← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.

стр. 10886

وفى سنة ثلاث وأربعمائة قطعت كروم العنب بأسرها ورميت إلى الأرض ودرست بالبقر، وجمع ما كان من الخمر بالمخازن وأهريق فى البحر. وفيها كسرت جرار العسل؛ وأمر اليهود والنّصارى بلبس العمائم السّود إلا الجبابرة، ومنعوا أن يستخدموا [٥٧] المسلمين؛ وأن يركبوا مع المكّارية؛ وإذا دخل النّصرانى الحمّام يكون الصليب فى عنقه، واليهودى الجلجل؛ ثم أفرد بعد ذلك حمّامات للنّصارى وحمامات لليهود؛ وأسلم جماعة من النصارى فى شهر ربيع الأول. وفيها فى شهر ربيع الآخر شدّد الحاكم على النّصارى واليهود فى حمل الصّلبان، وأن يكون الصّليب فى طول ذراع وزنته خمسة أرطال «١» ، فلما أضرّ ذلك بهم دخلوا فى دين الإسلام. وفيها فى شهر رمضان أمر الحاكم ببناء مصلّى العيد «٢» بسفح المقطّم وأحسن بناءه، وكان قبل ذلك ضيّقا صغيرا، فهدمه الحاكم وبناه على ما هو عليه الآن. ذكر هدم كنائس الدّيار المصرية وفى العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة أمر الحاكم بهدم جميع الكنائس بالديار المصرية فسأل جماعة من النّصارى أن يتولّوا هدم كنائسهم بأيديهم وأن يبنوها مساجد؛ فوهب الحاكم جميع الكنائس بجميع

стр. 10887

ما فيها من أوانى الذّهب والفضة وغيرها من الحواصل والمآكل ومالها من رباع وأملاك لجماعة من الصّقالبة والفرّاشين والسعدية، ولم يردّ من سأله شيئا منها، وكوتب كلّ متصرّف فى عمل من الأعمال بهدم ما فى عمله من الكنائس، فهدمت من جميع أعمال الديار المصرية. وفى ثالث شهر رجب منها قرئ سجل بتحبيس ضياع ومواضع على الفقراء والفقهاء والمؤذّنين بالجوامع. وفى رابع عشر جمادى الآخرة منها أمر الحاكم بعمل رصد «١» بالقرافة، فنزل القاضى مالك بن سعد وأشرف على الرّصد وابتدأ بعمله ولم يتم. ذكر البيعة بولاية العهد لأبى القاسم عبد الرحيم وفى ثالث شهر ربيع الأوّل، سنة أربع وأربعمائة «٢» عهد الحاكم بولاية العهد بعده لابن عمّه أبى القاسم عبد الرّحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدى، فبويع بولاية العهد، وكتب اسمه على السّكة، ودعى له على المنابر. وفيها منع الحاكم النّساء من الخروج مطلقا ليلا أو نهارا، ومن دخول الحمّامات، وطلوع الأسطحة، ومنع الأساكفة من عمل الخفاف لهنّ، وشدّد فى ذلك، فشكى إليه التّجار من ذلك، فأمرهم أن يحملوا ما يبيعونه

стр. 10888

فى الأسواق ويطوفوا به فى الدّروب ويبيعوا النساء، وأن يكون للمرأة شىء مثل المغرفة بساعد طويل تتناول به ما تبتاعه من الرّجل. ثمّ أمر بإطلاق العجائز والإماء فى يوم الخميس تاسع شهر رمضان منها، فخرج بعض النّساء إلى القصر داعيات للحاكم، فعلم بهنّ فأعاد المنع والتشديد فى يومه، ولم يسمح إلا للنّساء المتظلمات للشّرع، والخارجات للحجّ، والإماء للبيع، والأرامل، وغواسل الأموات، والأرامل اللّواتى يبعن الغزل. ذكر إحراق مصر وقتال أهلها . كان سبب ذلك أن الحاكم ركب فى ذى القعدة سنة عشر وأربعمائة، فوجد صورة امرأة متردّية عملت من قراطيس، وفى يدها جريدة عليها ورقة فيها سبّ للحاكم وأسلافه وذكره بقبيح الفعال. فلمّا وقف عليها أمر بنهب مصر وحرق بعض دورها، وفرّق السلاح على السّودان والعبيد، فتبادروا إليها وفعلوا ما أمرهم به. فقام أهلها وقاتلوا قتالا شديدا ثلاثة أيّام، ثم أرسلوا إلى الحاكم يستقبلون فلم يقلهم، فعاودوا القتال؛ وأحرق من مصر جانب جيد. فلما رأى الحاكم أن الأمر يؤول إلى التّلاف كفّ عنهم بعد أن تلف من العقار ما لا تحصى قيمته، وسيّر عيادا الصقلبى إليها فى جماعة من الجند لنسكين الفتنة، فشاهد أمرا عظيما، فعاد إلى الحاكم وذكر له قبح النّازلة وعظم الفادحة وقال: لو أن بسيل ملك الروم دخل مصر لما استحسن أن يفعل فيها هذا الفعل. فغضب الحاكم من كلامه وأمر بقتله، فقتل. وفى سنة عشر وأربعمائة أمر الحاكم وولىّ العهد، عبد الرّحيم بن إلياس، بالخروج إلى دمشق واليا عليها، ثم عزله فى شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وأربعمائة.

стр. 10889

وفى شهر رجب [٥٨] منها اشتدّ غضب الحاكم على أهل مصر فأحرق السّاحل، ووقع النّهب فى الأسواق والقياسر «١» . وسنذكر إن شاء الله السّبب الذى أوجب خروج الحاكم على أهل مصر إلى أن فعل بهم ما فعل. ذكر غيبة الحاكم بأمر الله وعدمه والسّبب الذى نقل فى إعدامه، وشىء من أخباره وسيرته غير ما تقدم قال المؤرخ: لمّا كان فى آخر ليلة الاثنين السّابع والعشرين من شوّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ركب الحاكم حماره وخرج على جارى عادته، فأصبح عند قبر الفقاعىّ «٢» بقرافة مصر وردّ من كان معه، ففقد من ذلك الوقت. ولم يزل النّاس يخرجون ويلتمسون رجوعه إلى يوم الخميس سلخ الشهر؛ ثم خرج مظفّر حامل المظلّة فى يوم الأحد الثّالث من ذى القعدة ومعه جماعة الأمراء والكتاميين إلى حلوان، وأمعنوا فى الكشف. فبينما هم كذلك إذ بصروا بالحمار الّذى كان الحاكم قد خرج عليه وهو على قرنة الجبل، وقد ضربت يداه بالسيف فأثر فيهما، فتتبّع الأثر فإذا أثر الحاكم وأثر آخر خلفه وآخر أمامه، فقصّوه حتى انتهوا إلى بركة القصب شرقىّ حلوان، فأنزلوا

стр. 10890

رجلا من الرّجالة فوجد ثياب الحاكم فى البركة، وهى سبع جباب «١» مزرّرة لم تحلّ أزرارها، وفيها آثار السكاكين، فعادوا إلى القصر ولم يشكّوا فى قتله. وأما السبب الذى نقل فى إعدامه فقالوا: كان السّبب فى ذلك أنّ ستّ لملك أخت الحاكم وقع بينها وبينه، فتنكّر لها وهمّ بقتلها. وكرهت أمورا صدرت منه منها أنه رأى بعض قهارمتها داخلة إلى القصر، فقال لها: قد سمعت أنّكم تجمعون الجموع وتدخل إليكم الرّجال؛ والله لأقتلنّكم أجمعين. «٢» وتكرر هذا القول منه، فأعملت ستّ الملك الحيلة فى إعدامه، وخرجت ليلا إلى دار الأمير سيف الدّين حسين ابن دوّاس «٣» ، فدخلت عليه واختلت به وعرّفته بنفسها أنها ابنة العزيز بالله أخت الحاكم؛ فعظّمها، وبالغ فى إكرامها. فقالت له: إنّك قد علمت ما فعل أخى وما صدر منه من سفك الدّماء وقتل الأولياء ووجوه الدّولة بغير سبب، وقد عزم على قتلك وقتلى. فقال لها: فكيف الحيلة فى أمره، فأشارت: أن تجهّز إليه رجالا يقتلونه إذا خرج إلى حلوان فإنه ينفرد بنفسه هناك، ووعدته أن يكون هو المدبّر لدولة ولده والوزير لها. فاتّفقا على ذلك وتحالفا عليه، ورجعت هى إلى قصرها. فلمّا ركب الحاكم وانفرد عند وصوله إلى المقطّم على عادته، كان ابن دوّاس قد أحضر عشرة من العبيد، وأعطى كلّ واحد منهم خمسمائة دينار، وحلّفهم، وعرّفهم كيف يقتلونه. فسبقوه إلى الجبل فى تلك اللّيلة؛ فلمّا

стр. 10891

انفرد خرجوا عليه وقتلوه بالمكان الّذى ذكرناه، وخرج الموكب لتلقّيه على العادة، فطال انتظارهم له فلم يرجع، فعادوا؛ ثمّ خرجوا ثانيا وقصّوا الأثر، فوجدوا حماره وثيابه، كما ذكرناه، فعادوا إلى القصر وطلبوه من أخته ستّ الملك وقالوا: إن مولانا ما جرت عادته بهذا. فقالت لهم: إن رقعته قد وصلت إلينا أنه يأتى بكرة الغد. فتفرّقوا. فبعثت الأموال إلى وجوه الدّولة والقوّاد على يد ابن دوّاس، وبقى الأمر مستمرّا والحال متماسكا إلى عاشر ذى الحجة من السنة، فجرى بين العساكر وبين ستّ الملك كلام كثير أوجب أنها أخرجت إليهم ولده أبا الحسن عليّا فى يوم الأضحى فبايعه الناس، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخباره، هذا ما حكى فى سبب إعدامه. وأما سيرته وأفعاله وأخباره، فقد قدّمنا منها على حكم السنين ما قدمنا، فلنذكر خلاف ذلك. قال المؤرخ: كان الحاكم سيئ الاعتقاد، كثير التنقّل من حال إلى حال. كان فى ابتداء أمره يلبس الثّياب الفاخرة والمذهبة، والعمائم المنظومة بالجوهر النّفيس، ويركب فى السّروج المحلّاة، ثم ترك ذلك على تدريج أن ينتقل منه إلى لباس المعلم غير المذهب، ثم لباس الساذج؛ ثم زاد به الأمر حتى لبس الصّوف والشواشى وركب الحمير، وأظهر الزّهد، وكثر استطلاعه على أخبار النّاس، فلم يخف عليه خبر رجل ولا امرأة من حواشيه ورعيّته وكان يأخذ بيسير الذّنوب، ولا يملك نفسه عند غضبه؛ أفنى خلقا كثيرا، وأقام هيبة عظيمة. وكان مع طعيانه المستمرّ وفتكه، وسفكه للدّماء، وظلمه، يركب وحده تارة وفى الموكب أخرى، وفى المدينة طورا وفى البرّيّة آونة، والنّاس كافّة على غاية الهيبة له والخوف منه، وهو بينهم كالأسد

стр. 10892

الضارى «١» ثم عنّ له أن يدّعى الإلهية، ويصرّح بالحلول والتّناسخ، ويحمل النّاس عليه. وألزم النّاس أن يسجدوا له مدة إذا ذكر؛ فلم يذكر فى محفل أو غيره إلّا سجد من سمع بذكره، وقبّل الأرض إجلالا له [٥٩] . ثم لم يرضه ذلك «٢» فلمّا كان فى شهر رجب سنة تسع وأربعمائة ظهر رجل يقال له حسن ابن حيدرة الفرغانى الأخرم يرى حلول الإله فى الحاكم ويدعو إلى ذلك، ويتكلّم فى إبطال النّبوّة «٣» ، ويتأوّل جميع ما وردت به الشريعة «٤» . فاستدعاه الحاكم [وقد كثر تبعه] «٥» وخلع عليه خلعا سنيّة، وحمله على فرس بسرجه ولجامه، وركّبه فى موكبه [وذلك] «٦» فى ثانى شهر رمضان منها. فبينما هو يسير فى الموكب فى بعض الأيام تقدّم إليه رجل من الكرخ [وهو على جسر طريق المقس] «٧» فألقاه عن فرسه، ووالى الضّرب عليه حتى قتله [وارتج الموكب] «٨» ، وأمسك الكرخى فأمر الحاكم بقتله، فقتل لوقته ونهب الناس دار الأخرم فى القاهرة. وكان بين الخلع عليه وقتله ثمانية أيام «٩» . ثم ظهر رجل من دعاته فى سنة عشر وأربعمائة يقال له حمزة اللباد، أعجمى من الزّوزن، ولازم الجلوس فى المسجد الذى عند سقاية ريدان خارج باب

стр. 10893

النصر، وأظهر الدعاء إلى عبادة الحاكم وأنّ الإله حلّ فيه. واجتمع إليه جماعة من غلاة الإسماعيليّة، وتلقّب بهادى المستجيبين. وكان الحاكم إذا ركب إلى تلك الجهة خرج إليه من المسجد وانفرد به وحادثه، وتمادى على ذلك وارتفع شأنه؛ واتّخذ لنفسه خواصّ لقّبهم بألقاب، منهم رجل لقّبه بسفير القدرة وجعله رسولا له، وكان يرسله لأخذ البيعة على الرؤساء على اعتقاده فى الحاكم، فلم يمكنهم مخالفته خوفا على نفوسهم من بطشه «١» . ثم نبغ شابّ من مولّدى الأتراك اسمه أنوشتكين النجارى «٢» ، ويعرف بالدّرزى، فسلك طريق الزّوزنى وكثرت أتباعه. وكان الحاكم أيضا يقف معه ويخلو به؛ وسمّى نفسه سند الهادى «٣» وحياة المستجيبين. واستمر الأمر على ذلك إلى الثّانى عشر من صفر، سنة إحدى عشرة «٤» وأربعمائة، فاجتمع جماعة من أصحاب حمزة الزّوزنى على خيول وبغال، ودخلوا الجامع العتيق ركبانا وهم يعلنون بمذهبهم، وجاء ثلاثة منهم إلى الموضع الذى يجلس فيه قاضى القضاة، والمتحاكمون جلوس، ينتظرونه، فتكلّموا بكلام أنكره الناس وضجّوا بالتكبير والتهليل والثناء على الله ، واجتمع أهل مصر بالجامع من كلّ جهة، ومضى بعض الناس للقاء القاضى فلقوه وعرّفوه ما جرى، فجاء إلى المجلس، فتقدّم إليه أحد الثّلاثة فناوله رقعة من الزوزنى «٥» فى أولها: «بسم الحاكم الله الرّحمن الرّحيم» يأمره فيها بالاعتراف

стр. 10894

بإلهيّة الحاكم. فلم يجبه القاضى بشىء سوى أن قال حتى أدخل إلى حضرة مولانا. فطاوله الكلام، فقتله العوامّ وقتلوا رفيقيه والجماعة الّذين بالجامع أبرح قتل. ووثب العوامّ على قوم كانوا يعرفونهم بهذا المعتقد فقتلوا من وجدوه منهم وحرّقوهم «١» . فلمّا اتّصل ذلك بالحاكم أمر بعزل أصحاب الشّرط وولّى غيرهم، وأمرهم بطلب من اعتدى على أصحاب الزّوزنى، فقبضوا على جماعة منهم يناهزون الأربعين، فقتلوا فى أوقات متعدّدة. واجتمع الأتراك وقصدوا دار الزّوزنى فغلّقها عليه وعلى من عنده، وقاتلهم من أعلاها، فهدموها ونهبوا ما فيها، وقتلوا نحوا من الأربعين رجلا ممّن كان معه فيها. وفرّ الزّوزنى فلم يقدر عليه، ودخل إلى القصر، فأخفاه الحاكم فيه. فاجتمع الأتراك ولبسوا سلاحهم وطلبوه من الحاكم، فوعدهم بتسليمه لهم، فانصرفوا. ثمّ ركبوا فى اليوم الثّانى وطلبوه منه، فخرج جوابه لهم أنّه قتل؛ فرجعوا إلى ريدان فى طلب الزّوزنى فلم يجدوه. وأظهر الحاكم الغضب على كافّة الجند طول شهر ربيع الأول، ثم رضى عنهم فى الرّابع من شهر ربيع الآخر. وتحقق [الحاكم] «٢» أنّ أوّل من جرّأ عليه العسكر وحملهم على قتل دعاته أهل مصر، فأمهلهم حتّى دخل جمادى الآخر، ثم ابتدأ فى التّدبير عليهم. فأوّل ما عمل أن سلّط عليهم الرّجّالة ومقدّمى السّودان وغيرهم، وقرّر

стр. 10895

معهم أن ينزلوا إلى مصر على هيئة المناسر «١» ، فيكبسون الحمّامات ومنازل أهل مصر؛ فكانوا يفعلون ذلك نهارا. وتكرّر ذلك منهم، فاجتمع النّاس ووقفوا للحاكم وسألوه أن يكفّ عنهم أيديهم، فما أجابهم بجواب فتزايد بهم الضّرر إلى أن بقيت الرّجّالة تكبس مساكنهم ويأخذون ما فيها، ويعرّونهم فى الطّرقات، ويفتحون دكاكين البزّازين وغيرهم، وينهبون ما فيها ويحرقون أبوابها بعد ذلك، والنّاس يستغيثون فلا يغاثون. ثم نزل بعد ذلك جمع كثير بعد أن غلّقت الدّروب، وكانت بقيت تغلق قبل الغروب، وتخلّلوا البلدان، وفتحوا ما وراء الجامع من النّحاسين والأبزاريين «٢» والسّكريّين ودار الشّمع، وغير ذلك مما يقرب من هذه الأسواق، وأخذوا ما أرادوا منها، وأفسدوا بقيّة ما فيها؛ فكانوا يخلطون العقاقير والأصناف بعضها ببعض، والمياه المختلفة بالزّيت؛ ويفسدون ما لا يمكنهم حمله. وطرحوا النّار فى أبواب القياسر «٣» المجاورة للجامع بعد ذلك، فأخذ النّاس فى الانتقال إلى القاهرة، وضجّوا بالابتهال إلى الله تعالى فى كشف ما بهم من «٤» البلاء. قال: وكان الحاكم قبل ذلك قد ضيّق على النّصارى واليهود كما [٦٠] قدمناه، وأمرهم بالتّظاهر بالإسلام؛ فأسلم بعضهم وهرب بعضهم إلى بلاد الروم؛ وهدم جميع الكنائس. فلمّا كان فى شهر جمادى الآخرة، سنة إحدى عشرة وأربعمائة، أذن لهم بالرّجوع إلى دينهم، فارتدّوا، وأذن لهم

стр. 10896

ببناء الكنائس فأعادوها. فاشتدّ غضب العسكر وحنقهم، فاجتمع الأتراك والكتاميّون وتحالفوا على قتل الرّجّالة الّذين فعلوا بالمصريين ما فعلوا، فوقع القتال بينهم، فقتل الرّجّالة أبرح قتل، ورأى أهل مصر فيهم وفى حرمهم ومنازلهم ما أسلاهم «١» عما جرى عليهم. وتمادى الحال على ذلك والحرب قائمة بينهما، والحاكم على حاله فى ركوبه وهيبته، فإذا بلغه ركوبهم للحرب تركهم تارة وجاء أخرى، فإذا رأوه تفرّقوا لهيبته. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن فقد الحاكم فى التّاريخ الّذى ذكرناه. ذكر مولد الحاكم ومدّة عمره وملكه وأولاده وكتّابه ووسائطه وقضاته ونقش خاتمه كان مولده بالقاهرة فى يوم الخميس لستّ بقين من شهر ربيع الآخر «٢» ، سنة خمس وسبعين وثلاثمائة. فكانت مدّة عمره ستّا وثلاثين سنة وستة أشهر ويومين؛ ومدّة ولايته خمسا وعشرين سنة وشهرا واحدا إلّا ثلاثة أيام إلى يوم ركوبه الذى عدم فيه. أولاده: أبو الحسن على، وهو الظاهر أبو الأشبال الحارث؛ مات فى حياته لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربعمائة. كتّابه ووسائطه: أمين الدّولة أبو محمد الحسن بن عمّار «٣» ، ثم الأستاذ

стр. 10897

برجوان «١» الخصىّ إلى أن قتل؛ ثم استقل الحاكم بالأمر وولّى من ذكرناهم وغيرهم. وكتب له أبو العلاء فهد بن إبراهيم النّصرانىّ. قضاته: أبو عبد الله محمّد «٢» بن النّعمان إلى أن توفّى فى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة؛ وأقام النّاس بغير قاض تسعة عشر يوما؛ ثم ولّى أبا عبد الله الحسن «٣» ابن علىّ بن النّعمان إلى أن صرفه فى شهر رمضان سنة أربع وتسعين؛ وولّى أبا القاسم عبد العزيز «٤» بن محمّد بن النّعمان ثم صرفه فى شهر رجب سنة ثمان وتسعين؛ وولّى مالك «٥» بن سعيد إلى أن قتله فى سنة خمس وأربعمائة، لأربع بقين من شهر ربيع الآخر. وأقام النّاس بغير قاض إلى أن ولّى أبا العبّاس أحمد «٦» بن محمّد بن عبد الله بن أبى العوام فى يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة منها إلى آخر وقت. نقش حاتمه: بنصر العلىّ الولىّ ينتصر الإمام أبو علىّ «٧» . ذكر بيعة الظّاهر لإعزاز دين الله هو أبو هاشم، وقيل أبو الحسن، علىّ بن الحاكم؛ وهو السّابع من ملوك الدولة العبيديّة. بويع له بعد أن نحقّق الناس عدم الحاكم بأمر الله فى

стр. 10898

يوم الأضحى من سنة إحدى عشرة وأربعمائة. وأقام النّاس منذ فقد الحاكم فى سابع عشر شوّال منها إلى هذا التّاريخ بغير خليفة، وستّ الملك، ابنة العزيز وأخت الحاكم، تدبّر أحوال الدّولة، وتسكّن الجيوش، وتفرّق الأموال على يد الأمير سيف الدّين الحسين بن دوّاس. ثمّ جرى بينهما وبين العساكر كلام كثير أوجب أنها أخرجت إليهم أبا هاشم هذا وقت الظّهر من يوم الأضحى، فبايعه النّاس وازدحموا عليه، فركب تحت الأرض فى السّرداب إلى قصر الذّهب، وخرج من بابه إلى باب العيد، فأجلسته وقالت: هذا خليفتكم. فلما رآه ابن دوّاس قبّل الأرض، وسلّم عليه بالخلافة، فبايعه الأمراء والأجناد، ولقّب الظّاهر لإعزاز دين الله «١» وكتبت الكتب لسائر الأعمال بأخذ البيعة؛ وجمعت ستّ الملك الأجناد وأحسنت إليهم، ورتّبت الأمور أحسن ترتيب، وعدلت عن ولىّ العهد إلياس «٢» بن داوود بن المهدىّ وجىء به فبايع والسّيف على رأسه، وحبس، وكان آخر العهد به. وكان يشار بالخلافة إلى عبد الرحيم بن إلياس ابن أحمد بن المهدىّ، فأدخل عليه الشّهود وهو يتشحّط «٣» فى دمه فأشهدهم أنه فعل ذلك بنفسه، ثم قضى نحبه. وقام ابن دوّاس بتدبير الدّولة هو والعزيز عمار بن محمد؛ وكانا لا يصدران إلّا عن رأى ستّ الملك عمة الظاهر.

стр. 10899

ذكر مقتل الحسين بن دوّاس قال: لمّا استقرّ أمر الظّاهر لإعزاز دين الله وسكنت الأحوال خرج من القصر خصىّ وبيده سيف مجرّد، واستدعى وجوه الدّولة، والوزير فى دسته والحسين بن دوّاس قائد القوّاد إلى جانبه. فقال الخصىّ أمر مولانا أن يقتل بهذا السّيف [٦١] قاتل مولانا الحاكم، فنادوا السّمع والطاعة فصبّه على ابن دوّاس فقتله، ولم يختلف اثنان «١» . وقيل إنه إنما قتل فى شهر رجب سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. والله أعلم. وباشرت السيّدة ستّ الملك للأمور بنفسها وقامت هيبتها عند الناس. وفى ثالث عشر ذى الحجّة من السّنة، فى اليوم الرابع من بيعة الظّاهر، قرئ سجل لأصحاب الأخبار أنّهم لا يرفعون ما لا فائدة فيه ممّا كان ينهى إلى الحاكم. وفى يوم الاثنين سابع عشر ذى الحجّة منها ركب القاضى عبد العزيز بن النّعمان ومعه جماعة وتوجّهوا نحو الجبل لافتقاد الحاكم وعادوا. وفى يوم الخميس لعشرين منه أقيمت المآتم فى القصر وسمع الصّراخ واتّصل، وارتجّ البلد فى تلك اللّيلة بالصّراخ إلى أن مضى وقت كثير من اللّيل، وأصبح النّاس على وجل، وأغلقت أبواب القاهرة. وفى المحرّم سنة ثنتى عشرة وأربعمائة سومح بمكس الفقاع. وكان مبلغه فى الشهر سبعمائة دينار.

стр. 10900

وفى حادى عشر ذى القعدة، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، توفّيت ستّ الملك ابنة العزيز؛ وكان مولدها فى ذى القعدة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ببلاد المغرب، وكانت من الدّهاة. وفى سنة أربع عشرة وأربعمائة ظهر ببلاد الفيوم بركة ينصبّ إليها الماء، فاستخرج منها سمك بلطىّ، ومقدارها أربعة آلاف فدان. وفى شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة ورد الخبر بإقامة الدّعوة الظاهرية بالموصل والبصرة والكوفة وأعمال الشرق. وفيها وردت الأخبار أن سنان بن صمصام الدّولة وصالح «١» بن مرداس جمعا العساكر وحشدا «٢» العربان لحصار دمشق، وأنّهم حاصروها وقطعوا أشجارها، وقتلوا فلّاحى الضّياع. وتقرّر الحال أن يقاتل العوام يوما وعسكر السّلطان يوما؛ واتّصلت الحرب بينهم وقتل جمع عظيم. وحاصر صالح بن مرداس حلب؛ واضطربت أحوال الشّام بأسره، وتغلّبت الحرب عليه. وطلب سنان من أهل دمشق ثلاثين ألف دينار ويرتحل عنهم، فأجابه أهل البلد لذلك، فمنعهم الشّريف ابن الحسن وأشار بنفقتها فى عيّارى البلد، فأنفقوها «٣» وقاتلوا قتالا شديدا، فقتل من العرب جمع كثير. وطلب العرب الصّلح فأجيبوا إليه، ثم عادوا إليها فى الوقت برأى ابن الجرّاح ... ووصل الخبر من جهة بنى قرة، عرب البحيرة، أنهم أقاموا عليهم إنسانا

стр. 10901

ببرقة ولقّبوه بأمير المؤمنين. وفى الحادى والعشرين من ذى الحجّة سنة خمس عشرة وأربعمائة اجتمع من العبيد ألف عبد عند سفح المقطّم وقصدوا نهب مصر، فأركب الظّاهر لإعزاز دين الله من حفظها، وأمر أهل مصر بقتل من ظفروا به منهم، ونهبوا فى اليوم الثانى أطراف مصر، فقاتلهم النّاس فانهزموا. وفى سنة سبع عشرة وأربعمائة جرّد الظّاهر أمير الجيوش أنوشتكين الدّزبرى «١» من مصر بعساكر كثيرة لدفع العرب «٢» عن الشّام، وخرج الظّاهر لتوديعه. وسار فى سبعة آلاف فارس غير العرب، وعيّد عيد الأضحى فى الرّملة، وجمع العساكر. فلما بلغ حسّان بن مفرّج «٣» خروجه بعث إلى صالح بن مرداس «٤» فأتاه من حلب فى بنى كلاب. ووقعت الحرب بينهم بالأقحوانة «٥» من عمل طبريّة يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة. فطعن صالح بن مرداس، فسقط عن فرسه، فقتل، وحمل رأسه إلى أمير الجيوش. فعندها انهزم حسّان. وقتل من أصحابهم مقتلة عظيمة، وهرب أصحاب صالح إلى بعلبك وحمص وصيدا وحصن عكّار «٦» . واستولى نصر بن صالح وأخوه ثمال على حلب وأعمالها

стр. 10902

وبالس «١» ، ومنبج «٢» . وسار الدّزبرى حتى أتى دمشق، ثم إلى حلب، فظفر بشبل الدّولة» نصر بن صالح فقتله. ثم عاد إلى دمشق فأقام بها وعلت منزلته. ذكر وفاة الظاهر لإعزاز دين الله على ابن الحاكم بأمر الله وشىء من أخباره كانت وفاته فى ليلة الأحد النّصف من شعبان المكرّم من شهور سنة سبع وعشرين وأربعمائة ببستان الدكة بالمقس «٤» ، فركب الوزير صفىّ الدين أبو القاسم على الجرجرائى «٥» إلى البستان، وحمل الظّاهر منه إلى القصر. وكان مولد الظّاهر فى يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر رمضان المعظّم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. وكانت مدّة عمره إحدى وثلاثين سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيّام، ومدة ملكه خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وستّة

стр. 10903

أيام. وكان أجمل النّاس صورة. وتولّى غسله قاضى القضاة عبد الحاكم، ومعه ظاهر بن عبد الخالق بن أحمد ابن المهدى شيخ القرافة؛ وصلّى عليه قاضى القضاة وأخذ سلبه. قال واستمرّت النّوائح تنحن عليه مدّة شهر. وكان كريما مشتغلا [٦٢] بلذّاته معوّلا على وزيره. ولده أبو تميم معدّ المستنصر بالله، وهو الّذى ولى الأمر من بعده على ما نذكره. وزراؤه ووسائطه: أبو الحسين عمّار «١» بن محمد، أحد وسائط أبيه الحاكم بأمر الله، إلى أن زال أمره فى ذى القعدة سنة ثنتى عشرة وأربعمائة، ثم قتل؛ وتولّى الوساطة أبو الفتوح موسى «٢» بن الحسن، وذلك فى المحرّم سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، إلى أن قبض عليه فى العشرين من شوّال وقيل صبيحته؛ وتولى الوساطة أبو الفتح مسعود «٣» بن ظاهر الوزّان إلى أن عزل؛ وتولّى الوزارة عميد الدّولة أبو محمد «٤» الحسن ابن صالح الروذبارى، أحد وسائط الحاكم بأمر الله؛ ثم عزل فى سنة ثمانى عشرة وأربعمائة بالوزير أبى القاسم على «٥» بن أحمد الجرجرائى إلى آخر المدّة، ولقب بالوزير الأجلّ الأوحد صفىّ الدّين؛ وكان أقطع اليدين؛ وتمكّن من الظاهر تمكّنا عظيما. حكى من تمكّنه أنّه كان بينه وبين خليل الدولة بن العدّاس عداوة، فاتّفق

стр. 10904

أن خليل الدّولة سأل الظّاهر لإعزاز دين الله أن يشرّفه بزيارته ببركة الحبش فأجابه الظّاهر إلى ذلك وحضر عنده، فاغتنم ابن العدّاس الفرصة وجعل يذكر للظاهر مثالب الوزير. فسدّ الظّاهر مسامعه وقال لابن العداس: إنّى وإن رعيت حقّ تشريفى إياك بزيارتى فما أترك حقّ من أرتضيه لوزارتى، ولا بدّ أذكر له طرفا من ذلك، فاذكر خيرا لأحكيه له. فرجع عن ذكر مثالبه وأثنى عليه، فذكر الظّاهر للوزير عنه خيرا، فكان ذلك سبب الصّلح بينهما. وسنذكر إن شاء الله تعالى أخبار الوزير الجرجرائى مستوفاة عند ذكر وفاته فى سنة ستّ وثلاثين فى أخبار المستنصر. ذكر بيعة المستنصر بالله هو أبو تميم معدّ «١» ؛ بن الظّاهر لإعزاز دين الله أبى هاشم علىّ. بن الحاكم بأمر الله أبى علىّ المنصور، بن العزيز بالله أبى المنصور نزار، بن المعزّ لدين الله أبى تميم معدّ، بن المنصور بنصر الله أبى طاهر إسماعيل، بن القائم بأمر الله أبى القاسم محمّد، بن المهدىّ عبيد الله. وهو الثّامن من ملوك الدّولة العبيديّة وهو الخامس من ملوك مصر والشّام منهم.

стр. 10905

بويع له صبيحة يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شعبان «١» سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وذلك أنّ الوزير الجرجرائى أحضر وجوه القبائل من الكتاميين، وغيرهم من الأتراك، فلمّا اجتمعوا قال لهم: مولانا ضعيف والآجال بيد الله سبحانه، فإن قضى الله بانتقاله ما تقولون فى ولده الأمير معدّ؟ قالوا: الذى يقوله الوزير نحن به راضون، وله سامعون. فلمّا رتّب هذا الأمر استدعى الوزير، فنهض قائما ودخل إلى قاعة من قاعات القصر، ثم أحضر الجماعة، فوجدوا الأمير معدّا على سرير الملك وعليه التاج؛ فقال: هذا مولاكم، سلّموا عليه بالخلافة. فسلّموا عليه وانصرفوا؛ ولقّب المستنصر بالله، وكان عمره إذ ذاك سبع سنين. فلمّا كان فى صبيحة يوم مبايعته، وهو يوم الخميس، وقف الكتاميّون وعبيد الشّراء «٢» وغيرهم بباب القصر، وأغلظوا فى الكلام وطلبوا أرزاقهم واستحقاقاتهم من الوزير، فقال: أنا كنت وزير الظّاهر لإعزاز دين الله وقد توفّى، وأنا أحمل إليكم جميع ما فى دارى. وأصبح حمل جميع ما فى داره إلى القصر، فغضب له الأتراك، وأعادوا ما أحضره إلى مكانه. وتقرّر اجتماعه يوم السّبت، فاجتمع الأتراك والدّيلم وعليهم السّلاح، وجاء الكتاميّون، فلما اجتمعوا بباب القصر خرج إليهم [أحد] «٣» الخدم وقال: ليدخل من كلّ طائفة عشرة أنفس، فدخل جماعة، فقال لهم الوزير:

стр. 10906

مولانا يقرئكم السّلام ويقول لكم: إذا كان مستهلّ شهر رمضان أمر بالنّفقة فيكم. فانصرفوا، وجلس قاضى القضاة عبد الحاكم يحلّف النّاس للمستنصر بالله. فلمّا استهلّ شهر رمضان أنفق فى الاشراف والكتاميّين والعرب والدّيلم وغيرهم لكلّ واحد منهم ثلث رزقه، فلم يرضوا بذلك. ودامت النّفقة إلى العشر الأوسط من شوّال فتحالف الكتاميون والأتراك أن يكونوا عصبة واحدة فى طلب واجباتهم. واجتمعوا بباب القصر، فخرج إليهم الأمير أن احضروا بكرة الغد، فحضروا، وركب المستنصر إلى أن بلغ باب البحر «١» ، فرموه بالحجارة وصاحوا عليه، ورماه أحد العبيد بحربة فلم يصبه، فرمى نفسه عن دابّته ودخل من باب البحر إلى القصر. وانصرف النّاس، وعادوا بكرة نهار الغد، فدخل من كلّ طائفة مائة نفر، ووقع كلام كثير، وتقرّر فى آخر الأمر أن يحضروا [٦٣] البغاة منهم، وخرجوا على مثل ذلك؛ ثم عادوا بعد ذلك وتنصّلوا من ذنوبهم. وسكّن الوزير جميع الطّوائف، واختلف بنو قرّة مع كتامة بالجيزة، فأخرج الوزير عسكرا فأصلح بينهم، واستقرّت الأمور. وركب المستنصر فى مستهلّ المحرّم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة من باب العيد «٢» إلى باب الذّهب «٣» ؛ ومشى النّاس كافّة بين يديه، والوزير راكب

стр. 10907

خلفه. وتفرّق النّاس، ودخل الوزير إلى مكانه، فدخل عليه جماعة من الأتراك الصّغار وطلبوا أرزاقهم وأغلظوا له فى القول، وقصدوا قتله؛ فدخل بعض الأمراء الكبار فخلّصه منهم. ذكر عود حلب إلى ملك ملك الدّيار المصرية وفى سنة تسع وعشرين وأربعمائة ملكت حلب على يد أمير الجيوش أنوشتكين الدّزبرى أمير الشام، وذلك بعد أن التقى هو ونصر بن صالح بن مرداس، صاحب حلب، يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الآخرة فانهزم عسكر ابن صالح. ثمّ كانت وقعة ثانية، فانهزم ثمال بن صالح وأخوه نصر، فبادر ثمال بدخول البلد، وأخذ من قلعة حلب أموالا وتحفا، واستخلف بها عمّه مقلّد بن كامل بن مرداس، وسار يستنجد بأخواله بنى خفاجة «١» ، فثار العوامّ ونهبوا حلب. ووافى طغان، أحد الأمراء الّذين مع أمير الجيوش، فدخل حلب بموافقة من أهلها. ثمّ وصل أنوشتكين الدّزبرى إليها فى يوم الثّلاثاء لثمان خلون من شهر رمضان، وأقام بها إلى آخر السّنة، ورجع إلى دمشق فى تاسع عشرى «٢» الحجّة منها. ذكر الوحشة الواقعة بين الوزير أبى القاسم الجرجرائى وأمير الجيوش أنوشتكين الدّزبرى قال المؤرخ: كان ابتداء الوحشة بينهما فى سنة ثلاثين وأربعمائة. وسبب ذلك أن شبيب بن وثّاب النّميرى صاحب الجزيرة توفّى، فقصد أمير

стр. 10908

الجيوش [أنوشتكين] أن يزوّج ابنته لولد أبى نصر أحمد بن مروان ليكون له عونا على بنى نمير أصحاب الجزيرة؛ وكتب أمير الجيوش إلى مصر يستدعى ابنته، فلم يطلقها الوزير ولا رأى إتمام الزّواج لانضمام ابن مروان إلى الدّولة العبّاسية وتظاهره بموالاتها. وكتب لولاة الشام ألّا يمتثلوا أمر أمير الجيوش. فوقعت الوحشة بينهما، وأطلق أمير الجيوش لسانه فى الوزير، وسبّه. ودامت الوحشة إلى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، فصرفه الوزير عن دمشق، واستعمل عليها ناصر الدّولة الحسن بن الحسين بن حمدان. فلمّا علم بذلك أهل دمشق تنكّروا على أميرهم، وحاصروه بقصره ظاهر دمشق، فى سابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين، فهرب إلى حلب، وقاسى مشقّة عظيمة فى طريقه، ونهبت أمواله. فلمّا دخل حلب أقام بها ثلاثة أيّام ومرض، فتوفّى يوم الأحد النّصف من جمادى الأولى، ووصل سجلّ إلى ثمال بن صالح بن مرداس بولاية حلب، وذلك قبل وفاة أنوشتكين أمير الجيوش. ذكر ظهور سكين المشبه بالحاكم وقتله وفى شهر رجب سنة أربع وثلاثين وأربعمائة ظهر بالقاهرة رجل يسمى سكين «١» يشبه الحاكم وكان بمصر أقوام يعتقدون أنّ الحاكم حىّ وأنّه غاب لرأى رآه. وهذه الطّائفة باقية إلى وقتنا هذا، ويحلفون فيما بينهم فيقولون: وحقّ غيبة الحاكم، إلّا أنّهم لا يتظاهرون بذلك لكلّ حد. قال: فلمّا كان فى هذه السّنة ظهر هذا الرّجل، فاجتمع عليه القائلون بغيبة الحاكم

стр. 10909

وزفّوه إلى القصر، وأدخلوه إيّاه، وقد دهش النّاس، فأدّى الأمر إلى أن حاربهم أولياء الدّولة، وركب الوزير، فأخذوا جميعا وصلبوا أحياء، ورشقوا بالسّهام حتى هلكوا. ذكر وفاة الوزير صفىّ الدّين أبى القاسم أحمد بن على الجرجرائى وشىء من أخباره كانت وفاته لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة، [٦٤] وأوصى أن يدفن فى داره فى المكان الّذى كان يجلس فيه؛ فأخرج وصلّى عليه المستنصر فى الإيوان، وأعيد إلى داره فدفن بها، ثمّ نقل إلى تربته بالقرافة. وكانت وزارته سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وثمانية عشر يوما. وهذه النسبة إلى جرجرايا، قرية من قرى العراق. قدم إلى مصر هو وأخوه أبو عبد الله محمد، فتنقلت به الحال إلى أن خدم فى الصّعيد، فكثرت فيه المرافعات فى أيام الحاكم، فاعتقله فى شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعمائة، ثم أمر بقطع يده، فأخرج اليسار عوضا عن اليمين فقطعت؛ فقيل ذلك للحاكم فقال: إنما أنا أمرت بقطع يمينه؛ وأمر بقطع اليمين، فقطعت على باب القصر المعروف بباب البحر، وهو الباب الّذى مقابل دار الحديث الكاملية «١» فى وقتنا هذا. وكان قطّعهما فى ثامن عشر شهر ربيع الآخر منها.

стр. 10910

قال: ولما قطع الحاكم يديه مضى من وقته وجلس فى ديوانه، فقيل له فى ذلك، فقال: إنّ أمير المؤمنين أدّبنى وما صرفنى. فبلغ الحاكم ذلك، فأمر باستمراره. ثمّ صرفه وولّاه ديوان النفقات «١» فى سنة ستّ وأربعمائة، ثم رتّب أن يكون واسطة فى نظر الدّواوين مع أبى عبيد الله محمد بن العدّاس، فى سنة ثنتى عشرة وأربعمائة. ثم وزر للظّاهر لإعزار دين الله فى سنة ثمانى عشرة وأربعمائة، فاستكتب أبا الفرج البابلى وأبا علىّ الرّئيس. وكان القاضى أبو عبد الله القضاعى صاحب كتاب الشّهاب يكتب عنه العلامة «٢» وهى: «الحمد لله شكرا لنعمه» . وكانت أيامه تسمى الأعراس لطيبها. وضبط الأمور أحسن ضبط واستعمل الأمانة التامة، وتمكن فى الدّولة الظّاهرية، على ما قدّمناه. قال: وهجاه جماعة من الشعراء. فمن ذلك قول أبى الحسن علىّ بن عبد العزيز الجلبى المعروف بالفكيك ويعرف بجاسوس الفلك: يا جرجرائىّ اتئد ... وارفق، ودع عنك التّحامق أزعمت أنك فى الثّقا ... ة، فهبك فيما قلت صادق أعلى الأمانة والتّقى ... قطعت يداك من المرافق! قال: ولمّا مات أوصى أن تفوّض الوزارة بعده لأبى نصر صدقة «٣» بن

стр. 10911

أبى الفضل يوسف ابن على الفلاحىّ، فخلع عليه خلع الوزارة. وكان يهوديّا، ولقّب بالوزير الأجلّ تاج الرئاسة فخر الملك مصطفى أمير المؤمنين، ثمّ أسلم بعد الوزارة. ذكر مقتل أبى سعيد التّسترى وعزل الوزير وقتله ووزارة ابن الجرجرائى وفى سنة تسع وثلاثين وأربعمائة قتل أبو سعيد «١» التّسترى اليهودىّ، وكان يتولّى ديوان والدة المستنصر. وذلك أنها كانت جاريته، فأخذها منه الظّاهر واستولدها فولدت المستنصر بالله. فلمّا أفضت الخلافة إلى ولدها فوّضت إليه أمر ديوانها، فعظم أمره وانبسطت كلمته بعد وفاة الجرجرائى الوزير حتّى لم يبق للوزير الفلاحىّ معه إلا اسم الوزارة، فدبّر الفلاحى فى قتله فقتل. وقيل بل كان السّبب فى قتله أنّ عزيز الدّولة ريحان الخادم كان قد خرج فى هذه السنة إلى بنى قرّة، عرب البحيرة، لما أفسدوا فى البلاد، فظفر بهم وقتل منهم. وعاد إلى القاهرة وقد عظم قدره وزاد إدلاله، فثقل أمره على أبى سعيد. واستمال المغاربة وزاد فى أرزاقهم ونقص من أرزاق الأتراك ومن ينضاف إليهم. فجرى بين الطّائفتين حرب بباب زويلة.

стр. 10912

ومرض إثر ذلك عزيز الدّولة ومات فاتّهم أبو سعيد أنّه سمّه. فلما كان فى يوم الأحد لثلاث خلون من جمادى الأولى ركب أبو سعيد من داره فى موكب عظيم وتوجّه إلى القصر على عادته، فاعترضه ثلاثة من الغلمان الأتراك واختلطوا فى الموكب وقتلوه. فاجتمعت الطّوائف إلى المستنصر بالله وقالوا: نحن قتلناه. وقطّع لحمه، فاشترى أهله ما وصلوا إليه من أعضائه، وأحرق ما بقى، وضمّ أهله ما اشتروه منه فى تابوت وغطّوه بستر، وأوقدوا أمام التابوت الشموع ووضعوه فى بيت مفرد. وزرّوا البيت بالسّتور، فوصل لهب النّار إلى بعض السّتور فاحترق، وقويت النّار فأحرقت التّابوت بما فيه. قال: وكان التّسترى قد زاد أذاه فى حقّ المسلمين حتى كانوا يحلفون: وحقّ النّعمة على بنى إسرائيل. ولما قتل ولى مكانه فى نظر ديوان والدة المستنصر بالله أبو محمد الحسن بن على بن عبد الرحمن اليازورى. وحقدت والدة المستنصر بالله [٦٥] على الوزير الفلاحىّ وتحقّقت أنّه تسبّب فى قتله، فقبضت عليه وصرفته عن الوزارة فى هذه السّنة، واعتقلته بخزانة البنود «١» ؛ ثم قتل بعد ذلك «أبو منصور صدقة» «٢» ودفن بخزانة البنود، وذلك فى سنة أربعين وأربعمائة.

стр. 10913

ووالد هذا الوزير هو أبو الفضل يوسف بن على الذى هجاه الواسانى «١» بقصيدته المشهورة التى أولها: يا أهل جيرون هل لسامركم ... إذا استقلّت كواكب الحمل وقد أوردنا أكثر هذه القصيدة فى الباب الثانى من القسم الثّالث من الفنّ «٢» الثانى. ولمّا قبض عليه ولى الوزارة أبو البركات الحسين «٣» بن محمد بن أحمد الجرجرائى، ابن أخى الوزير صفىّ الدّين. وفى سنة أربعين وأربعمائة صرف ناصر الدّولة الحسن «٤» بن حمدان عن ولاية دمشق، وأحضر تحت الحوطة وولى مكانه القائد طارق، ثمّ أطلق ابن حمدان فى سنة إحدى وأربعين. وفى سنة إحدى وأربعين صرف أبو البركات الحسين بن الجرجرائى عن الوزارة ونفى إلى صور واعتقل بها، ثم أطلق، فسار إلى دمشق. ونظر فى الدّواوين بعده عميد الدّولة أبو الفضل «٥» صاعد بن مسعود. ثم فوضت

стр. 10914

الوزارة لأبى محمد الحسين «١» بن على بن عبد الرحمن اليازورى. وفى سنة ثلاث وأربعين أظهر المعزّ» بن باديس الصّنهاجى، صاحب إفريقية، الخلاف على المستنصر بالله؛ وقد ذكرنا سبب ذلك فى أخبار ملوك إفريقية «٣» . وكتب المعزّ إلى بغداد، فأجيب عن رسالته على لسان رسول من بغداد، يعرف بأبى غالب الشّيرازى، وسيّر إليه صحبته عهدا بالولاية ولواء أسود وخلعة فاجتاز أبو غالب ببلاد الرّوم فقبض عليه صاحب القسطنطينية «٤» وبعثه إلى المستنصر بالله؛ فقدم الرّسول إلى مصر وهو مجرّس «٥» على جمل، وحفر بين القصرين حفيرة، وحرق فيها العهد والخلع واللّواء. وفيها فى ذى القعدة عصى بنو قرّة، عرب البحيرة، على المستنصر بالله. وكان سبب ذلك أنّ الوزير اليازورى قدّم عليهم رجلا يقال له المقرّب، فنفروا منه واستعفوا منه، فلم يجب الوزير سؤالهم؛ ثم دخلوا على الوزير وطالبوه بواجباتهم، وأغلظوا له فى القول، فتوعّدهم باستئصال شأفتهم. ففارقوه وأظهروا العصيان، واجتمعوا بالجيزة فى جمع كثير؛ فندب الوزير

стр. 10915

عسكرا لقتالهم فكسروه، فندب عسكرا ثانيا فهزمهم وقتل منهم قتلى كثيرة. وحمل إلى الخزانة المستنصرية من أموالهم جملة عظيمة، فهربوا إلى برقة. وفى سنة ثمان وأربعين بعث المستنصر بالله ووزيره اليازورى خزائن الأموال إلى أبى الحارث «١» أرسلان البساسيرى ليقيم الدّعوة المستنصريّة ببغداد واستنفد ما كان بالقصر من الأموال. وكان من أمر البساسيرى وقيامه، والخطبة للمستنصر هذا ببغداد، ما قدّمناه فى أخبار الدّولة العباسية «٢» ولمّا خطب للمستنصر ببغداد فى سنة خمسين وأربعمائة، ورد الخبر إلى مصر بذلك فزيّنت القاهرة. وكان عند المستنصر مغنّية تغنى بالطّبل «٣» ، فدخلت عليه وغنّته فى ذلك اليوم: يا بنى العبّاس ردّوا «٤» ... ملك الأمر معدّ ملككم ملك معار «٥» ... والعوارى تستردّ

стр. 10916

فقال لها: تمنّى. فقالت: أتمنى الأرض المجاورة للمقسم. فقال: هى لك. فعرفت الأرض بأرض الطبّالة «١» إلى وقتنا هذا. ذكر القبض على الوزير أبى محمد الحسن «٢» بن على ابن عبد الرّحمن اليازورى وقتله وشىء من أخباره وفى المحرّم سنة خمسين وأربعمائة سعى بالوزير المذكور عند المستنصر بالله أنّه كاتب السّلطان طغرلبك السّلجوقى وحسّن له قصد الدّيار المصريّة، فقبض عليه وجهّزه إلى تنّيس، ثم أمر بقتله، فقتل فى الثانى والعشرين من صفر «٣» منها. وكان من أكابر وزراء ملوك هذه الدّولة. قال المؤرخ: كان والد اليازورى قاضى يازور، وهى قرية من أعمال الرّملة، فلمّا توفّى خلفه ولده الحسين المذكور، ثمّ عزل عنها، فقدم مصر وسعى فى إعادته لحكم يازور، فرأى من قاضى مصر اطّراحا لجانبه، فصحب رفق المستنصرىّ- وكان خصيصا بوالدة المستنصر، فكلّم القاضى فى أن يسمع قوله بمصر ففعل. فلمّا قتل أبو سعيد التّسترى أشار رفق على [٦٦] والدة المستنصر أن يكون اليازورى وزيرها، فرتّبته فى وزارتها، فخافه الوزير أبو البركات الجرجرائى أن يلى الوزارة، فسعى له فى الحكم

стр. 10917

ليشغله عن الوزارة، فامتنع اليازورى من ذلك، فأشارت عليه والدة المستنصر بقبول الولاية فقبل. ولم تمض إلّا مدّة يسيرة حتى صرف ابن الجرجرائى عن الوزارة وفوّضت الوزارة إلى اليازورى «١» مضافة لما بيده من قضاء القضاة وديوان والدة المستنصر بالله. قال القاضى أبو الحسين أحمد الأسوانى فى تاريخه: حدّثنى القاضى إبراهيم ابن مسلم الفوّى قال: شهدت خطير الملك، ولد «٢» اليازورى الوزير، وكان قد ناب عن والده فى قضاء القضاة والوزارة وغير ذلك، وسار إلى الشام بعساكر عظيمة فأصلح أمره. ورأيته بعد ذلك بمسجد فوّة «٣» وهو يخيط للنّاس بالأجرة وهو فى حال شديدة من الفقر والحاجة، فرأيته ذات يوم وهو يطالب رجلا بأجرة خياطة خاطها له، والرّجل يدافعه ويماطله، وهو يلحّ فى الطلب. فلمّا ألح عليه قال له الرجل: يا سيّدنا، اجعل هذا القدر اليسير من جملة ما ذهب منك فى السّفرة الشامية. فقال: دع ذكر ما مضى. فسألته عن ذلك فلم يحدّثنى بشىء، وسألت غيره فقال: الذى ذهب منه فى سفرته فى نفقات سماطه ستّة عشر ألف دينار. قال المؤرخ: وكان اليازورى سيئ التّدبير، أوجب سوء تدبيره خروج إفريقية وحلب عن المستنصر بالله.

стр. 10918

قال: ولما قبض على اليازورى ولى الوزارة بعده صاحبه أبو الفرج عبد الله «١» بن محمد البابلى، وكان خصيصا به، فلما ولى الوزارة بعده سعى فى قتله كلّ السّعى، ويقال إنّه جهّز إليه من قتله بغير أمر المستنصر، فلما اطّلع على ذلك عظم عليه. وعزل البابلى فى شهر ربيع الأوّل منها. واستوزر أبا الفرج محمد «٢» بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين المغربى، ثم صرفه فى شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وأعيد البابلى. وفى سنة خمسين وأربعمائة استعمل ناصر الدّولة بن حمدان على ولاية دمشق. وفى سنة ثلاث وخمسين، فى المحرّم، صرف البابلىّ عن الوزارة ووليها عبد الله «٣» بن يحيى بن المدبّر، ثم صرف فى بقية السنة وولى أبو محمد عبد الكريم «٤» بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقىّ فى شهر رمضان من السنة؛ فقال أبو الحسن على بن يسر الرحمن بن بشر الصقلى يخاطب ابن المدبر: لا تجزعنّ عن الأمور إذا التوت ... وابشر بلطف مسبّب الأسباب ما كنت إلّا السّيف، جرّد ماضيا ... وأقرّ مذخورا ليوم ضراب لله سيرتك الّتى ما سرتها ... إلا بأقوم سنّة وكتاب شيّدت للوزراء يا ابن مدبّر ... شرفا لهم يبقى على الأعقاب وجمعت بين طهارة الأعراق، وال ... أخلاق، والأفعال، والأثواب

стр. 10919

جعل الإله لكلّ قوم سادة ... وبنو المدبّر سادة الكتّاب وفى سنة أربع وخمسين وأربعمائة فى المحرم توفّى الوزير أبو محمد عبد الكريم، فردّت الوزارة إلى أخيه أبى على أحمد «١» بن عبد الحاكم، وكان يلى قضاء القضاة؛ وصرف عن الحكم فى صفر، ثم صرف عن الوزارة، وقيل إنه صرف عنها بعد سبعة عشر يوما من ولايته. وأعيد البابلى مرة ثالثة فى شهر ربيع الأول من السنة، واستعفى بعد خمسة أشهر، فاستوزر المستنصر سديد الدّولة أبا عبد الله الحسين «٢» بن على الماسكى، وكان يلى نظر الدّواوين بدمشق، ثم صرف فى شوال وأعيد البابلىّ. ذكر الفتنة الواقعة التى أوجبت خراب الديار المصرية كان ابتداء هذه الفتنة فى سنة أربع وخمسين وأربعمائة. وسببها أنّ المستنصر بالله كان فى كلّ سنة يركب على النّجب ومعه النّساء والخمر «٣» إلى المكان المعروف بجبّ عميرة «٤» ، وهو موضع نزهة. ويذكر أنّه خرج يريد

стр. 10920

الحجّ، على سبيل الاستهزاء والتهكّم، ومعه الخمر فى الرّوايا بدلا عن الماء، يسقيه للنّاس كما يسقى الماء فى طريق مكّة [٦٧] ، شرّفها الله تعالى. فلمّا كان فى هذه السّنة خرج على عادته فى جمادى الآخرة؛ فاتّفق أن بعض الأتراك جرّد سيفا على سكر منه على بعض عبيد الشّراء، فاجتمع عليه طائفة من العبيد وقتلوه، فجاء الاتراك إلى المستنصر وقالوا: إن كان هذا عن رضاك فالسّمع والطاعة، وإنّ كان عن غير رضاك فلا نصبر عليه. فأنكر المستنصر ذلك؛ فاجتمع جماعة من الأتراك وقتلوا جماعة من العبيد بعد قتال شديد على كوم شريك «١» . وكانت والدة المستنصر تعين العبيد بالأموال والسّلاح، فاطّلع بعض الأتراك على ذلك، فجمع طائفة كثيرة من الأتراك ودخل على المستنصر بهم، وأغلظوا له فى الكلام؛ فحلف أنّه لم يكن عنده علم من ذلك. ودخل على والدته وأنكر عليها؛ وصار السّيف بين الطّائفتين. ثمّ سعى أبو الفرج بن المغربى، الّذى كان يلى الوزارة، وجماعة معه، فى الصّلح بين الطّائفتين، فاصطلحوا؛ ولم تصف طائفة منهم للأخرى. ثمّ اجتمع العبيد وخرجوا إلى شبرا دمنهور «٢» فى جمع كثير. وكان سبب كسرتهم أنّ والدة المستنصر لمّا قتل سيدها ووزيرها أبو سعيد التّسترى اليهودىّ غضبت لقتله، وشرعت فى شراء العبيد السّودان واستكثرت منهم، وجعلتهم طائفة لها؛ فاشتدّ أمرهم إلى أن صار العبد منهم يحكم

стр. 10921

حكم الولاة. فلمّا ولى أبو البركات بن الجرجرائى أمرته أن يغرى العبيد بالأتراك، فخاف العاقبة فلم يفعل؛ فصرفته وولّت وزيرها اليازورى وأمرته بذلك، فلم يقبل منها، ودبّر الأمر وساسه إلى أن قتل. ووزر البابلىّ فأمرته بذلك، ففعل، ووقع بين الطائفتين. قال: فلمّا خرج العبيد إلى شبرا دمنهور قويت شوكة الأتراك وطلبوا الزّيادات فى أرزاقهم إلى أن خلت الخزائن من الأموال وضعفت الدّولة، والعبيد على حال من الضرورة وهم يتزايدون عدّة، فتكامل منهم ما بين فارس وراجل خمسون ألفا. فبعثت والدة المستنصر لقوّاد العبيد، فى سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وأغرتهم بالأتراك؛ فاجتمعوا ووصلوا إلى الجيزة، فخرج الأتراك لقتالهم، والمقدّم عليهم ناصر الدّولة الحسن «١» بن حمدان، فلقيهم فكسره العبيد ونهبوا عسكره، واشتغلوا بالنّهب، فعطف عليهم ابن حمدان وهزمهم إلى الصّعيد، وعاد إلى القاهرة وقد قويت شوكته. ثمّ تجمّع العبيد فى الصّعيد فى خمسة عشر ألف فارس وراجل، فقلق الأتراك لذلك قلقا شديدا، وحضر المقدّمون إلى المستنصر ليشكوا ذلك إليه، فأمرت والدته من عندها من العبيد والخدم بالهجوم عليهم «٢» وقتل الأتراك، ففعلوا ذلك. وسمع ناصر الدّولة ابن حمدان بالخبر، فركب إلى ظاهر القاهرة واجتمع إليه من بقى من الأتراك ووقعت الحرب بينهم وبين العبيد المقيمين بمصر والقاهرة، ودامت بين الفريقين أيّاما. فانتصر ناصر

стр. 10922

الدّولة والأتراك على العبيد، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة؛ ولم يبق منهم بالقاهرة ومصر إلّا القليل. وبقى العبيد المقيمون بالصّعيد على حالهم. وكان بالإسكندريّة منهم جماعة. فسار ناصر الدّولة إليهم، فسألوا الأمان، فأمّنهم؛ ورتّب بالإسكندرية من يثق به. وانقضت سنة تسع وخمسين فى حربهم. وقويت شوكة الأتراك فى سنة ستين وأربعمائة، وطمعوا فى المستنصر بالله، وقلّ ناموسه عندهم. وكان مقرّرهم فى كلّ شهر ثمانية وعشرين ألف دينار، فصار فى كلّ شهر أربعمائة ألف دينار. وطالبوا المستنصر بالأموال، فاعتذر أنّه لم يبق عنده شىء منها؛ فطالبوه بذخائره فأخرجها إليهم، وقوّمت بأنجس الأثمان. وخرج ناصر الدّولة بن حمدان فى جماعة من الأتراك إلى الصّعيد لقتال من فيه من العبيد، وكان قد كثر فسادهم، فالتقوا واقتتلوا، فكانت الهزيمة على ناصر الدّولة والأتراك، فعادوا إلى الجيزة. فاجتمع على ناصر الدّولة من سلم من عسكره، وشغبوا على المستنصر بالله، واتّهموه أنه يمدّ العبيد بالنّفقات سرّا، فحلف لهم على ذلك. ثمّ خرج الأتراك إلى العبيد وقاتلوهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة ولم ينج منهم إلّا القليل. وزالت دولة العبيد، وعظم أمر ناصر الدّولة بن حمدان. ذكر الوحشة الواقعة بين ناصر الدّولة والأتراك وفى سنة إحدى وستين وأربعمائة ابتدأت الوحشة بين ناصر الدّولة بن حمدان وبين الأتراك. وسبب ذلك أنّ ناصر الدّولة قوى واشتدّت شوكته، وانفرد بالأمر دون قوّاد الأتراك، فعظم ذلك عليهم وفسدت نياتهم

стр. 10923

[٦٨] ، وشكوا ذلك إلى الوزير الخطير «١» ، وقالوا: كلّما خرج من الخزانة مال أخذ ناصر الدّولة أكثره وفرّقه فى حاشيته، ولا يصل إلينا منه إلّا القليل. فقال: ما «٢» وصل إلى هذا الأمر وغيره إلا بكم، ولو فارقتموه لم يتمّ له أمر. فاتّفق أمرهم على محاربته وإخراجه من ديار مصر، فاجتمعوا وذكروا ذلك للمستنصر، وسألوه أن يخرجه عنهم؛ فأرسل إليه يأمره بالخروج ويتهدّده إن لم يفعل. ففارق ناصر الدّولة القاهرة وغدا إلى الجيزة، ونهبت دوره ودور حواشيه وأصحابه. فلمّا جاء الليل دخل ناصر الدّولة، واجتمع بالقائد تاج الملوك شادى، وقبّل رجليه. وسأله أن يعينه على إلدكز «٣» والوزير الخطير. قال: وكيف الحيلة فى ذلك؟ قال: تركب أنت وأصحابك وتسير بين القصرين، فإذا أمكنتك الفرصة فاقتلهما. فأجابه إلى ذلك. وركب شادى من بكرة الغد للتسيير فعلم إلدكز بمراده، فهرب إلى القصر واستجار بالمستنصر فسلم. وأقبل الوزير فى موكبه فقتله شادى، وسيّر إلى ناصر الدّولة يأمره بالحضور؛ فعدّى من الجيزة إلى القاهرة. فأشار إلدكز على المستنصر بالرّكوب، وقال: متى لم تركب هلكت «٤» وهلكنا معك. فلبس

стр. 10924

سلاحه وركب، وتبعه خلق من عامّة النّاس والجند، واصطفّوا للقتال. فحملت الأتراك على ناصر الدّولة فانهزم، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، ومضى لا يلوى على شىء وتبعه بعض أصحابه فالتحق ببنى سنبس بالبحيرة فأقام عندهم وصاهرهم، وتقوّى بهم. ولما تحقّق ناصر الدّولة ميل المستنصر عنه قصد إبطال دعوته، وكتب إلى السّلطان ألب «١» أرسلان السلجوقى «٢» ملك خراسان والعراق يسأله أن يسيّر إليه عسكرا يفتح له مصر ويقيم الدّعوة العبّاسية بها. فتجهز ألب أرسلان من خراسان بعساكره، وكتب إلى صاحب حلب «٣» يأمره بقطع دعوة المستنصر وإقامة الدّعوة العباسية، ففعل ذلك، وانقطعت دعوة المستنصر «٤» من حلب؛ ثمّ ملكها ألب أرسلان؛ كما ذكرناه فى أخبار الدّولة السلجوقية «٥» ؛ ثم ملكت عساكره دمشق «٦» .

стр. 10925

ذكر الحرب بين ناصر الدّولة والأتراك قال: ولما اتّصل بالمستنصر ما فعله ناصر الدّولة من مكاتبة ألب «١» أرسلان جرّد عسكرا لقتاله من الأتراك، فساروا ثلاث فرق. فأراد أحد المقدّمين أن يلقاه ليكون الظّفر له دون رفيقيه، فتقدّم والتقى بناصر الدّولة، فهزمه ناصر الدّولة وقتل جماعة من أصحابه وأسره. ثمّ التقى العسكر الثّانى ولم يعلموا بما جرى على الأوّل، فهزمهم أقبح هزيمة؛ وهرب العسكر الثّالث. وقوى ناصر الدّولة بهذا الظّفر، وقطع الميرة عن القاهرة ومصر، ونهب أكثر الوجه البحرى، وقطع خطبة المستنصر من الإسكندرية ودمياط والوجه البحرى، وخطب للقائم بأمر الله «٢» العبّاسى. وعدمت الأقوات بالقاهرة ومصر، واشتدّ الغلاء، وكثر الوباء، وامتدّت أيدى الجند إلى نهب العوامّ. ذكر الصّلح بين ناصر الدّولة والأتراك وفى المحرّم سنة ثلاث وستين وأربعمائة وقع الصّلح بين ناصر الدّولة بن حمدان والأتراك. وسبب ذلك أنّ المستنصر بالله والأتراك اشتدّت بهم الضّائقة لقطع الميرة، فاضطرّوا إلى مصالحته، فصالحوه على أن يكون مقيما بمكانه ويحمل إليه مال قرّره المستنصر، ويكون تاج الملوك شادى نائبا عنه. فرضى بذلك وسيّر الغلال إلى مصر. ثمّ وقع الخلاف بينهم بعد شهور، فجاء
следующие страницы →