Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.
стр. 10851
وكان على السّاحل ظالم بن موهوب العقيلى، فانهزم إلى صور. وأحصيت القتلى فجاءوا أربعة آلاف فارس، فكاتب العزيز بن المعزّ أفتكين واستماله ووعده إن وطئ بساطه أن يرفع منزلته. فأبى إلّا مخالفته، وأغلظ له فى الجواب. فاستشار العزيز وزيره يعقوب بن كلّس فيما يفعله فأشار عليه بإخراج [٤٧] جوهر القائد إليه بالعساكر؛ فشرع العزيز فى ذلك وجهّز جوهرا، فلما سمع أفتكين ذلك عاد إلى دمشق واستشار أهلها، وقصد التّوجّه لبلاد الرّوم؛ وكان أهل دمشق يكرهون المغاربة لمخالفتهم لهم فى الاعتقاد، فطمأنوه، وثبّتوه للقاء عساكر مصر. وخرج جوهر فى العساكر العظيمة بعد أن استصحب أمانا من العزيز لأفتكين «١» فلما وصل جوهر إلى الرّملة كاتب أفتكين ولاطفه، وعرّفه ما معه له من الأمان؛ فلاطفه أيضا أفتكين فى الجواب واعتذر إليه بأهل دمشق، فعلم جوهر أنّه لا بدّ من الحرب. فسار إليه ونزل بالشماسية «٢» فبرز إليه أفتكين؛ ونشبت الحرب بين الفريقين مدّة شهرين، وقتل من الطائفتين عدد كثير.
وظهر من شجاعة أفتكين ما عظم به قدره فى النّفوس، فأشار عليه أهل دمشق بمكاتبة أبى محمد الحسن بن محمد القرمطىّ واستدعائه لدفع عساكر مصر، فكاتبه فأتاه القرمطىّ، فعلم جوهر أنه إن أقام استظهر أفتكين عليه، فرجع إلى طبريّة وتبعه أفتكين والقرمطىّ فقاتلاه؛ فانهزم إلى عسقلان فتبعه أفتكين وحصره بها حتى أشرف جوهر على الهلاك، فصالحه، ووقع الصّلح
стр. 10852
بينهما على أن يخرج جوهر وأصحابه حفاة عراة لا شىء يستر عوراتهم «١» .
وكان العزيز قد خرج من الدّيار المصريّة لإغاثة جوهر، فلقيه فى الطريق على تلك الحال، فاخبره جوهر أن كتامة خذلوه فقبض عليهم، ثم أظهر الغضب على جوهر وعزله عن الوزارة.
ذكر حرب أفتكين وأسره
وفى سنة ثمان وستين وثلاثمائة، فى المحرّم منها، وصل العزيز بالله إلى الرّملة وأفتكين وعسكره بالطّواحين، ووقع المصافّ بينهما، ونشبت الحرب فى يوم الخميس سابع الشهر. فانهزم أصحاب أفتكين وقتل عامتهم وشوهد العزيز فى هذا اليوم وقد انفرد عن عسكره وصلى على الأرض وهو يقول: اللهم ارحمنى وارحم من ورائى من هذه القبلة، وانصرنى، فما أستمدّ النّصر إلّا منك، وهو يعفّر وجهه على التّراب ويبكى، ثمّ ركب وقد انتصر عسكره، وجىء إليه بأفتكين أسيرا، اسره مفرج بن دغفل ابن الجرّاح الطائى «٢» أمير طيئ، فجاء به وفى عنقه حبل، فأحسن إليه العزيز لما رأى من شجاعته، ومنّ عليه، ورجع به إلى مصر؛ فأقام بها إلى أن مات فى سنة سبعين وثلاثمائة، والحجّاب والأكابر يركبون إلى داره.
ولما رجع العزيز هنأه الناس بهذا الفتح، ومدحه الشعرا. فمنهم الحسين
стр. 10853
ابن عبد الرحيم الزلالى بقصيدته التى أولها:
لاح للحقّ شهاب فوقد ... فرأى قاصده أين قصد
بالعزيز بن المعزّ اعتضدت ... دولة الحقّ، وبالله اعتضد
يا أمير المؤمنين المرتضى ... وعماد الدّين، والرّكن الأسدّ
بنزار بن معدّ، وهما ... خير أبناء نزار بن معد «١»
ومنها:
أصلح الشّام بما دبّره ... وتلافاه، وقد كان فسد
أطفأ الفتنة فيه، بعد ما ... أيرق التركىّ فيها ورعد
وكان عود العزيز إلى مصر ووصوله إليها فى يوم الاثنين لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وستّين وثلاثمائة.
وفى سنة تسع وستين وثلاثمائة، فى ثامن عشر شهر ربيع الأول، تزوّج العزيز بابنة «٢» عمه، وأمهرها مائتى ألف دينار عينا.
ذكر فتوح اللاذقية
وفى سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، فى حادى عشر شهر ربيع الأول، ورد كتاب نزال «٣» يذكر فيه أنه واقع الرّوم بساحل الشّام، وكسرهم، وأخذ
стр. 10854
اللاذقية. ثم ورد نزال من الشّام فى العاشر من جمادى الآخرة، ومعه نحو خمسمائة نفر من الرّوم أسرى فى السّلاسل.
وفى هذه السّنة وصل من تنّيس رجل وامرأة بمولودة لها رأسان ووجهان وأربع أيد كاملة الخلق فى جسد واحد، وسنها دون الشهرين.
وفيها كان النّوروز لسبع خلون من شهر ربيع الأول وأكل الناس [٤٨] الرّطب قبل النّوروز على عادتهم، وأصرمت النّخل «١» ، ولم يبق عليها شىء ألبتّه، ثم حمل النخل ثانيا، فأكل الناس البلح والبسر مرة ثانية؛ ولم يتّفق مثل ذلك فى زمن من الأزمنة.
ذكر فتح قنّسرين وحمص
وفى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، فى شهر ربيع الأول منها، دخلت عساكر العزيز إلى قنّسرين وحمص، وأقاموا الدعوة له بها.
وفيها فى ثامن شوّال صرف العزيز وزيره يعقوب بن كلّس واعتقله، وحمل من ماله خمسمائة ألف دينار؛ ثم افرج عنه بعد ذلك، وأعاده إلى الوزاره، فى سنة أربع وسبعين، ووهب له العزيز مالا كثيرا وألفا وخمسمائة غلام تكون فى خدمته، وإليهم تنسب حارة الوزيرية «٢» بالقاهرة.
стр. 10855
وفى هذه السّنة اشتد الغلاء بمصر وبلغت حملة الدّقيق الجشكار «١» أحد عشر دينارا والعلامة اثنى عشر دينارا؛ والحملة ثلاثمائة رطل بالمصرى.
وفيها فى العشرين من ذى القعدة ورد الخبر أنّ ابن حمدان «٢» خطب للعزيز بحلب والجزيرة كلّها.
وفى سنة ستّ وسبعين وثلاثمائة خطب للعزيز بمعرّة النّعمان.
وفى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة استجدّ العزيز فى جامع مصر «٣» العين الفوّارة، ودامت إلى أيّام العاضد، فحربت فى الحريق فى سنة أربع وستين وخمسمائة؛ ثم جدّدها الملك العادل أبو بكر بن أيوب وفيها لاعن القاضى محمّد بن النّعمان بين رجل من لدن عقيل وامرأته.
وفى سنة ثمانين وثلاثمائة اختطّ العزيز الجامع بالقاهرة، وهو الجامع المعروف بالحاكم «٤» بباب الفتوح.
وفى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة خرج منير والى دمشق على العزيز بالله «٥» ، وقتل ابن أبى العواد «٦» الكاتب ولحقه بشارة الإخشيدى، فسار
стр. 10856
نزال والى الرّملة إلى دمشق، فحاربه منير، فهزمه نزال. وكانت الوقعة بمرج عذراء «١» فى تاسع شهر رمضان وهرب منير يريد حلب، فأخذه العرب وأحضروه إلى دمشق لنزال، فوجدوا منجوتكين «٢» قد وصل إليها فأخذ منيرا وحرسه على جمل وإلى جانبه قرد وعليه طرطور.
وأقام منجوتكين بدمشق بقية سنة إحدى وثمانين. وأمده العزيز فى سنة اثنتين [وثمانين] «٣» بخمسمائة فارس وخزانة وسلاح صحبة صالح بن على وجيلين التركى، فاشتمل عسكر منجوتكين على ثلاثة عشر ألف فارس فطمع فى ملك حلب بحكم وفاة صاحبها سعيد الدولة «٤» بن حمدان فحشد وخرج إليها فى ثلاثين ألف فارس ونازلها، وفتحها فى شهر ربيع الآخر.
وبقيت القلعة بيد أبى الفضل بن سعيد الدولة بن حمدان ولؤلؤ، فكاتبا بسيل «٥» ملك الرّوم، فكتب لصاحب أنطاكية، وهو من قبله، بأن يجمع العساكر ويتوجّه إلى حلب لنصرة صاحبها، ودفع المغاربة عنها، فسار إليها فى خمسين ألف راجل.
وقال المسبّحى: كان عسكر الرّوم سبعين ألفا وعسكر منجوتكين خمسة وثلاثين ألفا.
стр. 10857
فنزل الرّوم على جسر الحديد بين أنطاكية وحلب، فأشار أصحاب منجوتكين عليه بقصد الرّوم، فتوجه نحوهم «١» وانضم إليه جماعة من بنى كلاب، فالتقوا فانكسرت عساكر الرّوم، وغنم منجوتكين ومن معه الغنائم الجزيلة، وجمع من رؤوس الرّوم مقدار عشرة آلاف رأس، فسيّرها إلى مصر.
وتبع منجوتكين الرّوم إلى أنطاكية، وأحرق ضياعا، ونهب رساتيقها «٢» ، ورجع إلى حلب. فعمل لؤلؤ مقدم حلب على رجوع منجوتكين عن بلده، فكاتب أبا الحسن بن المغربى وزير منجوتكين وخواصّه أن يحسّنوا «٣» له الرجوع إلى دمشق والعود إلى حلب فى العام المقبل، ووعدهم على ذلك بالأموال الجزيلة. فذكروا ذلك لمنجوتكين فصادف هذا الرأى منه موقعا لسوقه إلى دمشق، فرجع عن حلب.
ولمّا بلغ العزيز رجوعه عنها انزعج لذلك وعلم أنه بتدبير وزيره ابن المغربى، فعزله عن وزارة منجوتكين، وولى صالح بن على الرّوذبارى.
وفى سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ظهر من الجراد والكمأة «٤» على جبل المقطم بمصر ما لم يعهد مثله، فخرج النّاس إليه وجعلوا يدخلون القاهرة
стр. 10858
ومصر فى كلّ يوم، فبيع الجراد أربعة أرطال بدرهم، والكمأة سبعة أرطال بدرهم.
وفيها فى يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة احترقت صناعة الإنشاء «١» بمصر بما فيها من المراكب الحربية وآلات السلاح وغير ذلك، فاتّهم الأمراء بذلك، فقتل منهم مائة وسبعة نفر، ثم أحضر عيسى ابن نسطورس من بقى من الرّوم فاعترفوا بذلك، فأمر العزة بالله أن تنهب كنيسة الرّوم، فنهبت وأخذ منها ما ينيف عن تسعين ألف درهم.
[٤٩] ذكر وفاة العزيز بالله وشىء من أخباره وأخبار وزيره يعقوب بن كلّس ومن ولى بعده
كانت وفاة العزيز بالله بعد الظهر من يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة بمدينة بلبيس فى مسلخ الحمام بعلتى القولنج والحصاة «٢» .
وكان مولده بالمهديّة فى يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من المحرّم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
стр. 10859
وكانت مدّة حياته اثنتين وأربعين سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما، ومدّة ولايته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا «١» .
وكان أسمر، طويلا، بدينا، أشهل، أعين، أصهب الشّعر، عريض المنكبين. وكان لا يؤثر سفك الدماء.
قال المؤرخ: وجدّد فى أيام العزيز من الأبنية قصر الذّهب «٢» ، وجامع القرافة «٣» والفوّارة وبستان السردوس «٤» ، وقصور عين شمس، والمصلى الجديد بالقاهرة. وهو أوّل من بنى دار الفطرة»
، وقرر الرّواتب، وسنّ إعطاء الضّحايا للأولياء. وكان قريبا من الناس، بصيرا بالخيل والجوارح والصّيد.
ولده: أبو على المنصور، وهو الحاكم بأمر الله.
стр. 10860
ذكر أخبار الوزير يعقوب بن كلّس
وكنيته أبو الفرج؛ وهو أوّل من خوطب بالوزارة فى دولتهم. وكان يهوديّا من أهل بغداد، فهاجر منها إلى الشام ونزل الرّملة، فجلس وكيلا للتّجار بها، فاجتمع عنده مال فاكتنزه، وسافر إلى مصر. واتّصل بخدمة كافور، فتاجر فى متاع كان يحيله بثمنه على الضياع، فكان إذا احتيل على عمل بمال لا يخرج منه حتى يعلم مستخرجه ونفقته وارتفاعه، فعلم أحوال ديار مصر، فأخبر كافور به، فقال: لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا.
فبلغه ذلك، فأسلم على يدى كافور، فى يوم الجمعة فى الجامع العتيق، فى سنة خمسين وثلاثمائة.
ثم تعلّقت به مطالبات ديوانيّة فى الدولة الإخشيدية فهرب بسببها من مصر، فلقى العسكر المغربىّ قاصدا مصر فعاد فى صحبته، فلمّا ملك القائد جوهر مصر تصرّف ابن كلّس فى الأمور الدّيوانيّة مدّة أيام المعز، ثم انتقل إلى خدمة ولده العزيز، فاختصّ به وتمكّن منه، واقتنى الأموال، فاستوزره فى يوم الجمعة ثامن عشر شهر رمضان سنة ثمان وستين «١» وثلاثمائة؛ وأقطعه بمصر والشام فى كلّ سنة ثمانية آلاف دينار- وبسط يده فى الأموال، وكتب اسمه على الطّرز «٢» ، وابتدأ بنفسه فى المكاتبات والعنوانات. من يعقوب بن يوسف وزير أمير المؤمنين.
стр. 10861
وتمكن من الدولة حتى أسقط المغاربة، واستخدم المشارقة، فى سنة سبعين وثلاثمائة، من التّرك والإخشيدية. وأذل جوهرا الرّومى غلام المعزّ وجعله على المرمّة. وكان [جوهر] «١» يقول: قبح الله طول هذا العمر الذى أحوج لمثل هذا.
ثم نكبه العزيز النكبة التى ذكرناها فى سنة ثلاث وسبعين، ثمّ أطلقه وأعاده إلى الوزارة، وقال له: عزلت بالإغراء، ورددت بصمم الآراء.
ووهب له ألفا وخمسمائة غلام كما ذكرنا «٢» .
ولم يزل ابن كلس على ذلك إلى أن توفى لستّ خلون من ذى الحجة، سنة ثمانين وثلاثمائة.
ولمّا مرض مرضته التى مات فيها ركب العزيز إليه، وعاده، وقال له:
وددت أنّك تباع فأبتاعك بملكى وولدى.
ولمّا مات أمر العزيز أن يدفن فى داره فى قبة كان بناها لنفسه؛ وحضر جنازته وصلّى عليه، وألحده فى قبره.
وبلغ قيمة الكفن الذى أنفذه العزيز له، وهو خمسون ثوبا مثقلة سبعة آلاف دينار. وانصرف من دفنه، وأظهر الحزن وأغلق الدّواوين ثمانية عشر يوما، وعطّل الأعمال أياما، واشتملت تركته على مال عظيم.
ولم يستوزر [العزيز] «٣» بعده أحدا بل ضمن أموال الدّولة بجماعة من المستخدمين وجعل الغالب عليهم عيسى بن نسطورس النّصرانى، فمال إلى
стр. 10862
النّصارى وقلدهم الأعمال. واستناب بالشام منشا بن إبراهيم اليهودىّ فقدّم اليهود ومال إليهم، واطّرح المسلمين، فوقفت للعزيز امرأة بيدها قصّة مكتوب فيها: يا أمير المؤمنين بالّذى أعزّ النّصارى بابن نسطورس وأعزّ اليهود بمنشّا بن إبراهيم وأذلّ المسلمين بك إلا ما نظرت فى أمرى وكشفت ظلامتى «١» ! فقبض العزيز على عيسى، وكتب بالقبض على منشّا بالشام، ثم شفعت ستّ الملوك ابنة العزيز فى عيسى فردّه إلى ما كان عليه، وحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار، وشرط عليه استخدام المسلمين فى دولته وأعماله.
قضاته: أبو طالب محمد بن أحمد البغدادى إلى أن استعفى، ثم على بن النعمان إلى أن توفّى فى شهر رجب سنة أربع وسبعين، فردّ القضاء إلى أخيه أبى عبد الله محمّد بن النّعمان.
حجّابه: الأمير منجوتكين [٥٠] ، القائد باروخ.
ولمّا مات العزيز قام بالأمر بعده ولده أبو على المنصور.
ذكر بيعة الحاكم بأمر الله
وهو أبو على المنصور بن العزيز بالله نزار، بن المعز لدين الله أبى تميم معدّ، بن المنصور بنصر الله أبى طاهر إسماعيل، بن القائم بأمر الله أبى القاسم محمد، بن المهدى عبيد الله. وهو السادس من ملوك الدّولة العبيدية، والثالث من ملوك مصر والشام منهم.
بايع له أبوه العزيز قبل وفاته ببلبيس، وكان ولّى قبله ابنه محمدا فهلك فى حياة أبيه العزيز، ثم جدّدت البيعة للحاكم بأمر الله صبيحة وفاة أبيه فى
стр. 10863
يوم الأربعاء لليلة بقيت من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ولبس أثواب الخلافة، وتعمّم بعمامة عليها الجوهر، وعمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر «١» . وتولّى كفالته برجوان «٢» الخادم، وقام بأمر الجيوش وتدبير الدّولة أبو محمد الحسن بن عمّار ابن أبى الحسين، وتلقب بأمين الدّولة، وهو أول من لقب فى دولتهم بمصر، وكان ذلك بوصية من العزيز.
قال: وكان الكتاميون قد أضعفهم الوزير ابن كلّس، فأظهرهم ابن عمّار وردّهم إلى ما كانوا عليه.
ذكر القبض على الوزير عيسى بن نسطورس النصرانى وقتله
كان القبض عليه فى تاسع شوال سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة: وذلك أن ابن عمار اتّهمه بالإغراء عليه ومباطنة منجوتكين، فبسط عليه العذاب، واستخرج منه سبعمائة ألف دينار، ثم أخرجه لثلاث بقين من المحرم سنة سبع وثمانين على حمار، إلى المقس، وضرب عنقه هناك. رحم الله ابن عمار الآمر بقتله، فلقد حكى عنه من جوره على المسلمين واطّراحه لهم ما لا مزيد عليه.
حكى الأثير بن بيان المصرى أنّ بعض رؤساء المصريّين كتب ورقة يعاتب فيها عيسى على قبح فعله مع المسلمين وبالغ، فيها فأجابه عيسى عنها يقول:
стр. 10864
«إن شريعتنا متقدّمة، والدّولة كانت لنا ثم صارت إليكم، فجرتم علينا بالجزية والذّلّة، فمتى كان منكم إلينا إحسان حتى تطالبونا بمثله!. إن ما نعناكم قاتلتمونا، وإن سالمناكم أهنتمونا، فإذا وجدنا لكم فرصة فماذا تتوقّعون أن نصنع بكم» . ثم تمثل فى آخرها ببيتين:
بنت كرم غصبوها أمّها ... ثم داسوها، هوانا، بالقدم
ثم عادوا حكّموها فيهم ... وأناهيك بخصم قد حكم!
ذكر مخالفة منجوتكين بدمشق وحربه وأسره وسبب ذلك
كان سبب ذلك أن ابن عمار أظهر الكتاميين وبالغ فى الإحسان إليهم، وخوّلهم فى الأموال وبسط أيديهم، وفرّق فيهم ما خلّفه العزيز.
قال بعض المؤرخين: إن العزيز كان عنده عشرون ألف عليقة ما بين فرس وبغل، وجمل وحمار، ومن الأموال ما لا يدخل تحت الإحصاء؛ ففرّق ابن عمار ذلك فيمن أراد اصطناعه. فلما كان فى سنة سبع وثمانين ومائتين انبسطت يد كتامة وجاروا على النّاس بديار مصر، وامتدّوا لأخذ أموالهم، ثم اجتمع مشايخهم وحسّنوا للحسن بن عمار قتل الحاكم. فعلم برجوان بذلك، فبالغ فى حفظ الحاكم وضم إليه شكر العضدى من غلمان عضد الدّولة بن بويه. وكاتبا منجوتكين أمير دمشق يعرّفانه ما عزم عليه ابن عمّار، وأنه بسط يد كتامة فى الأموال ومكنهم من الجور وأنهم حصروا الحاكم بقصره، وأشارا عليه أن يقصد مصر ليكون عوضا عن الحسن بن عمّار.
стр. 10865
فلما قرأ منجوتكين الكتاب جمع القوّاد والأجناد وغيرهم بجامع دمشق، وعرّفهم ما جرى من كتامة، وبكى، وخرّق ثيابه؛ فأطاعه النّاس وحلفوا له على طاعة الحاكم وقتال ابن عمار. فأنفق فيهم الأموال ووثّق منهم؛ وبرز من دمشق فى ستة آلاف فارس.
فلما اتّصل ذلك بابن عمار عظم عليه وجمع وجوه كتامة وعرّفهم الحال، فقالوا: [٥١] نعرّف الناس أن منجوتكين قد عصى على الحاكم وخالف عليه، وخرج عنه، ليبالغوا فى قتاله؛ ففعل ذلك وأظهره، وفرّق الأموال فى وجوه الدّولة. ثم أحضر برجوان وشكر العضدى وقال لهما: أنا شيخ كبير وقد كثر الكلام علىّ والقول فىّ، وليس لى غرض إلّا فى حفظ الإمام الحاكم. وسألهما أن يحلفا له على المساعدة فما وسعهما إلا أن حلفا «١» له.
وندب من وقته أبا تميم سليمان بن جعفر بن فلاح وقدّمه على العسكر، وأمره بالمسير إلى الشام، فخرج فى ستة عشر ألف فارس وراجل. فسار سليمان فى ثانى صفر، ورحل منجوتكين إلى الرّملة فملكها ومعه مفرّج بن دغفل بن جراح؛ وسار سليمان حتى نزل بظاهر عسقلان.
وتقابل الجيشان بعد ثلاثة أيّام؛ وكان المصافّ فى يوم الجمعة لأربع بقين من جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فاستأمنت العرب من أصحاب دغفل وغيرهم إلى سليمان، فاستظهر، وقتل من أصحاب منجوتكين أربعة قوّاد. وانهزم منجوتكين وأحصيت القتلى من أصحابه فجاءت ألفى فارس، وامتلأت أيدى أصحاب سليمان. وبذل سليمان لمن
стр. 10866
يحضر منجوتكين عشرة آلاف دينار ومائتى ثوب، فأسره على بن الجرّاح وحمله إلى سليمان، فسيّره إلى مصر. فاصطنع الحسن بن عمّار منجوتكين، وسار سليمان ونزل طبريّة.
فلما بلغ أهل دمشق ما اتفق لمنجوتكين نهبوا داره. وبعث سليمان أخاه إلى دمشق فى خمسة آلاف فارس، فلمّا وصلها أغلقوا دونه الأبواب، فكتب إلى أخيه بذلك، فسار إلى دمشق وتلطّف بأهلها، وطيّب قلوبهم، ففتحوا له الأبواب. ودخل البلد واستقر أمره، وثبت قدمه، واستتبّ له الأمر، فنظر فى أمر السّاحل واستبدل بولاية الجابرين، وعزل [الأمير] «١» جيش بن الصّمصامة من طرابلس الشام واستعمل عليها أخاه، فحضر جيش إلى مصر ولم يجتمع به.
ذكر الفتنة بين المشارقة والمغاربة وهرب ابن عمار وما كان من أمره
كان سبب ذلك أنّ سليمان بن جعفر لما عزل جيش بن الصّمصامة عن طرابلس حضر [جيش] «٢» إلى مصر واجتمع بشكر الخادم وبرجوان سرّا وعرّفهما بغض أهل الشّام فى المغاربة؛ وكان جيش أيضا من كتامة وبينه وبين سليمان عداوة متمكنة، فحسّن لهما الفتك بالحسن بن عمّار، فوقع هذا الكلام من برجوان بالموقع العظيم مع ما تقدّم بينهما من الوحشة. وعلم برجوان أن القاهرة ومصر قد خلتا من المغاربة ولم يبق فيهما إلّا العدد القليل،
стр. 10867
وأمكنته الفرصة فانتهزها، وراسل الأتراك والمشارقة فى القبض على الحسن ابن عمّار.
وأحسّ ابن عمار بذلك فقصد المبادرة بالإيقاع ببرجوان وشكر، ورتّب جماعة فى دهليز داره، وقرر معهم الفتك بهما إذا دخلا إليه. وكان لبرجوان عيون كثيرة فاطّلعوا على ما دبّره ابن عمار عليه. واتفق أنّ الحسن استدعاه [ومعه شكر] «١» فركبا إلى داره، وكانت فى آخر القاهرة مما يلى الجبل، ومعهما جماعة من الغلمان. فلمّا وصلا إلى باب الدّار ظهرت لهما عين القضيّة فعاد إلى القصر بسرعة، وجرّد الغلمان سيوفهم، فدخلا قصر الحاكم.
فثارت الفتنة، واجتمع الأتراك والدّيلم والمشارقة وغيرهم على باب القصر، وبرجوان يبكى، وهم يبكون لبكائه، وهو يحرّضهم على القيام بواجب خدمة الحاكم.
وركب الحسن بن عمّار فى كتامة إلى الجبل، وتبعه وجوه الدّولة، فصار فى عدد كثير. وفتح برجوان خزائن السّلاح وفرّقها على الغلمان وغيرهم، وأحدقوا بالقصر، فبرز منجوتكين وفارحتكين وينال الطويل فى خمسمائة فارس من الأتراك. ووقعت الحرب بينهم وبين الحسن بن عمّار إلى وقت الظهر من يوم الخميس سلخ شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فانهزم ابن عمّار، ورجعت العامّة إلى داره فنهبوها ونهبوا خزائنه؛ واستتر عند بعض العوامّ وتفرّقت عنه جموعه «٢» .
وفتح برجوان باب القصر، وأجلس الحاكم، وأوصل إليه النّاس،
стр. 10868
وجدّد له البيعة على الجند، فلم يختلف عليه أحد؛ وكتب الأمانات لوجوه كتامة وقوّاد الدّيلم وراسلهم بما يطيّب قلوبهم فأتوه. واستقام أمر برجوان وكتب إلى أهل دمشق يطيّب قلوبهم ويأمرهم بالقيام على سليمان والإيقاع به؛ فثار أحداث «١» دمشق وقصدوا دار أميرها سليمان، فوجدوه وقد التهى بالشّرب وانهمك على لذّاته، فهرب على ظهر فرسه ونهبت خزائنه [٥٢] وأمواله. وجعل برجوان الحسين بن القائد جوهر قائد القوّاد، وبعث جيش ابن محمد بن الصّمصامة إلى دمشق، وتلطّف فى إخراج الحسن بن عمّار من استتاره، فخرج، فأعاد برجوان عليه ما كان بيده من الإقطاعات وحلّفه ألّا يخرج من داره.
وفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة عصى أهل صور على الحاكم بسبب فتنة برجوان وابن عمار وقتلوا جماعة من جند المصريّين، وثار بعض الملاحين من أهلها، ويعرف بالعلاقة، فملك البلد.
وثار مفرج بن دغفل الجراحى بالرّملة ونهبها.
فندب برجوان إلى الشام أبا الحسن عبد الصّمد ابن أبى يعلى، وضمّ إليه عسكرا، فسار من القاهرة لأربع عشرة ليلة خلت من ذى القعدة، سنة ثمان وثمانين «٢» . فلمّا وصل إلى الرّملة حضر إليه من جند السّاحل خمسة آلاف
стр. 10869
فارس، ووجد سليمان بن جعفر [بن] «١» فلاح بها فقبض عليه وسيّره إلى مصر. وسيّر إلى صور أبا عبد الله الحسن بن ناصر الدّولة وياقوتا الخادم ومن معه من عبيد الشّراء، فوقعت الحرب بينهم وبين أهل صور؛ ثم طلبوا الأمان فأمّنوا. وأسر العلاقة الثائر، وكان قد استنصر بالروم، فسلخ وهو حىّ، وحشى جلدة تبنا وصلب. وكان قد ضرب على الدينار بصور «عزّ بعد فاقة، وشطارة بلباقة، للأمير العلاقة» .
وفيها فى شعبان ورد الخبر بفتح أنطاكية على يد [الأمير] «٢» جيش بن محمد ابن الصّمصامة.
ذكر قتل برجوان الخصىّ
كان مقتله فى ثالث عشر «٣» شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة.
وسبب ذلك أنه كان لفرط إشفاقه على الحاكم منعه من الرّكوب خوفا عليه، ومنعه من العطاء لغير مستحقّ، فثقل على الحاكم، ولم يبق للحاكم فى الأمر غير الاسم، واستبدّ برجوان بالأمر. وكان عند الحاكم خادم اسمه ريدان الصقلبى قد اختصّ به وأنس إليه، فشرع فى إغراء الحاكم على برجوان. وكان من جملة ما قال له: إن هذا يقصد أن يفعل بك كما فعل كافور الإخشيدى مع أولاد سيّده، فباطن الحاكم الحسين بن جوهر قائد
стр. 10870
القواد على قتل برجوان، ووعده أن يفوّض إليه تدبير الأمر بعده. ثم ركب الحاكم وبرجوان فى بعض الأيام إلى بستان اللّؤلؤة «١» على عادته، فمال عليه ريدان بسكين فضربه بها فى ظهره وأخرجها من صدره. فقال برجوان للحاكم: غدرت. فزعق على الخدّام فاحتزّوا رأسه؛ فانزعج النّاس لذلك ولبسوا السلاح، فسبق الحاكم ودخل القصر. وحضر شكر الخادم والجند وأحاطوا بالقصر ظنّا منهم أن الحسن بن عمار تمّم على الحاكم حيلة. فلما رأى الحاكم ذلك تراءى للنّاس فترجلوا وقبّلوا الأرض، وسكنت الفتنة.
ثم فتح الحاكم القصر واستدعى أكابر النّاس وقال لهم: أنكرت على برجوان حاله وقتلته، واستدعى الحسين بن جوهر وأمره بصرف الناس إلى منازلهم، فصرفهم.
وركب مسعود الحاكمى إلى دار برجوان فأحاط على ما فيها، وكان من جملة ما وجد له ألف سروال «٢» دبيقى بألف تكّة حرير، وناهيك بموجود يكون هذا من جملته.
وإلى برجوان هذا تنسب حارة برجوان «٣» التى بالقاهرة.
واستقرّ الحسين بن جوهر فى تدبير الدّولة فى ثالث جمادى الأولى من السنة.
وقتل فى أثناء هذه الفتنة الحسن بن عمّار الكتامى. وتوفّى جيش ابن محمد بن الصّمصامة أمير الشام بدمشق فى ثالث عشر ربيع الأول منها،
стр. 10871
وندب الحاكم لولايتها القائد تميم بن اسماعيل المعزّى الملقب بفحل.
ذكر ما فعله الحاكم بأمر الله وأمر به من الأمور الدالّة على اضطراب عقله بعد أن استقل بالأمر بمفرده
كان أول ذلك أنه نهى فى سادس شهر رجب سنة تسعين وثلاثمائة أن يخاطب الناس بعضهم بعضا بسيدنا أو مولانا، وألّا يخاطب بذلك غيره «١» .
وفى سنة إحدى وتسعين، فى شهر المحرم، أمر أن تزيّن مصر ويفتح الناس دكاكينهم ليلا؛ ولازم الركوب بالليل، وكثر ازدحام النّاس، وصار البيع باللّيل أكثر من النهار، وأكثر الناس الوفود. وغلب النساء على أزواجهم على الخروج، فأمر فى رابع عشر الشّهر ألّا تخرج أمرأة من العشاء لهذا السبب، فلم يخرجن بعد أمره «٢» .
وفى سنة ثلاث وتسعين حصل للحاكم مرض المانخوليا، فأخذ فى قتل أرباب الدّولة وذوى المناصب وغيرهم، وصدر عنه من الأفعال [٥٣] ما نذكره إن شاء الله تعالى بتواريخه على حكم السّنين.
ذكر بناء الجامع المعروف بجامع راشده
كان ابتداء عمارته فى سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. وكان سبب إنشائه أن أبا المنصور الزيات الكاتب زرع هذا الموضع
стр. 10872
وبنى للنّصارى فيه كنيسة فرفع أمره للحاكم، فأمر بهدم الكنيسة وأن يجعل موضعها مسجدا، ثم أمر بالتوسعة فيه، فخربت مقابر اليهود والنّصارى؛ وجمع فيه الجمعة لليلتين بقيتا من الشهر، وبنى فيه منبر من الطّين، وصلّى فيه ابن عصفورة القارئ. ثم ظهر بعد ذلك أن المحراب وضع على غير صحّة فهدم ما كان ارتفع من البناء، ثم بنى عليه ما هو عليه الآن «١» .
ذكر بناء الجامع المعروف بالحاكم الذى هو بين باب النصر و [باب] «٢» الفتوح بالقاهرة
قد ذكرنا أن العزيز بالله كان قد اختطّه فى سنة ثمانين وثلاثمائة، ومات العزيز بالله ولم تكمل عمارته «٣» .
فلما كان فى سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، أمر الحاكم بالله بإتمامه. وقيل إن الوزير يعقوب بن كلّس، وزير العزيز، هو الذى كان بدأ بعمارته وقدّر له أربعين ألف دينار، فأخرج له خمسة آلاف دينار ومات ولم يكمل، فابتدئ بعمارته فى هذا التاريخ.
وفى هذه السنة قتل الحاكم مقداد ابن حسن كاتب جوهر، ضرب عنقه وأحرق بالنار، وفيها لليلتين خلتا من ذى الحجة قتل ريدان الصقلبى
стр. 10873
الخادم، وكان خصيصا به مكينا عنده، وإليه ينسب الريدانية التى هى بظاهر القاهرة خارج باب النّصر. وفيها قتل منجمه العكبرى صاحب الرّصد الحاكمى وكان شديد الاختصاص به. ونادى مناديه بإباحة دم المنجّمين وأنهم كفار، فهربوا ولم يبق بالديار المصرية منجم.
وفى سنة أربع وتسعين وثلاثمائة اشتدت السّوداء على الحاكم، فصار يركب فى الهاجرة حمارة بلقاء والسّياف بين يديه، فيقتل من يخطر بخاطره قتله. فقتل خلقا كثيرا وغرّق وأحرق، حتى قتل الركابية «١» وأصحاب السّتر والوزراء والقضاة؛ واستمرّ به هذا الحال.
وفى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، فى رابع عشرى المحرم قرئ سجل من الحاكم بمنع الملوخيا «٢» والمتوكلية «٣» والترمس المعفن والدّليس «٤» وعمل الفقاع «٥» ، وعن ذبح البقر «٦» ، وألا يدخل أحد الحمّام إلّا بمئزر، ولا تكشف امرأة وجهها فى طريق ولا خلف جنازة، وألا يباع من السّمك ما ليس له قشر.
стр. 10874
وفى رابع صفر منها كتب على المساجد بسب الصحابة رضى الله عنهم، وعلى حيطان الشوارع والقياسر «١» ، ثم نهى عن ذلك فى سنة سبع وتسعين.
وأمر اليهود والنصارى الا الحبابرة بلبس السّواد «٢» ، وأن يحمل النّصارى الصّلبان على أعناقهم، وأن يكون طول الصليب ذراعا وزنته عشرة «٣» أرطال، وعلى أعناق اليهود قوامى الخشب والجلاجل، وألا يركبوا شيئا من المراكب المحلّاة، وأن يكون ركبهم من الخشب وألا يستخدموا أحدا من المسلمين ولا يركبوا حمارا لمكّار مسلم.
وفى سابع عشرى صفر منها نودى بالقاهرة ألا يخرج أحد بعد عشاء المغرب إلى الطريق ولا يظهر بها.
وفى سادس عشر شهر ربيع الآخر منها أمر بقتل الكلاب فقتلت عن آخرها «٤» .
وفى تاسع عشر جمادى الآخرة فتحت دار بالقاهرة وسميت دار الحكمة «٥» ، وجلس فيها الفقهاء وحملت إليها الكتب من خزائن القصور، ونسخ النّاس من الكتب ما اختاروه؛ وجلس فيها القرّاء والفقهاء والنّحاة واللّغويون، والأطباء والمنجّمون، بعد أن فرشت وزخرفت، وعلّقت السّتور على جميع أبوابها وممرّاتها، وجعل لها قوّام وخدّام. وحصل فى هذه الدّار من الكتب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله، وأجريت بها الأرزاق.
стр. 10875
وفى هذا الشهر منع الناس من العبور إلى القاهرة ركّابا مع المكّارية، ومنع من الجلوس على باب الزّهومة «١» إلى أقصى [٥٤] الباب [المعروف] «٢» بباب الزمرد.
وفى سنة ستّ وتسعين وثلاثمائة ركب الحاكم فى موكبه ومعه أرباب دولته فمرّ على الموضع الذى يباع فيه الحطب وقد تراكمت الأحطاب فيه بعضها على بعض، فوقف وأمر أن تؤجّج النّار فى بعضها؛ ثم أمر بقاضى القضاة بمصر، وهو الحسين بن على بن النعمان، فأنزل عن دابّته ورمى به فى تلك النّار حتى هلك «٣» ، ولم يتقدّم له مقدّمة توجب ذلك «٤» . ثم مرّ كأن لم يصنع شيئا.
ذكر أبى ركوة وظهوره وما كان من أمره إلى أن قتل
كان ظهوره فى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وادّعى أنه الوليد بن هشام «٥» بن عبد الملك بن عبد الرحمن الأموى، وتلقّب بالثائر بأمر الله
стр. 10876
والمنتقم من أعداء الله. ونحن الآن نذكر أخباره وابتداء أمره، وكيف تنقّلت به الحال إلى أن كان منه ما نذكره إن شاء الله تعالى.
كان مولده بالأندلس ونشأ بها ثم خرج منها بحال سيّئة يجوب البلاد إلى أن وصل إلى القيروان، ففتح بها مكتبا يعلّم الصبيان فيه القرآن، ثم توجه منها إلى الإسكندرية ومنها إلى مصر فأقام بها وبأريافها يعلم الصبيان، ثم توجه إلى الفيّوم وعلّم بها الصبيان أيضا، وعاد إلى مصر، وخرج إلى سبك الضحاك «١» فنزل به على رجل يعرف بأبى اليمن، ثم نزل بقرنفيل «٢» وسار منها إلى البحيرة فنزل على بنى قرة. وكان الحاكم قبل ذلك فى سنة خمس وتسعين قد بعث إليهم جيشا مقدّمه أبو الفتيان التّركى وقتل الحاكم بعضهم وحرّقهم بالنّار، فوجدهم قد أجمعوا على أن يلتقوه بجموعهم ويحاربوه، ولم يعلموا من يقدّمونه عليهم، فعرّفهم أبو ركوة «٣» أنّه من بيت الخلافة، فانقادوا إليه وبايعوه بالخلافة، ونعت «٤» بأمير المؤمنين، وانضاف إليهم من لوانة ومزاتة وزناتة جمع كثير، وجاءوا إلى مكان بالقرب من برقة.
فلمّا بلغ الحاكم أمره جهز العساكر لقصده؛ فأول من خرج بها ينال الطّويل التركى فى منتصف شعبان سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، فالتقوا
стр. 10877
واقتتلوا، فقتل ينال وعامّة من معه من العساكر، وغنموا ما معهم.
وسار أبو ركوة إلى برقة وأخذها بعد حصار، فاستفحل أمره.
وشرع الحاكم فى تجريد العساكر إليه، فجهّزها فى شهر ربيع الأول سنة ستّ وتسعين وعليها ابن الأرمنية، فسار إلى المكان المعروف بالحمام «١» ، فلقيه بنو قرّة فى جماعتهم فهزموه وقتلوه وانتهبوا ما كان معه.
فندب الحاكم عسكرا وقدّم عليه أبا الحسن ابن فلاح وجلين وإبراهيم بن الأفرنجية؛ ثم ندب القائد أبا الفتوح فضل بن صالح لقتاله، فخرج إلى أرض الجيزة فى رابع شوال وأنفق فى العساكر، وكوتب على بن الجرّاح بالوصول إلى الحضرة، فورد من الشام فى سابع عشر شوّال. وورد الخبر بنهب الفيوم، فبعث الحاكم سريّة لحفظه، وسار الفضل بن صالح عن مكانه إلى ذات الكوم «٢» فى رابع ذى القعدة، وكسر أبو ركوة عسكر ابن فلاح ونهب سواده والخزائن التى معه، وقتل من أصحابه جماعة؛ فاضطرب النّاس واشتد خوفهم، وباتوا فى الدكاكين والشوارع. وتوجّه القائد فضل للقاء أبى ركوة، فالتقيا بموضع يعرف برأس البركة، على نصف مرحلة من مدينة الفيوم، لثلاث خلون من ذى الحجّة. واقتتل العسكران قتالا شديدا وانجلت الحرب عن قتل عامّة عسكر أبى ركوة. وانهزم أبو ركوة إلى بلاد النّوبة وتبعه الفضل إلى الأعمال القوصية.
стр. 10878
وذكر بعض المؤرخين أن الحاكم لمّا أعياه أمره دسّ إليه جماعة من أولياء دولته وأمرهم بطاعته، وأن يذكروا انحرافهم عن الحاكم بسبب قتله لهم؛ ففعلوا ذلك، فاغترّ به «١» ، ووصل معهم إلى أوسيم على ثلاثة فراسخ من القاهرة، فالتقى هو والفضل كما ذكرنا، واتّبعه، فبلغه أنه وصل إلى بلاد النوبة فكتب إلى متملكها يقول إن عدوّ أمير المؤمنين الحاكم فى بلادك، وكتب إلى صاحب الجبل وهو نائب صاحب دنقلة ومقره ببلد الدّو «٢» فيما بين دنقلة وأسوان. وندب الفضل من العسكر من توجّه لقبضه، وكان المساعد على مسكه الشيخ أبو المكارم هبة الله، شيخ بنى ربيعة وقيل إنه وجد فى دير يعرف بدير أبى شنودة فى أطراف النوبة، فمسك. وكان الطعن به فى شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.
وعاد القائد فضل إلى القاهرة فوصل إلى بركة الحبش فى يوم الجمعة، النّصف من جمادى الآخرة منها، وتلقّاه أكابر الدّولة الحاكميّة؛ وركب فى سابع عشر الشّهر وأبو ركوة على جمل وعلى رأسه طرطور، وطيف به على هذه الصفة وخلفه قرد يصفعه «٣» ، ثم صلب [٥٥] وضربت عنقه وجهّزت
стр. 10879
رأسه إلى البلاد.
ونقل بعض المؤرخين أنه اعتبرت الأكياس التى خرجت مع القائد فضل لمّا خرج للقاء أبى ركوة، وكان زنتها فوارغ خمسة وعشرين قنطارا. وقيل إنّ جملة ما أنفق ألف ألف دينار والله أعلم.
وفى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة أمر الحاكم بقتل أصحاب الأخبار حيثما وجدوا؛ وذلك أن كان قد قتل خلقا كثيرا لسعايتهم، ثم اطّلع على خيانتهم وأنهم ضيّروا ذلك معيشة، فقتلهم عن آخرهم.
وفيها أمر بهدم كنيسة قمامة بالبيت المقدس، فكتب ابن خيران صاحب ديوان الإنشاء فى ذلك «خرج أمر الإمامة بهدم كنيسة قمامة «١» ، فليصيّر طولها عرضا، وسقفها أرضا» .
وفى سنة ثمان وتسعين أيضا، فى سابع عشرى «٢» شعبان، عزل القائد حسين بن جوهر عن جميع ما كان يتولّاه، وكتب سجل بتوليته صالح بن على بن صالح الروزبارى فانصرف الحسين إلى داره وأمر بلزومها، ثم خلع عليه وركب فى رابع عشر جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة «٣» .
وفى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، فى يوم الجمعة التاسع من شهر رمضان، حضر النّاس إلى القصر وقرئ سجل لصالح بن علىّ لقب فيه بثقة الثقات للسّيف والقلم، وخلع عليه، وقيّد بين يديه بغلات وخيل.
стр. 10880
وفيها مرض الحاكم فداواه بن معشر، فأعطاه عشرة آلاف دينار.
وفيها سخط الحاكم على وزيره ابن المغربى وقتله، وقتل أخاه وابنه، وهرب ابنه الآخر إلى الشام.
وفيها فى تاسع عشر ذى الحجّة أمر الحاكم بهدم كنائس القنطرة التى فى طريق المقس وكنائس حارة الرّوم، فهدم جميع ذلك.
وفى سنة أربعمائة، فى يوم الخميس حادى عشر شهر رمضان، جمع الأولياء. وأصحاب الدواوين فى صحن الإيوان بالقصر، وخلع على أبى نصر بن عبدون، وقرئ سجله، ولقّب بالكافى، وولى مكان صالح بن على بن صالح الروزبارى. وكانت مدّة ولاية صالح سنتين وأربعة عشر يوما.
ذكر خروج آل الجرّاح على الحاكم ومتابعتهم لأبى الفتوح الحسن بن جعفر الحسنى وما كان من أمرهم
كان سبب ذلك أنّ نصر بن عبدون كان بينه وبين بنى المغربى عداوة متمكنة، فسعى بهم عند الحاكم وأغراه، إلى أن أمر بضرب أعناقهم، وذلك فى ثالث ذى القعدة سنة أربعمائة؛ فقتل أخوى الوزير وولده وثلاثة من أهل بيته، واستتر الوزير أبو القاسم بن المغربى وهرب إلى الشام، فى تاسع ذى القعدة منها، والتجأ إلى حسّان بن المفرج بن دغفل بن الجرّاح، واستجار به فأجاره؛ وأنشده عند دخوله عليه:
стр. 10881
أمّا وقد خيّمت وسط الغاب ... فليقسونّ على الزّمان عتابى
يترنّم الفولاذ دون مخيّمى ... وتزعزع الخرصان دون قبابى
وإذا بنيت على الثّنيّة خيمة ... شدّت إلى كسر القنا أطنابى
وهى قصيدة مطولة مدح بها آل الجرّاح. فلما سمعها حسّان هشّ لها وجدّد من القول ما طاب به قلب الوزير وسكن جأشه.
ثم حسّن ابن المغربى لبنى الجراح أنّ يخرجوا عن طاعة الحاكم، فوافقوه على ذلك، وقتلوا نارتكين أحد الأمراء الحاكميّة المقيم بالرّملة؛ ثم حسّن لهم أن يقيموا أبا الفتوح الحسن بن جعفر الحسنى خليفة، وهو أمير الحرمين يومئذ «١» ، وأن يحضروه من مكّة؛ فأجابوه إلى ذلك، وأسلوا إلى مكّة وأحضروه إليهم. فلمّا قرب أبو الفتوح من ديار بنى الجرّاح خرجوا إليه وتلقّوه، وقبّلوا الأرض بين يديه، وبايعوه بالخلافة ولقبوه الرّاشد بالله.
فحينئذ صعد أبو القاسم بن المغربى المنبر وخطب خطبة يحرّض الناس فيها على الخروج على الحاكم، فأشار إلى مصر وقرأ: طسم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ* وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي
стр. 10882
الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما [مِنْهُمْ] «١» ما كانُوا يَحْذَرُونَ
«٢» .
فلمّا سمع الحاكم ذلك أزعجه، فندب الجيوش لقتالهم، مع ياروخ تكين العزيزى، فاعترضه حسّان بين رفح والدّاروم «٣» ، والتقوا واقتتلوا، فانهزمت أصحاب ياروخ تكين، وأسر هو ونقل إلى الرّملة، وسمع غناء جواريه وحظاياه بحضوره وهو مقيّد معه فى المجلس، وارتكب معه الفواحش العظيمة، ثم قتله صبرا بين يديه.
وبقى الشّام لبنى الجرّاح. فشرع الحاكم [٥٦] يأخذهم بالملاطفة، وراسلهم، وبذل لهم الرّغائب والأموال، والأقمشة والجوارى، وقرّر لكلّ واحد منهم خمسين ألف دينار عينا، واستمالهم عن أبى الفتوح. فاتصل ذلك بأبى الفتوح، فقال لهم: إن أخى قد خرج بمكة، وأخاف أن يستأصل ملكى بها. فأعادوه إلى مكّة فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة. وكان الحاكم قد أرسل إلى الوزير أبى القاسم بن المغربى وكتب له أمانا واستماله، وبنى على أهله تربا فى القرافة وهى «٤» ستّ ترب، وتعرف بالسبع قباب إلى هذا الوقت.
ولما ورد أمان الحاكم على أبى القاسم وهو مقيم عند بنى الجراح أجابه برسالة وضمّن أولها بيتين:
стр. 10883
وأنت، وحسبى أنت، تعلم أنّ لى ... لسانا أمام المجد يبنى ويهدم «١»
وليس كريما «٢» من تباس يمينه ... فيرضى، ولكن من يعضّ فيحلم
وسأل آل الجرّاح أن يجهّزوه إلى العراق فجهّزوا معه من أخرجه من بلاد المغاربة؛ وعاد بنو الجرّاح إلى طاعة الحاكم. وأقام ابن المغربى بالعراق إلى أن توفى بميّافارقين «٣» فى سنة ثمان عشرة وأربعمائة؛ وحمل إلى الكوفة فدفن بها. ولمّا فارق آل الجراح قدم بغداد وتقلد الوزارة لمشرف الدولة بن بويه كما ذكرنا ذلك فى أخبار الدّولة البويهيّة «٤» .
ذكر تفويض السّفارة والوساطة لأحمد بن محمد القشورى وقتله
وفى سنة إحدى وأربعمائة فى يوم الخميس رابع المحرّم استدعى الحاكم النّاس على طبقاتهم إلى القصر فركبوا «٥» معه إلى خارج باب الفتوح، ثمّ عاد إلى قصره وأمر من مكان بالموكب بالنّزول إلى القصر، فنزلوا وحضروا فى الإيوان. فخرج من عند الحاكم خادم فأخذ بيد أحمد بن محمد المعروف بالقشورى «٦» الكاتب وأخرجه من بين القوم، ثم عاد القشورى وقد خلع
стр. 10884
عليه وبيده سجلّ، فأخذه أبو على العبّاسى الخطيب وقرأه على النّاس، فإذا هو يتضمّن تقليده السّفارة والوساطة بين النّاس وبين الحاكم، وتفويض الأمور إليه. وصرف ابن عبدون. وأقام [القشورى] «١» إلى الثالث عشر من الشّهر، فقبض عليه وقت الظّهر وهو فى مجلس ولايته، وضربت رقبته، ولفّ فى حصير ورمى. فكانت ولايته عشرة أيام. وكان سبب ذلك إكرامه للقائد حسين بن جوهر وتعظيمه له وكثرة سؤاله الحاكم فى معناه.
وفوضت هذه الوظيفة فى يوم الأحد رابع عشر الشّهر لأبى الخير زرعة «٢» ابن عيسى بن نسطورس النصرانى الكاتب، على عادة من تقدّمه، ولم يخلع عليه إذ ذاك، ثم خلع عليه فى سابع عشر شهر ربيع الآخر منها.
وفى السادس والعشرين منه قرئ بجامع مصر سجلّ يتضمّن النّهى عن معارضة الحاكم فيما يفعله، وترك الخوض فيما لا يعنى، وإعادة حىّ على خير العمل فى الأذان، وإسقاط الصّلاة خير من النّوم، والنّهى عن صلاة التراويح والضّحى.
وفى ثانى عشر شهر جمادى الآخرة دخل قائد القواد الحسين بن جوهر، والقاضى عبد العزيز بن النعمان إلى القصر، وكان قد خلع عليهما فى ثانى صفر، فلمّا أراد الانصراف بعث إليهما زرعة بن نسطورس يقول إن الخليفة يريدكما لأمر يختاره. فجلسا حتى انصرف النّاس، فقتلا وقتل معهما أبو على أخو الفضل بن صالح، ووقعت الحوطة على دارهم.
стр. 10885
وفى سنة إحدى واربعمائة قامت دعوة الحاكم بالمدائن، وهى على نصف مرحلة من بغداد، وخطب له بمدينة الأنبار وقصر ابن هبيرة «١» من العراق بدخول مالك بن عقيل بن قراوش بن المقلد «٢» فى طاعته وإظهار تشيّعه، وذلك فى أيام الخليفة القادر العباسى «٣» . ثم بلغ قراوش بن المقلّد اختلال أمر الحاكم وقتله أرباب دولته وأن المانخوليا غلبت عليه، فأعاد الخطبة العباسيّة.
وفيها قام بدعوة الحاكم بمدينة الجامعين وهى الحلة «٤» وما جاورها من العراق الأمير على «٥» بن مزيد الأسدى، وكان قد هزم خفاجه واستولى على بلادهم وخطب فيها للحاكم.
وفى سنة اثنتين وأربعمائة تاب الحاكم ونهى عن شرب الخمر وعن كلّ ما يعمل منه، كالزبيب والعسل؛ ونفى المغانى، وحرّم الملوخيا، ومنع أن تقبّل الأرض بين يديه، وأن تقبّل يده، وأن يخاطب بمولانا؛ واقتصر على قولهم السّلام على أمير المؤمنين.
стр. 10886
وفى سنة ثلاث وأربعمائة قطعت كروم العنب بأسرها ورميت إلى الأرض ودرست بالبقر، وجمع ما كان من الخمر بالمخازن وأهريق فى البحر. وفيها كسرت جرار العسل؛ وأمر اليهود والنّصارى بلبس العمائم السّود إلا الجبابرة، ومنعوا أن يستخدموا [٥٧] المسلمين؛ وأن يركبوا مع المكّارية؛ وإذا دخل النّصرانى الحمّام يكون الصليب فى عنقه، واليهودى الجلجل؛ ثم أفرد بعد ذلك حمّامات للنّصارى وحمامات لليهود؛ وأسلم جماعة من النصارى فى شهر ربيع الأول.
وفيها فى شهر ربيع الآخر شدّد الحاكم على النّصارى واليهود فى حمل الصّلبان، وأن يكون الصّليب فى طول ذراع وزنته خمسة أرطال «١» ، فلما أضرّ ذلك بهم دخلوا فى دين الإسلام.
وفيها فى شهر رمضان أمر الحاكم ببناء مصلّى العيد «٢» بسفح المقطّم وأحسن بناءه، وكان قبل ذلك ضيّقا صغيرا، فهدمه الحاكم وبناه على ما هو عليه الآن.
ذكر هدم كنائس الدّيار المصرية
وفى العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة أمر الحاكم بهدم جميع الكنائس بالديار المصرية فسأل جماعة من النّصارى أن يتولّوا هدم كنائسهم بأيديهم وأن يبنوها مساجد؛ فوهب الحاكم جميع الكنائس بجميع
стр. 10887
ما فيها من أوانى الذّهب والفضة وغيرها من الحواصل والمآكل ومالها من رباع وأملاك لجماعة من الصّقالبة والفرّاشين والسعدية، ولم يردّ من سأله شيئا منها، وكوتب كلّ متصرّف فى عمل من الأعمال بهدم ما فى عمله من الكنائس، فهدمت من جميع أعمال الديار المصرية.
وفى ثالث شهر رجب منها قرئ سجل بتحبيس ضياع ومواضع على الفقراء والفقهاء والمؤذّنين بالجوامع.
وفى رابع عشر جمادى الآخرة منها أمر الحاكم بعمل رصد «١» بالقرافة، فنزل القاضى مالك بن سعد وأشرف على الرّصد وابتدأ بعمله ولم يتم.
ذكر البيعة بولاية العهد لأبى القاسم عبد الرحيم
وفى ثالث شهر ربيع الأوّل، سنة أربع وأربعمائة «٢» عهد الحاكم بولاية العهد بعده لابن عمّه أبى القاسم عبد الرّحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدى، فبويع بولاية العهد، وكتب اسمه على السّكة، ودعى له على المنابر.
وفيها منع الحاكم النّساء من الخروج مطلقا ليلا أو نهارا، ومن دخول الحمّامات، وطلوع الأسطحة، ومنع الأساكفة من عمل الخفاف لهنّ، وشدّد فى ذلك، فشكى إليه التّجار من ذلك، فأمرهم أن يحملوا ما يبيعونه
стр. 10888
فى الأسواق ويطوفوا به فى الدّروب ويبيعوا النساء، وأن يكون للمرأة شىء مثل المغرفة بساعد طويل تتناول به ما تبتاعه من الرّجل. ثمّ أمر بإطلاق العجائز والإماء فى يوم الخميس تاسع شهر رمضان منها، فخرج بعض النّساء إلى القصر داعيات للحاكم، فعلم بهنّ فأعاد المنع والتشديد فى يومه، ولم يسمح إلا للنّساء المتظلمات للشّرع، والخارجات للحجّ، والإماء للبيع، والأرامل، وغواسل الأموات، والأرامل اللّواتى يبعن الغزل.
ذكر إحراق مصر وقتال أهلها .
كان سبب ذلك أن الحاكم ركب فى ذى القعدة سنة عشر وأربعمائة، فوجد صورة امرأة متردّية عملت من قراطيس، وفى يدها جريدة عليها ورقة فيها سبّ للحاكم وأسلافه وذكره بقبيح الفعال. فلمّا وقف عليها أمر بنهب مصر وحرق بعض دورها، وفرّق السلاح على السّودان والعبيد، فتبادروا إليها وفعلوا ما أمرهم به. فقام أهلها وقاتلوا قتالا شديدا ثلاثة أيّام، ثم أرسلوا إلى الحاكم يستقبلون فلم يقلهم، فعاودوا القتال؛ وأحرق من مصر جانب جيد. فلما رأى الحاكم أن الأمر يؤول إلى التّلاف كفّ عنهم بعد أن تلف من العقار ما لا تحصى قيمته، وسيّر عيادا الصقلبى إليها فى جماعة من الجند لنسكين الفتنة، فشاهد أمرا عظيما، فعاد إلى الحاكم وذكر له قبح النّازلة وعظم الفادحة وقال: لو أن بسيل ملك الروم دخل مصر لما استحسن أن يفعل فيها هذا الفعل. فغضب الحاكم من كلامه وأمر بقتله، فقتل.
وفى سنة عشر وأربعمائة أمر الحاكم وولىّ العهد، عبد الرّحيم بن إلياس، بالخروج إلى دمشق واليا عليها، ثم عزله فى شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
стр. 10889
وفى شهر رجب [٥٨] منها اشتدّ غضب الحاكم على أهل مصر فأحرق السّاحل، ووقع النّهب فى الأسواق والقياسر «١» .
وسنذكر إن شاء الله السّبب الذى أوجب خروج الحاكم على أهل مصر إلى أن فعل بهم ما فعل.
ذكر غيبة الحاكم بأمر الله وعدمه والسّبب الذى نقل فى إعدامه، وشىء من أخباره وسيرته غير ما تقدم
قال المؤرخ: لمّا كان فى آخر ليلة الاثنين السّابع والعشرين من شوّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ركب الحاكم حماره وخرج على جارى عادته، فأصبح عند قبر الفقاعىّ «٢» بقرافة مصر وردّ من كان معه، ففقد من ذلك الوقت. ولم يزل النّاس يخرجون ويلتمسون رجوعه إلى يوم الخميس سلخ الشهر؛ ثم خرج مظفّر حامل المظلّة فى يوم الأحد الثّالث من ذى القعدة ومعه جماعة الأمراء والكتاميين إلى حلوان، وأمعنوا فى الكشف. فبينما هم كذلك إذ بصروا بالحمار الّذى كان الحاكم قد خرج عليه وهو على قرنة الجبل، وقد ضربت يداه بالسيف فأثر فيهما، فتتبّع الأثر فإذا أثر الحاكم وأثر آخر خلفه وآخر أمامه، فقصّوه حتى انتهوا إلى بركة القصب شرقىّ حلوان، فأنزلوا
стр. 10890
رجلا من الرّجالة فوجد ثياب الحاكم فى البركة، وهى سبع جباب «١» مزرّرة لم تحلّ أزرارها، وفيها آثار السكاكين، فعادوا إلى القصر ولم يشكّوا فى قتله.
وأما السبب الذى نقل فى إعدامه فقالوا: كان السّبب فى ذلك أنّ ستّ لملك أخت الحاكم وقع بينها وبينه، فتنكّر لها وهمّ بقتلها. وكرهت أمورا صدرت منه منها أنه رأى بعض قهارمتها داخلة إلى القصر، فقال لها: قد سمعت أنّكم تجمعون الجموع وتدخل إليكم الرّجال؛ والله لأقتلنّكم أجمعين. «٢» وتكرر هذا القول منه، فأعملت ستّ الملك الحيلة فى إعدامه، وخرجت ليلا إلى دار الأمير سيف الدّين حسين ابن دوّاس «٣» ، فدخلت عليه واختلت به وعرّفته بنفسها أنها ابنة العزيز بالله أخت الحاكم؛ فعظّمها، وبالغ فى إكرامها. فقالت له: إنّك قد علمت ما فعل أخى وما صدر منه من سفك الدّماء وقتل الأولياء ووجوه الدّولة بغير سبب، وقد عزم على قتلك وقتلى. فقال لها: فكيف الحيلة فى أمره، فأشارت: أن تجهّز إليه رجالا يقتلونه إذا خرج إلى حلوان فإنه ينفرد بنفسه هناك، ووعدته أن يكون هو المدبّر لدولة ولده والوزير لها. فاتّفقا على ذلك وتحالفا عليه، ورجعت هى إلى قصرها.
فلمّا ركب الحاكم وانفرد عند وصوله إلى المقطّم على عادته، كان ابن دوّاس قد أحضر عشرة من العبيد، وأعطى كلّ واحد منهم خمسمائة دينار، وحلّفهم، وعرّفهم كيف يقتلونه. فسبقوه إلى الجبل فى تلك اللّيلة؛ فلمّا
следующие страницы →