← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.

стр. 10816

جزيرة إقريطش «١» ، ففتحوا المدينة وقتلوا من أهلها مائتى ألف رجل وسبوا من النساء والصّبيان مثل ذلك، وحرّقوا المصاحف والمساجد؛ وكانوا قد أتوا فى سبعمائة مركب. وفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة بعث المعزّ لدين الله عمّاله من برقة إلى سجلماسة، إلى جزيرة صقلّية، وأمرهم أن يكتبوا جميع الأطفال الّذين فى أعمالهم من الخاصّة والعامّة ليختنوا مع أولاده، فبلغوا عدّة لا تحصى. فلمّا كان فى أول يوم من شهر ربيع الأول من هذه السنة ابتدأ بطهور أولاده وأهل بيته وأولاد خاصّته من الكتّاب ورجال الدّولة وغيرهم، وأعطاهم الصّلات والكساوى. قال: وازدحم النّاس فى يوم الاثنين لإحدى عشرة [ليلة] «٢» خلت من شهر ربيع الأول فمات من الرّجال مائة وخمسون نفسا. وفى سنة خمس وثلاثمائة أمر المعزّ لدين الله بحفر الآبار فى طريق مصر وأن يبنى له فى كلّ موضع يقيم به قصور، فأخذوا فى عمل ذلك، حتّى تمّ، وفى يوم الجمعة لليلة بقيت من جمادى الآخرة، سنة سبع وخمسين، وردت النّجب من مصر بوفاة كافور الإخشيدى، وكانت وفاته لعشر بقين من جمادى الأولى. كما تقدم.

стр. 10817

ذكر خبر إرسال القائد جوهر الكاتب بالعساكر إلى الدّيار المصريّة وفى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة قدم القائد جوهر من المغرب بعسكر عظيم من كتامة والجند والبربر؛ فأمره المعزّ بالاستعداد والخروج إلى مصر. فأقام بقصر الماء بالقرب من المنصوريّة ليجتمع إليه الحشود؛ وفتح المعز بيت المال ووضع العطاء. وحشد من إفريقية من الكتاميين والزويليين والجند والبربر، وأعطى من مائة دينار إلى عشرين دينارا حتى عمّهم بالعطاء، وتصرفوا فى القيروان وصبره فى ابتياع ما يحتاجون إليه، ثم أمر المعزّ بالرّحيل، فرحل فى يوم السّبت لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول منها. وفارقه خمسمائة فارس من البربر، فجرّد خلفهم عدّة من الوجوه فلم يرجعوا؛ فقال المعز: الله أكرم أن ينصرنا بالبربر، ثم سار جوهر بجميع من معه من العساكر، ومعه ألف حمل من المال، ومن السلاح والعدد والكراع ما لا يوصف، وأغذّ السير حتى أقبل على الدّيار المصرية. [٣٩] ذكر خبر وصول جوهر القائد بالعساكر إلى الدّيار المصرية وما كان بينه وبين الإخشيدية والكافورية من المراسلة فى طلب الآمان وتقريره الصّلح ونكثهم وقتاله إياهم إلى أن ملك الدّيار المصرية واختط القاهرة .

стр. 10818

قال ابن جلب «١» راغب فى تاريخ مصر: وفى جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وردت الأخبار إلى مصر بقدوم القائد جوهر، فاضطرب المصريون لذلك اضطرابا شديدا، ووقع اتّفاق أرباب الدّولة بحضرة الوزير جعفر بن الفضل على مراسلته فى الصّلح وطلب الأمان، وإقرار ضياعهم وأعمالهم فى إيديهم. فراسلوه فى ذلك واشترط نحرير سويران «٢» ألّا يجتمع مع القائد جوهر، وأن يكون له الأشمونين إقطاعا، وتقلّد مكّة والمدينة، ويتوجّه فيقيم بالحجاز، وسألوا الشّريف أبا جعفر مسلم الحسنى فى المسير برسالتهم إلى جوهر، فأجابهم، وشرط أن يكون معه جماعة من الأعيان، فجهّزوا معه أبا إسماعيل إبراهيم بن أحمد الزّينبى، وأبا الطّيب العباس بن أحمد العبّاسى والقاضى أبا طاهر، وغيرهم. وكتب الوزير كتابا بما يريد. وسار أبو جعفر بمن معه فى يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب من السّنة، وقيل لليلة بقيت منه، فلقى القائد جوهرا قد نزل بتروجه فاجتمعوا به فبالغ القائد فى إكرام الشّريف، وأدى الشّريف إليه الرسالة وأعطاه كتب الجماعة، وعرّفه ما التمسوه، فأجابهم إلى ذلك، وكتب كتابا بالأمان نسخته. «بسم الله الرّحمن الرّحيم. هذا كتاب من جوهر الكاتب، عبد أمير

стр. 10819

المؤمنين المعزّ لدين الله صلوات الله عليه، لجماعة أهل مصر من السّاكنين بها وبغيرها «١» . إنّه قد ورد من سألتموه الترسّل إلىّ والاجتماع معى، وهم «٢» : أبو جعفر الشّريف أطال الله بقاءه، وأبو طاهر إسماعيل الرئيس «٣» ، أيّده الله، وأبو الطيب الهاشمىّ، أيّده الله، والقاضى أبو طاهر «٤» أعزه الله، وأبو جعفر أحمد بن نصر أعزه الله. فذكروا عنكم أنّكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم فى أنفسكم وأموالكم، وبلادكم ونعمكم «٥» وجميع أحوالكم؛ فعرّفتهم ما تقدّم به أمر مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، من نصره لكم «٦» . لتحمدوا الله «٧» تعالى على ما أولاكم وتحمدوه على ما حباكم «٨» ، ولتدأبوا «٩» فيما يلزمكم، وتسارعوا للطّاعة «١٠» العاصمة لكم، العائدة بالسّعادة عليكم، المقضية بالسلامة لكم «١١» ، وهو أنّه صلوات الله عليه،

стр. 10820

لم يكن إخراجه هذه العساكر» المنصورة، والجيوش المظفّرة، إلا لما فيه إعزازكم وحمايتكم، والجهاد عنكم؛ إذ قد تخطفتكم «٢» الأيدى، واستطال عليكم المشرك «٣» ، وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلادكم «٤» [فى هذه السنة، والتغلب عليه، وأسر من فيه] «٥» والاحتواء «٦» على نعمكم وأموالكم، حسب ما فعله فى غيركم من أهل بلدان المشرق، وتأكّد عزمه واشتدّ كلبه، فعاجله مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، بإخراج العساكر المنصورة وبادره بإنفاذ الجيوش المظفّرة لتقاتله «٧» دونكم، وتجاهده «٨» عنكم وعن كافّة المسّلمين ببلد المشرق، الّذين عمّهم الخزى، وعلتهم «٩» الذّلّة، واكتنفتهم المصائب، وتتابعت لديهم «١٠» الرّرايا، واتّصل عندهم الخوف، وكثرت استغاثتهم، وعظم ضجيجهم، وعلا صياحهم «١١» ، ولم يغثهم «١٢» إلّا من أرمضه «١٣» حالهم، وأبكى عنه ما نالهم، وأسهره «١٤» ما حلّ بهم، وهو مولانا وسيّدنا [فرجا بفضل الله،

стр. 10821

وإحسانه لديه، وما عوّده وأرجاه عليه، استنقاذ من أصبح منهم فى ذلّ مقيم، وعذاب أليم] «١» أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، وأن يؤمّن من استولى عليه المهل «٢» ويفرخ روع من لم يزل فى خوف ووجل. وآثر إقامة الحجّ الذى تعطّل، وأهمل العباد فروضه وحقوقه، للخوف «٣» المستولى عليهم، و [إذ] «٤» لا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم، [و] «٥» إذ قد وقع «٦» بهم مرّة بعد أخرى، فسفكت دماؤهم. وأطال جوهر فى كتابه «٧» ، وحضّهم على الطّاعة؛ وأشهد عليه الشّهود فيه، وخلع على الجماعة، وحملهم. قال: ولما توجّه الشريف ومن معه إلى القائد جوهر، اضطرب بعده البلد اضطرابا شديدا، وأخذت الإخشيديّة والكافوريّة فى إخراج مضاربهم، وقام رجل من أهل بغداد، بعرف بابن شعبان، يوم الجمعة فى المسجد قبل الصّلاة فقال: أيها النّاس قد أظلّكم من أخرب فارس وسبى أهلها، وذكر ما حلّ بأهل بلاد المغرب منه، وقال: القوا الرّجل القليل المعرفة، يعنى الوزير جعفر ابن حنزابة، فإنّه قد شرع فى إتلاف بلدكم وسفك دمائكم بمراسلة هذا الرّجل، يعنى القائد جوهرا، فسمع النّاس كلامه،

стр. 10822

ورجعوا عما سألوه من الأمان. وبلغ الشّريف ومن معه انتقاض الإخشيديّة والكافوريّة، وعزمهم على القتال، فكتموه عن القائد جوهر خوفا أن يعتقلهم، وبادروا [٤٠] بالعود وساروا. فبلغ القائد ذلك بعد رحيلهم، فردّهم، وقال: قد بلغنى أنّ القوم قد نقضوا ورجعوا، فردّوا علىّ خطّى فرفقوا به وداروه، وقالوا: إذا يظفرك الله وينصرك. فقال للقاضى: ما تقول فيمن أراد [أن] «١» يشقّ مدينة مصر فيجعلها طريقا لجهاد المشركين والحجّ إلى بيت الله الحرام؟ فمنعوه، من الجواز له أن يقابلهم. فقال: نعم، اكتب خطّك بذلك «٢» . ثم سار الشريف ومن معه إلى مصر فوصلوها لسبع خلون من شعبان، فركب الوزير والنّاس إليهم، واجتمع الإخشيديّة والكافوريّة وغيرهم، فقرأ عليهم السّجل الذى كتبه القائد، وأوصل إلى كلّ واحد جواب كتابه بما أراد من الأمان والولاية والإقطاع. فلما قرءوا الكتب خاطبوا الشّريف بخطاب طويل؛ فقال نحرير ما بيننا وبينه إلّا السيف فقدّموا عليهم نحرير سويران، وعبأوا عساكرهم، وعدوّا إلى الجيزة والجزيرة، وحفظوا الجسور. ووصل جوهر، وابتدأ القتال بينهم فى حادى عشر شعبان. ثمّ مضى القائد جوهر بعد ذلك إلى منية الصّيادين «٣» ، وأخذ المخاضة بمنية شلقان واستأمن إليه جماعة من أهل مصر وغلمانهم فى مراكب، ووقع القتال،

стр. 10823

وزحف جعفر بن فلاح، بالرجال، وقاتل عساكر مصر، ووقع القتل فى الإخشيديّة والكافوريّة فانهزموا ليلا ودخلوا مصر وأخذوا ما فى دورهم، وساروا إلى الشّام. قال: ولما انهزم ركب الناس إلى دار الشّريف أبى «١» جعفر مسلم وسألوه كتابا إلى القائد جوهر بإعادة الأمان عليهم؛ فكتب كتابا إليه يهنئه بالفتح، وسأله إعادة الأمان للمصريّين؛ فكتب القائد أمانا وبعثه إلى الشّريف، فقرأه على النّاس، وهو: «بسم الله الرّحمن الرّحيم. وصل كتاب الشّريف، أطال الله بقاءه وأدام عزّه وتأييده وتمكينه «٢» ، يهنّئ بما هيأه الله «٣» من الفتح المبارك «٤» ، «وهو، أيّده الله، المهنأ بذلك لأنها دولته ودولة أهله، وهو المخصوص بذلك» «٥» وأمّا ما سأل من الأمان وإعادة الأمان الأول، فقد أعيد إليه ما طلب، وجعلت إليه عن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، أن يؤمّن النّاس كيف شاء بما شاء «٦» . وقد كتبت إلى الوزير، أيده الله، بالاحتياط على بيوت «٧» الهاربين إلى أن يدخلوا فى الطّاعة، وما دخلت فيه

стр. 10824

الجماعة «١» ، ويعمل الشّريف أيّده الله، على لقائى فى يوم الأحد لأربع عشرة ليلة تخلو من شعبان» بجماعة الأشراف والعلماء والثناء، وأهل البلدان إن شاء الله تعالى» . فقرأ الشريف الكتاب على الناس وسكّنهم وهدّأهم، ففتحوا البلد، وأخذ النّاس فى التجهّز إلى لقاء القائد جوهر، وقتل نحرير وميسر وبلال ويمن الطويل. وجىء برءوسهم إلى القائد. قال: وخرج النّاس إلى الجيزة والتقوا القائد، فنادى مناد ينزل النّاس كلّهم إلا الشّريف والوزير، ففعلوا ذلك، وسلّموا عليه واحدا واحدا، وأبو جعفر أحمد بن نصر يعرّفه بالنّاس، والشّريف أبو جعفر مسلم عن يمينه، وأبو الفضل الوزير عن يساره. فلمّا فرغ السّلام انصرف النّاس، وابتدأ العسكر فى الدّخول منذ زوال الشّمس. فعبروا الجسر بالدّروع والجواشن «٣» ، ودخل القائد جوهر إلى المدينة بعد العصر من يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شعبان، سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، والبنود «٤» والطّبول بين يديه، ونزل الموضع الذى اختطّ فيه القاهرة واختط القصر.

стр. 10825

وأصبح المصريّون حضروا إليه للهناء، فوجدوه قد حفر أساس القصر فى تلك اللّيلة. قال: ولم يكن فى المكان عمارة ألبتّة إلّا بستان كافور. ولم يزل هذا البستان على حالته إلى سنة خمس وأربعين وستمائة فعمر مكانه مساكن وهو الخطّ الذى يعرف الآن بالكافورىّ «١» . قال صاحب كتاب خطط «٢» مصر: لمّا دخل جوهر القائد واختطّ القاهرة قرّر كلّ جانب منها على أمير من أمراء عسكره وأرصده لبناء تلك «٣» الحارة حسبما أمره المعزّ لدين الله فسميت كلّ حارة باسم مقدّمها أو الطّائفة التى نزلت بها. وابتدأ بالعمارة فى شهر رمضان من السنة «٤» . قال المؤرخ: ودخل القائد جوهر مصر، وبين يديه ألف ومائتا صندوق مالا «٥» ، وأقام عسكره يدخل سبعة أيّام. وبعث إلى مولاه المعزّ لدين الله يبشّره بالفتح. قال: ولما دخل القائد مصر كان الغلاء بها، فنادى مناديه: من عنده قمح فليخرجه. وفرّق الصّدقات على النّاس، وأقرّ أبا الفضل على الوزارة،

стр. 10826

وجهّز جعفر «١» بن فلاح إلى الشّام. ذكر إقامة الخطبة، وضرب السكة بمصر، [٤١] للمعزّ لدين الله وما قيل فى الدعاء له على المنبر، وما نقش على السّكة وفى يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان من السّنة ركب القائد جوهر إلى المسجد الجامع العتيق «٢» لصلاة الجمعة، ولإقامة الدّعوة. فى عسكر كثير. وخطب هبة الله بن أحمد خليفة عبد السميع بن عمير العبّاسى، لغيبة عبد السميع. فخطب وعليه البياض، ودعا للمعزّ لدين الله. وقال فى دعائه فى الخطبة الثّانية: اللهم صلّ على عبدك ووليّك، ثمرة النّبوّة، وسليل العترة الهادية المهديّة، عبد الله الإمام معدّ أبى تميم المعزّ لدين الله، أمير المؤمنين، كما صلّيت على آبائه الطاهرين وأسلافه المنتخبين «٣» ، الأئمة الراشدين. اللهم ارفع درجته، وأعل كلمته، وأوضح حجّته، واجمع الأمّة على طاعته، والقلوب على موالاته [وصحبته] «٤» ، واجعل الرّشاد فى موافقته، وورثّه مشارق الأرض ومغاربها، وأحمده مبادئ الأمور وعواقبها، فإنك تقول وقولك

стр. 10827

الحق وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ «١» فلقد امتعض «٢» لدينك، ولما انتهك من حرمتك «٣» ، ودرس من الجهاد فى سبيلك، وانقطع من الحجّ إلى بيتك، وزيارة قبر رسولك صلى الله عليه [وسلم] «٤» وأعدّ للجهاد «٥» عدّته، وأخذ لكل خطب أهبته فسيّر الجيوش لنصرك «٦» ، وأنفق الأموال فى طاعتك، وبذل المجهود فى رضاك، فارتدع الجاهل، وقصر المتطاول، وظهر الحقّ وزهق الباطل. فانصر اللهم جيوشه التى سيّرها، وسراياه التى انتدبها لقتال المشركين [وجهاد الملحدين، والذب عن المسلمين، وعمارة الثغور والحرم] «٧» وإزالة الظّلم والتّهم «٨» ، وبسط العدل فى الأمم. اللهم اجعل راياته عالية منشورة «٩» ، وعساكره مؤيّدة منصورة «١٠» ، وأصلح به وعلى يديه، واجعل لنا منه واقية عليه. وضربت السّكة على الدّنانير، وكان على الوجه الواحد لا إله إلّا الله محمّد رسول الله، علىّ خير الوصيّين، ووزير خير المرسلين، محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره

стр. 10828

المشركون «١» . وعلى الوجه الآخر دعاء الإمام معدّ، لتوحيد «٢» الإله الضّمد، المعزّ لدين الله، أمير المؤمنين. ضرب بمصر فى سنة ثمان وخمسين [وثلاثمائة] «٣» . قال: وأشرك القائد جوهر فى الدّواوين المصريّين والمغاربة، فجعل فى كلّ مكان مصريّا ومغربيّا. وفى ذى الحجّة من السنة تكامل بمصر من الإخشيدية وقوّادهم خمسة آلاف فارس استأمنوا للقائد جوهر، وفيهم أربعة عشر رئيسا فأمّنهم، ثم قبض عليهم واعتقلهم، ثم سيّرهم إلى المعزّ بإفريقية. وفى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، فى يوم الجمعة لثمان خلون من شهر ربيع الآخر «٤» ، صلّى القائد جوهر فى جامع ابن طولون وأذّن «حىّ على خير العمل» ، وهو أوّل ما أذّن به بمصر، ثم أذّن بذلك بالجامع العتيق بمصر فى الجمعة الثانية.

стр. 10829

ذكر خروج تبر الإخشيدى والقبض عليه وفى شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ثار تبر الإخشيدى «١» بناحية أسفل الأرض، ودعا للخليفة المطيع لله، وكتب اسمه على البنود، فراسله جوهر، فلم يقبل؛ وكان معه أبو القاسم العلوى الأقطينى. فأنفذ القائد جوهر العساكر لقتاله برّا وبحرا، وكان قد كبس صهرجت «٢» ونهبها، فأمر القائد بنهب دوره بمصر. وقبض على صهره فأغار تبر، ونهب ضياعا. فوافته العساكر بصهرجت، فانهزم إلى تنّيس، وركب البحر الملح يريد الشام، ثم إلى الروم، فأنفذ القائد جوهر أسطولا خلفه. فلما بلغ صور «٣» دخل بها الحمّام، فقبض عليه وجماعة من أتباعه وغلمانه، وذلك فى شهر رمضان منها، وحمل إلى مصر، فقدمها لأربع عشرة ليلة خلت من شوال، فأدخل على فيل وبين يديه رجل وخلفه رجل، وغلامه عجيب على جمل خلفه، ومعه قرد، وخلفه غلامه سرور على جمل، وجماعه على جمل منكّسى الرؤوس، ثم اعتقلوا واستصفى القائد أمواله وودائعه، وطولب بالأموال، فلما اشتد عليه الطلب جرح نفسه فمات بعد أيام فسلخ جلده وحشى تبنا وصلب جلده، وضرب شلوه «٤» .

стр. 10830

ذكر فتوح الشام [٤٢] قد ذكرنا أن القائد جوهرا جهّز جعفر بن فلاح إلى الشام بالعساكر فى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فسار جعفر ولقى الحسن بن عبد الله بن طغج بالرّملة، وهو يومئذ صاحب الشام، فهزمه جعفر بن فلاح وأسره، وبعث به إلى مصر، ثمّ سار إلى دمشق فملكها فى سنة تسع وخمسين بعد حرب شديدة. فكتب إلى القائد جوهر بالفتح، واستأذنه فى المسير إلى غزو أنطاكية «١» ، فأذن له القائد فسار نحوها فى نحو عشرين ألف فارس. فأقام مدة وكثرت جموعه وعساكره وانبسطت يده، ودانت له البلاد، فحاصر أنطاكية مدة إلى أن اتّصل به مسير مدد الرّوم إليها، فعاد عنها إلى دمشق «٢»

стр. 10831

ذكر مقتل جعفر بن فلاح واستيلاء القرامطة على دمشق وفى سنة ستين وثلاثمائة «١» وصل الحسن «٢» الأعصم القرمطىّ إلى دمشق. وقيل إنه إنّما قدم بأمر الخليفة المطيع فخرج إليه جعفر بن فلاح وقاتله، وكان عليلا فقتل وانهزم أصحابه ونصب رأسه على دمشق. وملك القرمطىّ دمشق والشام، وسار إلى الرّملة فانحاز عنه سعادة بن حيان «٣» إلى يافا وتحصن بها، فسار إليه وحاربه، ثم سار يريد مصر، فتأهب القائد جوهر لذلك، وحفر خندقا «٤» ، وبنى عليه بابا كبيرا، وركّب عليه الباب الحديد الذى كان على الميدان الإخشيدى، وبنى عليه بابين آخرين، وبنى القنطرة على الخليج، وجعلها ممرّا لمن يريد المقس «٥» .

стр. 10832

وكاد القرمطى يأخذ القاهرة، ثمّ رجع عنها بغير سبب عليم «١» ، وكبس الفرما، ثم قاطع أهلها على مال فحملوه إليه، وأخذ عاملها عبد الله بن يوسف، وقيل إنّه كان معه خمسة عشر ألف بغل تحمل صناديق الأموال وأوانى الذهب والفضّة والسّلاح، سوى ما تحمل المضارب والخيام والأثقال «٢» . وفى سنة ستّين وثلاثمائة أيضا بنى جوهر سورا على القصور التى بناها فى سنة ثمان وخمسين وجعلها بلدا وسماها المنصورية، ولما استقرّ المعزّ سمّاها القاهرة. وفى سنة إحدى وستّين وستمائة، فى المحرّم، كبس ياروق الفرما وأخرج منها ابن العمر القرمطىّ، وأرسل إلى مصر رؤوسا وأعلاما وغير ذلك. وفى هذا الشّهر عصى أهل تنيس وغيّروا الدّعوة، ودعوا للمطيع والقرامطة، وحاربوا ياروق. وفى صفر وصل ياروق منهزما من القرامطة وهم فى إثره، وأقبلت عساكر القرامطة حتى بلغوا عين شمس واستعدّ القائد [جوهر] «٣» للقائهم، وأغلق الأبواب التى بناها. وفى مستهلّ ربيع الأول جاءت مقدّمة القرامطة ووقفوا على الخندق،

стр. 10833

فقاتلهم القائد، واشتدّ القتال، وقتل من الفريقين قتلى كثيرة، وأصبح النّاس متكافئين للقتال. وسار الأعصم القرمطىّ بجميع عسكره، ووقع القتال على الخندق والباب مغلق، وعمل القائد جوهر الحيلة فانهزم عن القرمطىّ، ودام القتال إلى الزّوال، ثم فتح القائد الباب وانتصب للقتال، وخرجت العبيد والمغاربة إلى القرامطة. واشتدّ القتال واضطرب النّاس فى المدينة وكثرت القتلى من الفريقين. وانهزم الأعصم القرمطى، وأراد المغاربة اتّباعه فمنعهم «١» القائد جوهر لدخول اللّيل، وخشية من مكيدة أو كمين. ونهبت صناديق القرمطىّ ودفاتره، وفارق القرمطىّ من كان معه من الإخشيدية والعرب. قيل: وهذه أوّل هزيمة كانت للقرامطة «٢» . ثم وصل بعد الكسرة بيومين أبو محمد الحسن بن عمّار بمدد معه من جهة المعزّ، وهرب القرمطىّ الذى كان بتنّيس وعادت الدّعوة المعزّية بها. وفى شهر ربيع الآخر قبض القائد على أربعمائة وأربعين رجلا من الإخشيديّة والكافوريّة وقيّدهم وحبسهم. وفى شعبان منها ورد على القائد جوهر رسول من ملك الرّوم «٣» برسالته وهديته.

стр. 10834

وفى شهر رمضان لسبع خلون منه كمل بناء الجامع بالقاهرة، وجمعت فيه الجمعة. وفى شوّال منها ابتدأ القائد جوهر يحفر الخندق الذى كان عبد الرحمن ابن جحدم «١» ، خليفة عبد الله بن الزبير، حفره قبلىّ «٢» مصر، ثم شقّ الخندق حتى بلغ قبر الإمام الشّافعى ﵀، فعدل به عنه، ثم شقّه مشرّقا إلى الجبل على المقابر، أراد بذلك أن يحفظ طريق الحج من ناحية القلزم. وفى ذى القعدة منها خرج أبو محمد الحسن بن عمّار إلى تنّيس، فسار إليه أسطول القرامطة فواقعه وأسر منه سبع مراكب، وسيّرها إلى مصر ومعها خمسمائة رجل منهم «٣» . ذكر خروج المعز لدين الله من بلاد الغرب إلى الديار المصرية [٤٣] وما رتّبه ببلاد المغرب قبل مسيره وفى يوم الاثنين لثمان بقين من شوّال سنة إحدى وستّين وثلاثمائة، رحل

стр. 10835

المعزّ لدين الله من المنصورية إلى سردانية «١» ومعه يوسف بن زيرى «٢» بن مناد فسلّم إليه إفريقية وأعمالها وسائر أعمال المغرب، وذلك فى يوم الأربعاء لسبع بقين من ذى الحجة منها، وأمر الناس بالسّمع والطّاعة له، وفوّض إليه أمور البلاد كلّها إلّا بلاد جزيرة صقليّة وطرابلس. وأقام المعز بسردانية أربعة أشهر، ورحل منها لخمس خلون من صفر سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وسار حتى أتى قابس، ثم وصل إلى طرابلس فأقام بها أيّاما، ورحل منها فى يوم السّبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر منها، وسار فوصل إلى الإسكندرية فى يوم الجمعة لستّ خلون من «٣» شعبان، ونزل تحت المنار، وأنزل النّاس حولها، وأتاه أهلها فسلّموا عليه، ووافى يوم الأحد أبو طاهر «٤» قاضى مصر، ومعه العدول وقدم أبو عبد الرحمن بن أبى الأعز فى بنى عمّه وغيرهم من العرب، فركب لهم المعزّ فسلّموا عليه وانصرفوا. ثم رحل من الإسكندرية يوم الاثنين لثلاث بقين من شعبان. فلما

стр. 10836

كان يوم السّبت لليلتين خلتا من شهر رمضان نزل المنية بساحل مصر، وهى بولاق، فأقام بها إلى يوم الاثنين؛ وخرج إليه الشريف أبو جعفر مسلم الحسنى قبل وصوله فى جماعة الأشراف ووجوه البلد، فرأى المعزّ وهو سائر والمظلّة على رأسه، فنادى مناد: يتقدم الشّريف أوّل الناس، فقتدّم وسلّم على المعز. ثم تقدّم النّاس كلّهم وسلّموا عليه واحدا بعد واحد حتى فرغوا، وهو واقف على دابّته؛ ثم سار والشريف يحادثه. قال: وأخذ الناس فى التّعدية بعيالاتهم وأثقالهم فى هذه الأيام إلى ساحل مصر، وتفرق النّاس فى الدّور بمصر والقاهرة، وأكثرهم فى المضارب فيما «١» بين القاهرة ومصر. ثم عبر المعزّ لدين الله إلى القاهرة يوم الثلاثاء لخمس خلون «٢» من شهر رمضان، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، ولم يدخل إلى مصر ودخل إلى قصره. فلما انتهى إلى الإيوان الكبير خرّ ساجدا لله تعالى، وجلس على سرير الجوهر «٣» الذى صنعه له القائد جوهر، وقبل الهناء، ومدحه الشعراء. قال: وكان تلقّى القائد جوهر له عند جوازه من الجسر الثّانى، فكانت مدّة تدبير جوهر الديار المصرية إلى أن قدم المعز، أربع سنين وعشرين يوما.

стр. 10837

وحكى بعض المؤرخين أنّه لما وصل المعزّ وخرج الأشراف للقائه، قال له أبو [محمد] «١» عبد الله بن أحمد بن طباطبا الحسينى، من بينهم يا مولانا، إلى من تنتسب؟ فقال المعزّ: سنقعد لكم ونجمعكم ونسرد عليكم نسبنا. فلما استقرّ فى قصره جمع النّاس فى مجلس عامّ وقال: هل بقى من جماعتكم أحد؟ فقالوا: لم يبق منا معتبر فجرّد عند ذلك سيفه إلى نصفه وقال هذا نسبى وفرّق المال وقال: هذا حسبى. فقالوا: سمعنا وأطعنا. وكان الخليق بما قيل: جلوا صارما وتلوا باطلا ... وقالوا: صدقنا؟ فقلنا: نعم! وقال ابن جلب راغلب فى تاريخه: إنّ المعزّ لمّا قدم صعد المنبر وخطب خطبة بليغة، وذكر نسبه إلى علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، فكتب إليه بعض المصريين ورقة ولصقها بالمنبر فيها: إنّا سمعنا نسبا منكرا ... يتلى على المنبر فى الجامع إن كنت فيما تدّعى «٢» صادقا ... فاذكر أبا بعد الأب الرّابع

стр. 10838

أو فدع «١» الأنساب مستورة ... وادخل بنا فى النّسب الواسع أو كنت فيما تدّعى صادقا ... فانسب لنا نفسك كالطّائع «٢» قال: وكان يتظاهر بذكر الماجريات قبل وقوعها لاطلاعه على علم النّجامة ولكتب كاتب عنده يستدلّ، فكتب إليه بعض المصريين ورقة وطرحها فى مجلسه، فيها: بالظلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقة إن كنت أوتيت «٣» علم غيب ... فقل لنا كاتب البطاقة «٤» وقال بعض المؤرخين: لمّا قدم المعزّ إلى مصر أحضر معه توابيت آبائه. وكان معه خمسة عشر ألف رجل تحمل صناديق الأموال والسّلاح وغير ذلك، وكان معه مائة جمل تحمل شبه الطّواحين من الذهب، وثلاثة آلاف جمل على كل جمل صندوقان وألف وثمانمائة بختى محملة، وثلاثمائة جمل تحمل الخركاهات وجملان يحملان «٥» الإكسير الذى يصنع به الكيمياء [٤٤]

стр. 10839

وثلاثة آلاف شينى وغراب «١» فى البحر تحمل الموجود. ومن الرجال المقاتلة من قبيلة كتامة مائة ألف، ومن البربر أربعون ألفا، ومن الرموح ستون ألفا، وغير هؤلاء من قبائل العرب والمغاربة، وهو مع ذلك شديد الخوف من القرمطّى. قال ابن زولاق» فى تاريخ مصر: ولما انقضى شهر رمضان ركب المعزّ لصلاة العيد وصلّى بالناس، وكان القاضى ابن النعمان «٣» يبلّغ عنه فى التكبير. وقرأ فى الأولى بعد الفاتحة «هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ» ، وفى الثانية بعد الفاتحة بسورة الضّحى، ثم صعد المنبر وخطب بعد أن سلّم على الناس يمينا وشمالا، وذلك بالمصلى الذى بناه القائد جوهر «٤» قال: وأقام المعزّ بعد مقدمه أيّاما وعزل القائد جوهرا من جميع ما كان إليه من النّظر على الدّواوين وجباية الأموال، وتدبير الأمور، وغير ذلك. والله أعلم «٥» .

стр. 10840

ذكر مكاتبة المعزّ لدين الله القرمطىّ وجواب القرمطىّ له قال بعض المؤرخين: لما استقر المعز بالقاهرة أهمه أمر الأعصم القرمطىّ فرأى أن يكتب إليه كتابا يعلمه فيه أن المذهب واحد. وأن القرامطة [منهم] «١» استمدّوا وهم سادتهم فى هذا الأمر. وبهم وصلوا إلى هذه الرتبة، فكتب إليه المعز كتابا مشحونا بالمواعظ وضمّنه من أنواع الكفر ما لا يصدر إلا عن مارق من الدين. كان عنوان الكتاب: «من عبد الله ووليّه، وخيرته وصفيّه، معدّ أبى تميم بن إسماعيل، المعزّ لدين الله أمير المؤمنين، وسلالة خير النّبيين، ونجل [على] «٢» أفضل الوصيّين إلى الحسن بن أحمد. وأول الكتاب: «رسوم النطقاء، ومذاهب الأئمة والأولياء «٣» ، ومسالك الرّسل والأنبياء «٤» ، السّالف منهم والآنف «٥» ، صلى الله «٦» علينا وعلى آبائنا أولى الأيدى والأبصار، فى متقدّم الدهور والأكوار، وسالف الزمان والأعصار.

стр. 10841

عند قيامهم بأحكام الله وانتصابهم لأمر الله، الابتداء بالإعذار، والانتهاء إلى الإنذار «١» ، قبل نفاذ الإنذار «٢» فى أهل الشقاق والإصرار «٣» ، ولتكون الحجّة على من خالف وعصى والعقوبة على من باين وغوى، حسبما قال الله تعالى «٤» : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «٥» ، وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ «٦» . وقد ذكرنا فى أخبار القرامطة جملة من مواعظ هذا الكتاب على ما نقف عليه هناك «٧» . ومن جملة ما لم نذكره هناك. أما علمت أنّى «٨» نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ* الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ «٩» أعلم خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ «١٠» وحشاه بأنواع من الكفر وحضّه «١١» على اقتفاء آثار آبائه وعمومته وموالاتهم، فقال: إن آباءك كانوا أتباع آبائى. ثم قال فيه بعد الإطالة: وكتابنا هذا من فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور، ووقت

стр. 10842

مذكور، لا نرفع قدما ولا نضع قدما إلا بعلم مصنوع، وعلم مجموع، وأجل معلوم» . ثم قال فيه: «وأما أنت أيّها الغادر [الخائن] «١» النّاكث المباين «٢» عن هدى «٣» آبائه وأجداده، المنسلخ من دين أسلافه وأنداده، الموقد لنار الفتنة، الخارج عن الجماعة والسّنة، لم أغفل أمرك، ولا خفى علىّ خبرك، وإنّك منّى بمنظر وبمسمع، قال الله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى «٤» ، ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا «٥» فعرّفنا على أىّ رأى ضللت «٦» وأىّ طريق سلكت. وقال فى فصل منه: «إنّا لسنا مهمليك ولا ممهليك إلّا ريثما يرد به كتابك والوقوف على مجرى جوابك، فانظر لنفسك ما يبقى ليومك ومعادك، قبل انغلاق باب التّوبة، وطول وقت النّوبة. حينئذ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً «٧» . ثم ختمه بأن قال: «فما أنت وقومك إلّا كمناخ نعم، أو مراح غنم» . فأمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ «٨» ، فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ «٩» . هكذا رأيت. والتّلاوة فى سورة يونس «١٠» أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا

стр. 10843

مَرْجِعُهُمْ* «١» فعندها تخسر الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ، ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ » . وأنذرتهم ناراً تَلَظَّى* لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى «٣» . يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ «٤» . فليتدبّر من كان ذا نذير. وليتفكّر من كان ذا تفكير؛ وليحذر يوم القيامة، يوم الحسرة والنّدامة أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ «٥» . ويا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا «٦» . ويا ليتنا نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ «٧» . وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى «٨» . وسلم من عواقب الرّدى. وهو حسبنا ونعم الوكيل قال: فلما وقف الحسن «٩» بن أحمد القرمطى [على] «١٠» هذا الكتاب المطوّل «١١» كتب جوابه بعد البسملة: «وصل كتابك الّذى كثر تفصيله

стр. 10844

وقلّ تحصيله؛ ونحن سائرون على إثره. والسّلام» «١» وقيل إنّه كتب: «والجواب ما تراه دون ما تسمعه» «٢» . وقيل [٤٥] إنّه كتب إليه: ظنّت رجال الغرب أنّ سهولتى ... بمحالها، وأخو المحال ذليل إن لم أروّ النيل من دمهم، فلا ... نلت المراد، ولا سقانى النيل وفى سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. فى شعبان، بلغت تقدمة القرامطة إلى أرياف مصر وأطراف المحلة «٣» . فنهبوا، واستخرجوا الخراج؛ واشتهر الأعصم القرمطىّ ببلبيس فتأهّب المعزّ للقائه، وعرض العساكر، وفرّق فيهم الأموال والسّلاح. وسيّر جيشا قدّم عليه ولده الأمير عبد الله «٤» ، فالتقى مع الأعصم، فانهزم القرمطىّ وأسر جماعة من رجاله، وجهّز جيشا آخر قدّم عليه ريان الصقلبى فى أربعة آلاف فارس. فأزال القرامطة عن المحلة ونواحيها.

стр. 10845

وفى هذا الوقت ورد الخبر من الصّعيد الأعلى أن عبيد الله «١» أخا الشريف مسلم أوغل فى الصّعيد واستخرج الأموال، وقتل ألفا من المغاربة. وفى هذه السنة، فى المحرّم منها، انبسطت المغاربة فى نواحى القرافة، ونزلوا فى الدّيور، وأخرجوا النّاس من أماكنهم، وشرعوا فى السّكن فى المدينة، وكان المعزّ أمرهم أن يسكنوا أطراف المدينة، فاستغاث النّاس إلى المعزّ فأمر أن يسكنوا نواحى عين شمس، وركب بنفسه وشاهد المكان، وأخبرهم بالبناء فيه، وهو الموضع المعروف الآن بالخندق «٢» ، وجعل لهم واليا وقاضيا، ثم سكن أكثرهم بالمدينة مخالطين للناس. ذكر فتوح طرابلس الشام كان فتوحها فى سلخ شهر ربيع الآخر سنة أربع وستّين وثلاثمائة، على يد ريّان الخادم غلام المعز، وهرب ابن الزّيّات بعد أن كان نصب عليها الصّلبان وجعلها للرّوم. وفى جمادى الأولى منها سار نصير الخادم غلام المعزّ فى عسكر كثير، ودخل إلى بيروت، وتواقع مع الرّوم على طرابلس وهزمهم، وكانت الوقعة فى نصف شعبان.

стр. 10846

وفى هذا الشّهر وصل الخبر إلى المعز بوصول أفتكين التركى من بغداد إلى دمشق بقصد مصر. فشرع المعزّ فى تجهيز العساكر. وفى شهر رمضان منها كثرت الأراجيف بمسير الرّوم إلى الشام لأن أفتكين التّركى كاتب ابن السنهسكى «١» فسار بالرّوم إلى بيروت، فلقيهم نصير غلام المعزّ فهزموه وأسروه. وتوجّهوا إلى صيدا فخرج إليهم أفتكين التّركى وقبّل الأرض لابن السنهسكى وهادنه على دمشق؛ وسار ابن السنهسكى إلى طرابلس، فخرج إليه ريّان الخادم بعساكر المعزّ فقاتله وهزمه، وقتل مقتلة عظيمة من عامّة عسكره. وانصرف ابن السنهسكى معلولا، فسرّ المعزّ بذلك. وهنأه النّاس بهذا الفتح، ومدحه الشّعراء «٢» . ذكر وفاة المعز لدين الله وشىء من اخباره كانت وفاته بالقاهرة لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة؛ وقيل فى يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من الشهر «٣» . وكانت مدة حياته خمسا وأربعين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، ومدّة مقامه بمصر سنتين وسبعة أشهر وأيّاما.

стр. 10847

وكان نقش خاتمه: بنصر العزيز العليم ينتصر الإمام أبو تميم. وقيل: كان لتوحيد الإله الصّمد دعاء الإمام «١» معدّ. وقيل: لتوحيد الإله العظيم دعاء الإمام «٢» أبو تميم. أولاده: أبو المنصور نزار تميم الظّاهر «٣» ، وبه كنى، توفّى بمصر فى ذى القعدة سنة أربع وسبعين وثلاثمائة؛ الأمير عقيل، توفّى فى شعبان من السنة؛ وسبع بنات. قضاته: قاضيه الواصل معه من المغرب أبو حنيفة النّعمان بن محمّد الدّاعى، مات بمصر فى سلخ جمادى الآخرة سنة خمس وستّين وثلاثمائة، ولم يل القضاء بها؛ واستقضى بالمغرب أبا طالب أحمد بن القائم «٤» بن محمد بن المنهال؛ ولمّا وصل إلى مصر وجد القائد جوهرا قد استخلف على القضاء أبا طاهر محمّد بن أحمد بن عبد الله الذهلى البغدادى، وهو القاضى على أيام كافور، فأقرّه، وكان أبو سعيد عبد الله «٥» بن محمّد بن أبى ثوبان حكم بمصر بين المغاربة الجند والتجار إلى أن مات فى شهر ربيع الأول سنة خمس وستين؛ فتولّى القضاء أبو الحسن علىّ بن النعمان على قاعدته إلى أن مات [٤٦] أبو طاهر، فقضى أبو الحسن على الجميع. كتّابه: كان جوهر قد فوض تدبير الأموال فى أيامه إلى علىّ ابن العرمرم

стр. 10848

وأبى محمد الرودبارى، ورجاء بن صولات «١» ، وعبد الله بن عطاء الله، وأبى الحسن الكرجى «٢» ؛ وردّ تدبير هؤلاء الكتاب إلى الوزير أبى الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات. واستقرّ الأمر بعد وصول المعزّ على عسلوج، ويعقوب بن يوسف. وممّن وزر للمعزّ يعقوب بن كلّس، وهو أول وزراء دولتهم بمصر، وهو من جملة كتاب الدّولة الإخشيدية. وسنذكر خبره إن شاء الله مستوفى فى أخبار العزيز. حاجبه: جعفر بن علىّ إلى أن توفّى، فولى عمّار بن جعفر؛ والله أعلم بالصواب. ذكر بيعة العزيز بالله وهو أبو المنصور «٣» نزار «٤» بن المعزّ بن المنصور بن القائم بن المهدىّ، وهو الخامس من ملوك الدولة العبيديّة، والثانى من ملوك مصر والشام منهم. كان قد ولى العهد من أبيه فى حياته، ثم بايعه النّاس فى يوم وفاة أبيه، لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستّين وثلاثمائة.

стр. 10849

حكى الرئيس ابن القلانسى فى تاريخ الشام فى سبب بيعة العزيز الأولى أن أباه المعزّ لدين الله كان مغرما بعلم النّجوم والنّظر فيما تقتضيه أحكام مولده، فحكم له بقطع، فاستشار منجمه فيما يزيله عنه، فأشار عليه أن يعمل له سردابا تحت الأرض ويتوارى فيه مدّة إلى حين زوال ذلك القطع. فصنع ذلك وأحضر وجوه دولته، وقال لهم: إنّ بينى وبين الله عهدا وعدنيه قد قرب أوانه، وقد جعلت عليكم ولدى نزارا، ولقّبته بالعزيز بالله، واستخلفته عليكم وعلى تدبير أحوالكم مدّة غيبتى؛ فالزموا الطّاعة والمناصحة له. فقالوا: نحن عبيدك وخدمك. فأخذ البيعة له ووصّاه بما أراد، وجعل القائد جوهرا مدبّرا لأموره، ونزل السّرداب الّذى اتخذه، وأقام به سنة. فكانت المغاربة إذا رأوا سحابا ترجّلوا على الأرض وأرموا بالسّلام عليه. ثمّ خرج بعد ذلك، وجلس النّاس، فدخلوا على طبقاتهم وسلّموا عليه؛ ولم يلبث بعد ذلك إلّا مدّة يسيرة، واعتلّ فمات «١» . ذكر الحرب بين أفتكين التركى وعساكر العزيز بالله ولنذكر ابتداء أمر أفتكين «٢» لتأتى أخباره بسياقه. هو أبو المنصور أفتكين المعزّى، أحد مماليك معزّ الدولة بن بويه «٣» وكان سبب وصوله إلى الشام أنه لما وقعت الفتنة بين الترك والديلم ببغداد

стр. 10850

وخلع المطيع «١» كما ذكرناه، وتوالت تلك الفتن، انفصل أفتكين عن بغداد فى سنة ثلاث وستّين وثلاثمائة فى ثلاثمائة غلام، وسار حتّى قدم حمص فأقام أيّاما يسيرة، وسار منها إلى دمشق، فوجد أحداث البلد قد تحكّموا فيها والفتن بين أهلها وبين عسكر المغاربة. فخرج إليه شيوخ دمشق وأظهروا السّرور به، وسألوه أن يتولّى عليهم، ويكفّ أيدى المفسدين، وتوثّقوا منه وتوثّق منهم بالأيمان، ودخل البلد وأصلح أمره، وأحسن السّيرة، وكفّ المفسدين، فاستقام له الأمر وثبت قدمه «٢» . فاضطر إلى مكاتبة المعزّ لدين الله بمصر فكاتبه وخادعه، وغالطه، وأظهر الانقياد إليه والطاعة لأمره. فأجابه المعزّ يستدعيه إلى حضرته ليشاهده، ويصطفيه لنفسه، ويعيده إلى ولايته؛ فلم يثق إلى ذلك وامتنع من الإجابة. ووافق ذلك علّة المعزّ ووفاته. وكتب أفتكين فى أثناء هذه القضيّة إلى مولاه ببغداد يقول إنّ الشام قد صفا فى يدى، فإن سيّرت إلىّ عسكرا ومالا وسلاحا فتحت ديار مصر، فبعث إليه الجواب: غرك عزك فصار قصار ذلك ذلّك فاخش فاحش فعلك، فعلّك تهدأ بهذا. فلما أيس أفتكين من إنفاذ العساكر إليه من بغداد اضطرّ عند ذلك إلى مكاتبة القرامطة، فقصدوه ووافوه فى سنة خمس وستّين وثلاثمائة؛ وكان الذى أتاه منهم إسحاق، وكسرى، وجعفر؛ فنزلوا بظاهر دمشق، ووافاه معهم كثير من العجم. فأكرمهم أفتكين وحمل إليهم الميرة، فأقاموا أيّاما وتوجّهوا إلى الرّملة، فخرجت إليهم عساكر السّاحل، واقتتلوا، فهزمهم أفتكين، وقتل منهم مقتلة عظيمة.

стр. 10851

وكان على السّاحل ظالم بن موهوب العقيلى، فانهزم إلى صور. وأحصيت القتلى فجاءوا أربعة آلاف فارس، فكاتب العزيز بن المعزّ أفتكين واستماله ووعده إن وطئ بساطه أن يرفع منزلته. فأبى إلّا مخالفته، وأغلظ له فى الجواب. فاستشار العزيز وزيره يعقوب بن كلّس فيما يفعله فأشار عليه بإخراج [٤٧] جوهر القائد إليه بالعساكر؛ فشرع العزيز فى ذلك وجهّز جوهرا، فلما سمع أفتكين ذلك عاد إلى دمشق واستشار أهلها، وقصد التّوجّه لبلاد الرّوم؛ وكان أهل دمشق يكرهون المغاربة لمخالفتهم لهم فى الاعتقاد، فطمأنوه، وثبّتوه للقاء عساكر مصر. وخرج جوهر فى العساكر العظيمة بعد أن استصحب أمانا من العزيز لأفتكين «١» فلما وصل جوهر إلى الرّملة كاتب أفتكين ولاطفه، وعرّفه ما معه له من الأمان؛ فلاطفه أيضا أفتكين فى الجواب واعتذر إليه بأهل دمشق، فعلم جوهر أنّه لا بدّ من الحرب. فسار إليه ونزل بالشماسية «٢» فبرز إليه أفتكين؛ ونشبت الحرب بين الفريقين مدّة شهرين، وقتل من الطائفتين عدد كثير. وظهر من شجاعة أفتكين ما عظم به قدره فى النّفوس، فأشار عليه أهل دمشق بمكاتبة أبى محمد الحسن بن محمد القرمطىّ واستدعائه لدفع عساكر مصر، فكاتبه فأتاه القرمطىّ، فعلم جوهر أنه إن أقام استظهر أفتكين عليه، فرجع إلى طبريّة وتبعه أفتكين والقرمطىّ فقاتلاه؛ فانهزم إلى عسقلان فتبعه أفتكين وحصره بها حتى أشرف جوهر على الهلاك، فصالحه، ووقع الصّلح

стр. 10852

بينهما على أن يخرج جوهر وأصحابه حفاة عراة لا شىء يستر عوراتهم «١» . وكان العزيز قد خرج من الدّيار المصريّة لإغاثة جوهر، فلقيه فى الطريق على تلك الحال، فاخبره جوهر أن كتامة خذلوه فقبض عليهم، ثم أظهر الغضب على جوهر وعزله عن الوزارة. ذكر حرب أفتكين وأسره وفى سنة ثمان وستين وثلاثمائة، فى المحرّم منها، وصل العزيز بالله إلى الرّملة وأفتكين وعسكره بالطّواحين، ووقع المصافّ بينهما، ونشبت الحرب فى يوم الخميس سابع الشهر. فانهزم أصحاب أفتكين وقتل عامتهم وشوهد العزيز فى هذا اليوم وقد انفرد عن عسكره وصلى على الأرض وهو يقول: اللهم ارحمنى وارحم من ورائى من هذه القبلة، وانصرنى، فما أستمدّ النّصر إلّا منك، وهو يعفّر وجهه على التّراب ويبكى، ثمّ ركب وقد انتصر عسكره، وجىء إليه بأفتكين أسيرا، اسره مفرج بن دغفل ابن الجرّاح الطائى «٢» أمير طيئ، فجاء به وفى عنقه حبل، فأحسن إليه العزيز لما رأى من شجاعته، ومنّ عليه، ورجع به إلى مصر؛ فأقام بها إلى أن مات فى سنة سبعين وثلاثمائة، والحجّاب والأكابر يركبون إلى داره. ولما رجع العزيز هنأه الناس بهذا الفتح، ومدحه الشعرا. فمنهم الحسين

стр. 10853

ابن عبد الرحيم الزلالى بقصيدته التى أولها: لاح للحقّ شهاب فوقد ... فرأى قاصده أين قصد بالعزيز بن المعزّ اعتضدت ... دولة الحقّ، وبالله اعتضد يا أمير المؤمنين المرتضى ... وعماد الدّين، والرّكن الأسدّ بنزار بن معدّ، وهما ... خير أبناء نزار بن معد «١» ومنها: أصلح الشّام بما دبّره ... وتلافاه، وقد كان فسد أطفأ الفتنة فيه، بعد ما ... أيرق التركىّ فيها ورعد وكان عود العزيز إلى مصر ووصوله إليها فى يوم الاثنين لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وستّين وثلاثمائة. وفى سنة تسع وستين وثلاثمائة، فى ثامن عشر شهر ربيع الأول، تزوّج العزيز بابنة «٢» عمه، وأمهرها مائتى ألف دينار عينا. ذكر فتوح اللاذقية وفى سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، فى حادى عشر شهر ربيع الأول، ورد كتاب نزال «٣» يذكر فيه أنه واقع الرّوم بساحل الشّام، وكسرهم، وأخذ

стр. 10854

اللاذقية. ثم ورد نزال من الشّام فى العاشر من جمادى الآخرة، ومعه نحو خمسمائة نفر من الرّوم أسرى فى السّلاسل. وفى هذه السّنة وصل من تنّيس رجل وامرأة بمولودة لها رأسان ووجهان وأربع أيد كاملة الخلق فى جسد واحد، وسنها دون الشهرين. وفيها كان النّوروز لسبع خلون من شهر ربيع الأول وأكل الناس [٤٨] الرّطب قبل النّوروز على عادتهم، وأصرمت النّخل «١» ، ولم يبق عليها شىء ألبتّه، ثم حمل النخل ثانيا، فأكل الناس البلح والبسر مرة ثانية؛ ولم يتّفق مثل ذلك فى زمن من الأزمنة. ذكر فتح قنّسرين وحمص وفى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، فى شهر ربيع الأول منها، دخلت عساكر العزيز إلى قنّسرين وحمص، وأقاموا الدعوة له بها. وفيها فى ثامن شوّال صرف العزيز وزيره يعقوب بن كلّس واعتقله، وحمل من ماله خمسمائة ألف دينار؛ ثم افرج عنه بعد ذلك، وأعاده إلى الوزاره، فى سنة أربع وسبعين، ووهب له العزيز مالا كثيرا وألفا وخمسمائة غلام تكون فى خدمته، وإليهم تنسب حارة الوزيرية «٢» بالقاهرة.

стр. 10855

وفى هذه السّنة اشتد الغلاء بمصر وبلغت حملة الدّقيق الجشكار «١» أحد عشر دينارا والعلامة اثنى عشر دينارا؛ والحملة ثلاثمائة رطل بالمصرى. وفيها فى العشرين من ذى القعدة ورد الخبر أنّ ابن حمدان «٢» خطب للعزيز بحلب والجزيرة كلّها. وفى سنة ستّ وسبعين وثلاثمائة خطب للعزيز بمعرّة النّعمان. وفى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة استجدّ العزيز فى جامع مصر «٣» العين الفوّارة، ودامت إلى أيّام العاضد، فحربت فى الحريق فى سنة أربع وستين وخمسمائة؛ ثم جدّدها الملك العادل أبو بكر بن أيوب وفيها لاعن القاضى محمّد بن النّعمان بين رجل من لدن عقيل وامرأته. وفى سنة ثمانين وثلاثمائة اختطّ العزيز الجامع بالقاهرة، وهو الجامع المعروف بالحاكم «٤» بباب الفتوح. وفى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة خرج منير والى دمشق على العزيز بالله «٥» ، وقتل ابن أبى العواد «٦» الكاتب ولحقه بشارة الإخشيدى، فسار
следующие страницы →