Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.
стр. 10921
حكم الولاة. فلمّا ولى أبو البركات بن الجرجرائى أمرته أن يغرى العبيد بالأتراك، فخاف العاقبة فلم يفعل؛ فصرفته وولّت وزيرها اليازورى وأمرته بذلك، فلم يقبل منها، ودبّر الأمر وساسه إلى أن قتل. ووزر البابلىّ فأمرته بذلك، ففعل، ووقع بين الطائفتين.
قال: فلمّا خرج العبيد إلى شبرا دمنهور قويت شوكة الأتراك وطلبوا الزّيادات فى أرزاقهم إلى أن خلت الخزائن من الأموال وضعفت الدّولة، والعبيد على حال من الضرورة وهم يتزايدون عدّة، فتكامل منهم ما بين فارس وراجل خمسون ألفا.
فبعثت والدة المستنصر لقوّاد العبيد، فى سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وأغرتهم بالأتراك؛ فاجتمعوا ووصلوا إلى الجيزة، فخرج الأتراك لقتالهم، والمقدّم عليهم ناصر الدّولة الحسن «١» بن حمدان، فلقيهم فكسره العبيد ونهبوا عسكره، واشتغلوا بالنّهب، فعطف عليهم ابن حمدان وهزمهم إلى الصّعيد، وعاد إلى القاهرة وقد قويت شوكته.
ثمّ تجمّع العبيد فى الصّعيد فى خمسة عشر ألف فارس وراجل، فقلق الأتراك لذلك قلقا شديدا، وحضر المقدّمون إلى المستنصر ليشكوا ذلك إليه، فأمرت والدته من عندها من العبيد والخدم بالهجوم عليهم «٢» وقتل الأتراك، ففعلوا ذلك. وسمع ناصر الدّولة ابن حمدان بالخبر، فركب إلى ظاهر القاهرة واجتمع إليه من بقى من الأتراك ووقعت الحرب بينهم وبين العبيد المقيمين بمصر والقاهرة، ودامت بين الفريقين أيّاما. فانتصر ناصر
стр. 10922
الدّولة والأتراك على العبيد، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة؛ ولم يبق منهم بالقاهرة ومصر إلّا القليل.
وبقى العبيد المقيمون بالصّعيد على حالهم. وكان بالإسكندريّة منهم جماعة. فسار ناصر الدّولة إليهم، فسألوا الأمان، فأمّنهم؛ ورتّب بالإسكندرية من يثق به. وانقضت سنة تسع وخمسين فى حربهم.
وقويت شوكة الأتراك فى سنة ستين وأربعمائة، وطمعوا فى المستنصر بالله، وقلّ ناموسه عندهم. وكان مقرّرهم فى كلّ شهر ثمانية وعشرين ألف دينار، فصار فى كلّ شهر أربعمائة ألف دينار. وطالبوا المستنصر بالأموال، فاعتذر أنّه لم يبق عنده شىء منها؛ فطالبوه بذخائره فأخرجها إليهم، وقوّمت بأنجس الأثمان.
وخرج ناصر الدّولة بن حمدان فى جماعة من الأتراك إلى الصّعيد لقتال من فيه من العبيد، وكان قد كثر فسادهم، فالتقوا واقتتلوا، فكانت الهزيمة على ناصر الدّولة والأتراك، فعادوا إلى الجيزة. فاجتمع على ناصر الدّولة من سلم من عسكره، وشغبوا على المستنصر بالله، واتّهموه أنه يمدّ العبيد بالنّفقات سرّا، فحلف لهم على ذلك.
ثمّ خرج الأتراك إلى العبيد وقاتلوهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة ولم ينج منهم إلّا القليل. وزالت دولة العبيد، وعظم أمر ناصر الدّولة بن حمدان.
ذكر الوحشة الواقعة بين ناصر الدّولة والأتراك
وفى سنة إحدى وستين وأربعمائة ابتدأت الوحشة بين ناصر الدّولة بن حمدان وبين الأتراك. وسبب ذلك أنّ ناصر الدّولة قوى واشتدّت شوكته، وانفرد بالأمر دون قوّاد الأتراك، فعظم ذلك عليهم وفسدت نياتهم
стр. 10923
[٦٨] ، وشكوا ذلك إلى الوزير الخطير «١» ، وقالوا: كلّما خرج من الخزانة مال أخذ ناصر الدّولة أكثره وفرّقه فى حاشيته، ولا يصل إلينا منه إلّا القليل. فقال: ما «٢» وصل إلى هذا الأمر وغيره إلا بكم، ولو فارقتموه لم يتمّ له أمر. فاتّفق أمرهم على محاربته وإخراجه من ديار مصر، فاجتمعوا وذكروا ذلك للمستنصر، وسألوه أن يخرجه عنهم؛ فأرسل إليه يأمره بالخروج ويتهدّده إن لم يفعل. ففارق ناصر الدّولة القاهرة وغدا إلى الجيزة، ونهبت دوره ودور حواشيه وأصحابه.
فلمّا جاء الليل دخل ناصر الدّولة، واجتمع بالقائد تاج الملوك شادى، وقبّل رجليه. وسأله أن يعينه على إلدكز «٣» والوزير الخطير. قال: وكيف الحيلة فى ذلك؟ قال: تركب أنت وأصحابك وتسير بين القصرين، فإذا أمكنتك الفرصة فاقتلهما. فأجابه إلى ذلك.
وركب شادى من بكرة الغد للتسيير فعلم إلدكز بمراده، فهرب إلى القصر واستجار بالمستنصر فسلم. وأقبل الوزير فى موكبه فقتله شادى، وسيّر إلى ناصر الدّولة يأمره بالحضور؛ فعدّى من الجيزة إلى القاهرة. فأشار إلدكز على المستنصر بالرّكوب، وقال: متى لم تركب هلكت «٤» وهلكنا معك. فلبس
стр. 10924
سلاحه وركب، وتبعه خلق من عامّة النّاس والجند، واصطفّوا للقتال.
فحملت الأتراك على ناصر الدّولة فانهزم، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، ومضى لا يلوى على شىء وتبعه بعض أصحابه فالتحق ببنى سنبس بالبحيرة فأقام عندهم وصاهرهم، وتقوّى بهم.
ولما تحقّق ناصر الدّولة ميل المستنصر عنه قصد إبطال دعوته، وكتب إلى السّلطان ألب «١» أرسلان السلجوقى «٢» ملك خراسان والعراق يسأله أن يسيّر إليه عسكرا يفتح له مصر ويقيم الدّعوة العبّاسية بها. فتجهز ألب أرسلان من خراسان بعساكره، وكتب إلى صاحب حلب «٣» يأمره بقطع دعوة المستنصر وإقامة الدّعوة العباسية، ففعل ذلك، وانقطعت دعوة المستنصر «٤» من حلب؛ ثمّ ملكها ألب أرسلان؛ كما ذكرناه فى أخبار الدّولة السلجوقية «٥» ؛ ثم ملكت عساكره دمشق «٦» .
стр. 10925
ذكر الحرب بين ناصر الدّولة والأتراك
قال: ولما اتّصل بالمستنصر ما فعله ناصر الدّولة من مكاتبة ألب «١» أرسلان جرّد عسكرا لقتاله من الأتراك، فساروا ثلاث فرق. فأراد أحد المقدّمين أن يلقاه ليكون الظّفر له دون رفيقيه، فتقدّم والتقى بناصر الدّولة، فهزمه ناصر الدّولة وقتل جماعة من أصحابه وأسره. ثمّ التقى العسكر الثّانى ولم يعلموا بما جرى على الأوّل، فهزمهم أقبح هزيمة؛ وهرب العسكر الثّالث.
وقوى ناصر الدّولة بهذا الظّفر، وقطع الميرة عن القاهرة ومصر، ونهب أكثر الوجه البحرى، وقطع خطبة المستنصر من الإسكندرية ودمياط والوجه البحرى، وخطب للقائم بأمر الله «٢» العبّاسى. وعدمت الأقوات بالقاهرة ومصر، واشتدّ الغلاء، وكثر الوباء، وامتدّت أيدى الجند إلى نهب العوامّ.
ذكر الصّلح بين ناصر الدّولة والأتراك
وفى المحرّم سنة ثلاث وستين وأربعمائة وقع الصّلح بين ناصر الدّولة بن حمدان والأتراك. وسبب ذلك أنّ المستنصر بالله والأتراك اشتدّت بهم الضّائقة لقطع الميرة، فاضطرّوا إلى مصالحته، فصالحوه على أن يكون مقيما بمكانه ويحمل إليه مال قرّره المستنصر، ويكون تاج الملوك شادى نائبا عنه.
فرضى بذلك وسيّر الغلال إلى مصر. ثمّ وقع الخلاف بينهم بعد شهور، فجاء
стр. 10926
ناصر الدّولة من البحيرة، وعساكر كثيرة، وحاصر مصر فى ذى القعدة من السّنة، ودخل أصحابه فنهبوا شطرا منها، وأحرقوا دور السّاحل؛ ثم عادوا إلى البحيرة. والله أعلم «١» .
ذكر الحرب بين ناصر الدّولة وتاج الملوك شادى وما كان من أمر ناصر الدّولة إلى أن قتل
وفى سنة أربع وستّين وأربعمائة جمع ناصر الدّولة جموعه من العربان وجاء إلى الجيزة، واستدعى إليه تاج الملوك شادى وبعض المقدّمين، فخرجوا للقائه، فقبض عليهم ونهب مصر [٦٩] وأحرقها.
وكان سبب ذلك أنّ شادى كان قد قطع عن ناصر الدّولة ما كان قد تقرّر حمله إليه من المال، ولم يوصّل إليه إلّا اليسير منه. فلمّا قبض عليهم سيّر المستنصر إليه عسكرا كثيفا، فهزموه، فهرب إلى البحيرة وجمع جموعه من العربان وغيرهم، وقطع خطبة المستنصر وأبطل ذكره. ثم قدم ناصر الدّولة فى شعبان من السنة ودخل إلى مصر وحكم بها، وأرسل إلى المستنصر يطلب منه المال؛ فرآه الرّسول وهو جالس على حصير وحوله ثلاث خدم، ولم ير شيئا آخر من آثار المملكة. فلمّا ذكر الرّسول رسالته للمستنصر قال: ما يكفى ناصر الدّولة أن أجلس فى مثل هذا البيت على هذه الحال! فبكى الرّسول، وعاد إلى ناصر الدّولة وذكر له الحال؛ فأطلق ناصر الدّولة للمستنصر بالله فى كلّ شهر مائة دينار، وحكم فى القاهرة، وبالغ فى إهانة المستنصر، وقبض
стр. 10927
على والدته وعاقبها، وأخذ منها الأموال. وتفرّق عن المستنصر جميع أقاربه وأولاده، ومضوا إلى بلاد المغرب والعراق «١» .
وعمل ناصر الدّولة على إقامة الدّولة العبّاسية. فنهض إلدكز أحد الأمراء، ويلدكوز، واجتمعا بمن بقى من الأتراك، واتّفقوا كلّهم على قتل ناصر الدّولة، وكان قد أمن وترك الاحتراس لقوّته وسطوته، وظنّ أنّ الدّنيا صفت له. فتواعد الأتراك وركبوا إلى داره، فى شهر رجب سنة خمس وستين وأربعمائة، وهو إذ ذاك بمصر بمنازل العزّ «٢» ، فدخلوا عليه من غير استئذان إلى أن بلغوا صحن الدّار، فخرج إليهم فى رداء، فقتلوه وأخذوا رأسه. وكان الّذى تولى قتله إلدكز، وقتل أخوه فخر العرب وأخوهما تاج المعالى وجماعة من أهل بيته. وانقطع ذكر آل حمدان، ولم يبق بمصر لهم ذكر «٣» .
وناصر الدّولة هذا هو الحسن بن الحسين بن ناصر الدّولة الحسن بن عبد الله بن أبى الهيجاء حمدان بن حمدون.
نرجع إلى حوادث الدّولة المستنصريّة.
وفى سنة خمس وخمسين وأربعمائة ندب أمير الجيوش بدر الجمالى لولاية دمشق على حربها «٤» ، وفوّض إليه فى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ولاية
стр. 10928
الشّام بأسرها «١»
ذكر الغلاء الكائن بالدّيار المصريّة
كان ابتداؤه فى سنة سبع وخمسين وأربعمائة واشتدّ من سنة إحدى وستّين، وقلّت الأقوات فى الأعمال حتّى أكل النّاس الميتة؛ وتزايد فى سنة اثنتين وستّين: وكثر الوباء بالقاهرة ومصر حتّى إنّ الواحد كان يموت فى البيت فيموت فى بقيّة اليوم أو اللّيلة كلّ من بقى فيه. وخرج من القاهرة ومصر جماعة كثيرة إلى الشّام والعراق؛ وأكل بعض النّاس بعضا. ودام ذلك إلى سنة أربع وستّين. وشبّهت هذه السّنين بسنى يوسف ﵇.
قال ابن الهمذانى فى تاريخه «٢» : وفى سنة اثنتين وستّين وأربعمائة ورد إلى بغداد من مصر الرّجال والنساء هربا من الجوع والفتنة، وأخبروا أنّ بعضهم أكل بعضا. وورد التّجار ومعهم ثياب صاحب مصر وآلاته وذخائره؛ وكان معهم أشياء كثيرة نهبت عند القبض على الطّائع، فى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة؛ وما نهب فى وقعة البساسيرى «٣» .
قال: وخرج من خزانة المستنصر بالله أشياء عظيمة، من جملتها ثلاثون ألف قطعة بلور كبار، وخمسة وسبعون ألف ثوب ديباج خسروانى «٤» ،
стр. 10929
وأحد عشر ألف «١» درع، وعشرون ألف سيف محلاة، وغير ذلك.
قال المؤرخ: ومن جملة ما بلغ من أمر الغلاء أنّ امرأة كان لها حلى باعت ما يساوى ألف دينار بثلاثمائة دينار واشترت به حنطة، فنهبت منها فى الطّريق، فنهبت مع من نهب، فحصّل لها ما جاء رغيفا واحدا «٢» .
وحكى أنّ بعض أهل اليسار وقف بباب القصر وصاح واستصرخ إلى أن أحضر بين يدى المستنصر، فقال له: يا مولانا، هذه سبعون قمحة وقفت علىّ بسبعين دينارا، كلّ قمحة بدينار، فى أيامك؛ وهو أنى اشتريت أردبّ قمح بسبعين دينار، فنهب منّى فنهبت مع من مهب، فوقع فى يدى هذه؛ فكلّ قمحة بدينار. فقال المستنصر الآن فرّج الله عن النّاس فإنّ أيّامى حكم لها أنّ القمحة تباع بدينار «٣» .
قالوا: ولم يكن هذا الغلاء عن نقص النّيل، وإنّما كان لاختلاف الكلمة وحروب الأجناد، وتغلّب المتغلّبين على الأعمال. وكان النّيل يزيد ويهبط فى كلّ سنة، ولم يجد من يزرع الأراضى؛ وانقطعت الطّرقات برّا وبحرا إلّا بالخقارة الكثيرة، وأبيع الرّغيف الخبز بأربعة عشر دينارا أو درهما. قال الحوانى: وأبيع الأردبّ القمح بمائتى دينار.
[٧٠] ذكر قدوم أمير الجيوش بدر الجمالى إلى مصر واستيلائه على الدولة
كان تقدّمه فى سنة ست وستّين وأربعمائة. وسبب ذلك أنّ المستنصر
стр. 10930
تواترت «١» عليه الرّزايا وحصره ابن حمدان كما ذكرنا فلمّا قتل ابن حمدان استطال إلدكز والأتراك والوزير ابن أبى كدينة «٢» ، فضاق المستنصر ذرعا، وكاتب أمير الجيوش بدر الجمالى «٣» وحسّن له أن يكون المتولّى لأمر دولته، فأعاد الجواب واشترط أن يستخدم معه عسكرا، وألّا يبقى على أحد من عسكر مصر. فأجابه إلى ذلك. فاستخدم العساكر وركب فى البحر الملح، وكان إذ ذاك بعكّا. وسار فى مائة مركب فى أوّل كانون، وهو وقت لم تجر العادة بركوب البحر فى مثله، فوصل دمياط، وركب منها. وسار إلى أن نزل بظاهر قليوب. وأرسل إلى المستنصر بالله أن يقبض على إلدكز «٤» ، فقبض عليه، ودخل أمير الجيوش إلى القاهرة فى شهر ربيع الآخر منها، وقيل فى جمادى الأولى. فما لبث أن بعث كل أمير من أمرائه إلى قائد من قوّاد الدّولة ليلا وأمره أن يأتيه برأسه؛ فأصبح وقد أحضر إليه من رءوس قوّاد الدّولة شىء كثير. وقبض على الأتراك وقويت شوكته، وقمع كلّ مفسد، حتى لم يبق أحد منهم بمصر والقاهرة. وخلع المستنصر «٥» بالله على بدر الجمالى بالطّيلسان، وصار أمر المستخدمين فى حكمه، والدّعاة والقضاة نوّابه.
قال: ولمّا قدم مصر حضر إليه المتصدّرون بالجامع، فقرأ ابن
стр. 10931
العجمى: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ»
«١» وسكت عن تمام الآية. فقال له بدر: والله لقد جاءت فى مكانها، وسكوتك عن تمام الآية أحسن «٢» ؛ وأحسن إليه. وقيل: بل قال له: لم لا قرأت «إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ»
«٣» .
وقتل أمير الجيوش من أماثل المصريين ووزرائهم وحكامهم جماعة، وشرع فى إصلاح الأعمال وقتل المفسدين.
وفى سنة ثمان وستّين وأربعمائة خطب للمستنصر بمكّة والمدينة، وكانت الخطبة بهما قد انقطعت منذ خمس «٤» سنين.
وفيها حاصر أتسيز «٥» دمشق وملكها، على ما ذكرناه فى الباب العاشر من القسم الخامس من هذا الفنّ فى أخبار الدّولة السلجقية. وانقطعت خطبة المستنصر من الشّام.
ذكر هلاك عرب الصعيد وقتل كنز الدولة
وفى سنة تسع وستين وأربعمائة اجتمع جماعة كثيرة من عرب جهينة
стр. 10932
والجعافرة والثعالبة وغيرهم بمدينة طوخ «١» العليا من صعيد مصر، واتّفقوا على قتال أمير الجيوش، فخرج إليهم. فلمّا قاربهم هجم عليهم فى نصف اللّيل، فهزمهم وأبادهم بالقتل، وغرق خلق كثير منهم، وغنم أموالهم وحملت إلى المستنصر.
وكان كنز الدّولة «٢» محمّد قد تغلّب على ثغر أسوان ونواحيها وعظم شأنه وكثرت أتباعه؛ فقاتله أمير الجيوش وقتله، وبنى فى المكان مسجدا سمّاه مسجد النّصر. وكانت هذه الوقعة آخر إصلاح حال مصر وعربانها. وقيل كان قتل كنز الدّولة فى سنة خمس وسبعين والله أعلم.
وفى غيبة أمير الجيوش [هجم] »
أتسيز على الدّيار المصريّة، وكان ابن يلدكوز قد التحق به وأهدى له تحفا جليلة المقدار، منها ستّون حبّة لؤلؤ مدحرج «٤» تزيد كلّ حبة على مثقال، وحجر ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا، وغير ذلك، وأطمعه فى ملك الدّيار المصريّة، وملك ما وصل إليه. فجمع أمير الجيوش عساكره وخرج إليه، وقاتله وهزمه، وقتل خلقا كثيرا من أصحابه بعد أن أقام بأرياف مصر جماديين وبعض شهر رجب «٥»
стр. 10933
وفيها خرج على أمير الجيوش عرب قيس وسليم وفزارة، فخرج إليهم وقاتلهم، وهزمهم، وطردهم إلى برقة «١» .
وفى سنة سبعين وأربعمائة فوّض لأمير الجيوش بدر الجمالى قضاء القضاة، ونعت بكافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين.
وفى سنة سبع وسبعين وأربعمائة خالف الأوحد بن أمير الجيوش على والده، واجتمع معه جماعة من العربان وغيرهم، واستولى على الإسكندريّة. فسار إليه والده وحاصره بها، وفتحها، وقبض على ولده:
وبنى أمير الجيوش الجامع المعروف بجامع العطّارين بالإسكندرية «٢» من أموال أخذها من أهل البلد؛ وكانت عمارته فى شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين. وقامت الخطبة بهذا الجامع إلى آخر أيّام العاضد «٣» .
وفى سنة اثنتين وثمانين [٧١] وأربعمائة ندب أمير الجيوش بدر الجمالى عسكرا إلى السّاحل ففتح صور وصيدا، وصارا بيد نوّابه. ثم سار بعد ذلك وفتح جبيل وعكّا. وكان ذلك فى يد تاج الدولة تتش «٤» صاحب دمشق.
ذكر بناء باب زويلة بالقاهرة
وفى سنة خمس وثمانين وأربعمائة أمر أمير الجيوش بدر الجمالى ببناء باب
стр. 10934
زويلة الكبير، الذى هو الآن باق، وعلّى أرضه «١» ، وأراد أن يجعل له عطفة على عادة أبواب الحصون حتّى لا تهجم عليه العساكر فى أوقات الحصار، ويتعذّر دخولها جملة؛ فأشار عليه بعض المهندسين أن يعمل فى بابه زلّاقة من حجارة الصّوّان، فعمله على هذا الحكم. ولم يزل كذلك إلى أن دخل منه السّلطان الملك الكامل «٢» بن الملك العادل، فزلق فرسه، فرسم أن يخفّف من حجارته، فخفّف منها، ولم يبق إلّا القليل على ما هو عليه الآن «٣» .
وفى سنة ستّ وثمانين وأربعمائة ملك تاج الدّولة تتش ثغر صور بمواطأة من نائب بدر بها.
ذكر وفاة أمير الجيوش بدر الجمالى وولاية ولده الأفضل
كانت وفاته فى شهر ربيع الأول «٤» ، وقيل فى جمادى الأول، سنة سبع وثمانين «٥» وأربعمائة. وكان حكمه بديار مصر حكم الملوك ولم يبق للمستنصر بالله أمر، بل سلّم الأمور إليه فضبطها أحسن ضبط. وكان شديد الهيبة،
стр. 10935
سريع البطش؛ قتل خلقا كثيرا من أكابر المصريّين وقوّادهم وكتّابهم؛ وعلى يديه صلحت الدّيار المصريّة بعد أن خربت. وكان له نحو الثّمانين سنة.
وكان أرمنىّ الجنس مملوكا لجمالىّ الدّولة بن عمار وإليه ينسب. وتولّى إمرة الشّام والسّاحل.
ولما كان يلى دمشق جرت فتنة من عسكره وأحداث البلد خرب بسببها قصر الإمارة والجامع الأموى.
ذكر وفاة المستنصر بالله وشىء من أخباره
قال المؤرخ: ولمّا ولى مصر أطلق الخراج للمزارعين ثلاث سنين إلى أن تمّت أحوالهم واتّسعت أموالهم. وكانت إمارته بمصر إحدى وعشرين سنة.
ولمّا توفى ولى بعده الوزارة ولده الأفضل، ونعت بنعوت أبيه، وقبض على جماعة من الأمراء كانوا قد ثاروا عليه.
كانت وفاته فى ليلة الخميس الثامن عشر من ذى الحجّة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، ومولده فى يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة سنة عشرين وأربعمائة، فكانت مدّة حياته سبعا وستين سنة وستة أشهر وثلاثة أيام، ومدة ولايته ستّين سنة وأربعة أشهر.
ولقى فى ولايته أهوالا عظيمة وشدائد كثيرة وفاقة متمكّنة حتى جلس على نخّ «١» وكانت أيّامه ما بين غلاء ووباء وفتن، على ما نذكره. وكان قد عتا وتجبّر واشتهر، وذلك أنه اشتهر عنه أنه نصب خركاه فى القصور التى بعين
стр. 10936
شمس وبنى فسقيّة عظيمة وحمل إليها الخمر فى الرّوايا وأخرج جميع من فى قصره من الملاهى والقيان إلى الخركاة وهم يغنون بأصوات مرتفعة ويستقون من فسقيّة الخمر، ويطوفون بالخركاة، يضاهون بذلك البيت المعظّم وزمزم، ويقول: هذا أطيب من زيارة حجارة، وسماع صوت كريه، وشرب ماء آسن. فآخذه الله تعالى وعجّل العقوبة، وأراه الذّلّ مع قيام سلطانه، وسلّط عليه أنصار دولته حتّى نهبوا أمواله واستولوا على قصره، ولم يبق له إلّا بساط فجذبوه من تحته. وصار إذا ركب لا يجد ما يركبه حامل مظلّته إلّا أن يستعار له بغلة ابن هبة، صاحب ديوان الإنشّاء، وكلّ خواصّه مشاة ليس لهم دواب يركبونها؛ وكانوا إذا مشوا يتساقطون فى الطّرفات من الجوع. وكانت ابنة بابشاذ تبعث إليه برغيفين فى كلّ يوم «١» . وهذه عاقبة الطغيان والاستهتار.
وكان له أولاد منهم: أبو القاسم أحمد، وأبو المنصور نزار، وأبو القاسم محمد، وأبو الحسين جعفر «٢» ، وغيرهم.
ووزر له جماعة «٣» وهم: أبو القاسم الجرجرائى الأقطع، وزير والده، إلى أن توفّى، فاستوزر من ذكرناهم [٧٢] إلى آخر سنة أربع وخمسين.
وتكرّر بعضهم فى الوزارة مرارا واستوزر ابا غالب عبد الظّاهر بن فضل العجمى غير مرّة، دفعة فى جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وصرف بعد
стр. 10937
ثلاثة أشهر، ودفعة فى شهر ربيع الآخر سنة ستّ وخمسين وصرف بعد ثلاثة وأربعين يوما، ثم وليها ثالثة فى أيام الفتنة ولقّب تاج الملوك شادى، وقتل فى سنة خمس وستين. وولى له الحسن بن ثقة الدولة بن أبى كدينة القضاء والوزارة، كلّ منصب منها خمس دفعات، ويقال إنه من ولد عبد الرحمن ابن ملجم قاتل على بن أبى طالب رضى الله عنه. ولمّا وصل أمير الجيوش بدر الجمالى أرسله إلى دمياط وأمر بضرب عنقه، فدخل عليه السيّاف بسيف كليل «١» فضربه عدّة ضربات حتى أبان رأسه، وكان عدّة ما ضربه عدّة ولاياته الحكم والوزارة. وولى أبو المكارم أسعد ثم قتله أمير الجيوش، ووزر بعده أبو على الحسن بن أبى سعد إبراهيم بن سهل التّسترى عشرة أيام ثم استعفى، وكان يهوديا فأسلم، وولى أبو القاسم هبة الله محمد الرعبانى دفعتين كلّ دفعة عشرة أيام. ووزر الأثير أبو الحسن بن الأنبارى أياما وصرف، ووزر أبو على الحسين بن سديد الدولة الماسكى مرة ثانية أيّاما ثم صرف، ووزر أبو شجاع محمد بن الأشرف بن فخر الملك، وفخر الملك هو الذى وزر لبهاء الدولة ابن بويه، فصرف وسار إلى الشّام فقتله أمير الجيوش فى مسيره.
واستوزر أبا الحسن طاهر ابن الوزير الطرابلسى، من طرابلس الشّام، ثم صرفه، وكان أحد الكتّاب بديوان الإنشاء، واستوزر أبا عبد الله محمد بن أبى حامد السيسى يوما واحدا ثم قتل، فاستوزر أبا سعد منصور بن أبى اليمن سورس بن مكرواه بن زنبور. وكان نصرانيّا ثم أسلم، والنصارى ينكرون إسلامه. واستوزر أبا العلاء عبد الغنى بن نصر بن سعيد وصرف وبقى أيّاما وقتله أمير الجيوش. ثم قدم أمير الجيوش بدر الجمالى من عكا ووزر
стр. 10938
للسّيف والقلم والحكم إلى أن مات، ثم ولده الأفضل بعده «١» .
قضاته: كان منهم جماعة من الوزراء قد ذكرناهم، ومن لم يل الوزارة عبد الحاكم بن سعيد الفارقى فى أوّل خلافته، ثم القاسم بن عبد العزيز بن النعمان. وفى ولاية أمير الجيوش أبو يعلى العرقى إلى أن مات، فولى أبو الفضل القضاعى. ثم جلال الدّولة أبو القاسم على بن أحمد بن عمار، ثم صرفه وولّى أبا الفضل بن عتيق، ثم أبا الحسن على بن يوسف الكحال النابلسى؛ ثم فخر الأحكام محمد بن عبد الحاكم «٢» .
وكان نقش خاتم المستنصر بالله «بنصر السّميع العليم ينتصر الإمام أبو تميم» «٣»
ذكر بيعة المستعلى بالله
هو أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبى تميم معدّ، وهو التّاسع من ملوك الدّولة العبيديّة، والسادس من ملوك مصر منهم. بويع له فى بكرة نهار الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
وذلك أن المستنصر بالله لما توفى بادر الأفضل أمير الجيوش بدخول القصر وأجلسه على تخت المملكة، وسيّر إلى إخوته نزار وعبد الله وإسماعيل،
стр. 10939
وأعلمهم بوفاة أبيهم، وأمرهم بسرعة الحضور. فلمّا حضروا شاهدوا أخاهم الصّغير وقد جلس على سرير الخلافة، فامتعضوا من ذلك، فقال لهم الأفضل: تقدّموا وقبّلوا الأرض لله تعالى ولمولانا المستعلى بالله وبايعوه، فهو الذى نصّ عليه الإمام المستنصر بالله قبل وفاته بالخلافة من بعده. فقال نزار: لو قطّعت ما بايعت من هو أصغر منّى سنّا، وخطّ والدى عندى بولاية العهد، وأنا أحضره. وخرج مسرعا ليحضر الخطّ فمضى إلى الإسكندريّة، فسيّر الأفضل خلفه من يحضره، فلم يعلم أحد أين توجّه ولا كيف سلك، فانزعج الأفضل «١» لذلك.
وقيل إنّه لمّا توفى المستنصر بالله جلس بعده ولده أبو منصور نزار، وهو ولىّ العهد وأراد أخذ البيعة لنفسه فامتنع الأفضل أمير الجيوش من ذلك لكراهته فيه «٢» واجتمع بجماعة الأمراء والخواصّ وقال لهم: إن هذا كبير السّن ولا نأمنه على نفوسنا، والمصلحة أن نبايع لأخيه الصغير أبى القاسم أحمد. فوافقوه على ذلك إلا محمود بن مصال اللكى «٣» ، فإن نزارا كان قد وعده بالوزارة والتّقدمة على الجيوش مكان الأفضل. فلمّا علم ابن مصال الحال أطلع نزارا عليه.
وبادر الأفضل وبايع أحمد الخلافة، ونعته بالمستعلى بالله وأجلسه على
стр. 10940
سرير الملك، [٧٣] وجلس الأفضل على دكّة الوزارة. وحضر قاضى القضاة نصر الإمام على بن الكحال ومعه الشّهود، وأخذ البيعة على مقدّمى الدّولة ورؤسائها وأعيانها، ثم مضى إلى إسماعيل وعبد الله، وهما بالقصر فى المسجد وعليهما التوكيل، فقال لهما: إن البيعة قد تمّت لمولانا المستعلى بالله، وهو يقرئكما السّلام ويقول لكما: تبايعانى أم لا؟ فقالا: السمع والطاعة؛ إن الله اختاره علينا. وبايعاه، وكتب بذلك سجلّ قرأه على الأمراء الشّريف سناء الملك محمد بن محمد الحسنى الكاتب بديوان الإنشاء. وبادر نزار وأخوه عبد الله ومحمود بن مصال إلى الإسكندرية، وعليها ناصر الدّولة «١» أفتكين التّركى، أحد مماليك أمير الجيوش بدر الجمالى، فعرّفوه الحال ووعدوه بالوزارة، فبايعه، وبايعه أهل الثّغر، ولقّب بالمصطفى لدين الله.
ذكر ما اتّفق لنزار ومن معه
قال: وفى المحرّم سنة ثمان وثمانين وأربعمائة خرج الأفضل أمير الجيوش بعساكره إلى الإسكندرية لقتال نزار وأفتكين وابن مصال. فلمّا قرب منها خرجوا إليه، والتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الهزيمة على الأفضل ومن معه، فرجع إلى مصر ونهب نزار ومن معه من العرب أكثر بلاد الوجه البحرى.
ثم خرج الأفضل ثانيا وحاصر الإسكندرية، واشتدّ الحصار إلى ذى القعدة. فلمّا اشتد الحال رأى ابن مصال مناما، فلمّا أصبح أحضر رجلا أعجميّا وقال له: رأيت كأنّى راكب فرسا وكأنّ الأفضل يمشى فى ركابى.
стр. 10941
فقال له العجمىّ: الماشى على الأرض أملك لها. فلمّا سمع منه ذلك جمع أمواله وهرب إلى لكّ قرية من قرى برقة. فعند ذلك ضعفت قوّة نزار وأفتكين، فاضطرّ إلى مسالمة الأفضل [وبعثا] «١» يطلبان الأمان، فأمّنهما وفتحت البلد.
ودخل الأفضل الإسكندرية وقبض على نزار وأفتكين، وسيّرهما إلى مصر، وكان آخر العهد بنزار. قيل إنّه جعله بين حائطين إلى أن مات. وكان مولده فى عاشر شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. وأمّا أفتكين فإنه أظهر قتله بعد ذلك للناس. وأمّا محمود بن مصال فكاتبه الأفضل ورغّبه فى العود، فعاد إلى مصر، فأكرمه الأفضل.
وفى سنة تسعين وأربعمائة خطب الملك رضوان «٢» صاحب حلب للمستعلى بالله أربع جمع «٣» ، ثم قطع خطبته، على ما ذكرناه «٤» فى أخبار الدولة السلجقية والله أعلم.
ذكر استيلاء أمير الجيوش على البيت المقدّس
وفى شعبان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة خرج الأفضل أمير الجيوش بعساكره إلى الشام ونزل على البيت المقدس، وهو فى يد الأمير سقمان
стр. 10942
وإيلغازى، ابنى أرتق «١» ، وجماعة من أقاربهما وخلق كثير من الأتراك.
فراسلهما يلتمس منهما تسليم البيت المقدّس من غير حرب ولا سفك، فلم يجيباه لذلك. فنصب المجانيق وهدم منه قطعة، وقاتل، فاضطرّا لتسليمه فسلّماه له، فخلع عليهما وأطلقهما. وعاد الأفضل إلى مصر «٢» .
ونقل محمد بن على بن يوسف بن جلب راغب فى تاريخ مصر أن الأفضل لمّا رجع من بيت المقدس مرّ بعسقلان، وكان فى مكان دارس بها رأس الحسين بن على، رضى الله عنهما، فأخرجه وعطّره وطيّبه، وحمل فى سفط إلى أجلّ دار بها، وعمر المشهد، ولما تكامل حمل الأفضل الرأس على صدره وسعى ماشيا إلى أن ردّه إلى مقره، ثم نقل إلى مصر على ما نذكره إن شاء الله. وقيل إن المشهد [بعسقلان] «٣» ابتدأ بعمارته بدر الجمالى وكمّله الأفضل «٤» .
ذكر استيلاء الفرنج على ما نذكره من البلاد الإسلامية بالساحل والشام والبيت المقدس
لم يكن جميع ما استولوا عليه مما نذكره داخلا فى ملك الدولة العبيديّة، بل كان منه ما هو فى أيدى نوّاب المستعلى وما هو بيد الملوك الذين تغلّبوا على الأطراف، ولم يكن أيضا فى أيام المستعلى خاصّة. وإنما وردناه بجملته فى
стр. 10943
هذا الوضع لتكون الأخبار متتابعة ولا تنقطع بالسنين والدول. وقد نبّهنا عليه فيما تقدم من أخبار الدولة العباسية «١» .
والذى نذكره الآن فى هذا الموضع هو ما استولوا عليه [٧٤] من سواحل الشام سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وما بعدها.
وكان ابتداء ظهورهم وامتدادهم وتطرّقهم إلى البلاد الإسلامية فى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وذلك أن بلاد الأندلس «٢» لما تقسّم ملوكها بعد بنى أمية وصارت كلّ جهة بيد ملك، وأنفت نفس كل واحد أن ينقاد إلى الآخر، ويدخل تحت طاعته، فكانوا كملوك الطوائف فى زمن الفرس، وعجز كلّ واحد عن مقاومة من يليه أو يقصده من الفرنج، أدى ذلك إلى اختلال الأحوال، وتغلب الأعداء على البلاد الإسلامية. فأول ما استولوا عليه مدينة طليطلة من الأندلس، على ما ذكرناه «٣» فى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ثم ملكوا جزيرة صقليّة فى سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وتطرّقوا إلى أطراف أفريقية فملكوا منها شيئا ثم استرجع منهم، على ما قدّمناه «٤»
ذكر ملكهم مدينة أنطاكيّة
كان استيلاء الفرنج خذلهم الله تعالى، على مدينة أنطاكيّة فى جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وكانت بيد ملوك الرّوم من سنة ثمان
стр. 10944
وخمسين وثلاثمائة إلى أن افتتحها الملك سليمان «١» بن شهاب الدين ولد قتلمش السلجقى، صاحب أقصرا وقونية وغير ذلك من بلاد الروم فى سنة سبع وسبعين وأربعمائة، على ما ذكرناه فى أخبار الدولة السّلجقية «٢» ، وبقيت فى يده إلى أن قتل. وتداولتها أيدى المتغلّبين من ملوك الإسلام وأمرائهم إلى أن استقرت بيد ياغى سيان وهو يخطب فيها للملك رضوان ابن تتش صاحب حلب، ولأخيه الملك دقاق صاحب دمشق.
فلمّا كان فى سنة تسعين وأربعمائة جمع بغدوين «٣» ملك الفرنج جمعا كثيرا من الفرنج، وكان تسيب رجار «٤» الفرنجى صاحب صقلّية، فأرسل إليه بغدوين يقول: قد جمعت جمعا كثيرا وأنا واصل إليك وسائر من عندك إلى إفريقية أفتحها وأكون مجاورا لك.
فجمع رجار أصحابه واستشارهم فقالوا كلّهم: هذا جيد لنا ولهم، وتصبح البلاد كلّها للنصرانية. فلمّا سمع رجار كلامهم وما اجتمعوا عليه، رفع رجله وحبق حبقة قوية، وقال: وحقّ دينى هذه خير من كلامكم.
قالوا: وكيف ذلك؟ قال إذا وصلوا إلىّ احتجت إلى كلفة كثيرة، ومراكب تحملهم إلى إفريقية، وعساكر من جهتى معهم، فإن فتحوا البلاد وكانت
стр. 10945
لهم وصارت مؤونتهم من صقلّية وينقطع عنى ما يصل إلىّ من المال من ثمن الغلّات فى كل سنة، وإن لم يفتحوها رجعوا إلى بلادى وتأذّيت بهم، ويقول تميم «١» ، صاحب إفريقية غدرت بى ونقضت عهدى، وتنقطع الوصلة والأسفار بيننا وبين بلاد إفريقية، وإفريقية باقية متى وجدنا قوة أخذناها بها.
ثم أحضر رسوله وقال له إذا عزمتم على جهاد المسلمين فاقصدوا بذلك فتح بيت المقدس وخلّصوه من أيديهم، ويكون لكم الفخر، وأمّا إفريقية فبينى وبين أهلها أيمان وعهود، فاخرجوا إلى الشام. «٢»
وقيل إنّ المستنصر، أو المستعلى، لمّا رأى قوة الدولة السلجقية وتمكّنها، وأنهم استولوا على ملك بلاد الشام [إلى] «٣» غزّة، ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم، راسل الفرنج يدعوهم إلى الخروج إلى الشّام، ليملكوه، ويكونوا بينه وبين المسلمين. والله تعالى أعلم «٤» .
قال فلمّا عزم الفرنج على قصد الشّام ساروا إلى قسطنطينية ليعبروا المجاز إلى بلاد الإسلام ويسيروا فى البرّ فيكون أسهل عليهم. فمنعهم ملك الروم «٥» من ذلك، ولم يمكّنهم أن يمرّوا ببلاده، وقال: لا أمكّنكم من العبور إلّا أن تحلفوا أنكم تسلمون إلىّ أنطاكية. وكان قصده أن يحثّهم على
стр. 10946
الخروج إلى بلاد الإسلام ظنّا منه أن الترك لا يبقون منهم أحدا لما أرى من صرامتهم وملكهم «١» البلاد.
فأجابوه إلى ذلك وعبروا الخليج فى سنة تسعين وأربعمائة. ووصلوا إلى بلاد قلج أرسلان «٢» بن سليمان بن قتلمش، فلقيهم فى جموعه ومنعهم، فقاتلوه وهزموه، وذلك فى شهر رجب منها. ومرّوا فى بلاده إلى بلاد ابن ليون الأرمنى، فسلكوها وخرجوا منها إلى أنطاكيّة، فحصروها. «٣»
قال المؤرّخ «٤» : فلمّا سمع صاحبها ياغى سيان بتوجّههم إليها خاف من النّصارى الذين بها، فأخرج من بها من المسلمين بمفردهم فى أول يوم وأمرهم أن يحفروا الخندق، ثم أخرج النصارى من الغد لذلك. فعملوا فيه إلى العصر، فلمّا أرادوا دخول البلد منعهم، وقال لهم: أنطاكية لكم فهبوها لى حتى أنظر ما يكون بيننا وبين الفرنج. فقالوا: من يحفظ أولادنا ونساءنا؟ فقال: أنا أخلفكم فيهم «٥» فأمسكوا ثم صاروا فى عسكر الفرنج.
وحصرت أنطاكية تسعة أشهر، وظهر من حزم ياغى سيان واحتياطه وجودة رأيه ما لم يشاهد مثله، وهلك [٧٥] أكثر الفرنج موتا وقتلا، وحفظ ياغى سيان أهل نصارى أنطاكية الذين أخرجهم، وكفّ الأيدى عنهم.
стр. 10947
فلمّا طال مقام الفرنج عليها راسلوا أحد المستحفظين للأبراج، وهو ذراد، ويعرف بروزبة «١» ، وبذلوا له مالا وإقطاعا، وكان يتولى حفظ برج يلى الوادى، وهو مبنى على شباك فى الوادى.
فلمّا تقرّر الأمر بينهم وبينه، جاءوا إلى الشباك ففتحوه ودخلوا منه، وصعد جماعة كثيرة منهم بالحبال، فلما زادت عدتهم على خمسمائة، ضربوا البوق وذلك عند السّحر وقد تعب الناس من كثرة السهر والحراسة، فاستيقظ ياغى سيان وسأل عن الحال فقيل له: هذا البوق من القلعة، ولا شك أنها قد أخذت. ولم يكن من القلعة وإنما من ذلك البرج. فداخله الرّعب؛ ففتح باب البلد وهرب فى ثلاثين غلاما، وجاء نائبه ليحفظ البلد، فقيل له: إنه قد هرب، فخرج من الباب الآخر هاربا. وكان ذلك إعانة للفرنج، ولو ثبت ساعة لهلكوا.
ثم إن الفرنج دخلوا البلد من بابه، ونهبوا وقتلوا من فيه من المسلمين.
وأما ياغى سيان فإنه لما طلع عليه النهار رجع إلى عقله وكان كالولهان.
فرأى نفسه وقد قطع عدّة فراسخ؛ فقال لمن معه: أين أنا؟ فقالوا: على أربعة فراسخ من أنطاكية. فندم كيف خلص سالما ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يقتل.
وجعل يتلهّف على ترك أهله وأولاده والمسلمين، ويسترجع؛ فسقط عن فرسه لشدة ما ناله، وغشى عليه. فأراد أصحابه أن يركبوه فلم يكن فيه
стр. 10948
مسكة، وكان قد قارب الموت، فتركوه وساروا عنه. فاجتاز به إنسان أرمنى كان يقطع الحطب وهو بآخر رمق فقتله، وحمل رأسه إلى الفرنج بأنطاكيّة «١»
ذكر مسير المسلمين لحرب الفرنج وما كان من أمرهم
قال «٢» : ولما اتصل خبر أنطاكيّة بالأمير قوام الدّين كربوقا صاحب الموصل «٣» جمع العساكر وسار لحربهم واجتمع معه الملك دقاق صاحب دمشق وصاحب حمص وصاحب سنجار «٤» . فلمّا بلغ الفرنج اجتماعهم عظمت عليهم المصيبة وداخلهم الخوف؛ لما هم فيه من الوهن وقلّة الأقوات. وسار المسلمون حتى نازلوا أنطاكيّة، فأساء كربوقا السيّرة فيمن معه من المسلمين، فأغضب الأمراء وتكبّر عليهم، ظنّا منه أنّهم يقيمون معه على هذه الحال. فأغضبهم ذلك وأضمروا فى أنفسهم الغدر به إذا كان قتال، وعزموا على إسلامه عند الصّدمة «٥» .
стр. 10949
قال: وأقام الفرنج بانطاكيّة بعد أن ملكوها ثلاثة «١» عشر يوما ليس لهم ما يأكلونه؛ فتقوّت الأقوياء بدوابّهم والضّعفاء بالميتة وورق الشّجر. فلمّا انتهت حالهم إلى ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد، فلم يعطهم، وقال: لا تخرجون منه إلّا بالسّيف.
وكان معهم من الملوك بغدوين وصنجيل وكندفرى والقمص صاحب الرّها وبيمند صاحب أنطاكيّة «٢» وهو مقدّم العسكر. وكان معهم راهب مطاع فيهم «٣» فقال لهم: إن المسيح ﵇ كان له حربة مدفونة بالقسيان «٤» الّذى بأنطاكيّة، وهو بناء عظيم، فإن وجدتموها فإنّكم تظفرون، وإن لم تجدوها فالهلاك متحقّق.
وكان هو قد دفنها قبل ذلك وعفّى أثرها. وأمرهم بالصّوم ثلاثة أيّام والتّوبة؛ ففعلوا ذلك. فلمّا كان فى اليوم الرّابع أدخلهم جميعهم وجميع عامّتهم والصّنّاع، وحفروا عليها فى ذلك المكان فوجدوها كما ذكر، فقال لهم: أبشروا بالظّفر. فخرجوا فى اليوم الخامس من الباب من خمسة وستّة ونحو ذلك؛ فقال المسلمون لكربوقا: ينبغى أن نقف على الباب فقتل كلّ من يخرج فإنّ أمرهم الآن سهل. فقال: أمهلوهم حتى يتكاملوا؛ ولم
стр. 10950
يمكّن من معاجلتهم؛ فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين، فجاء إليهم بنفسه ومنعهم.
فلمّا تكامل خروج الفرنج ولم يبق منهم أحد بأنطاكية ضربوا مصافّا عظيما، فانهزم العسكر الإسلامى لما عاملهم به كربوقا من الاستهانة بهم والإعراض عنهم، فتمّت الهزيمة عليهم، ولم يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح، ولا رمى بسهم. وآخر من انهزم سقمان بن أرتق وجناح الدولة، لأنهما كانا فى الكمين؛ وانهزم كربوقا معهم. فلمّا رأى الفرنج ذلك ظنّوه مكيدة، فخافوا أن يتبعوهم؛ وثبت جماعة من المجاهدين وقاتلوا حسبة ورغبة فى الشّهادة فقتل الفرنج منهم ألوفا، وغنموا ما فى العسكر من الأقوات والأموال والآلات والدّوابّ، وغير ذلك؛ فصلحت حالهم وعادت إليهم قوّتهم.
ذكر ملكهم معرة النعمان
[٧٦] قال المؤرّخ. ثم سار الفرنج إلى معرة النّعمان «١» ، فنازلوها وحصروها، وقاتلهم أهلها قتالا شديدا، فرأى الفرنج منهم شدّة ونكاية عظيمة. فعمل الفرنج عند ذلك برجا من خشب يوازى سور المدينة، ووقع القتال عليه، فصبر المسلمون على القتال إلى اللّيل. ثمّ خاف قوم منهم وفشلوا، وظنّوا أنهم إذا تحصّنوا ببعض الدّور الكبار امتنعوا بها. فنزلوا عن السّور وأخلوا مكانهم الذى كانوا يحفظونه، وفعلت طائفة أخرى مثل ذلك.
стр. 10951
ولم تزل كلّ طائفة منهم تتبع الأخرى حتّى خلا السّور، فصعد الفرنج إليه على السّلاليم. فلمّا علوه تحيّر المسلمون ودخلوا دورهم، ووضع الفرنج فيهم السّيف ثلاثة أيام، فقتلوا ما يزيد على مائة ألف وسبّوا السّبى الكثير.
وأقاموا بها أربعين يوما وساروا إلى عرقة «١» ، فحصروها أربعة أشهر، ونقبوا سورها عدّة نقوب ولم يقدروا عليها. وراسلهم ابن منذر «٢» صاحب شيزر، وصالحهم عليها. ثم ساروا إلى حمص وحصروها، فصالحهم صاحبها جناح الدّولة. وخرجوا على طريق النّواقير «٣» إلى عكا فلم يقدروا عليها «٤» ؛ فساروا إلى البيت المقدّس.
ذكر استيلائهم خذلهم الله تعالى على البيت المقدس
كان استيلاء الفرنج، خذلهم الله تعالى، على البيت المقدّس فى يوم الجمعة، ضحى، لسبع بقين من شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وكان إذ ذاك بيد افتخار الدّولة نيابة عن المستعلى بالله. فإنه كان بيد تاج الدّولة تتش السّلجقى صاحب الشّام، وأقطعه للأمير سقمان بن أرتق التّركمانى، فجاءه الأفضل أمير الجيوش واستولى عليه «٥» ، وبقى بيد نوّابه إلى الآن.
стр. 10952
فقصده الفرنج عند عجزهم عن فتح عكّا، وحصروه نيّفا وأربعين يوما، ونصبوا عليه برجين، أحدهما من ناحية صهيون «١» ، فأحرقه المسلمون وقتلوا جميع من فيه من الفرنج.
فلمّا فرغوا من ذلك أتاهم الصّارخ أن المدينة قد ملكت من الجانب الآخر، وهو الجانب الشّمالى، وركب النّاس السيف ولبث الفرنج أسبوعا يقتلون فيهم.
واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود وقاتلوا فيه ثلاثة أيام، فبذل لهم الفرنج الأمان، فسلّموه إليهم، فوفوا لهم؛ وخرجوا ليلا إلى عسقلان وأقاموا بها.
وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم، وعبّادهم وزهّادهم، ممّن فارق أهله، ووطنه وجاور بذلك الموضع الشّريف. وأخذوا منّ عند الصّخرة نيّفا وأربعين قنديلا من الفضّة، زنة كلّ قنديل [ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنورا من فضة وزنه] «٢» أربعون رطلا بالرّطل الشامى «٣» ؛ وأخذوا من القناديل الصّغار مائة وخمسين قنديلا من الفضّة؛ ومن الذهب نيّفا وعشرين قنديلا. وغنموا ما لا يقع عليه الإحصاء.
стр. 10953
وورد إلى بغداد القاضى سعيد القروى «١» فى شهر رمضان، ومعه جماعة، يستنفرون النّاس، وأوردوا فى الدّيوان كلاما أبكى العيون، وصدع القلوب واستغاثوا بالجامع يوم الجمعة، وبكوا، وذكروا ما نزل بالمسلمين من البلاء، وما حلّ بهم من المصيبة. فأمر الخليفة أن يسير القاضى أبو محمد الدّامغانى، وأبو بكر الشّاشى، وغيرهما «٢» ، إلى السّلطان «٣» بسبب ذلك، فاتّفق ما ذكرناه من الاختلاف الذى وقع بين الملوك السّلجقية «٤» ؛ فتمكّن الفرنج من البلاد.
قال: ولمّا اتّصل خبر هذه الحادثة العظيمة بالأفضل أمير الجيوش جمع العساكر وخرج إليهم، فقاتلهم فى شهر رمضان من السّنة. ثمّ كبسه الفرنج هو ومن معه، وهم على غير تعبئة، فهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة.
وحاصر الفرنج عسقلان، فصالحهم أهلها على عشرة آلاف دينار، وقيل عشرين ألف دينار، فعادوا إلى القدس.
قال: وكان الذى ملك البيت المقدّس من الفرنج كندفرى «٥» .
стр. 10954
ذكر ظفر المسلمين بالفرنج
قال المؤرخ «١» : وفى ذى القعدة سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة لقى كمشتكين بن الدانشمند طايلو، وهو صاحب ملطية وسيواس، بيمند الفرنجى بالقرب من ملطية، وكان صاحبها قد كاتبه واستقدمه عليه، فورد عليه [٧٧] فى خمسة آلاف؛ فلقيهم ابن الدّانشمند، وقاتلهم، فهزم بيمند وأسر.
ثم وصل من البحر سبعة قمامصة من الفرنج، فأرادوا خلاص بيمند، فأتوا إلى قلعة أنكورية «٢» فأخذوها وقتلوا من بها من المسلمين؛ وساروا إلى قلعة أخرى فحصروها وفيها إسماعيل بن الدّانشمند، فجمع الدّانشمند جمعا كثيرا، ولقى الفرنج، وجعل له كمينا؛ فقاتلهم وخرج عليهم الكمين فقتلهم. وكانوا ثلاثمائة ألف لم يفلت منهم غير ثلاثة آلاف «٣» هربوا.
وسار ابن الدّانشمند إلى ملطية فملكها وأسر صاحبها.
قال ابن الأثير الجزرى: وكانت هذه الوقائع فى شهور «٤» قريبة.
قال: ولم يزل بيمند فى أسره إلى سنة خمس وتسعين، فأخذ منه مائة
стр. 10955
ألف دينار وأطلقه «١» .
ذكر قتل كندفرى وملك أخيه بغدوين وما استولى عليه الفرنج من البلاد وهى: حيفا. وأرسوف. وقيسارية. والرها. وسروج
وفى سنة أربع وتسعين وأربعمائة سار كندفرى صاحب البيت المقدّس إلى عكّا، فحاصرها، فأصابه سهم فقتله «٢» . وكان قد عمّر مدينة يافا وسلّمها إلى قمص من الفرنج اسمه طنكرى «٣» . فلما قتل كندفرى سار أخوه بغدوين «٤» إلى البيت المقدّس فى خمسمائة فارس وراجل، فبلغ ذلك الملك شمس الملوك دقاق صاحب دمشق، فنهض إليه فى عسكره ومعه الأمير جناح الدّولة فى جموعه فقاتله، فنصر على «٥» الفرنج.
وفى هذه السنة ملك الفرنج مدينة حيفا عنوة وهى على ساحل البحر بالقرب من عكّا، وملكوا أرسوف بأمان وأخرجوا أهلها منها، وملكوا قيساريّة بالسيف وقتلوا أهلها. وفيها ملك الفرنج مدينة سروج من ديار الجزيرة، وكانوا قبل ذلك قد ملكوا الرّها بمكاتبة من أهلها لأن أكثر أهلها
стр. 10956
أرمن. فلمّا كان الآن جمع الأمير سقمان بن أرتق جمعا عظيما من التّركمان وزحف بهم إليهم، فلقوه وقاتلوه؛ فهزموه فى شهر ربيع الأول. فلمّا تمّت الهزيمة على المسلمين سار الفرنج إلى سروج، فتسلّموها، وقتلوا كثيرا من أهلها وسبوا حريمهم، ونهبوا أموالهم، ولم يسلم منهم إلّا من انهزم «١» .
ذكر أخبار صنجيل الفرنجى وما كان منه فى حروبه وحصار طرابلس وألطوبان وملك أنطرسوس
وفى سنة خمس وتسعين وأربعمائة لقى صنجيل «٢» الملك قلج أرسلان صاحب قونية، وصنجيل فى مائة ألف مقاتل وقلج فى عدد يسير، واقتتلوا؛ فانهزم الفرنج وأسر كثير منهم، وفاز قلج بالظّفر والغنيمة «٣» . ومضى صنجيل مهزوما فى ثلاثمائة، فوصل إلى الشام، فأرسل فخر الملك بن عمّار «٤» صاحب طرابلس إلى الأمير جناح الدّولة «٥» بحمص وإلى الملك دقاق بدمشق يقول: من الصّواب معاجلة صنجيل إذ هو فى العدد اليسير.
стр. 10957
فخرج إليه جناح الدّولة بنفسه «١» وسيّر دقاق ألفى مقاتل؛ وأتتهم الأمداد من طرابلس. وصافّوا صنجيل فأخرج مائة من عسكره إلى أهل طرابلس ومائة إلى عسكر دمشق وخمسين إلى عسكر حمص وبقى هو [فى] «٢» خمسين.
فأما عسكر حمص فانهزموا عند المشاهدة وتبعهم عسكر دمشق.
وأما عسكر طرابلس فإنهم قتلوا المائة الذين قاتلوهم، فحمل صنجيل فى المائتين الباقيتين، فكسروا أهل طرابلس وقتلوا منهم سبعة آلاف رجل.
ونازل طرابلس وحصرها.
وأتاه أهل الجبل فأعانوه على حصرها، هم وأهل السّواد، لأن أكثرهم نصارى. فقاتل من بها أشدّ قتال، فقتل من الفرنج ثلاثمائة: ثم هادنهم ابن عمّار على مال وخيل، فرحل صنجيل عنهم إلى مدينة أنطرسوس، «٣» وهى من أعمال طرابلس، فحصرها وفتحها «٤» ، وقتل من بها من المسلمين.
ورحل إلى حصن ألطوبان «٥» ، ومقدّمه ابن العريض، فقاتلهم فنصر
стр. 10958
عليهم وأسر فارسا من أكابر فرسانهم، فبذل فيه صنجيل عشرة آلاف دينار وألف أسير فلم يجبه ابن العريض إلى ذلك.
ثمّ سار صنجيل إلى حصن الأكراد «١» فحصره، فجمع الأمير جناح الدّولة عسكره ليسير إليه ويكبسه، فقتله باطنىّ بالمسجد الجامع. فلما قتل صبّح صنجيل حمص من الغد ونازلها وملك أعمالها.
[٧٨] ذكر ملك الفرنج جبيل وعكا
وفى سنة سبع وتسعين وأربعمائة وصلت مراكب من بلاد الفرنج إلى مدينة لاذقيّة، فيها التّجّار والمقاتلة والحجّاج وغيرهم؛ فاستعان بهم صنجيل الفرنجى على حصار طرابلس فحاصروها معه وضايقوها، فلم يروا فيها مطمعا، فرحلوا عنها إلى مدينة جبيل «٢» فحصروها وقاتلوا عليها قتالا شديدا. فلمّا رأى أهلها عجزهم عن الفرنج طلبوا الأمان على تسليمها، فبذل لهم صنجيل الأمان، وتسلّم البلد منهم فلم يف لهم. وأخذ الأفرنج أموالهم وعاقبوهم عليها بأنواع العذاب. ثم ساروا إلى عكّا نجدة لبغدوين، صاحب القدس، على حصارها؛ فنازلوها وحصروها فى البر والبحر، وعليها زهر الدّولة «٣» الجيوشى، فقاتلهم أشدّ قتال. فلمّا عجز عن حفظ البلد فارقه؛ وملك الفرنج عكّا بالسّيف، وفعلوا بأهلها الأفعال الشنيعة. وساروا منها إلى دمشق ثم إلى مصر.
стр. 10959
وفى سنة تسع وتسعين وأربعمائة ملك الفرنج حصن أفامية وسرمين من أعمال حلب.
وفى سنة اثنتين وخمسمائة فتح السردانى «١» عرقة، وذلك أنّها كانت بيد غلام فخر الملك بن عمّار وقد عصى على مولاه، فضاق به القوت وانقطعت عنه الميرة، فكاتب طغزتكين «٢» صاحب دمشق أن يرسل إليه من يتسلّم الحصن لعجزه عن حفظه. فبعث إليه طغزتكين صاحبا له اسمه إسرائيل فى ثلاثمائة، فتسلّم الحصن. فلمّا نزل غلام ابن عمّار رماه إسرائيل بسهم فقتله فى الاختلاط «٣» طمعا فى المال الذى بعرقة لئلا يطّلع طغزتكين عليه.
قال وأراد طغزتكين أن يشحن الحصن بالعساكر والأقوات، فتوالت الأمطار [والثلج] «٤» مدّة شهرين، فعجز عن ذلك. فلمّا انقطع المطر ركب أربعة آلاف فارس وجاءوا إلى عرقة، فتوجّه إليه السّردانى وهو يحاصر طرابلس ومعه ثلاثمائة فارس، فانهزم عسكر طغزتكين عند ما أشرفت الخيل من غير قتال، فأخذ السّردانى أثقالهم وتسلّم الحصن بأمان، وقبض على إسرائيل، وقال لا أطلقه إلا بفلان وهو من أكابر الفرنج كان أسيرا، ففودى به.
ذكر ملك الفرنج طرابلس وبيروت
كان صنجيل لمّا ملك مدينة جبيل، كما ذكرنا، حصر طرابلس، فلمّا
стр. 10960
لم يتمكّن منها وعجز عن الاستيلاء عليها بنى بالقرب منها حصنا وجعل تحته ربضا، وأقام يرصدها ينتظر فرصة، فخرج فخر الملك أبو على بن عمّار، صاحب طرابلس، فأحرق ربضه؛ فوقف صنجيل على سقوفه المحترقة، ومعه جماعة من القمامصة والفرسان، فانخسف بهم. فمرض صنجيل عشرة أيّام، ومات، وحمل إلى القدس فدفن هناك. وذلك فى سنة تسع وتسعين وأربعمائة «١» .
ودامت الحرب على طرابلس خمس سنين. فسار فخر الملك ابن عمّار إلى بغداد يستنجد بالخليفة والسّلطان على الفرنج، على ما ذكرناه، وعاد من بغداد فى منتصف المحرم سنة اثنتين وخمسمائة وتوجه إلى جبيلة «٢» فدخلها وأطاعه أهلها.
وأما طرابلس فإن ابن عمّار لمّا فارقها راسل أهلها الأفضل أمير الجيوش يلتمسون منه واليا يكون عندهم ومعه الميرة فى البحر، فسيّر إليهم الأفضل شرف الدّولة بن أبى الطّيّب واليا، ومعه الغلال وغيرها. فلمّا صار إليها قبض على جماعة من أهل ابن عمّار واستولى على ما وجده من أمواله وذخائره «٣» .
فلمّا كان فى شعبان سنه ثلاث وخمسمائة وصل أسطول كبير من بلد
следующие страницы →