Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10536–10575 · переход к 10541.
стр. 10536
بحدود همذان وكادوا يمسكونه، ثم خلص منهم ونجا إلى كرمان- وبها الحاجب براق نائبه- فسار إليه طمعا فى وفائه. فأول ما اعتمده معه أنه تزوج بوالدته على كره منها ومنه. ثم ذكر بعد ذلك أنها قصدت أن تسقيه سما فقتلها وقتل معها الوزير كريم الشرق وجهان بهلوان إيلجى، وحبس غياث الدين ببعض القلاع، واختلفت الأقاويل فى عاقبة أمره، فقيل إن براقا قتله بعد حين وقيل إنه تخلص من الحبس إلى أصفهان وقتل فيها بأمر السلطان والله أعلم.
ذكر مسير السلطان الى خلاط ومحاصرتها
قال: وسار السلطان إلى خلاط وكان قدم العساكر والأثقال كلها، وتوجه هو جريدة فى ألف فارس صوب نخجوان وحث السير إلى ناحية بجنى «١» وكمن بها ليلا حتى إذا أصبحت رعية الكرج، وسرحوا بمواشيهم على عادتهم، ضرب عليها وساقها إلى نخجوان، فكان الثور الجيد يباع بدينار. وكان سبب مسيره إلى نخجوان رغبة صاحبتها فى الاتصال به، فتزوجها وأقام بها أياما، ثم سار حتى أتى خلاط، وقد سبقته العساكر إلى تخومها، وأقامت على مسيرة يوم منها. فلما وصل إليهم ورد عليه رسول من عز الدين أيبك نائب السلطان الملك الأشرف موسى بها، يذكر أن السلطان استنابه، وقبض على الحاجب لإساءته وتطرقه إلى بلاد السلطان
стр. 10537
جلال الدين وأنه من جملة نوابه، وبالغ فى الملاطفة. فأجابه السلطان عن ذلك بجواب مغالط، وقال: إن كنت تقصد رضاى فابعث إلى بالحاجب على. فلما عاد الرسول بهذا الجواب قتل الحاجب على، ورحل السلطان، ونزل على خلاط وحاصرها ونصب عليها اثنى عشر منحنيقا كانت العمالة منها ثمانية.
ذكر الحوادث فى مدة حصار خلاط
كان من ذلك وصول ركن الدين جهان شاه صاحب أرزن الروم، فتلقاه السلطان أحسن لقاء. وقدم المذكور إلى السلطان ما قيمته عشرة آلاف دينار، وخلع السلطان عليه وعلى أصحابه وأعاده إلى بلده. وأمره أن يجهز إليه ما يمكنه من آلات الحصار، فسير منجنيقا كبيرا وأتراسا ونشابا وغير ذلك.
ومنها أن خان سلطان أخت السلطان «١» التى كانت أسرت مع تركان خاتون، واستخصها دوشى خاتون بن جنكزخان لنفسه على ما قدمناه، وصل رسولها إلى السلطان بخاتم كان لإبنها أمارة، وهى تذكر أن الخاقان قد أمر بتعليم أولادها القرآن، «وقد بلغه أخبار شوكتك وعزم على مصاهرتك والمهادنة معك، على أن تشاطره الملك على نهر جيحون، فيكون لك ما دونه وله ما وراءه، فان كنت تجد من قوتك ما تقاومهم وتنتقم منهم فشأنك وما أردت،
стр. 10538
وإلا فاغتنم السلامة والمسالمة حال رغبتهم فيها.» فتشاغل عنها بخلاط ولم يعد عليها جوابا يقتضى الصلح.
ومنها ورود سعد الدين الحاجب رسولا من الديوان العزيز إلى السلطان يلتمس أشياء، منها أنه يستصحب معه رسولا من أجلاء أصحاب السلطان وخواص حضرته ليعود بالخلع؛ ومنها أن السلطان لا يحكم على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ومظفر الدين كوكبرى صاحب أربل وشهاب الدين سليمان شاه ملك الأبويه وعماد الدين بهلوان بن هزار سف ملك الجبال، بل يعدهم فى جملة أولياء الديوان وأتباعه وخدمه وأشياعه.
ومن جملتها أن السلطان علاء الدين لما رجع من جبال همذان ولم يتم له ما نواه من قصد بغداد، أسقط خطبة الخليفة بعامة ممالكه، واستمر الحال على ذلك. فلما خاطبه رسول الديوان فى ذلك أصدر تواقيعه إلى عامة بلاده بالخطبة لأمير المؤمنين المستنصر بالله أبى جعفر.
ذكر مسير رسول السلطان الى الديوان العزيز واجتماعه بالخليفة وما اتفق له وعوده بالخلع والتشاريف
قال شهاب الدين محمد المنشى وهو كاتب السلطان جلال الدين:
لما انقضت أشغال رسول الخليفة سعد الدين بن الحاجب أعاده السلطان وأصحبه الحاجب الخاص بدر الدين طولق. وكتب السلطان إلى أمير المؤمنين يسأله أن يحضر بين يدى المواقف الشريفة،
стр. 10539
تميزا له على سائر الملوك بمزيد الإكرام، فأجيب إلى ذلك. قال المنشى: حدثنى الحاجب الخاص قال: كان السلطان أمرنى أنى إذا حضرت إلى الديوان لا أقبل يد الوزير بدر الدين القمى «١» ، ولا أوفيه حق التعظيم لأمور كان ينقمها عليه، ففعلت ذلك امتثالا لما أمر. فلما مضت أيام فإذا بحراقة فى بعض العشيات وصلت إلى منزلى بحافة دجلة، ودخل على سعد الدين الحاجب، وقال:
استعد لخدمة أمير المؤمنين. فركبت الحراقة وركبها سعد الدين معى، فتكلم الملاح بكلمات غريبة لم أفهمها؛ فقفز سعد الدين من الحراقة إلى أخرى بجنبها وتركنى منفردا فيها، فسألته عن ذلك، فقال: ما كنت أعرف أن تلك من المراكب الخاصة، وقد سيروها لك تشريفا، فقمت وخدمته وشكرت ودعوت، وسقنا إلى أن وصلنا إلى باب كبير، فدخلت وتأخر سعد الدين ولم يتغير من هناك. فقلت: «لم لا تدخل؟» فقال: «وما منا إلا له مقام معلوم، ليس لى أن أتعدى هذا المقام» . وكان خلف الباب خادم، فأوصلنى إلى باب آخر وطرق الباب، ففتح فدخلت وإذا بخادم شيخ جالس على دكة وبين يديه مصحف وشمعة، فأجلسنى ورحب بى إلى أن جاء خادم آخر أبيض حسن الصورة فصافحنى ولاطفنى بالعجمى وأخذ بيدى وأوصانى بتعظيم المواقف الشريفة، وحسن الأدب وتقبيل الأرض حيث يشير إلى. فذكر ما اتفق له إلى أن انتهى إلى
стр. 10540
الستر والوزير قائم فأمر بالوقوف بالقرب من الوزير، ثم قال له أمير المؤمنين: كيف الجناب العالى الشاهنشاهى- وهكذا كان يخاطب فى الكتب- ثم وعده بمواعيد جميلة فى حق السلطان، وأنه يقدمه على سائر ملوك زمانه، وخلع عليه وأعيد؛ وأصحب بالأمير فلك الدين ابن سنقر الطويل وسعد الدين بن الحاجب، ومعهما خلعة للسلطنة؛ فوصلوا إلى خلاط فى فصل الشتاء، والسلطان يحاصرها.
قال: وكان الذى استصحبوه من الأنعام والخلع خلعتين للسلطان إحداهما حبة وعمامة وسيف هندى مرصع النجاد والثانية قباء وكمة وفرجية «١» وسيف قلاجورى محلى بالذهب معرقه الحياصة بالدنانير، وقلادة مرصعة يمنية، وفرسان بالساحات والسرفسارات والطوق أثقل ما يكون وأبهى، وثمان تطبيقات طبقت حوافرها عند التسليم وزن كل تطبيقة منها مائة دينار، وترس ذهب مرصع بنفائس الجواهر، وثلاثون فرسا من الخيل العربية مجللة بالأطلس الرومى مبطنة الجلال بالأطلس البغدادى وعلى رأس كل جنيب مقود من الحرير وقد ضرب عليه ستون دينارا خليفتية؛ وثلاثون أو عشرون مملوكا بالعدة والمركوب، وعشرة فهود بجلال الأطلس وقلائد الذهب، وعشرة صقور مكللة الكمام بصغار الحب، ومائة وخمسون بقجة فى كل واحدة عشرة ثياب وخمسة أكر من العنبر الأشهب مضلعة بالذهب، وشجرة عود طولها خمسة أذرع أو ستة تحمل بين يدى رجلين، وأربع عشرة خلعة برسم الخانات كلها بالخيل والساجات
стр. 10541
والكرفسارات والطوق وحوائص الذهب والكنابيش؛ وثلاثمائة خلعة برسم الأمراء، كل خلعة قباء وكمة فحسب. وكانت خلعة شرف الملك الوزير عمامة سوداء وقباء وفرجية وسيفا «١» هنديا «٢» وأكرتين «٣» من العنبر وخمسين «٤» ثوبا وبغلة. وعشرون خلعة برسم أصحاب الديوان كل خلعة منها جبة وعمامة. قال المنشى:
وخصصت من سائر أرباب الديوان ببغلة شهباء جيدة وعشرين «٥» ثوبا أكثرها أطلس رومى وبغدادى.
قال: فلبس السلطان الخلع خلعة بعد أخرى فى نهار واحد ولبس الناس بعده. ثم خاطب رسولا الخليفة السلطان فى الشفاعة فى أمر خلاط وترك الحصار فلم يرد عليهما جواب شفاعتهما. ثم بعث إليهما بعد عودهما إلى منازلهما معاتبا، وقال: قد بلغتمانى عن أمير المؤمنين أنه يريد إعلاء أمرى وتعظيم شأنى وتحكيمى على ملوك الزمان ثم تشيران على بإزالة الحصار بعد أن آن الفتح؟ وهذا ينافى ما ذكرتما، فاعتذرا، وقالا: «إنما قلنا ذلك شفقة، وخشينا أن يطول الحصار، ولا تتمكن منها فترجع عنها، فيكون ذلك بوساطتنا أسلم من مطاعن المستعجزين» فقبل عذرهما، واستمر الحصار. وكان أهل خلاط قد كفوا عن الشتم فى أيام حضور رسل الخلافة فلما تحققوا أنهم ما شفعوا عادوا إلى عادتهم فى السب
стр. 10542
والشتم. ثم وردت عليه رسل الملوك، كالملك المسعود صاحب آمد والملك المنصور صاحب ماردين يبذلان الطاعة، فكتب إليهما بالخطبة له فى بلادهما.
ومما اتفق له أن امرأة عجوزا أتته وهى من دهاة الأرض تتكلم بثلاث لغات: الفارسية والتركية والأرمينية، وكان مضمون رسالتها أن ركن الدين العجمى- وهو من ذوى الحظ عند الملك الأشرف- استدعى من السلطان خمسة آلاف دينار يفرقها فى الأجناد بخلاط فتجلب أهواءهم وتسلم للسلطان خلاط. قدفع السلطان لها ألف دينار وقال: إذا ثبت صدقك وعدت برسالة ثانية كملت لك المال، وكانت الرسالة غير صحيحة، فشاع الخبر فى العسكر حتى بلغ عز الدين أيبك فقتل ركن الدين، ثم ظفر السلطان بالعجوز بعد فتح خلاط واستعاد الذهب منها وقد صرفت منه ثلثماية دينار، وأمر بقتلها فقتلت.
ذكر ملكه مدينة خلاط
قال: وملك السلطان جلال الدين خلاط فى آواخر سنة ست وعشرين وستماية وقيل إنه حاصرها فى أوائل سنة ست وعشرين وملكها يوم الأحد لئلاث بقين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين قال: ولما طالت مدة الحصار وعدمت الأقوات حتى أكل الناس الكلاب والسنانير، أدلى الأمير إسمعيل الإيوانى بعض أصحابه ليلا من السور؛ فحضر إلى السلطان وأعلمه أن اسمعيل يلتمس
стр. 10543
من السلطان أن يعين له أقطاعا بأذربيجان ليسلم المدينة، فأقطعه السلطان سلماس وعدة ضياع بأذربيجان، وحلف له على تقريرها بيده، ولبس الناس لامة حربهم وأدلى إسمعيل الحبال ليلا، فطلعت أعلام السلطان مع رجاله، واستعد الناس للزحف. فلما أصبحوا زحفوا على الثلمة فقاتل من بخلاط من بقايا الأجناد القيمرية «١» قتالا شديدا، ثم نظروا إلى الأبراج وإذا أكثرها قد مليت بالرجال والأعلام السلطانية فزحف عليهم من بالأبراج فولوا منهزمين، وأسرت الأمراء القيمرية والأسد بن عبد الله وغيرهم، وتحصن عز الدين أيبك ومجير الدين وتقى الدين ابنا الملك العادل بن أبى بكر ابن أيوب بالقلعة. وأراد السلطان أن يحمى خلاط من النهب فغلبوا على رأيه فيها، فأباحها ثلاثة أيام، ومات جماعة كثيرة من أهلها بالعقوبات فى طلب الأموال. ثم نزل تقى الدين وناصر الدين القيمرى وطلبا الأمان لعز الدين أيبك، فأمنه. ونزل إليه هو ومجير الدين ثم قبض السلطان بعد ذلك على عز الدين وحبسه وترددت رسل الملك الأشرف فى الصلح فأمر السلطان بقتل عز الدين أيبك فى محبسه فقتل. قال: ولما ملك السلطان خلاط أمر بعمارة ما هدمته المجانيق منها فعمر وأقطع كورها للخانات والأمراء، ثم وردت رسل الديوان بالشفاعة فى تقى الدين ومجير الدين، فسلم السلطان تقى الدين خاصّة.
стр. 10544
ذكر مسيره الى بلد الروم وانهزامه من عسكرى الشام والروم
قال: ولما ملك السلطان خلاط سار منها إلى منازجرد «١» ليرتب الحصار، فوصل إليه ركن الدين جهان شاه بن طغرل صاحب أرزن الروم نائبا، وأعلم السلطان باتفاق ملوك الشام والروم عليه وقال: «إن الرأى أن تبادرهم قبل أن يجتمعوا» فصوب السلطان رأيه، وعرف نصيحته، فاتفقا على أن يقيما بخرت برت «٢» وينظرا حركة العساكر، فأيهما تحرك أولا ساقا إليه قبل اتصاله بصاحبه.
فلما وصل السلطان إلى خرت برت مرض مرضا شديدا يئس منه من الحياة، وتواترت كتب ركن الدين صاحب أرزن الروم يحرضه على الحركة، ويعلمه بحركة العسكر، والسلطان فى شغل بنفسه عن قراءتها. فحين خف عنه المرض ركب بعد اجتماعهما، وكان قد أذن لبعض العساكر الأرانية والأذربيجانية والعراقية والمازدندانية فى العود إلى أوطانهم، ولم يستحضرهم وسار، وجرد أمامه أوترخان فى ألفى فارس برسم اليزك. ثم التقى الجمعان بعد ذلك واقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الهزيمة على أصحاب السلطان،
стр. 10545
وأسر ألغ خان وأطلس ملك وعدة من المفاردة «١» ؛ فأمر صاحب الروم بضرب أعناقهم. وأسر ركن الدين صاحب أرزن الروم على ما ذكرناه فى أخبار السلجقية ملوك الروم.
قال: وسار السلطان جلال الدين إلى أن وصل إلى منازجرد، فوجد وزيره شرف الملك قد ضايقها ونصب عليها عدة من المجانيق وأشرف على فتحها، فاستصحبه معه إلى خلاط، فلما وافاها حمل ما أمكنه من الخزائن، وأحرق البقية لقلة الظهر وضيق الوقت وفارقها إلى أذربيجان. فلما وصل إلى سكماناباذ، خلف شرف الملك ومن كان معه من العراقيين هناك برسم اليزك، وأقام بخوى. وأما أصحاب السلطان الذين كانوا بزكا، فإن الهزيمة استمرت بهم إلى موقان «٢» . قال: ولما بلغ الملك الأشرف أن شرف الملك هو المقيم بسكماناباذ راسله فى طلب الصلح، وقال: إن سلطانك هو سلطان الإسلام والمسلمين وسيدهم، والحجاب دونهم ودون التتار؛ وغير خاف علينا ماتم على حوزة الإسلام وبيضة الدين بموت والده، ونحن نعلم أن ضعفه ضعف الإسلام. وطلب منه أن يرغبه فى الألفة وضمن له من علاء الدين كيقباذ والملك الكامل أخيه، والقيام بما يزيل عارض الوحشة؛ فركن السلطان إلى ذلك، وترددت الرسائل إلى أن تم الصلح.
стр. 10546
ذكر وصول مقدمة التتار الى تخوم أذربيجان ورحيل السلطان من تبريز الى موقان
قال: كان السلطان قد جرد يرغو أحد بهلوانيته «١» ليكشف بالعراق أخبار التتار فلما وصل إلى مرج شروان «٢» بين زنجان «٣» وأبهر صادق «٤» يزك التتار، وكان معه من أصحابه أربعة عشر نفسا فلم ينج منهم غيره، فرجع إلى تبريز بالخبر المزعج. فرحل السلطان من تبريز إلى موقان، اذ كانت عساكره بها متفرقة فى مشاتيها، فأعجلته الحادثة قبل أن ينظر فى أمر حرمه فيسيرها إلى قلعة حصينة من حصونه، فخلفها بتبريز، وسار فيمن معه من خواصه متوجها إلى موقان، حاثا فى السير ليجمع بها متفرق عساكره. فوصلها فوجد عساكره متفرقة، منهم من أقام بها ومنهم من توجه ليشتى بشروان، ومنهم من امتد إلى المكتور «٥» .
فوجه إليهم البهلوانية بقداح كانت علامات الاستقرار والاستحضار وقد هجم التتار عليهم قبل اجتماعهم وانتقض هذا النظام.
стр. 10547
ذكر كبسة التتار السلطان وهو بحد (شيركبوت)
قال: لما انفصلت البهلوانية لجمع العساكر اشتغل السلطان بالصيد وهو فى قلّ من العدد زهاء ألف فارس من خواصه، فترك ليلة بقرب شيركبوت، وهى قلعة مبنية على تل بموقان، يحيط بها خندق بعيد القعر، متصل متسع العرض، ينبع الماء منه فيفيض فيسقى البلد. فبينما هو بتلك المنزلة كبسه التتار ليلا فانهزم وساقوا فى أثره. فلما وصل إلى نهر آرس أوهم التتار أن قطع النهر صوب كنجة وعطف إلى أذربيجان، فأقام بماهان «١» ، وهى فضاء كثيرة الصيد فشتا «٢» بها. وكان عز الدين صاحب قلعة شاهق يبعث إلى السلطان ما يحتاج إليه من المأكل وغيره فى المراكب. وقد كان قبل ذلك يجاهره بالعداوة، فرضى عنه السلطان كل الرّضى، وكان عز الدين يعلم بأخبار التتار فلما انقضى الشتاء أخبره أن التتار قد ركبوا من أوجان «٣» لقصده، وأنهم تحققوا مكانه؛ وأشار إليه بالعود إلى أران فرحل صوبها.
стр. 10548
ذكر القبض على شرف الملك وزير السلطان وقتله
قال المنشى: لما نبت الجفلة بالسلطان شرع شرف الملك فى تمهيد القواعد لنفسه، وكاتب الملك الأشرف وغيره من الملوك، وذكر رجوعه عن السلطان، ونعت جلال الدين بالمخذول، وكتب إلى نواب الأطراف فى ذلك وذكره فى كتبه إليهم بالظالم المخذول؛ وصدر منه من الأفعال ما يناسب ذلك، فظفر السلطان بشيئ من هذه الكتب وكتمها؛ لكنه كان يكتب إلى نواب الأطراف يحذرهم منه ومن امتثال أمره، ويغض منه فى كتبه. وكان شرف الملك قد استقر بقلعة حيزان «١» وعمرها وصادر أصحاب السلطان، وجاهر بالعداوة، فلما رجع السلطان من ماهان وقارب حيزان، راسله فى النزول إليها وتغافل عن جميع ما صدر منه، وأوهمه أنه باق على ما عهده. ونزل شرف الملك إليه فأكرمه بما لم يكن يعامله به قبل ذلك، فإنه أحضره فى مجلس شرابه وشرب معه، ولم تكن هذه عادتهم مع وزرائهم، فسر شرف الملك بذلك وظن أنه زاده تقريبا وتعظيما.
قال: وسار السلطان حتى قارب قلعة جاريبرد- وهى من مضافات أران- وعزم على أن يحبس شرف الملك بها، فركب إليها وصعد
стр. 10549
لكشفها، وصعد شرف الملك معه، فأمر السلطان واليها سرا- واسمه سملان سلك بك وهو شيخ تركى ظالم شرير- أنه إذا نزل يمنع شرف الملك من النزول ويحبسه بالقلعة ويقيده. وكان يخشى منه أنه يفارقه إلى بعض الجهات فيثير فتنة، وعزم على حبسه إلى أن تخمد فتنة التتار، ثم يخرجه ويعيده إلى الوزارة من غير تقرير عشر البلاد، بل يقرر باسمه فى كل شهر ألف دينار أسوة بوزير الخليفة، ولا يطلق يده فى الإطلاقات، فحبس شرف الملك بالقلعة، ونزل إلى متولى القلعة بعد حبسه بأيام وقد جلس السلطان للمظالم، فكثرت الشكوى فى متولى القلعة والسلطان لا يجيب فى أمره بشيئ تألفا له. فخاف المتولى أن السلطان يعزله، فاتفق مع شرف الملك.
وكان السلطان لما اعتقل شرف الملك ضم مماليكه الذين أمّرهم إلى أوترخان وكان كبيرهم ناصر الدين قشتمر، فدخل يوما على أوترخان بخاتم شرف الملك وقال إن متولى القلعة سيره إليه يقول: إننى قد واطأت صاحبك على إطلاقه، وأننا نصالح الكرج، فمن رغب منكم فى خدمته فليأت القلعة. فلما سمع السلطان بذلك سقط فى يده وفت فى عضده. وكان ابن المتولى فى جملة بهلوانية السلطان وجماقداريته، فبعثه إلى أبيه يقبح عليه فعله ويذكره بإحسانه إليه وأنه ليس لجنايته موجب. فرجع الغلام وأخبر السلطان عن أبيه.
أنه على الطاعة إن وثق من السلطان أنه لا يعزله. فقال السلطان مصداق هذا القول أنه يبعث إليه برأس شرف الملك. ووجه صحبة ابن المتولى خمسة من السلحدارية. قال: فلما دخلوا عليه وعلم مقصدهم استمهلهم ريثما يتوضأ ويصلى ركعتين. فلما فرغ من صلاته أذن لهم فى
стр. 10550
الدخول. فقالوا له: ماذا تختار: الخنق أم السيف؟ فاختار السيف فقالوا: إن الملوك لا تقتل بالسيف، والخنق أهون عليك، فقال: شأنكم وما تريدون. فخنقوه وخرجوا من عنده حتى يبرد ثم يدخلوا عليه فيقطعوا رأسه. فلما دخلوا عليه وجدوه قد أفاق وجلس، فضربوا عنقه. هذا ما نقله شهاب الدين المنشى فى سبب قتله.
وقال غيره من المؤرخين: إن سبب خلاف شرف الملك على السلطان وانضمام الناس إليه أن جلال الدين ظهر منه فى هذه السنة- وهى سنة ثمان وعشرين وستمائة- نقائص وأمور دلت على نقص عقله، وأوجبت انحراف وزيره وعساكره عنه. فمنها أنه كان له خادم خصى يسمى قلج، وكان جلال الدين يحبه، فمات فأظهر عليه من الهلع والجزع ما لم يسمع بمثله، ولا نقل عن مجنون ليلى ولا غيره من جهال العرب، الذين ضرب بهم المثل، وأمر الجند والأمراء أن يمشوا فى جنازته رجّاله. وكان موته بموضع بينه وبين تبريز عدة فراسخ فمشى الناس كما أمرهم، ومشى هو بعض الطريق راجلا، فألزمه وزيره وأمراؤه بالركوب، وأرسل إلى أهل تبريز أن يتلقوا الجنازة فتلقوها، فأنكر عليهم لتأخرهم وكونهم ما تقدموا الموضع الذى لقوها فيه، وكونهم لم يظهروا من الحزن والبكاء أكثر مما أظهروا، وقصد معاقبتهم على ذلك، فشفع فيهم الأمراء فتركهم ولم يدفن الخادم، وكان يستصحبه معه أين سار وهو يلطم ويبكى، وامتنع من الأكل والشرب. وكان إذا اقدم له طعام يقول: احملوا من هذا إلى قلج، فيحملونه ويعودون فيقولون: هو يقبل الأرض ويقول: إننى الآن أصلح مما كنت، ولا يتجاسر أحد يقول: إنه مات،
стр. 10551
فإنه قيل له مرة إنه مات فقتل القائل. فحصل لأمرائه من الغيظ والأنفة ما حملهم على الخروج عن طاعته والانحياز عنه والانضمام إلى وزيره؛ فكان ذلك سبب خروجه.
ذكر رحيل السلطان صوب كنجة وتملكها ثانيا
قال: كان أوباش كنجة قد قتلوا من بها من الخوارزمية وتجاهروا بالفساد، وملك زمام أمرهم رجل يعرف ببندار وأطاعه الأوباش فبسط يده فى المصادرات، واقتصرت أذيته على من لم يدخل معه فى العتو. فوجه السلطان إليه يدعوه إلى الطاعة، ويحذره ويحذرهما من المخالفة، فلم يجيبوا إلى ذلك. فسار السلطان إليها، ونزل ببعض بساتينها، وترددت الرسائل فى بذل الأمان والوعد بالعفو، فلم يجيبوا إلى ذلك، وخرجوا للحرب، ورموا خيمة السلطان بالسهام ووصلوا إلى حائط البستان. فركب فيمن حضر من خواصه، وأوقع بهم، وسار حتى دخل المدينة. وأقام بكنجة سبعة عشر يوما ينتظر ما يسوغه التدبير، ثم أجمع على الاستنجاد بالملك الأشرف موسى على التتار، وكان جماعة من الجبناء يسيرون عليه بذلك وهو يخالفهم باطنا ويوافقهم ظاهرا. فسار إلى خلاط من طريق كيلكون، والغارات تنقلب بلاد الكرج بطنا لظهر، والسلطان يتابع رسله إلى الملك الأشرف يستنجد به. ولما بلغ الملك الأشرف توجه الرسل إليه يستمدونه، توجه إلى مصر واجتمع رسل السلطان بدمشق، والكتب ترد عليهم من الملك الأشرف بأننا واصلون من مصر لإنجاد السلطان.
стр. 10552
مواعيد كما لاح سراب المهمه القفر ... فمن يوم إلى يوم ومن شهر إلى شهر
ثم وردت عليه كتب رسله يؤيسونه من إنجاد الملك الأشرف، فبعث إلى الملك المظفر شهاب الدين غازى ابن الملك العادل أبى بكر يستصرخه بنفسه، ومن عنده ومن حوله من الملوك، مثل صاحب آمد وماردين. فأجاب الملك المظفر أنه غير مستقل بالأمر وإنما هو ينوب عن إخوته. وأما صاحب آمد وماردين فلم يسمعا الرسالة.
ذكر نزول السلطان بلد آمد وكبس التتار له وما كان من أمره
قال: لما آيس السلطان جلال الدين من إنجاد الملوك أحضر أمراءه واتفقوا على أن يتركوا أثقالهم بديار بكر، ويتجردوا «١» خفافا بمن يعز عليهم من نسائهم وأولادهم إلى أصفهان. فورد علم الدين سنجر- المعروف بقصب السكر- رسول الملك المسعود صاحب آمد رسالة تشتمل على الطاعة والخدمة، ويزين للسلطان قصد الروم، وأطمعه فى الاستيلاء عليها وعدم من ينازعه، ووعد السلطان أن يخرج بنفسه وأربعة آلاف فارس ولا يفارق خدمته. وكان سبب ذلك أن صاحب الروم قد أوغر صدر الملك المسعود صاحب آمد، واستولى على عدة من قلاعه. فمال السلطان إلى كلامه، وعدل عما كان قد عزم عليه من المسير إلى أصفهان، وعطف صوب بلد آمد،
стр. 10553
ونزل الجسر بقربها. قال: وشرب تلك الليلة حتى سكر، فأتاه وهنا من الليل شخص تركمانى وقال: «إننى رأيت فى منزلتك التى كنت بها أمس عسكرا قد نزلها غير ذى عسكرك بخيل أكثرها شهب.»
فكذبوه، وقالوا: هذه حيلة. فلما كان قبيل الفجر، أحاط التتار به وبمن معه، فكانوا كما قيل:
فمساهم وبسطهم حرير ... وصبحهم وبسطهم تراب
ومن فى كفه منهم قناة ... كمن فى كفه منهم خضاب
قال: وأحاط التتار بخركاة «١» السلطان وهو نائم فى سكره، وإذا بأورخان قد وصل بأصحابه، وحمل على التتار حتى كشفهم عن الخركاة، ودخل بعض الخواص فأخذ بيد السلطان وأخرجه من الخركاة وعليه طاقية بيضاء. فركب فرسه ولم يذكر فى ذلك الوقت إلا الملكة ابنة الأتابك سعد، فجهز فى خدمتها من يسوق بها إلى حيث ترميهم الجفلة، وساق وأطلاب التتار تتبعه مجدة فى السير خلفه فلما رأى ذلك، أمر أورخان أن يفارقه بمن معه من العسكر ليتبع التتار سواده، ويخلص هو بمفرده، ففعل ذلك.
قال المنشى: ولقد أخطأ، فإن أورخان لما فارقه انضوى إليه خلق كثير، ووصل إلى أربل ومعه أربعة آلاف فارس، وساق إلى أصفهان وملكها زمنا إلى أن قصدها التتار. وأما السلطان فساق بعد فراقه لأورخان إلى أن وصل إلى باشورة آمد، فرموه بالحجارة
стр. 10554
ومنعوه الدخول، فتيا سر عنها، وانضم إليه تقدير مائه فارس، فرمته الجفلة بهم إلى حدود جزيرة، وبها الدربندات المنيعة، فمنعوه من العبور، فأشار عليه أوترخان بالعود، وقال: إن أسلم الطّرق اليوم طريق سلكه التتار، فرجع ووصل إلى قرية من قرى ميافارقين ونزل ببيدرها وسيب الخيل لتستوفى شبعها، ثم ركب أوترخان وفارقه فى ذلك الوقت جبنا منه وخورا، ووثوقا بما كان بينه وبين الملك المظفر شهاب الدين غازى من المكاتبات، وأقام السلطان بالبيدر طول ليلته، فلما أصبح طلع عليه طائفة من التتار فركب وعوجل أكثر من معه عن الركوب فقتل بعضهم وأسر بعضهم. (والله أعلم)
ذكر مقتل السلطان جلال الدين وانقراض الدولة الخوارزمية
كان مقتله ﵀ فى النصف من شوال سنة ثمان وعشرين وستمائة وذلك أنه لما كبسه التتار بالبيدر وركب، أخبرهم من أسر من رفاقه أن الذى انهزم هو السلطان، فجدوا فى طلبه وساق خلفه منهم خمسة عشر فارسا، فلحقه منهم فارسان فقتلهما، ويئس الباقون من الظفر به فرجعوا، ثم صعد جلال الدين إلى جبل. وكان الأكراد يحفظون الطرق لما يتخطفونه «١» فأخذوه وسلبوه على عادتهم بمن يظفرون «٢» به، وأرادوا قتله فقال لكبيرهم سرّا: «إننى
стр. 10555
أنا السلطان فلا تعجل بقتلى، ولك الخيار فى أن تحضرنى عند الملك المظفر شهاب الدين فيغنيك أو إيصالى إلى بعض بلادى فتصير ملكا» فرغب الرجل فى إيصاله إلى بلده، ومشى به إلى عشيرته، وتركه عند امرأته ومضى بنفسه إلى الخيل لإحضار ما يحمله عليه. فلما توجه الكردى جاء شخص من سفلة الأكراد وأراذلها وبيده حربة، فقال للمرأة: ما هذا الخوارزمى؟ ولم لا تقتلونه؟» فقالت: «قد آمنه زوجى وهو السلطان» فقال الكردى: «كيف تصدقون أنه السلطان وقد قتل لى بخلاط أخ خير منه» وضربه بالحربة ضربة فمات منها. فكانت مدة ملكه منذ وفاة أبيه اثنتى عشرة «١» سنة تقريبا قال: وكان أسمر قصيرا، تركى العبارة. وكان يتكلم بالفارسية، وكان حليما عفيف اللسان لا يكاد يضحك إلا تبسما، وكان يحب العدل. قال المنشى: وكان يكتب إلى الخليفة فى مبدأ خروجه من الهند والوحشة قائمة، حذوا على منوال أبيه خادمه المطواع منكوبرتى ابن السلطان سنجر. ولما أتته الخلع الخليفتية بالسلطنة كتب إليه «عبده» والخطاب: «سيدنا ومولانا الخليفة أمير المؤمنين وإمام المسلمين، خليفة رسول رب العالمين، إمام المشارق والمغارب المنيف على الذروة العلياء من لؤى بن غالب» . وكان يكتب إلى علاء الدين كيقباذ وملوك مصر والشام أجمع اسمه واسم أبيه منعوتا بالسلطان، ولا يزيدهم على ذلك. وكانت علامته على تواقيعه «النصرة من الله وحده» .
وكان يكاتب بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وأشباهه بهذه العلامة وخوطب من الخليفة فى مبدأ طلوعه من الهند: الجناب الرفيع الخاقانى
стр. 10556
ولم يزل يقترح عليهم أن يخاطب بالسلطان، فلم تحصل الإجابة لذلك إذ لم تجر به عادة، فلما كثر إلحاحه خوطب بالجناب العالى الشاهنشاهى.
وانقرضت الدولة الخوارزمية بقتل السلطان جلال الدين، وكانت مدة قيام هذه الدولة منذ ولى خوارزم شاه محمد بن أنوشتكين خوارزم من قبل أمير داذ حبشى متولى خراسان فى شهر رجب سنة تسعين وأربعماية، وإلى أن قتل السلطان جلال الدين هذا، مائة سنة وثمان «١» وثلاثين سنة وثلاثة أشهر وأياما. وعدة من ولى منهم سبعة وهم خوارزم شاه محمد بن أنوشتكين «٢» ، ثم ابنه اتسز بن محمد، ثم ابنه ايل «٣» أرسلان بن اتسز، ثم ابنه سلطان شاه محمود بن ايل «٤» أرسلان،- ولم تطل أيامه-، ثم أخوه علاء الدين تكش، ثم ابنه علاء الدين محمد بن تكش، ثم ابنه جلال الدين منكوبرتى.
стр. 10557
ذكر أخبار الدولة الجنكزخانية وابتداء أمرها وما تفرع عنها
والدولة الجنكزخانية هى دولة التتار وقيل فيهم التاتار، وهذه النسبة إلى جنكزخان التمرجى. «١» ونحن نذكر ملخص أخباره وابتداء ظهوره وما كان من أمره إلى أن ملك البلاد، ونشرح من ذلك ما لخصناه مما طالعناه ونورد ما تلقفناه من أفواه الرجال وسمععناه.
ولما اتسعت ممالك هذه الدولة وبعدت، وكانت بين المؤرخين الضالة التى ما نشدت، تعذر علينا أن نتحقق أحوالها، ونجوس خلالها ونستوعب أخبارها، ونستقصى آثارها. ولم يمكن أن نخلّ بها وقد اشتهرت، ونطوى أخبارها وقد انتشرت، فأوردنا من أخبار ملوكها طرفا على غير مساق، ونبذة على غير اتساق، مما أورده المنشى فى تاريخه الجلالى، وعز الدين بن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل. وأما غيرهما ممن لعله أرخ لهم فلم يصل ما أرخه إلينا، ولا ورد ما دونه من أخبارهم علينا، فنقلنا ما نورده مما لم يتضمن تاريخيهما، وما بعدهما مما نقل إلينا عن رسلهم الذين وردوا إلى أبواب ملوكنا من جهتهم، ومن غيرهم ممن ورد من تلك البلاد على ما سنقف عليه إن شاء الله. ولنبدأ بذكر أخبار جنكزخان.
стр. 10558
ذكر أخبار جنكزخان التمرجى وابتداء أمره وسبب ظهور ملكه
وجنكزخان التمرجى هو أصل هذه الدولة، والقائم بأمرها، والناشر لذكرها. وإليه يرجع ساير ملوكها الذين استولوا على أقاصى البلاد وأدانيها، ورقاب العباد ونواصيها من الصين إلى الفرات وما دانا ذلك وتخلله وجاوره من الممالك والمدن والحصون والقلاع والأقطار. وقد اختلف فى نسبة جنكزخان إلى التمرجى فقال قوم إنه كان حدادا والتمرجى بلغتهم هو الحداد، وقال قوم بل هى نسبة إلى قبيلة تعرف بالتمرجى، وأنهم سكان البرارى ببلاد الصين وجين الصين. وتسمى هذه البلاد بلغتهم جين «١» [وما جين] «٢» بين الجيم والشين. ومسيرة أقطارها ستة أشهر، وبها جبال منيعة تحيط بها كالسور، بها الأنهار العذبة المتسعة، وقيل إنه يحوى ملك الصين سور واحد لا ينقطع إلا عند الجبال المنيعة والأنهار الوسيعة وكان ملك الصين ينقسم قديما إلى ستة أجزاء كل جزء منها مسيرة شهر يتولى أمره خان، والخان بلغتهم الملك، يحكم ذلك الخان على القوم القاطنين بذلك السقع، ومرجع هؤلاء الخانات الستة
стр. 10559
إلى خان واحد هو ملكهم الأكبر، ومقامه بطوغاج بوسط أرض الصين، وله مصايف ومشاتى يصيّف فى هذه ويشتى فى الأخرى.....
وأما مبدأ أمر جنكزخان وسبب ملكه فقيل إنه تزهّد مدة طويلة وانقطع بالجبال. وكان سبب زهده أنه سأل بعض اليهود فقال له:
«بم أعطى موسى وعيسى ومحمد هذه المنزلة العظيمة، وشاع لهم هذا الذكر» ، فقال له اليهودى: «لأنهم أحبّوا الله وانقطعوا إليه فأعطاهم» ، فقال جنكزخان: «وأنا إذا أحببت الله وانقطعت إليه يعطينى؟» قال: «نعم، وأزيدك أن فى كتبنا أن لكم دولة ستظهر» فترك جنكزخان ما كان فيه من عمل الحديد أو غيره وتزهد، وفارق قومه وعشيرته، والتحق بالجبال وكان يأكل من المباحات، فشاع ذكره فكانت الطائفة من قبيلته تأتيه للزيارة فلا يكلمهم، ويشير إليهم أن يصفقوا بأكفهم، ويقولوا: يا الله يا الله يخشى در، فيفعلون ذلك ويوقعون له وهو يرقص، فكان هذا دأبه وطريقته مع من يقصده للزيارة، وهو مع ذلك لا يدين لديانة ولا يرجع إلى ملة بل مجرد محبة الله بزعمه، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث فهذه كانت بدايته.
وأما سبب ملكه فحكى شهاب الدين محمد المنشى وغيره فى سبب ملك جنكزخان أنه كان من جملة الستة خانات الذين يحكمون على مملكة الصين خان يسمى دوشى خان. وكان الخان الكبير الذى مرجع الستة إليه فى زمن ظهور جنكزخان التمرجى ملك اسمه الطون خان «١» فاتفقت وفاة دوشى خان أحد الخانات الستة ولم يخلف
стр. 10560
ولدا، وله زوجة هى عمة جنكزخان التمرجى، فاختارت أن ترتبه مكان زوجها دوشى خان. وكان الخان الأكبر غائبا عن مدينة طوغاج «١» فلما قصدت ذلك أرسلت إلى اثنين من الخانات الستة يسمى أحدهما كشلوخان والآخر جنكزخان وهما متوليان على ما يتاخم ولاية زوجها دوشى خان، فأعلمتهما بوفاة زوجها، وأنه لم يخلف ولدا، وأنها تقصد ترتيب ابن أخيها مكانه. وسألتهما الإعانة والمساعدة على ذلك. فأجاباها إليه وأشارا أن تقيمه مقام زوجها، وضمنا لها أمر التون خان الأكبر. فأقامته ولقبته جنكزخان، وانضم إليه أقوام من عشيرته. فلما عاد التون خان إلى طوغاج حضر الخانات إلى خدمته وجاء كل منهم بما جرت به العادة من التقادم، وعرض عليه الحجاب الأمور التى اتفقت فى غيبته، وقدموا بين يديه التقادم إلى أن وصلوا إلى تقدمة جنكزخان التمرجى بحضور الخانين اللذين أشارا على عمته بتقدمته. فعجب التون خان من توليته فى غيبته.
وكونه ترشح لما لا يستحقه، فغضب من ذلك وخرج وأمر أن تقطع أذناب خيله وترد مطرودة. ففعل ذلك وشتمه الحجاب وشتموا صاحبيه كشلوخان وجنكزخان، وبالغوا فى وعيده ووعيدهما.
فلما خرجوا من بين يديه نزعوا أيديهم من الطاعة وانفردوا عن الخان الكبير التون خان، وخالفوه وانضم إليه خلق كثير، فكثرت جموعهم وأهم التون خان أمرهم، فكاتبهم يعدهم تارة ويتهددهم أخرى، على أن يرجعوا إلى الطاعة، فأبوا إلا الخلاف. فلما أيس
стр. 10561
التون خان من رجوعهم إلى الطاعة جمع جموعه وخرج فالتقوا واقتتلوا فكسروه، وقتلوا من قبائل الترك الذين معه مقتلة عظيمة، وهرب التون خان بنفسه إلى وراء كنك «١» وأخلى البلاد، فتمكنوا منها وملكوها، وضعف أمر التون خان ووهى حتى راسلهم يطلب المهادنة وقنع بالسقع الذى انتهى هربه إليه، فأجابوه إلى ذلك.
واستمر الأمر بين الثلاثة: كشلوخان وجنكزخان الأكبر، وجنكزخان الأصغر تمرجى، هذا على المشاركة، فكانوا كذلك إلى أن مات جنكزخان الأكبر، وبقى كشلوخان، وجنكزخان تمرجى مشتركين فى الأمر، وامتدت أيديهما فى البلاد، وسارا إلى بلاساغون «٢» فملكاها وما يتاخمها ويدانيها من البلاد. فاتفقت وفاة كشلوخان فقام ولده مقامه، ولقب كشلوخان بلقب أبيه، فلم ينصفه جنكزخان واستضعف جانبه لحداثة سنه، ولم يعامله بما كان يعامل به أباه من الاشتراك فى الأمر والنهى والتناصف فى قسمة الممالك. فجرى بينهما مراسلات ومعاتبات أفضت إلى مفارقة كشلوخان بن كشلوخان إلى قيالق «٣» والمالق «٤» ، فصالحه صاحبها ممدوخان بن أرسلان واتفقا وتعاضدا.
واتفق أن كورخان- خان الخانية ملك الخطا- كان بينه وبين
стр. 10562
السلطان علاء الدين محمد بن تكش من الحروب ما ذكرناه فى أخباره، وكان السلطان علاء الدين لما هزم كورخان التجا إلى حدود كاشغر فقصده كشلوخان وممدوخان «١» وأرادا أنهما يجلسانه على تخت الملك لينضاف إليهما بسببه قبائل الترك، فنهضا إليه من قيالق وكبسا عليه وهو بحدود كاشغر وأخذاه وأجلساه على سرير الملك. وكان كشلوخان يقف بين يديه عند الإذن العام موقف الحجاب، فيشاوره فى سائر الأمور ولا يعمل منها إلا بما يختاره، فكانت واقعتهم هذه شبيهة بواقعة السلطان سنجرشاه السلجقى مع الغز لما أسروه، قال: واستوليا على خزانته وأمواله وذخائره، فبلغ السلطان علاء الدين محمد بن تكش ذلك، فأرسل إلى كشلوخان يطالبه بإرساله إليه ويتهدده إن أخره عنه، ويقول: إنه كان هادنه على أن يزوجه ابنته طوغاج خاتون ويزفها إليه بما فى خزانته من الجواهر النفيسة والأعلاق الثمينة، على أن يتركه فى أخريات بلاده؛ فما أجاب إلى ذلك، ودافعه عنه بالملاطفة والممالطة.
وفى أثناء ذلك بلغ جنكزخان تمرجى أن كشلوخان استولى على كاشغر وبلاساغون وأن ملك الخطا قد وقع بين يديه، فبعث إليه ولده دوشى خان «٢» فى زهاء عشرين ألف فارس فأوقع بهم دوشى خان ابن جنكزخان، وغنم ما معهم وذلك فى سنة ثنتى عشرة وستمائة وكان السلطان علاء الدين قد عبر النهر لقصد كشلوخان وقتاله، فبلغه أن دوشى خان بن جنكزخان أوقع به، وجاءته رسالة دوشى خان
стр. 10563
مع من يقول له: إنه يقبل الأرض ويعتذر من عبوره إلى البلاد، ويقول:
إنه إنما عبر لطلب كشلوخان وينازله فى رسالته وقال: إن الغنائم بين يديه إن شاء أن ينعم على من باشر القتال بشىء منها، وإلا فالأمر إليه وإلا يرسل من يتسلمها ويسوقها إلى عنده، وذكر له أن أبا جنكزخان أوصاه بسلوك الأدب فى خدمة السلطان علاء الدين إن صادفه أو صادف بعض عساكره. فلم يصغ علاء الدين إلى كلامه وقال:
إن كان جنكزخان أمرك أن تقاتلنى فالله أمرنى بقتالك. وتقدم إليه والتقيا، فكسر دوشى خان ميسرة السلطان علاء الدين ومزقها، وكادت تكون الهزيمة حتى عطفت الميمنة على ميسرة دوشى خان ثم حجز بينهما الليل فأججوا نيرانا كثيرة. وركبوا وساقوا فى تلك الليلة مسيرة يومين، وتمكن الرعب فى قلب السلطان محمد وعاد إلى سمرقند. ثم راسل جنكزخان السلطان علاء الدين خوارزم شاه وهاداه، وطلب منه أن يفسح للتجار أن تتواصل من بلادهما واتفقا على ذلك على ما قدمناه فى أخبار خوارزم شاه.
ذكر خروج التتار الى البلاد الاسلامية
كان سبب ذلك أن جنكزخان لما راسل السلطان محمد وهاداه، وانتظم بينهما الصلح، وفسحا للتجار فى الوصول إلى بلاد الإسلام وبلاد الصين، فلم يزل الأمر على ذلك إلى أن وصل إلى أترار «١»
стр. 10564
- وهى من ممالك السلطان علاء الدين محمد- عدة من تجار جنكزخان.
وكان بها ينال خان ينوب عن السلطان، فقتلهم وأخذ أموالهم.
فاتصل ذلك بجنكزخان، فراسل السلطان يلومه على ذلك، ويقول:
إنك كتبت خطك وأمانك للتجار، وقد غدرت ونكثت، فإن زعمت أن الذى ارتكبه ينال خان كان عن غير أمرك فسلمه إلى لأجازيه على فعله، وإلا فأذن بالحرب. فقتل رسله كما قدمنا ذلك فى أخبار خوارزم شاه، فعند ذلك تجهز جنكزخان لقصد البلاد الإسلامية.
وكان من سوء تدبير علاء الدين خوارزم شاه وتفرقة عساكره فى كل مدينة من مدن ما وراء النهر ما ذكرناه، فتجهز جنكزخان بجموع التتار، ولما شارف البلاد الإسلامية تياسر صوب أترار واستولى عليها بعد قتال شديد، وأحضر ينال خان بين يديه وأمر بسبك الفضة وقلبها فى أذنيه وعينيه، فمات.
ذكر استيلاء جنكزخان على بخارا
قال: ولما استولى جنكزخان على أترار وقتل النائب بها، ورتب الحيلة التى أوقع بها بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وبين أمه وأخواله على ما قدمناه فى أخبار الدولة الخوارزمية، تقدم إلى بخارا، وقصد بذلك أن يقطع بين السلطان وبين عساكره المتفرقة، حتى أنه لو أراد جمعهم لعجز عن ذلك فلما انتهى إليها حاصرها، وقدم بين يديه رجال أترار، وداوم الحصار والقتال ليلا ونهارا وكان بها
стр. 10565
الأمير اختيار الدين كشلى أمير آخور «١» وأغلى حاحب الملقب بإينانج خان فى ثلاثين ألف فارس، فلما رأوا أنها قد أشرفت على الأخذ تخاذلوا، وأجمعوا على الهزيمة، فخرجوا وحملوا على التتار حملة رجل واحد، فأفرجوا لهم وانهزموا أمامهم حتى كادت الهزيمة تكون على جنكزخان، وظن أنهم يعودون للقتال. فلما علم جنكزخان أن مقصدهم الهرب أرسل فى آثارهم من أكابر التتار من يتبعهم ويتخطفهم إلى أن وصلوا إلى حافة نهر جيحون، فلم ينج منهم إلا إينانج خان فى شرذمة يسيرة، وشمل القتل معظم ذلك الجيش وغنم التتار ما معهم.
قال: ولما فارق العسكر الخوارزمى بخارا طلب أهلها الأمان فآمنهم وكان قد بقى من العسكر طائفة لم يمكنهم الهرب مع أصحابهم فاعتصموا بالقلعة، وفتحت أبواب المدينة بالأمان، وذلك فى يوم الثلاثاء رابع ذى الحجة سنة ست عشرة وستمائة. فدخل التتار بخارا ولم يتعرضوا إلى أحد بل قالوا لهم: أخرجوا إلينا جميع ما هو متعلق بالسلطان من الذخائر وغيرها، وساعدونا على قتال من بالقلعة، وأظهروا لهم العدل وحسن السيرة. ودخل جنكزخان بنفسه وأحاط بالقلعة ونادى فى البلدان أن لا يتخلف أحد ومن تخلف قتل. فحضروا بأجمعهم وأمرهم بطم الخندق فطموه بالأخشاب والتراب وغير ذلك، حتى كان التتار يأخذون المنابر وربعات القرآن فيلقونها فى الخندق.
стр. 10566
ثم تابعوا الزحف على القلعة وبها أربعماية فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم ومانعوا اثنى «١» عشر يوما يقاتلون جميع الكفار وأهل البلد، فما زالوا كذلك إلى أن وصل النقابون إلى القلعة. واشتد الأمر ورمى المسلمون بجميع ما عندهم من حجارة وسهام ونار ثم قاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وملك جنكزخان القلعة، فلما فرغ من أمر القلعة أمر بجمع رؤساء البلد، فجمعوا وعرضوا عليه فقال لهم:
«أريد منكم النقرة التى باعكم خوارزم شاه فإنها لى وأخذت من أصحابى» فأحضر كل من كان عنده شىء منها ما عنده، ثم أمرهم بالخروج من البلد مجردين فخرجوا ليس مع أحد منهم غير ثيابه التى عليه، ونهب التتار البلد وقتلوا من تخلف فيه. وأحاطوا بالمسلمين فأمر أصحابه أن يقتسموهم ففعلوا ذلك وأصبحت بخارى خاوية؛ على عروشها، وارتكب التتار من الفساد العظيم والناس ينظرون إليهم ولا يستطيعون ردهم. فمنم من لم يرض بذلك واختار الموت وقاتل حتى قتل، ومنهم من استسلم وأسر. وألقوا النار فى البلد والمدارس والمساجد وعذبوا الناس بأنواع العذاب فى طلب الأموال ثم ساروا إلى سمرقند.
ذكر استيلائه على سمرقند
قال: ولما فرع جنكزخان من أمر بخارا سار إلى سمرقند وقد تحقق عجز السلطان علاء الدين عن قتاله، وهو بمكانه بين ترمذ
стр. 10567
وبلخ، وأمر جنكزخان أن يتوجه من سلم من أهل بخارا فخرجوا مشاة على أقبح حال، فمن أعياه التعب وعجز عن المشى قتل. فلما قاربوا سمرقند، ورموا الخيالة، وتركوا الأثقال والأسارى والرجالة وراهم، وتقدموا شيئا فشيئا ليكون ذلك أرعب لقلوب المسلمين، فاستعظم أهل البلد سوادهم فلما كان فى اليوم الثانى وصلت الأسارى والرجال والأثقال ومع كل عشرة من الأسارى علم، فظنه أهل البلد أن الجميع مقاتلة وأحاطوا بالبلد، وكان [طغانخان] «١» خال السلطان وأمراء الغور فى أربعين ألف فارس وقيل فى خمسين ألف فارس، وعامة البلد لا يحصون كثرة، فخرج إليهم شجعان أهله وأهل الجلاد رجال، ولم يخرج معهم أحد من العسكر الخوارزمى لما فى قلوبهم من الجزع فقاتلهم الرجالة بظاهر البلد فلم يزل التتار يتأخرون وأهل البلد يتتبعونهم ويطمعون، فيهم، حتى بعدوا عن البلد، وكان التتار قد كمنوا كمينا، فلما جاوزه المسلمون خرج الكمين من ورائهم وحال بينهم وبين البلد وعطف عليهم التتار فصاروا فى وسط القوم وآخرهم السيف، قتلوا عن آخرهم، وكانوا سبعين ألفا. فضعفت نفوس الجند ومن بقى من العامة وأيقنوا بالهلاك؛ فقال الجند- وكانوا أتراكا- نحن من جنس هؤلاء ولا يقتلوننا «٢» ، فطلبوا الأمان فأجابوهم له، ففتحوا أبواب البلد وخرج الجند إليهم بأهاليهم وأموالهم فقال لهم التتار: «إدفعوا إلينا سلاحكم وأموالكم ودوابكم ونحن نسيركم إلى مأمنكم» . ففعلوا ذلك ثم وضعوا فيهم السيف
стр. 10568
وقتلوهم عن آخرهم وأخذوا نساءهم فلما كان فى اليوم الرابع نودى فى البلد أن يخرج أهله بأجمعهم ومن تأخر قتل، فخرج جميع من به من الرجال والنساء والصبيان، ففعلوا مع أهل سمرقند كفعلهم مع أهل بخارا من النهب والقتل والسبى والفساد، ونهبوا ما فى البلد، ثم أحرقوا الجامع وتركوا البلد على حاله، وذلك فى المحرم سنة سبع عشرة وستمائة. هذا وخوارزم شاه مقيم بمنزلته كلما اجتمع إليه عسكر سيره إلى سمرقند فيرجعون ولا يقدمون عليهم. نعوذ بالله من الخذلان.
قال: ولما ملك جنكزخان بخارى وسمرقند فرق عساكره للاستيلاء على الممالك، فجهز طائفة خلف خوارزم شاه وهى المغربة، وطائفة إلى خراسان وطائفة إلى خوارزم وطائفة إلى بلاد فرغانة وطائفة إلى ترمذ وطائفة إلى كلاية، فاستولت كل طائفة على ما توجهت إليه وفعلت من القتل والنهب والأسر والسبى والتخريب وأنواع الفساد ما فعله أصحابهم. فأول طائفة جهزها من أصحابه الطائفة المغربة وفعلت ما نذكره.
ذكر ما فعلته الطائفة المغربة من التتار
قال ابن الاثير: لما ملك جنكزخان سمرقند جهز خمسة وعشرين ألف فارس من أصحابه فى طلب خوارزم شاه حيث كان. وهذه الطائفة تسميها التتار المغربة لأنها سارت نحو غرب خراسان ليقع الفرق بينهم وبين غيرهم لأنهم الذين أوغلوا فى البلاد وكان المقدم
стр. 10569
على هذه الطائفة سبطى بهادر «١» ويمنويه «٢» فساروا وقصدوا موضعا يسمى فنج اب ومعناه خمس مياه، فلم يجدوا سفينة، فعملوا من الخشب مثل الأحواض الكبار وألبسوها جلود البقر ووضعوا فيها أسلحتهم وأمتعتهم. وألقوا الخيل فى الماء وأمسكوا أذنابها وشدوا تلك الحياض إليهم، فكان الفرس يجذب الرجل والرجل يجذب الحوض، فعبروا كلهم دفعة واحدة فلم يشعر خوارزم شاه إلا وقد صاروا معه فى أرض واحدة. وكان المسلمون قد ملئوا منهم رعبا وخوفا وحصل بينهم اختلاف، فكان ثباتهم بسبب أن نهر جيحون فاصل بينهم وبين التتار. فلما عبروه كان من أمر السلطان علاء الدين وانهزامه ووفاته ما قدمناه فى أخباره.
ذكر استيلائهم على مازندران ووصولهم الى الرى وهمذان
قال ابن الأثير: لما أيس التتار المغربة من إدراك خوارزم شاه قصدوا بلاد مازندران فملكوها فى أسرع وقت مع حصانتها وصعوبة الدخول إليها وامتناع قلاعها، فقتلوا وسبوا ونهبوا وأحرقوا البلاد وألحقوها بغيرها ثم سلكوا نحو الرى، ووصلوا إليه فى سنة سبع عشر وستماية أيضا. وكان مسيرهم إلى الرى فى طلب خوارزم شاه، لأنهم بلغهم أنه توجه نحو الرى، فجدوا السير فى أثره وانضاف
стр. 10570
إليهم كثير من العساكر المسلمين والكفار والمفسدين، فوصلوا الرى على حين غفلة من أهلها فملكوها، ونهبوا وسبوا الحريم، وأسرفوا فى القتل ومضوا مسرعين فى طلب خوارزم شاه، ونهبوا فى طريقهم كل مدينة وقرية مروا عليها، ووضعوا السيف فى الرجال والنساء والأطفال، ولم يبقوا على شيئ. وانتهوا إلى همذان، فلما قاربوها خرج رئيسها إليهم ومعه الجمل من الأموال والأقمشه والخيل وغير ذلك، وطلب الأمان لأهل البلد، فأمنوهم ثم فارقوها. وساروا إلى زنجان ففعلوا أضعاف ما فعلوه بالرى، ووصلوا إلى قزوين فاعتصم أهلها منهم بمدينتهم فقاتلوهم وجدوا فى قتالهم ودخلوها عنوة بالسيف واقتتلوا هم وأهل البلد فى باطنه حتى صاروا يقتتلون بالسكاكين وقتل من الفريقين مالا يحصى، فزادت القتلى من أهل قزوين على أربعين ألف قتيل ثم فارقوا قزوين.
ذكر مسيرهم الى أذربيجان وقتالهم مع الكرج
قال: لما هجم الشتاء على التتار بهمذان وبلد الجبل وترادفت الثلوج ساروا إلى أذربيجان، وعاثوا فى طريقهم ونهبوا وخربوا ما مروا عليه من المدن الصغار والقرى على عادتهم، ووصلوا إلى تبريز وبها أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان، فلم يخرج إليهم ولا قاتلهم لاشتغاله باللهو والشرب، وصالحهم على مال وثياب ودواب، وحمل ذلك إليهم، فتوجهوا من عنده يريدون ساحل البحر لقلة رده وكثرة مراعيه. فوصلوا إلى موقان «١» وتطرقوا فى مسيرهم إلى بلاد الكرج
стр. 10571
فجاء إليهم من الكرج نحو عشرة آلاف، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت الكرج، وقتل أكثرهم وأرسل الكرج إلى أزبك صاحب أذربيجان يطلبون منه الصلح، والاتفاق على دفع التتار، فاتفقا على أنه إذا انحسر الشتا لقوهم. وراسلوا الملك الأشرف بن العادل صاحب خلاط وديار الجزيرة فى ذلك، وظنوا جميعهم أن التتار لا يتحركون إلى انقضاء فصل الشتاء، فما صبروا (التتار) وتحركوا وتوجهوا نحو بلاد الكرج، وانضاف إليهم (إلى التتار) مملوك تركى من مماليك أزبك اسمه أقوش، وجمع أهل بلد الجبل والصحراء من التركمان والأكراد وغيرهم، فاجتمع إليه جماعة منهم، فمال التتار إليه للجنسية فسار فى مقدمتهم إلى الكرج فملكوا حصنا من حصونهم وخربوه ونهبوا البلاد وقتلوا ووصلوا إلى قرب تفليس، فاجتمعت الكرج، قلقيهم أقوش بمن معه فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم أدركهم التتار فلم يثبت الكرج وانهزموا أقبح هزيمة، وأخذهم السيف من كل جانب وقتل منهم ما لا يحصى كثرة- وذلك فى ذى القعدة- ونهبوا من البلاد ما كان قد سلم منهم.
ذكر ملكهم مدينة مراغة
قال: ولما فعلوا بالكرج ما فعلوه، ودخلت سنة ثمان عشر وستمائة ساروا من بلاد الكرج ومروا على تبريز، فصانعهم صاحبها أيضا بمال وثياب ودواب، فساروا عنه إلى مدينة مراغة فحصروها، وليس بها من يمنعها لأن صاحبتها كانت امرأة وكانت مقيمة بقلعة رويندز «١» ، فقاتلهم أهلها، فنصبوا عليها المجانيق واستعانوا بأسرى السلمين.
стр. 10572
وكانت عادتهم (التتار) إذا فتحوا مدينة استعانوا بأسراها على فتح غيرها، ويجعلون الأسرى أمامهم عند القتال، فيقع القتل فيهم.
فإذا فتحوا البلد قتلوهم بعد ذلك وتعوضوهم بمن أسروه من البلد الآخر. فأقاموا عليها عدة أيام وملكوها عنوة، وذلك فى رابع صفر من السنة، ووضعوا السيف فى أهلها، ونهبوا ما صلح لهم وحرقوا ما سواه. قال: واختفى بعض الناس منهم، فكانوا يأخذون الأسارى ويقولون لهم نادوا فى الدروب أن التتار قد رحلوا فينادون فيسمعهم من اختفى فيظهر فيقتلونه.
قال ابن الأثير: ولقد بلغنى أن امرأة من التتار دخلت دارا وقتلت جماعة من أهلها، وهم يظنون أنها من الرجال، فلما وضعت السلاح، رأوها امرأة، فقتلها رجل كانت أخذته أسيرا. قال: وسمعت من بعض أهلها أن رجلا من التتار دخل دربا فيه ما يزيد على مائة رجل فقتلهم واحدا واحدا، حتى أفناهم ولم يمد أحد يده إليه. وقعت الذلة على الناس، نعوذ بالله من الخذلان.
قال: ثم رحلوا نحو مدينة أربل، فكتب مظفر الدين صاحبها إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يطلب منه نجدة من العساكر، فسير إليه جماعة، وكتب الخليفة إلى صاحبى الموصل وأربل يأمرهما بالاجتماع مع عساكره بمدينة دقوقا «١» لمنع التتار، لما بلغه أنهم عدلوا عن إربل لصعوبتها وقصدوا العراق. فسار مظفر الدين ومن معه من العسكر الموصلى فى صفر. وكتب الخليفة إلى الملك الأشرف
стр. 10573
بأمره بالحضور بنفسه فى عساكره لتجمع العساكر ويقصدون التتار فمنعه من ذلك مسيره إلى الديار المصرية لنصرة الملك العادل بن أيوب على الفرنج، واستعادة دمياط من أيديهم. فلما اجتمع مظفر الدين هو والعسكر الموصلى بدقوقا، سير إليهم الخليفة مملوكه قشتمر «١» - وهو أكبر أمير بالعراق- ومعه عشرة من الأمراء فى نحو ثمان مائة فارس، فاجتمعوا ليتصل بهم عساكر الخليفة، والمقدم عليهم مظفر الدين صاحب إربل، فلما رأى قلة العسكر لم يقدم على التتار. ولما سمع التتار باجتماع العسكر رجعوا القهقرى، ظنا منهم أن العسكر يتبعهم، فلما لم يتبعهم أقاموا وأقام العسكر بدقوقا، ثم تفرق المسلمون وعادوا إلى بلادهم.
ذكر ملكهم همذان وقتل أهلها
قال: لما تفرق العسكر الإسلامى عاد التتار إلى همذان، فنزلوا بالقرب منها، وكان لهم شحنة يحكم فيها، فأرسلوا إليه أن يطلب لهم من أهلها ما لا وثيابا وكان رئيس همذان من الأشراف ذا رئاسة قديمة بها وهو الذى سعى فى أمر أهل البلد مع التتار، وتوصل إليهم بما جمع من الأموال فما طلب المال ثانيا من أهل همذان لم يجدوا ما يحملونه لهم، فاجتمعوا إلى الشريف ومعهم انسان فقيه قام فى اجتماع الكلمة على التتار، فشكوا إلى الشريف حالهم، وما نالهم من الهوان، وطلب ما لا يقدرون عليه. فقال: إذا كنا نعجز
стр. 10574
عن دفعهم فليس إلا مصانعتهم بالأموال، فثاروا عليه، وأغلظوا له فى القول، فوافقهم على مرادهم. فأشار الفقيه بإخراج شحنة التتار فوثب العامة على الشحنة فقتلوه، وامتنعوا. فتقدم إليهم التتار وحصروهم، فقاتلهم أهل البلد قتالا شديدا، والرئيس والفقيه فى أوائلهم، فقتل من التتار خلق كثير، وجرح الفقيه عدة جراحات وافترقوا. ثم اقتتلوا من الغد أشد مما مضى بالأمس. وأرادوا الخروج فى اليوم الثالث، فلم يطق الفقيه الركوب ولم يوجد الرئيس، وهرب من سرب كان قد صنعه إلى ظاهر البلد هو وأهله، واستعصم بقلعة هناك على جبل عال. فحار الناس ثم اجتمعت كلمتهم على القتال إلى أن يموتوا، وكان التتار قد عزموا على الرحيل لكثرة من قتل منهم، فلما تقاصر أهل البلد عن الخروج إليهم طمعوا واستدلوا على ضعفهم، فقصدوهم وقاتلوهم، ودخلوا المدينة بالسيف، وذلك فى شهر رجب سنة ثمان عشرة. وقاتلهم الناس فى الدروب بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصى، ثم قوى التتار على المسلمين فأفنوهم وما سلم منهم إلا من كان عمل له نفقا فى الأرض، واختفى فيه، ثم أحرقوا البلد ورحلوا عنه.
стр. 10575
ذكر مسيرهم الى أذربيجان وملكهم أردويل «١» وغيرها
قال: لما فرغوا من همذان ساروا إلى أذربيجان فوصلوا إلى أردويل فملكوها، وقتلوا وخربوا أكثرها وساروا إلى تبريز، ففارقها صاحبها أزبك بن البهلوان وتوجه إلى نقجوان وكان كثير التخلف والشرب واللهو، فقام بأمر تبريز شمس الدين الطغرائى، وجمع الكلمة وقوى نفوس الناس على الامتناع، وحذرهم عاقبة التخاذل والتوانى، وحصن البلد. فبلغ التتار ذلك فراسلوه يطلبون منه مالا وثيابا فاستقر الأمر بينهم على قدر معلوم فأخذوه ورحلوا إلى مدينة سراو «٢» فنهبوها وقتلوا جميع من فيها. ورحلوا عنها إلى بيلقان من بلاد أران «٣» فنهبوا كل ما مروا به من البلاد والقرى وقتلوا من ظفروا به وحصروا بيلقان «٤» ، فاستدعى أهلها منهم رسولا ليقرر الصلح فأرسلوا إليهم رسولا من أكابرهم ومقدميهم، فقتلوه، فزحف
следующие страницы →