Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10711–10750 · переход к 10716.
стр. 10711
فكان ذلك أعلى لمحلّك. وكنت قضيت حقوقهم «١» . ثم أمر به فضربه مائة مقرعة، ودموع أحمد تجرى على خدّه رقّة على ولده، ثم ردّه إلى الحجرة واعتقله، وذلك فى سنة ثمان وستّين ومائتين.
ذكر خلاف لؤلؤ على احمد
كان سبب ذلك أن الحسين بن مهاجر «٢» غلب على أحمد بن طولون، وحسّن له جمع الأموال ومنعه من سماحته وجريه على عوائده الجميلة، فنفرت القلوب عن أحمد، وتغيّرت الخواطر عليه، فتنكّر له غلامه لؤلؤ، وكان عمدته عليه، وكان فى يده حلب وحمص وقنّسرين وديار مضر.
وكان أحمد إذا أنكر على لؤلؤ شيئا أوقع بكاتبه محمد بن سليمان، ويقول له.
هدا منك ليس منه، فحمل محمّد بن سليمان الخوف من أحمد على أن حسّن [-] «٣» لؤلؤ حمل جملة من المال إلى الموفّق «٤» ، فحمل ذلك إليه، وكتب إليه عن لؤلؤ كتابا يعرّفه رغبته فى المصير إليه، والتّصرّف تحت أمره ونهيه، والدّخول فى طاعته، فسرّ الموفّق لذلك واستبشر، لما فى نفسه من أحمد، ورأى أنّ ذلك من الفرص الّتى يتعيّن انتهازها، فأجابه بأحسن جواب، وأنفذ إليه خلعا.
стр. 10712
وكانت مع لؤلؤ طائفة من خواصّ أحمد، فلمّا أنكروا حاله، واطّلعوا على ما فعله، فارقوه، والتحقوا بأحمد، وأطلعوه على ما كان من أمر لؤلؤ.
فتألّم لذلك، وأخذ فى إعمال الحيلة والمخادعة للؤلؤ والتلطّف به، ومكاتبة محمّد بن سليمان، فلم يفد ذلك عنده. فكتب أحمد إلى المعتمد على الله كتابا يقول فيه: إنّى خائف على أمير المؤمنين من سوء يلحقه، وقد اجتمع عندى مائة ألف عنان أنجاد، وأنا أرى لسيّدى أمير المؤمنين الانجذاب إلى مصر، فإنّ أمره يرجع بعد الامتهان إلى نهاية العزّ، ولا يتهيّأ لأخيه الموفق شىء ممّا يخافه عليه. وجهّز له قرين ذلك، سفاتج «١» بمائة ألف دينار، وذلك فى سنة ثمان وستين ومائتين. وأظهر أحمد الخروج لهذا الأمر. فلمّا وصل كتابه إلى الخليفة. تجهّز لقصده مصر، فكان من خروجه ورجوعه إلى بغداد ما ذكرناه فى أخباره.
وأمّا أحمد فإنّه تجهّز إلى الشام، وأخذ معه ابنه العبّاس مقيّدا، واستخلف ابنه خمارويه على مصر. فسار، فوصل إلى دمشق وهو يظهر الانتصار للمعتمد، ويقصد لؤلؤا غلامه فعند ذلك التحق لؤلؤ بالموفّق، وكان لحاقه به فى سنة تسع وستين.
وانتهى إلى أحمد عود المعتمد، وأنّه فصيّق عليه، فأحضر أحمد قضاة أعماله وفيهم بكّار بن قتيبة «٢» والعمرى وأبو حازم، وغيرهم، وخلع الموفّق، فكلّهم وافقه على ذلك إلّا بكّار. وأسقط أحمد دعوة الموفّق، وقلع اسمه
стр. 10713
من الطّرز. فلمّا بلغ الموفّق ذلك أمر بلعن أحمد بن طولون فى المنابر فى سائر الأمصار. ثم رجع الموفّق عن ذلك، وأمر كاتبه صاعد بن مخلّد وجماعة من خاصّته بمكاتبة أحمد بن طولون وتوبيخه على ما فعله، فكتبوا إليه واستمالوه، فعلم أنّ ذلك عن رأى الموفّق وإذنه لهم، فأجابهم بأحسن جواب. فعرضوا كتبه على الموفّق، فسرّه ما تضمّنته، وعلم أنّ ابن طولون إنّما فعل ذلك لمغالاته فى المناصحة هم. وكان الموفّق كامل العقل، فسكّن ذلك منه ما كان فى نفسه على أحمد، ومال قلبه إليه. وكتب الموفّق إلى أخيه المعتمد يعلمه برجوعه عن أمر أحمد وندمه على ما كان منه فى حقّه، وسأله أن يكتب إليه، فسرّ المعتمد بذلك، وكتب إلى أحمد كتابا بخطّه، وأمره بالرجوع عمّا هو عليه من أمر الموفّق، وبعث إليه كتاب الموفّق برجوعه عن لعنه، وأنفذ الكتاب مع الحسن بن عطّاف. فلمّا بلغ الرّقّة بلغه وفاة أحمد ابن طولون «١» ، فرجع إلى الحضرة.
وأما لؤلؤ فإنّه بلغه أنّ مولاه أحمد باع أولاده وخدمه بسوق الرّقيق بمصر، وقبض على أملاكه، فبلغ ذلك منه كلّ مبلغ، وتقدّم إلى الموفّق وبكى، وسأله إنفاذ الجيوش معه، وضمن له أخذ البلد من مولاه، وبسط لسانه فى سيرته، فخلع الموفّق عليه، وحمله على دابة، ووعده، وأمر بتجريد الجيوش [٩] معه، كلّ ذلك وهو يسخر به ويماطله إلى أن يعود جواب أحمد مع الحسن ابن عطّاف، فقبض حينئذ على لؤلؤ وردّه إلى مولاه، واستقبح ما فعله لؤلؤ فى حقّ سيده، فلمّا اتفق وفاة أحمد، أقام لؤلؤ فى
стр. 10714
خدمة الموفّق إلى سنة ثلاث وسبعين، فقبض الموفّق عليه، وأخذ منه أربعمائة ألف دينار، وكان لؤلؤ يقول: ليس لى ذنب إلّا كثرة مالى.
ولم تزل أمور لؤلؤ فى إدبار إلى أن افتقر، ولم يبق له شىء، فعاد إلى مصر فى آخر أيام هارون بن خمارويه «١» بغلام واحد. وهكذا تكون ثمرة الغدر وكفر الإحسان.
ذكر وفاة أحمد بن طولون وشىء من أخباره وسيرته
كانت وفاته فى نصف اللّيل من ليلة الأحد لعشر ليال خلون من ذى القعدة سنة سبعين ومائتين.
قيل: وكان سبب وفاته أن نائبه بطرسوس «٢» وثب عليه يازمان «٣» الخادم وقبض عليه، وأظهر الخلاف على أحمد. فجمع أحمد العساكر، وسار إليه. فلمّا وصل إلى أذنة «٤» كاتبه وراسله واستماله، فلم يلتفت
стр. 10715
يازمان الخادم إلى رسالته. فسار أحمد إليه وحصره، فخرق يازمان نهر البلد «١» على منزلة العسكر، فكاد النّاس يهلكون. فرحل أحمد حنقا، وكان الزمان شتاء، وكتب إلى يازمان: إننى لم أرحل إلّا خوفا أن تنخرق حرمة هذا الثّغر، ويطمع العدو فيه. وعاد إلى أنطاكيّة، فأكل من لبن الجواميس وأكثر منه، فأصابته هيضة واتّصلت به حتى صار منها ذرب «٢» . وكان الأطبّاء يعالجونه، وهو يأكل سرّا غير ما يصفونه، فلم ينجع الدّواء فيه.
فمات ﵀.
هكذا ذكر ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل فى سبب وفاته «٣» .
وأما صاحب الدّول المنقطعة «٤» فإنه قال: إنّه رجع إلى مصر واعتلّ بزلق للمعدة. واشتدّت به العلّة وطالت، فعهد إلى ابنه أبى الجيش خمارويه، وأطلق ابنه العباس من قيده، وذلك فى القعدة سنة سبعين ومائتين، وخلع عليه وقلّده جميع الأعمال الخارجة عن أعمال مصر من الشّامات والثّغور، وأوصاه بتقوى الله وطاعة أخيه. ثمّ توفّى ﵀ وسنّه يومئذ خمسون سنة وشهر وثمانية وعشرون يوما، ومدّة إمرته على مصر ستّ عشرة سنة وشهر واحد وسبعة وعشرون يوما. «٥»
стр. 10716
وأمّا سيرته، فإنّه، ﵀، كان عادلا شجاعا، كريما متواضعا، حسن السّيرة، يباشر الأمور بنفسه ويتفقّد رعاياه، ويحبّ أهل العلم، ويدنى مجالسهم. وكان كثير الصّدقات. وهو الذى بنى قلعة يافا، وكانت المدينة بغير قلعة.
اولاده ثلاثة وثلاثون «١» . منهم «٢» : أبو الفضل العبّاس، أبو الجيش خمارويه، أبو العشائر مضر. أبو الكرم ربيعة، أبو المقانب شيبان، أبو ناهض عياض، أبو معدّ عدنان، أبو الكراديس خزرج. أبو حبشون عدىّ، أبو شجاع كندة، أبو منصور أغلب، أبو بهجة ميسرة، أبو البقاء هدى، أبو المفوض غسّان، أبو الفرج مبارك، أبو عبد الله محمد، أبو الفتح مظفر.
والبنات ستّ عشرة، وهنّ: فاطمة، ولميس، وتعلب «٣» ، وصفية، وغالية «٤» ، وخديجة، وميمونة، ومريم، وعائشة، وأم القرى «٥» ، ومؤمنة، وعزيزة، وزينب، وسمانة، وسارة، وغريرة.
وخلّف من الأموال والعين والورق كثيرا، ومن الغلمان أربعة وعشرين ألف غلام، ومن الموالى سبعة آلاف رجل، ومن الخيل سبعة آلاف وثلاثمائة وخمسين رأسا، منها: لركابه ثلاثمائة وخمسون، ومن الجمال ثلاثة آلاف
стр. 10717
جمل، وألف بغل، ومن المراكب الحربيّة الكبار مائتى مركب بآلتها، ومن الأمتعة والفرش والآلات والأوانى ما لا يحصى كثرة ولا يعدّ اتّساعا، وأنفق على الجامع مائة ألف وعشرين ألف دينار، وعلى البيمارستان ستّين ألف دينار، وعلى العين الّتى بالمعافر مائة ألف وأربعين ألف دينار، وعلى حصن الجزيرة مائة ألف دينار. وأنفق فى بناء الميدان مائة ألف وخمسين ألف دينار، وعلى مرمّات الثّغور وحصن يافا مائتى ألف دينار.
وكانت صدقاته فى كلّ شهر ألف دينار سوى المرتّبات، وكانت له وظائف من خبز ولحم تجرى على قوم مستورين، فى كلّ شهر ألفا دينار.
وكان يصنع فى كلّ جمعة من أصناف الأطعمة والحلو أشياء كثيرة يحضرها النّاس من فقير، ومستور، ومتجمّل، ومحتاج، وكان إذا عاين ذلك وهو بمشترف عال يسجد لله تعالى شكرا تارة، ويصلّى تارة، ويدعو تارة، ويبكى تارة. فكانت سيرته ﵀ أجمل سيرة، وفراسته أعظم فراسة، بحيث إنّه كان ينظر إلى الرّجل فيدرك [١٠] بفراسته غرضه، ولمّا مات ملك بعده ولده.
ذكر ولاية أبى الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون وهو الثانى من ملوك الطولونية
ملك بعد وفاة أبيه فى يوم الأحد لعشر خلون من ذى القعدة سنة سبعين ومائتين، وهو ابن عشرين سنة وشهور، فى خلافة المعتمد على الله. وذلك أنّه لمّا توفّى والده اجتمع الأجناد وقتلوا ولده العباس الأكبر وولّوا خمارويه، فاستقلّ بالأمر.
стр. 10718
ذكر مسير إسحاق بن كنداجق «١» ومحمد بن أبى الساج إلى الشام
قال المؤرّخ «٢» : لمّا توفى أحمد بن طولون كان إسحاق بن كنداجق على الموصل والجزيرة، وابن أبى السّاج «٣» على أرمينية والجبال، فطمعا فى الشّام، واستصغرا أولاد أحمد بن طولون، فكاتبا الموفّق واستمدّاه، فأمرهما بقصد الشام، ووعدهما إنفاذ الجيوش. فجمعا وقصدا ما يجاورهما من البلاد، فاستوليا عليها، وأعانهما نائب دمشق الّذى كان من قبل أحمد بن طولون ووعدهما الانحياز إليهما، وأظهر العصيان، واستولى إسحاق على حلب وحمص وأنطاكيّه ودمشق.
فلمّا انتهى الخبر إلى أبى الجيش خمارويه ندب العساكر المصريّة إلى الشام، فملكوا دمشق، وهرب نائبها. وسار عسكر خمارويه من دمشق إلى شيزر «٤» لقتال إسحاق وابن أبى السّاج، فطاولهم إسحاق ينتظر المدد من العراق. وهجم الشّتاء على الطّائفتين، وأضرّ بأصحاب خمارويه، فتفرّقوا فى المنازل بشيزر. ووصل العسكر العراقى إلى ابن كنداجق وعليهم أبو العبّاس أحمد بن الموفّق، وهو المعتضد بالله. فلمّا وصل سار مجدّا إلى عسكر
стр. 10719
خمارويه بشيزر، فكبسهم فى المساكن ووضع فيهم السّيف، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وسار من سلم منهم إلى دمشق على أقبح صورة. فسار المعتضد إليهم، ففارقوا دمشق وتوجّهوا إلى الرّملة، وأقاموا بها. ودخل أبو العبّاس المعتضد إلى دمشق فى شعبان سنة إحدى وسبعين ومائتين. وكتب عسكر مصر إلى خمارويه، فخرج من مصر بعساكره.
ذكر وقعة الطواحين
وفى سنة إحدى وسبعين ومائتين كانت وقعة الطّواحين «١» بين أبى العبّاس أحمد بن الموفّق، وهو المعتضد، وبين أبى الجيش خمارويه بن أحمد.
وكان سبب هذه الوقعة أنّ المعتضد لمّا ملك دمشق سار بعساكره إلى الرّملة لقصد عسكر خمارويه، فأتاه الخبر بوصول خمارويه إلى عسكره وكثرة من معه من الجموع، فهمّ المعتضد بالعود، فلم يمكّنه من معه من أصحاب ابن طولون الّذين صاروا معه. وكان المعتضد قد أوحش ابن كنداجق وابن أبى السّاج ونسبها إلى الجبن، حيث انتظراه حتّى وصل إليهما ولم يناجزا عسكر خمارويه الحرب، ففسدت نياتهما.
قال: ورحل خمارويه ونزل على الماء الّذى عليه الطواحين [عند الرملة] «٢» وملكه، فنسبت الوقعة إليه. ووصل المعتضد وقد عبّأ أصحابه، وفعل خمارويه كذلك، وجعل كمينا عليهم سعد الأيسر، فحملت ميسرة المعتضد على ميمنة خمارويه فانهزمت. فلمّا رأى خمارويه ذلك، ولم يكن
стр. 10720
رأى مصافّا قبله، ولّى منهزما فى طائفة من الأحداث الّذين لا علم لهم بالحرب، ولم يقف دون مصر.
ونزل المعتضد إلى خيام خمارويه وهو لا يشكّ فى تمام النّصر، فخرج سعد الأيسر بالكمين وانضاف إليه من بقى من الجيش، ونادوا بشعارهم، وحملوا على عسكر المعتضد وقد اشتغلوا بنهب السّواد، فوضع المصريّون السّيف فيهم. فظنّ المعتضد أنّ خمارويه قد عاد، فركب وانهزم لا يلوى على شىء، ووصل إلى دمشق فلم يفتح له أهلها، فمضى منهزما حتّى وصل طرسوس. واقتتل العسكران وليس لواحد منهما أمير [١١] ، وطلب سعد الأيسر خمارويه فلم يجده. فأقام أخاه أبا العشائر مقامه. وتمّت الهزيمة على العراقيّين، وقتل منهم خلق كثير، وأسر خلق كثير.
وجاءت البشائر بالنّصر إلى مصر، فسرّ خمارويه بالظّفر، وخجل من الهزيمة، وأكثر الصّدقة، وفعل مع الأسرى ما لم يسبق إليه، وقال لأصحابه: هؤلاء أضيافكم، فأكرموهم. ثم أحضرهم بعد ذلك وقال:
من اختار المقام عندنا فله الإكرام والمواساة، ومن أراد الرّجوع جهّزناه وسيّرناه، فمنهم من أقام، ومنهم من عاد مكرّما. وسارت عساكر خمارويه إلى الشّام ففتحه أجمع، واستقر ملك خمارويه «١» .
وفى سنة اثنتين وسبعين ومائتين زلزلت مصر فى جمادى الآخرة زلزلة شديدة أخربت الدّور والمسجد الجامع، وأحصى بها فى يوم واحد ألف جنازة.
стр. 10721
ذكر اختلاف محمد بن أبى الساج وإسحاق بن كنداجق والخطبة لخمارويه بالجزيرة
وفى سنة ثلاث وسبعين ومائتين فسدت الحال بين محمد بن أبى الساج واسحاق بن كنداجق «١» ، وكانا قبل ذلك متّفقين بالجزيرة.
وسبب ذلك أنّ ابن أبى السّاج نافس إسحاق فى الأعمال وأراد التقدّم، فامتنع إسحاق عليه، فكاتب محمّد بن أبى الساج خمارويه وانضمّ إليه، وخطب له بأعماله، وهى قنّسرين، وسير ولده ديوذاد «٢» إلى خمارويه رهينة، فأرسل خمارويه إلى الشّام، واجتمع هو وابن السّاج ببالس «٣» .
وعبر ابن أبى السّاج الفرات إلى الرّقّة فلقيه إسحاق، وكان بينهما حرب انجلت عن انهزام إسحاق، واستولى ابن أبى الساج على ما كان معه. وعبر خمارويه الفرات ونزل الرّافقة «٤» ، وانهزم إسحاق إلى قلعة ماردين «٥» ، فحصره ابن أبى السّاج بها، وسار عنها إلى سنجار «٦» ، وأوقع بطائفة من
стр. 10722
لأعراب. وسار إسحاق إلى الموصل فلقيه ابن أبى الساج ببرقعيد «١» ، وكمّن له، واقتتلوا، فخرج الكمين على إسحاق، فانهزم وعاد إلى ماردين.
فقوى ابن أبى السّاج وظهر أمره، واستولى على الجزيرة والموصل، وخطب لخمارويه فيها، ثمّ لنفسه بعده.
وفيها أيضا ثار السّودان بمصر، وحصروا صاحب الشّرطة «٢» ، فركب خمارويه بنفسه، وبيده سيف مسلول، وقصد دار صاحب الشّرطة، فقتل من لقيه من السّودان، فهزموا، وكثر القتل فيهم، وسكنت مصر.
ذكر الاختلاف بين خمارويه ومحمد بن أبى السّاج والحرب بينهما
وفى سنة أربع وسبعين ومائتين خالف محمّد بن أبى الساج على خمارويه، فسار خمارويه إلى الشّام، فقدمها فى آخر السّنة، وسار ابن أبى السّاج إليه، فالتقوا عند ثنيّة العقاب «٣» ، على مرحلة من دمشق إلى جهة حمص.
واقتتلوا فى المحرّم سنة خمس وسبعين، فانهزمت ميمنة خمارويه، وأحاط عسكر خمارويه بابن أبى السّاج، فانهزم، واستبيح عسكره.
وكان قد خلّف بحمص أموالا كثيرة، فندب خمارويه إليها قائدا من قوّاده فى جيش جريدة «٤» ، فسبقوا ابن أبى السّاج إليها ومنعوه من الدّخول
стр. 10723
والاعتصام بها، واستولوا على أمواله الّتى بها. فمضى إلى حلب، ومنها إلى الرّقّة، فتبعه خمارويه، ففارقها. وعبر خمارويه الفرات وسار فى أثره، فوصل إلى مدينة بلد «١» ، وسبقه ابن أبى السّاج إلى الموصل، ثمّ فارقها إلى الحديثة «٢» ، وأقام خمارويه ببلد، وعمل له سريرا طويل الأرجل، وكان يجلس عليه فى دجلة.
ذكر الدعاء لخمارويه بطرسوس
وفى سنة سبع ومائتين دعا يازمان بطرسوس لخمارويه. وسبب ذلك أنّ خمارويه أنفذ إليه ثلاثين ألف دينار، وخمسمائة ثوب، وخمسمائة مطرف، وسلاحا كثيرا، فلمّا وصل ذلك إليه، دعا له، ثمّ وجّه إليه خمسين ألف دينار.
ثم توفى يازمان فى جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين، فخلفه ابن عجيف، وكتب إلى خمارويه بوفاة يازمان، فأقرّه على ولاية طرسوس، وأمدّه بالخيل [١٢] والسّلاح والذّخائر، ثمّ عزله، واستعمل عليها ابن عمّه محمّد ابن موسى بن طولون.
ذكر الفتنة بطرسوس
وفى سنة ثمان وسبعين ومائتين ثار النّاس بطرسوس بالأمير محمد بن موسى، فقضوا عليه. وسبب ذلك أنّ الموفق كان له خادم من خواصه يقال
стр. 10724
له راغب؛ فلمّا مات الموفّق اختار راغب الجهاد، فسار إلى طرسوس على عزم المقام بها، فلمّا وصل إلى الشّام سيّر ما معه من دوابّ وآلات وخيام وغير ذلك إلى طرسوس، وسار هو جريدة إلى خمارويه ليزوره ويعرّفه ما عزم عليه، فلقى خمارويه بدمشق، فأكرمه خمارويه وأنس به وأحبّه، فاستحيا راغب أن يطلب منه المسير إلى طرسوس، فطال مقامه عنده. فظنّ أصحابه أنّه قبض عليه، وأذاعوا ذلك، فاستعظمه النّاس، وقالوا: يعمد إلى رجل قصد الجهاد فى سبيل الله فيقبض عليه، فشغبوا على أميرهم، وقبضوا عليه، وقالوا: لا تزال فى الحبس حتى يطلق ابن عمّك خمارويه راغبا، ونهبوا داره، وهتكوا حرمه.
وبلغ الخبر خمارويه فأطلع راغبا عليه، وأذن له فى المسير إلى طرسوس.
فلمّا دخلها أطلق أهلها اميرهم محمد بن موسى، فسار عنها إلى البيت المقدّس. ولمّا سار عنها وليها أحمد العجيفى، وكان يليها قبل ذلك «١» .
ذكر زواج المعتضد بالله بابنة خمارويه ابن أحمد بن طولون
قال: ولمّا توفى المعتمد على الله «٢» وتولّى المعتضد بالله «٣» بادر خمارويه
стр. 10725
إليه بالهدايا الجليلة على يد الحسين «١» بن عبد الله بن منصور بن الجصّاص الجوهرى، فأقرّه المعتضد بالله على ما بيده من الأعمال. وسأل خمارويه المعتضد أن يزوّج ابنته قطر الندى «٢» للمكتفى بالله ولىّ العهد، فقال المعتضد بل أنا أتزوجها. [وكان ذلك] «٣» فى سنة ثمانين، وحملت إليه فى سنة إحدى وثمانين ومائتين، وأصدقها ألف ألف درهم.
وقيل: إنّ المعتضد بالله إنّما قصد بزواجها إفقار الطّولونيّة، وكذلك كان، فإنّ خمارويه جهّزها بجهاز لم يسمع بمثله «٤» ، حتى قيل إنّه كان لها ألف هاون من ذهب، وشرط المعتضد على خمارويه أن يحمل فى كلّ سنة مائتى ألف دينار، بعد القيام بجميع وظائف مصر وارزاق الجند، فأجاب إلى ذلك.
ذكر مقتل أبى الجيش خمارويه
كان مقتله فى ليلة الأحد لثلاث بقين من ذى القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وقيل «٥» فى ذى الحجة منها بدمشق.
стр. 10726
وكان سبب قتله أنّه قيل له إن جوارى داره قد اتّخذت كلّ واحدة منهنّ خصيّا وجعلته لها كالزّوج، وقال له النّاقل إن شئت [أن] »
تعلم صحّة ذلك فقرّر بعض الجوارى بالضّرب، فكتب من وقته إلى نائبه بمصر يأمره أن يسيّر إليه الجوارى، فاجتمع جماعة من خدم الخاصّة وتواعدوا على قتله، فذبحوه على فراشه ليلا. فلما قتل قتل من خدمه الّذين اتّهموا بقتله نيّف وعشرون نفسا.
وحمل خمارويه إلى مصر فدفن بجبل المقطّم. وكانت مدّة ملكه ثنتى عشرة سنة وأياما.
ذكر ولاية أبى العشائر جيش ابن أبى الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون وهو الثالث من الملوك الطولونية
ملك بعد وفاة أبيه فى يوم الأحد لثلاث بقين من ذى القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وذلك أنّ خمارويه لمّا قتل اجتمع القوّاد على ابنه أبى العشائر [١٣] وبايعوه، وكان مع أبيه بدمشق، وهو أكبر ولده، ففرّق فيهم الأموال، ورجع إلى مصر، وكان صبيّا غرّا.
стр. 10727
ذكر عصيان دمشق على جيش وخلاف جنده وقتله
وفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين خرج جماعة من قوّاد جيش بن خمارويه وجاهروه بالخلاف، وقالوا: لا نرضى بك أميرا، فاعتزلنا حتى نولّى الإمارة «١» عمّك.
وكان سبب ذلك أنه لمّا ولى قرّب الأحداث والسّفل، وأخلد إلى سماع أقوالهم، فغيّروا نيّته على قواده وأصحابه، فصار يقع فيهم ويذمّهم، ويظهر العزم على الاستبدال بهم، وأخذ نعمهم وأموالهم، فاتّفقوا على قتله وإقامة عمّه. فبلغه ذلك فلم ينته، وأطلق لسانه فيهم، ففارقه بعضهم، وخلعه طغج بن جفّ «٢» أمير دمشق.
وسار القوّاد الذين فارقوه إلى بغداد، وهم: محمّد بن إسحاق بن كنداجق، وخاقان المفلحى، وبدر بن جفّ أخو طغج، وغيرهم من قوّاد مضر «٣» . فسلكوا البرّيّة وتركوا أموالهم وأهليهم، فتاهوا أيّاما، ومات جماعة منهم من العطش، وخرجوا فوق الكوفة بمرحلتين، وقدموا على المعتضد، فخلع عليهم، وأحسن إليهم. وبقى سائر الجند بمصر على خلافهم، فسألهم كاتبه على بن أحمد الماذرائى أن ينصرفوا يومهم ذلك،
стр. 10728
فرجعوا، فقتل جيش عمّين من عمومته «١» ، فثار الجند إليه، فرمى لهم بالرّأسين، فهجم الجند عليه وقتلوه، ونهبوا داره، ونهبوا مصر وأحرقوها «٢» . وكانت ولايته تسعة أشهر، وقيل ثمانية، والله أعلم.
ذكر ولاية أبى موسى هارون ابن أبى الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون وهو الرابع من ملوك الدولة الطولونية
ملك بعد مقتل أخيه فى سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وهو ابن عشر سنين، فاختلّت الأحوال، واختلف القوّاد وطمعوا، فانحلّ النظام، وتفرّقت الكلمة، ثم اتّفقوا على أن جعلوا أبا جعفر بن أبّى التّركى مدبّر الدولة، وكان مقدّما عند أبيه وجدّه، فأصلح الأحوال جهد طاقته. وجهز جيشا إلى دمشق عليه بدر الحمامى والحسن بن أحمد الماذرائى، فأصلحا حالها، وقرّرا أمور الشّام، واستعملا على دمشق طغج بن جفّ الفرغانى، وهو والد الإخشيد، ورجعا إلى مصر، وفى الأمور اختلال، والقوّاد قد تغلّبوا، وضمّ كلّ منهم إلى نفسه طائفة من الجند. ولم يزل الأمر على ذلك إلى سنة إحدى وتسعين ومائتين.
стр. 10729
ذكر انقراض الدولة الطولونية
كان انقراضها فى يوم الخميس لليلتين بقيتا من صفر، سنة اثنتين وتسعين ومائتين وسبب ذلك أن الخليفة المكتفى بالله «١» ندب محمّد بن سليمان كاتب الجيش فى سنة إحدى وتسعين ومائتين، وخلع عليه وعلى جماعة من القوّاد، وأمرهم بالمسير إلى الشّام ومصر وانتزاعهما من هارون بن خمارويه، لما ظهر من عجزه واختلاف أصحابه عليه.
فسار عن بغداد فى شهر رجب، هو وعشرة آلاف، ووصل إلى حدود مصر فى المحرّم سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ووجّه المكتفى أيضا دميانة الرّومى غلام يازمان بالمراكب، فوصل إلى تنّيس «٢» ودخل نهر النّيل، فوجه إليه هارون جماعة من القوّاد، فالتقوا، فهزمهم دميانة، وزحف محمّد بن سليمان بالجيوش فى البرّ حتى دنا من مصر، وكاتب من بها من القوّاد، فكان أوّل من خرج إليه والتحق به بدر الحمامى، وهو رئيس القوّاد ففتّ ذلك فى أعضاد المصريّين. وتتابع القوّاد إليه. فلمّا رأى هارون ذلك خرج بمن بقى معه من القوّاد لقتال محمّد بن سليمان، فكانت بينهم حروب، ثمّ وقع بين
стр. 10730
أصحاب هارون فى بعض الأيّام، فاقتتلوا، فخرج هارون ليسكّنهم، فرماه بعض المغاربة بمزراق «١» فقتله، وقيل بل فعل ذلك عمّه شيبان، وذلك لاثنتى عشرة ليلة بقيت من صفر، سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
وكانت مدّة ولايته نحوا من تسع سنين تقريبا.
فبايع الأجناد عمّه [١٤] أبا المقانب شيبان بن أحمد بن طولون، وهو الخامس من ملوك الدّولة الطّولونية، وعليه انقرضت.
قال: ولمّا بويع بذل الأموال للجند فأطاعوه «٢» ، وقاتلوا معه قتالا شديدا، ثم لم يلبثوا أن وافتهم كتب بدر الحمامى يدعوهم إلى الأمان فأجابوه إلى ذلك. وسار محمّد بن سليمان إلى مصر، فدخلها فى يوم الخميس لليلتين بقيتا من صفر، سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فأرسل إليه شيبان يطلب منه الأمان، فأمّنه، فخرج إليه ولم يعلم به أحد من جنده، فلمّا أصبحوا قصدوا دار الإمارة «٣» فلم يجدوه، فبقوا حيارى.
واستولى محمّد بن سليمان على مصر، وعلى منازل آل طولون وأموالهم، وقبض عليهم كلّهم، وهم عشرون رجلا، فقيدهم وحبسهم، واستصفى أموالهم. وكتب بالفتح إلى الخليفة، فأمره بإشحاص آل طولون وأشياءهم «٤» من مصر والشام إلى بغداد، فحملهم وأتباعهم وأنقاض
стр. 10731
قصورهم، وعاد إلى بغداد، وولّى معونة «١» مصر عيسى النوشرى «٢» .
وانقرضت الدّولة الطّولونيّة، وكانت مدّتها من لدن ولاية أحمد بن طولون وإلى آخر أيام أبى المقانب سبعا وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، وملك منهم خمسة نفر.
стр. 10732
ذكر أخبار من ولى مصر بعد انقراض الدّولة الطولونية وإلى قيام الدّولة الإخشيديّة من الأعمال وملخّص ما وقع فى أيامهم من الحوادث
لمّا انقرضت الدولة الطولونية كما ذكرنا، كان أول من ولى مصر عيسى النوشرى، رتّبه فى ولاية معونتها محمّد بن سليمان الكاتب، فلما سار محمد إلى العراق ظهر بمصر رجل يسمى إبراهيم الخليجى وتغلب عليها.
ذكر إبراهيم الخليجى «١» وما كان من أمره
كان ابراهيم هذا من القوّاد الطّولونيّة، وكان قد تخلّف عن محمّد بن سليمان «٢» ، فاستمال جماعة وخالف على السّلطان وكثر جمعه. وعجز النوشرىّ عنه، فسار إلى الإسكندرية، ودخل الخليجى مصر. وكتب النوشرىّ إلى المكتفى بالخبر، فندب إليه الجنود مع فاتك مولى المعتضد، وبدر الحمامى، فساروا فى شوّال سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ووصلوا إلى نواحى مصر فى سنة
стр. 10733
ثلاث، فتقدم أحمد بن كيغلغ «١» فى جماعة من القوّاد، فلقيهم الخليجى بالقرب من العريش، فهزمهم أقبح هزيمة، فندب من بغداد جماعة من القوّاد فيهم إبراهيم بن كيغلغ «٢» فخرجوا فى شهر ربيع الأول. واتّصلت الأخبار بقوة الخليجى حتى برز المكتفى بالله إلى باب الشماسيّة على عزم المسير إلى مصر، ثم التقى القوّاد بالخليجى، واقتتلوا قتالا شديدا عدة دفعات، كان آخرها أن انهزم الخليجى ودخل فسطاط مصر، واستتر عند رجل من أهلها، ودخل عسكر الخليفة فظفروا به وأخذوه هو والذى استتر عنده «٣» وحبسوهما، وكتبوا بذلك إلى الخليفة، ووجه فاتك إبراهيم الخليجى إلى بغداد، فدخلها هو ومن معه فى شهر رمضان، فحبسهم المكتفى.
واستقر عيسى النوشرى بمصر إلى سنة سبع وتسعين ومائتين، فتوفى فى شعبان منها، وحمل إلى البيت المقدس فدفن به.
واستعمل المقتدر «٤» على مصر تكين الخاصّة «٥» فى منتصف شهر رمضان من السّنة.
стр. 10734
وفى سنة ثلاثمائة ندب تكين عسكرا وجعل مقدمه أبا النمر «١» أحمد بن صالح، فمضى إلى برقة والتقى مع عسكر حباسة قائد المهدى، وأبلى بلاء حسنا، ثم صرفه تكين وولى حر المنصورى فمضى إلى برقة فوجد أبا النمر موافقا لحباسة، فلمّا علم أبو النمر بعزله تخاذل حنقا «٢» على تكين، فاغتنم حباسة الفرصة وحاربهما، فكسرهما، وعادا إلى مصر.
ذكر استيلاء حباسة على الإسكندريّة
[١٥] وفى المحرم سنة اثنتين وثلاثمائة سار حباسة قائد المهدى من برقة ودخل الإسكندرية وملكها، فوصل من بغداد أحمد بن كيغلغ، وأبو قابوس محمود بن حمد، والقاسم بن سيما، فى جمع من القواد والعساكر، وكان وصولهم فى العشرين من صفر، فخرج بهم تكين إلى الجيزة فى يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الأولى فعسكر بها، وسار حباسة من الإسكندرية بعسكر مستوفى، ونودى فى فسطاط مصر بالنّفير فى العشرين من الشهر، فخرج الناس إلى الجيزة، ولم يتخلف أحد من الخاصّة والعامّة، وتقدم حباسة فى جيوشه والتقى الفريقان وكثرت القتلى بينهم، فقتل أكثر رجال حباسة، وانهزم بمن بقى معه.
ثم قدم مؤنس الخادم من العراق فى منتصف شهر رمضان من السّنة، ومعه جمع من الأمراء، وأمر أحمد بن كيغلغ بالمسير إلى الشام، وصرف
стр. 10735
تكين الخاصّة عن ولاية مصر لأربع عشرة ليلة خلت من ذى القعدة. فكانت مدة ولايته خمس سنين وشهرين.
وفى سنة ثلاث وثلاثمائة قدم أبو الحسن ذكا «١» الأعور الرومى أميرا على مصر، وذلك لاثنتى عشرة ليلة خلت من صفر، وخرج مؤنس بجيوشه إلى العراق لثمان خلون من شهر ربيع الأول، وخرج ذكا إلى الإسكندرية لإصلاحها، وجعل فيها ولده مظفرا وتتّبع من كان يذكر بمكاتبة المهدى، فحبس جماعة منهم، وقطع أيدى جماعة وأرجلهم.
ذكر وصول أبى القاسم بن المهدى إلى الدّيار المصريّه واستيلائه على الإسكندرية والفيّوم والأشمونين
وفى سنة سبع وثلاثمائة، فى الثانى من صفر، وصل أبو القاسم بن المهدى بجيوش المغرب إلى الإسكندريّة وملكها. وهى الدّفعة الثّانية، فإنه كان قد قدم فى سنة إحدى وثلاثمائة وملكها أيضا، ثم عاد إلى أفريقية.
ووافق وصوله الآن والجند مخالفون لذكا أمير مصر، فتقاعدوا عن الخروج معه للقاء عسكر المهدى، فخرج إلى الجيزة فى عسكر قليل فى النّصف من صفر، وابتنى حصنا بالجيزة، واحتفر خندقا على عسكره، ثم صرف ذكا، وتوفّى لليلة خلت من شهر ربيع الأول من السنة، وكانت مدة إمارته أربع سنين وأياما.
стр. 10736
وقدم أبو قابوس محمود بن حمد أمير الشام بعساكره نصرة لعساكر مصر، فكان قدومه لثمان خلون من شهر ربيع الأول، ونزل الجيزة، ثمّ قدم إبراهيم بن كيغلغ لسبع بقين من شهر ربيع الآخر. ودخل تكين الخاصّة متولّيا لإحدى عشرة ليلة خلت من شعبان سنة سبع وثلاثمائة، ونزل الجيزة، وحفر خندقا ثانيا، وأقبلت مراكب المهدى صاحب إفريقيّة، وهى مائة مركب حربيّة «١» ، وعليها سليمان الحاكم «٢» ، فبعث تكين إلى بمال الخادم أمير طرسوس أن ينجده، فحضر إليه فى مراكبه «٣» ، وانتهى إلى ثغر رشيد، والتقت مراكبه بمركب المهدىّ لعشر بقين من شوال من السنة، وكان بينهم حرب شديدة، وهبّت ريح على مراكب المهدىّ فألقتها إلى البر، وتكسّر أكثرها، وأسر من فيها، وقتل منهم خلق كثير، ودخل من بقى منهم إلى الفسطاط، وهم سبعمائة نفر، فقتلوا عن آخرهم.
وقدم مؤنس الخادم من بغداد فى الخامس من المحرم سنة ثمان وثلاثمائة «٤» ، وتولّى إمرة مصر من بغداد هلال بن بدر، ودخلها فى السّادس من ربيع الآخر سنة تسع وثلاثمائة، وأقام إلى سنة «٥» عشرة،
стр. 10737
فشغب «١» عليه الجند، وكثر النهب والقتل والفساد بمصر فصرف هلال عن مصر فى شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. فكانت مدة ولايته نحو سنتين.
وتولى مصر أحمد بن كيغلغ فقدمها فى شهر رجب من السنة، فأقام بمنية الأصبغ «٢» ، وأحضر الجند، ووضع العطاء فيهم، وأسقط كثيرا من الرّجاله، فسعت الرجال عليه، وخرجوا لقتاله، فانتقل إلى فاقوس وأقام بها إلى أن قدم رسول تكين الخاصّة بولاية مصر، وذلك فى ذى القعدة من السّنة.
وقدم تكين من العراق لعشر مضين من المحرم سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة، فكان بها إلى أن توفى فى السادس من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وحمل إلى بيت المقدس فدفن هناك، فكانت مدة ولايته هذه تسع سنين وأربعة أشهر إلا أربعة أيام، واستخلف ابنه محمد، وكان الوزير بمصر والمتولّى لخراجها يومئذ محمد بن على الماذرائى «٣» فوقع بينه وبين محمد
стр. 10738
ابن تكين فتنة لأربع بقين من الشهر، وانتشرت حتى قامت الحرب بينهما، وقتل فيها جماعة من الفريقين وأحرق دور الماذرائى الوزير وجماعة من أصحابه [١٦] وخرج محمد بن تكين هاربا من مصر، ودعى بمصر لمحمّد ابن طغج بن جفّ الإخشيدى فى يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من السّنة، ثم دعى لأحمد بن كيغلغ «١» فى شوال من السنة، ثم رجع محمد بن تكين إلى مصر فى يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من صفر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وأقام بالجيزة أياما، ودخل دار الإمارة بمصر، واستقر بها لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، ودعى له بالأمارة ثمّ وقع بينه وبين عرب المغاربة حرب انجلت «٢» عن انهزامهم إلى الصّعيد، وأقام محمد بن تكين ثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوما، ثم هرب مع جماعة من أصحابه لخمس خلون من شهر رجب. ودخل أحمد بن كيغلغ فى يوم السّبت السّادس من الشهر، ثم رجع محمد بن تكين لقتاله لثلاث بقين منه، وكان بينهما حرب انجلت «٣» عن انهزام محمد بن تكين، ثم نفى بعد ذلك إلى الصعيد، فلم يزل هناك إلى أن جاء محمّد بن طغج.
стр. 10739
ذكر أخبار الدولة الإخشيدية وابتداء أمر من قام بها وكيف كان سبب ملكه وقيامه ومن ملك بعده إلى أن انقرضت أيامهم
كانت هذه الدّولة بمصر والشام، وهى من الدّول المشهورة. وأول من ولى من ملوكها الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج. واسم طغج عبد الرحمن ابن جفّ بن يلتكين بن فورى «١» بن خاقان الملك، وهو من فرغانة، وكان طغج من القواد الطّولونيّة، وتولّى لخمارويه بن أحمد [بن طولون] «٢» دمشق والشام. ولما مات طغج ترك من الأولاد أبا بكر محمدا الإخشيد، وأبا القاسم عليّا، وأبا المظفر الحسين، وأبا الحسن عبيد الله، وكان أبو بكر أكبرهم فتولّى الولايات وتنقل فى المراتب إلى أن ملك مصر والشام.
وكان ابتداء ولايته الدّيار المصريه والدعاء له بها فى يوم الجمعة لاثنتى عشر ليلة خلت من شهر رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، كما قدمناه، ولم تثبت ولايته هذه. ثم دعى لأحمد بن كيغلغ، وكان ما ذكرناه، ثم ولى مصر فى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة فى خلافة الرّاضى بالله «٣»
стр. 10740
وكانت هذه الولاية مفتعلة فى ابتدائها، وذلك أن التقليد من دار الخلافة ببغداد خرج باسم محمد بن تكين الخاصّة، وكان بن طغج بالسّاحل فقبض على الرّسول الواصل من دار الخلافة وأخذ منه التّقليد وكشط «تكين» وكتب «طغج» وأنفذ التقليد إلى مصر فورد فى يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان، فاعتزل أحمد بن كيغلغ النّظر، وامتنع محمد ابن على الماذرائى الوزير من التسليم له، وكان غالبا على أمر أحمد [بن كيغلغ] «١» ، وعزم على قتال محمد بن طغج، فبلغه ذلك، فبعث صاعد بن كلملم بمراكب كثيرة من ساحل الشام، وسار هو فى البرّ، فقدمت عساكره مصر برّا وبحرا، ووصل صاعد إلى الجيزة فى يوم الخميس لخمس بقين من شعبان، وأقام خمسة أيام، وأحرق الجسر، ووصل الإخشيد إلى مصر فلقيه محمد بن على الماذرائى الوزير وأحمد بن كيغلغ ومحمد بن عيسى النوشرى وبرزوا لقتاله. فلما تصافّوا للقتال انحاز أحمد بن كيغلغ وانضم إلى الإخشيد، وقاتل الماذرائى وابن النوشرى قتالا شديدا، ثم انهزما إلى الفيوم.
ودخل الإخشيد مصر بعد القتال فى يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان من السنة، فندب صاعدا لقتال الماذرائى وابن النوشرى، فوقع بينهما حرب انجلت «٢» عن قتل صاعد وهرب النوشرى إلى برقة، وراسل القائم «٣»
стр. 10741
صاحب إفريقية يطلب نجدة، فسير إليه عسكرا عليه أبو تازرت «١» فدخلوا الإسكندرية وملكوها، فخرج إليهم أبو المظفر الحسين بن طغج ومعه صالح ابن نافع، ووقع بينهم القتال، فانهزم النوشرى وعسكر المغاربة، وقتلوا أبو تازرت، وأسر عامر المجنون، وجماعة منهم. وأما محمد بن على الماذرائى الوزير فإنه استتر، ودام استتاره إلى أن دخل الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات المعروف بابن حنزابة وتلقاه الإخشيد، وزينت له مصر، فأخرجه. ثم وصل التقليد من دار الخلافة لمحمد بن طغج فى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
وفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة نعت الخليفة الراضى بالله محمّد بن طعج بالإخشيد بسؤال منه فى ذلك. ومعنى الإخشيد ملك الملوك.
وفى سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة خرج الإخشيد إلى الشام واجتمع بالخليفة المتقى «٢» بالله بالرّقة، وخدمه، ومشى بين يديه، وسأله المسير معه إلى مصر [١٧] وخوّفه من توزون التّركى، فلم يقبل منه. فضمّ إليه الإخشيد عسكرا وقائدا من قوّاده ورجع الإخشيد إلى الشام، ثم إلى مصر. وولّاه المتقى مصر والشام والحرمين، وعقد لولديه من بعده،
стр. 10742
أنوجور وعلى، على أن يكفلهما «١» كافور الخصىّ. وكان عود الإخشيد إلى مصر فى يوم الأحد الثالث عشر من جمادى الأولى، وأخذ البيعة على الناس لولده أبى القاسم أنوجور لليلتين بقيتا من ذى القعدة منها.
стр. 10743
ذكر مسير الإخشيد إلى الشام ووفاته وشىء من أخباره وسيرته
وفى خامس شعبان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة خرج الإخشيد إلى الشام والتقى بأصحاب ابن حمدان «١» ، على لدّ «٢» ، وهزمهم. ثم سار إلى حمص وقاتل سيف الدولة بن حمدان، ومضى إلى حلب. ثمّ وقع الصلح بينهما، وتسلم الإخشيد من سيف الدّولة حلب وحمص وأنطاكية «٣» ، وتزوج سيف الدولة بنت عبيد الله بن طغج أخى الإخشيد. ثم عاد الإخشيد إلى دمشق فتوفّى «٤» بها فى يوم الجمعة لثمان بقين من ذى الحجّة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وكان عمره ستّا وستين سنة وخمسة أشهر وسبعة أيّام، وكانت مدة ولايته الثانية «٥» من لدن دخوله إلى مصر وإلى حين وفاته إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر إلّا يوما واحدا.
قال التنوخى «٦» : وكان الإخشيد حازما شديدا، يتيقّظ فى حروبه،
стр. 10744
حسن التّدبير، مكرما للأجناد، أيدا «١» فى نفسه، لا يكاد يجرّ قوسه الأفذاذ من النّاس لقوثه، حسن السيرة فى رعيّته، وكان جيشه يحتوى على أربعة آلاف رجل، وله ثمانية آلاف مملوك، يحرسه فى كل ليلة منهم «٢» ألفا مملوك.
وكان إذا سافر يتنقّل فى الخيام عند النّوم حتى كان ينام فى خيمة الفرّاشين.
قال وترك الإخشيد سبع بيوت مال، فى كل بيت مال منها ألف ألف دينار من سكّة واحدة.
أولاده: أبو القاسم أنوجور، أبو الحسن على.
كتّابه: أبو جعفر بن المنفق، وابن قوماقس، وابن الرودبارى.
ولما مات ملك بعده ابنه أنوجور.
ذكر ولاية أبى القاسم أنوجور
ومعنى أنوجور محمود؛ ابن أبى بكر محمد بن طغج، وهو الثانى من ملوك الدّولة الإخشيديّة.
كانت ولايته بالشام بعد وفاة أبيه لثمان بقين من ذى الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وبويع له بمصر عند ورود الخبر بوفاة الإخشيد فى اليوم الثانى من المحرّم سنة خمس وثلاثين، وعمره يومئذ اثنتا عشرة سنة. وقام ببيعته الوزير أبو بكر محمد بن على بن مقاتل «٣» . وكان أبو المظفّر الحسن بن
стр. 10745
طغج بمصر فقبض على الوزير محمد بن على المذكور فى ثالث المحرّم، وعزله، وولّى الوزارة «١» محمد بن على الماذرائى، وحبس ابن مقاتل، فلم يزل فى الاعتقال إلى أن قدم كافور بالعسكر من الشام فأفرج عنه. وكان قدوم كافور بالعسكر فى يوم الثلاثاء لثمان مضين من صفر سنة خمس وثلاثين.
ثم خرج كافور بالعسكر إلى الشّام ومقدّمه أبو المظفّر بن طغج، أخو الإخشيد، وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأوّل. وكان سبب خروجه أن سيف الدّولة بن حمدان طمع فى ملك الشام لمّا توفى الإخشيد، فسار إلى دمشق وملكها، ثم سار إلى الرّملة فلقيه كافور بها وقاتله، وكانت الهزيمة على ابن حمدان. واستعاد الإخشيديّة ما كان سيف الدولة استولى عليه، وأقام كافور بالشّام.
ذكر قيام أبى نصر علبون بن سعيد المغربى وما كان من أمره
كان قيامه فى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وكان يتولى عمل اسيوط وأخميم من صعيد مصر، فعزله [١٨] كافور عنهما وهو بالشّام، فامتنع، وطمع لخلوّ البلاد من الأستاذ كافور، فندب إليه عسكرا فهزمهم غلّبون، وهزم عسكرا ثانيا، وتقوّى بما أخذه منهم. ثم سار إلى الشّرقيّة فى أواخر السّنة ثم سار منها ونزل على بركة الحبش «٢» فخرج إليه جماعة من الإخشيديّة
стр. 10746
فهزمهم. فرحل عند ذلك أبو القاسم أنوجور وأخوه وأهلهما «١» ، والوزير إلى الشام، وأخليت دار الإمارة، فدخل غلبون مصر وسيّر عسكرا إلى أبى القاسم فتبعه إلى مسجد تبر «٢» . ومسك الوزير محمّد بن الماذرائى وجىء به إلى غلبون، فلما رآه أطلقه.
وسار أبو القاسم نحو الشّام، فلقيه مرتاح الشّرابى فى أثناء الطّريق، وقد قدم من قبل كافور فى جماعة من الإخشيديّة، فردّه. وعاد أبو القاسم إلى مصر بالعسكر فوجدوا غلبون وقد تفرّق عنه أصحابه فى البلد، فحاربهم فى نفر يسير، فانهزم. ودخلوا دار الإمارة، فوجدوا الوزير ابن الماذرائى، فهمّوا بقتله، فأخذه القائد منجح وخبأه عنده، ونهبت دوره وأحرق بعضها.
ووصل الخبر إلى كافور بالشّام فقبض على ولده، واستوزر عوضا عنه أبا الفضل جعفر «٣» بن الفرات المعروف بابن حنزابة، ثم قدم الأستاذ كافور من الشّام فى شهر رمضان، سنة ست وثلاثين، فأطلق الوزير ابن الماذرائى وأكرمه، وردّ عليه ضياعه وأملاكه، واستوزر محمد بن على بن مقاتل.
وفى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة لستّ خلون من صفر زلزلت مصر، وتتابعت الزّلازل بها، فتهدّم أكثر دورها، وسقط من الجامع العتيق بمصر
стр. 10747
قطعة، وتوالت الزّلازل فى سنة أربعين أيضا ثلاثة أيام متوالية، وخسف بعض القرى وهلك من كان بها.
فقال محمد بن عاصم من قصيدة مدح بها كافور جاء منها:
ما زلزلت مصر من سوء يراد بها ... وإنّما رقصت من عدله فرحا
وفى سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة انقضّت نار من السّماء فأحرقت أكثر دور مصر.
ذكر وفاة الوزير أبى بكر محمد بن الماذرائى وشىء من أخباره ومآثره
وفى شوال من سنة خمس وأربعين وثلاثمائة مات الوزير أبو بكر محمد بن على بن أحمد بن إبراهيم الماذرائى، وزر «١» الخمارويه بن أحمد ولغيره من أمراء مصر، ومولده بالعراق سنة سبع وخمسين ومائتين، وكان له ضياع وأملاك، قيل إن مقدار ارتفاعها «٢» فى كل سنة أربعمائة ألف دينار. وواصل الحجّ من سنة إحدى وثلاثمائة إلى سنة اثنتين وعشرين، وكان ينفق فى كل حجة مائة ألف وخمسين ألف دينار، وكان يحمل معه أحواضا من الخشب على الجمال، مزروع فيها الخضروات، وكان لا ينصرف عن الحجاز إلا وقد استغنى فقراؤه. ثم واصل الحج من سنة نيّف وعشرين إلى سنة أربعين. وقام أربعين سنة يصوم.
стр. 10748
وقال المسبّحى فى تاريخه «١» : حبس هذا الوزير على مكة والمدينة ضياعا ارتفاعها نحو مائة ألف دينار فى كل سنة، منها كورة سيوط، ومنها نوير، ومنها بركة الحبش. وحبس أيضا عليهما بالشام. وقال فى كتب وقفه: من بدلها فرسول الله ﷺ خصمه. رحمه الله تعالى.
وفى سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة خالف شبيب العقيلى، وكان واليا على الرّملة والساحل، وسار إلى دمشق وفتحها، ودخل إليها من باب الجابية، فوقع عن فرسه ميّتا، واختلف فى موته، فقيل إن امرأة أرخت عليه حجر طاحون، وقيل بل مات حتف أنفه، واتّصل الخبر بالأستاذ كافور فسكن بعد قلق عظيم. والله أعلم.
ذكر وفاة أبى القاسم أنوجور وولاية أخيه أبى الحسن على بن الإخشيد
كانت وفاته لسبع «٢» خلون من ذى القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وكانت مدّة وقوع اسم الملك عليه أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وأيّاما. وكان كافور هو الغالب على أمره والحاكم [١٩] فى دولته، وليس لأبى القاسم معه إلا مجرّد الاسم.
стр. 10749
ولما مات عقدت البيعة بعده لأخيه أبى الحسن علىّ فى يوم الأحد لثمان خلون من ذى القعدة، فجرى الأستاذ كافور معه على قاعدته مع أخيه، وزاد على ذلك بأن حجبه ومنعه من الظّهور إلى النّاس إلّا معه.
ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن توفّى لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرّم سنة خمس وخمسين «١» وثلاثمائة، وكان مدة ملكه خمس سنين وشهرين وأيّاما، وقيل: إنّ وفاته كانت فى هذا التاريخ من سنة أربع وخمسين، وكان مولده لأربع بقين من صفر سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة، وخلّف ولدا واحدا وهو أبو الفوارس أحمد.
ذكر ولاية أبى المسك كافور الخصىّ الإخشيدى واستقلاله بملك مصر دون شريك ولا منازع
كانت ولايته بعد وفاة أبى الحسن على، ابن سيده، لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرّم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وقيل فى هذا التاريخ من سنة أربع وخمسين.
قال الفرغانى المؤرخ: لمّا توفى علىّ بن الإخشيد استدعانى كافور وقال لى: ما ترى أن أصنع؟ فقلت له: أيها الأستاذ إنّ للمرحوم عندك صنائع وآثارا تقتضى أن ينظر لعقبه؛ والرأى عندى أن تنصب أحمد بن الأمير علىّ مكان «٢» أبيه، وتدبر أنت الدولة كما كنت. فاعتذر بصغره، فقلت: قد
стр. 10750
عقد لأبيه ولم يبلغ سنّه، وأجاز ذلك ثلاثة أئمّة: المتّقى والمستكفى «١» والمطيع «٢» . فقال ننظر فى ذلك. وانصرفت. فبلغنى أنّه قال بعدى:
أبو محمد لا يشكّ فى ولائه «٣» لكنه يميل إلى الفرغانيّة، ثم لم يقبل ما أشار به الفرغانى، بل وثب على الأمر وأنزل اسم مواليه عن المنابر، وأقام كذلك إلى أن توفّى فى يوم الثلاثاء لعشرين بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.
وكان سبب وفاته أنه سمّ فى لوزينج «٤» قدمته له إحدى جواريه وقد أتى من الميدان وهو جائع، فأكله ومات، وقتلت الجارية بعده، وكانت قد وضعت لذلك. ومات وله من العمر خمس وستون سنة على التّقدير، فإنه جلب فى سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة وعمره أربع عشرة سنة، وبيع بأثنى عشر دينارا «٥» .
قال المؤرخ: وكان لكافور معروف فى كل سنة للحاج أكثر ما «٦» ينفذ معهم مالا وكسوة وطعاما، ويبعث معهم صندوقين من كسوة بدنه تفرّق على الأشراف. وكان له من الغلمان الأتراك ألف وسبعون غلاما يغلق عليهم باب داره، وتمام الألفى غلام روم، سوى المولّدين والسّودان، يكون عدّة
следующие страницы →