← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10571–10610 · переход к 10576.

стр. 10571

فجاء إليهم من الكرج نحو عشرة آلاف، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت الكرج، وقتل أكثرهم وأرسل الكرج إلى أزبك صاحب أذربيجان يطلبون منه الصلح، والاتفاق على دفع التتار، فاتفقا على أنه إذا انحسر الشتا لقوهم. وراسلوا الملك الأشرف بن العادل صاحب خلاط وديار الجزيرة فى ذلك، وظنوا جميعهم أن التتار لا يتحركون إلى انقضاء فصل الشتاء، فما صبروا (التتار) وتحركوا وتوجهوا نحو بلاد الكرج، وانضاف إليهم (إلى التتار) مملوك تركى من مماليك أزبك اسمه أقوش، وجمع أهل بلد الجبل والصحراء من التركمان والأكراد وغيرهم، فاجتمع إليه جماعة منهم، فمال التتار إليه للجنسية فسار فى مقدمتهم إلى الكرج فملكوا حصنا من حصونهم وخربوه ونهبوا البلاد وقتلوا ووصلوا إلى قرب تفليس، فاجتمعت الكرج، قلقيهم أقوش بمن معه فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم أدركهم التتار فلم يثبت الكرج وانهزموا أقبح هزيمة، وأخذهم السيف من كل جانب وقتل منهم ما لا يحصى كثرة- وذلك فى ذى القعدة- ونهبوا من البلاد ما كان قد سلم منهم. ذكر ملكهم مدينة مراغة قال: ولما فعلوا بالكرج ما فعلوه، ودخلت سنة ثمان عشر وستمائة ساروا من بلاد الكرج ومروا على تبريز، فصانعهم صاحبها أيضا بمال وثياب ودواب، فساروا عنه إلى مدينة مراغة فحصروها، وليس بها من يمنعها لأن صاحبتها كانت امرأة وكانت مقيمة بقلعة رويندز «١» ، فقاتلهم أهلها، فنصبوا عليها المجانيق واستعانوا بأسرى السلمين.

стр. 10572

وكانت عادتهم (التتار) إذا فتحوا مدينة استعانوا بأسراها على فتح غيرها، ويجعلون الأسرى أمامهم عند القتال، فيقع القتل فيهم. فإذا فتحوا البلد قتلوهم بعد ذلك وتعوضوهم بمن أسروه من البلد الآخر. فأقاموا عليها عدة أيام وملكوها عنوة، وذلك فى رابع صفر من السنة، ووضعوا السيف فى أهلها، ونهبوا ما صلح لهم وحرقوا ما سواه. قال: واختفى بعض الناس منهم، فكانوا يأخذون الأسارى ويقولون لهم نادوا فى الدروب أن التتار قد رحلوا فينادون فيسمعهم من اختفى فيظهر فيقتلونه. قال ابن الأثير: ولقد بلغنى أن امرأة من التتار دخلت دارا وقتلت جماعة من أهلها، وهم يظنون أنها من الرجال، فلما وضعت السلاح، رأوها امرأة، فقتلها رجل كانت أخذته أسيرا. قال: وسمعت من بعض أهلها أن رجلا من التتار دخل دربا فيه ما يزيد على مائة رجل فقتلهم واحدا واحدا، حتى أفناهم ولم يمد أحد يده إليه. وقعت الذلة على الناس، نعوذ بالله من الخذلان. قال: ثم رحلوا نحو مدينة أربل، فكتب مظفر الدين صاحبها إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يطلب منه نجدة من العساكر، فسير إليه جماعة، وكتب الخليفة إلى صاحبى الموصل وأربل يأمرهما بالاجتماع مع عساكره بمدينة دقوقا «١» لمنع التتار، لما بلغه أنهم عدلوا عن إربل لصعوبتها وقصدوا العراق. فسار مظفر الدين ومن معه من العسكر الموصلى فى صفر. وكتب الخليفة إلى الملك الأشرف

стр. 10573

بأمره بالحضور بنفسه فى عساكره لتجمع العساكر ويقصدون التتار فمنعه من ذلك مسيره إلى الديار المصرية لنصرة الملك العادل بن أيوب على الفرنج، واستعادة دمياط من أيديهم. فلما اجتمع مظفر الدين هو والعسكر الموصلى بدقوقا، سير إليهم الخليفة مملوكه قشتمر «١» - وهو أكبر أمير بالعراق- ومعه عشرة من الأمراء فى نحو ثمان مائة فارس، فاجتمعوا ليتصل بهم عساكر الخليفة، والمقدم عليهم مظفر الدين صاحب إربل، فلما رأى قلة العسكر لم يقدم على التتار. ولما سمع التتار باجتماع العسكر رجعوا القهقرى، ظنا منهم أن العسكر يتبعهم، فلما لم يتبعهم أقاموا وأقام العسكر بدقوقا، ثم تفرق المسلمون وعادوا إلى بلادهم. ذكر ملكهم همذان وقتل أهلها قال: لما تفرق العسكر الإسلامى عاد التتار إلى همذان، فنزلوا بالقرب منها، وكان لهم شحنة يحكم فيها، فأرسلوا إليه أن يطلب لهم من أهلها ما لا وثيابا وكان رئيس همذان من الأشراف ذا رئاسة قديمة بها وهو الذى سعى فى أمر أهل البلد مع التتار، وتوصل إليهم بما جمع من الأموال فما طلب المال ثانيا من أهل همذان لم يجدوا ما يحملونه لهم، فاجتمعوا إلى الشريف ومعهم انسان فقيه قام فى اجتماع الكلمة على التتار، فشكوا إلى الشريف حالهم، وما نالهم من الهوان، وطلب ما لا يقدرون عليه. فقال: إذا كنا نعجز

стр. 10574

عن دفعهم فليس إلا مصانعتهم بالأموال، فثاروا عليه، وأغلظوا له فى القول، فوافقهم على مرادهم. فأشار الفقيه بإخراج شحنة التتار فوثب العامة على الشحنة فقتلوه، وامتنعوا. فتقدم إليهم التتار وحصروهم، فقاتلهم أهل البلد قتالا شديدا، والرئيس والفقيه فى أوائلهم، فقتل من التتار خلق كثير، وجرح الفقيه عدة جراحات وافترقوا. ثم اقتتلوا من الغد أشد مما مضى بالأمس. وأرادوا الخروج فى اليوم الثالث، فلم يطق الفقيه الركوب ولم يوجد الرئيس، وهرب من سرب كان قد صنعه إلى ظاهر البلد هو وأهله، واستعصم بقلعة هناك على جبل عال. فحار الناس ثم اجتمعت كلمتهم على القتال إلى أن يموتوا، وكان التتار قد عزموا على الرحيل لكثرة من قتل منهم، فلما تقاصر أهل البلد عن الخروج إليهم طمعوا واستدلوا على ضعفهم، فقصدوهم وقاتلوهم، ودخلوا المدينة بالسيف، وذلك فى شهر رجب سنة ثمان عشرة. وقاتلهم الناس فى الدروب بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصى، ثم قوى التتار على المسلمين فأفنوهم وما سلم منهم إلا من كان عمل له نفقا فى الأرض، واختفى فيه، ثم أحرقوا البلد ورحلوا عنه.

стр. 10575

ذكر مسيرهم الى أذربيجان وملكهم أردويل «١» وغيرها قال: لما فرغوا من همذان ساروا إلى أذربيجان فوصلوا إلى أردويل فملكوها، وقتلوا وخربوا أكثرها وساروا إلى تبريز، ففارقها صاحبها أزبك بن البهلوان وتوجه إلى نقجوان وكان كثير التخلف والشرب واللهو، فقام بأمر تبريز شمس الدين الطغرائى، وجمع الكلمة وقوى نفوس الناس على الامتناع، وحذرهم عاقبة التخاذل والتوانى، وحصن البلد. فبلغ التتار ذلك فراسلوه يطلبون منه مالا وثيابا فاستقر الأمر بينهم على قدر معلوم فأخذوه ورحلوا إلى مدينة سراو «٢» فنهبوها وقتلوا جميع من فيها. ورحلوا عنها إلى بيلقان من بلاد أران «٣» فنهبوا كل ما مروا به من البلاد والقرى وقتلوا من ظفروا به وحصروا بيلقان «٤» ، فاستدعى أهلها منهم رسولا ليقرر الصلح فأرسلوا إليهم رسولا من أكابرهم ومقدميهم، فقتلوه، فزحف

стр. 10576

التتار إليهم وقاتلوهم وملكوا البلد عنوة، وذلك فى شهر رمضان من السنة، ووضعوا السيف فلم يبقوا على أحد من الرجال والنساء والأطفال حتى شقوا بطون النسوان الحوامل وقتلوا الأجنة. وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها. ثم ساروا إلى مدينة كنجة- وهى أم بلاد أران- فعلموا بكثرة من فيها وشجاعتهم لدربتهم بقتال الكرج، فلم يقدموا عليهم لذلك ولحصانة البلد. فراسلوا أهلها فى طلب المال والثياب، فحمل إليهم ما طلبوا وساروا عنها.. ذكر وصولهم الى بلاد الكرج قال: لما فرغوا من البلاد الإسلامية أذربيجان وأران بعضها بالملك وبعضها بالصلح، ساروا إلى بلاد الكرج من هذه الأعمال أيضا: وكان الكرج قد استعدوا لهم، وسيروا جيشا كثيفا إلى طرف بلادهم ليمنعوا التتار عنها، فالتقوا، فلم يثبت الكرج وولوا منهزمين فأخذتهم سيوف التتار، فلم يسلم منهم إلا الشديد. فكانت الفتلى منهم نحو ثلاثين ألفا، ونهبوا ما وصلوا إليه من بلادهم وخربوها، كعادتهم. ووصل من سلم من الكرج إلى مدينة تفليس- وبها ملكهم- فجمع جموعا أخرى، وسيرهم ليمنعوا التتار من توسط بلادهم فرأوهم قد دخلوا البلاد ولم يمنعهم وعر ولا مضيق، فعادوا إلى تفليس ونهب التتار مامروا عليه من بلادهم، ورأوا البلاد كثيرة المضايق والدربندات فما أوغلوا فيها، وداخل الكرج منهم خوف عظيم قال ابن الأثير: سمعت عن بعض أكابر الكرج أنه قال: من

стр. 10577

حدثكم أن التتار انهزموا وأسروا فلا تصدقوه، وإذا حدثتم أنهم قتلوا فصدقوا، فإنهم قوم لا يفرون أبدا، ولقد أخذنا أسيرا منهم فألقى نفسه عن الدابة وضرب رأسه بالحجر حتى مات، ولم يسلم نفسه للأسر ... ذكر وصولهم الى دربند شروان «١» وما فعلوه فيه قال: لما عادوا من بلاد الكرج قصدوا دربند شروان فحصروا مدينة شماخى «٢» وقاتلوا أهلها، فصبروا على الحصار وقاتلوا أشد قتال، وعلموا أن الموت لا بد منه، فقالوا نموت كراما وصبروا إلى أن كلوا وتعبوا. وتوالى الزحف، فملك التتار البلد، وأكثروا القتل ونهبوا الأموال. ثم أرادوا عبور الدربند فلم يقدروا على ذلك، فأرسلوا رسولا إلى شروان ملك الدربند، وطلبوا منه أن يرسل إليهم رسولا يسعى بينهم فى الصلح، فأرسل عشرة من أعيان أصحابه، فقتلوا أحدهم وقالوا لمن بقى: دلونا على طريق نعبر فيه ولكم الأمان، وإلا قتلناكم. فقالوا: ليس فيه طريق البتة، وإنما فيه موضع هو أسهل ما فيه، فساروا بهم إلى ذلك الطريق فعبروا فيه.

стр. 10578

ذكر ما فعلوه باللان وقفجاق قال: لما عبر التتار دربند شروان، ساروا فى تلك البلاد والأعمال- وفيها أمم كبيرة من اللان واللكز وطوائف من الترك- فنهبوا وقتلوا كثيرا من اللكز- وهم مسلمون وكفار- ووصلوا إلى اللان وهى أمم كثيرة، فبلغهم الخبر فجدوا وجمعوا جمعا من قفجاق، فقاتلوهم فلم تظفر إحدى الطائفتين بالأخرى. فأرسل التتار إلى قفجاق فقالوا: نحن وأنتم جنس واحد واللان ليسوا منكم، ولا دينكم كدينهم حتى تنصروهم، ونحن نعاهدكم أننا لا نتعرض إليكم، ونحمل لكم من الأموال والثياب ما شئتم، وتتركوننا وإياهم. فاستقر الأمر بينهم على ما حملوه لهم من مال وثياب وغير ذلك ففارقهم قفجاق فأوقع التتار عند ذلك باللان، فقتلوا منهم وسبوا وساروا إلى قفجاق وهم آمنون متفرقون. لما استقر بينهم من الصلح فطرقوا بلادهم وأوقعوا بهم الأول فالأول، وأخذوا منهم أضعاف ما حملوه إليهم. وسمع من كان بعيد الدار من قفجاق الخبر، ففروا من غير قتال، واعتصم بعضم بالغياض وبعضهم بالجبال ولحق بعضهم ببلاد الروس. وأقام التتار ببلاد قفجاق، وهى أرض كثيرة المرعى صيفا وشتاء وفيها أماكن باردة فى الصيف وأماكن حارة فى الشتاء، وغياض، وهى على ساحل البحر، ووصلوا إلى مدينه سوداق- وهى مدينة قفجاق- فملكوها، وفارقها أهلها، فبعضهم صعد إلى الجبال بأهله وماله. وبعضهم ركب فى البحر وساروا إلى بلاد الروم التى بيد الملوك السلجقية ...

стр. 10579

ذكر ما فعلوه بقفجاق والروس قال: لما استولى التتار على قفجاق وتفرقوا، والتحقت طائفة كثيرة منهم ببلاد الروس- وهى بلاد كبيرة طويلة عريضة تجاور القفجاق وأهلها يدينون بدين النصرانية- فلما وصلوا إليهم اجتمعوا كلهم، واتفقوا على قتال التتار إن قصدوهم. فسار التتار إلى بلاد الروس فى سنة عشرين وستمائة، فسار قفجاق والروس إلى طريق التتار ليلقوهم قبل وصولهم إلى بلادهم ويمنعوهم عنها، فبلغ التتار مسيرهم، فرجعوا على أعقابهم. فطمعت القفجاق والروس فيهم، وظنوا أنهم عادوا خوفا منهم، وعجزوا عن قتالهم، فأتبعوهم وساقوا فى إثرهم اثنى عشر يوما، فعطف التتار عليهم وهم على غرة، لأنهم كانوا قد آمنوا ووثقوا بالقدرة عليهم: فلم يجتمعوا للقتال إلا وقد بلغ التتار منهم مبلغا عظيما. فصبر الطائفتان صبرا لم يسمع بمثله. ودام القتال عدة أيام، فاستظهر التتار عليهم، فانهزمت قفجاق والروس هزيمة فاضحة، وكثر القتل فى المنهزمين، فلم يسلم منهم إلا القليل. ووصل من سلم منهم على أقبح حال، والتتار تتبعهم يقتلون وينهبون ويخربون فاجتمع كثير من أغنياء تجار الروس وأعيانهم، وحملوا ما يعز عليهم، وتوجهوا فى البحر فى عدة مراكب إلى بلاد الإسلام، فلما قاربوا المرسى الذى يقصدونه انكسر منهم مركب فغرق ونجا من فيه وسلم باقى المراكب [وأخبر من بها بهذه الحال] «١»

стр. 10580

ذكر عود التتار الى ملكهم قال: ولما فعل التتار بالروس ما ذكرناه عادوا عنها وقصدوا بلغار فى أواخر سنة عشرين وستمائة «١» . فلما سمع بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم فى عدة مواضع، وخرجوا إليهم فلقوهم واستجروهم إلى أن جاوزوا مواضع الكمناء، فخرجوا من وراء ظهورهم. وبقى التتار فى وسطهم، وأخذهم السيف من كل ناحية، فقتل أكثرهم ولم ينج منهم إلا القليل نحو أربعة آلاف رجل، فساروا إلى سقسين وعادوا إلى ملكهم جنكزخان. وكانت الطرق منقطعة تتخللهم فى البلاد. فلما خلت البلاد منهم اتصلت الطرق وحمل التجار الأمتعة على عادتهم. هذا ما فعله التتار المغربة منذ مفارقتهم جنكزخان وإلى أن عادوا إليه فى مدة أربع سنين فلنذكر أخبار غير هذه الطائفة ممن سيرهم جنكزخان. قال: ولما جهز جنكزخان هذه الطائفة المغربة جهز طائفة إلى بلاد فرغانة وطائفة إلى ترمز وطائفة إلى كلانة «٢» وهى قلعة حصينة

стр. 10581

إلى جانب جيحون، فسارت كل طائفة إلى الجهة التى أمرت بقصدها ونازلتها، واستولت عليها، وفعلت من القتل والنهب والأسر والسبى والتخريب وأنواع الفساد كما فعل أصحابهم. فلما فرعوا من ذلك عادوا إلى ملكهم جنكزخان، وهو مقيم بسمرقند، فجهز جيشا إلى خوارزم مع أحد أولاده وجهز جيشا آخر فعمروا نهر جيحون إلى خراسان. ذكر ملك التتار خراسان قال أبو الحسن بن الأثير: لما سار الجيش الذى جهزه جنكزخان إلى خراسان عبروا جيحون، وقصدوا مدينة بلخ. وطلب أهلها الأمان فأمنوهم، فسلم البلد ولم يتعرضوا إليه بنهب ولا قتل، بل جعلوا فيه شحنة. وقصدوا الزوزان «١» وميمند واندى خوى «٢» وفارياب «٣» فملكوا الجميع، وجعلوا فيه ولاة، ولم يتعرضوا إلى أهلها بسوء، سوى أنهم كانوا يأخذون الرجال ليقاتلوا بهم من يمتنع عليهم، وذلك فى سنة سبع عشرة وستماية. ثم قصدوا الطالقان، وهى ولاية تشتمل على عدة بلاد، وفيها قلعة حصينة يقال لها (منصور كوه) لا ترام علوا وارتفاعا وبها رجال شجعان يقاتلون فحصروها مدة ستة أشهر يقاتلون أهلها ليلا ونهارا، ولم يظفروا

стр. 10582

منها بشى فكاتبوا جنكزخان، وأعلموه بالعجز عنها لحصانتها وكثرة من بها من المقاتلة. فسار بنفسه وبجموعه، وحصرها ومعه خلق كثير من الأسرى والمسلمين، فأمرهم بمباشرة القتال وإلا قتلهم، فقاتلوا، وأقام عليها أربعة أشهر أخرى، فقتل من التتار خلق كثير. فلما رأى جنكزخان ذلك أمر أن يجمع له الأحطاب والأخشاب فجمعت، وصار يعمل صفا من خشب وحطب وفوقه من التراب ما يغطيه، حتى صار تلا عاليا يوازى القلعة، فعند ذلك اجتمع من بالقلعة وحملوا حملة رجل واحد فسلم الخيالة منهم ونجوا وسلكوا الجبال والشعاب، وقتل الرجالة، ودخل التتار القلعة وسبوا النساء والأطفال ونهبوا الأمتعة. قال: ثم جمع جنكزخان أهل البلاد الذين أعطاهم الأمان ببلخ وغيرها، وسيرهم مع بعض أولاده إلى مدينة مرو، فوصلوا إليها وقد اجتمع بها من الأعراب والأتراك وغيرهم ممن نجا من المسلمين ما يزيد على مائتى ألف رجل، وهم معسكرون بظاهر مرو، وقد عزموا على لقاء التتار؛ فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا. ولما رأى المسلمون إقدام التتار وصبرهم، ولوا منهزمين، فقتل منهم وأسر خلق كثير، ولم يسلم منهم إلا القليل، ونهبت أموالهم. وأرسل ابن جنكزخان إلى ما حوله من البلاد، وأمرهم بجمع الرجال لحصار مرو، فاجتمعوا وتقدموا للحصار ولازموا القتال. هذا وأهل البلد قد ضعفت نفوسهم بانهزام تلك الطائفة الكبيرة. فلما كان فى اليوم الخامس من نزولهم أرسل التتار إلى أمير البلد يقولون له: «لا تهلك نفسك ومن معك، واخرج إلينا ولك الأمان، ونحن نجعلك أمير

стр. 10583

هذه البلد ونرحل عنك!» . فطلب الأمان لنفسه وأهل البلد فأمنوهم؛ فخرج إليهم فخلع عليه ابن جنكزخان واحترمه وقال له: «اعرض على أصحابك حتى أستخدم منهم من يصلح لخدمتنا وأعطيه إقطاعا ويكون معى» فجمعهم له، فلما تمكن منهم أمر بالقبض عليهم وعلى أميرهم ثم قال: «اكتبوا لنا تجار البلد ورؤساء أرباب الأموال فى جريدة واكتبوا أرباب الصناعات والحرف فى أخرى واعرضوا ذلك علينا» . ففعلوا، فأمر أن يخرج أهل البلد منه بأهليهم وأموالهم فخرجوا بأجمعهم، فجلس على كرسى من الذهب، وأحضر أولئك الجند الذين قبض عليهم، وأمر بضرب أعناقهم فقتلوا صبرا، والناس ينظرون إليهم ويبكون عليهم، وأما العامة فتقاسمهم التتار فكان يوما مشهودا، وأخذوا أرباب الأموال، فاستصفوا أموالهم وعذبوهم على طلب المال؛ ثم أحرقوا لبلد وتربة السلطان سنجر، ونبشوا القبر طلبا للمال. ودأبوا على ذلك ثلاثة أيام، فلما كان فى اليوم الرابع، أمر بقتل أهل البلد كافة؛ وقال: هؤلاء عصوا علينا؛ فقتلوا أجمعين، وأمر بإحصاء القتلى فكانوا سبعمائة ألف قتيل. ثم ساروا إلى نيسابور، فحوصرت خمسة أيام، وبها جمع صالح من العسكر الإسلامى، فلم تكن لهم بالتتار قوة، فملك التتار المدينة، وأخرجوا أهلها إلى الصحراء فقتلوهم، وسبوا حريمهم وعاقبوا من اتهموه بالمال، كما فعلوا بمرو، وأقاموا خمسة عشر يوما بخربون ويفتشون المنازل، وكانوا لما قتلوا أهل مرو قيل لهم أن قتلاهم سلم كثير منهم ولحقوا ببلاد الإسلام، فأمروا أن تقطع

стр. 10584

رؤوس أهل نيسابور حتى لا يسلم منهم أحد. فلما فرغوا من ذلك سيروا طائفة منهم إلى طوس ففعلوا بها كذلك، وخربوها، وأحرقوا المشهد الذى فيه على بن موسى الرضا والرشيد. ثم ساروا إلى هراة وهى من أحصن البلاد، فحصروها عشرة أيام فملكوها وآمنوا وقتلوا بعضهم وجعلوا فيها شحنة. ذكر ملكهم مدينة غزنة وبلاد الغور قال ابن الأثير: لما فرغ التتار من خراسان وعادوا إلى ملكهم جنكزخان وهو بالطالقان، جهز جيشا كثيفا وسيره إلى غزنة وبها السلطان جلال الدين منكوبرتى ابن السلطان جلال الدين خوارزم شاه وكان قد وصل إليها بعد مفارقته خوارزم كما قدمناه، وقد اجتمع عنده من الجيوش نحوا من ستين ألفا. وكان الجيش الذى سار إليه من عسكر التتار نحو اثنى «١» عشر ألفا. فلما وصلوا إلى أعمال غزنة خرج إليهم المسلمون مع السلطان جلال الدين إلى موضع يقال له بلق «٢» فالتقوا هناك واقتتلوا قتالا شديدا، ودامت الحروب بينهم ثلاثة أيام، فانتصر المسلمون وانهزم التتار، وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا، وعاد من سلم منهم إلى ملكهم بالطالقان. قال: فلما سمع أهل هراة بذلك ثاروا على الوالى الذى عندهم من قبل التتار فقتلوه، فسير إليهم جنكزخان عسكرا فملكوا البلد وخربوه وقتلوا من فيه وسبوا الحريم، ونهبوا السواد أجمع وأحرقوا المدينة.

стр. 10585

وهذه الحرب والواقعة لم يذكرها شهاب الدين المنشى فى تاريخه، وإنما قال: إن جلال الدين لما سار إلى غزنة اجتمع فى طريقه بابن خالد أمين ملك، وهو الذى كان يتولى هراة وهى إقطاعة، وكان قد فارقها ومعه زهاء عشرة آلاف فارس، فاتفقا على كبس التتار المحاصرين قلعة قندهار، فنهضا إليها وأوقعا بمن عليها من التتار، فلم يسلم منهم إلا من وصل بخبرهم إلى جنكزخان فغضب لذلك وجهز ابنه تولى خان، وقد ذكرنا ذلك فى أخبار جلال الدين فلنذكر ما ساق ابن الأثير. قال: ولما انهزم التتار أرسل جلال الدين إلى جنكزخان رسولا يقول له فى أى موضع يختار أن تكون الحرب حتى يأتى إليه، فجهز جنكزخان عسكرا كثيرا مع ابنه تولى خان «١» فوصل إلى كابل فتوجه إليهم جلال الدين بالعساكر الإسلامية، فالتقوا هناك واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم جيش التتار، وقتل تولى خان بن جنكزخان وغنم المسلمون ما معهم واستنقذوا ما فى أيديهم من الأسارى، ولم يذكر ابن الأثير قتل تولى خان، وانما ذكره المنشى وهو الصحيح «٢» . فلما بلغ جنكزخان انهزام عساكره وقتل ولده غضب لذلك، وتجهز بنفسه وبجيوشه، وسار إلى صوب غزنة لحرب جلال الدين وطلب

стр. 10586

ثأر ابنه. واتفق اختلاف المسلمين، ومفارقة العساكر الخلجية صحبة سيف الدين بغراق وأعظم ملك ومظفر ملك للسلطان جلال الدين بسبب ما وقع منهم عند قسم الغنيمة على ما بيناه فى أخبار جلال الدين. واجتهد جلال الدين فى ردهم فعجز، ودهمه وصول جنكزخان، ففارق غزنة وتوجه صوب السند، فأدركه جنكزخان قبل عبوره ماء السند فاضطر جلال الدين إلى القتال فكان من أمره وانهزامه وعبوره إلى بلاد الهند ما قدمناه فى أخباره. ولما فارق جلال الدين البلاد رجع جنكزخان إلى غزنة فملكها من غير مدافع ولا ممانع لخلوها من العساكر فقتل التتار أهلها ونهبوا الأموال وسبوا الحريم وألحقوها بخراسان ... ذكر ملكهم مدينة خوارزم قال شهاب الدين المنشى: كان حصار خوارزم فى ذى القعدة سنة عشرين وستماية، واستيلاؤهم عليها فى صفر. قال: لما انفصل جلال الدين وإخوته عن خوارزم كما ذكرناه فى أخباره، وافى التتار تخومها، وأقاموا بالبعد منها حتى تكاملت عدتهم وآلات الحصار. ثم تقدموا إليها. فأول من وصل إليها منهم باجى ملك «١» فى عسكر كثيف ثم بعده أوكتاى «٢» بن جنكزخان وهو الذى انتهت إليه

стр. 10587

القانية «١» فيما بعد ثم سير جنكزخان بعدهم حلقته الخاصة ومقدمها بقرجن نوين وأردفهم بابنه جغطاى ومعه طولن نوين «٢» واستون نوين وقاضان نوين فى مائة ألف فارس. وطفقوا يستعدون للحصار ويستعملون آلاته من المجانيق والدبابات وغير ذلك. ولما رأوا خوارزم وبلدها خالية من حجارة المنجنيق وجدوا هناك من أصول التوت الغلاظ ما استعملوه بدلا من الحجارة، فكانوا يقطعونها وينقعونها فى الماء فتصير كالحجارة ثقلا وصلابة، فتعوضوا بها عن الحجارة. ثم وصل دوشى خان بن جنكزخان إلى بلاد ماوراء النهر فراسلهم فى الأمان وقال: إن جنكزخان قد أنعم عليه بها وأنه لا يؤثر تخريبها ويضن به ويحرص على عماراتها. قال: ومما يدل على ذلك أن العساكر مدة مقامهم بالقرب منها ما تعرضوا إلى الغارات على رساتيقها فمال ذووا النباهة من أهلها إلى المسالمة، فغلب عليهم السفلة وامتنعوا، فعند ذلك ساق إليها دوشى خان، وأخذ يطويها محلة محلة، فكلما أخذ واحدة منها التجأ الناس إلى أخرى، وهم يحاربون أشد حرب إلى أن أعضل الأمر، ولم يبق معهم إلا ثلاث محال تراكمت الناس فيها متزاحمين. فأرسلوا إلى دوشى خان

стр. 10588

الفقيه علاء الدين الخياطى «١» محتسب خوارزم- وكان من أهل العلم والعمل- مستعطفا له؛ فأمر دوشى خان باحترامه، وأن تنصب له خيمة. ثم أحضره فأدى رسالته فقال فى جملة ما قال: إننا قد شاهدنا هيبة الخان وقد آن أن نشاهد مرحمته. فاستشاظ غضبا وقال: «ماذا رأوا من هيبتى وقد أفنوا رجالى؟ فأما أنا فشاهدت هيبتهم وها أنا أريهم هييتى.» وأمر بإخراج الناس ونودى فيهم بانفراد أرباب الصنائع وانعزالهم على حدة، فمنهم من فعل ونجا، «٢» ومنهم من اعتقد أن أرباب الحرف تساق إلى بلادهم وغيرهم يترك فى وطنه فلم ينفرد، ثم وضع السيف فيهم فقتلوا جميعا وحكى ابن الأثير فى تاريخه الكامل أن التتار بعد ذلك فتحوا السكر «٣» الذى يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء فغرق جميعه وتهدمت الأبنية ولم يسلم من أهله أحد البتة، فإن الذين اختفوا من التتار غرقهم الماء وقتلهم الهدم. وهذا ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان ولا حديثه. ثم عاد التتار إلى جنكزخان وهو بالطالقان.. ذكر عود طائفة من التتار الى همذان وغيرها وهم غير التتار المغربة الذين قدمنا ذكرهم قال ابن الأثير: وفى سنة إحدى وعشرين وستمائة وصلت طائفة

стр. 10589

من التتار من جهة جنكزخان إلى الرى؛ وكان من سلم من أهلها قد عادوا إليها وعمروها، فوضع التتار فيهم السيف وقتلوهم كيف شاؤوا، ونهبوا البلد وخربوه، وتوجهوا إلى ساوة «١» ففعلوا بها كذلك، ثم إلى قم وقاجان «٢» وكانتا قد سلمتا من التتار والمغربة. ثم عاثوا فى البلاد يخربون ويقتلون ثم قصدوا همذان، وقد اجتمع بها كثير ممن سلم من أهلها، فأبادوهم قتلا وأسرا ونهبا. قال: وكانوا لما وصلوا إلى الرى رأوا بها عسكرا كثيرا من الخوارزمية فقتل بعضهم وانهزم الباقون إلى أذربيجان، فنزلوا بأطرافها، فلم يشعروا إلا والتتار قد كبسوهم، ووضعوا فيهم السيف، فانهزموا فوصلت طائفة منهم إلى تبريز، وتفرق الباقون ووصل التتار إلى قرب تبريز فراسلوا صاحبها أزبك بن البهلوان فى طلب من التحق به من الخوارزمية، فعمد إلى من عنده منهم فقتل بعضهم وأسر البعض، وساق الأسرى وحمل الرؤوس إلى التتار، وأنفذ إليهم من الأموال والثياب والدواب شيئا كثيرا فعادوا عن بلاده نحو خراسان. قال: ولم تكن هذه الطائفة أكثر من ثلاثة آلاف، وكانت الخوارزمية الذين انهزموا منهم نحو ستة آلاف فارس؛ وعسكر أزبك أكثر من الجميع، ومع هذا فلم يمتنعوا عنهم ولا حدثوا نفوسهم بحربهم

стр. 10590

هذا كله وجلال الدين خوارزم شاه ببلاد الهند. ثم اتفق خروجه منها فى سنة إحدى وعشرين وستمائة؛ واستولى على ملك العراق، وانتزعه من يد أخيه غياث الدين [ببرشاه] «١» وملك أذربيجان ومراغة وغيرها» وقاتل الكرج على ما قدمناه فى أخباره. ولم يهجه التتار ولا قاتلوه إلى سنة خمس وعشرين وستمائة بعد وفاة جنكزخان وقام ولده [أوكداى] «٢» مقامه. هذا ما انتهى إلينا من وقائع التتار وحروبهم وما استولوا عليه فى أيام ملكهم جنكزخان التمرجى؛ وهو على سبيل الاختصار لعدم من تحقق من أخبارهم ويدون آثارهم. ثم كان بعد وفاة جنكزخان وقيام من قام بعده من أولاده حروب ووقائع، نذكرها إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا وفاة جنكزخان.

стр. 10591

ذكر وفاة جنكزخان التمرجى وأسماء أولاده واخوته وما قرره لأولاده من الوظائف والبقاع وغير ذلك كانت وفاة جنكزخان فى سنة أربع وعشرين وستماية، وقيل فى سنة خمس وعشرين فى فصل الشتاء. قال: ولما حضرته الوفاة طلب إخوته وهم أوتكين [وبلكوتى] «١» ونوين و [الحاى نوين ووكوب ووكابى] «٢» وحضر من أولاده جغطاى و (أوكتاى) «٣» وكتب لهم وصية وقال امتثلوها بعدى، وإذا أنا مت وجاء وقت الربيع تجمعوا كلكم وتعمل وليمة عظيمة ثم تقرأ هذه الوصية بحضوركم، وينصب فى الملك من عينته فيها وامتثلوا أمره، ثم فرقهم فى مشاتيهم التى قررها لهم ففعلوا ذلك وامتثلوا أمره على ما نذكره، ومات هو. وكان له من الأولاد تسعة عشر ولدا من امرأة واحدة وهى تسوجى خاتون؛ «٤»

стр. 10592

[منهم تلى خان وهو طلوخان وهو الذى قتل فى سنة ثمانى عشرة وستمائة] «١» فى الحرب التى كانت بينه وبين السلطان جلال الدين منكوبرتى على ما قدمنا ذكر ذلك. وكان لتلى خان من الأولاد منكوقان وهو الذى استقر فى القانية بعد على ما نذكره إن شاء الله تعالى؛ وهولاكو وأريق بوكا وقبلاى، وهو الذى جلس على تخت القانية بعد منكوقان واستقرت القانية فيه وفى بنيه من بعده إلى آخر وقت، وسنذكر لك ذلك إن شاء الله تعالى. وكان جنكزخان قد فوض لابنه تلى خان هذا ترتيب العساكر والجيوش وتدبيره فى المقام فى مشتاه ومصيفه وجعل له من البلاد خراسان والعراقين وما يليها، فقتل قبل تمام الفتوح. ومنهم دوشى خان بن جنكزخان وهو الذى فتح خوارزم فى حياة أبيه كما تقدم، وفتح أيضا بعد وفاة أبيه بلاد الشمال، واستولى على ملكها، وأباد من بها من طوائف الأتراك وقبائل القفجاق وغيرهم من القبائل: كاللان، وآلاص «٢» ، والأولاق «٣» ، و [الجركس] «٤» والروس وغيرهم من سكان البلاد الشمالية. واستقر ملك هذه البلاد بيده، ثم بيد باطوخان بن دوشى خان ثم فى (صرطق بن دوشى خان) «٥» ، ثم فى أولاد باطوخان وإخوته على ما نذكره بعد.

стр. 10593

ومن أولاد دوشى خان بن جنكزخان أرديوا وهو صاحب غزنة وباميان. وقد قيل إن أرديوا بن جنكزخان، وكان جنكزخان قد جعل وظيفة دوشى خان ترتيب الصيد، وهى عندهم أكبر المراتب، وعين له من البلاد والمياه لمشتاه ومصيفه حدود قيالق وبلاد خوارزم إلى أطراف [سقسين] «١» وبلغار إلى حيث تنتهى حوافر خيلهم من الفتوح. ومنهم أوكتاى خان بن جنكزخان وهو أوكتاى، وهو الذى جلس على تخت القانية بعد وفاة أبيه جنكزخان، وكان جنكزخان، قد جعله مشيره وصاحب الرأى وعين له من البلاد آمل «٢» وقوتاق «٣» وجعله ولى عهده من بعده، وعهد إليه أنه إذا انتهى الملك إليه أن يعطى ما بيده من البلاد لولده كيوك خان ثم يتحول إلى مستقر الملك من بلاد الخطا والأيغور بقرا قورم وغيرها. ومنهم جغطاى بن جنكزخان كان أبوه قد فوض إليه مهمات

стр. 10594

السياسة والحكومة للياسا «١» واليرغو «٢» ، وجعل له من البلاد للمراعى والمشاتى والمصيف من حدود بقاع الأيغور وسمرقند وبخارى وما يتاخم ذلك من البلاد. وكان مقامه قبل ذلك بقرب المالق وما يليها. فهؤلاء الأربعة هم المشار إليهم من أولاد جنكزخان وله غير هؤلاء منهم أورخان، وكلكان، والغوانوين، وجورجاى «٣» ، وأولطاى خان، وأرديوا، وقد تقدم الخلاف فيه هل هو ابن جنكزخان أو ابن دوشى خان «٤» ومن أولاده مغل بن جنكزخان وهو جد نوغية، ولنوغية هذا أخبار تذكر بعد ان شاء الله تعالى. وقد قيل إن مغل بن دوشى خان. وأما بقية أولاد جنكزخان فلم تنقل إلينا أسماؤهم بحكم أنه لم يكن لهم ملك وإنما كانوا فى خدمة إخوتهم. وعين جنكزخان أيضا لأخوته وأقاربه أماكن من ملكه، فاستقرت حالهم على ما قرره

стр. 10595

لهم، وكان قد خالف جنكزخان من قبائل التتار أويرات وقنورت «١» فلم يزل جنكزخان يلاطفهم ويسوسهم إلى أن قرر على نفسه أن يزوجوهم ما لهم من البنات ولذريتهم. واستقرت هذه القاعدة فيهم إلى وقتنا هذا. هذا ملخص ما انتهى إلينا من أخبار أولاد جنكزخان وما قرره لهم؛ فلنذكر أخبار من انتصب فى القانية بعد وفاة جنكزخان من أولاده وأولادهم. ذكر ملك أوكتاى بن جنكزخان قد ذكرنا أن جنكزخان كان قد كتب وصية قبل وفاته بمحضر إخوته وبعض بنيه، وقرر معهم أن يعملوا بها بعده، وأمرهم أنه إذا دخل فصل الربيع يجتمع إخوته وأولاده، والخواتين «٢» والأمراء وأن يذبحوا الدبائح ويعملوا الأفراح أربعين يوما من حين اجتماعهم؛ ثم تقرأ وصيته ويعمل بمقتضاها. فلما دخل فصل الربيع وذلك فى سنة خمس وعشرين وستمائة، سير حلف الأعمام والأخوة والخواتين وأمراء التمانات «٣» ؛ فكان أول من حضر منهم جغطاى بن جنكزخان ثم أخوه أوكتاى ثم حضر نقيبهم

стр. 10596

ولم يتخلف منهم أحد. ثم ذبحوا الذبائح وأحضروا الخمور وألبان الخيل، وهى القمز «١» . وعملوا الأفراح إلى أن مضت المدة التى عينها لهم، ثم اجتمعوا وأخرجوا كتاب الوصية الذى اكتتبه جنكزخان، فقرىء بمشهد منهم، فإذا الوصية فيه بالملك لأوكديه خان. فلما سمع أوكديه خان ذلك قال: كيف أجلس على كرسى الملك وفى إخوتى وأعمامى من هو أكبر منى وأصلح، فلا أجلس. فلم يرجعوا إلى قوله، وأقام أخوه جغطاى وأخذ بيده اليمنى وأخذ عمه أوتكين بيده اليسرى فأقاماه وأجلساه على كرسى الملك. ثم ملأ أخوه الأصغر وهو ألغو نوين هنابا «٢» من المشروب فناوله إياه، فعند ذلك قام جميع من حضر من أعمامه وإخوته وأمراء التمانات فضربوا جوك- وهو الخدمة عندهم-؛ وكيفيته أن يبرك الرجل منهم على أحد ركبتيه ويسير بمرفقه إلى الأرض؛ وهذه الخدمة عندهم غاية التعظيم. وشرب أوكديه خان ذلك الهناب، وأمر بإجلاس الناس على مراتبهم، ونزلهم منازلهم، فأجلس الأعمام والإخوة عن يمينه وأجلس الخواتين عن يساره. فقام الإخوة وجلسوا بين يديه وقالوا: قد امتثلنا ياسا أبينا جنكزخان، ونشد أوساطنا فى الخدمة والإخلاص، ونبذل أنفسنا فى الطاعة، فشكرهم أوكديه وفتح الخزائن، وفرق الأموال والخلع، وأنعم حتى على الغلمان

стр. 10597

والرعاة، وفرق الناس فى مصايفهم ومنازلهم واستقر هو بقرا قروم وجهز أخاه دوشى خان «١» إلى بلاد الشمال ففتحها فى سنة سبع وعشرين وستماية وملكها وأقام بها على ما نذكر ذلك فى أخبارهم. فلنذكر الحروب الكائنة بين عساكر أوكديه خان وبين السلطان جلال الدين وغيره من المسلمين. ذكر الحروب الكائنة بين التتار والسلطان جلال الدين، وما كان من أمرهم الى أن ملكوا ما كان بيده كانت أول حرب وقعت بين السلطان جلال الدين منكوبرتى وبين التتار بعد خروجه من الهند فى سنة خمس وعشرين وستمائة بظاهر أصفهان، فهزموه ثم هزمهم، وأذاهم بالقتل ولم يسلم منهم إلا قليلا. وحكى أن هذه الطائفة من التتار كان جنكزخان قد نقم على مقدمها وأبعده عنه، وأحرجه من بلاده، فقصد خراسان فرآها خرابا، فقصد الرى لتغلبه على تلك النواحى. ثم تقدم إلى قرب أصفهان فالتقى هو وجلال الدين، ولما هزمه جلال الدين، أرسل إليه أوكديه بن جنكزخان يقول إن هذه الطائفة ليست منا، فأمن عند ذلك جانب أوكتاى، ثم انقطعوا عنه ثلاث سنين.

стр. 10598

وفى سنة ثمان وعشرين وستمائة فى أوائلها، وصلت طائفة من التتار من بلاد ما وراء النهر إلى تخوم أذربيجان. وكان سبب ذلك أن مقدم الاسماعيلية كاتبهم وعرفهم أن جلال الدين قد ضعف وانهزم من كيقباذ صاحب الروم ومن الأشرف، وأنه وقع بينه وبين من يجاوره من الملوك، ووصلت إساءته إلى كل منهم وأنهم لا ينصرونه وضمن لهم الظفر به. «١» فبادرت طائفة منهم من التتار ودخلوا البلاد، واستولوا على الرى وهمذان وما بينهما من البلاد، ثم قصدوا أذربيجان وقتلوا من ظفروا به من أهلها، ولم يقدم جلال الدين على قتالهم لتفرق عساكره ومخالفة وزيره شرف الملك عليه. وكان من كبسهم للسلطان جلال الدين، وانهزامه منهم، وتنقله من مكان إلى آخر ما قدمناه فى أخباره. ثم كبسه التتار وهو بالقرب من آمد فهرب منهم. وكان من خبر مقتله ما قدمناه، فتمكن التتار بعد مقتله من البلاد وملكوها من غير ممانع عنها ولا مدافع.

стр. 10599

ذكر طاعة أهل أذربيجان للتتار قال ابن الأثير الجزرى: وفى سنة ثمان وعشرين وستمائة أطاع أهل أذربيجان التتار. وسبب ذلك أن جلال الدين لما كبسه التتار بآمد وانهزم منهم، وانقطع خبره، سقط فى أيدى الناس وأذعنوا بطاعة التتار وحملوا إليهم الأموال والثياب وغير ذلك. فممن دخل فى طاعتهم أهل مدينة تبريز- وهى توريز- وهى أصل أذربيجان ومرجع الجميع إليها. وكان مقدم جيش التتار نزل بعساكره بالقرب منها ودعا أهلها إلى طاعته، وتهددهم إن امتنعوا عليه، فأرسلوا إليه الأموال والتحف ومن كل شى حتى الخمر، وبذلوا الطاعة. فشكرهم على ذلك، وطلب حضور أكابر أهلها إليه، فتوجه إليه قاضى البلد ورئيسه وجماعة من الأعيان، وتخلف عنهم شمس الدين الطغرائى وكان مرجع الجميع إليه، إلا أنه لا يظهر ذلك. فلما حضروا عنده سألهم عن سبب امتناع الطغرائى من الحضور، فاعتذروا بانقطاعه وعدم تعلقه بالملوك وأنهم الأصل، فسكت. ثم طلب صناع الثياب الخطاى وغيرها فحضروا إليه، فأمرهم أن يستعملوا للقان ثيابا، وقرر ثمنها على أهل تبريز، وطلب منهم خركاة للقان أيضا فعملوا خركاة عظيمة غشوا ظاهرها بالأطلس وباطنها بالسمور والقندر، وقرر عليهم فى كل سنة من المال والثياب شيئا معلوما.

стр. 10600

ذكر دخول التتار ديار الجزيرة قال: لما انهزم جلال الدين من التتار على آمد نهب التتار سواد آمد وميافارقين وقصدوا مدينة أسعرد «١» فقاتلهم أهلها فبذل لهم التتار الأمان، فسلموا لهم البلد، فعند ذلك بذلوا فيهم السيف حتى كادوا يأتون عليهم. فما سلم منهم إلا من اختفى، وقليل ما هم. قيل إن القتلى بلغت تقدير خمسة عشر ألفا، وكانت مدة الحصار خمسة أيام، ثم ساروا منها إلى مدينة طنزة «٢» ففعلوا فيها كذلك، وساروا منها إلى واد بالقرب منها يقال له وادى القريشية، فيه طائفة من الأكراد القريشية، وفيه مياه جارية وبساتين كثيرة، والطريق إليه ضيق، فمنعهم القريشية منه وقتلوا كثيرا منهم، فعاد التتار ولم يبلغوا منهم غرصا، وساروا فى البلاد لا مانع يمنعهم فوصلوا إلى ماردين فنهبوا ما مروا عليه من بلدها واحتمى صاحبها وأهل دنيسر بقلعة ماردين. ثم وصلوا إلى نصيبين الجزيرة فأقاموا عليها بعض يوم ونهبوا سوادها، وقتلوا من ظفروا به، وغلقت أبوابها فعادوا عنها؛ وتوجهوا إلى بلد سنجار، فوصلوا إلى البلاد من أعمالها، فنهبوا ودخلوا الخابور فوصلوا إلى عربان «٣» ، فنهبوا

стр. 10601

وقتلوا وعادوا وتوجهت طائفة منهم على طريق الموصل، فوصلوا إلى قرية تسمى المؤنسة، وهى على مرحلة من نصيبين بينها وبين الموصل، فنهبوا واحتمى أهلها وغيرهم بخان فيها، فقتلوا كل من فيه ومضت طائفة منهم إلى نصيبين الروم وهى على الفرات من أعمال آمد، فنهبوا وقتلوا منها ثم عادوا إلى آمد ثم إلى بلد بدليس «١» فتحصن أهلها بالقلعة وبالجبال، فقتلوا فيها يسيرا، وأحرقوا المدينة، ثم ساروا من بدليس إلى خلاط فحصروا مدينة من أعمالها يقال لها باكرى [وهى] «٢» من أحصن البلاد، فملكوها عنوة وقتلوا كل من بها، وقصدوا مدينة أرجيش «٣» من أعمال خلاط، وهى مدينة كبيرة عظيمة ففعلوا كذلك، وذلك فى ذى الحجة سنة ثمان وعشرين وستمائة. قال ابن الأثير فى تاريخه الكامل: لقد حكى لى عنهم حكايات يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الذى ألقاه الله تعالى فى قلوب الناس منهم، حتى قيل إن الواحد منهم كان يعبر «٤» القرية أو الدرب وبه جمع كثير من الناس فيقتلهم واحدا بعد واحد ولا يجسر أحد يمد يده إليه. قال: ولقد بلغنى أن إنسانا منهم أخذ رجلا ولم يكن معه ما يقتله به فقال له: وضع رأسك على الأرض ولا تبرح،

стр. 10602

فوضع رأسه على الأرض ومضى التتارى وأتى بسيف فقتله به. قال: وحكى لى كثير من ذلك أعفيت عنه رغبة فى الاختصار. قال: وفى ذى الحجة سنة ثمان وعشرين وصلت طائفة من التتار من أذربيجان إلى أعمال أربل، فقتلوا من على طريقهم من التركمان الإيوائية والأكراد وغيرهم إلى أن دخلوا إلى بلد أربل، فنهبوا القرى وقتلوا من ظفروا به، ثم وصلوا إلى بلد دقوقا وغيرها وعادوا، ولم يرعهم أحد ولا وقف فى وجوههم فارس. هذا آخر ما أورده ابن الأثير والمنشى فى تاريخيهما من أخبار التتار لم يتجاوزا سنة ثمان وعشرين وستمائة، وبعض ما أوردناه لم يورداه فى تاريخيهما كوفاة جنكزخان وقيام ولده، فإنه ما وصل إليهما. والله أعلم. ذكر وفاة آوكتاى خان وقيام ولده كيوك خان بعده وقتله كانت وفاة أوكديه خان بن جنكزخان فى «سنة إحدى وثلاثين وستمائة» «١» ولما دنت وفاته استدعى أعمامه والأمراء وأمرهم بإجلاس ولده كيوك خان على كرسى المملكة، وأمر أن يكون جلوسه بحضور الأعمام والإخوة والأمراء. فلما مات اجتمعوا كلهم، إلا دوشى خان «٢» فإنه كان قد أوغل فى بلاد الشمال واستولى

стр. 10603

عليها وعلى ما يدانيها من القفجاق وغيرها، فلم يمكنه الحضور لبعد المسافة، فأرسل أخاه مغل بن جنكزخان، ومغل هذا هو جد نوغيه فسار مغل وأوصى على أولاده لعلمه ببعد المسافة. فلما وصل إلى قرا قروم اجتمع أهل البيت الجنكزخانى والخواتين فأنكروا عليه وقالوا له: ولم لم يأت دوشى خان، فاعتذر عنه بأعذار، فلم يقبلوها وأشاروا أن يسقوه سما فيقتلوه، فناولوه قدحا فشربه. فلما علم أن فيه السم أيس من الحياة وأخرج سكينا كان فى خفه ووثب على كيوك فقتله «١» ، وخرج جماعة من أكابر الناس عليه فقتلوه. ذكر جلوس منكوقان «٢» بن (تلى خان «٣» ) بن جنكزخان على تخت القانية ومنكوقان هو الملك الرابع من الملوك الذين جلسوا على تخت القانية. قال: ولما قتل كيوك خان من غير وصية اجتمع أولاد الخانات وأمراء التمانات، واتفقت آراؤهم على إقامة منكوقان، فإنهم لم يجدوا فى البيت أرجح منه ولا أرشح للملك، فأجلسوه

стр. 10604

على كرسى القانية. ولما استقر جرد أخاه قبلاى إلى بلاد الخطائية «١» فعاد منهزما منهم، فأعاد وجهز معه أرنيكا «٢» ، فتوجها إليهم بعساكرهما فكسروهم وغنموا غنايم كثيرة، فوقع بين الأخوين التنازع فى الغنايم، حتى كان بينهما «٣» قتال، فهزم أرنيكا قبلاى ثم اصطلحا واستقر الأمر بينهما وكانت سائر ملوك التتار داخلة تحت طاعة من ينتصب على تخت القانية يأتمرون بأمره. وانما استقل كل منهم بنفسه وانفرد بمملكته بعد وفاة منكوقان. ولما ملك منكوقان انقطع التتار عن الوصول إلى العراق والروم وغيرهما مما يكون داخلا «٤» فى طاعة الخلفاء العباسيين مدة سنين، وأرى ذلك إنما كان لاشتغالهم بقتال من يليهم، ثم رجعوا إلى هذه الممالك ففتحوها مملكة بعد أخرى «٥» .

стр. 10605

ذكر دخول التتار الى بلاد الروم وما استولوا عليه من البلاد كان أول دخول التتار إلى البلاد الرومية فى سنة أربع وثلاثين وستمائة، فى أواخر أيام السلطان علاء الدين كيقباد وابتداء سلطنة ولده غياث الدين كيخسرو. ثم وردت طائفة منهم إلى الروم فى سنة إحدى وأربعين وستمائة، فى أيام السلطان غياث الدين كيخسرو. وكانت هذه الطائفة من قبل باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان، ملك البلاد الشمالية؛ فجمع كيخسرو العساكر وخرج إليهم والتقوا واقتتلوا. فكانت الهزيمة أولا على التتار ثم تراجعوا، فهزموا صاحب الروم هزيمة عظيمة، وقتلوا وأسروا خلقا كثيرا من المسلمين، ونهبوا من الأموال ما لا يحصى كثرة. وهرب غياث الدين إلى بعض المعاقل، وتحكمت التتار فى البلاد، ثم استولوا على بلاد خلاط وآمد، ودخل غياث الدين بعد ذلك فى طاعة التتار على مال يحمله إليهم. وفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، قصد التتار بغداد ونهبوا ما مروا عليه فى طريقهم، ووصلوا إلى ظاهرها، واستعدت عساكر الخليفة للقائهم. فلما جاء الليل أوقد التتار نارا عظيمة ورجعوا تحت الليل. ثم انقطعت أخبار التتار إلى أن جردهم منكوقان فى سنة أربع وخمسين وستمائة على ما نذكره.

стр. 10606

ذكر تجريد منكوقان العساكر الى بلاد الروم وما استولوا عليه منها وفى سنة أربع وخمسين وستمائة جرد منكوقان جرماغون وبيجو «١» وجماعة من عساكره إلى بلاد الروم؛ وهى يومئذ فى يد السلطان غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ السلجقى. فساروا إليها ونزلوا على أرزن الروم «٢» ، وبها يومئذ سنان الدين ياقوت العلائى أحد مماليك السلطان علاء الدين كيقباذ. فحاصروها مدة شهرين ونصبوا عليها اثنى عشر منجنيقا. فهدموا أسوارها، ودخلوها عنوة، وأخذوا سنان الدين ياقوت، وملكوا القلعة فى اليوم الثانى، وقتلوا الجند واستبقوا أرباب الصنائع وذوى المهن، وقتلوا ياقوت؛ وغنموا وسبوا، وعادوا، ومات جرماغون ثم عاد بيجو إلى الروم مرة ثانية فى هذه السنة، فوصل إلى آقشهر زنجان، ونزل بالصحراء التى هناك. فجمع غياث الدين كيخسرو عساكره وسار للقائهم، فانهزم من غير لقاء، كما ذكرناه فى أخباره، وغنم التتار خيامه وخزائنه وأثقاله إلا ما حمله مما خف منها. وفر غياث الدين إلى قونية وتوفى فى هذه السنة.

стр. 10607

وعاد بيجو ثم رجع إلى بلاد الروم فى سنة خمس وخمسين وستمائة فدخلها وشن الغارات وسبى، وكان المحرك لعوده أن بيجار الرومى حضر إلى باب السلطان غياث الدين ليحضر السماط، ولم تكن له صورة بعسكر الروم، فمنعه البرددارية «١» وضربه بعضهم بعصاه على رأسه، فسقط طرطوره إلى الأرض فشق ذلك عليه، وقال: أنتم رميتم طرطورى فى هذا الباب، لا بد أن أرمى عوضه رؤوسا كثيرة. وخرج من فوره وتوجه إلى بيجو وحثه على قصد الروم، فقصده وأغار وخرج بعد الإغارة. ثم عاد إلى الروم فى هذه السنة، وقد استقل عز الدين كيكاوس ابن كيخسرو بالسلطنة. فلما بلغه عود التتار، جهز جيشه وقدم عليهم أميرا من أكابر أمرائه اسمه أرسلان دغمش، فتوجه بعساكر الروم وكان بيجو قد نزل بصحراء قونية. فلما كان بعد توجه أرسلان بأيام شرب كيكاوس مسكرا وتوجه إلى بيت أرسلان دغمش وهو على حالة من السكر ليهجم على حريمه؛ فبلغه ذلك فغضب له وقال: أكون قد بذلت نفسى فى دفع عدوه ويخلفنى فى حريمى بهذا. وأجمع على الخلاف، وأرسل إلى بيجو ووعده أنه يتخاذل عند اللقاء وينحاز إليه. فلما التقوا، عمل أرسلان إلى سناجق «٢» صاحبه فكسرها

стр. 10608

وانهزم بالعسكر ثم توجه إلى بيجو فأكرمه وتلقاه وحضر معه إلى قونية. ولما اتصل خبر الكسرة بالسلطان عز الدين فر من قونية إلى العلايا «١» وأغلق أهل قونية أبواب المدينة. فلما كان يوم الجمعة أخذ الخطيب ما يملكه من ماله وحلى نسائه وأحضره معه إلى الجامع، ورقى المنبر وقال: «يا معشر المسلمين، إننا قد ابتلينا بهذا العدو وليس لنا من يعصمنا منه، وقد بذلت مالى، فابذلوا أموالكم واشتروا نفوسكم بنفائسكم، واسمحوا بما عندكم لنجمع من بيننا ما نفدى به نفوسنا وحريمنا وأولادنا» . ثم بكى وأبكى الناس وسمح كل أحد بما أمكنه. وجهز الخطيب المذكور الإقامات وخرج إلى مخيم بيجو فلم يصادفه، لأنه كان قد توجه إلى الصيد، فقدم ما كان معه إلى الخاتون زوجة بيجو. فقبلته منه وأقبلت عليه وأكل من المأكول فأكلت وقدم المشروب فأخذ منه شيئا على سبيل الشاشنى «٢» ، وناوله لصغير. فقالت له: لم لا تشرب أنت منه؟ فقال: هذا محرم علينا. قالت: من حرمه؟ قال: الله حرمه فى كتابه. قالت: فكيف لم يحرمه علينا؟ فقال: أنتم كفار ونحن مسلمون. فقالت له: أنتم خير عند الله أم نحن؟ قال: بل نحن. قالت: فإذا كنتم خيرا

стр. 10609

منا عنده، فكيف نصرنا عليكم؟ فقال: هذا الثوب الذى عليك- وكان ثوبا نفيسا يمنيا مرصعا بالدراتب «١» - تعطيه لمن يكون خاصا بك أو بعيدا عنك؟ قالت: بل أخص به من يختص بى. قال: فإذا أضاعه وفرط فيه ودنسه، ما كنت تصنعين به؟ قالت: كنت أنكل به وأقتله. فقال لها: دين الإسلام بمثابة هذا الجوهر، والله أكرمنا به فما رعيناه حق رعايته، فغضب علينا وضربنا بسيوفكم واقتص منا بأيديكم. فبكت زوجة بيجو وقالت للخطيب: من الآن تكون أبى وأكون ابنك. فقال: ما يمكن حتى تسلمى: فأسلمت على يديه، وأجلسته إلى جانبها على السرير، فحضر بيجو من الصيد، فهم الخطيب أن يقوم له، فمنعته وقالت: «أنت قد صرت حماه «٢» وهو يريد يجئ إليك ويخدمك» . فلما دخل بيجو إلى الخيمة قالت له: هذا قد صار أبى. فجلس بيجو دونه وأكرمه وقال لزوجته: أنا عاهدت الله أننى إذا فتحت قونية وهبتها لك. فقالت: وأنا وهبتها لأبى. ثم أمر بفتح قونية، وأمن أهلها ورتب على كل باب شحنة من التتار ورسم أن لا يدخلها من التتار إلا من له حاجة، وأن يكونوا خمسين خمسين، لا يزيدون على ذلك. فلم يتعرضوا لأهلها بسوء. ثم اتفق بعد هذه الواقعه توجه رسل صاحب الروم إى منكوقان، ومصالحتهم وبذلهم ما بذلوه وقسمه البلد بين ولدى كيخسرو على ما قدمناه فى أخبارهم.

стр. 10610

ذكر مهلك منكوقان وما حصل بين اخوته من التنازع فى القانية كانت وفاة منكوقان بمقام نهر ألطاى من بلاد أيغور، سنة ثمان وخمسين وستمائة «١» . وكان قد قصد غزو الخطا. وكان منكوقان يدين بدين النصرانية «٢» ، وكان أخوه «٣» أرنيكا «٤» ينوب عنه فى كرسى المملكة بقراقروم. فلما مات منكوقان، أراد [أرنيكا] الاستيلاء على المملكة، وكان أخوه قبلاى مجردا ببلاد الخطا من جهة منكوقان، فجلس فى دست القانية. فأرسل بركة بن باطوخان صاحب البلاد الشمالية إلى أرنيكا يقول: أنت أحق بالقانية، لأن منكوقان رتبك فيها فى حياته، وانضم إليه بنو عمه قجى «٥» ابن أوكتاى وإخوته. ثم عاد قبلاى من بلاد الخطا، فسار أرنيكا لحربه، والتقوا واقتتلوا فكانت الكسرة على قبلاى، وانتصر أرنيكا، واحتوى على الغنائم والسبايا واختص بها، ولم يسهم منها لأحد
следующие страницы →