Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.
стр. 10781
منهم يأتى بما يملكه، ويبذله بين يديه. فاجتمع أمره، وامتنع جانبه، واجتمعت عصمان على نصرته، وخلق كثير من قبائل كتامة، وندم بنان بن صقلان على ما كان منه فى حقه، وعظم شأن الحسن بن هارون بفعله.
وكان للحسن أخ هو أسنّ منه، اسمه محمود، فوجد فى نفسه من ذلك، وكان قبل ذلك مقدما على أخيه لسنّه، وكان أيضا مطاعا فى أهل بيته، فنكل بذلك، وفشا «١» عنه هذا والحسن يداريه ويستعطفه، خوفا من أن يفترق جماعة عصمان.
فلمّا صار أمر الشيعىّ. بتازرارت إلى ما صار إليه وانتهى ذلك إلى القوم الّذين كانوا تعاقدوا عليه أولا، فسقط فى أيديهم، وعظم أمره عليهم، فرجوا أن يصلوا من محمود بن هارون إلى ما يريدونه من أمر الشّيعى.
فاجتمعوا إلى مهدى بن أبى كتامة اللهيمى «٢» . فذكروا له ما بلغهم عن محمود، وقالوا له: هذا جارك وصديقك، فلعلّك أن تستميله فتفرّق به جماعة عصمان، فيمكننا ما تريد.
فركب مهدى إلى محمود، وذكر له اجتماع وجوه كتامة وأنهم أرسلوه إليه وقالوا إنّه قد أجحف أخوك بنفسه وأهل بيته وجاء إلى عصمان ببليّة قد تعافى منها بنو سكتان، وتخلّصوا من شرّها [٢٨] . وجعل يخوفه من سوء العواقب، ووعده عنهم «٣» بالتّقدمة على أنفسهم. فاستماله بذلك مع ما
стр. 10782
داخله «١» من الحسد لأخيه والغيرة منه.
فقال: القول فى ذلك ما قلت، ولكنّه قد تمكّن وقوى وكثرت أتباعه، وليس هو الآن كما كان فى بنى سكتان، وقد أجابته عصمان وكثير من عامّة كتامة، فهم يقاتلون دونه؛ فمتى دعوت من يطيعنى من عصمان إلى أخذه صرنا فريقين، وأهلك بعضنا بعضا. وما أرى فى أمره إلّا ما رأى لى بنان «٢» : أن يأتى بالعلماء إليه فيناظروه، فإن قامت حجّتهم عليه وجدنا السّبيل إليه، وإن كانت الأخرى دبّرنا رأيا آخر إن شاء الله تعالى.
وانصرف مهدى إلى القوم فأخبرهم. فقالوا: من الذى يناظره من علمائنا وأنت ترى الواحد من جهّالنا إذا دخل فى أمره ناظرهم فقطعهم، فكيف به فقال: قد رأيت من محمود شهوة فى قتله ومال إلى ما وعدناه به من التّقدمة، مع ما داخله من الحسد لأخيه؛ ولم أجد عنده غير ما فارقته عليه.
وما علينا أن نأتى بالعلماء فإذا هم أخرجوه وقعنا «٣» عليه أسيافنا فقتلناه، ويكون بعد ما عساه أن يكون. فأرسلوا فى طلب العلماء من كلّ ناحية، وقالوا لا نأتيه فى احتفال كما فعلنا ببنى سكتان.
واتصل الخبر بالحسن بن هارون، وبالشّيعىّ، فقال لهم ليجتمع جماعة عصمان إلى محمود فيلاطفوه ويذكروا له ما اتصل بهم، ويحذّروه العار، والنّقص، وسوء العواقب، ويقدّموه على أنفسهم، ويعظّموه، ويرفعوا من شأنه. ففعلوا ذلك؛ ووافاه أخوه الحسن وجماعة عصمان، وقالوا: نحن
стр. 10783
أهل بيتك وعشيرتك وأنت أميرنا ومقدّمنا، وهذا الرّجل ضيفك وضيفنا، وقد رأيت ما لحق ببنى سكتان من النّقص فى إخراجه، وأنّهم ندموا عليه، وأن بنانا حاول ردّه إليه ليصلح ما أفسده على نفسه فلم يجبه إلى ذلك. فلا تجعل علينا عارا ولا نقصا. وحلفوا له وقدّموه على أنفسهم فمال إليهم.
فلما علم محمود ان أولئك القوم قربوا من تازرارت ركب فى جماعة وأركب الشّيعىّ أصحابه معه وقال لهم: إن قدرتم أن تلحموا الحرب «١» فافعلوا. فلمّا التقوا قالوا لمحمود: هؤلاء العلماء قد جئنا بهم؛ وعزلوهم ناحية: فقال لهم محمود: انصرفوا ودعوهم عندنا حتى نجمع بينهم وبين الرّجل، مع عشرة رجال من وجوهكم وخياركم، فى مجلس، فننظر ما يكون بينهم. فانحلّ ما عقدوه. فقالوا: وما عليكم أن تخرجوه إلى هاهنا ونشهد ما يكون منه ومن العلماء، فيكون ذلك أشهر وأقطع للأمر:
فقال لهم محمود: قد بلغنا عنكم أنّكم عقدتم أمرا وطمعتم أن تنزعوا ضيفنا من أيدينا بالتّغلّب.
فردّوا عليهم. فحمل عليهم هو وأصحابه، والتحم القتال، وقاتل محمود قتالا شديدا فجرح، ثم افترقوا، فمات محمود من جراحه، فسرّ أخوه والشّيعىّ بموته، وأظهروا الطّلب بدمه. واجتمعت عصمان ألّبا واحدا وصحّت الرئاسة للحسن بن هارون وولّاه الشّيعى أعنّة الخيل، وقوّده وعوّده على جميع أصحابه.
واشتعلت الحرب بين عصمان ولهيصة بسبب قتل محمود. واجتمع أمراء بلزمه وأكثر القبائل للشّيعىّ وأظهر نفسه، وكان يشهد الحرب ويباشرها.
стр. 10784
وطالت الحرب بينهم، ثمّ اصطلحت لهيصة وعصمان بعد أن قتل مهدى، وانضمّوا كلهم إلى الشّيعى، واشتدّ أمره، وحاربوا من بينهم من القبائل، وشنّوا الغارات على من بعد منهم. وبعث الشيعىّ خيلا مغيرة إلى مزاتة ورئيس مزاتة «١» يومئذ يوسف القنطاسى، وكان قدم على إبراهيم بن أحمد فوصله وحيّاه، وكساه، وأعطاه جارية؛ فكبسته خيل الشّيعى، وأخذوا جميع ما كان له، وسبوا الجارية، وقتلوا من قدروا عليه من أصحابه، واختفى هو فنجا، ووصلوا إلى الشّيعىّ بالغنيمة فاصطفى الجارية لنفسه وهى أمّ ولده.
فلما رأت القبائل ظهور الشّيعى واجتماع لهيصة له، وقتل مهدى، مشى بعضهم إلى بعض، وأرسلوا إلى مزاته، فاجتمع رأيهم على أن يدخلوا إليه بعيالاتهم ويحيطوا به من كلّ جانب، فتسلمه عصمان ولهيصة ومن معهم ويستأصلوهم. فانتهى الأمر إلى الشّيعى، فجمع أصحابه كلّهم بتازرارت، وجاءت كتامة من أطرافها وأحاطوا به. فخندق على نفسه، وأشار عليه وجوه أصحابه أن يعتزل الحرب وهم يقاتلون. فشكرهم على ذلك، وأبى أن يقبله. ووعدهم النّصر، وحثّهم على القنال؛ فأخرج كلّ واحد ما عنده من مال وسلاح وكراع، وتشاوروا فيه، وكمّلوا عدّتهم وعدّتهم، فبلغوا سبعمائة فارس، لا يزيدون ولا ينقصون، وألفى راجل. والتقوا بعد مراسلة لم تجد شيئا واقتتلوا قتالا شديدا. ودام القتال بينهم ثلاثة أيّام، ودام فى اليوم الثّالث إلى العصر، وكان الظّفر لأصحاب الشيعى. وانهزم أولئك، وتبعوهم وقد امتلأت أيدى أصحابه من الغنائم والأموال؛ وتفرّق ذلك الجمع. قال: فبيع الجمال كلّ عشرة بدينار [٢٩] والحمار بعشر
стр. 10785
بصلات، وغنموا من الخيل ما لا يحصى. «١»
وانصرف الشيعىّ إلى تازرارت وابتنى بها قصرا يسكنه، واتخذها دار مقامه؛ وأقطع أصحابه دورا حول قصره. وارتحل إليه أصحابه من كلّ ناحية، وابتنوا وسكنوا، وقوى أمرهم. واستأمن إليه كثير من القبائل؛ وشنّ الغارات، وداوم الحرب، فأقبل النّاس إليه من كل جهة.
ولحق فتح بن يحيى بإفريقية «٢» فقدم على أبى العبّاس [بن] «٣» إبراهيم ابن أحمد، وهو يومئذ بتونس بعد خروج أبيه إبراهيم إلى صقلّية، فوصله وأدناه، وأكرمه، وسأله عن الشّيعىّ، فضعّف أمره، فقال: أليس قد اجتمعتم عليه فى عساكر عظيمة فلم تقدروا عليه؛ فقال: ليس أمرنا من أمرك فى شىء، إنّما نحن مقاتلة بغير رأس، ونقاتل من يعرفنا من أهل بلدنا، ولو جاءه عسكر من قبلك لكانت هيبته فى صدور النّاس. فأطمعه أبو العباس، ثم أمسك عنه.
قال: واستولى الشيعى على جميع بلد كتامة، وظهرت دعاته فى كلّ ناحية منها، وغلب عليها؛ وكانت وقائع كثيرة ببلد كتامة.
وأقام بعد انهزام الجمع نحو سنتين وهو يشنّ الغارات، ويغنم الأموال، حتّى أجابوه، وسلّموا الأمر إليه. ولم يبق إلّا المدينة الحصينة ومن فيها من
стр. 10786
أمرائها ومن انضمّ إليها من القبائل.
ذكر تغلّب أبى عبد الله الشيعى على مدينة ميلة
قال ابن الرقيق: كان سبب ذلك أن قيس بن أبى جرير «١» من وجوه أهل ميلة، وهم [من] «٢» ربيعة وكان رئيسهم يومئذ حسن بن أحمد، فوصل إلى الشيعىّ سرا وأطلعه على أمر المدينة، فتقدّم الشيعىّ إليها وقاتل من بها، وغلب على جميع أرضها، فدخل جميع من كان بها إلى الحصن، ثم سألوا الأمان، فأمّنهم ما لم يحدثوا حدثا. ففتحوا أبواب المدينة ودخلها أصحاب الشيعى، وخرج إبراهيم بن موسى بن عيّاش مع جماعة منهم فى الليل، فهربوا إلى إفريقية، إلى أبى العبّاس بن إبراهيم، فأخبروه بالخبر، وضعّفوا عنده أمر الشيعىّ، وسألوه فى إخراج عسكر إليه، وضمنوا أمره.
فأمر بالحشد. وجمع وجوه رجاله، وأمّر عليهم ابنه محمّدا المعروف بأبى حوال «٣» فاجتمع له عساكر عظيمة انتقى منها اثنى عشر ألف فارس. واتّصل الخبر بالشّيعىّ فاستعدّ للّقاء.
стр. 10787
ذكر الحرب بين أبى عبد الله الشّيعىّ وبين أبى حوال محمد بن أبى العباس
قال «١» : وخرج أبو حوال بالعسكر الّذى اختاره من مدينة تونس، فى سنة تسع وثمانين ومائتين، وكلّ من مرّ عليه من القبائل، بدأهم بالعطاء وخلع على وجوههم، وقصد إلى سطيف، فلم يصل إليها حتّى زاد فى عسكره مثله. وتلقّاهم بنو عسلوجة أصحاب سطيف «٢» ، وبنو تميم أصحاب بلزمه، ومن حولهم ممّن لم يدخل فى طاعة الشيعىّ، فقتل من وجوههم قتلا ذريعا، وانتهب أموالهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وقصد الشيعى بتازرارت، واتصل به الخبر، فبرز إليه بمن معه، والتقوا ببلد بلزمة، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الشّيعىّ وأصحابه، واتّبعهم أبو حوال إلى الليل، ثم أصبح فلقوه واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الشيعىّ ثانية إلى تازرارت وجاءهم ثلج عظيم، فحال بينهم.
ولم ير الشيعىّ أن تازرارت تحصّنهم، فأخذوا ما قدروا عليه، وانضموا إلى إيكجان. فلمّا ارتفع الثّلج تقدّم أبو حوال إلى تازرارت فأخربها وهدم قصر الشيعى وسار إلى ميلة، ثم التقى هو والشيعىّ واقتتلوا إلى الليل، فانهزم أبو حوال إلى تونس، ورجع الكتاميّون إلى ميلة، واعتلّ الحسن بن هارون فمات بإيكجان، وسكنها الشيعىّ وابتنى بها قصرا.
стр. 10788
وجاء الخبر إلى الشيعىّ بوفاة إبراهيم بن أحمد وأنّ ابنه أبا العباس ولى الأمر بعده «١» ، وجلس فى المسجد وردّ على الناس ظلاماتهم، وأنّه يجلس على حصير وبين يديه الدّرّة، فاغتمّ لذلك لأن العوامّ مالت إليه. ثمّ أتاه الخبر بقتل أبى العبّاس، وأنّ ابنه زيادة الله «٢» قتله وولى مكانه، وأنّه شرب الخمور وارتكب المحارم، وعكف على الملاهى، فسرّه ذلك، وقال لهم: قد زال عنكم ما كنتم تخافونه، وهذا آخر ما تحاربون، وسيصير الأمر إليكم.
قال: ثم خرج أبو حوال بالعساكر تانية قبل وفاة أبيه، فهزمه الشيعىّ واستولى على ميله، وعاد أبو حوال إلى بلاده وقد ملك زيادة الله، فقتله زيادة الله [٣٠] وقتل إخوته، والله أعلم.
ذكر تغلّب أبى عبد الله الشيعىّ على مدينة سطيف
كانت مدينة سطيف لعلىّ بن حفص، المعروف بابن عسلوجة، وكان قد زحف مع أبى حوال لقتال الشّيعىّ. فلمّا استقام أمر الشيعىّ وأخذ ميلة ذهب بجموعه إلى سطيف وأقام عليها أربعين يوما وهو يقاتله، ثمّ انصرف إلى
стр. 10789
إيكجان فأقام بها شهرا، وجمع «١» من قدر عليه، وعاد إلى مدينة سطيف فأحاط بها، وقاتله علىّ بن عسلوجة، فهزمه الشيعىّ فتحصّن بالمدينة. وأقام أيّاما يحاصره، فمات على بن عسلوجة، هو وأخوه أبو حبيب. فى أيّام قلائل فاستولى الشيعىّ عليها «٢» .
ذكر خروج إبراهيم بن حنبش إلى بلد كتامة
قال «٣» : لمّا اتصل بالأمير زيادة الله أخبار الشيعىّ، وظهوره على بلد كتامة، وافتتاحه ميلة، ووصل إلى زيادة الله من كتامة من خاف على نفسه، وعرّفوه أنّه إن لم يعاجل الشيعىّ زاد أمره، أخذ زيادة الله عند ذلك فى الاحتشاد وزاد فى العطاء. فاجتمعت له عساكر عظيمة، فقدّم عليها إبراهيم بن حنبش «٤» ، فبلغت عدّة من خرج معه أربعين ألفا، من فارس وراجل. وأخرج معه أموالا جليلة وسلاحا كثيرا، وعددا عظيمة، وأمر ببذل الأموال، وأخرج معه وجوه رجاله ومن وصل إليهم من كتامة.
стр. 10790
فسار إبراهيم بن حنبش حتى أتى قسطنطينية «١» ، وبينها وبين إيكجان الّتى بها الشيعىّ نحو مرحلتين، وأردفه زيادة الله بسديد بن أبى شدّاد «٢» ، فاجتمع معه نحو مائة ألف. وأقام بقسطنطينية ستّة أشهر لا يتقدّم إليه الشيعى، فلمّا رأى ذلك زحف بعساكره كلّها، فندب الشيعىّ خيلا اختارها من كتامة ليختبروا بروز حنبش، فأتوه. فلمّا رأى الخيل قصدها بنفسه. هذا والأثقال على الدوابّ؛ فانتشبت الحرب، واقتتلوا قتالا شديدا. واتّصل الخبر بأبى عبد الله الشيعىّ، فزحف بمن معه، فوقعت الهزيمة على ابن حنبش وأصحابه، وأسلموا الأثقال، وتبعهم أصحاب الشيعىّ يومهم ذلك إلى الليل، ومن الغد، يقتلون ويغنمون. فقتلوا منهم كثيرا وغنموا من الأموال والأمتعة والسّلاح والكراع ما لا يحصى كثرة.
ووصل ابن حنبش إلى باغاية «٣» وكتب كتابا بخطّه إلى زيادة الله يخبره بالخبر. ثم قدم إلى إفريقية، فاضطربت وما جت بأهلها، وعظم أمر الشيعىّ ثم غلب على مدينة طبنة «٤» ثم على مدينة بلزمة، ثم مدينة تيجس «٥» ، ثم
стр. 10791
مدينة باغاية «١» ، ثم قفصة «٢» ، وقصطيلية «٣» ، ثم مدينة الأربس «٤» .
وكان له فى خلال هذه الفتوحات وقائع كثيرة كان آخرها مع إبراهيم بن أبى الأغلب لثمان بقين من جمادى الآخرة، سنة ستّ وتسعين ومائتين، فانهزم إبراهيم إلى جهة القيروان واتّبعهم أصحاب الشيعىّ يقتلون ويغنمون ويأسرون «٥» .
ذكر هرب زيادة الله إلى المشرق
قال «٦» : ولمّا وصل خبر هذه الهزيمة إلى زيادة الله وهو برقّادة «٧» ، وكان قد علم أنّه لا يقوم له أمر إذا انهزم إبراهيم، لأنّه آخر ما جمع من الجيوش واستنفذ فيه الوسع والطّاقة، فلمّا جاءه خبر الهزيمة أظهر أنّه جاءه الفتح، وأرسل إلى السّجون فأحضر رجالا منها فضرب أعناقهم، وأمر أن
стр. 10792
يطاف برءوسهم فى القيروان، وأخذ فى تجهيز أثقاله، وحملها وحمل أمواله، وأنذر خاصّته وأهل بيته بالخروج معه، وعرّفهم بالخبر؛ فأشار عليه ابن الصّائغ «١» بالمقام، فأبى ذلك، وخرج إلى مصر، كما ذكرناه «٢» وأقبل النّاس فى صبيحة يوم هرب زيادة الله وانتهبوا رقّادة. والله أعلم.
[٣١] ذكر رجوع أبى عبد الله الشّيعىّ إلى إفريقية
قال: ولمّا وافاه الخبر بهرب زيادة الله أمير إفريقية، وهو بناحية سبيبة «٣» رحل لوقته، وخرج إليه شيوخ القيروان، وتلقّوه، فأكرمهم، ودخل أبو عبد الله الشيعىّ رقّادة فى يوم السّبت غرّة شهر رجب، سنة ستّ وتسعين ومائتين، ونزل ببعض قصورها، وفرّق دورها على كتامة، ولم يكن قد بقى بها أحد من أهلها، وأمر مناديه فنادى فى القيروان بالأمان، فرجع
стр. 10793
النّاس إلى أوطانهم. وغيّر المنكرات، وولّى قضاء القيروان محمّد «١» بن عمر المروزىّ، وأمره، ورتّب الخطباء وأمرهم أن يصلّوا على: رسول الله ﷺ ، وعلىّ، والحسن والحسين وفاطمة، وأمر بضرب السّكّة، وأن ينقش على الوجه الواحد «بلغت «٢» حجّة الله» . وعلى الوجه الآخر «تفرّق أعداء الله» ، ونقش على السلاح «عدّة لسبيل «٣» الله» ، ونقش على خاتمه الّذى يطبع به الكتب (وتمّت كلمات ربّك صدقا وعدلا) «٤» ورسم فى جلال الخيل «٥» «الملك لله» .
ذكر خروج أبى عبد الله الشّيعىّ إلى سجلماسة «٦»
قال «٧» : ولمّا استقرّ أبو عبد الله الشيعى برقّادة، أتاه أخوه أبو العبّاس محمد ابن أحمد، فسرّ بمقدمه، وكان أسنّ من أبى عبد الله وأحدّ ذهنا،
стр. 10794
وكان الشيعىّ يعظّمه، فإذا دخل قام إليه، وإذا دخل هو على أبى العبّاس قبّل يده ووقف حتى يأمره بالجلوس فيجلس.
ولما وصل أبو العباس أراد أن ينفى من القيروان من خالف مذهبه، فقال له أبو عبد الله إن دولتنا دولة حجّة وبيان، وليست دولة قهر واستطالة، فاترك النّاس على مذاهبهم، فتركهم.
وأخذ أبو عبد الله فى الخروج إلى سجلماسة، فرحل إليها فى النّصف من شهر رمضان من السّنة، فى جيوش عظيمة، واستخلف على إفريقية ابا زاكى تمام ابن معارك وأخاه «١» أبا العباس.
قال: ولمّا خرج اهتز الغرب لخروجه وزالت زناتة «٢» والقبائل عن طريقه، وأوقع بقبائل عرضت له فى الطّريق حتّى إذا قرب من سجلماسة راسل أميرها اليسع بن مدرار «٣» ، وكان من أمره معه ما نذكره بعد فى أخبار المهدىّ عبيد الله إن شاء الله.
فهذه أسباب ظهور هذه الدّولة وقيامها وخبر شيعتها. فلنذكر أخبار المهدىّ وما كان من أمره. وخروجه من بلاد الشام، وما اتفق له فى مسيره إلى أن تسلم الملك من أبى عبيد الله الشيعىّ، بعد أن مهّد له القواعد وفتح
стр. 10795
البلاد. ثم نذكر فى أخبار عبيد الله، المنعوت بالمهدىّ، تتّمة أخبار أبى عبد الله الشيعىّ إلى أن قتل هو وأخوه أبو العبّاس محمد بن أحمد.
فنقول وبالله التوفيق.
ذكر ابتداء الدّولة العبيديّة وأخبار المهدى عبيد الله وما كان من أمره منذ خرج من الشّام إلى أن ملك البلاد وتسلم الأمر من أبى عبد الله الشيعىّ
كان ابتداء ظهور هذه الدولة وقيامها ببلاد المغرب فى سنة ستّ وتسعين ومائتين، عند ظهور عبيد الله بن الحسن المنعوت بالمهدىّ، وخلاصه من سجن سجلماسة وقتله الحسن بن مدرار. ومنهم من يجعل ابتداءها عند وصول عبيد الله إلى رقّادة فى يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ولنبدأ بأخبار المهدىّ فى رحلته إلى المغرب.
ذكر رحيل عبيد الله من الشام [٣٢] ووصوله إلى سجلماسة
وكان سبب ذلك أن المعتضد بالله أبا العبّاس العباسىّ طلب عبيد الله هذا طلبا شديدا، فخاف على نفسه إن هو أقام بالموضع الذى هو فيه من أرض الشام، فخرج بنفسه وبولده أبى القاسم محمّد، وهو يومئذ غلام حدث وعبيد الله شابّ، وخرج معه خاصّته ومواليه، يريدون المغرب، وذلك فى خلافة المكتفى بالله العباسى، وأمير إفريقية يومئذ زيادة الله بن أبى العبّاس بن إبراهيم بن أحمد.
стр. 10796
فلما انتهى عبيد الله إلى مصر أراد أن يقصد اليمن، وكان بها أبو القاسم الحسن بن حوشب الكوفى الدّاعى كما ذكرنا، وقد استقام له الأمر وملك أكثر البلاد، ثم بعث بعده علىّ بن الفضل فاستحلّ المحارم ودعا النّاس إلى الإباحات، فلما اتّصل ذلك به كره دخول اليمن على هذه الحال، وبلغه ما فعل الشيعىّ بالمغرب، وما فتح على يديه فأقام بمصر مستترا فى زىّ التّجار، وعامل مصر يومئذ عيسى النوشرى بعد انقراض الدّولة الطّولونيّة؛ فأتته الكتب بصفته، وأمر بالقبض عليه.
وكان بعض خاصّة النّوشرى يتشيع، قيل إنّه ابن المدبّر، فبادر إلى عبيد الله وأخبره، وأشار عليه بالمسير؛ فخرج من مصر بمن صحبه. ففرّق النّوشرى الرّسل وذكر لهم صفته، ثم خرج بنفسه فأدركه وقد رحل من تروجة، وهى على مرحلة من الإسكندرية، فمشى النّوشرىّ فى القافلة التى عبيد الله فيها، وجعل ينظر إلى وجوه القوم، حتّى رأى عبيد الله على هيئته التى وصفت له، فقبض عليه وعلى من كان معه، وأطلق الرّفقة وعاد به إلى ببستان فنزل به، وأنزل عبيد الله ومن معه بمفردهم ووكل بهم. ثم خلا به وقال له أصدقنى عن أمرك فأنى ألطف فى خلاصك، فقد جاءت صفتك من قبل أمير المؤمنين وأمر بطلبك، وذكر أنّك تروم الخلافة. فقال عبيد الله «١» إنما أنا رجل تاجر، ولست أعلم شيئا ممّا نقول، وأنت غنىّ عن تقلّد إثمى.
فما زال يلاطفه يومه وليلته حتّى أطلقه وقال: امض إلى سبيلك وأنا أبعث معك خيلا تشيّعك. فشكره وقال: أنا أستغنى بنفسى وبمن معى، وانصرف. فرجع أصحاب النّوشرى عليه بالملامة، وقالوا له: ماذا صنعته
стр. 10797
بنفسك! عمدت إلى بغية أمير المؤمنين وطلبته فأطلقته. فندم على إطلاقه وهمّ أن يبعث إليه خيلا تردّه.
فلمّا سار عبيد الله أميالا افتقد أبو القاسم ابنه كلبة صيد كانت له، فبكى عليها فعرفّه عبيده «١» أنهم تركوها بالبستان؛ فرجع عبيد الله فى طلبها، فرآهم النّوشرى، فقال: من هؤلاء؟ فقال بعض أصحابه: الرّجل قد رجع.
فبعث غلمانه فسألوا أصحاب عبيد الله عن سبب رجوعه، فقالوا: افتقد ولد سيدنا كلبة، وهو عزيز على أبيه، فعاد معه فى طلبها بعد أن قطع أميالا كثيرة. فقال النّوشرى لأصحابه: قبّحكم الله! أردتم أن تحملونى على رجل حاله مثل هذه الحال أعتقله بشبهة. لو كان مرتابا لطوى المراحل وما عاد إلينا من مسافة بعيدة فى طلب كلبة صيد.
ورجع النّوشرى من وقته إلى مصر، وعاد المهدىّ ولحق برفقته. فلمّا انتهى إلى مدينة طرابلس، فارق من كان معه من التّجار، وقدّم أبا العبّاس محمّد بن أحمد بن محمّد بن زكريا، أخا أبى عبد الله الشيعىّ إلى القيروان ببعض ما كان معه، وأمره أن يلحق بكتامة. فلما وصل أبو العبّاس إلى القيروان وجد الكتب قد سبقت إلى زيادة الله فى أمر عبيد الله فأحضر الرّفقة وسألهم عنه، فأخبروه أنه تخلّف بطرابلس وذكروا أنّ أبا العبّاس من أصحابه؛ فأخذ وقرّر، فأنكر، فحبس.
واتصل الخبر بعبيد الله بطرابلس فصادف رفقة خارجة إلى قصطيلية، فخرج معهم، وأتى كتاب زيادة الله إلى طرابلس بصفته وطلبه، فكتب إليه عاملها أنه خرج من عمله، وسار عبيد الله حتى وصل إلى قصطيلية، ثم منها
стр. 10798
إلى سجلماسة، وصاحب سجلماسة يومئذ اليسع بن مدرار، فهاداه عبيد الله، فأكرمه اليسع وعظّمه. فلم يزل كذلك إلى أن أتاه كتاب زيادة الله يخبره أنه هو الّذى يدعو إليه الشيعىّ، فتغير اليسع عند ذلك عليه إلّا أنه لم يكن منه فى حقه ما يكره.
ثم كان من تغلّب الشيعىّ ما قدّمناه، وعلم بمكان عبيد الله، وكان يكاتبه فى السّرّ. فلمّا هزم الشيعىّ جيش إبراهيم بن حنبش كتب إلى عبيد الله يخبره بالفتح، فأرسل إليه مالا مع رجال من قبله من كتامة، وكان ذلك أول فتح ورد على عبيد الله، فسرّ به. ثم استولى الشيعىّ على ما ذكرناه، وهرب منه زيادة الله، وملك رقّادة والقيروان، وسار إلى سجلماسة فلما انتهى خبره إلى اليسع بن مدرار وقرب من سجلماسة سأله فحلف أنه ما اجتمع بالشيعىّ ولا رآه قطّ ولا عرفه، وقال: إنما أنا رجل تاجر فأغلط له فى القول فلم [يغير] «١» كلامه الأوّل ولم يخرج عنه. فجعله فى دار وجعل عليه حرسا، وجعل ابنه أبا القاسم فى دار أخرى، وفرّق بينهما. واختبر كلّ واحد منهما [٣٣] فلم يجد بينهما خلافا، وامتحن رجالا كانوا معهما بالعذاب ليقرّوا فلم يعترفوا بشىء.
واتصل الخبر بالشّيعىّ فعظم عليه، وأرسل إلى اليسع بن مدرار يؤمّنه جانبه ويذكر أنّه إنّما قصد سجلماسة لحاجة وبعده الجميل والبرّ والإكرام، وأكد ذلك وبالغ فيه فلما وصلت رسل اليسع رمى بالكتب وقتل الرّسل، واتّصل ذلك بالشيعىّ فعاوده ولاطفه؛ كلّ ذلك خوفا منه أن يكون منه فى حقّ عبيد الله ما يكرهه؛ فقتل الرّسل أيضا فلمّا رأى الشيعىّ إصراره عبّأ
стр. 10799
عساكره ودنا من المدينة فخرج إليه اليسع بمن معه، فناوشهم القتال، فقتل من أصحابه جماعة وكان ذلك فى آخر النّهار، فحجز بينهما اللّيل.
فلما جنّ اللّيل هرب اليسع بن مدرار مع أهل بيته وبات الشيعىّ ومن معه فى غمّ عظيمّ تلك الليلة، لا يعلم ما صنع بعبيد الله وابنه، ولم يمكنه دخول المدينة، وما علم بهرب اليسع، حتى أصبح، فخرج إلى الشيعى وجوه أهل المدينة وأعلموه بهرب اليسع، فدخل إلى المكان الذى فيه عبيد الله فأخرجه وأخرج ولده أبا القاسم، وقرّب لهما فرسين وحفّت بهما العساكر، وسار الشّيعىّ والدّعاة بين يدى عبيد الله وهو يقول: هذا مولاى ومولاكم؛ حتى انتهى عبيد الله إلى فسطاط ضرب له، فدخله، وهو إذ ذاك شاب لم ينبذه الشّيب، وابنه حرطرّ شاربه.
هذا ما حكاه إبراهيم بين الرّقيق فى تاريخه.
وقال غيره إن اليسع بن مدرار لمّا أراد الخروج من سجلماسة أحضر الشخص الذى اعتقله وقتله قبل هروبه، وأن الشيعى لمّا دخل وعلم بقتل عبيد الله خاف من كتامة لأنه كان يعدهم بخروج المهدىّ وملكه الأرض على زعمه، وخشى أن يفتضح فيهلك ويزول ما حصل فى يده، فأخرج لهم رجلا يهوديّا كان يخدم الشّخص المقتول، وقال هذا إمامكم وإمام الاسماعيلية، وأركبه ومشى فى ركابه وانسلخ له من الأمر. وهذا فيه بعد، وأراه من التّغالى فى نفيهم عن النّسب؛ والذى حكاه ابن الرّقيق أشبه.
فلنرجع إلى ما حكاه إبراهيم بن الرّقيق.
قال: ولما استقرّ عبيد الله بالفسطاط أمر بطلب اليسع بن مدرار حيث كان، فخرجت الخيل فى طلبه، فأدركوه ومن معه من أهل بيته،
стр. 10800
فأخذوهم وأتوا بهم إلى عبيد الله، فأمر بضرب اليسع بالسياط، فضرب وطيف به فى بلاد سجلماسة؛ ثم أمر بقتله فقتل هو وكلّ من هرب معه من أهل بيته وغيرهم. وأمّن الناس بعد ذلك وسكّنهم، واستعمل عليهم عاملا، وأتته القبائل من كلّ ناحية فأكرمهم، ووعدهم بكل جميل.
وأقام بسجلماسة أربعين يوما، ثم سار يريد إفريقية. فلما حازى بلاد كتامة مال إليها، ووصل إلى إيكجان، وأمر بإحضار الأموال التى كانت مع الشيعىّ والشيوخ، فأحضرها وشدّها أحمالا وقدم بها. وكان وصوله إلى رقّادة فى يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين.
وفى هذه السنة زال ملك بنى الأغلب وكان له بإفريقية مائة سنة واثنتا عشرة سنة. وزال بزواله ملك بنى مدرار وكان له بسجلماسة وما حولها مائة سنة وستون سنة. وزال ملك بنى رستم من تاهرت «١» وما حولها، وله مائة سنة وثلاثون سنة «٢» .
قال: ولما قارب عبيد الله القيروان تلقّاه شيوخها ومشوا بين يديه، فجزاهم خيرا ونزل عبيد الله بقصر من القصور برقّادة، وأنزل العساكر بدورها ودعى له بالخلافة فى يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر من السّنة برقّادة والقيروان والقصر القديم «٣» وأنفذ رسله ردعاته وأتته وفود البلدان.
стр. 10801
قال ثمّ عرض عليه الشيعىّ جوارى زيادة الله فاصطفى منهنّ لنفسه وأعطى ولده، وفرّق أكثرهنّ على وجوه كتامة؛ وقسّم عليهم أعمال إفريقية، واستعمل وجوههم على مدنها، وأمرهم بالتجمّل وحسن اللّباس، فلبسوا الثّياب الفاخرة وركبوا بالسّروج المحلّاة. ورتّب الدّواوين وأنعم على النّاس، فرفع إليه صاحب بيت المال ما أخرجه من الصّلات فى شهر رمضان، فبلغ مائة الف دينار واستكثره صاحب بيت المال فقال عبيد الله:
لو بلغت ما أؤمّله ما رضيت بمثل هذا المال لرجل واحد [من أوليائى] «١» .
ذكر أخبار أبى عبيد الله الشيعىّ وأخيه أبى العبّاس وما كان من أمرهما بعد قيام عبيد الله المهدىّ إلى أن قتلهما
قال: لمّا استقامت الأمور لعبيد الله المهدىّ داخل أبا العبّاس محمدا أخا الشّيعىّ فساد دينه «٢» وسبب ذلك أنّ أخاه أبا عبد الله كان يعظّمه ويقوم له عن مجلسه ويقبّل يده [٣٤] كما قدمناه، وكان لأبى عبد الله من الرئاسة ونفوذ الكلمة والغلبة على الأمر كلّه ما ذكرناه «٣» . فلمّا صار الأمر لعبيد الله المهدىّ زالت تلك الرئاسة عن أبى عبد الله وأخيه، فداخله الحسد، فجعل يزرى على عبيد الله عند
стр. 10802
أخيه وأبو عبد الله ينكر ذلك على أخيه، وأبو العبّاس لا يرعوى، ويؤكّد أسباب النّفاق. ثم قال أبو العبّاس لأخيه: لقد ملكت أمرا عظيما وانطاع لك النّاس، فجئت بمن أزالك عنه وأخرجك منه، وكان الواجب عليه ألّا يهتضمك هذا الاهتضام. ولم يزل يغريه بمثل دلك إلى أن أثّر ذلك فيه، وحمله على مشافهة عبيد الله المهدىّ ببغضه، وأشار عليه بتفويض الأمور إليه والانقطاع فى قصره والاحتجاب عن الناس، وقال هذا أهيب لك وأشدّ لامرك. فردّ عليه فى ذلك ردّا لطيفا. وكان قد بلغ المهدىّ ما هو عليه، فحقّقه ولم يره أنّه اطّلع على شىء من ذلك. وعمد أبو العبّاس إلى الدّعاة، وكانوا يعظّمونه لما يرون من تعظيم أخيه أبى عبيد الله له، فجعل يرمز لهم، ثمّ صرّح، وطعن فى عبيد الله، وأدخل فيه الشّبهة. وكلّ ذلك يبلغ عبيد الله فيعرض عنه ويغضى عليه، هذا والشيعىّ فى ذلك مدار لم يبلغ حد النّفاق إلى أن فشا أنّ حال أبى العبّاس قد أنهيت إلى عبيد الله.
وما زال أبو العبّاس يتخيّل إلى أن قال للدّعاة إنّ الإمام هو الّذى ياتى بالآيات والمعجزات ويختم بخاتمه فى البلاط، فأمّا هذا فقد شككنا فيه.
فعند ذلك أرسل هارون بن يونس «١» أحد المشايخ إلى عبيد الله يقول: قد شككنا فى أمرك فأتنا بآية إن كنت المهدىّ كما قلت. فتعاظم ذلك وقال:
ويحكم إنكم كنتم قد أيقنتم والشكّ لا يزيل اليقين، فأبيتم إلّا الإصرار! ثمّ أمر من قتله. فلمّا علم أبو العبّاس والقوم الذين استزلّهم «٢» بقتله جعلوا ذلك سببا لمباينة عبيد الله وأجمعوا على النّقض والإبرام فى دار ابى زاكى ابن معارك، وعزموا على الفتك بعبيد الله. واجتمع كتامة إلّا قليلا منهم؛
стр. 10803
وكان عزوية «١» بن يوسف يأتى بأخبارهم لعبيد الله، فجمع عبيد الله إليه من سلم من النّفاق والعبيد واستعدّ لهم، على كثرتهم وقلّة المبايعين له. فجمعوا له الجموع وأحاطوا بقصره ليوقعوا به، وهو فى ذلك جالس منتصب غير مكترث؛ فقذف الله فى قلوبهم الرّعب على كثرتهم وقلّة من معه، حتّى كانوا يعبرون وقد عزموا على الفتك به، فإذا قابلوه ملأت الهيبة قلوبهم فإذا انصرفوا ندموا على تركه لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا
«٢» .
فنظر عبيد الله فى بعض الأيّام إلى أبى عبيد الله الشيعىّ وقد لبس توبه مقلوبا، ودخل عليه ثلاثة أيّام وهو على تلك الحال، فقال له فى اليوم الثّالث: يا أبا عبد الله؛ ما هذا الأمر الّذى شغلك وأذهلك عن أمر نفسك؟
فقال: وما هو يا مولاى؟ قال: إنّ ثوبك مقلوب عليك منذ ثلاثة أيّام ما اهتديت له، وما أحسبك نزعته. فنظر إليه وقال: والله يا مولاى ما علمت به. فقال: إنّ هذا لشغل عظيم؛ فأين تبيت منذ كذا من اللّيالى؟
فسكت. فقال: ألست تبيت فى دار أبى زاكى قال له: بلى. قال:
وما أخرجك من دارك التى أنزلتك بها؟ قال: يا مولاى خفت. قال:
وما يخاف المرء إلّا من عدوّه، والمؤمن لا يخاف وليّه «٣» . فسكت أبو عبد الله وأيقن أنّ عورته قد بدت لعبيد الله، ووجبت حجّته عليه، وحلّ له قتله.
فانصرف وأعلم القوم بما جرى بينهما، فأمسكوا عن الدّخول إلى عبيد الله وخافوا على أنفسهم منه. ثمّ جاءوه بعد ذلك وأظهروا البراءة مما قيل فيهم،
стр. 10804
واعتذروا؛ فردّ عليهم ردّا جميلا، وأخرج جماعة منهم إلى البلدان، فتفرّقت جماعتهم. وأخرج فيمن أخرج أبا زاكى بن معارك «١» إلى طرابلس، وكان غزوية بن يوسف واليا عليها «٢» ، فلمّا وصل إليه كتب إليه عبيد الله، فقتله وبعث برأسه إليه. وقتل جماعة منهم كذلك فى البلدان بصنوف من القتل.
وخرج أبو عبد الله فى بعض الأيام هو وأخوه أبو العبّاس يريدان قصر عبيد الله على العادة، فحمل غزوية بن يوسف «٣» على أبى عبيد الله، وحمل خير بن ماشيت «٤» على أبى العبّاس. فقال أبو عبد الله لابن غزوية: يا بنىّ لا تفعل. فقال: الّذى أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك. وقتلاهما فيما بين القصرين؛ وذلك فى يوم الاثنين، النّصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين؛ وأمر عبيد الله بدفنهما.
قال: وهذا اليوم هو اليوم الّذى قتل فيه أبو زاكى بطرابلس.
قال: ولما قتل أبو عبد الله وأبو العبّاس ثار جماعة من بنى الأغلب وأصرّوا على النّفاق، وكانوا بالقصر القديم، فأخرجوا منه الكتاميّين وقتلوا جماعة منهم، فأحاط به من حوله من كتامة، فقاتلهم بنو الأغلب، وقتل من
стр. 10805
الطّائفتين قتلى كثير. فبلغ ذلك عبيد الله فردّ كتامة وأنكر عليهم، فتفرّق بنو الأغلب وانصرفوا إلى دورهم، فتركهم عبيد الله ثم قبض عليهم فقتلوا على باب رقّادة؛ ثم تتبّع من بقى منهم فقتلهم. ولمّا استقامت الأمور لعبيد الله [٣٥] عهد إلى ولده أبى القاسم، وخرجت كتبه: من ولىّ عهد المسلمين محمد بن عبيد الله.
ذكر أخبار من خالف على عبيد الله وما كان من أمرهم
قال: وبقيت «١» بقيّة من المنافقين عليه، فساروا «٢» إلى بلد كتامة، فأقاموا غلاما حدثا من جبل أوراس من جهة أورسّه «٣» . وزعموا أنّه المهدىّ، ثمّ نحلوه النّبوّة، وزعموا أنّ الوحى يأتيه، وقالوا: أبو عبد الله حىّ لم يمت؛ وأباحوا الزّناء، وأحلّوا المحارم. وزحفوا إلى ميلة فأخذوها.
فبلغ ذلك عبيد الله «٤» فأخرج إليهم ولىّ العهد فى عسكر فحاصرها مدّة، ثم قاتلوه فهزمهم حتى انتهى بهم إلى البحر، وقتل منهم خلقا كثيرا، وأخذ الغلام الّذى نصبوه فأتى به إلى أبيه، فأمر بقتله، فقتل.
وخالف عليه أهل طرابلس، فأخرج إليهم عسكرا مع أبى يوسف، فحاصرها، ثمّ انصرف عنها ولم يفتحها، فخرج إليها بعد ذلك أبو القاسم، وقد قدّموا على أنفسهم ابن إسحاق القرشى، فكان خروجه يوم الأحد
стр. 10806
لليلتين خلتا من جمادى الأولى سنة ثلاثمائة. فحاصرها وضيّق على من بها حتى أكلوا الجيف، ففتحوا فى آخر شهر رجب من السّنة، فعفا عنهم، لكنّه غرّمهم جميع ما أنفق من مال وغيره، وكانت جملته ثلاثمائة ألف وأربعين ألف دينار، وحمل وجوه رجالهم معه إلى رقّادة رهائن، واستخلف عليها، وانصرف.
ذكر بناء مدينة المهديّة
وفى سنة ثلاثمائة «١» خرج عبيد الله إلى تونس وقرطاجنة وغيرها، يرتاد لنفسه موضعا على ساحل البحر يبتنى به مدينة، فاختار موضع المهديّة، فأمر ببنائها وتحصينها بالسّور وأبواب الحديد المحكم، فجعل فى كلّ مصراع من الحديد مائة قنطار. وكان ابتداء الشّروع فى بنائها فى يوم السّبت لخمس خلون من ذى القعدة «٢» من السنة. وانتقل إليها فى سنة ثمان وثلاثمائة.
قال: ولمّا عزم على الانتقال إليها ثقل ذلك على جنده، فقال: نحن ننتقل إليها وندعكم بمكانكم، وعمّا قليل ستنتقلون. ففعلوا ذلك، فما كان إلّا أن أرسل الله عليهم أمطارا غزيرة، فهدمت مساكنهم، فسألوه النّقلة إليها فأذن لهم.
وفى سنة ثلاث وثلاثمائة خرج ولىّ العهد أبو القاسم إلى الدّيار المصريّة.
стр. 10807
وكان خروجه من رقّادة لستّ بقين من جمادى الآخرة منها «١» ؛ وكان من أمره وأمر حباسة بن يوسف ووصولهما إلى الإسكندرية ما قدّمناه فى الحوادث فيما كان بين الدّولة الطّولونيّة والدّولة الإخشيدية.
ولما وصل حباسة إلى عبيد الله أمر بقتله على ما كان من انهزامه.
ثم خرج أبو القاسم بابنه إلى الديار المصرية. وكان خروجه يوم الاثنين غرّة ذى القعدة، سنة ستّ وثلاثمائة، ووصل إلى الإسكندرية فى شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثمائة، فخرج عنها عامل المقتدر، وملكها أبو القاسم. ثمّ ملك الفيّوم والأشمونين، وغير ذلك. وأقام نحو سنتين. ثمّ وقع الفناء فى عسكره، وماتت خيلهم؛ وجاء مؤنس من بغداد واجتمعت عليه العساكر كما ذكرنا، فعجز عن قتالهم، فرجع إلى أفريقية. وكان وصوله إلى المهديّة لعشر ليال مضين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثمائة.
ذكر خروج أبى القاسم إلى بلاد المغرب [٣٦] وبنائه مدينة المسيلة
قال: وفى سنة خمس عشرة وثلاثمائة خرج أبو القاسم، ولىّ العهد، إلى بلاد المغرب فى عسكر عظيم وكان خروجه من المهديّة فى يوم الخميس لسبع مضين من صفر منها، ففتح مزاته، وهوارة، ومطماطة، ولماية،
стр. 10808
وكل من خالطهم من الصّفّريّة «١» والإباضيّة «٢» وبلغ إلى ما وراء تاهرت «٣» . ولمّا انصرف من سفرته اختط مدينة المسيلة «٤» برمحه، وأمر علىّ بن حمدون الأويسى ببنائها، واستعمله على المحمدية فبناها وحصّنها، وكانت خطّة لبنى كملان فأخرجهم منها، وأمرهم أن يرتفعوا إلى فحص «٥» القيروان، وانتقل الناس إليها وعظم أمرها.
ذكر وفاة عبيد الله المهدىّ وشىء من أخباره
كانت وفاته ليلة الثّلاثاء، النّصف من شهر ربيع الأول «٦» ، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة؛ وهو ابن ثلاث وستّين سنة. وكانت إمارته منذ وصل
стр. 10809
إلى رقّادة إلى يوم وفاته أربعا وعشرين سنة وعشرة أشهر «١» وعشرين يوما.
قال: ولمّا مات كتم ابنه أبو القاسم موته سنة حتى دبّر أمره.
أولاده: أبو القاسم عبد الرحمن، ولىّ عهده وتسمّى بالمغرب محمدا.
أبو علىّ أحمد، مات بمصر للنّصف من ذى القعدة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ودفن بالقصر.
أبو طالب موسى، مات بمصر فى ذى القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ودفن بالقصر.
أبو الحسين عيسى، توفّى برقّادة فى سنة. اثنتين وثمانين وثلاثمائة.
أبو عبد الله الحسين، توفّى بالمغرب فى أيّام القائم.
أبو سليمان داود، توفّى بالمغرب فى أيام القائم.
وكان له سبع بنات، ومن السّرارى أمّهات الأولاد ستّة.
قضاته: أبو جعفر محمّد بن عمر»
المروروزى، مات بعد أن عزل فى سنة ثلاث وثلاثمائة، ثم إسحاق بن المنهال؛ ثمّ محمّد بن محفوظ المصمودى، مات فى المحرم سنة سبع وثلاثمائة؛ ثم محمّد بن عمران النفطى، مات فى سنة عشر وثلاثمائة، ثم إسحاق بن المنهال ثانيا.
стр. 10810
حاجبه: جعفر بن على.
حامل مظلّته: [مسعود الصقلبى، ثم غرس الصقلبى] «١»
ذكر بيعة القائم بأمر الله
هو أبو القاسم محمّد، وقيل أبو العبّاس، ويدعى نزارا، وكان اسمه بالمشرق عبد الرحمن فتسمى محمّد بن عبيد الله المهدىّ، وهو الثّانى من ملوك الدّولة العبيديّة؛ بايع له أبوه بولاية العهد كما تقدّم، ثم جدّدت له البيعة بعد وفاة أبيه بسنة، فإنّه كتم وفاته سنة كاملة، حتّى مهّد قواعد دولته، ثم أظهرها. واستقلّ بالأمر وهو ابن سبع وأربعين سنة، فقام مقام أبيه، واقتفى آثاره، وأظهر عليه من الحزن ما لم يسمع بمثله وواصل الحزن لفقده، ولم يرق «٢» سريرا، ولا ركب دابة منذ أفضى إليه الأمر إلى أن مات إلّا مرّتين، مرّة صلّى على جنازة، ومرّة صلّى بالنّاس العيد. وافتتحت فى أيامه مدائن كثيرة من مدن الروم؛ وثار عليه عدّة ثوّار فتمكّن منهم؛ فكان ممّن ثار عليه ابن طالوت القرشىّ، فسار إلى ناحية طرابلس وزعم للبربر أنّه المهدىّ فقاموا معه واتبعوه، فزحف بهم على مدينة طرابلس فى عدد عظيم، ثم تبيّن للبربر أمره فقتلوه، وأتوا برأسه إلى أبى القاسم.
قال: وأوّل ما بدأ به أنه أمر باتّخاذ أنواع السّلاح فى سائر البلاد،
стр. 10811
وأخرج ميسور «١» الصقلبى فى عدد عظيم إلى المغرب، فانتهى إلى مدينة فاس، وهزم ابن أبى العافية، وأخذ ابنه الثورى أسيرا، وأخرج بعد ذلك يعقوب بن إسحاق على أسطول عظيم إلى بلد الرّوم، فافتتح بلد جنوة.
وكان ممّن خرج عليه أبو زيد مخلّد بن كيداد «٢» ، فى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وهو رجل إباضىّ، يظهر الزّهد، وأنّه إنما قام عليهم غضبا لله. وكان لا يركب غير حمار، ولا يلبس إلّا الصّوف. وكان بينهما وقائع كثيرة، فملك أبو زيد جميع مدن القيروان، ولم يبق للقائم غير المهديّة، فحاصرها أبو زيد إلى أن هلك القائم. وكان بينه وبين ابنه المنصور ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر وفاة القائم بأمر الله [٣٧] وشىء من أخباره
كانت وفاته بالمهديّة فى يوم الأحد الثّالث عشر من شوّال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. ومولده بسلمية التى بالقرب من مدينة حماة من الشّام فى المحرّم سنة ثمانين ومائتين «٣» . وكان عمره أربعا وخمسين سنة وتسعة أشهر، ومدة ملكه ثنتى عشرة سنة وستّة شهور وأيّاما.
أولاده: كان له من الأولاد الذّكور سبعة، وهم: أبو الطاهر إسماعيل قام بالأمر بعده؛ وأبو عبد الله جعفر، توفّى فى أيّام المعزّ؛ وحمزة،
стр. 10812
وعدنان. وأبو كتامة قضوا بالمغرب؛ ويوسف، مات ببرقة سنة اثنتين وستّين وستّمائة؛ وأبو القران عبد الجبار، توفّى بمصر فى سنة سبع وستّين وثلاثمائة، وأربع بنات وسبع سرار.
قضاته: إسحاق بن أبى المنهال إلى أن توفّى؛ ثم أحمد بن بحر إلى أن قتله أبو زيد «١» لمّا فتح إفريقية فى صفر سنة ثلاثين؛ ثم أحمد بن الوليد، ولّته الرّعيّة فأقره.
حاجبه: جعفر بن على حاجب أبيه.
ذكر بيعة المنصور بنصر الله
هو أبو الظّاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله بن عبيد الله المهدىّ، وهو الثالث من ملوكهم. بايع له أبوه القائم بأمر الله فى حياته، وولّاه حرب أبى «٢» زيد؛ وهلك أبوه القائم بأمر الله، فأخفى إسماعيل موته، وناصب أبا زيد حتّى رجع إلى المهديّة، وتوجّه أبو زيد إلى سوسة فحاصرها، فأدركه المنصور إسماعيل فطرده عنها؛ ووالى عليه الهزائم إلى أن أسره فى يوم الأحد لخمس بقين من المحرّم سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة؛ فمات بعد أسره بأربعة أيّام من جراحة كانت به، فأمر المنصور بسلخه، وحشى جلده قطنا وصلبه، وبنى مدينته المسمّاة بالمنصوريّة فى موضع الوقعة، واستوطنها فى سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
стр. 10813
وكان المنصور شجاعا بليغا يرتجل الخطب. حكى المروروذىّ قال:
خرجت مع المنصور يوم هزم أبو زيد، فسايرته وبيده رمحان «١» فسقط أحدهما مرارا وأنا أمسحه وأناوله إيّاه وتفاءلت له بذلك. فأنشدت:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
فقال: ألا قلت ما هو خير من هذا وأصدق وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ* فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ
«٢» .
ذكر وفاة المنصور بنصر الله وشىء من أخباره
كانت وفاته فى يوم الجمعة آخر شوّال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.
وكان سبب وفاته أنّه خرج فى شهر رمضان من السّنة إلى جلولاء «٣» ومعه جاريته قضيب، وكان يحبّها، فجاء مطر عظيم وريح شديدة بجلولاء واشتدّ البرد بها؛ فخرج منها على فرس وقضيب فى غمازيه وهو يريد المنصوريّة، ودام عليه المطر والبرد.
قال أبو الرّقيق: أخبرنى من كان معه، قال: كنّا ننظر إلى العبيد السّودان على الطريق قعودا فنتأمّلهم فنجدهم موتى، وقد جفّوا من البرد. ووصل المنصور إلى قصره آخر النّهار، فدخل الحمّام، فاعتلّ لوقته. وصلّى العيد
стр. 10814
بالنّاس فى مبادئ عّلته، ثم اشتدّت به، فمات فى التّاريخ [المذكور] «١» ، وأوصى ابنه أن يمنع من النّوح عليه.
وكان مولده بالقيروان، فى سنة اثنتين وثلاثمائة، وكان عمره أربعين سنة.
وقال ابن الرّقيق: إنّه ولد برقّادة فى سنة إحدى وثلاثمائة، وكان عمره أربعين سنة تقريبا. ومدّة ملكه سبع سنين وأيّام «٢» .
أولاده الذكور خمسة، وهم: أبو تميم معدّ، وهاشم، وحيدرة، مات بمصر سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وأبو عبد الله الحسين، وأبو جعفر طاهر.
وكان له خمس بنات، وثلاث أمّهات أولاد.
قضاته: أحمد بن محمد بن الوليد، ثم محمد بن أبى المسطور، ثم عبد الله بن هاشم، ثم على بن أبى شعيب، على المنصوريّة. ثم أبو محمد زرارة بن أحمد، ثم أبو حنيفة النّعمان «٣» بن محمّد التّيمى.
حاجبه: جعفر بن على، حاجب أبيه وجدّه.
[٣٨] ذكر بيعة المعزّ لدين الله
هو أبو تميم معدّ بن المنصور بن القائم بن المهدىّ، وهو الرّابع من ملوك الدّولة العبيديّة. وأول من ملك مصر والشّام منهم.
стр. 10815
صار الأمر إليه ببلاد المغرب بعد وفاة أبيه المنصور، فى آخر شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، فدبّر الأمور وأحكمها إلى يوم الأحد السّابع من ذى الحجة من السنة، فجلس على سرير الملك، ودل عليه الخاصّة وكثير من العامّة فسلّموا عليه بالخلافة، وتلقّب بالمعزّ لدين الله. ولم يظهر على أبيه حزنا؛ وكان عمره يوم ولى أربعا وعشرين سنة. وأرسل إلى جميع من بالمهديّة من عمومته وعمومة أبيه، فأتوه وسلّموا عليه بالإمارة، فأخذ عليهم البيعة، ومشوا بين يديه رجّالة، وأرضاهم بالمصلّاة. واستقام له الأمر.
وصلّى بالنّاس عيد الأضحى، ثم صرفهم إلى المهديّة.
ودخل فى طاعته من العصاة من عصى على غيره ممّن كان بجبل أوراس من بنى كملان ومليلة، وهما من قبائل هوّارة.
ثمّ بعث القائد جوهرا فى يوم الخميس لسبع خلون من صفر، سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، فى جيش عظيم إلى المغرب، فسار حتّى بلغ البحر المحيط، فأمر أن يصاد من سمكه، وجعله فى قلّة وجعل فيها الماء، وحملها إلى المعزّ صحبة البريد؛ وجعل فى باطن كتابه من ضريع البحر.
وعاد وفتح فاس يوم الخميس لعشر بقين من شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة؛ واستخلف عليها وعلى سجلماسة وتاهرت وعاد جوهر من المغرب إلى رقّادة يوم الجمعة لاثنتى عشرة [ليلة] «١» بقيت من شعبان.
وفى سنة خمسين «٢» وثلاثمائة، فى النّصف من المحرّم، غلبت الرّوم على
стр. 10816
جزيرة إقريطش «١» ، ففتحوا المدينة وقتلوا من أهلها مائتى ألف رجل وسبوا من النساء والصّبيان مثل ذلك، وحرّقوا المصاحف والمساجد؛ وكانوا قد أتوا فى سبعمائة مركب.
وفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة بعث المعزّ لدين الله عمّاله من برقة إلى سجلماسة، إلى جزيرة صقلّية، وأمرهم أن يكتبوا جميع الأطفال الّذين فى أعمالهم من الخاصّة والعامّة ليختنوا مع أولاده، فبلغوا عدّة لا تحصى. فلمّا كان فى أول يوم من شهر ربيع الأول من هذه السنة ابتدأ بطهور أولاده وأهل بيته وأولاد خاصّته من الكتّاب ورجال الدّولة وغيرهم، وأعطاهم الصّلات والكساوى. قال: وازدحم النّاس فى يوم الاثنين لإحدى عشرة [ليلة] «٢» خلت من شهر ربيع الأول فمات من الرّجال مائة وخمسون نفسا.
وفى سنة خمس وثلاثمائة أمر المعزّ لدين الله بحفر الآبار فى طريق مصر وأن يبنى له فى كلّ موضع يقيم به قصور، فأخذوا فى عمل ذلك، حتّى تمّ، وفى يوم الجمعة لليلة بقيت من جمادى الآخرة، سنة سبع وخمسين، وردت النّجب من مصر بوفاة كافور الإخشيدى، وكانت وفاته لعشر بقين من جمادى الأولى. كما تقدم.
стр. 10817
ذكر خبر إرسال القائد جوهر الكاتب بالعساكر إلى الدّيار المصريّة
وفى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة قدم القائد جوهر من المغرب بعسكر عظيم من كتامة والجند والبربر؛ فأمره المعزّ بالاستعداد والخروج إلى مصر. فأقام بقصر الماء بالقرب من المنصوريّة ليجتمع إليه الحشود؛ وفتح المعز بيت المال ووضع العطاء. وحشد من إفريقية من الكتاميين والزويليين والجند والبربر، وأعطى من مائة دينار إلى عشرين دينارا حتى عمّهم بالعطاء، وتصرفوا فى القيروان وصبره فى ابتياع ما يحتاجون إليه، ثم أمر المعزّ بالرّحيل، فرحل فى يوم السّبت لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول منها. وفارقه خمسمائة فارس من البربر، فجرّد خلفهم عدّة من الوجوه فلم يرجعوا؛ فقال المعز: الله أكرم أن ينصرنا بالبربر، ثم سار جوهر بجميع من معه من العساكر، ومعه ألف حمل من المال، ومن السلاح والعدد والكراع ما لا يوصف، وأغذّ السير حتى أقبل على الدّيار المصرية.
[٣٩] ذكر خبر وصول جوهر القائد بالعساكر إلى الدّيار المصرية وما كان بينه وبين الإخشيدية والكافورية من المراسلة فى طلب الآمان وتقريره الصّلح ونكثهم وقتاله إياهم إلى أن ملك الدّيار المصرية واختط القاهرة .
стр. 10818
قال ابن جلب «١» راغب فى تاريخ مصر: وفى جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وردت الأخبار إلى مصر بقدوم القائد جوهر، فاضطرب المصريون لذلك اضطرابا شديدا، ووقع اتّفاق أرباب الدّولة بحضرة الوزير جعفر بن الفضل على مراسلته فى الصّلح وطلب الأمان، وإقرار ضياعهم وأعمالهم فى إيديهم. فراسلوه فى ذلك واشترط نحرير سويران «٢» ألّا يجتمع مع القائد جوهر، وأن يكون له الأشمونين إقطاعا، وتقلّد مكّة والمدينة، ويتوجّه فيقيم بالحجاز، وسألوا الشّريف أبا جعفر مسلم الحسنى فى المسير برسالتهم إلى جوهر، فأجابهم، وشرط أن يكون معه جماعة من الأعيان، فجهّزوا معه أبا إسماعيل إبراهيم بن أحمد الزّينبى، وأبا الطّيب العباس بن أحمد العبّاسى والقاضى أبا طاهر، وغيرهم. وكتب الوزير كتابا بما يريد.
وسار أبو جعفر بمن معه فى يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب من السّنة، وقيل لليلة بقيت منه، فلقى القائد جوهرا قد نزل بتروجه فاجتمعوا به فبالغ القائد فى إكرام الشّريف، وأدى الشّريف إليه الرسالة وأعطاه كتب الجماعة، وعرّفه ما التمسوه، فأجابهم إلى ذلك، وكتب كتابا بالأمان نسخته.
«بسم الله الرّحمن الرّحيم. هذا كتاب من جوهر الكاتب، عبد أمير
стр. 10819
المؤمنين المعزّ لدين الله صلوات الله عليه، لجماعة أهل مصر من السّاكنين بها وبغيرها «١» .
إنّه قد ورد من سألتموه الترسّل إلىّ والاجتماع معى، وهم «٢» : أبو جعفر الشّريف أطال الله بقاءه، وأبو طاهر إسماعيل الرئيس «٣» ، أيّده الله، وأبو الطيب الهاشمىّ، أيّده الله، والقاضى أبو طاهر «٤» أعزه الله، وأبو جعفر أحمد بن نصر أعزه الله.
فذكروا عنكم أنّكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم فى أنفسكم وأموالكم، وبلادكم ونعمكم «٥» وجميع أحوالكم؛ فعرّفتهم ما تقدّم به أمر مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، من نصره لكم «٦» .
لتحمدوا الله «٧» تعالى على ما أولاكم وتحمدوه على ما حباكم «٨» ، ولتدأبوا «٩» فيما يلزمكم، وتسارعوا للطّاعة «١٠» العاصمة لكم، العائدة بالسّعادة عليكم، المقضية بالسلامة لكم «١١» ، وهو أنّه صلوات الله عليه،
стр. 10820
لم يكن إخراجه هذه العساكر»
المنصورة، والجيوش المظفّرة، إلا لما فيه إعزازكم وحمايتكم، والجهاد عنكم؛ إذ قد تخطفتكم «٢» الأيدى، واستطال عليكم المشرك «٣» ، وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلادكم «٤» [فى هذه السنة، والتغلب عليه، وأسر من فيه] «٥» والاحتواء «٦» على نعمكم وأموالكم، حسب ما فعله فى غيركم من أهل بلدان المشرق، وتأكّد عزمه واشتدّ كلبه، فعاجله مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، بإخراج العساكر المنصورة وبادره بإنفاذ الجيوش المظفّرة لتقاتله «٧» دونكم، وتجاهده «٨» عنكم وعن كافّة المسّلمين ببلد المشرق، الّذين عمّهم الخزى، وعلتهم «٩» الذّلّة، واكتنفتهم المصائب، وتتابعت لديهم «١٠»
الرّرايا، واتّصل عندهم الخوف، وكثرت استغاثتهم، وعظم ضجيجهم، وعلا صياحهم «١١» ، ولم يغثهم «١٢» إلّا من أرمضه «١٣» حالهم، وأبكى عنه ما نالهم، وأسهره «١٤» ما حلّ بهم، وهو مولانا وسيّدنا [فرجا بفضل الله،
следующие страницы →