواترت به الأخبار على السلطان، فعلم عند ذلك براءته، وندم على فعله، وأمنه وأعاده إلى تبريز، ورد عليه أملاكه هذا ما كان من أمره.
قال: وأقام السلطان بتبريز، فصام بها شهر رمضان، وأمر بمنبر فوضع بدار السلطنة، ونص على ثلاثين من علماء الأطراف وفضلائها، وقد حضروا لحاجاتهم، فوعظ كل واحد منهم يوما والسلطان لجانب المنبر، فشكر منهم من وعظ وقال حقا، وذم من بالغ فى الإطراء.
стр. 10530
ذكر ملك السلطان كنجة وسائر بلاد أران
قال: ولما استقر السلطان بتبريز بعد انصرافه من الكرج، وجه أورخان فى رجالة إلى كنجة، فتسلمها وما يضاف إليها من الكور، مثل بيلقان «١» وبرذعة «٢» وسكور «٣» [وشيز] «٤» . فتمكن أورخان بكنجة.
ذكر نكاح السلطان بنت طغرل بن أرسلان
قال: وورد على السلطان نساء من قبل بنت طغرل بن أرسلان وهو بتبريز، يعلمن السلطان برغبتها فى أن يملكها، ويعلن أنها أثبتت بالشهود أنها مطلقة من زوجها الأتابك أزبك، فأجابها إلى ذلك وشهد لها أن زوجها حلف بطلاقها أن لا يغدر بفلان وغدر به، وحكم
стр. 10531
بذلك قاضى تبريز عز الدين القزوينى. فتزوج بها السلطان جلال الدين وسار بعد عقد النكاح إلى خوى ودخل بها، وزادها على خوى مدينتى سلماس وأرمية «١» باعمالهما. قال: وكان الأتابك بقلعة ألنجة من أعمال نخجوان «٢» يسمع باستيلاء السلطان على بلاده، فلم يزد على قوله: «إن الأرض لله يورثها من يشاء «٣» » ؛ فلما بلغه أمر النكاح وأنه برغبة الملكة، حم لوقته ومات بعد أيام.
ذكر عوده الى بلد الكرج وفتحه تفليس
قال: ثم سار السلطان بعد عيد الفطر من سنة اثنتين وعشرين وستماية إلى غزو الكرج فلما وصل إلى نهر أرس مرض مرضا شديدا تعذرت بسببه حركته، فشتا «٤» هنالك، وقاسى من معه من شدة الثلوج أمرا عظيما. فلما انكشف الشتاء، تقدم السلطان إلى مروج تفليس، وجر العساكر إليها متجردة عن أثقالها، فوجدها منيعة حصينة، قد بنى معظم سورها على الجبال والشقفان. فخرج عامة أهلها فتأخر الجيش حتى أبعدهم عن المدينة، وحملوا عليهم حملة
стр. 10532
كان فيها بوارهم، وسبقهم إلى الباب غياث الدين، فملكت المدينة، وتحكمت السيوف فى أهلها، وقتل من بها من الكرج والأرمن، وتحصن أجناد الكرج بالقلعة- وبينها وبين المدينة نهر عظيم لا يخاض-.
وكان بينهما جسران «١» من الخشب فأحرقا، فلم يبت السلطان حتى عبر النهر إلى صوب القلعة، وأمر بنصب آلات الحصار، فخرج رسول الكرج فى طلب الأمان، فأجاب [السلطان] «٢» إلى ذلك، وتسلمها بما فيها.
ذكر المصاف الكائن بينه وبين التتار بظاهر أصفهان
وفى سنة أربع وعشرين وستماية وردت الأخبار من خراسان بحركة التتار، وأنهم على عزم العبور، فجمع السلطان عساكره وتوجه إلى أصفهان، وجرد أربعة آلاف فارس صوب الرى ودامغان «٣» لليزك، فكانت الأخبار ترد من جهتهم يوما فيوما؛ والتتار يتقدمون واليزك يتأخر، إلى أن عادوا إلى السلطان. ونزل التتار شرقى أصفهان على مسيرة يوم بقرية تسمى السين «٤» وفيهم تاجن نوين «٥»
стр. 10533
وباناك نوين وباقو نوين وأسن طغان نوين وياتماس نوين وباشاور نوين وغيرهم. وكان المنجمون أشاروا على السلطان بمصابرتهم ثلاثة أيام والتقائهم فى اليوم الرابع، فتأخر عن الملتقى وظن التتار أن ذلك فشلا منه ووهنا، فجردوا ألفى فارس إلى جبال بلاد اللؤلؤ للإغارة.
فاختار السلطان من عسكره ثلاثة آلاف، فأخذوا عليهم المضايق وأوقعوا بهم، وأحضروا منهم إلى السلطان زهاء أربعماية أسير، فأمر بضرب أعناقهم. ثم خرج للقاء التتار فلما تراى الجمعان خذله غياث الدين وفارقه بعسكره وطائفة من عسكر السلطان مقدمهم جهان بهلوان أيلحى، فلم يعبأ السلطان بمفارقتهم، وصمم على لقاء التتار، فالتقوا واقتتلوا، وحملت ميمنة السلطان على ميسرة التتار فانهزموا وركبهم السيف إلى تخوم قاشان «١» ، وهم يظنون أن الميسرة فعلت بالميمنة كذلك.
وكان للتتار كمين «٢» ، فخرج وقد جنحت الشمس للغروب على ميسرة السلطان، فضربها على القلب، فثبت الأمراء والخانات أصحاب السلطان حتى قتلوا، ولم يسلم منهم إلا ثلاثة وهم كوج تكين بهلوان والحاجب الخاص خان بردى وأودك أمير أخور. وأسر علاء الدولة أباخان صاحب يزد، أخذه رجل من المرتدة، فأعطاه ما كان معه من المال، فأطلقه فوقع بالليل فى بئر فمات. ووقف السلطان فى القلب وقد أحاطت به التتار من كل جانب، ولم يبق
стр. 10534
معه الا أربعة عشر من خواص مماليكه، فالتفت فإذا هو بحامل [سنجقه] «١» قد ولى منهزما، فلحقه وطعنه فقتله، وحمل على التتار، فأفرجوا له ولخواصه، فخرج. قال: ثم تفرق القلب والميسرة وطرحتهم الجفلة إلى كرمان وأذربيجان، ومنهم من دخل إلى أصفهان. وعادت الميمنة بعد يومين من جهة قاشان، وظنوا أن السلطان بأصفهان، فلمّا تحققوا الحال تسحبوا.
قال: وخفى أمر السلطان ثمانية أيام، وكان المصاف فى الثانى والعشرين من شهر رمضان سنة خمس وعشرين وستماية. وكان الأتابك إيغان طايسى لم يخرج من أصفهان يوم المصاف لمرضه، فاتفق القاضى ومن تخلف بها من أرباب الدولة على أنهم إن صلوا العيد ولم يظهر السلطان أجلسوه على سرير الملك، فلما خرج الناس لصلاة العيد حضر السلطان إلى الصلاة، فسر الناس به وأقام بها عدة أيام إلى أن تجمع ما تشتت من عساكره المتفرقة.
وأما التتار فإن السيوف نالت منهم منالا عظيما، ولم يخلص منهم- مع انتصارهم- إلى ما وراء جيحون إلا قليل «٢» ؛ فإن السلطان لما تجمعت عساكره سار «٣» فى آثارهم إلى الرى. وحكى ابن الأثير فى تاريخه الكامل أن ابن جنكزخان أرسل إلى السلطان إثر هذه الوقعة يقول: إن هؤلاء ليسوا منا «٤» .
стр. 10535
ذكر ما آل اليه أمر غياث الدين
قال: وأما غياث الدين، فإنه لما فارق السلطان عند لقاء التتار، سار إلى خوزستان، وأرسل وزيره كريم الشرق إلى الديوان العزيز معلما بمفارقته لأخيه، ويذكر أنه قد جاور الممالك الديوانية زمانا بالعراق فأحسن الجوار، إلى أن حضر أخوه من الهند فشن الغارات عليها وقلبها بطنا لظهر وسأل أن يعان على استرجاع ما غصبه جلال الدين من ملكه، ويكون من جملة غلمان الديوان، فأعيد رسوله بوعد جميل، وأنعم عليه بثلاثين ألف دينار. ثم تسحب غياث الدين إلى ألموت لما بلغه ظهور السلطان.
قال: ولما وصل السلطان إلى الرى مقتفيا آثار التتار بعد الوقعة، ففرق عساكره بتخوم ألموت من حدود الرى إلى أبخاز «١» فصار علاء الدين صاحب ألموت كالمجنون، فراسل السلطان يلتمس الأمان لأخيه غياث الدين ليعود إلى الخدمة، فأجابه إلى ذلك وحلف له؛ وأصحب رسوله رسولين من عنده إلى غياث الدين وهما تاج الملك نجيب الدين يعقوب الخوارزمى وجمال الدين فرج الطشتدار. فلما وصلا إلى غياث الدين ندم على طلبه الأمان، وسأل صاحب ألموت أن يعينه بما يحمله هو ومن معه، فأعانه بثلاثمائة فرس أو أربعماية، فخرج ووقعت عليه طائفة من العساكر المركزة حول ألموت فلحقوه
стр. 10536
بحدود همذان وكادوا يمسكونه، ثم خلص منهم ونجا إلى كرمان- وبها الحاجب براق نائبه- فسار إليه طمعا فى وفائه. فأول ما اعتمده معه أنه تزوج بوالدته على كره منها ومنه. ثم ذكر بعد ذلك أنها قصدت أن تسقيه سما فقتلها وقتل معها الوزير كريم الشرق وجهان بهلوان إيلجى، وحبس غياث الدين ببعض القلاع، واختلفت الأقاويل فى عاقبة أمره، فقيل إن براقا قتله بعد حين وقيل إنه تخلص من الحبس إلى أصفهان وقتل فيها بأمر السلطان والله أعلم.
ذكر مسير السلطان الى خلاط ومحاصرتها
قال: وسار السلطان إلى خلاط وكان قدم العساكر والأثقال كلها، وتوجه هو جريدة فى ألف فارس صوب نخجوان وحث السير إلى ناحية بجنى «١» وكمن بها ليلا حتى إذا أصبحت رعية الكرج، وسرحوا بمواشيهم على عادتهم، ضرب عليها وساقها إلى نخجوان، فكان الثور الجيد يباع بدينار. وكان سبب مسيره إلى نخجوان رغبة صاحبتها فى الاتصال به، فتزوجها وأقام بها أياما، ثم سار حتى أتى خلاط، وقد سبقته العساكر إلى تخومها، وأقامت على مسيرة يوم منها. فلما وصل إليهم ورد عليه رسول من عز الدين أيبك نائب السلطان الملك الأشرف موسى بها، يذكر أن السلطان استنابه، وقبض على الحاجب لإساءته وتطرقه إلى بلاد السلطان
стр. 10537
جلال الدين وأنه من جملة نوابه، وبالغ فى الملاطفة. فأجابه السلطان عن ذلك بجواب مغالط، وقال: إن كنت تقصد رضاى فابعث إلى بالحاجب على. فلما عاد الرسول بهذا الجواب قتل الحاجب على، ورحل السلطان، ونزل على خلاط وحاصرها ونصب عليها اثنى عشر منحنيقا كانت العمالة منها ثمانية.
ذكر الحوادث فى مدة حصار خلاط
كان من ذلك وصول ركن الدين جهان شاه صاحب أرزن الروم، فتلقاه السلطان أحسن لقاء. وقدم المذكور إلى السلطان ما قيمته عشرة آلاف دينار، وخلع السلطان عليه وعلى أصحابه وأعاده إلى بلده. وأمره أن يجهز إليه ما يمكنه من آلات الحصار، فسير منجنيقا كبيرا وأتراسا ونشابا وغير ذلك.
ومنها أن خان سلطان أخت السلطان «١» التى كانت أسرت مع تركان خاتون، واستخصها دوشى خاتون بن جنكزخان لنفسه على ما قدمناه، وصل رسولها إلى السلطان بخاتم كان لإبنها أمارة، وهى تذكر أن الخاقان قد أمر بتعليم أولادها القرآن، «وقد بلغه أخبار شوكتك وعزم على مصاهرتك والمهادنة معك، على أن تشاطره الملك على نهر جيحون، فيكون لك ما دونه وله ما وراءه، فان كنت تجد من قوتك ما تقاومهم وتنتقم منهم فشأنك وما أردت،
стр. 10538
وإلا فاغتنم السلامة والمسالمة حال رغبتهم فيها.» فتشاغل عنها بخلاط ولم يعد عليها جوابا يقتضى الصلح.
ومنها ورود سعد الدين الحاجب رسولا من الديوان العزيز إلى السلطان يلتمس أشياء، منها أنه يستصحب معه رسولا من أجلاء أصحاب السلطان وخواص حضرته ليعود بالخلع؛ ومنها أن السلطان لا يحكم على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ومظفر الدين كوكبرى صاحب أربل وشهاب الدين سليمان شاه ملك الأبويه وعماد الدين بهلوان بن هزار سف ملك الجبال، بل يعدهم فى جملة أولياء الديوان وأتباعه وخدمه وأشياعه.
ومن جملتها أن السلطان علاء الدين لما رجع من جبال همذان ولم يتم له ما نواه من قصد بغداد، أسقط خطبة الخليفة بعامة ممالكه، واستمر الحال على ذلك. فلما خاطبه رسول الديوان فى ذلك أصدر تواقيعه إلى عامة بلاده بالخطبة لأمير المؤمنين المستنصر بالله أبى جعفر.
ذكر مسير رسول السلطان الى الديوان العزيز واجتماعه بالخليفة وما اتفق له وعوده بالخلع والتشاريف
قال شهاب الدين محمد المنشى وهو كاتب السلطان جلال الدين:
لما انقضت أشغال رسول الخليفة سعد الدين بن الحاجب أعاده السلطان وأصحبه الحاجب الخاص بدر الدين طولق. وكتب السلطان إلى أمير المؤمنين يسأله أن يحضر بين يدى المواقف الشريفة،
стр. 10539
تميزا له على سائر الملوك بمزيد الإكرام، فأجيب إلى ذلك. قال المنشى: حدثنى الحاجب الخاص قال: كان السلطان أمرنى أنى إذا حضرت إلى الديوان لا أقبل يد الوزير بدر الدين القمى «١» ، ولا أوفيه حق التعظيم لأمور كان ينقمها عليه، ففعلت ذلك امتثالا لما أمر. فلما مضت أيام فإذا بحراقة فى بعض العشيات وصلت إلى منزلى بحافة دجلة، ودخل على سعد الدين الحاجب، وقال:
استعد لخدمة أمير المؤمنين. فركبت الحراقة وركبها سعد الدين معى، فتكلم الملاح بكلمات غريبة لم أفهمها؛ فقفز سعد الدين من الحراقة إلى أخرى بجنبها وتركنى منفردا فيها، فسألته عن ذلك، فقال: ما كنت أعرف أن تلك من المراكب الخاصة، وقد سيروها لك تشريفا، فقمت وخدمته وشكرت ودعوت، وسقنا إلى أن وصلنا إلى باب كبير، فدخلت وتأخر سعد الدين ولم يتغير من هناك. فقلت: «لم لا تدخل؟» فقال: «وما منا إلا له مقام معلوم، ليس لى أن أتعدى هذا المقام» . وكان خلف الباب خادم، فأوصلنى إلى باب آخر وطرق الباب، ففتح فدخلت وإذا بخادم شيخ جالس على دكة وبين يديه مصحف وشمعة، فأجلسنى ورحب بى إلى أن جاء خادم آخر أبيض حسن الصورة فصافحنى ولاطفنى بالعجمى وأخذ بيدى وأوصانى بتعظيم المواقف الشريفة، وحسن الأدب وتقبيل الأرض حيث يشير إلى. فذكر ما اتفق له إلى أن انتهى إلى
стр. 10540
الستر والوزير قائم فأمر بالوقوف بالقرب من الوزير، ثم قال له أمير المؤمنين: كيف الجناب العالى الشاهنشاهى- وهكذا كان يخاطب فى الكتب- ثم وعده بمواعيد جميلة فى حق السلطان، وأنه يقدمه على سائر ملوك زمانه، وخلع عليه وأعيد؛ وأصحب بالأمير فلك الدين ابن سنقر الطويل وسعد الدين بن الحاجب، ومعهما خلعة للسلطنة؛ فوصلوا إلى خلاط فى فصل الشتاء، والسلطان يحاصرها.
قال: وكان الذى استصحبوه من الأنعام والخلع خلعتين للسلطان إحداهما حبة وعمامة وسيف هندى مرصع النجاد والثانية قباء وكمة وفرجية «١» وسيف قلاجورى محلى بالذهب معرقه الحياصة بالدنانير، وقلادة مرصعة يمنية، وفرسان بالساحات والسرفسارات والطوق أثقل ما يكون وأبهى، وثمان تطبيقات طبقت حوافرها عند التسليم وزن كل تطبيقة منها مائة دينار، وترس ذهب مرصع بنفائس الجواهر، وثلاثون فرسا من الخيل العربية مجللة بالأطلس الرومى مبطنة الجلال بالأطلس البغدادى وعلى رأس كل جنيب مقود من الحرير وقد ضرب عليه ستون دينارا خليفتية؛ وثلاثون أو عشرون مملوكا بالعدة والمركوب، وعشرة فهود بجلال الأطلس وقلائد الذهب، وعشرة صقور مكللة الكمام بصغار الحب، ومائة وخمسون بقجة فى كل واحدة عشرة ثياب وخمسة أكر من العنبر الأشهب مضلعة بالذهب، وشجرة عود طولها خمسة أذرع أو ستة تحمل بين يدى رجلين، وأربع عشرة خلعة برسم الخانات كلها بالخيل والساجات
следующие страницы →