← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10746–10785 · переход к 10751.

стр. 10746

فهزمهم. فرحل عند ذلك أبو القاسم أنوجور وأخوه وأهلهما «١» ، والوزير إلى الشام، وأخليت دار الإمارة، فدخل غلبون مصر وسيّر عسكرا إلى أبى القاسم فتبعه إلى مسجد تبر «٢» . ومسك الوزير محمّد بن الماذرائى وجىء به إلى غلبون، فلما رآه أطلقه. وسار أبو القاسم نحو الشّام، فلقيه مرتاح الشّرابى فى أثناء الطّريق، وقد قدم من قبل كافور فى جماعة من الإخشيديّة، فردّه. وعاد أبو القاسم إلى مصر بالعسكر فوجدوا غلبون وقد تفرّق عنه أصحابه فى البلد، فحاربهم فى نفر يسير، فانهزم. ودخلوا دار الإمارة، فوجدوا الوزير ابن الماذرائى، فهمّوا بقتله، فأخذه القائد منجح وخبأه عنده، ونهبت دوره وأحرق بعضها. ووصل الخبر إلى كافور بالشّام فقبض على ولده، واستوزر عوضا عنه أبا الفضل جعفر «٣» بن الفرات المعروف بابن حنزابة، ثم قدم الأستاذ كافور من الشّام فى شهر رمضان، سنة ست وثلاثين، فأطلق الوزير ابن الماذرائى وأكرمه، وردّ عليه ضياعه وأملاكه، واستوزر محمد بن على بن مقاتل. وفى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة لستّ خلون من صفر زلزلت مصر، وتتابعت الزّلازل بها، فتهدّم أكثر دورها، وسقط من الجامع العتيق بمصر

стр. 10747

قطعة، وتوالت الزّلازل فى سنة أربعين أيضا ثلاثة أيام متوالية، وخسف بعض القرى وهلك من كان بها. فقال محمد بن عاصم من قصيدة مدح بها كافور جاء منها: ما زلزلت مصر من سوء يراد بها ... وإنّما رقصت من عدله فرحا وفى سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة انقضّت نار من السّماء فأحرقت أكثر دور مصر. ذكر وفاة الوزير أبى بكر محمد بن الماذرائى وشىء من أخباره ومآثره وفى شوال من سنة خمس وأربعين وثلاثمائة مات الوزير أبو بكر محمد بن على بن أحمد بن إبراهيم الماذرائى، وزر «١» الخمارويه بن أحمد ولغيره من أمراء مصر، ومولده بالعراق سنة سبع وخمسين ومائتين، وكان له ضياع وأملاك، قيل إن مقدار ارتفاعها «٢» فى كل سنة أربعمائة ألف دينار. وواصل الحجّ من سنة إحدى وثلاثمائة إلى سنة اثنتين وعشرين، وكان ينفق فى كل حجة مائة ألف وخمسين ألف دينار، وكان يحمل معه أحواضا من الخشب على الجمال، مزروع فيها الخضروات، وكان لا ينصرف عن الحجاز إلا وقد استغنى فقراؤه. ثم واصل الحج من سنة نيّف وعشرين إلى سنة أربعين. وقام أربعين سنة يصوم.

стр. 10748

وقال المسبّحى فى تاريخه «١» : حبس هذا الوزير على مكة والمدينة ضياعا ارتفاعها نحو مائة ألف دينار فى كل سنة، منها كورة سيوط، ومنها نوير، ومنها بركة الحبش. وحبس أيضا عليهما بالشام. وقال فى كتب وقفه: من بدلها فرسول الله ﷺ خصمه. رحمه الله تعالى. وفى سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة خالف شبيب العقيلى، وكان واليا على الرّملة والساحل، وسار إلى دمشق وفتحها، ودخل إليها من باب الجابية، فوقع عن فرسه ميّتا، واختلف فى موته، فقيل إن امرأة أرخت عليه حجر طاحون، وقيل بل مات حتف أنفه، واتّصل الخبر بالأستاذ كافور فسكن بعد قلق عظيم. والله أعلم. ذكر وفاة أبى القاسم أنوجور وولاية أخيه أبى الحسن على بن الإخشيد كانت وفاته لسبع «٢» خلون من ذى القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وكانت مدّة وقوع اسم الملك عليه أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وأيّاما. وكان كافور هو الغالب على أمره والحاكم [١٩] فى دولته، وليس لأبى القاسم معه إلا مجرّد الاسم.

стр. 10749

ولما مات عقدت البيعة بعده لأخيه أبى الحسن علىّ فى يوم الأحد لثمان خلون من ذى القعدة، فجرى الأستاذ كافور معه على قاعدته مع أخيه، وزاد على ذلك بأن حجبه ومنعه من الظّهور إلى النّاس إلّا معه. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن توفّى لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرّم سنة خمس وخمسين «١» وثلاثمائة، وكان مدة ملكه خمس سنين وشهرين وأيّاما، وقيل: إنّ وفاته كانت فى هذا التاريخ من سنة أربع وخمسين، وكان مولده لأربع بقين من صفر سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة، وخلّف ولدا واحدا وهو أبو الفوارس أحمد. ذكر ولاية أبى المسك كافور الخصىّ الإخشيدى واستقلاله بملك مصر دون شريك ولا منازع كانت ولايته بعد وفاة أبى الحسن على، ابن سيده، لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرّم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وقيل فى هذا التاريخ من سنة أربع وخمسين. قال الفرغانى المؤرخ: لمّا توفى علىّ بن الإخشيد استدعانى كافور وقال لى: ما ترى أن أصنع؟ فقلت له: أيها الأستاذ إنّ للمرحوم عندك صنائع وآثارا تقتضى أن ينظر لعقبه؛ والرأى عندى أن تنصب أحمد بن الأمير علىّ مكان «٢» أبيه، وتدبر أنت الدولة كما كنت. فاعتذر بصغره، فقلت: قد

стр. 10750

عقد لأبيه ولم يبلغ سنّه، وأجاز ذلك ثلاثة أئمّة: المتّقى والمستكفى «١» والمطيع «٢» . فقال ننظر فى ذلك. وانصرفت. فبلغنى أنّه قال بعدى: أبو محمد لا يشكّ فى ولائه «٣» لكنه يميل إلى الفرغانيّة، ثم لم يقبل ما أشار به الفرغانى، بل وثب على الأمر وأنزل اسم مواليه عن المنابر، وأقام كذلك إلى أن توفّى فى يوم الثلاثاء لعشرين بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وكان سبب وفاته أنه سمّ فى لوزينج «٤» قدمته له إحدى جواريه وقد أتى من الميدان وهو جائع، فأكله ومات، وقتلت الجارية بعده، وكانت قد وضعت لذلك. ومات وله من العمر خمس وستون سنة على التّقدير، فإنه جلب فى سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة وعمره أربع عشرة سنة، وبيع بأثنى عشر دينارا «٥» . قال المؤرخ: وكان لكافور معروف فى كل سنة للحاج أكثر ما «٦» ينفذ معهم مالا وكسوة وطعاما، ويبعث معهم صندوقين من كسوة بدنه تفرّق على الأشراف. وكان له من الغلمان الأتراك ألف وسبعون غلاما يغلق عليهم باب داره، وتمام الألفى غلام روم، سوى المولّدين والسّودان، يكون عدّة

стр. 10751

غلمانه أربعة آلاف غلام. وكان راتبه فى مطبخه فى كل يوم ألف وسبعمائة رطل لحما سوى الدّجاج والفراريج والخراف المشويّة والحلوى وغير ذلك. وخطب له بالحرمين الشريفين، ونفذ حكمه فى الشّام والحجاز وطرسوس. وكانت له خزانة شراب يفرّق منها فى كل يوم خمسون قرابة «١» من سائر الأشربة فى الحاشية. ولما مات كافور خلّف فى خزائنه عينا وجوهرا وثيابا وسلاحا بمبلغ ألف ألف دينار. وحكى عنه أنه كان فى ابتداء أمره قبل اتصاله بالإخشيد لحقه جرب حتّى كان لا يقابل فطرده سيّده، وكان يمشى فى سوق بنى جاسة، وفيه طبّاخ يبيع الطبيخ، فطلب كافور منه أن يطعمه، فضربه بالمغرفة على يده، وهى حارّة، فسقط مغشيّا عليه؛ فأخذه رجل من المصريّين وداواه حتى وجد العافية فأتى إلى سيّده فقال له سيّده: خذ أجرة ما فعلت. فأبى؛ وقال: أجرى على الله. وكان كافور كلما عزّت نفسه يذكّرها بضرب الطّباخ بالمغرفة، وربما يركب ويأتى ذلك الخطّ وينزل ويسجد شكرا لله . وحكى أيضا أنه اجتاز يوما بالنحّاسين وهو فى موكبه فوقف على حانوت هرّاس «٢» ، وكان إلى جانبه الوزير ابن الفرات فبكى كافور بكاءا شديدا وكان يقول فى بكائه: فاز الجمال فاز الجمّال، وساق وهو على تلك الحال، فلمّا استقرّ بمكانه وسكن، سأله الوزير عن سبب بكائه، فقال: لمّا طلعت من المركب من بحر الحجاز، وكان يومئذ سيدى الذى جلبنى إبراهيم البلوقى،

стр. 10752

فركب الجمل وقصدنا قوص ونزلنا فى بعض الأيام وجلست مع الجمّال ورجل آخر كان معنا قد وصل من الحجّ، فقال الرجل: أشتهى على الله قدر هريسة قدّامى. فقلت: أنا أشتهى على الله ملك مصر، فقال الجمّال اشتهيت على الله الجنّة. وغاب عنى هذا الحديث. فاتّفق أنّ سيّدى إبراهيم باعنى لمحمد بن هاشم، ثمّ باعنى لأبى أحمد بن عيّاش، فوهبنى لجارية له، ثمّ وهب [٢٠] أبو أحمد الجارية بعد مدّة الإخشيد، فطلبنى تكين الخاصّة من الإخشيد فأهدانى إليه، فلم أزل إلى أن ملكت مصر. وصاحب الحانوت الذى وقفت عنده هو الذى اشتهى القدر الهريسة؛ فعرفت أنّ ذلك الوقت وهب الله لكلّ منّا ما اشتهى، ففاز الجمّال بالجنة. وحكى أبو جعفر المنطقى قال: دعانى كافور يوما وقال لى: أتعرف منجّمّا، كان يجلس عند دار فلان؟ فقلت: نعم. قال: ما صنع؟ قلت: مات منذ سنين كثيرة. فقال: مررت عليه يوما فدعانى وقال: أنظر لك؟ قلت: افعل. فنظر، ثمّ قال: ستملك هذه المدينة وتأمر فيها وتنهى. وكان معى درهمين فدفعتهما إليه، وقلت: ما معى غيرهما. وقال: وأزيدك؛ ستملك هذه المدينة وغيرها وتبلغ مبلغا عظيما، فاذكرنى. فانصرفت. فلمّا نمت البارحة رأيته فى منامى وهو يقول لى: ما على هذا فارقتنى وأريد أن تمضى وتسأل عن حاله، وهل له ورثة؟ فسألت عنه فقيل: له ابنتان إحداهما بكر والأخرى متزوّجة، وأعلمته؛ فاشترى لهما دارا بأربعمائة دينار، ودفع للبكر مائتى دينار تتجهز بها. وقال الحسن بن زولاق المصرى المؤرخ: كان الشريف عبد الله بن أحمد

стр. 10753

الحسينى، وهو ابن طباطبا، يرسل إلى كافور فى كل يوم جامين «١» حلوى «٢» ورغيفا فى منديل مختوم، فخوطب كافور فى الرّغيف وقيل له الحلوى حسن فما تصنع بالرغيف؟ فأرسل إليه وقال: يجرينى الشريف فى الحلوى على العادة. ويعفينى من الرغيف، فركب الشّريف إليه وقال: أيّدك الله، أنا ما أنفذ الرغيف تطاولا ولا تعاظما وإنّما هى صبيّة حسنيّة تعجنه بيدها وتخبزه، فأرسله «٣» على سبيل التبرّك؛ فإذا كرهته قطعناه. فقال: لا والله، ولا يكون قوتى سواه. وقيل أنه ركب يوما فى موكبه والشّريف أبو جعفر «٤» نقيب الطالبين يسايره، فوقعت مقرعته، فنزل الشريف فناوله إياها؛ فتذممّ كافور من ذلك وتأوّه وبلغ منه مبلغا عظيما. فلمّا نزل إلى داره أرسل إلى الشّريف جميع ما كان يملكه فى موكبه من مماليك ودوابّ وآلة واعتذر منه. قال التنوخى فى نشوار المحاضرة: وكان قيمة ما سيّره إليه خمسة عشر ألف دينار «٥» . وفى سنة ستّ وأربعين وثلاثمائة قدم عليه أبو الطيب المتنبى «٦» فأكرمه وخلع عليه، وأنزله بدار، وحمل إليه ألوفا من المال، فقال أبو الطيب

стр. 10754

قصيدته التى أولها: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب «١» المنايا أن تكون أمانيا تمنّيتها لما تمنّيت أن أرى ... صديقا، فأعيا أو عدوّا مداجيا وجاء منها فى مدح كافور: فجاءت «٢» به إنسان عين زمانه ... وخلّت بياضا خلفها ومآقيا فحسن موقعه عند كافور، ثمّ هرب منه وهجاه بما هو مسطور فى ديوانه «٣» . ولما مات كافور قام بالأمر بعده أبو الفوارس أحمد بن على بن الإخشيد محمد بن طغج بن جفّ، كانت ولايته بعد الأستاذ كافور لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وذلك أن القواد والغلمان الإخشيديّة اجتمعوا وتحالفوا ألّا يختلفوا، وعقدوا الرئاسة له،

стр. 10755

وهو ابن إحدى عشرة سنة، وجعلوا الخليفة عنه الحسن «١» بن عبد الله ابن طغج، وهو ابن عم أبيه؛ وردّوا تدبير العساكر والرجال إلى شمول «٢» الإخشيدى، وتدبير الأموال إلى جعفر بن حنزابة «٣» الوزير؛ وذلك كلّه قبل دفن كافور.؟ وأقام الأمر على ذلك ثلاثة أشهر وثمانية عشر يوما، واشترك معه ابن عمّ أبيه الحسن بن عبيد الله بن طغج، وكان يخطب لهما جميعا بمصر والشّام والحرمين، يبدأ فى الخطبة بأبى الفوارس ويثنّى بأبى محمد الحسن. ثم سار الحسن إلى الشام لقتال القرامطة، وصادر الوزير جماعة من المصريين، وقبض على يعقوب بن كلّس وصادره على أربعة آلاف وخمسمائة دينار؛ وقبض على إبراهيم بن مروان النّصرانى، كاتب أنوجور وعلى ابنى الإخشيد وصادره على عشرة آلاف دينار. ولم يقدر الوزير على رضا الإخشيديّة والكافورية لتباين أغراضهم؛ فاضطرب التدبير على الوزير، واستتر مرّتين، ونهبت داره ودور أصحابه، فكتب جماعة من وجوه البلد إلى المعز «٤» بإفريقية يستدعون منه إنفاذ العساكر. وكان بمصر فى هذه السّنة غلاء شديد وفناء عظيم، فإن النيل انتهت زيادته فى سنة ست وخمسين وثلاثمائة إلى اثنى عشر ذراعا وتسعة عشر

стр. 10756

أصبعا، ولم يوف فى السنة التى قبلها، فاشتد الغلاء، وكثر الوباء. نقل بعض المؤرخين أنه أحصى من كفّن ودفن خارجا، عدا من رمى فى البحر، ستمائة ألف إنسان. وفى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة قدم الحسن بن عبيد الله من الشّام [٢١] منهزما من القرامطة، ودخل مصر، وقبض على جعفر بن الفرات الوزير، واستوزر الحسن بن جابر الرياحى، ثم أطلق الوزير بن الفرات، بوساطة أبى جعفر مسلم الحسينى الشريف، وفوّض إليه الوزارة، ثم سار الحسن بن عبيد الله إلى الشّام فى مستهل شهر ربيع الآخر؛ وخرج جماعة من الأولياء والكتاب والأشراف إلى الشام، وخرج يعقوب «١» بن كلّس إلى الغرب مستترا، ثمّ صار منه ما نذكره إن شاء الله تعالى. ثمّ تواترت الأخبار فى جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة أن المعزّ صاحب إفريقية قد جهّز عساكره مع غلامه جوهر إلى مصر، فجمع الوزير القوّاد ووقع رأيهم على تقديم نحرير سويران فاستدعوه من الأشمونين «٢» ، وعقدوا له الرئاسة عليهم. ووصل الخبر بوصول جوهر إلى برقة، فاجتمع رأى الجماعة على أن بعثوا الشريف أبا جعفر مسلما الحسنى وأبا إسماعيل بن أحمد الزينبى وأبا الطيب

стр. 10757

العباس بن أحمد العباسى والقاضى أبا ظاهر، وغيرهم، لتقرير الصلح بينهم وبين جوهر على تسليم البلاد له، فساروا فى يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة فلقوه على تروجة «١» ، فأكرمهم وأجابهم إلى ما طلبوه ثم بعد انفصالهم اجتمع القواد على إبطال المصالحة وتجهّزوا للحرب، ورجع أولئك النّفر بكتاب الأمان، فلم يقبل القواد ذلك، وخرجوا إلى الجيزة بأجمعهم. ووصل جوهر وابتدأ القتال يوم الخميس الحادى عشر من شعبان من السّنة، ثمّ سار جوهر بعد ذلك إلى منية شلقان «٢» وملك المخايض، فبعث المصريون مزاحم بن أرتق لحفظها فلم يحفظها، وخامر عليهم، وعدى «٣» جوهر، وانهزم الإخشيديون، ودخل جوهر مصر بعد العصر من يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان منها، وندب القائد جوهر المعزّىّ بعد ذلك جعفر بن فلاح إلى الشام، والتقى هو والحسن بن عبيد الله على الرملة فى شهر رجب سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، واقتتلا «٤» فانهزم الحسن وأسر، وملك جعفر الشّام أجمع. وانقرضت الدّولة الإخشيدية، وكانت مدتها خمسا وثلاثين سنة، وتسعة أشهر، وأيّاما.

стр. 10758

ذكر أخبار الدولة العبيديّة التى انتسب ملوكها إلى الشرف وألحقوا نسبهم بالحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما هذه الدّولة من الدّول التى امتدّت أيامها واتّسعت ممالكها، واستولت ملوكها على كثير من الممالك المشهورة شرقا وغربا، ببلاد المغرب، والدّيار المصرية، والبلاد الشاميّة، والثّغور والعواصم، وغير ذلك. وكان ابتداء ظهور هذه الدّولة ببلاد المغرب، وإنّما أوردناها فى أخبار ملوك الدّيار المصرية، وألحقنا ملوكها بملوك هذا الوادى لأن الدّيار المصرية قاعدة ملكهم وبها قام أكثر ملوكهم. ولنبدأ بذكر أخبار ملوك هذه الدّولة وابتداء أمرهم، وما قيل فى نسبهم وإلى من ينسبون، وكيف تنقّلت «١» بهم الحال إلى أن ملكوا البلاد، واستولوا على الأقاليم. وهذه الدّولة أسباب ولوازم وشيعة، هم الذين مهّدوا لهم البلاد. ووطّنوا الممالك. وهزموا الجيوش، وفتحوا الأقاليم، وأبادوا الأبطال. حتى إستقر الملك لملوك هذه الدّولة وتسلّموه عفوا صفوا.

стр. 10759

لا بدّ لنا أن نبتدئ بذكر أخبارهم، وما فتحوه واستولوا عليه قبل ظهور المهدىّ الّذى هو أوّل ملوك هذه الدّولة، ثم نذكر عاقبة أمر من قرر لهم الملك معهم، ونذكر من ملك من ملوك هذه الدولة واحدا بعد واحد إلى أن انقرضت دولتهم وبادت أيّامهم. فنقول وبالله التوفيق: أوّل من ملك منهم عبيد الله المنعوت بالمهدىّ، ونسب نفسه أنه: عبيد الله بن الحسن بن علىّ بن محمد بن علىّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب، وأهل العلم بالأنساب من المحقّقين ينكرون ذلك وينفونه عن «١» الشّرف، ويقولون: اسم عبيد الله سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله القدّاح «٢» بن أبى شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان، صاحب كتاب «الميدان فى نصر الزّندقة» ، وهو من أهل رامهرمر «٣» ، كورة من كور الأهواز، وكان من خرّميّة المجوس «٤» ، ومن المؤرخين من زعم أن الحسين بن أحمد زوج أم سعيد وأن أبا سعيد يهودى. وقال القاضى أبو بكر بن الطيّب «٥» فى كتابه المسمّى بكشف الأسرار

стр. 10760

وهتك الأستار: إنّ سعيدا هذا كان قد رباه عمّه محمد بن أحمد المكنى بأبى الشلغلغ [٢٢] وكانوا دعاة لمحمّد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق، يأكلون البلاد باسمه ويدّعون أنّه حىّ يرزق إلى زمانهم، وفيه عمل ابن المنجم قصيدته التى يقول فيها: فإنّك فى دعواك أنّك منهم ... كمن يدّعى أنّ النّحاس من الذّهب متى كان مولى الباهليّين ملحقا ... بآل رسول الله يوما إذا انتسب ولما ملك بهاء الدّولة أبو نصر [بن] «١» عضد الدّولة فناخسرو، ابن بويه، بغداد جمع الطالبيّين من آفاق العراق، وسألهم عنهم، فكلّهم أنكرهم ونفاهم، وتبرّأ منهم؛ فأخذ خطوطهم بذلك. وكان ممن شهد الشّريفان الرّضىّ «٢» والمرتضى «٣» وأبو حامد الأسفراينى «٤» ، وأبو الحسين

стр. 10761

القدورى «١» ، وغيرهم «٢» ، وذلك فى سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة «٣» بأمر القادر بالله «٤» العباسىّ. هذا مع ما ينسب إلى بنى بويه من التشيّع. فلن ذكر ابتداء أمرهم وأول من قام منهم . ذكر ابتداء أمرهم وأول من قام منهم قال أبو محمد عبد العزيز بن شدّاد بن الأمير تميم بن المعزّ بن باديس فى كتابه المترجم بالجمع والبيان فى أخبار المغرب والقيروان: أوّل من قام منهم أبو شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان، وكان ممّن صحب أبا الخطّاب محمّد بن أبى زينب «٥» مولى بنى أسد، فألقوا إلى كلّ من اختصّوا به أنّ لكل شىء من العبادات باطنا، وأنّ الله تعالى ما أوجب على أوليائه صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجّا؛ ولا حرّم عليهم شيئا من المحرمات؛ وأباح لهم نكاح البنات والأخوات. وإنما هذه العبادات عذاب على الأمّة وأهل الظّاهر، وهى ساقطة عن الخاصّة. يقولون ذلك لمن يثقون به ويسكنون

стр. 10762

إليه. ويقولون فى آدم وجميع الأنبياء: كذّابون محتالون طلاب للرّئاسة. فاشتدّت شوكة هؤلاء فى الدّولة العبّاسيّة، وتفرقوا فى البلاد شرقا وغربا، يظهرون التقشّف، والزّهد، والتصوّف، وكثرة الصّلاة والصّيام، يعرّفون الناس بذلك وهم على خلافه، ويذكرون أبا الخطاب إلى أن قامت البيّنة بالكوفة أنّ أبا الخطاب أسقط العبادات وأحلّ المحارم، فأخذه عيسى «١» بن موسى الهاشمى، مع سبعين من أصحابه، فضرب أعناقهم، فتفرّق بقيّة أصحابه فى البلاد، فصار قوم ممّن كان على مذهبه إلى نواحى خراسان، وقوم إلى الهند، وصار أبو شاكر ميمون بن سعيد إلى بيت المقدس مع جماعة من أصحابه، وأخذوا فى تعلم الشعبذة «٢» والنارنجيات «٣» والحيل ومعرفة الرّزق من صنعة النّجوم والكيمياء، ويحتالون على كلّ قوم بما يتّفق عندهم، وعلى العامّة بإظهار الزّهد والورع، ونشأ لأبى شاكر ابن يقال له عبد الله القدّاح، علّمه الحيل وأطلعه على أسرار هذه النّحلة، فتحذّق وتقدّم، وكانوا يظهرون التشيع والبكاء على أهل البيت ويزيدون أكاذيب خترعوها يخدعون بها ضعفاء العقول. وكان من كبار الشعوبيّة «٤» رجل يسمى محمد بن الحسين بن جهار نجار

стр. 10763

الملقب دندان «١» وهو بنواحى الكرج «٢» وأصفهان له حال واسعة وضياع عظيمة، وهو المتولّى على تلك المواضع، وكان يبغض العرب ويذمّهم، ويجمع معايبهم، وكان كلّ من طمع فى نواله تقرّب إليه بذمّ العرب، فسمع به عبد الله بن ميمون القدّاح وما ينتحله من بغض العرب وصنعة النّجوم، فسار إليه، وكان عبد الله يتعاطى الطّب وعلاج العين، ويقدح الماء النّازل فيها، ويظهر أنه إنما يفعل ذلك حبسة وتقربا إلى الله ، فطار له هذا الاسم بنواحى أصفهان والجبل، فأحضره دندان وفاتحه الحديث، فوجده كما يحبّ ويهوى، وأظهر له عبد الله من مساوئ العرب والطعن عليهم أكتر مما عنده، فاشتدّ إعجابه به، وقال له. مثلك لا ينبغى أن يطبّ، وإنّ قدرك يرتفع ويجلّ عن ذلك، فقال: إنّما جعلت هذا ذريعة لما وراءه ممّا ألقيه إلى الناس وإلى من أسكن إليه على رفق ومهل، من الطّعن على الإسلام، وأنا أشير عليك ألّا تظهر ما فى نفسك إلى العرب، ومن يتعصّب لهذا الدّين، فإنّ هذا الدّين قد غلب على الأديان كلّها فما يطيقه ملوك الرّوم، ولا الترك، والفرس، والهند، مع بأسهم ونجدتهم، وقد علمت شدّة بابك صاحب الخرّمية «٣» وكسرة عساكره، وأنّه لما أظهر ما فى نفسه من بغض الإسلام وترك التستّر بالتشيّع «٤» [٢٣] كما يقول أوّلا قلع أصله،

стр. 10764

فالله الله أن تظهر ما فى نفسك، والزم التشيّع والبكاء على أهل البيت، فإنّك تجد من يساعدك على ذلك من المسلمين، ويقول: هذا هو الإسلام [وسبّ أبا بكر وعمر] «١» وادّع عليهما عداوة الرّسول وتغيير القرآن وتبديل الأحكام، فإنك إذا سببتهما سببت صاحبهما «٢» ؛ فإذا استوى لك الطّعن عليهما فقد اشتفيت من محمّد، ثم تعمل الحيلة بعد ذلك فى استئصال دينه. ومن ساعدك على هذا فقد خرج من الإسلام من حيث لا يشعر، ويتم لك [الأمر] «٣» كما تريد، فقال دندان «٤» : هذا هو الرأى. ثم قال له عبد الله القدّاح: إن لى أصحابا وأتباعا أبثّهم فى البلاد فيظهرون التقشّف والتصوّف والتشيع، ويدعون إلى ما تريده بعد إحكام الأمر. فاستصوب دندان ذلك وسرّ به، وبذل لعبد الله القدّاح ألفى ألف دينار. فقبل المال وفرّقه فى كور الأهواز والبصرة وسواد الكوفة، وبطالقان، وخراسان «٥» ، وسلمية من أرض حمص. ثم مات دندان فخرج عبد الله القدّاح إلى البصرة وسواد الكوفة، وبثّ الدعاة، وتقوى بالمال، ودبّر الأمر.

стр. 10765

وحكى الشّريف أبو الحسين محمّد بن على الحسين المعروف بأخى محسن «١» فى كتابه أن عبد الله بن ميمون هذا كان قد نزل عسكر مكرم «٢» فسكن بساباط أبى نوح، وكان يتستّر بالتشيّع والعلم، فلمّا ظهر عنه ما كان يضمره ويسرّه من التّعطيل والإباحة، والمكر والخديعة، ثار النّاس عليه، فأول من جاءه «٣» الشيعة، ثم المعتزلة وسائر الناس، وكبسوا داره، فهرب إلى البصرة ومعه رجل من أصحابه يعرف بالحسين الأهوازى، فنزل بباهلة على موال لآل عقيل بن أبى طالب، وقال لهم: أنا من ولد عقيل، وداع «٤» إلى محمّد بن إسماعيل بن جعفر «٥» . فلمّا أقام وانتشر خبره طلبه العسكريّون فهرب وأخد طريق الشام ومعه الحسين الأهوازى، فلما توسطا الشام عدلا إلى سلمية «٦» ليخفى أمرهما فأقام بها عبد الله وخفى أمره. نرجع إلى قول ابن شداد. قال: ثم مات عبد الله، وكان له جماعة من الولد فخلفه منهم ابنه «٧» أحمد، فقام مقام أبيه، وجرى على قاعدته،

стр. 10766

وبثّ الدّعاة، واستدعى رجلا من أهل الكوفة يقال له أبو الحسين رستم بن الكرخيين بن حوشب بن زادان النجار؛ وكان هذا الرجل من الإماميّة الذين يقولون بإمامة موسى» بن جعفر، فنقله إلى القول بإمامة إسماعيل «٢» بن جعفر. وكانوا يرصدون من يرد من المشاهد وينظرون إليهم، فمن كان فيه مطمع وجهالة استدعوه، ولا يستدعون إلا الجهّال ومن له بأس وجلد، وعشيرة ومال، وعزّ ومنعة، ويتجنّبون الفقهاء والعلماء، والأدباء والعقلاء. وكانوا يطلبون أطراف البلاد، فقال لهم بعض من ورد عليهم: إن بجيشان «٣» والمدحرة والجند «٤» من أرض اليمن رجلا جلدا كثير المال والعشيرة، يتشيّع، وبهذه الناحية شاعر يقال له ابن خيران يسبّ فى شعره أبا بكر وعمر، المهاجرين والأنصار، على مثل سبيل الحميرى الشاعر، فورد ذلك الرّجل المذكور، وهو أبو الخير محمد بن الفضل من أهل جيشان من اليمن، ودخل إلى الحيرة، فرأوه يبكى على الحسين بن على، فلما فرغ من زيارته أخذ الدّاعى يده وقال له: إنّى رأيت ما كان منك من البكاء والقلق

стр. 10767

على صاحب هذا القبر، فلو أدركته ما كنت تصنع قال: كنت أجاهد بين يديه، وأجعل خدّى أرضا يطأ عليها، وأبذل مالى ودمى دونه. فقال له: أتظنّ أن ما بقى لله حجّة بعد صاحب هذا القبر؟ قال: بلى، ولكن لا أعرفه بعينه، قال: فتريده؟ قال: إى والله. فسكت عنه الدّاعى. فقال له محمد ابن الفضل: ما قلت لى هذا القول إلا وأنت عارف به. فسكت الداعى، فقوى ظنّ ابن الفضل أن هذا الرجل يعرف الإمام والحجّة، فألحّ عليه وقال له: الله الله فى أمرى، اجمع بينى وبينه، فإنى خرجت إلى الحجّ وجئت إلى هذه الزيارة أريد الله تعالى، فسكت الدّاعى، وازدادت رغبة ابن الفضل، فصار يتضرع إليه، ويسأله، ويقبّل يده. فقال له الدّاعى: اصبر، ولا تعجل، وأقم، فهذا الأمر لا يتمّ بسرعة، ولا بدّ له من صبر ومهلة. فقال ابن الفضل لأصحابه ومن كان معه من جيشان: انصرفوا فلى بالكوفة شغل، فانصرفوا، وأقام هو واجتمع بالدّاعى، فقال له: ما عملت فى حاجتى؟ فقال انتظرنى حتى أعود إليك، فانصرف عنه ومضى إلى أحمد بن القدّاح وعرّفه حال ابن الفضل وحرصه على لقاء الحجّة وإمام الزمان، وبقى الدّاعى يرقبه ويراه لا يكاد يبرح من المسجد من غير أن يعلم ابن الفضل به، فلمّا كان بعد أربعين يوما أتاه إلى المسجد وهو جالس، فقال له: أنت بعدها هنا؟ فقال: نعم؛ ولولا تحنّنى لأقمت فى هذا المسجد إلى أن أموت. فعلم الدّاعى أنه قد قصده، فأخذه وجمع بينه وبين أحمد بن عبد الله ابن ميمون [٢٤] . وحكى الشريف أبو الحسين محمد بن على الحسينى فى كتابه الّذى صرّح فيه منفى هؤلاء عن النّسب إلى الحسين بن علىّ، رضى الله عنهما، واستدلّ

стр. 10768

على ذلك بأدلة يطول شرحها- أنّ أحمد بن عبد الله بن ميمون لمّا قام بالأمر بعد أبيه عبد الله بعث الحسين الأهوازى «١» من سلمية داعية إلى العراق، فلمّا انتهى إلى سواد الكوفة لقى حمدان بن الأشعث، وهو قرمط الذى ينسب إليه القرامطة، فصحبه، وأتبعه قرمط، وتابعه كثير من النّاس. فلما مات الأهوازى أسند الأمر من بعده إلى حمدان بن الأشعث، قرمط، وقد ذكرنا هذه القصّة فى أخبار القرامطة. نرجع إلى قول ابن شداد. قال: وكان أحمد يقول للحسن ابن حوشب الكوفى النّجار: يا أبا القاسم هل لك فى غربة فى الله؟ فيقول: الأمر إليك يا مولاى، فلمّا اجتمع بابن الفضل قال له: قد جاء ما كنت تريد يا أبا القاسم، هذا رجل من أهل اليمن، وهو عظيم الشأن، كثير المال، ومن الشيعة، قد أمكنك ما تريد، وثمّ خلق من الشيعة، فاخرج وعرّفهم أنك رسول المهدىّ، وأنه فى هذا الزّمان يظهر فى اليمن. واجمع المال والرّجال، والزم الصوم والصّلاة والتقشف، واعمل بالظاهر ولا تظهر الباطن، وقل لكلّ شىء باطن، وإن ورد عليك شىء لا تعلمه فقل لهذا من يعلمه، وليس هذا وقت ذكره. وجمع بينه وبين ابن الفضل، وخرجا جميعا إلى أرض اليمن. ونزل ابن حوشب بعدن، وكان فيها قوم من الشيعة يعرفون ببنى موسى، وخبرهم عند ابن ميمون، فنزل ابن حوشب بالقرب منهم، وأخذ فى بيع ما معه من القماش، ولزم الزّهد والتقشف. فقصده بنو موسى وقالوا له: فيم جئت؟ قال: للتجارة. قالوا: لست بتاجر، وإنّما أنت رسول المهدىّ،

стр. 10769

وقد بلغنا خبرك. وعرّفوه بأنفسهم، فأظهر أمره عليهم، وسار إلى عدن لاعة «١» . وسار ابن الفضل إلى بلده. ولما وصل ابن حوشب إلى عدن لاعة قوّى عزائمهم وقرّب أمر المهدىّ عليهم، وأنه من عندهم يخرج، وأمرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح ولم يزل أمر ابن حوشب يقوى وأخباره ترد على من بالكوفة من الإمامية وطبقات الشيعة، فيبادرون إليه، ويقول بعضهم لبعض: دار الهجرة، فكبر عددهم واشتدّ بأسهم، وأغار على من جاوره ونهب وسبى، وجبى الأموال، وأنفذ إلى من بالكوفة من ولد عبد الله القدّاح أموالا عظيمة، وهدايا وطرفا، وكذلك لابن الفضل. وكانوا نفذوا إلى المغرب رجلين، أحدهما يعرف بالحلوانى والآخر بأبى سفيان «٢» ، وتقدّموا إليهما بالوصول إلى أقاصى المغرب، والبعد عن المدن والمنابر، وقالوا لهما ينزل كلّ واحد منكما بعيدا من الآخر، وقولا: لكلّ شىء باطن، ونحن فقد قيل لنا اذهبا فالمغرب أرض بور فاحرثاها واكرباها حتى يأتى صاحب البذر، فنزل أحدهما بأرض كتامة «٣» بمدينة مرمجنه «٤» والآخر سوق «٥» حمار، فمالت قلوب أهل تلك النّواحى إليهما، وصارا يحملان

стр. 10770

التّحف التى تحمل إليهما إلى ابن القدّاح، ثم ماتا على قرب بينهما بعد أن أقاما سنين كثيرة. فقال ابن حوشب لأبى عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا الشيعى، وكان قد هاجر إليه، يا أبا عبد الله أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلوانى وأبو سفيان وقد ماتا، وليس لها غيرك، فبادر إليها فإنها موطأة ممهدة لك، فخرج أبو عبد الله وأخرج ابن حوشب معه عبد الله بن أبى ملاحف، وأمدّه بمال، وأوصاه بما يعمل وكيف يحتال. وكان أبو «١» عبد الله قد شاهد أفعال ابن حوشب وعرف تدبيره، فسار إلى مكة، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى. وأما أحمد بن عبد الله بن ميمون فإنه لما قوى أمره، وكثرت أمواله، ادّعى أنه من ولد عقيل ابن أبى طالب، وهم مع هذا يسترون أمرهم، ويخفون أشخاصهم، ويغيّرون أسماءهم وأسماء دعاتهم، ويتنقلون فى الأماكن. ثم مات أحمد وصار الحسين إلى سلمية وله بها أموال من ودائع جدّه عبد الله القدّاح، ووكلاء، وأتباع، وغلمان. وبقى ببغداد من أولاد القدّاح أبو الشلغلغ «٢» ، وهو محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون بن ديصان، وهو مؤدب بآداب الملوك. وكان الذى بسلمية يدّعى أنه الوصىّ وصاحب الأمر دون بنى القدّاح،

стр. 10771

ويكاتب الدّعاة، ويراسلونه من اليمن، والمغرب، والكوفة. واتفق أنه جرى بحضرته بسلمية حديث النّساء فوصفوا امرأة رجل يهودى حداد مات عنها زوجها، وأنها فى غاية الجمال، فقال لبعض وكلائه: زوّجنى بها، فقال إنها فقيرة ولها ولد، فقال: ما علينا من الفقر، زوّجنى بها فأرغبها وأبذل لها ما شاءت. فتزوّجها وأحبّها، وحسن موقعها عنده، وكان ابنها يماثلها فى الجمال، فأحبّه وأدبه، [٢٥] وعلّمه، وأقام له الخدم والأصحاب فتعلّم الغلام، وصارت له نفس كبيرة وهمّة عظيمة. فمن العلماء من أهل هذه الدّعوة من يقول: إن الإمام الذى كان بسلمية من ولد القدّاح مات ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهودى الحدّاد، وهو عبيد الله الذى نعت بالمهدىّ، وأنه عرّفه أسرار الدّعوة من قول وفعل، وأعطاه الأموال، وتقدّم إلى أصحابه ووكلائه بطاعته، وخدمته ومعونته، وعرّفهم أنه الإمام والوصىّ، وزوجه ابنة عمّه أبى الشلغلغ. هذا قول ابن القاسم الأبيض العلوى وغيره من العلماء بهذه الدعوة. وبعض الناس، وهم قليل، يقولون إن عبيد الله هذا، المنعوت بالمهدىّ، من ولد القدّاح. ومنهم من يقول فيه قولا آخر، نذكر إن شاء الله . فهذا ما حكى فى ابتداء أمرهم، فلنذكر أخبار الشيعىّ ببلاد المغرب، والله أعلم.

стр. 10772

ذكر أخبار أبى عبد الله الشّيعى «١» داعى المغرب وما كان من أمره وكيف ظهر وما فتحه من بلاد المغرب قال أبو إسحاق إبراهيم «٢» بن القاسم الكاتب المعروف بابن الرّقيق، فى تاريخ إفريقية، وغير ابن الرّقيق ممّن ذكر أخبار هذه الدّولة «٣» : كان أبو عبد الله الشيعى من أهل الكوفة، وقيل من أهل صنعاء، واسمه الحسين ابن أحمد بن محمّد بن زكريّا، فاتصل بالذى يدّعى أنه الإمام، وهو ابن القداح الّذى ذكرناه المختلف فى نسبه، فأرسله إلى أبى القاسم الحسن بن حوشب «٤» الكوفى النجار، وهو المعروف بالصّناديقى، داعيتهم باليمن وكتب إليه أن ينصره ويرشده، وقال لأبى عبد الله: امتثل سيرته، وانظر «٥» إلى

стр. 10773

مخارج أفعاله فاعمل بها، ثم اذهب إلى المغرب. فخرج حتى انتهى إلى أبى القاسم، فأنزله وأكرمه، وأقام عنده من وقت انصراف الحاجّ من مكة إلى اليمن إلى وقت خروجهم فى العام المقبل. فخرج أبو عبد الله مع الحاجّ إلى مكة. فلما قضى الناس حجّهم واستقرّوا بمنى جعل الشّيعى يمشى بمنى وينظر إلى الناس، فمرّ بجماعة من كتامة وهم فى رحالهم، وكانوا من الشّيعة الّذين تشيّعوا بسبب الحلوانى وفيهم حريث الجيملى وموسى بن وجاد «١» فسمعهما الشيعىّ يذكران لأصحابهما فضائل على بن أبى طالب، رضى الله عنه. فجلس إليهما وذكر من ذلك شيئا، وأقبل على القوم وحدّثهم طويلا، ثم نهض ليقوم فقاموا معه، ومشوا بمشيه، وعرفوا مكانه. ثم أتوا من الغد فأوسع لهم فى الحديث، فزادهم ذلك فيه رغبة، وعليه إقبالا. ثم صحبهم فى طول الطريق بعد انصرافهم من الحج إلى أن وصلوا إلى مصر، وهم يبالغون فى خدمته، ويرحلون برحيله، وينزلون بنزوله، وهو يسألهم عن بلادهم فى خلال ذلك، وعن طاعتهم لملوكهم، فيقولون ما علينا طاعة لهم، وهو لا يعرّض لهم بقصده ولا رغبته فى بلادهم. فلما أتوا مصر أظهر أنه يريد الإقامة بها، فتألّموا لفراقه، وقالوا ما الذى تقصد بمقامك مصر؟ قال: التعليم. فسألوه أن يصحبهم إلى بلادهم وأنهم يوجبون له على أنفسهم أجرة فى كلّ سنة، وما أوجب. ولم يجبهم إجابة كلّية؛ ورغبتهم كلّ يوم تزيد فيه، فأجابهم إلى الخروج معهم، ففرحوا بذلك واستبشروا، وجعلوا يزيدون فى برّه، ويقولون له: عندنا كثير من إخوانك ومن يذهب إلى

стр. 10774

مذهبك، ولو رأوك ما رضوك إلّا إلى شيوخهم، فضلا عن صبيانهم؛ ولسنا نخلّيك للتعليم بل نعدّك لما هو أعظم منه. فلما عزم على المسير معهم جمعوا له دنانير وأتوه بها، فامتنع من قبولها، وقال لم يكن منى ما يوجب ذلك؛ فعظم فى أنفسهم، وزادت هيبته فى صدورهم. وخرجوا به من مصر، وساروا حتى إذا كان بسوجمار «١» من أرض سماتة، تلقاهم رجال من الشيعة، فأخبروهم بخبر الشّيعى، ونظروا إلى تعظيم الكتاميين له؛ فرغب كلّ واحد منهم أن يكون نزوله عنده، حتى رموا عليه السهام، فخرج سهم أبى عبد الله الأندلسىّ فنزل عنده، ونزل كل واحد على صاحبه. وأصاب أبو عبد الله عندهم من علم الشيعة أصلا قويّا، فزاد فى الكلام معهم، فأجلّوه. ثم سار القوم فدخلوا حد كتامة يوم الخميس النّصف من شهر ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين، ومعهم أبو عبد الله الأندلسى وأبو القاسم الورفجومى، فأراد كلّ واحد من الكتاميين نزول الشيعىّ عنده، وتنازعوا فى ذلك حتى خيّروه فى النزول، فقال أىّ موضع عندكم [٢٦] فجّ الأخيار؟ فقالوا: عند بنى سكتان فقال: فإيّاه نقصد، ثم نأتى كلّ قوم منكم فى موضعهم، ونزورهم فى بيوتهم، ولا نجعل لأحد منكم حظّا من نفسى دون أحد إن شاء الله تعالى، فأرضاهم كلّهم بذلك، وسار كلّ قوم إلى جهتهم، وسار الشّيعى مع موسى بن حريث وأبى القاسم الورفجومى وأبى عبد الله الأندلسى إلى

стр. 10775

إيكجان «١» موضع موسى من بنى سكتان. قال ولما نزل عبد الله بإيكجان ومضى كل معه من الحجيج إلى مرافقهم أخبروا من قدموا عليه من أصحابهم بخبر، ووصفوه لهم مع النّاس، فتسامع النّاس به، وأقبلوا إليه من كل ناحية؛ فكان يجلس لهم ويحدثهم [بظاهر] «٢» فضائل على رضى الله عنه. قال: فاتصل خبر الشيعى بابراهيم «٣» بن أحمد صاحب إفريقية، فكتب إلى موسى بن عيّاش «٤» يسأل عن خبره فضعّف موسى أمره فكتب إليه ثانيا وأرسل ابن المعتصم المنجم؛ وأمر إبراهيم بن أحمد موسى بن عيّاش أن يتلطّف فى اتصاله إلى أبى عبد الله، وأن يختبر أحواله، ويأتيه بصحيح خبره، وأوصاه بوصايا أمره أن يذكرها له. فلمّا وصل إلى موسى أرسل إلى بنى سكتان يخبرهم أن إبراهيم قد بعث برجل إلى أبى عبد الله ليجتمع به. فرفع ذلك إلى أبى عبد الله، فأذن له. فلمّا انتهى إليه قرّبه وأقبل عليه، فقال له ابن المعتصم: إن الأمير إبراهيم ابن أحمد وجّهنى إليك برسالة، فإن أذنت لى أدّيتها. فقال له: أدّ رسالتك قال: وأنا آمن؟ قال: نعم. فقال: يقول لك الأمير: ما حملك على التعرّض لسخطى، والوثوب فى ملكى، وإفساد رعيّتى، والخروج علىّ؛ فإن كنت تبتغى عرضا من أعراض الدنيا فإنك تجده عندى، وإن أنت

стр. 10776

تلافيت أمرك، ورجعت عن غيّك، فصر إلىّ وأنت آمن؛ فإن أردت المقام ببلدنا أقمت، وإن أحببت الانصراف انصرفت. وإن كان قصدك قصد من سوّلت له نفسه الخلاف على الأئمة، واستفساد جهلة الأمة، فلقد عرفت عواقب من تمنّيه نفسه أمنيتك، وسوّلت له ما سوّلت لك، من الهلاك العاجل، قبل سوء المصير فى الآجل. ولا يغرّنّك ما رأيت من إقبال هؤلاء الأوباش عليك، واتّباعهم إياك، فإنى لو صرفت وجهى إليك لأسلموك، وتبرّءوا منك. واعلم أنى إنّما أردت الإعذار إليك، لاستظهار الحجّة عليك. وهذا أوّل كلامى «١» وآخره، لا أقبل لك بعد هذا توبة، ولا أقيلك عثرة، ولا أجعل جواب ما يمكن منك إلا النّهوض إليك بنفسى، وجميع أبطال رجالى، وأنصار دولتى، وجملة أهل «٢» مملكتى فعند [ذلك] «٣» تندم حين لا ينفعك النّدم، ولا تقبل منك التّوبة. فانظر فى يومك لغدك، وقد أعذر إليك من «٤» أنذر. فقال له أبو عبد الله الشيعى: قد قلت فاسمع، وبلّغت فابلغ: ما أنا ممّن يروّع بالإيعاد، ولا ممّن يهوله الإبراق والإرعاد. فأما تخويفك إياىّ برجال مملكتك، وأنصار دولتك، أبناء حطام الدّنيا، الّذين يقتادون لكل سائق، ويجيبون كلّ داع وناعق، فإنى فى أنصار الدّين، وحماة المؤمنين، الذين لا تروعهم كثرة أنصار الباطل «٥» ، مع قول الله تعالى، وهو أصدق

стр. 10777

القائلين: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ «١» فأمّا ما أطمع به من دنياه وعرضه من زبدها وحطامها، فلست من أهل الطّمع فأميل إليه، ولا ممن يرغب فيما عنده فيأتيه. وإنما بعثت «٢» رسولا لأمر قد حمّ وقرب، فإن سوّلت له نفسه ما وعد به، ودعته «٣» إليه، فسوف يعلم أنّ الله من ورائه ولن تغنى عنه فئة شيئا ولو كثرت وأنّ الله مع المؤمنين «٤» فهذا جواب ما جئت به، فبلّغه إن شاء الله. قال «٥» : ولما اشتهر أمر الشّيعى ببلد كتامة، ونظر رؤساء القبائل وولاة البلدان فلم يروا فى إبراهيم بن أحمد نهضة فى أمر، وخافوا على زوال الرئاسة من أيديهم، وتقديم من يسارع إلى أمره عليهم، ممّن كانوا يرونه دونهم، كتب بعضهم إلى بعض فى ذلك، فاجتمعوا وتعاقدوا. وكان ممن سعى فى ذلك موسى بن عياش صاحب ميلة «٦» ، وعلى بن عسلوجة صاحب سطيف «٧» وحى بن تميم صاحب بلزمة «٨» وكلّ هؤلاء أمراء هذه المدن، وعندهم العدّة والعدّة والأموال الكثيرة والنّجدة، والقوّة، ومن مقدّمى

стр. 10778

كتامة وكبارهم وولاة أمورهم: فتح بن يحيى المشالى «١» ، وكان يقال له الأمير، ومهدى بن كناره «٢» ، رئيس لهيصة، وقرح بن خيران «٣» رئيس أجّاته، وثميل بن فحل «٤» رئيس لطاية، واستعملوا آراءهم فى أخذ الشّيعى فعلموا، أنهم لا يقدرون عليه عنوة من أيدى بنى سكتان لأنّهم يمنعونه، ويجتمع عليهم جيملة وغيرها من قبائل كتامة، فتفرّق ذات البين، ويكون ذلك داعية إلى أن يجعلوا له أنصارا، وتصير كتامة فريقين، ولم يأمنوا سوء العواقب، فقصدوا بنان «٥» بن صقلان، وهو من وجوه بنى سكتان، ولم يكن له يومئذ دخل فى أمر الشيعىّ، وأرسلوا جماعة منهم إليه، وبعثوا له أربعة أفراس وأغنما وهديّه. وقالوا له: إن هذا الرجل قد بدّل الدّين، وفرّق الجماعة، وشتّت الكلمة، وأدخل الاختلاف بين الأقارب [٢٧] وقد قصدناك فى أمره، وأملكناك فى قطع هذا المكروه بأن تقبض على الشيعىّ وتخرجه من بلدنا، وتنفيه عنّا إن كرهت قتله، ونجعل لك بعد ذلك التّقدمة على جميع كتامة والعرب، فيكون لك شرف الدنيا وفخرها، وثواب الآخرة وأجرها، وتزيل عن أهل بيتك مكروها، وتقطع عنهم شرا. وأخذوا معه فى ذلك وحذّروه عواقب السلطنة. فقال لهم بنان: هذا رجل صار بين أظهرنا، وهو ضيف عندنا، كيف ينبغى أن نفعل فيه مثل هذا الفعل. فتنازعوا فى ذلك طويلا، وكان آخر خطاب بنان لهم أن قال: الرأى أن نجمع العلماء إليه فيناظرهم، فإن كان

стр. 10779

على حقّ فما أولانا وإيّاكم بنصرته واتّباعه، وإن كان على باطل عرّفنا من اتّبعه أن يرجعوا عنه. فانصرفوا إلى أصحابهم وأخبروهم بما كان من بنان، فخافوا أن تقوم حجّته، ويستحكم أمره، فتزول رئاستهم بسببه. فأجمعوا على أن يمضوا فى جماعة ويظهروا أنهم أثوا بالعلماء، فإذا خرج إليهم قتلوه، وانصرفوا على حميّة. فاجتمعوا فى عدد عظيم من الخيل والرّجل؛ فلمّا رآهم بنو سكتان ركبوا خيولهم؛ والتقى الجمعان. فقالوا لبنان إنما أتيناك لما كان بيننا وبينك. فقال: إنّما كان بيننا أن تأتوا بالعلماء، وقد أتيتم بالزّحف والعدّة، وعلا الكلام بينهم، فالتحم القتال، وتداعت جيملة من كلّ مكان؛ فانهزم القوم، وانصرف عنهم بنو سكتان. وكان الشيعىّ قد سيّر فى مبادئ هذا الأمر، وخاف عليه أصحابه. ثم راسل الجماعة بنانا مرّة ثانية، وقالوا. قد كنّا أخطأنا فيما أتينا به من الجمع، ولم يكن ذلك عن قصد، ولكن تسامع النّاس بنا فتبعونا. وقد رجوناك لإصلاح جماعتنا، وقدّمناك، واخترناك لأنفسنا، لتحقن دماءنا، وتجمع ما تبدّد من شملنا، فقد عادى من أجل هذا الرّجل الأخ أخاه، والابن أباه، والقريب قريبه؛ وهذه فتنة قد بدت، وردّة قد ظهرت. وهذا الرجل من أهل المشرق، وهم كما علمت شياطين. وعلماؤنا بربر، وقوم ليست لهم تلك الأذهان؛ فإنهم [إن] «١» ناظروه يظهر عليهم ولم يجدوا حجّة. يحتجون بها عليه. وقالوا له: أترى نحن وآباؤنا والنّاس كلّهم فى

стр. 10780

ضلالة، وهذا وحده على الحقّ والهدى. وكرّروا عليه ما وعدوه به من التّقدمة عليهم؛ فأصغى إليهم ووعدهم أن يتلطّف فى إخراجه. فجعل يتكلم فى ذلك ويحتجّ على أهل بيته، ويخوّفهم العواقب؛ فاتصل كلام بنان بالشيعىّ فانتقل عنهم. ذكر انتقال أبى عبد الله الشّيعى عن بنى سكتان إلى بنى عصمة بتازرارت «١» قال: واتّصل هذا الخبر بالحسن بن هارون العصمى «٢» ، وكان قد دخل فى هذا الأمر، وهو معروف بالأدب وكثرة النّعمة، وهو مطاع فى قومه. فأتى الشّيعى ورغب إليه فى الانتقال إلى مكانه، ووعده بالذّبّ عنه، والمدافعة بنفسه وأهله وماله؛ وذكر ذلك لأصحابه فأشاروا عليه به. وعظم ذلك على بنى سكتان وكرهوه، وقالوا له: نحن ندافع عنك بأنفسنا حتى نقتل كلّنا دونك. فشكر قولهم. وانتقل إلى الحسن بن هارون إلى تازرارت فتلقاه من بها من أصحابه وغيرهم. وقام «٣» العصميون «٤» بما احتاج إليه الشيعىّ وأصحابه، وقاسموه أموالهم. وأقبل أصحاب الشيعى من كلّ ناحية، وكلّ

стр. 10781

منهم يأتى بما يملكه، ويبذله بين يديه. فاجتمع أمره، وامتنع جانبه، واجتمعت عصمان على نصرته، وخلق كثير من قبائل كتامة، وندم بنان بن صقلان على ما كان منه فى حقه، وعظم شأن الحسن بن هارون بفعله. وكان للحسن أخ هو أسنّ منه، اسمه محمود، فوجد فى نفسه من ذلك، وكان قبل ذلك مقدما على أخيه لسنّه، وكان أيضا مطاعا فى أهل بيته، فنكل بذلك، وفشا «١» عنه هذا والحسن يداريه ويستعطفه، خوفا من أن يفترق جماعة عصمان. فلمّا صار أمر الشيعىّ. بتازرارت إلى ما صار إليه وانتهى ذلك إلى القوم الّذين كانوا تعاقدوا عليه أولا، فسقط فى أيديهم، وعظم أمره عليهم، فرجوا أن يصلوا من محمود بن هارون إلى ما يريدونه من أمر الشّيعى. فاجتمعوا إلى مهدى بن أبى كتامة اللهيمى «٢» . فذكروا له ما بلغهم عن محمود، وقالوا له: هذا جارك وصديقك، فلعلّك أن تستميله فتفرّق به جماعة عصمان، فيمكننا ما تريد. فركب مهدى إلى محمود، وذكر له اجتماع وجوه كتامة وأنهم أرسلوه إليه وقالوا إنّه قد أجحف أخوك بنفسه وأهل بيته وجاء إلى عصمان ببليّة قد تعافى منها بنو سكتان، وتخلّصوا من شرّها [٢٨] . وجعل يخوفه من سوء العواقب، ووعده عنهم «٣» بالتّقدمة على أنفسهم. فاستماله بذلك مع ما

стр. 10782

داخله «١» من الحسد لأخيه والغيرة منه. فقال: القول فى ذلك ما قلت، ولكنّه قد تمكّن وقوى وكثرت أتباعه، وليس هو الآن كما كان فى بنى سكتان، وقد أجابته عصمان وكثير من عامّة كتامة، فهم يقاتلون دونه؛ فمتى دعوت من يطيعنى من عصمان إلى أخذه صرنا فريقين، وأهلك بعضنا بعضا. وما أرى فى أمره إلّا ما رأى لى بنان «٢» : أن يأتى بالعلماء إليه فيناظروه، فإن قامت حجّتهم عليه وجدنا السّبيل إليه، وإن كانت الأخرى دبّرنا رأيا آخر إن شاء الله تعالى. وانصرف مهدى إلى القوم فأخبرهم. فقالوا: من الذى يناظره من علمائنا وأنت ترى الواحد من جهّالنا إذا دخل فى أمره ناظرهم فقطعهم، فكيف به فقال: قد رأيت من محمود شهوة فى قتله ومال إلى ما وعدناه به من التّقدمة، مع ما داخله من الحسد لأخيه؛ ولم أجد عنده غير ما فارقته عليه. وما علينا أن نأتى بالعلماء فإذا هم أخرجوه وقعنا «٣» عليه أسيافنا فقتلناه، ويكون بعد ما عساه أن يكون. فأرسلوا فى طلب العلماء من كلّ ناحية، وقالوا لا نأتيه فى احتفال كما فعلنا ببنى سكتان. واتصل الخبر بالحسن بن هارون، وبالشّيعىّ، فقال لهم ليجتمع جماعة عصمان إلى محمود فيلاطفوه ويذكروا له ما اتصل بهم، ويحذّروه العار، والنّقص، وسوء العواقب، ويقدّموه على أنفسهم، ويعظّموه، ويرفعوا من شأنه. ففعلوا ذلك؛ ووافاه أخوه الحسن وجماعة عصمان، وقالوا: نحن

стр. 10783

أهل بيتك وعشيرتك وأنت أميرنا ومقدّمنا، وهذا الرّجل ضيفك وضيفنا، وقد رأيت ما لحق ببنى سكتان من النّقص فى إخراجه، وأنّهم ندموا عليه، وأن بنانا حاول ردّه إليه ليصلح ما أفسده على نفسه فلم يجبه إلى ذلك. فلا تجعل علينا عارا ولا نقصا. وحلفوا له وقدّموه على أنفسهم فمال إليهم. فلما علم محمود ان أولئك القوم قربوا من تازرارت ركب فى جماعة وأركب الشّيعىّ أصحابه معه وقال لهم: إن قدرتم أن تلحموا الحرب «١» فافعلوا. فلمّا التقوا قالوا لمحمود: هؤلاء العلماء قد جئنا بهم؛ وعزلوهم ناحية: فقال لهم محمود: انصرفوا ودعوهم عندنا حتى نجمع بينهم وبين الرّجل، مع عشرة رجال من وجوهكم وخياركم، فى مجلس، فننظر ما يكون بينهم. فانحلّ ما عقدوه. فقالوا: وما عليكم أن تخرجوه إلى هاهنا ونشهد ما يكون منه ومن العلماء، فيكون ذلك أشهر وأقطع للأمر: فقال لهم محمود: قد بلغنا عنكم أنّكم عقدتم أمرا وطمعتم أن تنزعوا ضيفنا من أيدينا بالتّغلّب. فردّوا عليهم. فحمل عليهم هو وأصحابه، والتحم القتال، وقاتل محمود قتالا شديدا فجرح، ثم افترقوا، فمات محمود من جراحه، فسرّ أخوه والشّيعىّ بموته، وأظهروا الطّلب بدمه. واجتمعت عصمان ألّبا واحدا وصحّت الرئاسة للحسن بن هارون وولّاه الشّيعى أعنّة الخيل، وقوّده وعوّده على جميع أصحابه. واشتعلت الحرب بين عصمان ولهيصة بسبب قتل محمود. واجتمع أمراء بلزمه وأكثر القبائل للشّيعىّ وأظهر نفسه، وكان يشهد الحرب ويباشرها.

стр. 10784

وطالت الحرب بينهم، ثمّ اصطلحت لهيصة وعصمان بعد أن قتل مهدى، وانضمّوا كلهم إلى الشّيعى، واشتدّ أمره، وحاربوا من بينهم من القبائل، وشنّوا الغارات على من بعد منهم. وبعث الشيعىّ خيلا مغيرة إلى مزاتة ورئيس مزاتة «١» يومئذ يوسف القنطاسى، وكان قدم على إبراهيم بن أحمد فوصله وحيّاه، وكساه، وأعطاه جارية؛ فكبسته خيل الشّيعى، وأخذوا جميع ما كان له، وسبوا الجارية، وقتلوا من قدروا عليه من أصحابه، واختفى هو فنجا، ووصلوا إلى الشّيعىّ بالغنيمة فاصطفى الجارية لنفسه وهى أمّ ولده. فلما رأت القبائل ظهور الشّيعى واجتماع لهيصة له، وقتل مهدى، مشى بعضهم إلى بعض، وأرسلوا إلى مزاته، فاجتمع رأيهم على أن يدخلوا إليه بعيالاتهم ويحيطوا به من كلّ جانب، فتسلمه عصمان ولهيصة ومن معهم ويستأصلوهم. فانتهى الأمر إلى الشّيعى، فجمع أصحابه كلّهم بتازرارت، وجاءت كتامة من أطرافها وأحاطوا به. فخندق على نفسه، وأشار عليه وجوه أصحابه أن يعتزل الحرب وهم يقاتلون. فشكرهم على ذلك، وأبى أن يقبله. ووعدهم النّصر، وحثّهم على القنال؛ فأخرج كلّ واحد ما عنده من مال وسلاح وكراع، وتشاوروا فيه، وكمّلوا عدّتهم وعدّتهم، فبلغوا سبعمائة فارس، لا يزيدون ولا ينقصون، وألفى راجل. والتقوا بعد مراسلة لم تجد شيئا واقتتلوا قتالا شديدا. ودام القتال بينهم ثلاثة أيّام، ودام فى اليوم الثّالث إلى العصر، وكان الظّفر لأصحاب الشيعى. وانهزم أولئك، وتبعوهم وقد امتلأت أيدى أصحابه من الغنائم والأموال؛ وتفرّق ذلك الجمع. قال: فبيع الجمال كلّ عشرة بدينار [٢٩] والحمار بعشر

стр. 10785

بصلات، وغنموا من الخيل ما لا يحصى. «١» وانصرف الشيعىّ إلى تازرارت وابتنى بها قصرا يسكنه، واتخذها دار مقامه؛ وأقطع أصحابه دورا حول قصره. وارتحل إليه أصحابه من كلّ ناحية، وابتنوا وسكنوا، وقوى أمرهم. واستأمن إليه كثير من القبائل؛ وشنّ الغارات، وداوم الحرب، فأقبل النّاس إليه من كل جهة. ولحق فتح بن يحيى بإفريقية «٢» فقدم على أبى العبّاس [بن] «٣» إبراهيم ابن أحمد، وهو يومئذ بتونس بعد خروج أبيه إبراهيم إلى صقلّية، فوصله وأدناه، وأكرمه، وسأله عن الشّيعىّ، فضعّف أمره، فقال: أليس قد اجتمعتم عليه فى عساكر عظيمة فلم تقدروا عليه؛ فقال: ليس أمرنا من أمرك فى شىء، إنّما نحن مقاتلة بغير رأس، ونقاتل من يعرفنا من أهل بلدنا، ولو جاءه عسكر من قبلك لكانت هيبته فى صدور النّاس. فأطمعه أبو العباس، ثم أمسك عنه. قال: واستولى الشيعى على جميع بلد كتامة، وظهرت دعاته فى كلّ ناحية منها، وغلب عليها؛ وكانت وقائع كثيرة ببلد كتامة. وأقام بعد انهزام الجمع نحو سنتين وهو يشنّ الغارات، ويغنم الأموال، حتّى أجابوه، وسلّموا الأمر إليه. ولم يبق إلّا المدينة الحصينة ومن فيها من
следующие страницы →