Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10606–10645 · переход к 10611.
стр. 10606
ذكر تجريد منكوقان العساكر الى بلاد الروم وما استولوا عليه منها
وفى سنة أربع وخمسين وستمائة جرد منكوقان جرماغون وبيجو «١» وجماعة من عساكره إلى بلاد الروم؛ وهى يومئذ فى يد السلطان غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ السلجقى. فساروا إليها ونزلوا على أرزن الروم «٢» ، وبها يومئذ سنان الدين ياقوت العلائى أحد مماليك السلطان علاء الدين كيقباذ. فحاصروها مدة شهرين ونصبوا عليها اثنى عشر منجنيقا. فهدموا أسوارها، ودخلوها عنوة، وأخذوا سنان الدين ياقوت، وملكوا القلعة فى اليوم الثانى، وقتلوا الجند واستبقوا أرباب الصنائع وذوى المهن، وقتلوا ياقوت؛ وغنموا وسبوا، وعادوا، ومات جرماغون ثم عاد بيجو إلى الروم مرة ثانية فى هذه السنة، فوصل إلى آقشهر زنجان، ونزل بالصحراء التى هناك. فجمع غياث الدين كيخسرو عساكره وسار للقائهم، فانهزم من غير لقاء، كما ذكرناه فى أخباره، وغنم التتار خيامه وخزائنه وأثقاله إلا ما حمله مما خف منها. وفر غياث الدين إلى قونية وتوفى فى هذه السنة.
стр. 10607
وعاد بيجو ثم رجع إلى بلاد الروم فى سنة خمس وخمسين وستمائة فدخلها وشن الغارات وسبى، وكان المحرك لعوده أن بيجار الرومى حضر إلى باب السلطان غياث الدين ليحضر السماط، ولم تكن له صورة بعسكر الروم، فمنعه البرددارية «١» وضربه بعضهم بعصاه على رأسه، فسقط طرطوره إلى الأرض فشق ذلك عليه، وقال: أنتم رميتم طرطورى فى هذا الباب، لا بد أن أرمى عوضه رؤوسا كثيرة. وخرج من فوره وتوجه إلى بيجو وحثه على قصد الروم، فقصده وأغار وخرج بعد الإغارة.
ثم عاد إلى الروم فى هذه السنة، وقد استقل عز الدين كيكاوس ابن كيخسرو بالسلطنة. فلما بلغه عود التتار، جهز جيشه وقدم عليهم أميرا من أكابر أمرائه اسمه أرسلان دغمش، فتوجه بعساكر الروم وكان بيجو قد نزل بصحراء قونية. فلما كان بعد توجه أرسلان بأيام شرب كيكاوس مسكرا وتوجه إلى بيت أرسلان دغمش وهو على حالة من السكر ليهجم على حريمه؛ فبلغه ذلك فغضب له وقال: أكون قد بذلت نفسى فى دفع عدوه ويخلفنى فى حريمى بهذا. وأجمع على الخلاف، وأرسل إلى بيجو ووعده أنه يتخاذل عند اللقاء وينحاز إليه.
فلما التقوا، عمل أرسلان إلى سناجق «٢» صاحبه فكسرها
стр. 10608
وانهزم بالعسكر ثم توجه إلى بيجو فأكرمه وتلقاه وحضر معه إلى قونية. ولما اتصل خبر الكسرة بالسلطان عز الدين فر من قونية إلى العلايا «١» وأغلق أهل قونية أبواب المدينة. فلما كان يوم الجمعة أخذ الخطيب ما يملكه من ماله وحلى نسائه وأحضره معه إلى الجامع، ورقى المنبر وقال: «يا معشر المسلمين، إننا قد ابتلينا بهذا العدو وليس لنا من يعصمنا منه، وقد بذلت مالى، فابذلوا أموالكم واشتروا نفوسكم بنفائسكم، واسمحوا بما عندكم لنجمع من بيننا ما نفدى به نفوسنا وحريمنا وأولادنا» . ثم بكى وأبكى الناس وسمح كل أحد بما أمكنه.
وجهز الخطيب المذكور الإقامات وخرج إلى مخيم بيجو فلم يصادفه، لأنه كان قد توجه إلى الصيد، فقدم ما كان معه إلى الخاتون زوجة بيجو. فقبلته منه وأقبلت عليه وأكل من المأكول فأكلت وقدم المشروب فأخذ منه شيئا على سبيل الشاشنى «٢» ، وناوله لصغير. فقالت له: لم لا تشرب أنت منه؟ فقال: هذا محرم علينا. قالت: من حرمه؟ قال: الله حرمه فى كتابه. قالت: فكيف لم يحرمه علينا؟ فقال: أنتم كفار ونحن مسلمون. فقالت له: أنتم خير عند الله أم نحن؟ قال: بل نحن. قالت: فإذا كنتم خيرا
стр. 10609
منا عنده، فكيف نصرنا عليكم؟ فقال: هذا الثوب الذى عليك- وكان ثوبا نفيسا يمنيا مرصعا بالدراتب «١» - تعطيه لمن يكون خاصا بك أو بعيدا عنك؟ قالت: بل أخص به من يختص بى.
قال: فإذا أضاعه وفرط فيه ودنسه، ما كنت تصنعين به؟ قالت:
كنت أنكل به وأقتله. فقال لها: دين الإسلام بمثابة هذا الجوهر، والله أكرمنا به فما رعيناه حق رعايته، فغضب علينا وضربنا بسيوفكم واقتص منا بأيديكم. فبكت زوجة بيجو وقالت للخطيب:
من الآن تكون أبى وأكون ابنك. فقال: ما يمكن حتى تسلمى:
فأسلمت على يديه، وأجلسته إلى جانبها على السرير، فحضر بيجو من الصيد، فهم الخطيب أن يقوم له، فمنعته وقالت: «أنت قد صرت حماه «٢» وهو يريد يجئ إليك ويخدمك» . فلما دخل بيجو إلى الخيمة قالت له: هذا قد صار أبى. فجلس بيجو دونه وأكرمه وقال لزوجته: أنا عاهدت الله أننى إذا فتحت قونية وهبتها لك. فقالت: وأنا وهبتها لأبى. ثم أمر بفتح قونية، وأمن أهلها ورتب على كل باب شحنة من التتار ورسم أن لا يدخلها من التتار إلا من له حاجة، وأن يكونوا خمسين خمسين، لا يزيدون على ذلك.
فلم يتعرضوا لأهلها بسوء. ثم اتفق بعد هذه الواقعه توجه رسل صاحب الروم إى منكوقان، ومصالحتهم وبذلهم ما بذلوه وقسمه البلد بين ولدى كيخسرو على ما قدمناه فى أخبارهم.
стр. 10610
ذكر مهلك منكوقان وما حصل بين اخوته من التنازع فى القانية
كانت وفاة منكوقان بمقام نهر ألطاى من بلاد أيغور، سنة ثمان وخمسين وستمائة «١» . وكان قد قصد غزو الخطا. وكان منكوقان يدين بدين النصرانية «٢» ، وكان أخوه «٣» أرنيكا «٤» ينوب عنه فى كرسى المملكة بقراقروم. فلما مات منكوقان، أراد [أرنيكا] الاستيلاء على المملكة، وكان أخوه قبلاى مجردا ببلاد الخطا من جهة منكوقان، فجلس فى دست القانية. فأرسل بركة بن باطوخان صاحب البلاد الشمالية إلى أرنيكا يقول: أنت أحق بالقانية، لأن منكوقان رتبك فيها فى حياته، وانضم إليه بنو عمه قجى «٥» ابن أوكتاى وإخوته. ثم عاد قبلاى من بلاد الخطا، فسار أرنيكا لحربه، والتقوا واقتتلوا فكانت الكسرة على قبلاى، وانتصر أرنيكا، واحتوى على الغنائم والسبايا واختص بها، ولم يسهم منها لأحد
стр. 10611
من بنى عمه شيئا. فوجدوا عليه وتفرقوا عنه ومالوا إلى قبلاى، فعاود القتال، فاستظهر [قبلاى] عليه وأخذ أرنيكا أسيرا.
ذكر ملك قبلاى بن تولى خان بن جنكزخان القانية وهو الخامس من ملوكهم
قال: ولما انهزم جيش أرنيكا وأسر هو، استقر قبلاى فى القانية بقراقروم، وسقى أرنيكا سما فمات. وبلغ ذلك هولاكو، فسار فى طلب القانية لنفسه، فما وصل إلى البلاد إلا وقد استقر (أخوه) «١» قبلاى فى القانية فاستقرت له ما افتتحه من الأقاليم.
وفى سنة سبع وثمانين وستمائة كانت الحرب بين جيوش قبلاى القان وبين قيدوا «٢» بن قيجى بن طلوخان بن جنكزخان صاحب ما وراء النهر، وكان سببها أنه (قبلاى) غضب على أمير من أمرائة اسمه طردغا، فأحس أن قبلاى قد عزم على الإيقاع به، فهرب ولحق بقيدو وحسن له قصد قبلاى وحربه، وأطمعه فى القانية. وقال: إن قبلاى قد كبر سنه وما بقى ينهض بتدبير مملكته وإنما أولاده هم الذين يتولون الأمور وهم صبيان، فسار قيدو بجيوشه وطردغا صحبته، وبلغ قبلاى الخبر فجهز جيوشه صحبة ولده نمغان «٣» . فلما صار قيدوا بالقرب من القوم بلغه ما هم عليه
стр. 10612
من الكثرة، فهم بالرجعة فقال له طردغا: «يعطينى الملك تمانا «١» من نقاوة العسكر، وأنا أدبر الحيلة وأهزمهم» فقال له قيدوا:
«وكيف تصنع؟» فقال: «إن الطريق أمامنا فيه واد بين جلبين، فأتوجه أنا بالتمان وأكمن فى الوادى، ويتقدم الملك إلى القوم، فإذا التقى الجمعان يرجع الملك فهم لا بد يتبعونه، فإذا تبعوه نستدرجهم إلى أن يصيروا بينه وبين الوادى، فأخرج أنا إليهم ويعطف الملك عليهم بمن معه» . ففعل قيدو ذلك وفر أمامهم حتى تجاوزوا الكمين. فخرج عليهم طردغا وعطف قيدو بمن معه فانكسر نمغان وعساكره وقتل منهم خلق كثير. وسار قيدو ومن معه فى آثارهم حتى أشرفوا على منازلهم، ونهبوا من النساء والصبيان شيئا كثيرا. وجلبت المماليك التتار إلى الديار المصرية إثر هذه الوقعة. قال: ولما وصل نمغان إلى أبيه غضب عليه، وأرسله إلى بلاد الخطا فأقام حتى مات.
ودامت أيام قبلاى وطالت إلى سنة ثمان وثمانين وستمائة «٢» ، فكانت مدة ملكه نحوا من ثلاثين سنة «٣» . ولما مات جلس بعده ابنه شرمون بن قبلاى بن تلى خان بن جنكزخان وهو السادس من ملوكهم.
كان جلوسه على تخت القانية بعد وفاة أبيه فى شهور سنة ثمان
стр. 10613
وثمانين وستمائة وكان لقبلاى ثلاثة أولاد وهم نمغان وشرمون «١» وكملك «٢» . فأما نمغان فإنه كان ببلاد الخطا كما ذكرنا، فمات بها. وكان شرمون هو الأكبر، فجلس فى الملك ودامت أيامه إلى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، وتوفى فيها أو فيما يقاربها. ولما مات سار طقطا بن منكوتمر صاحب البلاد الشمالية فى طلب القانية، فمات أيضا ولم يلها. وجلس على كرسى القانية أحد أولاده ولم يصل إلينا جلية الخبر فنذكره.
فلنذكر ملوك البلاد الشمالية من البيت الجنكزخانى
ذكر أخبار ملوك البلاد الشمالية من أولاد جنكزخان التمرجى
هذه المملكة ببلاد الشمال ونواحى الترك والقفجاق وكرسيها مدينه حراى «٣» . وأول من ملك هذه المملكة من أولاد جنكزخان.
стр. 10614
دوشى خان «١» وهو الذى فتحها لما جهزه أخوه أوكديه خان عند انتصابه فى القانية بعد مهلك جنكزخان، وذلك فى سنة سبع وعشرين وستمائة، وهلك فى سنة إحدى وأربعين وستمائة.
وملك بعده ابنه باطوخان بن دوشى خان، وهو الملقب صاين قان، واستمر فى الملك من سنة إحدى وأربعين وستمائة إلى أن توفى فى سنة خمسين وستمائة. وكانت مدة ملكه عشر سنين وهو الثانى من ملوك هذه المملكة.
ولما مات صاين قان خلف من الأولاد ثلاثة، وهم طغان وبركة وبركجار «٢» . فنازعهم عمهم صرطق «٣» بن دوشى خان بن جنكزخان الملك، واستبد به دونهم، فملك فى سنة خمسين وستمائة وهو الثالث من ملوك هذا البيت واستمر فى الملك إلى أن هلك فى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، فكانت مدة ملكه سنة وشهورا. ولم يكن له ولد.
وكانت براق شين «٤» زوجة طغان ابن أخيه باطوخان قد
стр. 10615
أرادت أن تولى ولدها تدان منكوا السلطنة بالبلاد الشمالية بعد وفاة صرطق، وكان لها بسطة وتحكم، فلم يوافقها الخانات أولاد باطوخان عمومة ابنها، وأمراء التمانات على ذلك. فلما رأت ذلك من اقناعهم راسلت هولاكو بن تلى خان وأرسلت إليه نشابة بغير ريش، وقباءا بغير بنود؛ وأرسلت إليه تقول له: «قد تفرع الكاشن من النشاب وخلا القرنان من القوس، فتحضر لتتسلم الملك» ثم سارت فى إثر الرسول، وقصدت اللحاق بهولاكو أو إحضاره إلى بلاد الشمال. فلما بلغ القوم ما دبرته أرسلوا فى إثرها وأعادوها، على كره منها وقتلوها.
هذا ما انتهى علمه إلينا من أخبار هؤلاء الملوك الثلاثة، ولم نطلع على ما كان لكل منهم من الأخبار والحروب والوقائع والفتوحات فنذكره، وإنما أوردنا ما أوردناه وما نورده مما تلقفناه من أفواه الرجال.
ذكر ملك بركة بن باطوخان بن دوشى خان ابن جنكزخان وهو الرابع من ملوك هذه المملكة الشمالية
كان جلوسه على تخت المملكة الشمالية فى سنة اثنتين وخمسين وستمائة بعد وفاة عمه صرتق، وأسلم بركة هذا وحسن إسلامه، وأقام منار الدين، وأشهر شعائر الإسلام وأكرم الفقهاء وأدناهم منه، وقربهم لديه ووصلهم. وابتنى المساجد والمدارس بنواحى مملكته، وهو أول من دخل فى دين الإسلام من عقب جنكزخان.
стр. 10616
لم ينقل إلينا أن أحدا منهم أسلم قبله «١» . ولما أسلم أسلم أكثر قومه وأسلمت زوجته ججك خاتون، واتخذت لها مسجدا من الخيام تسافر به.
وفى سنة ثلاث وخمسين وستمائة كانت الحرب بين بركة وهولاكو «٢» ملك خراسان والعراقين وما مع ذلك. وذلك أن هولاكو لما انتهت إليه رسالة براق شين زوجة طغان كما ذكرناه، أطمعه ذلك فى ملك هذه المملكة ليضمها إلى ما بيده من الممالك.
فتجهز وسار بجيوشه إليها، فكان وصوله بعد قتل براق شين وجلوس بركة على سرير الملك وانتظام الأمر له.
ولما اتصل ببركة خبر هولاكو وقربه من البلاد سار بجيوشه للقائه وكان بينهما نهر يسمى نهر ترك وقد جمد ماؤه لشدة البرد، فعبر عليه هولاكو بعساكره إلى بلاد بركة. فلما التقوا واقتتلوا كانت الهزيمة على هولاكو. فلما وصل إلى ذلك النهر تكردس أصحابه عليه. فانخسف بهم، ففرق منهم خلق كثير «٣» ، ورجع هولاكو بمن بقى معه من أصحابه إلى بلاده. ونشأت الحرب بينهم من هذه
стр. 10617
السنة، وكان فيمن شهد هذه الوقعة مع بركة ابن عمه نوغيه «١» ابن ططر بن مغل بن جنكزخان فأصابته طعنة رمح فى عينه فغارت.
ولنوغيه هذا أخبار نذكرها بعد إن شاء الله تعالى.
وراسل بركة هذا السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى ملك الديار المصرية والممالك الشامية فى سنة إحدى وستين وستمائة يخبره بما من الله تعالى به عليه من الإسلام فأجابه السلطان يهنيه بهذه النعمة، وجهز له هدايا جليلة، من جملتها ختمة شريفة ذكر أنها من المصاحف العثمانية، وسجادات للصلاة وأكسية لواتية، وعدة من النطوع المصرطقة والأديم وسيوف قلاجورية مسقطة، ودبابيس مذهبة، وخوذ وطوارق، وفوانيس وشمعدانات، ومشاعل جفناوات وقواعد برسمها مكفتة، وسروج خوارزمية؛ ولجم؛ كل ذلك بسقط الذهب والفضة، وقسى حلق وقسى بنيدق وحروج وأسنة ونشاب بصناديقه وقدور برام، وقناديل مذهبة، وخدام سود، وجوارى طباخات، وخيول عربية سبق، وهجن نوبية، وحمير فرة، ونسانيس وبغانغ وغير ذلك. «٢» وأعاد السلطان الملك الظاهر رسله فى شهر رمضان من السنة المذكورة، وكتب إليه يغريه بهولاكو ويحضه على حربه.
стр. 10618
وفى سنة ثلاث وستين وستمائة كانت الحرب بين عساكر بركة وعساكر أبغا بن هولاكو، وذلك أن هولاكو لما توفى فى هذه السنة وجلس ابنه أبغا بعده، جهز جيشا لقتال بركة، فلما بلغه الخبر جهز جيشا وقدم عليه ييسوا نوغا «١» بن ططر بن مغل، فصار فى المقدمة ثم أردفه بمقدم آخر اسمه بستاى فى خمسين ألف فارس، فسبق نوغا بمن معه وتقدم إلى عسكر أبغا وبستاى على إثره.
فلما أشرفت عساكر أبغا على بستاى وهو مقبل فى سواده العظيم تكردسوا وتجمعوا للهزيمة، فظن بستاى أنهم أحاطوا بنوغا ومن معه فانهزم راجعا من غير لقاء. وأما نوغا فإنه تبع عساكر أبغا وواقعهم وهزمهم، وقتل منهم جماعة وعاد إلى بركة؛ فعظم قدره عنده وارتفع محله، وقدمه على عدة تمانات. وعظم ذنب بستاى عند بركة.
ودامت أيام بركة هذا بهذه المملكة إلى أن توفى فى سنة خمس وستين وستمائة وهو على دين الإسلام، رحمه الله تعالى ولم يكن لبركة ولد يرث الملك من بعده فاستقر الملك من بعده لابن أخيه منكوتمر «٢» .
стр. 10619
ذكر ملك منكوتمر بن طوغان «١» بن باطوخان ابن دوشى خان بن جنكزخان وهو الخامس من ملوكهم بهذه المملكة
ملك هذه المملكة وجلس على كرسى الملك بصراى، وصار إليه ملك بلاد الشام والترك والقفجاق وباب الحديد وما يليه؛ وذلك فى سنة خمس وستين وستمائة. ولما ملك كاتبه السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى من الديار المصرية بالتهنئة والتعزية بعمه «٢» ، وأغراه بأبغا بن هولاكو وحرضه عليه كما كان قد فعل لما كاتب بركة، وذلك فى سنة ست وستين وستمائة.
ذكر مسير عساكر منكوتمر الى بلاد القسطنطينية
وفى سنة ثمان وستين وستمائة جهز منكوتمر جيشا إلى اصطنبول.
وكان رسول السلطان الملك الظاهر ركن الدين يومذاك عند الأشكرى «٣» ، وهو فارس الدين المسعودى. فخرج المذكور إلى عسكر منكوتمر وقال: أنتم تعلمون أن صاحب اصطنبول صلح مع صاحب مصر وأنا رسول الملك الظاهر، وبين أستاذى وبين الملك منكوتمر مراسلة ومصالحة واتفاق. واصطنبول مصر ومصر اصطنبول. فرجعوا عنها
стр. 10620
ونهبوا بلادها وشعثوا. فلما وصل الفارس المسعودى فى الرسلية إلى الملك منكوتمر من جهة السلطان، أنكر عليه كونه صد جيوشه عن أخذ اصطنبول. وكان المسعودى قد فعل ذلك من قبل نفسه وبرأيه، لا برأى السلطان الملك الظاهر وأمره. فلما عاد المسعودى إلى السلطان الملك الظاهر نقم عليه وضربه واعتقله.
ولما كان جيش منكوتمر باصطنبول ورجعوا، مروا بالقلعة التى فيها عز الدين كيكاوس صاحب الروم معتقلا فأخذوه منها، وأحضروه إلى الملك منكوتمر، فأكرمه وأحسن إليه وأقام عنده إلى أن مات.
ودامت أيام منكوتمر إلى سنة تسع وسبعين وستمائة وتوفى، ووردت الأخبار بوفاته إلى الديار المصرية فى سنة إحدى وثمانين وستمائة. وكان سبب وفاته أنه طلع له دمل فى حلقه فبظه فمات منه فى شهر ربيع الأول من السنة. فكانت مدة ملكه نحو أربع عشرة «١» سنة.
وخلف منكوتمر من الأولاد تسعة «٢» ، وهم ألغى «٣» وأمه ججك خاتون «٤» وكان لها حرمة وبسطة لأنها من الذرية القانية،
стр. 10621
وبرلك «١» ، وصراى بغا «٢» ، وطغرلجا «٣» ، وتلغان «٤» ، وتدان «٥» وطقطا «٦» وهو الذى ملك البلاد فيما بعد، وقدان، وقطغان «٧» .
وكان له (منكوتمر) من الإخوة لأبيه تدان منكوا «٨» ، وأدكجى «٩» ؛ وتدان منكوا أكبرهم. فدفع تدان منكوا أولاد أخيه عن الملك واستقر هو فى الملك بعد أخيه منكوتمر.
ذكر ملك تدان منكوا «١٠» بن طغان بن باطوخان ابن دوشى خان بن جنكزخان
ملك البلاد الشمالية بعد وفاة أخيه فى شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وستمائة «١١» . وقيل إنه جلس فى جمادى الآخرة سنة ثمانين. وهو السادس من ملوك هذه المملكة. وكان السلطان الملك المنصور قلاوون صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية قد أرسل
стр. 10622
رسلا إلى منكوتمر وهما شمس الدين سنقر الغتمى، وسيف الدين تلبان الخاص تركى؛ وسير معهما ستة عشر تعبية من القماش النفيس لمن يذكر: الملك منكوتمر، وأدكجى، وتدان منكو، وتلابغا «١» ، ونوغاى؛ وكان قد تقدم عنده. وما هو للخواتين من الأقمشة وهن: ججك خاتون وإلجى خاتون وتوتكين خاتون، وبدارن خاتون وسلطان خاتون وخطلوا خاتون. وما هو للأمراء وهم:
الأمير مادوا أمير الميسرة، والأمير طبرا أمير الميمنة. وما هو لقيالق زوجة ايلجى. وما هو للسلطان غياث الدين صاحب الروم. وكانت هدية جليلة من الأقمشة والتحف والقسى والجواشن والخوذ. فلما وصلا وجدا منكوتمر قد مات، وجلس تدان منكوا فى الملك، فقدموا له الهدية فقبلها.
واستمر تدان منكوا فى الملك إلى سنة ست وثمانين وستمائة، فأظهر الزهد والتخلى عن النظر فى أمور المملكة وصحب الفقراء والمشايخ وقنع بالقوت، فقيل له: إن المملكة لا بد لها من ملك يسوس أمورها، فنزل عن الملك لتلابغا «٢» .
стр. 10623
ذكر ملك تلابغا بن طربوا بن دوشى خان ابن جنكزخان
ملك البلاد الشمالية بعد تزهد تدان منكوا فى سنة ست وثمانين وستمائة، وهو السابع من ملوك هذه المملكة. فلما ملك تجهز بعساكره لغزو الكرك. «١» واستدعى نوغيه بن ططر بن مغل بن دوشى خان، وهو الذى قلعت عينه فى حرب هولاكو كما ذكرناه.
وأمره بالمسير بمن معه من التمانات، فسار إليه وتوافيا فى المقصد، وشنوا الغارة على بلد كرك ونهبوا وقتلوا وعادوا وقد اشتد البرد وكثرت الثلوج، ففارقهم نوغيه بمن معه وسار إلى مشاتيه، فوصل سالما. وسار تلابغا، فضل عن الطريق فهلك جماعة ممن معه واضطره الحال إلى أن أكل أصحابه دوابهم وكلاب الصيد ولحوم من مات منهم لشدة ما نالهم من الجوع. فتوهم أن نوغيه قصد له المكيدة فأضمر له السوء، وكان ذلك سبب قتله.
ذكر مقتل تلابغا
كان مقتله فى سنة تسعين وستمائة وذلك أنه لما عاد من غزو الكرك اجتمع على الإيقاع بنوغيه، ووافقه على ذلك من انتمى إليه من أولاد منكوتمر. وكان نوغيه شيخا مجربا له معرفة وممارسة بالمكائد،
стр. 10624
فنمى الخبر إليه فكتمه، ثم أرسل تلابغا يستدعى نوغيه وأظهر له احتياجه إلى مشورته وأخذ رأيه، فراسل نوغيه والدة تلابغا وقال لها: إن ابنك شات وإننى أحب أن أبذل له النصيحة وأعرفه بما يعود عليه نفعه من مصالح ملكه، ولا يمكن أن أبديها له إلا فى خلوة يجب ألا يطلع عليها سواه، وأختار أن ألقاه فى نفر يسير. فمالت المرأه إلى مقالته وأشارت على ابنها بموافقته والاجتماع به وسماع ما يقول. ففرق تلابغا عساكره التى كان جمعها وأرسل إلى نوغيه ليحضر عنده، فتجهز بجميع من عنده من العساكر وأرسل إلى أولاد منكوتمر الذين كانوا يميلون إليه، وهم طقطابرلك وصراى بغا وتدان باللحاق معهم. ثم سار مجدا فلما صار بالقرب من مقام تلابغا الذى تواعدا أن يجتمعا فيه ترك العسكر الذى معه وأولاد منكوتمر طقطا وإخوته كمينا واستصحب معه نفرا يسيرا، وتوجه نحو تلابغا، فصار تلابغا لتلقيه ومعه من أولاد منكوتمر أولغى وطغرلجا وتلغان وقدان وقتغان، وهم الذين انحازوا إليه. فلما اجتمع تلابغا ونوغيه وأخذا فى الحديث لم يشعر تلابغا إلا وخيول أصحاب نوغيه قد أقبلت، فتحير فى أمره وتقدم العسكر، فأمرهم نوغيه بإنزال تلابغا ومن معه من أولاد منكوتمر عن خيولهم فأنزلوهم، ثم أمر بربطهم فربطوا وقال لطقطا: هذا تغلب على ملك أبيك وهؤلاء بنو أبيك وافقوه على أخذك وقتلك. وقد سلمتهم إليك، فاقتلهم أنت كما تشاء، فقتلهم جميعا.
стр. 10625
ذكر ملك طقطا بن منكوتمر بن طوغان ابن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان وهو الثامن من ملوك هذه المملكة
ملك البلاد الشمالية فى سنة تسعين وستمائة. وذلك أنه لما قتل تلابغا وإخوته الخمسة أولاد منكوتمر أجلسه نوغيه على كرسى الملك، ورتب أمور دولته، وسلم إليه من بقى من إخوته الذين اتفقوا معه. وقال: «هؤلاء إخوتك يكونون فى خدمتك فاستوص بهم» . وعاد نوغيه إلى مقامه، وبقى فى نفسه من الأمراء الذين اجتمعوا مع تلابغا عليه عند ما أرسل إليه يستدعيه.
ذكر ايقاع طقطا بجماعة من أمرائه
وفى سنة اثنتين وتسعين وستمائة. جهز نوغيه زوجته ييلق خاتون إلى الملك طقطا برسالة. فلما وصلت إلى الأردو تلقاها بالإكرام واحتفل بها غاية الاحتفال، ثم سألها عن موجب حضورها، فقالت له:
أبوك يسلم عليك ويقول لك: قد بقى فى طريقك قليل شوك فنصفه. قال: وما هو؟ فسمت له الأمراء وهم: «كلكتاى «١» ويوقق وقرا كيوك وما جار (وتاين «٢» طقطا) وكبى وبركوا «٣» وطراتمر والتمر ونكا وبيطرا وبيملك تمر وبيطقتمر (وبيقور الطاجى) «٤»
стр. 10626
وتادوة «١» وملخكا وبرلغى «٢» وكنجك وشردق وقراحين وجاجرى وابشقا بينننجى. وهؤلاء هم الذين اتفقوا مع تلابغا على نوغيه» .
فلما أبلغتة هذه الرسالة، وسمت له هؤلاء الأمراء، طلبهم وقتلهم جميعا، وعادت ييلق خاتون إلى نوغية فاطمأن خاطره؛ وتحكم أولاد نوغيه وأولاد أولاده. وكان له من الأولاد الذكور ثلاثة «٣» وهم جكا وتكا «٤» وطراى وابنة تسمى طغلجا وابن بنت يسمى أقطاجى.
وكانت ابنته متزوجة لشخص يسمى طاز بن منجك، فقويت شوكتهم، ثم وقع الخلف بين طقطا ونوغيه.
ذكر ابتداء الخلف بين طقطا ونوغيه
وفى سنة سبع وتسعين وستمائة ابتدأ الخلف بين طقطا ونوغيه، وكان لذلك أسباب منها أن ييلق خاتون زوجة نوغيه نفرت من ولديه جكا وبكا وأظهرا لها الإساءة والامتهان، فأغرت طقطا بهما وأرسلت إليه تحرضه عليهما. ومنها أن بعض أمراء طقطا أو جسوا منه خيفة ففارقوه وانحازوا إلى نوغيه؛ فقبلهم وأحسن إليهم، وأنزلهم فى حوزته، وزوج أحدهم وهو طاز بن منجك بابنته، فطلبهم طقطا منه فمنعهم عنه فأغضبه ذلك، وأرسل إليه رسولا وصحبته محراث «٥» وسهم نشاب وقبضة تراب. فجمع أكابر
стр. 10627
عشيرته وقال: «ما عندكم فيما أرسله طقطا؟» فقال كل منهم قولا، فقال: «ما أصبتم وأنا أخبركم بمراده. أما المحراث فهو يقول: إن نزلتم إلى أسافل الأرض أطلعتكم بهذا المحراث؛ وأما النشابة فيقول: إن طلعتم إلى الجو أنزلتكم بهذا السهم، وأما التراب فيقول: اختاروا لكم أرضا تكونون فيها للملتقى» . فقال نوغيه لرسوله: «قل لطقطا إن خيلنا قد عطشت ونريد نسقيها من ماء تن- وهو نهر على مقام صراى وفيه منازل طقطا- وجمع جنوده وسار للقائه.
ذكر الوقعة الأولى بين طقطا ونوغيه
وفى سنة سبع وتسعين وستمائة سار طقطا للقاء نوغيه، فجمع عساكره ومن انضاف إليه، وكانوا يزيدون على مائتى ألف فارس.
وسار كل منهما لقصد صاحبه، فالتقوا على نهر يقصى بين مقام طقطا ومقام نوغيه. فكانت الهزيمة على طقطا وعساكره، وانتهت بهم الهزيمة إلى نهر تن، فمنهم من عبر وسلم ومنهم من هوى به فرسه فغرق. وأمر نوغيه عساكره أن لا يتبعوا منهزما ولا يجهزوا على جريح، وأخذ الغنائم والسبايا والأسلاب وعاد إلى مكانه.
стр. 10628
ذكر الوقعة الثانية وقتل نوغيه
وفى سنة تسع وتسعين وستمائة، عزم طقطا على حرب نوغيه، واتفق أن جماعة من أمراء نوغيه الذين كان يعتمد عليهم فارقوه وانحازوا إلى طقطا. فقويت به شوكتهم، وكانوا فى ثلاثين ألف فارس. ولما تجهز طقطا اتصل خبره بنوغيه، فتجهز أيضا لحربه وخرج كل منهما للقاء الآخر. فلما صار بينهما مسافة يوم، أرسل نوغيه شخصا ومعه مائة فارس للكشف، فظفر بهم طقطا وقتلهم ونجا مقدمهم بمفرده. فأخبر نوغيه أن العسكر قد دهمه، فركب فيمن معه والتقوا على كو كان لك واقتتلوا، فكانت الكسرة على نوغيه فى وقت المغرب، فانهزم أولاده وعشائره وثبت هو على ظهر فرسه، وكان قد كبر وطعن فى السن، وتغطت عيناه بشعر حواجبه، فوافاه رجل روسى من عسكر طقطا وقصد قتله، فعرفه بنفسه وقال:
«أنا نوغيه فاحملنى إلى طقطا فلى معه حديث» . فلم يصغ الروسى لمقالته وقتله. وحمل رأسه إلى طقطا وقال: «هذا رأس نوغيه» .
فقال له: «ومن الذى أعلمك أنه نوغيه؟» فقص عليه القصة.
فآلمه ذلك، وأمر بقتل قاتله، وقال: «إن من السياسة قتله حتى لا يجترئ أمثاله على قتل مثل هذا الرجل الكبير» . ثم عاد طقطا إلى مقامه.
стр. 10629
ذكر أخبار أولاد نوغيه
ولما انهزم عسكر نوغيه وقتل، استقر أولاده بمقامه فلم تطل بهم الأيام حتى وقع الخلف بينهم. وقتل جكا بن نوغيه أخاه بكا، واستبد جكا بملك أبيه وأقام له نائبا يسمى طنغر؛ فنفر عنه أصحابه وعلموا أنه لا يبقى عليهم بعد أن قتل أخاه. واتفق نائبه طنغر مع طاز بن منجك- وهو صهر نوغيه، زوج ابنته طغلجا- على الإغارة على بلاد أولاق والروس. فسارا وتذاكرا سوء سيرة جكا فيهم، واتفقا على أن يقبضا عليه عند عودهما، وعادا لذلك. فبلغه الخبر ففر منهما فى مائة وخمسين فارسا، ودخل بلاد آص وكان بها مقدم وطمأن من عسكره فأقام بينهم. ووصل طنغر ثانية وطاز بن منجك صهره إلى بيوته فنهبوها واستولوا عليها.
ولما أقام جكا ببلاد آص تسلل إليه كثير من عسكره. فكثرت بهم عدته، وسار لحرب طنغر وطاز بن منجك، والتقوا واقتتلوا فاستظهر جكا عليهما وأسروا بيوتهما به. وكانت أخته طقلجا تقاتله بنفسها فى هذه الوقعة. فلما انكسر زوجها ومن معه، كاتبوا طقطا يستمدونه، فأمدهم بجيش صحبة أخيه برلك بن منكوتمر.. فلما جاءهم المدد والتقوا للقتال لم يكن لكيجا «١» بهم قبل. فهرب إلى بلاد «٢» أولاق. وكان ملكها والحاكم عليها صروجا أحد
стр. 10630
أقارب جكا فآوى إليه، فاجتمع أصحابه وقالوا: هذا عدو طقطا، ولا نأمن أنه إذا بلغه أنه انحاز إلينا يقصدنا بجيوشه ولا قبل لنا به.
فأمسكه دعوقه فى قلعته واسمها تزنوا وطالع طقطا بأمره فأمره بقتله، فقتله فى هذه السنة وهى سنة سبعمائة، ودخلت مملكة الملك طقطا ممن يساويه، واستقر يزلك «١» بن منكوتمر فى مقام نوغيه من قبل أخيه طقطا. ولم يبق من أولاد نوغيه إلا أصغرهم وهو طراى.
ورتب طقطا بيجى بن قرمسى يرصع أباجى أخاه. وجهز ولديه يكل بغا وأربصا إلى بلاد نوغيه، فاستقر يكل بغا فى صنعجى ونهر طنا «٢» وتايل باب الحديد، وهى منازل نوغيه. وأقام ايربصا، بنق ورتب أيضا أخاه صراى بغا. «٣» .
ذكر ما اتفق طراى بن نوغيه وصراى بغا بن منكوتمر من الخروج عن طاعة الملك طقطا وقتلهما
وفى سنة إحدى وسبعمائة تحرك طراى بن نوغيه فى طلب ثار أبيه وأخيه من طقطا، ولم يكن له قوة بنفسه، فجاء إلى صراى بغا ابن منكوتمر. وكان أخوه «٤» طقطا قد رتبه فى مقام نوغيه فتوصل طراى إليه ولازمه، ولم يزل يلاطفه حتى حسّن له الخروج على أخيه طقطا وأن يستقل بالملك. فوافقه صراى بغا ومال إليه
стр. 10631
وركب بتمانه وعبر نهر اتل، وترك العسكر، وتوجه جريدة، اجتمع بأخيه برلك، وعرفه ما عزم عليه وطلب منه الموافقة فأجابه إلى ما طلب. ثم بادر برلك «١» بالاجتماع بأخيه طقطا، وعرفه الصورة وما همّ به صراى بغا وطراى بن نوغيه. فركب طقطا لوقته فى خواصه وجهز إليهما من أحضرهما، فقتلا بين يديه، ورتب ولده فى المكان الذى كان قد رتب فيه صراى بغا. ولما قتل طقطا طراى هرب قرا كشك بن جكا بن نوغيه، وهرب معه اثنان من أقاربه وهما جركتمر ويلتطلوا.- وكان بزلك قد أرسل فى طلبه- فانهزم هو وهذان إلى بلاد ششتمن «٢» إلى مكان يسمى يدرك بالقرب من كدك ومعهم نحو ثلاثة آلاف فارس، فآواهم ششتمن وأصحابه وقاموا عنده يعبرون على الأطراف ويأكلون من كسبهم إلى آخر أيام طقطا.
وفى سنة سبع وسبعمائة وردت الأخبار إلى الديار المصرية أن طقطا نقم على الفرنج الجنوبية الذين بقرم وكفار البلاد الشمالية لأمور نقلت إليه عنهم، منها استيلاؤهم على أولاد التتار وبيعهم بالبلاد الإسلامية، فأرسل جيشا إلى مدينة كفا وهى مسقط رؤوسهم.
فشعر الفرنج بهم فركبوا فى مراكبهم وتوجهوا فى البحر فلم يظفر الجيش منهم بأحد. فنهب طقطا أموال من كان منهم بمدينة صراى وما يليها.
стр. 10632
وفى سنة تسع وسبعمائة كانت وفاة ايرصا «١» بن طقطا حتف أنفه. وكان مرشحا عند أبيه للتقدمة على العساكر. وتوفى أيضا أخوه برلك بن منكوتمر ودامت أيام طقطا إلى أن توفى فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة وملك بعده؟
أزبك بن طغولجا بن منكوتمر بن طغان ابن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان وهو التاسع من ملوك هذه المملكة
ووصلت رسله إلى أبواب مولانا السلطان الملك الناصر «٢» سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية وغيرها من الممالك الإسلامية وكان وصولهم فى ذى الحجة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وصحبهم من التقادم لمولانا السلطان ما لم تجر بمثله عادة. وكان من جملة رسالته أنه هنأ مولانا السلطان الملك الناصر بإيصال الإسلام من الصين إلى أقصى بلاد الغرب؛ وقال إنه كان قد بقى فى مملكته طائفة على غير دين الإسلام فلما ملك خيرهم بين الدخول فى دين الإسلام أو الحرب؛ فامتنعوا وقاتلوا، فأوقع بهم وهزمهم واستأصل شأفتهم بالقتل والأسر. وجهز إلى مولانا السلطان عدة من سباياهم، فأعاد مولانا السلطان رسله صحبة رسل منه وأنعم عليهم وأرسل معهم الهدايا الوافرة. هذا ما نقل إلينا من أخبار ملوك هذه المملكة
стр. 10633
الشمالية إلى حين وضعنا لهذا التأليف. ومهما اتصل بنا من أخبارهم بعد ذلك نورده إن شاء الله فى جملة أخبار الدولة الناصرية بالديار المصرية المحروسة.
وأما ملوك ما وراء النهر من ذرية جنكزخان
فلم يصل إلينا من أخبارهم ماندونه لبعد بلادهم وانقطاع رسلهم عن ملوكنا؛ إلا أن ملك ما وراء النهر انتهى إلى قيدوا بن قيجى بن طلوا بن جنكزخان، وطلوا هو تلى خان. ورأيت فى شجرة وضعها الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى أن قيدوا ابن قيجى بن أوكديه بن جنكزخان «١» . وطالت أيام قيدوا واستمر الملك إلى أن توفى فى تسع وسبعمائة «٢» . وكرسى مملكته.
كاشغر وقلا صاق «٣» ، وله تركستان وقيالق «٤» والمالق «٥» وبخارى وغير ذلك. ولما مات ملك بعده ابنه جابار واستمر إلى أن مات فى سنة سبع عشرة وسبعمائة «٦» . وملك بعد أخوه ألوين بغا
стр. 10634
ابن قيدوا. ولقيدوا غير هؤلاء من الأولاد تانجار «١» وأروس «٢» .
وهذه الطائفة يقابلون القان الكبير الجالس على تخت القانية بقراقروم وغيره.
وأما ملوك غزنة وباميان وهم أولاد أرديوا «٣» بن دوشى خان ابن جنكزخان وهم أقرب إلى ملوك البلاد الشمالية من غيرهم من البيوت لأن أرديوا بن دوشى خان هو أخوباطوخان بن دوشى خان.
فدوشى خان بن جنكزخان يجمعهم وأخبارهم أيضا منقطعة عن بلادنا لبعد بلادهم، لأن بيت هولاكو بيننا وبينهم. والذى وصل إلينا من أخبارهم أن ملك غزنة وباميان انتهى إلى قيجى «٤» بن أرديوا بن دوشى خان.
ودامت أيامه إلى أن توفى فى سنة إحدى وسبعماية، فاختلف أولاده وبنو عمه فى الملك بعد وفاته وتنازعوه بينهم وافترق بعضهم عن بعض، وكان له من الأولاد «٥» . نيان. وكبلك «٦» وطقتمر. وبغانمر. ومنغطاى.
стр. 10635
وصاحى. وكان كبلك قد استقر فى الملك بعد وفاة أبيه فسار أخوه نيان إلى الملك طقطا واستنجد به، واستمده على أخيه، فأمده بأخيه برلك وسار كبلك إلى قيدوا واستعان به فأمده بجيش. وعادا من جهة طقطا وقيدوا، والتقوا واقتتلوا فكسر كبلك ثم مات واستقر أخوه نيان فى المملكة الغزنوية: واستمر إلى سنة ثمان وسبعماية، فوقع الخلف بينه وبين أخيه منغطاى بن قيجى «١» وتنازعا الملك، وانحاز إلى كل واحد منهما فئة، فاستظهر منغطاى على أخيه نيان بكثرة من انحاز إليه، فانهزم نيان واستقر منغطاى فى الملك. وأقام نيان ببلاد بكمرش وهى على أطراف حدودهم. ثم توجه قرشياى بن كبلك إلى قيدوا فى سنة تسع وسبعماية، واستنجده على عمه نيان، فأنجده عليه، وجرد معه جيشا. فقصد نيان واقتتلا فانهزم نيان وتوجه إلى عند الملك طقطا، لأنه كان قد أمده أولا وأعانه. وتمكن قرشتاى من بلاد نيان واستقر بها، واستمر منغطاى فى ملك المملكة الغزنويّة إلى وقتنا هذا.
وانقطعت أخبارهم عنا من سنة عشر وسبعمائة فلم يصل إلينا منها ما نشرحه. وإنما أوردنا هذه النبذة اليسيرة من أخبار هذين البيتين لتكون دالة على وجودهم ومنبهة عن ممالكهم، وإلا فأخبارهم كثيرة لم نظفر بها. فلنذكر الآن نبذة من أخبار هولاكو بن تولى خان ابن جنكزخان، وأخبار أولاده، وما ملكه وملكوه بعده من الأقاليم.
والممالك.
стр. 10636
ذكر أخبار هولاكو بن تولى خان بن جنكزخان وابتداء أمره وما استولى عليه من الممالك والأقاليم ومن ملك من ذريته
وهذا البيت من التتار وهو أقرب البيوت إلى القان الكبير، لأن القانية استقرت فى إخوة هولاكو، ثم فى بنى أخيه قبلاى بن تولى خان، كما قدمناه فى أخبارهم.
وكان ابتداء أمر هولاكو أن أخاه منكوقان وهو الجالس فى أيامه على تخت القانية بقراقروم بعثه لفتح العراق فى سنة خمسين وستماية، فسار فيمن معه من الجيوش إلى بلاد الاسماعيلية، ويسمون ببلاد العجم الملاحدة، فاستولى عليها وأباد أهلها قتلا وأسرا وسبيا ونهبا.
ثم كان بينه وبين بركة من الحرب ما شرحناه فى أخبار بركة.
وكانت الهزيمة على هولاكو وقتل كثير من أصحابه وغرق كثير منهم. وعاد هولاكو إلى العراق بمن بقى معه. وتمكنت العداوة بين هذين البيتين ونشأت الحرب بينهم من هذه السنة وهى سنة ثلاث وخمسين.
стр. 10637
ذكر استيلائه على بغداد وقتله الخليفة المستعصم بالله
وفى سنة ست وخمسين وستماية سار هولاكو بعساكر التتار إلى مدينة بغداد ونازلها. وكان قد أرسل إلى بيجو «١» يستدعيه من بلاد الروم، فكره بيجو اللحاق به. وما أمكنه مفاجأته بذلك؛ فاعتذر إليه أن جمعا كثيرا من القرى تليه والأكراد والياروقية قد تجمعوا فى الطرقات، ومقدمهم شرف الدين بن بلاش، وأنهم أخذوا عليه وعلى من معه المضيق، ولا سبيل لهم إلى الخروج من حدود ديار بكر. وقصد بيجو بذلك المدافعة. فجهز هولاكو تمانين من التوامين «٢» التى معه، مقدم أحدهما قدغان ومقدم الآخر كتبغا «٣» نوين لفتح الطريق. وفى أثناء ذلك أوقع. «٤» بالأكراد والقراتلية وقعة عظيمة وجعل منهم أهل أرزنجان وتحصنوا بجبل يسمى أرن سور. فلما وصل التتار إلى أرزنجان تسلموها وحاصروا
стр. 10638
كماج، وهزموا الأكراد وقتلوا منهم وسبوا، وأقام قدغان وكتبغا حتى وصل إليهما بيجو.
وأخبرنى الأتمر البدرى ﵀ وهو من ذرية بيجو كما زعم، وكان له معرفة بأخبارهم، أن منكوقان لما جهز بيجو لفتح الروم، أوصاه أنه لا يتعرض إلى بغداد، وأنه لما جهز هولاكو أوصاه أن لا يخالف بيجو وأنه لا يصل إلى بغداد، وكتب معه إلى بيجو بذلك.
فغير هولاكو الكتب وجعل معناه أن بيجو لا يخالف أمر هولاكو، وكانت كراهية منكوقان لفتح بغداد أنهم رأوا فيما عندهم أنها إذا فتحت لا تطول مدة القان.
ثم توجه بيجو ومن عنده إلى هولاكو ونزلوا بالجانب الغربى من بغداد، ونزل هولاكو بالجانب الشرقى منها. وحاصروها واشتد الحصار، فخرج إليهم عسكر الخليفة صحبة مجاهد الدين أيبك الدوادار الكبير «١» - وكان مقدما على عشرة آلاف فارس- فالتقن مع التتار وهزمهم. فولوا عامة ذلك النهار، وقتل كثيرا منهم إلى أن حجز بينهم الليل، واستبشر المسلمون بالنصر. فلما أصبحوا تراجع التتار إليهم، فانكسر الدوادار ومن معه. وكان أكثر أصحابه لما أيقنوا بالظفر دخلوا بغداد فى تلك الليلة، فلما انهزم مجاهد الدين
стр. 10639
بمن بقى معه قصد التحصن ببغداد، فحال بينه وبينها- للقضاء المقدر- شق انبثق من دجلة، وساحت منه مياه عظيمة، فصار الماء أمامه والتتار وراءه، فأدركوه هو ومن معه، وأخذهم السيف، ومرق جماعة منهم. وقتل مجاهد الدين أيبك وولده أسد الدين- وكان مقدم خمسة آلاف فارس-، «وسليمان شاه ترجم «١» » .
أمير علم الخليفة، وجماعة من الأمراء، وأسروا خلقا. وحملت رؤوس هؤلاء الثلاثة إلى الموصل، وحملت على باب المدينة ترهيبا لأهلها.
ورمى أهل بغداد بالداهية الكبرى والمصيبة العظمى، وارتاع الخليفة وأغلقت أبواب المدينة، وأحاط بها التتار وضايقوها وفتحوها عنوة، ودخلوها فى العشرين من المحرم سنة ست وخمسين وستماية؛ ووضعوا السيف فيها سبعة أيام، لم يرفعوه عن شيخ كبير ولا طفل صغير. وجىء بالخليفة إلى هولاكو فأمر أن يجعل فى جولق ويداس بأرجل الخيل، ففعل به ذلك حتى مات، كما ذكرناه فى أخبار الدولة العباسية. ومن عادة التتار أنهم لا يسفكون دماء الملوك والأكابر غالبا.
وسبى التتار من بالقصر، وأخذوا ذخائر الخلافة، واستدعى هولاكو الوزير ابن العلقمى، وكان قد كاتبه وحثه على قصد بغداد وأضعف جيوش الإسلام. فلما مثل بين يدى هولاكو سبه
стр. 10640
ووبخه على عدم موافاته لمن هو غذى نعمته، وأمر بقتله فقتل.
وقيل لم يقتله بل استبقاه. ثم عزم هولاكو على إحراق مدينة بغداد، فمنعه كتبغا نوين، وقال هذه أم الأقاليم ويتحصل منها الأموال العظيمة، والمصلحة إبقاؤها، فأبقاها ورتب فيها شحنة، ثم سار عنها بعد انقضاء الشتاء إلى الشام، وجرد إلى مياّفارقين، والله أعلم.
ذكر استيلاء التتار على ميافارقين
وفى سنة ست وخمسين أيضا أرسل هولاكو طائفة من عساكره إلى ميافارقين صحبة صرطق «١» نوين وقطغان نوين. وكان بها الملك الكامل ناصر الدين محمد بن المظفر غازى بن العادل أبى بكر ابن أيوب، فحاصروها ونصبوا عليها المجانيق من كل ناحية، فقاتله أهلها، وامتنعوا وصبروا على شدة الحصار، وقلت الأقوات عندهم حتى أكلوا الكلاب والسنانير والميتة. ففتحها التتار بعد سنتين، بعد أن فنى الجند من كثرة القتال، وأسر من بقى، وأخذ الملك الكامل صاحبها وتسعة نفر من مماليكه، وأحضروا بين يدى هولاكو فقتلوا، إلا مملوكا واحدا يسمى قراسنقر سأله عن وظيفته، فذكر أنه أمير شكار «٢» ، فأبقاه وسلم إليه طيوره.
وجاء قراسنقر هذا بعد موت هولاكو إلى الديار المصرية فى الأيام
стр. 10641
الظاهرية، فجعله السلطان من مقدمى الحلقة المنصورة. وكان استيلاء التتار على ميافارقين فى سنة ثمان وخمسين وستماية.
ولما قتل الملك الكامل هذا حمل التتار رأسه على رمح وطيف به البلاد ومروا به على حلب وحماه ووصلوا به إلى دمشق فى سابع عشرين جمادى الأولى من السنة، وطافوا به فى دمشق بالمغانى والطبول، وعلق رأسه بباب الفراديس فلم يزل إلى أن عادت دمشق إلى المسلمين فدفن بمشهد الحسين داخل باب الفراديس.
ذكر وفاة بيجو مقدم التتار
وفى سنة ست وخمسين أيضا نقم هولاكو على بيجو لما بلغه عنه من إضمار الخلاف وما قصده من التأخير عنه لما طلبه وأنه قصد الانفراد ببلاد الروم. فلما فرغ من فتح بغداد والعراق سقاه سما فمات. وقيل إنه كان قد أسلم قبل موته، ولما حضرته الوفاة أوصى بأن يغسل ويدفن على عادة المسلمين. وكان له من الأولاد أفاك «١» .
وسوكناى. وأفاك هذا هو أبو سلامش «٢» وقطقطو اللذين وفدا إلى الديار المصرية فى الأيام المنصورية.
ولما فتح هولاكو العراق جاءه ملوك الأطراف، فكان ممن جاءه الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل بهدايا جليلة وتحف.
стр. 10642
ولما قصد السفر من الموصل جاءه أهلها وقالوا: «إنا نخشى عليك من سطوة هذا الملك الجبار» فقال: «أرجو أن أتمكن منه وأعرك أذنيه» فلما جاءه وقدم ما معه أعجب هولاكو وأقبل عليه. فلما فرغ من تقدمته قال: «قد بقى معى شيئ خاص بالقان» وأخرج له حلقتى أذن من الذهب، فيهما درتان كبيرتان، فأعجباه فقال: «أشتهى القان يشرفنى بأن أجعلهما بيدى فى أذنيه ليعظم قدرى بذلك عند الملوك وأهل بلادى وأعلم رضاه عنى» فأصغى إليه بأذنيه فمسكهما ووضع الحلقتين فيهما، ونظر إلى من معه من أهل الموصل يعنى:
«اننى قد قلت قولا وقد حققته» .
وأرسل إليه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز صاحب الشام ولده العزيز بهدايا وتحف اقتداء بصاحب الموصل، فقبل تقدمته وسأله عن تأخير أبيه، فاعتذر بأنه لا يمكنه مفارقة البلاد خوفا عليها من عدو الإسلام الفرنج، فقبل عذره وأعاده إلى أبيه.
وجاءه عز الدين كيكاوس، وركن الدين قلج أرسلان ملك الروم فقسم البلاد بينهما على ما قرره منكوقان.
وفى سنة سبع وخمسين وستماية وجه هولاكوا أرغون- وهو من أكابر المقدمين- فى جيش إلى كرجستان، فغزا تفليس وأعمالها، فأغار ونهب وعاد إليه وهو بالعراق.
وفيها أيضا قدم هولاكو إلى شرقى الفرات ونازل حران وملكها، واستولى على البلاد الجزيرية، وذلك بعد وفاة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل.
стр. 10643
وأرسل هولاكو أحد أولاده إلى حلب فوصل إليها فى العشر الآخر من ذى الحجة من السنة. وكان الملك المعظم تورانشاه ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بحلب ينوب عن ابن أخيه الملك الناصر، فخرج بالعسكر الحلبى لقتال التتار، فأكمن التتار كمينا عند الباب المعروف بباب الله قريب من مدينة حلب من شمائلها، والتقوا واقتتلوا عند بانقوسا «١» ، فاندفع التتار بين يدى العسكر الحلبى وتبعهم العسكر حتى خرجوا عن البلد، ثم عطفوا عليهم، فطلب المسلمون المدينة والتتار يقتلون فيهم. وهلك فى الأبواب جماعة من المنهزمين.
ثم رحل التتار إلى اعزاز وتسلموها بالأمان، ثم تقدم هولاكو بجيوشه فبدأ بالبيرة فملكها، ووجد بها الملك السعيد ابن الملك العزيز أخا الملك الناصر معتقلا فأطلقه، وسأله عما كان بيده فقال:
الصبيبة وبانياس، فكتب له بذلك فرمانا، ثم تقدم هولاكو إلى حلب.
ذكر منازلة هولاكو مدينة حلب واستيلائه عليها وعلى بلاد الشام
وفى سنة ثمان وخمسين وستماية عبر هولاكو الفرات بجموعه، ونازل حلب، وأرسل إلى الملك المعظم توران شاه ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف يقول: «إنكم تضعفون عن لقاء المغل، ونحن قصدنا الملك الناصر، فاجعلوا عندكم شحنة وبالقلعة شحنة
стр. 10644
ونتوجه نحن إلى العسكر فإن كانت الكسرة عليهم كانت البلاد لنا وتكونون «١» قد حقنتم دماء المسلمين. وان كانت الكسرة علينا كنتم مخيرين فى الشحنتين إن شئتم القتل أو الإطلاق فقال له الملك المعظم: «ليس له عندى إلا السيف» . وكان الرسول إليه من جهة هولاكو صاحب أرذن الروم، فعجب من جوابه، وتألم لما علم من ضعف المسلمين عن ملاقاة التتار وأحاط التتار بحلب فى ثانى صفر وهجموا على البواشير فى الثالث من الشهر؛ فقتل من المسلمين جماعة، منهم أسد الدين ابن الملك الزاهر صلاح الدين. واشتدت مضايقة التتار لحلب، وهجموه من عند حمام حمدان وذلك فى يوم الأحد تاسع صفر، وصعد إلى القلعة خلق كثير. وبذل التتار السيف والنهب فى أهل حلب إلى يوم الجمعة رابع عشر الشهر، فأمر هولاكو برفع السيف، ونودى بالأمان، فقتل منها فى هذه المدة ما لا يحصى كثرة، وكان قد تجمع بها من أهل القرى خلق كثير. وسبى من النساء والذرارى زهاء مائة ألف، بيعوا فى جزائر الفرنج وبلاد الأرمن، ولم يسلم ممن كان بحلب إلا من التجأ إلى أماكن كان مع أهلها فرمانات من هولاكو منها: دار شهاب الدين بن عمرون، ودار نجم الدين أخى مزدكين، ودار البازيار، ودار علم الدين قيصر الموصّلى، والخانقاه التى فيها زين الدين الصوفى، وكنيسة اليهود. فقيل إن الذين سلموا فى هذه الأماكن يزيدون على خمسين ألف إنسان.
стр. 10645
واستمر الحصار على القلعة والمضايقة لها نحو شهر، فوثب جماعة ممن بالقلعة على صفى الدين بن طرزة رئيس حلب وعلى نجم الدين أحمد بن عبد العزيز ابن القاضى نجم الدين بن أبى عصرون فقتلوهما لأنهم توهموا أنهما باطنا التتار. ثم سأل من بالقلعة الأمان، فأمنوا، وتسلمها التتار فى يوم الإثنين حادى عشر ربيع الأول من السنة. وأمر هولاكو من كان بالقلعة أن يعود كل منهم إلى داره وملكه وأن لا يعارض. ونزل العوام والغرباء إلى الأماكن التى أحميت بالفرمانات. وكان بقلعة حلب فى الاعتقال جماعة من البحرية الصالحية الذين حبسهم الملك الناصر، منهم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وسكز، وترامق، وغيرهم؛ فأخذهم وأضافهم إلى مقدم يسمى سلطان جق من أكابر القفجاق. وكان سلطان جق هذا قد هرب من التتار لما استولوا على بلاد القفجاق وقدم إلى حلب، فأكرمه الملك الناصر وأحسن إليه وأقام عنده، فلم توافقه البلاد فالتحق بهولاكو فأكرمه؛ هذا ما كان من أمر حلب.
وأما حماه فان صاحبها الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب كان قد فارقها وتوجه إلى دمشق، وترك بها الطواشى مرشد. فلما بلغه أخذ حلب فارق حماه، وتوجه إلى الملك المنصور بدمشق، فتوجه أكابر حماه بمفاتيحها إلى هولاكو.
وسألوه الأمان لأهل البلد، وطلبوا منه شحنة يكون عندهم؛ فامنهم وأرسل معهم شحنة من العجم اسمه خسروشاه، كان يدعى أنه من ولد خالد بن الوليد، فقدم حماه وأقام بها وآمن أهلها. وكان
следующие страницы →