Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
ومما قيل في الهجاء من النظم
فمن ذلك قول جرير وهو أهجى بيت قالته العرب
فغضّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
ولو وضعت فقاح بنى نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا
وقال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه: هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر ودّوا أنهم افتدوا منه بأموالهم، وشعر لم يسرّهم به حمر النّعم فقال أسماء بن خارجة: نحن يا أمير المؤمنين! قال: وما قيل فيكم: قال: قول الحارث بن ظالم
وما قومى بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشّعر الرّقابا
فو الله يا أمير المؤمنين! إنى لألبس العمامة الصفيقة فيخيّل إلىّ أن شعر قفاى قد بدا منها، وقول قيس بن الخطيم
هممنا بالإقامة يوم سرنا ... مسير حذيفة الخير بن بدر
فما يسرّنا أنّ لنا بها أو به حمر النّعم، فقال هانىء بن قبيصة النّميرىّ: أولئك نحن يا أمير المؤمنين! قال: ما قيل فيكم؟ قال قول جرير
فغضّ الطّرف إنك من نمير
والله لوددنا أننا افتديناه بأملاكنا، وقول زياد الأعجم
لعمرك ما رماح بنى نمير ... بطائشة الصّدور ولا قصار
فو الله ما يسرّنا به حمر النّعم قال العسكرىّ وذكر أن جريرا لما قال
والتّغلبىّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا.
стр. 1087
قال: قلت فيهم بيتا لو طعن أحدهم في استه لم يحكّها! وقالوا: مرت امرأة ببنى نمير فتغامزوا إليها فقالت: يا بنى نمير! لم تعملوا بقول الله ولا بقول الشاعر، يقول الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ)
ويقول الشاعر
فغضّ الظّرف إنّك من نمير
فحجلوا؛ وكان النّميرىّ إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من نمير، فصار يقول:
من بنى عامر بن صعصعة.
قال العسكرىّ: ولو قيل إنّ أهجى بيت قالته العرب قول الفرزدق لم يبعد وهو
ولو ترمى بلؤم بنى كليب ... نجوم الليل ما وضحت لسارى
ولو يرمى بلؤمهم نهار ... لدنّس لؤمهم وضح النّهار
وما يغدو عزيز بنى كليب ... ليطلب حاجة إلا يحار
ومثله قول الآخر
ولو أنّ عبد القيس ترمى بلؤمها ... على الليل لم تبد النجوم لمن يسرى
وقالوا: أهجى بيت قالته العرب قول الأعشى
تبيتون في المشتا ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
وهذا البيت من أبيات ولها سبب نذكره الآن في هذا الموضع وإن كان خارجا عن مكانه وذلك: أن عامر بن الطّفيل بن مالك وعلقمة بن علائة تنازعا الزعامة فقال عامر: أنا أفضل منك! وهى لعمّى ولم يمت، وعمّه عامر بن مالك بن جعفر ابن كلاب وكان قد أهتر وسقط، وقال علقمة: أنا أفضل منك! أنا عفيف، وأنت
стр. 1088
عاهر، وأنا وفىّ وأنت غادر، وأنا ولود وأنت عاقر، وأنا أدنى الى ربيعة، فتداعيا الى هرم بن قطنة؛ ليحكم بينهما فرحلا اليه ومع كل واحد منهما ثلاثمائة من الإبل، مائة يطعمها من تبعه، ومائة يعطيها للحاكم، ومائة تعقر إذا حكم؛ فأبى هرم بن قطنة أن يحكم بينهما مخافة الشّرّ وأبيا أن يرتحلا؛ فخلا هرم بعلقمة وقال له: أترجو أن ينفّرك رجل من العرب على عامر فارس مضر؛ أندى الناس كفّا، وأشجعهم لقاء، لسنان رمح عامر أذكر في العرب من الأحوص، وعمّه ملاعب الأسنة، وأمّه كبشة بنت عروة الرّحال، وجدّته أم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضّحياء، وأمك من النّخع، وكانت أمّه مهيرة، وأمّ علاثة أخيذة من النّخع، ثم خلا بعامر فقال له:
أعلى علقمة تفخر؟ أنت تناوئه؛ أعلى بن عوف بن الأحوص؛ أعفّ بنى عامر وأيمنهم نقيبة، وأحلمهم وأسودهم وأنت أعور عاقر مشئوم! أما كان لك رأى يزعك عن هذا! أكنت تظنّ أن أحدا من العرب ينفّرك عليه؟ فلما اجتمعا وحضر الناس للقضاء قال: أنتما كركبتى الجمل فتراجعا راضيين.
قال العسكرىّ: والصحيح أنه توارى عنهما ولم يقل شيئا فيهما ولو قال: أنتما كركبتى الجمل لقال كل واحد منهما: أنا اليمنى، فكان الشرّ حاضرا؛ قال وسأله عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعد ذلك بحين: لمن كنت حاكما لو حكمت؟ فقال: أعفنى يا أمير المؤمنين! فلو قلتها لعادت جذعة. فقال عمر: صدقت! مثلك فليحكم.
قال فارتحلوا عن هرم لما أعياهم نحو عكاظ فلقيهم الأعشى منحدرا من اليمن، وكان لمّا أرادها قال لعلقمة: اعقد لى حبلا فقال: أعقد لك من بنى عامر! قال:
لا يغنى عنّى قال: فمن قيس! قال: لا، قال: فما أنا بزائدك، فأتى عامر بن الطفيل فأجاره من أهل السماء والأرض فقيل له: كيف تجيره من أهل السماء؟ قال: إن مات
стр. 1089
وديته، فقال الأعشى لعامر: أظهر أنكما حكّتمانى ففعل؛ فقام الأعشى فرفع عقيرته (أى صوته) فى الناس فقال
حكّمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر
لا يأخذ الرّشوة في حكمه ... ولا يبالى خسر الخاسر
علقم لا لست الى عامر الناقض ... الأوتار والواتر
واللابس الخيل بخيل اذا ... ثار عجاج الكبّة الثائر
إن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بنى عامر
ساد وألفى رهطه سادة ... وكابرا سادوك عن كابر
قال وشدّ القوم في أعراض الإبل المائة فعقروها وقالوا: نفّر عامر، وذهبت بها الغوغاء، وجهد علقمة أن يردّها فلم يقدر على ذلك، فجعل يتهدّد الأعشى فقال
أتانى وعيد الحوص من آل عامر ... فيا عبسه عمرو لو نهيت الأحاوصا
فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمّكم ... وبحرك ساج لا يوارى الدّعا مصا
كلا أبويكم كان فرعا دعامة ... ولكنّهم زادوا وأصبحت ناقضا
تبيتون في المشتا ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
يراقبن من جوع خلال مخافة ... نجوم العشاء العاتمات الغوامصا
رمى بك في أخراهم تركك النّدى ... وفضّل أقواما عليك مراهصا
فعضّ حديد الأرض إن كنت ساخطا ... بفيك وأحجار الكلاب الرّواهصا
قال فبكى علقمه لما بلغه هذا الشعر وكان بكاؤه زيادة عليه في العار، والعرب تعيّر بالبكاء؛ قال مهلهل
يبكى علينا ولا نبكى على أحد ... ونحن أغلظ أكبادا من الإبل
стр. 1090
وقال جرير
بكى دوبل لا يرقىء الله دمعه ... ألا إنما يبكى من الذّل دوبل
قال عبد الملك بن مروان لأمية: مالك وللشاعر إذ يقول
إذا هتف العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الشدائد
فقال: أصابه حدّ من حدود الله فأقمته عليه قال: فهلّا درأته عنه بالشّبهات؟
قال: كان أهون علىّ من أن أعطّل جدّا من حدود الله فقال: يا بنى أمية! أحسابكم أحسابكم، أنسابكم أنسابكم، لا تعرضوا للفصحاء فإن للشعر مواسم لا يزيدها الليل والنهار إلا جدّة، والله ما يسرّنى أنى هجيت ببيت الأعشى حيث يقول: تبيتون في المشتا الخ ولى الدنيا بحذافيرها ولو أن رجلا خرج من عرض الدنيا كان قد أخذ عوضا لقول ابن حرثان
على مكثريهم حقّ من يعتريهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل
وهذا البيت لزهير.
وقالوا أهجى بيت قالته العرب قول الحضيئة؟؟ في الزّبرقان بن بدر
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
ولهذا الشعر حكاية نذكرها في أخبار الحطيئة في البخلاء. وقيل: أتفق جماعة من الشعراء على أن أهجى بيت قالته العرب، قول الفرزدق في جرير
أنتم قرارة كلّ معدن سوءة ... ولكلّ سائلة تسيل قرار
أخذه أبو تمام فقال
وكانت زفرة ثم اطمأنت ... كذاك لكل سائلة قرار
стр. 1091
وقالوا أهجى بيت قالته العرب قول الأخطل لجرير
ما زال فينا رباط الخيل معلمة ... وفي كليب رباط اللّؤم والعار
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولى على النّار
قالت بنو تميم: ما هجينا بشىء، هو أشدّ علينا من هذا البيت، وهو يتضمن وجوها شتّى من الذّم: جعلهم بخلاء بالقرى، وجعل أمّهم خادمهم، يأمرونها بكشف فرجها، وجعلهم يبخلون بالماء أن يطفئوا به النار، وجعل نارهم من قلّتها تطفى ببولة، وأغرى بينهم وبين المجوس، لتعظيم المجوس للنار، وإهانتهم لها إلى غير ذلك.
وقالوا أهجى بيت قالته العرب قول الطرمّاح
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلّت
وقيل أهجى بيت قالته العرب قول الأعرابىّ
اللؤم أكرم من وبر ووالده ... واللؤم أكرم من وبر وما ولدا
قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
وقال مسلم بن الوليد يهجو دعبل الخزاعىّ
أما الهجاء فدقّ عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنّه ... عرض عززت به وأنت ذليل
وكان سبب ذلك أنه كان بخراسان عند الفضل بن سهل، فبلغ دعبل ما هو فيه من الحظوة عنده، فصار إلى مرو، وكتب الى الفضل بن سهل
لا تعبأن بابن الوليد فإنه ... يرميك بعد ثلاثة بملال
إن الملول إذا تقادم عهده ... كانت مودّته كفىء ضلال
стр. 1092
فدفع الفضل الرّقعة إلى مسلم، فلما قرأها قال: هل عرفت لقب دعبل وهو غلام أمرد يفسق به؟ فقال: لا، قال: كان يلقّب بميّاس، وكتب إليه
مياس قل لى: أين أنت من الورى؟ ... لا أنت معلوم ولا مجهول
أما الهجاء الخ، ومنه أخذ إبراهيم بن العباس فقال
فكن كيف شئت وقل ما تشاء ... وأبرق يمينا وأرعد شمالا
نجابك لؤمك منجا الذّباب ... حمته مقاذيره أن ينالا
وأنشد لجاحظ ووثقت أنّك لا تسبّ ... حماك لؤمك أن تنالا
وقال الآخر
بذلّة والديك كسيت عزّا ... وباللؤم اجترأت على الجواب
وقال آخر
دناءة عرضك حصن منيع ... يقيك إذا ساء منك الصنيع
فقل لعدوّك ما تشتهى ... فأنت المنيع الرفيع الوضيع
وقال أبو نواس
ما كان لو لم أهجه غالب ... قام له هجوى مقام الشرف
يقول: قد أسرف في هجونا ... وإنما ساد بذاك السّرف
عائب؟؟، لا تسع لتبنى العلا، ... بلغت مجدا بهجائى، فقف
قد كنت مجهولا ولكننى ... نوّهت بالمجهول حتى عرف
стр. 1093
وقال أبو هلال العسكرىّ
أهنت هجائى يابن عروة، فانتحى ... علىّ ملام الناس في البعد والقرب
وقالوا: أتهجو مثله في سقوطه؟ ... فقلت لهم: جرّبت سيفى في كلب
وقال ابن لنكك
وعصبة لمّا توسّطهم ... صارت علىّ الأرض كالخاتم
كأنّهم من سوء أفهامهم ... لم يخرجوا بعد إلى العالم
يضحك إبليس سرورا بهم ... لأنهم عار على آدم
وقالوا أهجى بيت قاله محدّث قول الآخر
قبحت مناظرهم، فحين خبرتهم، ... حسنت مناظرهم لقبح المخبر
وقال العسكرىّ: ولست أعرف في الهجاء أبلغ من قول الأوّل
إن يفجروا أو يغدروا، ... أو يبخلوا لم يحفلوا
وغدوا عليك مرجّلين ... كأنّهم لم يفعلوا!
ومن البليغ قول حسان
أبناء حار، فلن تلقى لهم شبها ... إلا التيوس على أكتافها الشّعر
إن نافروا نفروا، أو كاثروا كثروا، ... أو قامرو الربح عن أحسابهم قمروا
كأنّ ريحهم في الناس إن خرجوا ... ريح الكلاب إذا ما مسّها المطر
وقال أيضا
أبوك أبو سوء وخالك مثله ... ولست بخير من أبيك وخالكا
وإن أحقّ الناس أن لا تلومه ... على اللؤم من ألفى أباه كذلكا
стр. 1094
وقال الآخر
سل الله ذا المنّ من فضله ... ولا تسألنّ أبا واثله
فما سأل الله عبد له ... فخاب ولو كان من باهله
وقال آخر
ولو قيل للكلب: يا باهلىّ ... لأعول من قبح هذا النسب!
وقال زياد: ما هجيت ببيت قطّ أشدّ علىّ من قول الشاعر
فكّر، ففى ذاك إن فكّرت معتبر ... هل نلت مكرمة إلا بتأمير
عاشت سميّة ما عاشت وما علمت ... أن ابنها من قريش في الجماهير
وقال إبراهيم بن العباس
ولما رأيتك لا فاسق ... تهاب ولا أنت بالزاهد
وليس عدوّك بالمتّقّى ... وليس صديقك بالحامد
أتيت بك السوق سوق الهوان ... فناديت: هل فيك من زائد؟
على رجل غادر بالصديق ... كفور لنعمائه جاحد
فما جاءنى رجل واحد ... يزيد على درهم واحد
سوى رجل حان منه الشقىء ... وحلّت به دعوة الوالد
فبعتك منه بلا شاهد ... مخافة ردّك بالشاهد
وأبت الى منزلى سالم ... وحلّ البلاء على الناقد
وقال العسكرىّ
إن كان شكلك غير متّفق ... فكذا خلالك غير مؤتلفه
صوّرت من نطف قد اختلفت ... فأتت خلالك وهى مختلفه
стр. 1095
من عصبة شتى اذا اجتمعوا ... شبّهت داركم بهم عرفه
فورثت من ذا قبح منظره ... وورثت ذاك خناه أو صلفه
وقال الحسن بن مطران شاعر اليتيمة
كم غصت في مدحك فكرا على ... درّ نفيس غير مثقوب
ولم يغض رأيك يوما على ... برّى، ولا رأى لمكذوب
إن كان موعودك في الجود لى ... أكذب من موعود عرقوب
فإنّ أخبارك في مدحتى ... أكذب من ذئب ابن يعقوب
وقال أحمد بن محمد بن حامد شاعر الخريدة
بليت بقوم ما لهم في العلايد ... ولا قدم تسعى لبذل الصنائع
اذا نظرت عينى اليهم تنجّست ... برؤيتهم طهّرتها بالمدامع
وقال المتنبّى
إن أوحشتك المعالى ... فإنها دار غربه
أو آنستك المخازى ... فإنها يك؟؟ أشبه
وقال أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحجّاج
ولقد عهدتك تشتهى ... قربى، وتستدعى حضورى
وأرى الجفا بعد الوفا ... مثل النفسا؟؟ بعد البخور
يا خرية العدس الصحيح ... النّبى، والخبز الفطير
فى جوف منحلّ الطبيعة ... والقوى شيخ كبير
يجرى فيخرج سرمه ... شبرين من وجع الزحير
يا؟؟ نتموة أبعد العشا ... بالبيض واللبن الكثير
стр. 1096
وفطائر عجنت بلا الملح ... الجريش ولا الخمير
يا نتن رائحة الطبيخ ... إذا تغيّر في القدور
يا عشّ بيض القمل فرّخ ... فى السوالف والشعور
يا بول صبيان الفطا ... م ويا خراهم في الحجور
يا بعض تدخين الحشا ... فى الصوم من تخم السّحور
يا حرّ قولنج البطو ... ن وبردّ أعصاب الظهور
يا ذلّة المظلوم أصبح ... وهو معدوم النصير
يا سوء عاقبة التفقّد ... عند تشبيه الأمور
يا كلّ شىء متعب ... متعقّد صعب عسير
يا حيرة الشيخ الأصمّ ... ، وحسرة الحدث الضرير
يا قعدة في دجلة ... والريح تلعب بالجسور
يا قرحة السلّ التى ... هدّت شراسيف الصدور
يا أربعاء لا تدو ... ربه مخافات الشهور
يا هدّة الحيطان تنقض ... بالمعاول والمرور
يا قرحة في ناظر ... غلظوا عليها بالذّرور
فتسلّخت مع ما يليها ... في الجفون من البثور
يا خيبة الأمل الذى ... أمسى يعلّل بالغرور
يا غلمة المتخدّرا ... ت وراء أبواب القصور
يا وحشة الموتى إذا ... صاروا إلى ظلم القبور
يا ضجرة المحموم بالغدوات ... من ماء الشعير
стр. 1097
يا شؤم إقبال الشتا ... ءأضرّ بالشيخ الفقير
يا دولة الحسن التى ... خسفت بأيّام السّرور
يا ضجّة الضّجر المصدّع ... بالتنازع والشّرور
يا عثرة القلم المرشش ... بين أثناء السطور
يا ليلة العريان غبّ ... عشيّة اليوم المطير
يا نومعة في شمس آ ... ب على التراب بلا حصير
يا فجأة المكروه في البيوم ... العبوس القمطرير
يا نهمة الكلب الرضيع ... ونكهة الليث الهصور
يا عيش عان موثق ... فى القيد مغلول أسير
يا حدّة الرّمد الذى ... لا يستفيق من القطور
يا غيشة الكنّاس من ... شمّ الذرائر والعبير
يا حيرة العطشان وقت ... الظّهر في وسط الهبير
من لى بأن تلقاك خيل ... بنى كلاب بلا خفير
وأرى بعينى لحمك المطبوخ ... فى حرّ الهجير
فى الأرض ما بين السباع ... وفي السما بين النّسور
وقال المتنبّى
يمشى بأربعة على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراء يلجم
وجفونه ما تستقرّ كأنها ... مطروفة أو فتّ فيها حصرم
وتراه أصغر ما تراه ناطقا ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم
стр. 1098
واذا أشار مكلّما فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
يقلى مفارقة الأكفّ قذاله ... حتى يكاد على يد يتعمّم
ومما يذمّ به الرجل أن يكون ثقيلا، فأبلغ ما قيل في ذلك قول بعضهم
وثقيل أشدّ من غصص الموت ... ومن زفرة العذاب الأليم
لو عصت ربّها الجحيم لما كا ... ن سواه عقوبة للجحيم
وأبلغ ما قيل في هذا المعنى قول بشّار
ولقد قلت حين وتّد في الأر ... ض ثقيل اربى على ثهلان
كيف لم تحمل الأمانة أرض ... حملت فوقها أبا سفيان
ومما هجى به أهل الوقت على الإطلاق، فمن ذلك قول أبى هلال العسكرىّ .
كم حاجة أنزلتها ... بكريم قوم أو لئيم
فإذا الكريم من اللئيم ... أو اللئيم من الكريم
سبحان ربّ قادر ... قدّ البريّة من أديم
فشريفهم ووضيعهم ... سيّان في سفه ولوم
قد قلّ خير غنيّهم ... فغنّيهم مثل العديم
وإذا اختبرت حميدهم ... ألفيته مثل الذميم
стр. 1099
ومما قيل في هجاء بعض العشيرة ومدح بعضهم ،
فمن ذلك قول أبى عيينة ليهجو خالد بن يزيد المهلّبىّ ويمدح أباه
أبوك لنا غيث نعيش بفضله ... وأنت جراد ليس يبقى ولا يذر
له أثر في المكرمات يسرّنا ... وأنت تعفّى دائبا ذلك الأثر
لقد قنّعت قحطان خزيا بخالد ... فهل لك فيه يخزك الله يا مضر؟
وله في قبيصة بن روح، يفضّل عليه ابن عمّه داود بن يزيد بن حاتم
أقبيص لست وإن جهدت ببالغ ... سعى ابن عمّك ذى النّدى داود
شتّان بينك يا قبيص وبينه ... إن المذمّم ليس كالمحمود
داود محمود وأنت مذمّم ... عجبا لذاك وأنتما من عود
ولربّ عود قد يشقّ لمسجد ... نصفا وسائره لحشّ يهودى
وقال حسان في أبى سفيان بن الحارث
أبوك أب حرّ وأمّك حرّة ... وقد يلد الحرّان غير نجيب
فلا تعجبنّ الناس منك ومنهما ... فما خبث من فضّة بعجيب
ذكر ما قيل في الحسد
ومما يذمّ به الرجل، أن يكون حسودا، وقد أمر الله تعالى نبيّه ﵊، أن يتعوّذ من شرّ الحاسد إذا حسد قال ابن السمّاك
стр. 1100
أنزل الله تعالى سورة جعلها عوذة لخلقه من صنوف الشرّ، فلما انتهى الى الحسد، جعله خاتما إذ لم يكن بعده في الشرّ نهاية. والحسد أوّل ذنب عصى الله تعالى به فى السماء، وأول ذنب عصى به في الأرض، أما في السماء، فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض، فحسد قابيل لهابيل، وذهب بعض أهل التفسير في قوله عزّوجلّ إخبارا عن أهل النّار (رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ)
أن المراد بالجنّ إبليس، وبالإنس قابيل، وذلك أن إبليس أوّل من سنّ الكفر، وقابيل أوّل من سنّ القتل، وأصل ذلك كلّه الحسد.
وقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله، فقيل له: ومن يعادى نعم الله؟
قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، يقول الله تعالى في بعض الكتب: الحسود عدوّ نعمتى، مسخط لقضائى، غير راض بقسمتى.
وقالت الحكماء: إذا أراد الله، أن يسلّط على عبد عدوّا لا يرحمه، سلّط عليه حاسدا.
وكان يقال في الدعاء على الرجل: طلبك من لا يقصّر دون الظّفر، وحسدك من لا ينام دون الشّقاء.
وقالوا: ما ظنّك بعداوة الحاسد، وهو يرى زوال نعمتك نعمة عليه؟
قال أبو الطيب المتنبىّ
سوى وجع الحساد داء فإنه ... إذا حلّ في قلب فليس يحول
ولا تطمعن من حاسد في مودّة ... وإن كنت تبديها له وتنيل
стр. 1101
وقال الببّغاء
ومن البلية أن تداوى حقد من ... نعم الاله عليك من أحقاده
وقال علىّ رضى الله عنه لا راحة لحسود، ولا أخ لملول، ولا محبّ لسىء الخلق.
وقال الحسن ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد؛ نفس دائم، وحزن لازم، وغيره لا تنفد، ثم قال: لله درّ الحسد ما أعدله! يقتل الحاسد قبل أن يصل الى المحسود.
وقال الجاحظ: من العدل المحض، والإنصاف الصحيح، أن تحطّ عن لحاسد نصف عقابه، لأن ألم جسمه، قد كفاك مؤنة شطر غيظك عليه.
وقيل: الحسد أن تتمنى زوال نعمة غيرك، والغبطة أن تتمنى مثل حال صاحبك، وفي الحديث: «المؤمن يغبط، والمنافق يحسد» .
وقال أرسطا طاليس: الحسد حسدان: محمود، ومذموم، فالمحمود أن ترى عالما فتشتهى أن تكون مثله، وزاهدا فتشتهى مثل فعله، والمذموم أن ترى علما وفاضلا فتشتهى أن يموتا، وقيل: الحسود غضبان على القدر، والقدر لا يعتبه.
قال منصور الفقيه
ألا قل لمن كان لى حاسدا ... أتدرى على من أسأت الأدب
أسأت على الله في فضله ... إذا أنت لم ترض ما قد وهب
وقال المتنبّى
وأظلم أهل الأرض من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلّب
стр. 1102
ومن أخبار الحسدة: ما حكى، أنه اجتمع ثلاثة نفر منهم، فقال أحدهم لصاحبه: ما بلغ من حسدك؟ قال: ما اشتهيت أن أفعل بأحد خيرا قطّ، فقال.
الثانى: أنت رجل صالح، أنا ما اشتهيت أن يفعل أحد بأحد خيرا قطّ، فقال الثالث: ما في الأرض أفضل منكما، أنا ما اشتهيت أن يفعل بى أحد خيرا قط.
ومما قيل من الشعر في تفضيل المحسود ومدحه، وهجاء الحاسد وذمّه ،
قال بعض شعراء
إن يحسدونى فإنى غير لائمهم ... قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فذم لى ولهم ما ب؟؟ ى وما بهم ... ومات أكثرنا غمّا بما يجد
وقال آخر
إن الغراب وكان يمشى مشبة ... فيما مضى من سالف الاحوال
حسد القطاة ورام يمشى مشيها ... فأصابه ضرب من العقّال
وقال آخر
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا إنّه لدميم
وقال البحترىّ
لا تحسدوه فضل رتبته التى ... أعيت عليكم وافعلوا كفعاله
وقال السّرىّ الرفّاء
نالت يداه أقاصى المجد الّذى ... بسط الحسود إليه باعا ضيّقا
стр. 1103
أعدّوه هل للسّماك جريرة ... فى أن دنوت من الحضيض وحلّقا؟
أم هل لمن ملأ اليدين من العلا ... ذنب إذا ما كنت منها مملقا؟
وقال أبو تمام الطائىّ
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... يوما أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وقال البحترىّ
ولن يستبين الدّهر موضع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
وقال محمد بن مناذر
يا أيّها العاتبى وما بى من ... عتب ألا ترعوى وتزدجر!
هل لك عندى وتر فتطلبه ... أم أنت ممّا أتيت معتذر؟
إن يك قسم الإله فضّلنى ... وأنت صلد ما فيك معتصر
فالحمد والشكر والثناء له ... وللحسود التّراب والحجر
ماذا الذى يجتنى جليسك أو ... يبدو له منك حين يختبر
اقرأ لنا سورة تذكّرنا ... فإن خير المواعظ السّور
أوصف لنا الحكم في فرائضنا ... ما تستحقّ الأنثى أو الذّكر
أو ارو فقها تروى القلوب به ... جاء به عن نبيّنا الأثر
أو من أحاديث جاهليّتنا ... فإنها حكمة ومفتخر
أو ارو عن فارس لنا مثلا ... فإن أمثالها لنا عبر
أو غنّ صوتا تشجى النّفوس به ... وذنب ما قد أتيت مغتفر
فإن تكن قد جهلت ذاك وذا ... ففيك للناظرين معتبر
стр. 1104
ذكر ما قيل في السّعاية والبغى والغيبة والنّميمة
قال الله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ)
. وقال تعالى: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ)
. وقال تعالى: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ)
. وقال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يرفعن إلينا عورة أخيه المؤمن» . وقال ﷺ : «لا يراح القتّات رائحة الجنّة» . وفي لفظ «لا يدخل الجنّة قتّات» ؛ والقتّات: النّمّام.
قال بعض الشعراء
فلا تسعى على أحد ببغى ... فان البغى مصرعه وخيم
وقال العتّابىّ
بغيت فلم تقع إلا صريعا ... كذاك البغى مصرع كلّ باغى
وسأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة، فقال لأصحابه: إذا شئتم، فقاموا، فلما تهيّأ الرجل للكلام، قال له: إياك أن تمدحنى فإنى أعلم بنفسى منك، أو تكذبنى، فإنه لا رأى لكذوب، أو تسعى إلىّ بأحد، وإن شئت أقلتك، قال: أقلنى.
قال: ولما ولى عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك دمشق، ولم يكن في بنى أميّة ألبّ منه في حداثة سنّه، قال أهل دمشق: هذا غلام شابّ، ولا علم له بالأمور، وسيسمع منا، فقام إليه رجل، فقال: أصلح الله الأمير، عندى نصيحة، فقال له:
يا ليت شعرى، ما هذه النصيحة التى ابتدأتنى بها من غير يد سبقت منّى إليك؟
فقال: جار لى عاص، متخلّف عن ثغره، فقال له: ما اتقيت الله، ولا أكرمت أميرك، ولا حفظت جوارك. إن شئت، نظرنا فيما تقول، فإن كنت صادقا؛
стр. 1105
لم ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت كاذبا، عاقبناك، وإن شئت، أقلناك، قال:
أقلنى، قال: اذهب حيث شئت، لا صحبك الله، ثم قال: يا أهل دمشق، ما أعظمتم ما جاء به الفاسق، إن السّعاية أحسب منه سجيّة، ولولا أنه لا ينبغى للوالى أن يعاقب، قبل أن يعاتب، كان لى فيه رأى، فلا يأتنى أحد منكم بسعاية على أحد، فإن الصادق فيها فاسق، والكاذب بهّات؛ وسعى رجل برجل إلى عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، فقال: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبا، فأنت من هذه الآية: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ)
وإن كنت صادقا، فأنت من هذه الآية: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ)
وإن شئت عفونا عنك، قال: العفو يا أمير المؤمنين، قال: على أن لا تعود.
وكتب محمد بن خالد إلى ابن الزيّات: إن قوما صاروا إلىّ متنصّحين، فذكروا أن رسوما للسلطان قد عفت ودرست، وأنه توقّف عن كشفها إلى أن يعرف موقع رأيه فيها، فوقّع على رقعته: قرأت هذه الرّقعة المذمومة، وسوق السّعاة مكسد عندنا، وألسنتهم تكلّ في أيامنا، فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما فى ديوانك، فلم ترد للناحية لكشف الرسوم العافية، ولا لتحيى الأعلام الدثرة، وجنّبنى وتجنّب قول جرير
وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحاب؟؟ بخزية وتركت عارا
قالوا: وكان الفضل بن يحيى يكره السّعاة، فإذا أتاه ساع، قال له: إن صدقتنا، أبغضناك، وإن كدبتنا، عقبناك، وإن استقلتنا، أقلناك.
وحكى صاحب العقد قال: قال العتبىّ، حدّثنى أبى عن سعيد القصرىّ، قال: نظر إلىّ عمرو ابن عينه ورجل يستم بين يدىّ رجلا، فقال لى: ويلك،
стр. 1106
وما قال لى ويلك قبلها: نزّه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزّه لسانك عن الكلام به، فإن السامع شريك القائل، وإنه عمد إلى شرّ ما في وعائه، فأفرغه في وعائك، ولو ردّت كلمة جاهل في فيه، لسعد رادّها، كما شقى قائلها، وقد جعله الله تعالى شريك القائل، فقال: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) .
ومما قيل في الغيبة والنّميمة ،
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا قلت في الرجل ما فيه فقد اغتبته وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهتّه» .
اغتاب رجل رجلا عند قتيبة بن مسلم، فقال له: أمسك عليه أيّها الرجل، والله لقد تلمظت بمضغة طالما لفظتها الكرام.
وذكر في مجلسه رجل، فنال منه بعض جلسائه، فقال له: يا هذا أوحشتنا من نفسك، وأيأستنا من مودّتك، ودللتنا على عورتك.
واغتاب رجل عند بعض الأشراف، فقال له: قد استدللت على كثرة عيوبك، بما تذكر من عيب الناس، لأن الطالب للعيوب، إنما يطلبها بقدر ما فيه منها، أما سمعت قول الشاعر
لا تهتكن من مساوى الناس ما ستروا ... فيهتك الله سترا من مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا
وقال ابن عبّاس رضى الله عنهما اذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحبّ أن يذكرك به، ودع منه ما تحبّ أن يدع منك.
стр. 1107
وقال بعض الملوك لولده وهو ولىّ عهده: يا بنىّ ليكن أبغض رعيتك إليك، أشدّهم كشفا لمعايب الناس عندك، فإنّ في الناس معايب وأنت أحق بسترها، وإنما تحكم فيما ظهر لك، والله يحكم فيما غاب عنك، وأكره للناس ما تكرهه لنفسك، واستر العورة، يستر الله عليك، ما تحبّ ستره، ولا تعجّل الى تصديق ساع، فإن الساعى غاشّ، وإن قال قول نصح.
ووشى واش برجل الى الإسكندر فقال له: أتحبّ أن نقبل منك ما قلت فيه، على أن نقبل منه ما يقول فيك؟ قال: لا، قال: فكفّ عن الشر، نكفّ عنك.
وقال ذو الرّياستين: قبول النميمة، شرّ من النميمة، لأن النميمة دلالة، والقبول إجازة، وليس من دلّ على شىء، كمن قبله وأجازه.
قال أبو الأسود الدّؤلىّ
لا تقبلنّ نميمة بلّغتها ... وتحفظنّ من الذى أنباكها
إن الذى أهدى إليك نميمة ... سينمّ عنك بمثلها قد حاكها
وقال رجل لعمرو بن عبيد: إن الأساورىّ لم يزل يذكرك، ويقول: الضآلّ، فقال عمرو: يا هذا! والله ما راعيت حقّ مجالسته، حتّى نقلت إلينا حديثه، ولا راعيت حقّى، حين أبلغتنى عن أخى ما أكرهه، اعلم أن الموت يعمّد، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا، والله يحكم بيننا.
وقال معاوية للأحنف في شىء بلغه عنه، فأنكره الأحنف: بلّغنى عنك الثقة، فقال الأحنف: إن الثقة لا يبلّغ.
стр. 1108
قال بعض الشعراء
لعمرك ما سبّ الأمير عدوّه ... ولكنما سبّ الأمير المبلّغ
وقال ابن المعتزّ: الساعى كاذب لمن سعى إليه، خائن لمن سعى عليه.
وقالوا: النّمام، شرّ من الساحر، فإن النمام، يفسد في الساعة الواحدة، ما لا يفسد الساحر في المدة الطويلة.
وقالوا: النميمة، من الخلال الذميمة، تذلّ على نفس سقيمة، وطبيعة لئيمة، مشغوفة بهتك الأستار، وإفشاء الأسرار.
وقال بعض الحكماء: الأشرار يتتبعون مساوىء الناس، ويتركون محاسنهم، كما يتتبع الذباب المواضع الألمة من الجسد، ويترك الصحيحة.
وقالوا: لم يمش ماش، شرّ من واش. والساعى بالنميمة، كشاهد الزّور، يهلك نفسه، ومن سعى به، ومن سعى اليه.
وقالوا: حسبك من شرّ سماعه. وقد لهج الشعراء بذمّ النمام، وجعلوه من أهاجيهم.
قال بعض الشعراء
من نمّ في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسّيل بالليل لا يدرى به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه
وقال السّرىّ الرّفّاء
أنمّ بما استودعته من زجاجة ... ترى الشىء فيها ظاهرا وهو باطن
стр. 1109
وقال محمد بن شرف
وناصب نحو أفواه الورى أذنا ... كالقعب يلقط فيها كلّ ما سقطا
يظلّ يلتقط الأخبار مجتهدا ... حتى إذا ما وعاها زقّ ما لقطا
وقال ابن وكيع
ينمّ بسرّ مسترعيه لؤما ... كما نمّ الظلام بسرّ نار
أنم من النّصول على مشيب ... ومن صافى الزّجاج على عقار
وقال الحسن البصرىّ: لا غيبة في ثلاثة: فاسق مجاهر، وإمام جائر، وصاحب بدعة.
وكتب الكسائىّ الى الرقاشىّ
تركت المسجد الجامع ... والتّرك له ريبه
وأخبارك تأتين ... على الأعلام منصوبه
فإن زدت من الغيبة ... زدناك من الغيبه
ذكر ما قيل في البخل واللؤم
والبخل منع الحقوق وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)
، وقال تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) .
стр. 1110
وقال رسول الله ﷺ : «خلّتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق» .
وقال بعض السلف: منع الجود، سوء ظن بالمعبود، وتلا (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)
وروى أبو بكر الخطيب في كتاب البخلاء، بإسناده عن أبى هريرة عن النبىّ ﷺ ، أنه قال: «لما خلق الله تعالى جنّة عدن، قال لها: تزيّنى فتزينت، ثم قال لها: أظهرى أنهارك، فأظهرت عين السلسبيل، وعين الكافور، وعين التسنيم، ونهر الخمر، ونهر العسل، ونهر اللبن، ثم قال لها: أظهرى حورك، وحللك، وسررك وحجالك، ثم قال لها: تكلّمى، فقالت: طوبى لمن دخلنى، فقال الله عزّوجل: أنت حرام على كل بخيل» .
وقال سقراط: الأغنياء البخلاء، بمنزلة البغال والحمير، تحمل الذهب والفضة، وتعتلف التّبن والشعير.
وقالوا: البخل من سوء الظن، وخمول الهمّة، وضعف الرويّة، وسوء الاختيار، والزّهد في الخيرات.
وقال الحسن بن علىّ رضى الله عنهما: البخل جامع للمساوىء والعيوب، وقاطع للمودّات من القلوب.
وقالوا: حدّ البخل، منع المسترفد مع القدرة على رفده.
وكان أبو حنيفة لا يقبل شهادة البخيل، ويقول محتجّا لذلك: إن البخيل يحمله بخله، على أن يأخذ فوق حقّه، مخافة أن يغبن، ومن كان هكذا لا يكون مأمونا.
стр. 1111
وقال بشر بن الحارث الحافى: لا غيبة لبخيل، ولشرطىّ سخىّ أحبّ إلىّ من عابد بخيل.
وقالوا: البخيل لا يستحقّ اسم الحرّية، فإن ماله يملكه.
ويقال: لا مال للبخيل، وإنما هو لماله.
وقال الحسن البصرىّ: لم أر أشقى بماله من البخيل؛ لأنّه في الدنيا يهتمّ بجمعه، وفي الآخرة يحاسب على منعه، غير آمن في الدنيا من همه، ولا ناج في الآخرة من إثمه، عيشه في الدنيا عيش الفقراء، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء. ودخل ﵀ على عبد الله بن الأهتم يعوده في مرضه، فرآه يصعّد بصره ويصوّبه الى صندوق في بيته، ثم التفت اليه، فقال: يا أبا سعيد، ما تقول في مائة ألف دينار في هذا الصندوق لم أودّ منها زكاة ولم أصل بها رحما؟ فقال له: ثكلتك أمك! ولم كنت تجمعها؟ قال لروعة الزمان، وجفوة السلطان، وتكاثر العشيرة، ثمّ مات، فشهده الحسن، فلما فرغ من دفنه، ضرب بيده على القبر، ثم قال:
انظروا إلى هذا، أتاه شيطانه فخوّفه روعة زمانه، وجفوة سلطانه، بما استودعه الله إيّاه، وعمّره فيه. انظروا اليه كيف خرج مذموما مدحورا! ثم التفت إلى وارثه، فقال: أيها الوارث لا تخدعنّ كما خدع صويحبك بالأمس، أتاك هذا لمال حلالا، فلا يكونن عليك وبالا، أتاك عفوا صفوا، ممن كان له جموعا منوعا، من باطل جمعه، ومن حقّ منعه، قطع فيه لجج البحار، ومفاوز القفار، ولم تكدح لك فيه عين ولم يعرق لك فيه جبين، إن يوم القيامة يوم ذو حسرات، وإن من أعظم الحسرات غدا، أن ترى مالك في ميزان غيرك، فيالها حسرة لا تقال، وتوبة لا تنال.
стр. 1112
ومن أخبار البخلاء:
قيل: بخلاء العرب أربعة، الحطيئة، وحميد الأرقط، وأبو الأسود الدّؤلىّ، وخالد بن صفوان، ونقلت عنهم أمور دلّت على بخلهم.
أما الحطيئة: فقد حكى عنه: أنه مرّ به ابن الحمامة، وهو جالس بفناء بيته، فقال له: السلام عليكم، فقال: قلت ما لا ينكر، فقال: إنى خرجت من أهلى بغير زاد، قال: ما ضمنت لأهلك قراك، قال: أفتأذن لى أن آتى بظلّ بيتك فأتفيّأ به؟
قال: دونك الجبل يفىء عليك، قال أنا ابن الحمامة، قال: انصرف وكن ابن أى طائر شئت. قال: واعترضه رجل وهو يرعى غنما، فقال له: يا راعى الغنم، وكان بيد الحطيئة عصا فرفعها، وقال: عجراء من سلم، فقال الرجل: إنما أنا ضيف، فقال: للأضياف أعددتها. وكان الحطيئة أحد الحمقى، أوصى عند موته، أن يحمل على حمار، وقال: لعلّى إن حملت عليه، لا أموت، فإنى ما رأيت كريما مات عليه قطّ.
وقال: لكلّ جديد لذّة، إلا جديد الموت* فإنى رأيته غير لذيذ. وقيل له:
أوص، فقال: أوصى أن مالى للذكور دون الإناث، قالوا: فإن الله ليس يقوله كذلك، قال: لكنى أقوله. وقالوا له: قل لا إله الا الله، فقال: أشهد أن الشمّاخ أشعر غطفان.
ومن أخباره: أن الزّبرقان بن بدر، لقيه في سفر، فقال له: من أنت؟
فقال: أنا حسب موضوع، أنا أبو مليكة، فقال له الزّبرقان: إنى أريد وجها، فصر إلى منزلى، وكن هناك، حتّى أرجع، فصار الحطيئة إلى امرأة الزّبرقان، فأنزلته وأكرمته، فجسده بنو عمّه، وهم بنو لأى، فقالوا للحطيئة: إن تحولت إلينا، أعطيناك مائة ناقة. ونشدّ الى كلّ طب من أطناب بيتك حلّة تحويه، وقالوا
стр. 1113
لامرأة الزّبرقان: إن الزّبرقان إنما قدّم هذا الشيخ ليتزوّج بنته، فقدح ذلك فى نفسها، فلما أراد القوم النّجعة، تخلّف الحطيئة، فتغافلت عنه امرأة الزّبرقان، فاحتمله القريعيّون ووفّوا له بما قالوا، فمدحهم، وهجا الزّ برقان، فقال
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ... ولا يرى طاردا للحرّ كالياس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
فاستعدى الزبرقان عليه عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فحكّم عمر، حسان ابن ثابت، فقال حسان: ما هجاه ولكن سلح عليه، فحبس عمر الحطيئة، فقال يستعطفه
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر؟
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ما آثروك بها إذ قدّموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الآثر
فأخرجه عمر، وجلس على كرسىّ، وأخذ بيده شفرة، وأوهم أنه يريد قطع لسانه، فضجّ، وقال: إنى والله يا أمير المؤمنين! قد هجوت أبى وأمّى وامرأتى ونفسى، فتبسّم عمر، ثم قال: ما الذى قلت؟ قال: قلت لأبى وأمّى
ولقد رأيتك في النساء فسؤتنى ... وأبا بنيك فساءنى في المجلس
وقلت لأبى خاصة
فبئس الشيخ أنت لدى تميم ... وبئس الشيخ أنت لدى المعالى
стр. 1114
وقلت لأمّى خاصة
تنحّى واجلسى منّى بعيدا ... أراح الله منك العالمينا؟
أغربالا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدّثينا؟
وقلت لامرأتى
أطوّف ما أطوّف ثم آتى ... إلى بيت قعيدته لكاع
وقلت لنفسى
أبت شفتاى اليوم إلا تكلّما ... بسوء فما أدرى لمن أنا قائله
أرى لى وجها شوّد الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله
فخلّى عمر سبيله، وأخذ عليه أن لا يهجو أحدا، وجعل له ثلاثة آلاف اشترى بها منه أعراض المسلمين، فقال يذكر نهيه إيّاه عن الهجاء ويتأسف
وأخذت أطراف الكلام فلم تدع ... شتما يضرّ ولا مديحا ينفع
ومنعتنى عرض البخيل فلم يخف ... شتمى وأصبح آمنا لا يجزع
وأما حميد الأرقط: فكان هجّاء للضيف، فحاشا عليه، فنزل به ضيف ذات ليلة، فقال لامرأته: نزل بك البلاء، قومى فأعدى لنا شيئا، ففعلت، فجعل الضيف يأكل ويقول: ما فعل الحجاج بالناس؟ فلما فرغ، قال حميد
يجرّ على الأطناب من جذل بيتنا ... هجفّ «١» لمخزون التّحيّة باذل
يقول وقد ألقى المراسى للقرى ... أبن لى ما الحجّاج بالناس فاعل؟
فقلت: لعمرى ما لهذا أتيننا ... فكل ودع الأخبار ما أنت آكل
стр. 1115
تدبّر كفاه ويحدر حلقه ... الى الصدر ما حازت عليه الأنامل
أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذى هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتّى كأنه ... من العىّ لمّا أن تكلّم باقل
ونزل به أضياف، فأطعمهم تمرا وهجاهم، وادعى عليهم أنهم يأكلونه بنواه، فقال
باتوا وجلّتنا «١» الصّهباء حولهم ... كأن أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنّوى ملقى معرّسهم ... وليس كلّ النّوى ألقى المساكين
وأما خالد بن صفوان: فكان إذا أخذ جائزته، قال للدرهم: طالما سرت فى البلاد، أما والله لأطيلنّ حبسك، ولأديمنّ لبثك. وقيل له: مالك لا تنفق، فإن مالك عريض؟ فقال: الدهر أعرض منه، قيل: كأنك تؤمل أن تعيش الدهر كلّه، قال: ولا أخاف أن أموت في أوله.
وأما أبو الأسود الدؤلىّ: فعمل دكانا عاليا يجلس عليه، فكان ربما أكل عليه فلا يناله المجتاز، فمرّ به أعرابىّ على جمل، فعرض عليه أن يأكل معه، وظنّ أنه لا يناله، فأناخ الأعرابىّ بعيره، حتّى وازى الدكان، وأكل معه، فما جلس بعد ذلك على الدكان، وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا، كنا أسوأ حالا منهم. وقال لبنيه: لا تطمعوا المساكين في أموالكم، فإنهم لا يقنعون منكم، حتّى يروكم في مثل حالهم. ووقف عليه أعرابىّ وهو يتغدّى، فسلّم عليه، فردّ عليه، ثم أقبل على الأكل، ولم يعرض عليه، فقال الأعرابىّ: أما إنى قد مررت بأهلك، قال: كان ذلك طريقك، قال: وهم صالحون، قال: كذلك فارقتهم، قال:
стр. 1116
وامرأتك حبلى، قال: كذلك كان عهدى بها، قال: ولدت، قال: ما كان بدّلها أن تلد، قال: ولدت غلامين، قال: كذلك كانت أمّها، قال: مات أحدهما، قال: ما كانت تقوى على رضاع اثنين، قال: ثمّ مات الآخر، قال: ما كان ليبقى بعد أخيه، قال: وماتت الأمّ، قال: جزعا على ولديها، قال: ما أطيب طعامك! قال: ذلك جزائى على أهله، قال: أفّ لك ما ألأمك! قال: من شاء سبّ صاحبه.
ونظير هذه الحكاية: ما حكى أن أعرابيّا مرّ بآخر، فقال: من أين أقبلت يابن عمّ؟ قال: من الثّنيّة، قال: فهل أتيتنا منها بخبر؟ قال: سل عما بدا لك، قال: كيف علمك بيحيى؟ قال: أحسن العلم، قال: هل لك علم بكلبى نفّاع؟
قال: حارس الحىّ، قال: فبأمّ عثمان؟ قال بخ بخ، ومن مثل أمّ عثمان! لا تدخل من الباب إلا منحرفة بالثياب المعصفرات، قال: فبعثمان؟ قال: وأبيك فإنه جرو الأسد ويلعب مع الصبيان، وبيده الكسرة، قال: فبجملنا السقّاء؟ قال:
إن سنامه ليخرج من الغبيط، قال فبالدار؟ قال: وأبيك، إنها لخصيبة الجناب، عامرة الفناء، ثم قام عنه، وقعد ناحية يأكل فلا يدعوه، فمرّ كلب، فصاح به، وقال: يابن عمّ، أين هذا الكلب من نفّاع؟ قال: يا أسفا على نفّاع! مات، قال:
وما أماته؟ قال: أكل من لحم الجمل السقّاء، فاغتصّ بعظم منه فمات، قال:
إنا لله، أو قد مات الجمل! فما أماته؟ قال: عثر بقبر أم عثمان، فانكسرت رجله.
قال: ويلمّك! أماتت أم عثمان؟ قال: إى والله، أماتها الأسف على عثمان، قال ويلك! أمات عثمان؟ قال: إى وعهد الله! سقطت الدار عليه، فرمى الأعرابىّ
стр. 1117
بطعامه ونثره وأقبل ينتف لحيته ويقول: إلى أين أذهب؟ فيقول الآخر الى النار، وأقبل يلتقط الطعام ويأكله ويهزأ به ويضحك، ويقول: لا أرغم الله إلا أنف اللئام.
وكان أحيحة بن الجلاح من البخلاء، وكان إذا هبت الصّبا، طلع أطمة، ينظر الى ناحية هبوبها ثم يقول: هبى هبوبك، فقد أعددت لك ثلاثمائة وستين صاعا من عجوة، أدفع الى الوليد منها، خمس نمرات، فيردّ علىّ منها ثلاثا، أى لصلابتها بعد جهد ما يلوك منها.
والعرب تضرب المثل في اللؤم بمادر، تقول: هو ألام من مادر، ويزعمون أنه بنى حوضا وسقى إبله، فلما أصدرها سلح في الحوض، لئلا يسقى غيره فيه.
وكان عمر بن يزيد الأسدىّ مبخلا جدّا، فأصابه القولنج فحقنه الطبيب بدهن كثير، فانحل ما في بطنه، فلما أبرزه، قال للغلام: ما تصنع به؟ قال أصبّه، قال:
لا ولكن ميّز الدّهن منه واستصبح به.
وقال سلم بن أبى المعافى: كان أبى متنحيا عن المدينة، وكان الى جنبه مزرعة فيها قثّاء، وكنت صبيّا فجاءنى صبيان أقران لى، فكلّمت أبى ليهب لى درهما أشترى لهم به قثّاء، فقال لى: أتعرف حال الدرهم؟ كان في حجر في جبل، فضرب بالمعاول، حتى استخرج، ثم طحن، ثم أدخل القدر وصبّ عليه الماء، وجمع بالزّئبق، ثم صفّى من رقّ، ثم أدخل النار فسبك، ثمّ أخرج فضرب، وكتب في أحد شقّيه:
لا إله إلا الله، وفي الآخر: محمد رسول الله، ثم حمل الى أمير المؤمنين، فأمر بإدخاله بيت ماله، ووكل به عوج القلانس صهب السّبال، ثم وهبه لجارية حسناء حميلة، وأنت والله أقبح من قرد، أو ززقه رجلا شجاعا وأنت والله أجبن من صرد، فهل ينبغى
стр. 1118
لك أن تمسّ الدرهم إلا بثوب؟ ومثله قول سهل بن هارون، وقد قال له رجل هبنى ما لا مرزئة عليك فيه، قال: وما ذاك؟ قال: درهما واحدا، قال: يابن أخى لقد هوّنت الدرهم، وهو طابع الله في أرضه، والدرهم ويحك عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف عشردية المسلم، ألا ترى يابن أخى كيف انتهى الدرهم الذى هوّنته؟ وهل بيوت الأموال إلا درهم على درهم؟.
وقال سليمان بن مزاحم، وقد وقع بيده درهم، فجعل يقلّبه، ويقول: فى شقّ، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي شقّ، قل هو الله أحد، ما ينبغى لهذا إلا أن يكون تعويذا أو رقية، ويرمى به في الصندوق.
كان بعضهم إذا صار الدرهم في يده يخاطبه ويقول: بأبى وأمّى أنت، كم من أرض قطعت، وكيس خرقت، وكم من خامل رفعت، ومن رفيع أخملت، لك عندى أن لا تعرى ولا تضحى، ثم يلقبه في كيسه، فيقول: اسكن على اسم الله، فى مكان لا تزول عنه، ولا تزعج منه.
ومن البخلاء «مزبّد» وله حكاية يذكرها، قيل كان بالمدينة جارية جميلة مغنيّة. يقال لها: «بصبص» وكانت الأشراف تجتمع عند مولاها، فاجتمع يوما عنده محمّد بن عيسى الجعفرىّ وعبد الله بن مصعب الزّبيرىّ في جماعة من الأشراف، فتداكروا أمر مزبد وبخله، فقالت لحارية: أنا آخذ لكم منه درهما، فقال لها مولاها: أنت حرّة إن فعلت إن لم أسر لك مختقة بمائة دينار ونوب وسى بمائة دينار. وأجعل لك مجلسا بالعقيق أنحر فيه بدنة. فقالت: جىء به، وأرفع لغيره، حتّى أفعل، فقال: أنت حرّه إن معتك منه، ولأعاونته عليك إن حصلت
стр. 1119
منه الدرهم، فقال عبد الله بن مصعب: أنا آتيكم به، قال عبد الله: فصلّيت الغداة في المسجد، فاذا أنا به قد أقبل، فقلت: يا أبا إسحاق، إنّا نحب أن نرى بصبص؟ قال: بلى والله، وامرأته طالق إن لم تكن له سنة يشتهى أن يلقاها، فقلت له: إذا صليت العصر، فاتنى هاهنا، فقال: امرأته طالق إن برح من هاهنا الى العصر، قال فانصرفت في حوائجى، فلما كان العصر جئت فوجدته، فأخذت بيده، وأتيتهم به، فأكل القوم وشربوا حتّى صلّيت العتمة، ثم تساكروا وتناوموا، فأقبلت بصبص على مزبّد، فقالت له: يا أبا إسحاق كأنّى والله في نفسك تشتهى أن أغنّيك الساعة
لقد حثّوا الجمال ليه ... ربوا منّا فلم يئلوا
فقال لها: امرأته طالق إن لم تكونى تعلمين ما في اللوح المحفوظ، فغنته إيّاه، ثم قالت له: كأنّى بك تشتهى أن أقوم من مجلسى فأجلس إلى جنبك فتدخل يدك فى جلبابى، فقال: امرأته طالق إن لم تكونى تعلمين ما في الأرحام، وما تكسب الأنفس غدا قالت: فقم، فقام وجلس إلى جانبها وغنّت له، ثم قالت: أعلم أنك تشتهى أن أغنّيك
أنا أبصرت باللّيل ... غلاما حسن الدّلّ
كغصن البان قد أصبح ... مسقيّا من الطّلّ
فقال لها: امرأته طالق أن لم تكونى نبيّة مرسلة، فغنته وقبّلها، ثم قالت: يا أبا إسحاق، هل رأيت قطّ أنذل من هؤلاء؟ يدعوننى ويدعونك، ويخرجوننى اليك ولا يشترون نقلا ولا ريحانا، كأنّى بك وفي جيبك درهم وأنت تقول: الساعة أخرجه،
стр. 1120
وأعطيها إيّاه، وتشترى به ما تريد، فقام من جنبها وقال: أخطأت استك الحفرة، وانقطع عنك الوحى، ووثب وجلس ناحية، فانتبه القوم وعطعطوا «١» عليها وعلموا أن حيلتها لم تتمّ، وخرج من عندهم ولم يعد إليهم.
وقال بعضهم: بتّ عند رجل من أهل الكوفة من الموسرين، وله صبيان نيام، فرأيته في الليل يقوم فيقلّبهم من جنب الى جنب، فلما أصبحنا سألته عن ذلك، فقال: هؤلاء الصبيان يأكلون وينامون على اليسار، فيمريهم الطعام، ويصبحون جياعا، فأنا أقلّبهم من اليسار الى اليمين لئلا ينهضم ما أكلوه سريعا.
وكان زياد بن عبد الله الحارثىّ واليا على المدينة، وكان فيه بخل وجفاء، فأهدى اليه كاتب له سلالا فيها أطعمة، وقد تنوّق فيها فوافته وقد تغدّى، فقال: ما هذه؟
قالوا: غداء بعثه فلان الكاتب، فغضب، وقال: يبعث أحدهم الشىء في غير وقته، يا خيثم بن مالك! يريد صاحب شرطته، ادع لى أهل الصّفّة يأكلون هذا، فبعث خيثم الحرس يدعونهم، فقال الرسول الذى جاء بالسّلال: أصلح الله الأمير، لو أمرت بهذه السلال تفتح وينظر ما فيها، قال: اكشفوها فاذا طعام حسن من دجاج وفراخ وجداء وسمك وأخبصة وحلواء فقال: ارفعوا هذه السّلال، وجاء أهل الصّفّة، فأخبر بهم، فأمر بإحضارهم وقال: يا خيثم! اضربهم عشرة أسواط، فإنه بلغنى أنهم يفسون في مسجد رسول الله ﷺ .
ومن الخلفاء من ينسب الى البخل، فمنهم عبد الملك بن مروان كان يلقب برشح الحجر ولبن الطير لبخله.
стр. 1121
ومنهم هشام ابنه وكان ينظر في بيع الهدايا التى تهدى اليه. حكى عنه أن أعرابيّا أكل عنده فرفع اللّقمة الى فيه، فقال له هشام: فى لقمتك شعرة يا أعرابىّ، فقال:
وإنك تلاحظنى ملاحظة من يرى الشّعرة، والله لا أكلت عندك أبدا، ثم قام وانصرف.
ومنهم أبو جعفر المنصور كان يلقّب بأبى الدوانيق، لقّب بذلك لأنه لما بنى مدينة بغداد كان يباشرها بنفسه ويحاسب الصّناع، فيقول لهذا: أنت نمت القائلة، ولهذا: لم تبكّر، ولهذا: انصرفت قبل أن تكمّل اليوم، فيسقط لهذا دانقا، ولهذا دانقين، فلا يكاد يعطى لأحد أجرة كاملة، وكان يقول: يزعمون أنّى بخيل، وما أنا ببخيل، ولكن رأيت الناس عبيد المال، فمنعتهم عنه، ليكونوا عبيدا لى. ويحكى عنه أنه قال لطباخه: لكم ثلاثة وعليكم اثنتان، لكم الرءوس والأكارع والجلود، وعليكم الحبوب والتوابل. ومن حكاياته الدالة على بخله: أن صاحبه الربيع بن يونس قال له يوما: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء ببابك وهم كثير، وقد طالت أيامهم ونفدت نفقاتهم، فقال: اخرج إليهم وسلم عليهم، وقل لهم من مدحنا منكم فلا يصف الأسد، فإنما هو كلب من الكلاب، ولا الحيّة، فإنما هى دويبة منتنة تأكل التراب، ولا الجبل فإنه حجر أصمّ، ولا البحر، فإنه عطن بضّ لجب، فمن ليس في شعره شىء من هذا فليدخل، ومن كان في شعره شىء منه فلينصرف، فأبلغهم فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة فقال: أنا له يا ربيع فأدخلنى عليه: فأدخله، فلما مثل بين يديه، قال له: يا ربيع قد علمت أنه لا يجيبك غيره فأنشده قصيدته التى منها
له لحظات في حفافى سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل
فأمّ الذى أمّنت آمنة الردى ... وأمّ الذى خوّفت بالثّكل ثاكل
стр. 1122
فرفع له السّتر وأقبل عليه وأصغى إليه، فلما فرغ من إنشاده أمر له بعشرة آلآف درهم وقال له: يا إبراهيم، لا تتلفها طمعا في نيل مثلها منّا، فما كلّ وقت تصل إلينا، فقال إبراهيم: ألقاك بها يا أمير المؤمنين يوم القيامة وعليها الجهبذ «١» .
ودخل المؤمّل بن أميل على المهدىّ وكان بالرّىّ، وهو إذ ذاك ولىّ عهد أبيه المنصور، فامتدحه بأبيات يقول فيها
هو المهدىّ إلا أن فيه ... مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا يشكلان على البصير
فهذا في الضياء سراج عدل ... وهذا في الظلام سراج نور
ولكن فضّل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسّرير
وبعض الشهر يخفى ذا، وهذا ... منير عند نقصان الشهور
وجاء منها
فإن سبق الكبير فأهل سبق ... له فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير
فأعطاه عشرين ألف درهم، فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو ببغداد، فكتب الى المهدىّ يلومه ويقول له: إنما كان ينبغى أن تعطى الشاعر إذا أقام ببابك سنة، أربعة آلاف درهم، وأمره أن يوجهه إليه، فطلب فلم يوجد، وتوجه إلى بغداد، فكتب الى المنصور بذلك، فأمر بإرصاده فمسك، وقيل له أنت بغية أمير المؤمنين وطلبته، قال المؤمل: فكاد قلبى ينخلع خوفا وفرقا، ثم أخذ بيدى وانطلق بى إلى الربيع، فأدخلنى على المنصور، وقال: يا أمير المؤمنين، هذا المؤمّل
стр. 1123
ابن أميل قد ظفر به، فسلمت عليه، فرد علىّ السلام، فسكن جأشى واطمأن قلبى وزال روعى، ثم قال لى: أتيت غلاما غرّا فخدعته فانخدع، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما أتيت ملكا جوادا كريما، فمدحته فحملته أريحيّته على أن وصلنى وبرّنى، فأعجبه ذلك، ثم قال: أنشدنى ما قلت فيه، فأنشدته، فقال: والله لقد أحسنت، لكن ما يساوى عشرين ألفا، يا ربيع، خذ المال منه، وأعطه منه أربعة آلاف درهم، فلما ولى المهدى الخلافة، قدم عليه المؤمّل، فأخبره بما كان بينه وبين أبيه، فضحك وردّ عليه ما أخذ منه.
وحكى ابن حمدون في كتابه المترجم بالتذكرة: أن المنصور حجّ في بعض السنين فحدا به سالم الحادى يوما بقول الشاعر
أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغدّى رفعت ستوره
يزينه حياؤه وخيره ... ومسكه يشوبه كافوره
فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل، ثم قال: يا ربيع، أعطه نصف درهم، فقال سالم: لا غير، يا أمير المؤمنين، والله لقد حدوت بهشام بن عبد الملك فأمر لى بثلاثين ألف درهم، فقال المنصور: ما كان له أن يعطيك من بيت المال ما ذكرت، يا ربيع! وكلّ به من يستخرج منه هذا المال، قال الربيع: فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه أن يحدو به في خروجه ورجوعه بغير مؤنة، وكان سالم هذا يورد الإبل لثمان ولتسع ولعشر، فيحدو لها فيلهيها حدوه عن ورود الماء.
ومن طريق ما حكى عنه: أن عبيد الله بن زياد الحارثىّ، كتب إليه رقعة بليغة يستميحه فيها، فوقّع عليها: إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا لرجل أبطره، وإن أمير المؤمنين مشفق عليك، فاكتف بالبلاغة.
стр. 1124
وقد ذمّ الشعراء البخل وهجوا من اتصف به، فمن ذلك، وهو أبلغ ما قاله محدث، قول ابن الرومى
الحابس الروث في أعفاج بغلته ... خوفا على الحبّ من لقط العصافير
وقال العسكرىّ: أبلغ ما قيل في البخل، قول ابن الرومىّ
يقتّر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد
رضيت لتشتيت أمواله ... يدى وارث ليس بالحامد
وقال أبو تمام
صدّق أليّته إن قال مجتهدا ... لا والرّغيف فذاك البرّ من قسمه
وإن هممت به فافتك بخبزته ... فإن موقعها من لحمه ودمه
قد كان يعجبنى لو كان غيرته ... على جرادقه كانت على حرمه
وقال دعبل
استبق ودّ أبى المقا ... تل حين تأكل من طعامه
سيّان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه
وتراه من خوف النزيل ... به يروّع في منامه
وقال أبو هلال العسكرىّ
خبز الأمير عشيقه ... يغدو عليه يلاعبه
وإذا بدا لجليسه ... أفضى إليه يعاتبه
وتحوطه حرّاسه ... وتذبّ عنه كتائبه
فالزّور يصفع عنده ... والضيف ينتف شاربه
стр. 1125
وقال آخر
فتى لرغيفه قرط وشنف ... وإكليلان من درّ وشذر
إذا كسر الرغيف بكى عليه ... بكا الخنساء إذ فجعت بصخر
ودون رغيفه قلع الثنايا ... وحرب مثل وقعة يوم بدر
وقال آخر
إن هذا الفتى يصون رغيفا ... ما إليه لآكل من سبيل
هو في سفرتين من أدم الطا ... ئف في سلّتين من زنبيل
ختمت كلّ سلّة برصاص ... وسيور قددن من جلد فيل
فى جراب في جوف تابوت موسى ... والمفاتيح عند ميكائيل
وقال العسكرىّ
قلّ خير ابن قاسم ... فغناه كعدمه
كادمن خشية القرى ... يختبى في حر امه
جاز في اللؤم حدّه ... كأبيه وعمه
كاد يعديك لؤمه ... لو تسمّيت باسمه
وقال ايضا
لك برمة نزّهتها ... من أن تدنّس بالدّسم
بيضاء يشرق نورها ... كالبدر في غسق الظّلم
لو كان عرضك مثلها ... كنت الممدّح في الأمم
أو كان فعلمك مثل قو ... لك كنت تاريخ الكرم
следующие страницы →