Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.
стр. 10956
أرمن. فلمّا كان الآن جمع الأمير سقمان بن أرتق جمعا عظيما من التّركمان وزحف بهم إليهم، فلقوه وقاتلوه؛ فهزموه فى شهر ربيع الأول. فلمّا تمّت الهزيمة على المسلمين سار الفرنج إلى سروج، فتسلّموها، وقتلوا كثيرا من أهلها وسبوا حريمهم، ونهبوا أموالهم، ولم يسلم منهم إلّا من انهزم «١» .
ذكر أخبار صنجيل الفرنجى وما كان منه فى حروبه وحصار طرابلس وألطوبان وملك أنطرسوس
وفى سنة خمس وتسعين وأربعمائة لقى صنجيل «٢» الملك قلج أرسلان صاحب قونية، وصنجيل فى مائة ألف مقاتل وقلج فى عدد يسير، واقتتلوا؛ فانهزم الفرنج وأسر كثير منهم، وفاز قلج بالظّفر والغنيمة «٣» . ومضى صنجيل مهزوما فى ثلاثمائة، فوصل إلى الشام، فأرسل فخر الملك بن عمّار «٤» صاحب طرابلس إلى الأمير جناح الدّولة «٥» بحمص وإلى الملك دقاق بدمشق يقول: من الصّواب معاجلة صنجيل إذ هو فى العدد اليسير.
стр. 10957
فخرج إليه جناح الدّولة بنفسه «١» وسيّر دقاق ألفى مقاتل؛ وأتتهم الأمداد من طرابلس. وصافّوا صنجيل فأخرج مائة من عسكره إلى أهل طرابلس ومائة إلى عسكر دمشق وخمسين إلى عسكر حمص وبقى هو [فى] «٢» خمسين.
فأما عسكر حمص فانهزموا عند المشاهدة وتبعهم عسكر دمشق.
وأما عسكر طرابلس فإنهم قتلوا المائة الذين قاتلوهم، فحمل صنجيل فى المائتين الباقيتين، فكسروا أهل طرابلس وقتلوا منهم سبعة آلاف رجل.
ونازل طرابلس وحصرها.
وأتاه أهل الجبل فأعانوه على حصرها، هم وأهل السّواد، لأن أكثرهم نصارى. فقاتل من بها أشدّ قتال، فقتل من الفرنج ثلاثمائة: ثم هادنهم ابن عمّار على مال وخيل، فرحل صنجيل عنهم إلى مدينة أنطرسوس، «٣» وهى من أعمال طرابلس، فحصرها وفتحها «٤» ، وقتل من بها من المسلمين.
ورحل إلى حصن ألطوبان «٥» ، ومقدّمه ابن العريض، فقاتلهم فنصر
стр. 10958
عليهم وأسر فارسا من أكابر فرسانهم، فبذل فيه صنجيل عشرة آلاف دينار وألف أسير فلم يجبه ابن العريض إلى ذلك.
ثمّ سار صنجيل إلى حصن الأكراد «١» فحصره، فجمع الأمير جناح الدّولة عسكره ليسير إليه ويكبسه، فقتله باطنىّ بالمسجد الجامع. فلما قتل صبّح صنجيل حمص من الغد ونازلها وملك أعمالها.
[٧٨] ذكر ملك الفرنج جبيل وعكا
وفى سنة سبع وتسعين وأربعمائة وصلت مراكب من بلاد الفرنج إلى مدينة لاذقيّة، فيها التّجّار والمقاتلة والحجّاج وغيرهم؛ فاستعان بهم صنجيل الفرنجى على حصار طرابلس فحاصروها معه وضايقوها، فلم يروا فيها مطمعا، فرحلوا عنها إلى مدينة جبيل «٢» فحصروها وقاتلوا عليها قتالا شديدا. فلمّا رأى أهلها عجزهم عن الفرنج طلبوا الأمان على تسليمها، فبذل لهم صنجيل الأمان، وتسلّم البلد منهم فلم يف لهم. وأخذ الأفرنج أموالهم وعاقبوهم عليها بأنواع العذاب. ثم ساروا إلى عكّا نجدة لبغدوين، صاحب القدس، على حصارها؛ فنازلوها وحصروها فى البر والبحر، وعليها زهر الدّولة «٣» الجيوشى، فقاتلهم أشدّ قتال. فلمّا عجز عن حفظ البلد فارقه؛ وملك الفرنج عكّا بالسّيف، وفعلوا بأهلها الأفعال الشنيعة. وساروا منها إلى دمشق ثم إلى مصر.
стр. 10959
وفى سنة تسع وتسعين وأربعمائة ملك الفرنج حصن أفامية وسرمين من أعمال حلب.
وفى سنة اثنتين وخمسمائة فتح السردانى «١» عرقة، وذلك أنّها كانت بيد غلام فخر الملك بن عمّار وقد عصى على مولاه، فضاق به القوت وانقطعت عنه الميرة، فكاتب طغزتكين «٢» صاحب دمشق أن يرسل إليه من يتسلّم الحصن لعجزه عن حفظه. فبعث إليه طغزتكين صاحبا له اسمه إسرائيل فى ثلاثمائة، فتسلّم الحصن. فلمّا نزل غلام ابن عمّار رماه إسرائيل بسهم فقتله فى الاختلاط «٣» طمعا فى المال الذى بعرقة لئلا يطّلع طغزتكين عليه.
قال وأراد طغزتكين أن يشحن الحصن بالعساكر والأقوات، فتوالت الأمطار [والثلج] «٤» مدّة شهرين، فعجز عن ذلك. فلمّا انقطع المطر ركب أربعة آلاف فارس وجاءوا إلى عرقة، فتوجّه إليه السّردانى وهو يحاصر طرابلس ومعه ثلاثمائة فارس، فانهزم عسكر طغزتكين عند ما أشرفت الخيل من غير قتال، فأخذ السّردانى أثقالهم وتسلّم الحصن بأمان، وقبض على إسرائيل، وقال لا أطلقه إلا بفلان وهو من أكابر الفرنج كان أسيرا، ففودى به.
ذكر ملك الفرنج طرابلس وبيروت
كان صنجيل لمّا ملك مدينة جبيل، كما ذكرنا، حصر طرابلس، فلمّا
стр. 10960
لم يتمكّن منها وعجز عن الاستيلاء عليها بنى بالقرب منها حصنا وجعل تحته ربضا، وأقام يرصدها ينتظر فرصة، فخرج فخر الملك أبو على بن عمّار، صاحب طرابلس، فأحرق ربضه؛ فوقف صنجيل على سقوفه المحترقة، ومعه جماعة من القمامصة والفرسان، فانخسف بهم. فمرض صنجيل عشرة أيّام، ومات، وحمل إلى القدس فدفن هناك. وذلك فى سنة تسع وتسعين وأربعمائة «١» .
ودامت الحرب على طرابلس خمس سنين. فسار فخر الملك ابن عمّار إلى بغداد يستنجد بالخليفة والسّلطان على الفرنج، على ما ذكرناه، وعاد من بغداد فى منتصف المحرم سنة اثنتين وخمسمائة وتوجه إلى جبيلة «٢» فدخلها وأطاعه أهلها.
وأما طرابلس فإن ابن عمّار لمّا فارقها راسل أهلها الأفضل أمير الجيوش يلتمسون منه واليا يكون عندهم ومعه الميرة فى البحر، فسيّر إليهم الأفضل شرف الدّولة بن أبى الطّيّب واليا، ومعه الغلال وغيرها. فلمّا صار إليها قبض على جماعة من أهل ابن عمّار واستولى على ما وجده من أمواله وذخائره «٣» .
فلمّا كان فى شعبان سنه ثلاث وخمسمائة وصل أسطول كبير من بلد
стр. 10961
الفرنج، مقدّمه قمص كبير اسمه ريمند بن صنجيل «١» ، ومراكبه مشحونة بالرّجال والسلاح والميرة وليس ريمند هذا ابن صنجيل صاحب الحصن «٢» المقدم ذكره. فنزل على طرابلس وكان السّردانى وهو ابن اخت صنجيل محاصرا لها قبله، فجرت بينهما فتنة أدّت إلى الشرّ والقتال فوصل تنكرى صاحب أنطاكيّة إليها إعانة للسّردانى، ووصل بغدوين صاحب البيت المقدّس فى عسكره، فأصلح بينهم «٣» ونزل الفرنج بأجمعهم على طرابلس وضايقوها، وذلك [٧٩] فى شعبان، وألصقوا أبراجهم بسورها. فلمّا شاهد الجند وأهل البلد ذلك سقط فى أيديهم، وذلّت نفوسهم، وزادهم ضعفا. فتأخر الأسطول المصرىّ عنهم بالميرة والنّجدة؛ وداوم الفرنج القتال والزّحف إلى أن ملكوا البلد عنوة؛ وذلك فى يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة، سنة ثلاث وخمسمائة «٤» . ونهبوا ما فيها، وأسروا الرجال، وسبوا النّساء والذّرّية، وغنموا من أهلها من الأموال والأمتعة
стр. 10962
وكتب العلم الموقوفة ما لا يحد ولا يوصف.
وكانت طرابلس من أعظم البلاد وأهلها من أكثر الناس أموالا.
وسلم الوالى الذى كان بها وجماعة من جندها كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها، فوصلوا إلى دمشق؛ وعاقب الفرنج أهل طرابلس بأنواع العقوبات، وأخذت دفائنهم وذخائرهم «١» .
ووصل الأسطول المصرى بالرجال والغلال وغيرها، ما يكفيهم سنة، وكان وصول الأسطول إليها بعد أن ملكت بثمانية أيام؛ ففرّق ما فى الأسطول على الجهات المجاورة لها: صور وصيدا وبيروت.
ذكر ملك الفرنج جبلة وبلنياس
قال: ولما فرغ الفرنج من طرابلس سار تنكرى صاحب أنطاكية إلى بلنياس «٢» فافتتحها وأمّن أهلها؛ ونزل على مدينة جبلة «٣» وبها فخر الملك ابن عمّار، وكان القوت قد قلّ بها، فقاتل من بها إلى أن ملكها فى الثانى والعشرين من ذى الحجة بالأمان.
وخرج فخر الملك ابن عمّار وقصد شيزر، فأكرمه صاحبها الأمير سلطان ابن علىّ بن منقذ الكنانى. ثمّ سار إلى دمشق فأكرمه طغزتكين
стр. 10963
صاحبها، وأجزل له فى العطيّة وأقطعه أعمال الزّبدانى؛ وذلك فى المحرم سنة أربع وخمسمائة «١» .
ذكر ملكهم مدينة صيدا
وفى جمادى الأولى «٢» سنة أربع وخمسمائة ملك الفرنج مدينة صيدا، وكانت من جملة ما هو بيد طغزتكين صاحب دمشق. وذلك أنّه وصل فى البحر ستّون مركبا للفرنج مشحونة بالرّجال والذّخائر مع بعض ملوكهم «٣» ، ليحجّ إلى القدس ويغزو «٤» المسلمين بزعمه؛ فاجتمع به بغدوين صاحب القدس وقرّر معه الغزو فنزلوا «٥» على مدينة صيدا فى ثالث شهر ربيع الآخر، وضايقوها فى البرّ والبحر، ومنعوا الأسطول المصرىّ من الوصول إليها، وكان بساحل مدينة صور، فعمل الفرنج برجا من الخشب وأحكموه، وجعلوا عليه ما يمنع النّار والحجارة عنه، وزحفوا به. فلمّا عاين أهل صيدا ذلك ضعفت نفوسهم وأشفقوا أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل بيروت؛ فأرسلوا قاضيها ومعه جماعة من شيوخها إلى الفرنج وطلبوا الأمان، فأمّنهم على نفوسهم وأموالهم والعسكر الّذى عندهم، ومن أراد المقام بها «٦» عندهم أمّنوه،
стр. 10964
ومن أراد المسير عنهم لا يمنعونه؛ وحلفوا لهم على ذلك فخرج الوالى وجماعة كثيرة معه تحت الأمان؛ وكانت مدّة الحصار سبعة وأربعين يوما.
ورحل بغدوين عنها إلى القدس، ثمّ عاد إليها بعد مدّة يسيرة يقرّر على المسلمين الذين أقاموا بها عشرين ألف دينار، فاستغرق أموالهم وأفقرهم.
ذكر استيلائهم على حصن «١» الأثارب وحصن زردنا
وفى سنة أربع وخمسمائة جمع صاحب أنطاكيّة الفارس والرّاجل، وسار إلى حصن الأثارب، وهو على ثلاث فراسخ من حلب، فحصره ومنع الميرة عمّن فيه؛ فضاق الأمر عليهم. فنقب المسلمون من القلعة نقبا وقصدوا أن يخرجوا منه إلى خيمة صاحب أنطاكيّة فيقتلوه. فلمّا فعلوا ذلك استأمن إليه صبىّ أرمنىّ فعرّفه الحال، فاحتاط لنفسه واحترز؛ وجدّ فى قتالهم حتى ملك الحصن عنوة، وقتل من أهله ألفى رجل «٢» وسبى.
ثم سار إلى حصن زردنا «٣» ، فحصره وفتحه، وفعل باهله مثل ذلك.
فلمّا سمع بذلك أهل منبج فارقوها خوفا من الفرنج، وكذلك أهل بالس «٤» ، فطلب أهل الشّام الهدنة، فامتنع الفرنج ثمّ أجابوا. فصالحهم الملك رضوان صاحب حلب على اثنتين [٨٠] وثلاثين ألف دينار، وخيول وثياب، وصالحهم ابن منقذ صاحب شيزر على أربعة آلاف دينار،
стр. 10965
وصالحهم علىّ الكردى صاحب حماة على ألفى دينار. وكانت عدة الهدنة إلى إدراك المغلّ وحصاده «١» . ثمّ جاءت العساكر من العراق ولم يبلغوا غرضا.
ذكر حصر مدينة صور وفتحها
كان استيلاء الفرنج، خذلهم الله تعالى، على مدينة صور فى الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمانى عشرة وخمسمائة. وكان ابتداء الحصار فى سنة خمس وخمسمائة؛ وذلك أن الفرنج فى هذه السّنة اجتمعوا مع بغدوين صاحب القدس على حصارها، وكانت إذ ذاك بيد نوّاب الآمر بأحكام الله «٢» وبها من قبله عز الملك الأعز، فحصروها فى الخامس والعشرين من جمادى الأولى من السّنة، وعملوا ثلاثة أبراج من الخشب علوّ البرج سبعون ذراعا فى كلّ برج ألف رجل؛ ونصبوا عليها المجانيق. وألصقوا أحد الأبراج بسور صور، فجمع عزّ الملك أهل البلد واستشارهم فى حيلة يدفعون بها شرّ الأبراج. فقام شيخ من أهل طرابلس وضمن إحراقها، وأخذ ألف رجل بالسّلاح التام، ومع كلّ رجل حزمة حطب؛ فقاتلوا الفرنج حتّى وصلوا إلى البرج الملتصق بالسّور وألقوا الحطب من جهاته، وأشعلوا فيه النار. ثم خاف أن يشتغل الفرنج الذين فى الأبراج بإطفاء النّار، فرماهم بجرار مملوءة بالعذرة كان قد أعدّها لهم فلمّا سقطت عليهم اشتغلوا بما نالهم من الرّائحة الكرهة،
стр. 10966
فتمكّنت النار من البرج. وأحرق المسلمون البرجين [الآخرين] «١» أيضا.
وكاتب عزّ الملك طغزتكين، صاحب دمشق، فأنجده بالرّجال، وأرسل أصحابه للإغارة على بلاد الفرنج، فرجعوا من حصار مدينة صور فى شوّال من السّنة.
ثم عادوا فى سنة ستّ وخمسمائة إلى الحصار، وضايقوا البلد، فأرسل أهل صور إلى طغزتكين صاحب دمشق يطلبون منه أن يرسل إليهم من جهته من يتولّى أمرهم ويحميهم، وتكون البلد له. فسيّر إليهم عسكرا، وجعل عندهم واليا اسمه مسعود، وكان شهما شجاعا عارفا بالحرب ومكايدها، وأمدّه بالعساكر والميرة؛ فطابت قلوب أهل البلد. ولم يقطع خطبة الآمر بأحكام الله ولا غيّر سكّته؛ وكتب إلى الأفضل أمير الجيوش يعرّفه ما عمل ويقول: متى وصل من مصر من يتولّاها ويذبّ عنها سلّمتها إليه؛ وطلب منهم ألّا ينقطع الأسطول عنها بالرّجال والميرة. فأجابه الأفضل إلى ذلك، وشكره على ما فعل، وجهّز أسطولا إليها، فاستقامت أحوال أهلها.
ولم يزل كذلك إلى سنة ستّ عشرة وخمسمائة، بعد قتل الأفضل أمير الجيوش. وذلك أن المأمون بن البطائحى لمّا ولى إمرة الجيوش بعد قتل الأفضل سيّر إلى مدينة صور أسطولا على العادة، وأمر المقدّم عليه أن يعمل الحيلة على الأمير مسعود، الوالى من قبل طغزتكين، ويقبض عليه، ويتسلم البلد منه. وكان سبب ذلك أنّ أهل صور شكوا منه إلى الآمر بأحكام الله.
فلمّا وصل الأسطول وجاء الأمير مسعود ليسلّم على المقدّم قبض المقدّم عليه
стр. 10967
واعتقله، وحمله إلى الآمر؛ فأكرمه وأعاده إلى صاحبه بدمشق. واستولى مقدّم الأسطول على مدينة صور، وراسل الأمير طغزتكين بالخدمة، واعتذر إليه، فقبل عذره «١» ، ووعده المساعدة.
فلمّا سمع الفرنج بانصراف مسعود عن صور قوى طمعهم فيها، وشرعوا فى الجمع؛ واتّصل خبرهم بواليها، فعلم أنّه لا قوّة له ولا طاقة بهم، لقلّة من بها من الجند والميرة، وأرسل إلى الآمر بذلك؛ فرأى أن يردّ ولاية صور إلى طغزتكين، فأرسل إليه بذلك، فملكها ورتّب بها الجند وغيرهم.
وسار الفرنج إلى صور، ونازلوها فى شهر ربيع الأول سنة ثمانى عشرة، وضيّقوا عليها ولازموا القتال؛ فقلّت الأقوات، وسئم من بها القتال، وضعفت نفوسهم. وسار طغزتكين إلى بانياس ليقرب منهم ويذبّ عن البلد، وأرسل إلى الآمر يستنجده، فلم ينجده؛ وأشرف أهلها على الهلاك.
فحينئذ راسل طغزتكين الفرنج على أن يسلّم إليهم البلد ويمكّنوا من بها من الجند والرّعية من الخروج بما قدروا عليه من أموالهم وغيرها فاستقرّت القاعدة على ذلك، وفتحت أبواب البلد، وفارقه أهله، وحملوا ما أطاقوا وتفرّقوا فى البلاد، ولم يتعرّض الفرنج إليهم. وملك الفرنج البلد فى التّاريخ [٨١] الذى قدّمناه، ولم يبق بصور إلّا ضعيف عاجز عن الحركة «٢» .
وفى سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة ملك الفرنج حصن القدموس «٣» من المسلمين، وملكوا بانياس بمراسلة إسماعيل الإسماعيلى ورغبته فى ذلك،
стр. 10968
وانضمامه إلى الفرنج، على ما قدّمنا ذكره «١» فى أخبار تاج الملوك طغزتكين صاحب دمشق.
هذا ما استولى عليه الفرنج من البلاد الإسلامية. فلنرجع إلى أخبار الدّولة العبيديّة.
ذكر وفاة المستعلى بالله
كانت وفاته فى يوم الثّلاثاء لثلاث عشرة بقيت من صفر «٢» سنة خمس وتسعين وأربعمائة.
ومولده لعشر بقين من المحرّم سنة سبع وستين «٣» وأربعمائة؛ وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة «٤» وثمانية وعشرين يوما.
ومدّة ولايته سبع سنين وشهرا واحدا وثمانية وعشرين يوما.
ولم تكن له سيرة تذكر، فإن الأمر كان للأفضل أمير الجيوش، لم يكن للمستعلى معه من الأمر إلّا الاسم، والرّسم للأفضل.
стр. 10969
وكان للمستعلى من الأولاد أبو على المنصور، وجعفر، وعبد الصّمد.
وزيره الأفضل أمير الجيوش.
قضاته: أبو الحسن بن الكحّال النابلسى؛ ثم أعاد بن عبد الحاكم، ثم أبو طاهر محمد بن رجاء، ثم أبو الفرج محمد بن جوهر بن ذكا النابلسى.
ذكر بيعة الآمر بأحكام الله
هو أبو على المنصور بن المستعلى بالله؛ وهو العاشر من ملوك الدّولة العبيديّة والسّابع من ملوك الدّيار المصريّة منهم.
قال المؤرخ: لمّا مات المستعلى بالله أجلس الأفضل أمير الجيوش ولده أبا على هذا على سرير الخلافة، وذلك فى يوم الثّلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة؛ وبايع له النّاس ولقّبه بالآمر بأحكام الله وله من العمر خمس سنين وشهر واحد وأيام.
قال: ودبّر الأفضل الأمر على ما كان عليه فى أيام أبيه المستعلى «١» .
وفى سنة خمسمائة بنى الأفضل أمير الجيوش الدّار المعروفة بدار الملك «٢» على شاطئ النيل بمصر، وكملت عمارتها فى سنة إحدى وخمسمائة، وسكنها.
стр. 10970
ومدحه الشّعراء. فمن مدحه أبو الفضل بن أمية المغربى من قصيدة جاء منها:
دار هى الفلك الأعلى، وأنت بها ... شمس الضّحى، وبنوك الأنجم الزّهر
ودار الملك هذه هى دار الوكالة الآن «١» ؛ وكان موضعها أخصاص موقوفة على الأشراف، فأمر أن يؤخذ ما كان لهم من الحكر على الأخصاص من مال الرّياع السّلطانية.
ذكر إنشاء ديوان التحقيق
وفى سنة إحدى وخمسمائة جدّد الأفضل ديوانا وسمّاه ديوان التحقيق «٢» ، واستخدم فيه أبا البركات يوحنّا بن أبى اللّيث النّصرانى؛ وبقى فيه إلى أن قتل فى سنة ثمان وعشرين «٣» . واستمرّ هذا الديوان إلى أن انقرضت الدّولة العبيديّة وانقطع، ثم أعاده السّلطان الملك الكامل بن الملك العادل فى سنة أربع وعشرين، واستخدم فيه أبو كوجك «٤» اليهودى. ثمّ أبطل فى سنة ستّ وعشرين وستمائة فلم يعد. واستخدم فى أيام السلطان
стр. 10971
الملك المعزّ أيبك صفىّ الدّين عبد الله بن على المغربى فى استيفاء مقابلة الدواوين، وهو نوع منه «١» .
ذكر حل الإقطاعات وتحويل السنة
وفى سنة إحدى وخمسمائة كثرت شكاوى الأجناد وطوائف العساكر المصريّة بسبب إقطاعاتهم، وأنّها خربت وقلّ ارتفاعها، وأنّها لا تقوم ببعض كلفهم، وأن الإقطاعات التى بيد الأمراء زائدة عن الارتفاع.
فأحضر الأفضل محمد [٨٢] بن فاتك البطائحى «٢» ، وهو وزيره وأستاذ داره، واستشاره فيما يفعل فى ذلك؛ فأشار عليه بحلّ جميع الإقطاعات التى بيد الأمراء وغيرهم، وأن يجمع الأمراء والطّوائف للمزايدة فيها. فاتّفق الرأى على ذلك.
وأحضر الأمراء والأجناد فى دار الوزارة، وتحدّث معهم فى ذلك؛ فقال الأمراء: لنا فى إقطاعاتنا أملاك وبساتين ومعاصر وغيرها. فقال الأفضل: الأملاك لملّاكها على حالها يتصرّفون فيها بالبيع والإيجار.
ثم حلّ الإقطاعات ووقعت الزّيادة فيها، وتميّز لكلّ منهم إقطاع، وكتبت المناشير بذلك. ثم شكى إليه كثرة عبرة البلاد «٣» وأنّ متحصّلها لا يفى بالعبرة.
стр. 10972
وحصل للديوان ضياع مفردة «١» عبرتها خمسون ألف دينار فى كلّ سنة.
ونقلت السّنة الشمسية الخراجيّة إلى الهلاليّة؛ وكانت سنة إحدى وخمسمائة الهلالية وسنة سبع وتسعين وأربعمائة الخراجيّة فنقلت إلى سنة إحدى وخمسمائة «٢» .
ذكر أخذ الفرما وهلاك بغدوين الفرنجى صاحب القدس
وفى سنة إحدى عشرة وخمسمائة «٣» أغار بغدوين ملك الفرنج على الفرما «٤» وقتل جميع من بها، وأحرق جامعها ومساجدها، وذلك بعد أن حاصرها أياما والفرما كانت بلدة بين القصير والغرابى من منازل الرّمل، وهى الآن خراب. وقصد بغدوين مصر فرحل عن الفرما. ورجع إلى البيت
стр. 10973
المقدّس، وهو مثقل بالمرض، فهلك بموضع يقال له جور قبل وصوله إلى العريش. فشقّ الفرنج بطنه وألقوا مصارينه هناك، فهى ترجم إلى وقتنا هذا، ودخلوا بجثته، فدفنوها بقمامة بالبيت المقدس.
وفى سنة إحدى عشرة وخمسمائة رتّب ذخيرة الملك جعفر فى ولاية القاهرة، ونظر الحسبة وظلم وعسف؛ وهو الّذى بنى المسجد بسوق الخيل المعروف: بالذّخيرة، ومسجد «لا بالله» «١» ، وسبب تسميته بذلك أنّه كان يقبض النّاس من الطّريق ويعسفهم، فيقولون له: لا بالله، فيقيّدهم ويستعملهم فيه بغير أجرة. ولم يعمل فيه صانع إلّا وهو مكره مقيّد. فابتلى الله ذخيرة الملك بأمراض شديدة، ولمّا مات تجنّب النّاس الصلاة عليه وتشييعه.
ذكر نهب ثغر عيذاب
وفى سنة ثنتى عشرة وخمسمائة عمّر الشريف أبو محمد قاسم بن أبى هاشم «٢» ، أمير مكة، مراكب حربية وشحنها بالمقاتلة وسيّرهم إلى عيذاب «٣» ، فنهبوا مراكب التّجار وقتلوا جماعة منهم. فحضر من سلم من
стр. 10974
الجار إلى باب الأفضل وشكوا ما حلّ بهم فأمر بعمارة حراريق «١» لجهّزها، ومنع الناس أن يحجّوا فى سنة أربع عشرة، وقطع الميرة عن الحجاز، فغلت الأسعار. وكان الأفضل قد كتب إلى الأشراف بمكة يلومهم على فعل صاحبهم، فكتب الشريف إلى الأفضل يعتذر، والتزم بردّ المال إلى أربابه، ومن قتل من التّجار فماله لورثته. وأعاد الأموال فى سنة خمس عشرة «٢» .
ذكر مقتل الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش ابن أمير الجيوش بدر الجمالى وشىء من أخباره
كان مقتله فى يوم الأحد سلخ شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة، وقد ركب من دار الملك بمصر فقتل عند كرسى الجسر «٣» ،؟؟؟ تلة الباطنية. قيل بمواطأة من الآمر لأنه كان قد ضاق منه لتحكّمه عليه ومنعه من شهواته، فقصد اغتياله إذا دخل عليه للسلام، فمنعه أبو الميمون عبد المجيد بن أبى القاسم، ابن عمه، وقال: إنّ هذا الأمر فيه من قبح الأحدوثة وسوء الشّناعة ما لا تحمد عاقبته، لأنّ هذا الرجل ما عرف له ولا لأبيه إلّا المودّة فى خدمة هذا البيت والذّب عنه، وإن قتلناه غيلة لا غنية أن
стр. 10975
نولّى منصبه لغيره، فيكون المتولّى بعده على وجل واحتراس. وإنّما الرأى أن ندبّر عليه. فدبّر عليه حتى قتل. هذا أحد الأقوال فى قتله.
قال: ولما وثب الباطنية عليه ضرب ثمانى ضربات، فمات لوقته، وحمل على أيدى مقدّمى ركابه، والقائد الميمون محمد وأخوته لا يمكّنون أحدا من الدنوّ منه، وهم [٨٣] يبشرون النّاس بسلامته، حتى وضعوه على سريره وغطّى. ونفّذ المأمون أخاه حيدرة إلى الآمر يقول له: أدركنى وتسلّم ملكك لئلا أغلب عليه أنا وأنت؛ وأوصاه أن يهنّئ من وجده بسلامة الأفضل. ففعل حيدرة ذلك، وهنّأ حرم الأفضل وغيرهم. فعزم أولاده على إثارة فتنة وأنهم يطلبون الأمر لأخيهم تاج المعالى؛ فأمر الآمر بحمل أولاد الأفضل إلى الإعتقال بخزانة البنود، فحملوا إليها، وبات الأمر بدار الملك.
قال: وكان الأفضل حسن الاعتقاد فى مذهب السنّة، جميل السيّرة، مؤثرا للعدل، صائب الرأى والتّدبير، حسن الهمّة، كريم النّفس، صادق الحديث.
ونال النّاس بعد قتل الأفضل من الظّلم والجور والعسف ما لا يعبّر عنه.
فجاء النّاس إلى باب الآمر واستغاثوا، ولعنوا الأفضل وسبّوه أقبح سبّ؛ فخرج إليهم الخدم وقالوا: مولانا يسلّم عليكم ويقول لكم: ما السّبب فى سبّ الأفضل وقد كان قد أحسن إليكم وعدل فيكم؟ فقالوا: إنّه عدل وتصدّق وحسنت آثاره، ففارقنا بلادنا حبّا لأيّامه، وأقمنا فى بلده، فحصل بعده هذا الجور؛ فهو السّبب فى خروجنا عن أوطاننا واستقرارنا ببلده.
стр. 10976
قال المؤرخ: لما قتل الأفضل أحضر الآمر وزيره الشيخ أبا الحسن على الحلبى والقائد أبا عبد الله محمدا وسألهما عن الأموال، فقال القائد: أمّا السّر فأعلمه وأمّا الظاهر فالوزير يعلمه؛ وأخبراه بذخائره وأمواله. وأقام الآمر فى دور الأفضل، وهى دار الملك بمصر ودار الوزارة بالقاهرة، وغيرهما، أربعين يوما، والكتّاب بين يديه يكتبون ما ينقلونه إلى القصور؛ فوجد له من الذّخائر النفيسة ما لا يحصى «١» .
وذكر أن الذى وجد له من الأموال ستّة آلاف ألف دينار عينا؛ وفى بيت الخاصّة ثلاثة آلاف ألف دينار، وفى البيت البرّانى ثلاثة آلاف [ألف] «٢» ومائتان وخمسون دينارا، وخمسون أردبا دراهم [ورق] «٣» وثلاثون راحلة من الذّهب العراقى المغزول برسم الرّقم؛ وعشرة بيوت فى كلّ بيت منها عشرة مسامير من الذهب «٤» ، زنة كلّ مسمار مائتا مثقال، عليها العمائم المختلفة الألوان مغطاة بالمناديل المزركشة، وتسعمائة ثوب من الدّيباج الملوّن، وخمسمائة صندوق من دقّ دمياط وتنيس برسم كسوة جسده، ولعبة من العنبر على قدر جسده برسم ثيابه توضع ثيابه عليها لتكتسب رائحتها. وترك من الطّيب والآلات والنّحاس ما لا يحصى.
وترك من الأبقار والجواميس والأغنام ما بلغ ضمان ألبانها ونتاجها أربعين ألف دينار فى السنة. وكانت الدّواة التى يكتب منها مرصّعة بالجواهر، فقوّم ما عليها من الجواهر باثنى عشر ألف دينار. وخلّف من الكتب
стр. 10977
خمسمائة ألف مجلد «١» وحكى القاضى زكىّ الدين أبو زكريّا يحيى بن على الدّمشقى فى تاريخه عما خلّفه الأفضل فقال: خلّف. جملة لم يسمع أنّ أحدا من الملوك والخلفاء فى هذا الزّمان جمع مثله ولا ادّخر مثل بعضه: وأن الآمر بأحكام الله شرع فى حمل ما فى دوره إلى القصر، فحمل على عدّة كثيرة من الجمال والبغال، ونقل فى شهرين وأيّام.
قال: وحكى الدينبلى التاجر الآمدى أن متولّى الخزانة بالقصور ذكر له جملا ممّا حمل من موجوده فى الدّار، منها ستّة آلاف ألف وأربعمائة ألف دينار، ومن الورق ما قيمته مائتا ألف وعشرون ألف دينار، ومن أطباق الذهب والفضة سبعمائة طبق «٢» ، ومن الآلات مثل أتوار واصطال وصحاف وشربات وأباريق وزبادى وقدور وقطع من الفضة والذهب مختلفة الأجناس ما لا يحصى كثيرة؛ وبرانى «٣» صينى كبار؛ وعيبات مملوءة جواهر، ومن أصناف الدّيباج والعتابى وغيره تسعون ألف ثوب، وثلاث خزائن مملوءة صناديق كلّها من الدّبيقى والشرب استعمال تنيس ودمياط، وخزانة الطّيب مملوءة أسفاطا، وعود، وبرانى مسك ونوافج، وبرانى زجاج مملوءة من
стр. 10978
الكافور القنصورى، غير مصاعد، ومن العنبر ما لا يحصى كثرة «١» .
وكان له مجلس يجلس فيه للشراب فيه صور ثمانى جوارى متقابلات، أربع منهنّ بيض من كافور، وأربع سود من عنبر، قيام فى المجلس، عليهن أفخر الثياب وأثمن الحلى وأحسن الجواهر، فكان إذا دخل باب المجلس نكّسن رءوسهنّ خدمة له، فإذا جلس فى صدر المجلس استوين قائمات.
ووجد له من المقاطع والسّتور، والدّيباج والدّبيقى الحريرى، والذهب، والفرش، والمخادّ والمساند على اختلاف أجناسها، كلّ حجرة مملوءة من ذلك، وعدّة صناديق مملوءة حقاق ذهب عراقىّ برسم الاستعمال. ووجد له ثمانمائة جارية [٨٤] منهن حظانا خمس وستون، لكلّ جارية حجرة وخزانة مملوءة من الكساوى والآلات الدّيباج والذّهب والفضة. ومن كل صنف. «٢»
قال الخازن: هذا ما حضرنى حفظه ممّا فى داره. وأما ما كان فى مخازنه وتحت يد عمّاله وجباته وضمّان النّواحى فما لا يحصى كثرة، من الأموال والغلال والحبوب والقطن والكتان والشمع والحديد والأخشاب وغير ذلك.
وكلّ نوع منه ما يجاوز الحدّ والإحصاء، ولا يمكن تحرير حسابه إلّا فى المدة الطويلة «٣» .
وأمّا العدد والخيول والسلاح والبقر والغنم والخيام، فقال الخازن لم تتحرّر
стр. 10979
لكثرتها. وقال حمل من داره أربعة آلاف بساط، وستّون حمل «١» طنافس، وخمسمائة قطعة بلور كبار وصغار، وخمسمائة قطعة محكم، وألف عدل من متاع اليمن والإسكندرية والغرب، وسبعة آلاف مركب «٢» من أصنافها.
وأمّا ما عمّره من المساجد فمنها: جامع الفيلة «٣» ، وقيل إنّه لم يكمله.
وحكى الشريف محمّد بن أسعد الجوانى فى كتابه المترجم بالنقط فى ذكر الخطط أن جامع الفيلة بناه الأفضل فى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وأنّ الأفضل مات ولم يكمّله فكمّله المأمون فى وزارته، وولّى خطابته الشّريف أمين الدّولة أبا جعفر، محمد بن محمد بن هبة الله الحسينى الطرابلسى النّسابة، وأمر أن يحضر جميع وجوه الدّولة والرؤساء فى أوّل جمعة، فحضروا. فلمّا رقى الشّريف المنبر قال: «الحمد لله» ، وأرتج عليه ودهش، فلم يزل يكرّرها إلى أن أضجر النّاس، ونزل وقد همّ، ومضى إلى داره، فاعتلّ ومات فى سنة سبع عشرة وخمسمائة. ومنها المسجد الّذى على جبل المقطّم. وبنى فى جامع عمرو بن العاص المئذنة الكبيرة والمئذنة السعيدية «٤» والمئذنة المستجدة [به أيضا] «٥» وجامع الجيزة. وغير ذلك.
وهو الّذى أنشأ التّاج والخمسة وجوه.
стр. 10980
قال ناظم سيرة المأمون: وعمل الأفضل خيمة سماها خيمة الفرج، ثم سمّيت بالقاتول لأنها كانت إذا نصبت يموت تحتها من الفرّاشين رجل أو رجلان «١» . اشتملت على ألف ألف ذراع [وأربعمائة ألف ذراع] «٢» وكان ارتفاعها خمسين ذراعا بذراع العمل «٣» ، أنفق عليها عشرة آلاف ألف دينار.
ومدحه جماعة من الشعراء وذكروا هذه الخيمة، منهم أبو جعفر محمد بن هبة الله الطرابلسى بقصيدته التى يقول فيها:
ضربت خيمة عزّ فى مقرّ علا ... أوفت على عذبات الطّود ذى القنن «٤»
جاءت مدى الطّرف، حتى خلت ذروتها ... تأوى من «٥» الفلك الأعلى إلى سكن
أقطارها ملئت من منظر عجب ... يهدى «٦» إليك ذكاء الصّانع الفطن
فمن رياض سقاها القطر صيّبه ... فما بها ظمأ يوما إلى المزن
وجامح فى عنان لا يجاذبه ... وطائر غير صدّاح على فنن
وأرقم لا يمجّ السّم ريقته ... وضيغم ليس بالعادى ولا الوهن
ومائلين صفوفا فى جوانبها ... لو يستطيعون خرّ الجمع للذّقن
стр. 10981
زينث بأروع، لا تحصى فضائله ... ماض من المجد والعلياء فى سنن
وأطلع الدّست فيها شمس مملكة ... يرى «١» التّأمّل فضل العين والأذن
وعد على السّعد أنّ النّصر يضربها ... بالصّين، بعد فتوح الهند واليمن
وقال أبو على حسن بن زيد الأنصارى، الكاتب بديوان المكاتبات، يصفها ويمدح الأفضل:
مهلا، فقد قصرت عن شأوك الأمم ... وأبدت العجز منها هذه الهمم
أخيمة ما نصبت اليوم، أم فلك؛ ... ويقظة ما نراه منك، أم حلم؟
ما كان يخطر فى الأفكار قبلك أن ... تسمو علوّا على أفق النّهى الخيم
حتى أتيت بها شمّاء شاهقة ... فى مارن الدّهر من تيه بها شمم
إنّ الدّليل على تكوينها فلكا ... أن احتوتك، وأنت النّاس كلّهم
ومنها:
[٨٥] لديك جيش، وجيش فى جوانبها ... مصوّر، وكلا الجيشين مزدحم
إذا الصّبا حرّكتها ماج موكبها ... فمقدم منهم فيها ومنهزم
أخيلها خيلك الّلاتى تغير بها ... فليس تنزع «٢» عنها الحزم والّلجم
علّمت أبطالها أن يقدموا أبدا ... فكلّهم لغبار الحرب مقتحم
أمّنتهم أن يخافوا سطوة لردى ... فقد تسالمت الأسياف والقمم «٣»
كأنّها جنّة، والقاطنون بها ... لا يستطيل على أعمارهم هرم
стр. 10982
علت، فخلنا لها سرّا تحدّثه ... للفرقدين وفى سمعيهما صمم
إن أنبتت أرضها زهرا، فلا عجب ... وقد همت فوقها من كفّك الدّيم
قال المؤرخ: وكان للأفضل شعر حسن، فمن قوله فى غلامه المعالى:
أقضيب يميس، أم هو قدّ ... أم شقيق يلوح، أم هو خدّ
أنا مثل الهلال سقما عليه «١» ... وهو كالبدر حين وافاه سعد «٢»
وكانت ولاية لأفضل سبعا وعشرين سنة وخمسة أشهر.
стр. 10983
ذكر تفويض أمور الدّولة وإمرة الجيوش للمأمون البطائحى
قال المؤرخ: وفى الخامس من ذى الحجة من سنة خمس عشرة وخمسمائة فوّض الآمر بأحكام الله أمور الدّولة وإمرة الجيوش للقائد أبى عبد الله محمّد بن الأمير ثقة الدّولة أبى شجاع فاتك بن الأمير منجد الدّولة أبى الحسن مختار المستنصرىّ المعروف بابن البطائحى «١» ، وكان قبل ذلك عند الأفضل أستاذ داره «٢» . واستقرّت نعوته فى سجلّه المقروء على كافة الأمراء والأجناد بالأجلّ المأمون، تاج الخلافة، وجيه الملك، فخر الصنّائع، ذخر أمير المؤمنين. ثمّ نعت بعد ذلك بالأجلّ المأمون، تاج الخلافة، عزّ الإسلام، فخر الأنام، نظام الدّين والدعاة. ثمّ نعت بعد ذلك بنعوت الأفضل وهى: السّيّد الأجل المأمون، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين «٣» .
قال ناظم سيرة المأمون: ولما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من ذى الحجة من السّنة، وهو يوم الهناء بعيد النّحر، جلس المأمون فى داره وقت أذان
стр. 10984
الفجر، وجاء النّاس لخدمته للهناء على طبقاتهم فى أرباب البيوت والأقلام، ثم الشّعراء، وركب إلى القصور، فأتى باب الذّهب، فوجد المرتبة المختصّة بالوزارة قد هيّئت له فى موضعها الجارى به العادة، وأغلق الباب الّذى عندها على الرّسم المعتاد لوزير السّيف والقلم، وهذا الباب يعرف بباب السّرداب. فلما شاهد المرتبة توقّف عن الجلوس عليها لأنّه لم يذكر له ذلك قبل حضوره، ثم ألجأته الضّرورة، لأجل حضور الأمراء، إلى الجلوس عليها فجالس وأولاده الثّلاثة عن يمينه، وأخواه عن يساره، والأمراء المطوّقون «١» خاصّة قائمون بين يديه، ومن عداهم لا يصل إلى هذا الموضع. فما كان بأسرع من أن فتح الباب وخرج عدّة من الأستاذين المحنكين «٢» وخرج إليه الأمير الثّقة متولّى الرّسالة وزمام القصور «٣» ، فوقف أمام المرتبة وقال: أمير المؤمنين يردّ على السّيّد الأجلّ المأمون السّلام. فوقف المأمون عند ذلك وقبل الأرض، وجلس فى موضعه، وتأخر الأمير الثّقة حتى نزل من على المصطبة التى عليها المرتبة وقبّل الأرض ويد المأمون، ودخل من فوره من الباب، وأغلق الباب، على [حاله على] «٤» ما كان عليه الأفضل.
стр. 10985
قال: وكان الأفضل يقول: ما أزال أعدّ نفسى سلطانا حتى أجلس على تلك المرتبة ويعلق الباب فى وجهى والدّخان فى أنفى؛ لأن الحمّام كانت خلف الباب فى السّرداب.
قال: ثم فتح الباب وعاد الثّقة وأشار بالدّخول إلى القصر؛ فدخل المأمون إلى المكان الذى هيّئ له، ودعى لمجلس الوزارة. وبقى الأمراء بالدّهاليز إلى أن جلس الخليفة واستفتح المقرئون. واستدعى المأمون فحضر بين يديه وسلّم عليه أولاده وإخوته «١» ؛ ثم دخل الأمراء وسلّموا على طبقاتهم، ثمّ الأشراف وديوان المكاتبات والإنشاء، ثمّ قاضى القضاة [٨٦] ، والشهود، والداعى، ثم مقدّموا الرّكاب ومتولّى ديوان المملكة.
ثمّ دخل الأجناد من باب البحر، وهو الباب الذى يقابل المدرسة الكامليّة الآن، ثمّ دخل والى القاهرة ووالى مصر وسلّما ببياض أهل البلدين، ثم البطرك والنّصارى والكتّاب منهم، وكذلك رئيس اليهود.
ودخل الشّعراء على طبقاتهم، وأنشد كلّ منهم ما سمحت به قريحته.
وكانت هذه عادة السّلام على ملوك هذه الدّولة، وإنما أوردنا ذلك ليعلم منه كيف كانت عادتهم «٢» .
وفى سنة سبع عشرة وخمسمائة ورد إلى الدّيار المصريّة طائفة كثيرة من عرب لواته من جهة المغرب، وانتهوا إلى الإسكندريّة وأعمالها، وأفسدوا فسادا متحكّما. فندب المأمون إليهم أخاه نظام الملك «٣» حيدرة، الملقّب بالمؤتمن، فقاتلهم وهزمهم، وغنم أموالهم. وتوجّه إلى الإسكندرية
стр. 10986
ودخلها، فصادف مراكب البنادقة قد هجموا على ساحل الثغر وأسروا، فخرج إليهم، وحاربهم وهزمهم، فعادوا. «١»
ذكر القبض على المأمون
قال: وفى سنة تسع عشرة وخمسمائة فى يوم السّبت لأربع خلون من شهر رمضان قبض الآمر بأحكام الله على وزيره المأمون أبى عبد الله محمّد وعلى أخوته [الخمسة] «٢» وثلاثين نفرا من خواصّه وأهله، واعتقله، ولم يزل فى اعتقاله إلى سنة اثنتين وعشرين، فصلبه مع أخوته.
وقيل فى سبب ذلك إنّ المأمون راسل الأمير جعفرا، أخا الآمر، وأغراه بقتل أخيه وأنّه يقيمه مكانه فى الخلافة، واستقرّت القاعدة بينهما على ذلك، واتّصل ذلك بالشيخ أبى الحسن على بن أبى أسامة، متولّى ديوان المكاتبات، وكان خصيصا بالآمر قريبا منه، وناله من المأمون أذى كثير، فأعلم الآمر بالحال. وكان المأمون كثير التطلّع لأخبار النّاس والبحث عن أحوالهم، وكثرت الوشاة فى أيّامه.
قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل: كان ابتداء حال المأمون أن والده كان من جواسيس الأفضل بالعراق، فمات ولم يخلّف شيئا، فتزوّجت أمّه وتركته فقيرا فاتصل ببعض البنائين بمصر، ثم صار يحمل الأمتعة بالسّوق الكبير. فدخل مع الحمّالين إلى دار الأفضل مرّة بعد أخرى فرآه الأفضل خفيفا رشيقا، حسن الحركة، حلو الكلام والحجّة؛
стр. 10987
فسأل عنه؛ فقيل هو ابن فلان؛ فاستخدمه مع الفرّاشين. ثم تقدّم عنده وكبرت منزلته وعلت درجته، إلى أن انتهى إلى ما ذكرنا «١» . قال محمد بن على بن يوسف بن جلب راغب»
فى تاريخ مصر: إن ابن الأثير وهم فى وفاة والد المأمون، وأن والده مات فى سنة ثنتى عشرة وخمسمائة، والمأمون إذ ذاك مدبّر دولة الأفضل «٣» . وأكثر النّاس يذكرون ما ذكره ابن الأثير.
وقال صاحب كتاب البستان فى حوادث الزّمان: إن المأمون كان يرشّ بين القصرين، وجدّه من غلمان المستنصر بالله. والله أعلم «٤» .
ذكر أخبار أبى نجاح بن فنا النصرانى الراهب وقتله
كان هذا الرّاهب من أهل أشموم طنّاح «٥» . وكان قد خدم ولىّ الدّولة يحنّا بن أبى الليث، ثم اتّصل بالخليفة الآمر بعد القبض على المأمون. وبذل فى مصادرة قوم من النّصارى مائة ألف دينار، فأطلق يده فيهم. وتسلسل الأمر إلى أن عمّ البلاء منه جميع رؤساء الدّيار المصريّة وقضاتها وكتّابها وغيرهم. ولم يبق أحد إلا ناله منه مكروه من الضّرب والنهب وأخذ المال. وارتفع شأنه عند الآمر حتى كان يعمل له «٦» ملابس
стр. 10988
مخصوصة به بدمياط وتنّيس من الصّوف الأبيض المنسوج بالذّهب، فكان يلبسها ويلبس من فوقها الغفافير الدّيباج «١» . وكان يتطيب فى كلّ يوم بعدة مثاقيل من المسك. وكان يركب الحمير بالسّروج المحلّاة بالذهب والفضة، ويجلس فى قاعة الخطابة بالجامع العتيق بمصر ويستدعى النّاس للمصادرة. فاستدعى فى بعض الأيام رجلا يعرف بابن الفرس، وكان من أكابر العدول ذوى الهيئات والدّيانة، والناس يعظمونه ويبجّلونه- وأوقع به الإهانة والإخراق؛ فخرج من عنده ووقف فى الجامع يوم الجمعة وقال: يا أهل مصر، انظر واعدل مولانا الآمر فى تمكينه هذا النّصرانى من المسلمين! فارتجّ الناس لكلامه وكادت تكون فتنة؛ فدخل جماعة على الآمر وخوّفوه العاقبة، وعرّفوه ما حلّ بالمسلمين منه [٨٧] فاستدعاه، وكان فى المجلس رجل من الأشراف «٢» ، فأنشد الآمر أبياتا منها:
إن الّذى شرّفت من أجله ... يزعم هذا أنّه كاذب
فقال له الآمر: ما تقول يا راهب؟ فمسكت. فأمر به فقتل. وكان الّذى تولّى قتله الأمير مقداد والى «٣» مصر، وصلبه على الجسر. ثم أنزل وربط على خشبة ورمى فى بحر النيل وخرجت الكتب إلى الأعمال البحريّة أنّه إذا ألقاه الماء إلى جهة أخرجوه عنها حتّى ينتهى إلى البحر المالح.
стр. 10989
ولما قتل هذا الرّاهب وجدوا له مقطعا فيه ثلاثمائة طرّاحة «١» سامان محشوة، جددا، لم تستعمل. هذا من هذا النّوع، خلا ما وجد من الذّهب والفضة والأقمشة والديباج «٢» .
ذكر مقتل الآمر بأحكام الله وشىء من أخباره
كان مقتله فى يوم الثلاثاء لليلتين خلتا «٣» من ذى القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، بجزيرة مصر «٤» بالقرب من المقياس. وثب عليه عشرة نفر من النّزارية وقتلوه، فحمل فى جل «٥» إلى الجامع، ونقل فى مركب عشارى «٦» ، وأحدر إلى اللؤلوة فى الخليج، ثم حمل إلى القصر؛ فتوفّى بقية يومه. وقتل القوم الذين قتلوه.
стр. 10990
وكان مولده فى يوم الثلاثاء لليلة خلت من المحرّم «١» سنة تسعين وأربعمائة وقتل فى يوم الثلاثاء سابع عشر المحرم «٢» منها، فكان عمره أربعا وثلاثين سنة وعشرة أشهر وولايته تسعة وعشرين سنة وثمانية أشهر ونصف شهر. وكان محكوما عليه إلى أن قتل الأفضل وتولّى المأمون فظهر أمره، وصار يتصرّف [ويركب] «٣» فى يوم الجمعة ويوم السّبت ويوم الثلاثاء وإذا لم يركب فى يوم منها ركب فى غيره. ولم يستوزر بعد المأمون وزيرا للسّيف والقلم، بل استبدّ بأموره وباشرها بنفسه.
وكان قبيح السّيرة فى رعيّته، يظلمهم ويأخذ أموالهم ويغتصب أملاكهم؛ وسفك دماءهم، وارتكب المحذورات، واستحسن القبائح.
ويكفى من سوء سيرته تمكينه الرّاهب من المسلمين، وقد تقدم خبره. «٤»
وولد للآمر فى هذه السنة ولد سمى أبا القاسم الطّيب وجعله ولىّ عهده «٥» ، فأخفاه الحافظ.
وزراؤه: الأفضل؛ ثم المأمون.
قضاته: ابن ذكا النابلسى إلى أن رفع إبراهيم حمزة الشاهد إلى الأفضل أمير الجيوش أنه أحدث فى مجلس الحكم فعزله؛ وولّى أبا الفضل نعمة بن بشير الجليس النابلسى إلى أن استقال؛ فولّى الرشيد أبا عبد
стр. 10991
الله محمد بن قاسم الصقلى إلى أن توفى؛ فأعاد الجليس ثم صرفه؛ وولّى أبا الفتح مسلم، فبقى إلى أن تولى المأمون فعزله ونفاه لمّا أخطأ فى قراءته؛ وولّى أبا الحجاج يوسف بن أيوب الأندلسى إلى أن توفى فى سنة إحدى وعشرين وخمسمائة؛ فولّى الآمر أبا عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسّر القيسرانى، فاستمر إلى أن قتل الآمر بأحكام الله «١» .
ذكر بيعة الحافظ لدين الله
هو أبو الميمون عبد المجيد بن محمّد بن المستنصر بالله، وهو الحادى عشر من ملوك الدّولة العبيديّة والثّامن من ملوك الدّيار المصريّة منهم.
بويع له بعد مقتل ابن عمّه الآمر، فى يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من ذى القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، بولاية العهد إلى أن يستبرئ نساء الآمر وهل فيهنّ من هى مشتملة على حمل أم لا.
ذكر قيام أحمد بن الأفضل الحافظ وما كان من أمر أحمد إلى أن قتل
قال المؤرّخ: لما بويع الحافظ لدين الله ثار الجند الأفضليّة وأخرجوا ابن مولاهم، أبا علىّ أحمد بن الأفضل، الملّقب بكتيفات، وولّوه إمرة الجيوش؛ وذلك فى يوم الخميس السّادس «٢» من ذى القعدة منها، فحكم، واعتقل الحافظ صبيحة يوم بيعته، ودعا للإمام المنتظر؛ وقوى أمر ابن الأفضل.
стр. 10992
وفى سنة خمس وعشرين رتّب أحمد بن الأفضل فى الأحكام أربعة قضاة: الشّافعية والمالكية والإسماعيلية [٨٨] والإمامية، يحكم كلّ قاض بمقتضى مذهبه ويورّث بمقتضاه، فكان قاضى الشافعيّة الفقيه سلطان «١» ، وقاضى المالكية الّلبنى «٢» ، وقاضى الإسماعلية أبو الفضل «٣» ابن الأزرق، وقاضى الإمامية ابن أبى كامل «٤» .
وسار أحمد بن الأفضل سيرة جميلة بالنّسبة إلى أيّام الآمر، وردّ على الناس بعض مصادراتهم، وأظهر مذهب الإمامية الاثنى عشرية، وأسقط من الأذان قولهم «حىّ على خير العمل» ، وأمر بالدّعاء لنفسه على المنابر بدعاء اخترعه لنفسه وهو: «السّيد الأجلّ الأفضل، مالك أصحاب الدّول، والمحامى عن حوزة الدّين، وناشر جناح العدل على المسلمين، الأقربين والأبعدين، ناصر إمام الحقّ فى حالتى غيبته وحضوره، والقائم بنصرته بماضى سيفه، وصائب رأيه وتدبيره، أمين الله على عباده، وهادى القضاة إلى اتّباع شرع الحق واعتماده، ومرشد دعاة المؤمنين بواضح بيانه وإرشاده، مولى النعم، ورافع الجور عن الأمم، ما لك فضيلتى السّيف والقلم؛ أبو على أحمد بن السيد الأجلّ الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش «٥» » .
стр. 10993
واستمر أمره إلى يوم الثّلاثاء سادس عشر المحرّم سنة ستّ وعشرين وخمسمائة. فاتّفق ركوبه فى هذا اليوم إلى الميدان بالبستان الكبير «١» ظاهر القاهرة، للّعب بالأكرة «٢» على جارى عادته، فوثب عليه مملوك رومىّ، وقيل بل من صبيان الخاصّة «٣» ، فطعنه طعنة ألقاه بها عن فرسه، ونزل واحتزّ رأسه، ومضى به إلى القصر؛ وذلك بموافقة من الأجناد. فكانت مدّة تغلّبه على الأمر سنة واحدة وشهرين وثلاثة عشر يوما؛ ودفن بتربة أبيه خارج باب النصر «٤» .
ذكر بيعة الحافظ لدين الله الثانية
قال: ولما قتل أحمد بن الأفضل بويع الحافظ بالخلافة بيعة عامّة، وظهر الحمل المنتظر بنتا، فانتقلت الخلافة إليه، وأمر أن يدعى له على المنابر: اللهم صلّ على الذى شيّدت به الدّين بعد أن رام الأعداء دثوره، وأقررت الإسلام بأن جعلت طلوعه على الأمّة وظهوره، وجعلته آية لمن يدبّر الحقائق بباطن البصيرة، مولانا وسيّدنا وإمام عصرنا وزماننا، عبد المجيد أبى الميمون، وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، صلاة دائمة
стр. 10994
إلى يوم الدين «١» .
قال: ولما تم أمر الحافظ استوزر أبا الفتح يانس، وهو رومّى من مماليك الأفضل، ولقبه بأمير الجيوش؛ فقتل الطّائفة المعروفة بصبيان الخاصّ، ومن جملتهم قاتل أحمد بن الأفضل. وكان عظيم الهيبة، بعيد الغور، فخافه الحافظ وتخيّل منه، وتخيّل يانس أيضا من الحافظ، فدبّر كلّ واحد منهما على صاحبه، فسبق تدبير الحافظ فيه فسمّه فى إبريق استعمل الماء منه عند الطّهارة فعولج وكاد أن يبرأ. فكلّم الحافظ بعض الأطباء، فقال له الطبيب: إن رأى مولانا أمير المؤمنين أن يمضى إليه ويزوره ويهنّئه بالعافية فإنّه لا بدّ أن ينهض إليك ويمشى، فإذا مشى لا يكاد يعيش أبدا. فمضى إليه الحافظ فقام إليه وتلقّاه، فمات فى ليلته؛ وذلك فى السّادس والعشرين من ذى الحجة «٢» فكانت مدة وزارته تسعة أشهر.
ذكر الخلف بين ابنى الحافظ لدين الله
قال المؤرخ: وفى شعبان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة جرى بين أبى نزاب حيدرة وحسن، ولدى الحافظ، حرب شديدة، وافترقت العساكر على فرقتين، وهما الرّيحانية والجيوشية، وكان بينهما وقعة فى خامس شهر رمضان ووقع الحرب بينهما بين القصرين؛ وقتل من الطّائفتين تقدير عشرة آلاف إنسان. وكان سبب ذلك أن الحافظ جعل ولده حيدرة ولىّ عهده من بعده، فلم يرض حسن بذلك، فوقع الاختلاف والحرب بينهما.
واستظهر حسن على أخيه حيدرة، فهرب حيدرة إلى أبيه، فأرسل الحافظ إلى ابنه حسن ليدخل إليه، فامتنع وضايق القصر، وطالبه بأخيه
стр. 10995
حيدرة، فتلافاه الحافظ وجعله ولىّ عهده من بعده. وتمكّن حسن من الدّولة والتصرف فيها بحسب رأيه، ولم يبق للحافظ معه حكم «١» .
[٨٩] ذكر مقتل حسن بن الحافظ
كان مقتله فى يوم الثّلاثاء الثّالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة وذلك أنه لمّا استقر فى ولاية العهد والوزارة والتدبير واستبدّ بالأمر، قبض على جماعة من الأمراء وقتلهم، بسبب قيامهم مع أحمد بن الأفضل، وأقام غيرهم؛ فخافه من بقى من الأمراء العتق، وأجمعوا على خلع أبيه من الخلافة وولده حسن من الوزارة فاجتمعوا بين القصرين، وراسلوا الحافظ، وأعلموه بما أجمعوا عليه، فاستعطفهم الحافظ واعتذر إليهم؛ وهرب حسن إلى أبيه، فقبض عليه وقيّده، وذكر ذلك للأمراء، فقالوا: لا بدّ من قتله، فسقاه أبوه سمّا فمات، وجعله على سرير، وأمر الأمراء بمشاههدته، فدخلوا عليه وورأوه فسكتوا. وقيل إن قيام الأمراء «٢» كان بتدبير الحافظ.
ذكر وزارة بهرام الأرمنى
وفى يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة، وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت منه، استوزر الحافظ بهرام الأرمنى النّصرانى، ونعته بسيف الإسلام تاج الملوك «٣» وكان بهرام المذكور قد وصل إلى الدّيار المصريّة
следующие страницы →